← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) (١). وفي الحديث الصحيح (٢): "ومن أظلمُ ممن ذهب يخلق كخلقي ". وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ) الآية (٣). وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)) (٤). وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ) الآيات (٥). وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين (٦)). وقوله في الذي آتاه الله الملك: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٧). وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) الآية (٨). وقوله: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) (٩). وقوله: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)) (١٠). وقال: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (١١). وقوله: (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا

стр. 2067

جِثِيًّا (٧٢)) (١)، (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) (٢). وقال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) (٣)، (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)) (٤). وقال: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)) (٥)، (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً) (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)) (٦). وقوله: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)) (٧). وقوله: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)) (٨). وقول أهل الأعراف: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)) (٩). وقوله: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)) (١٠). وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)) (١١) (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) (١٢) (وَوَقَعَ الْقَوْلُ

стр. 2068

عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا) (١). وقوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) (٢). والآيات في هذا كثيرة. وهؤلاء الذين قالوا: إن الظلم إضرار غير مستحق، قصدوا بذلك الظلم المعروف بينهم، وهو ظلم العباد الذين يتضررون بالظلم في حقوقهم. وأما الظلم في حق الله تعالى فلم يستشعروه ولم يقصدوه، ولعلهم لا يعدُّونه ظلمًا، كما هو في أكثر النفوس العامية، بناءً على أن الله غني لا يلحقه ضرر، لكن أكثر هؤلاء مع هذا يوجبون شكره على إحسانه إليهم بالعقل المجرد قبل ورود شرع إذا فُرِضَ خُلُوُّ العباد عن شرع يجعلون العقل معرِّفًا لوجوب ذلك معً الشرع، كما تُعرف بالعقل أمورٌ كثيرة تُعرف بالشرع أيضًا، مع علمهم بأنه سبحانه لا ينتفع بشكر الشاكرين، ولا يتضرر بكفر الكافرين. ومعلومٌ أن تركَ الحق الواجب ظلمٌ، فيناسب أصولهم أن لا يكون الظلم مجردًا لإضرار غير المستحق، بل يدخلُ فيه تركُ ما يُحَبّ لذاته وفعلُ ما يقبح لذاته عندهم. ولهذا يقولون: إنه عُرِف بالعقل أن الظلم من الله قبيح وإن كان لا يتضرر بفعله. وهذا فيه حقٌّ، لكنهم يعنون بذلك أن الظلم منه نظير الظلم من العباد بعضهم بعضًا، فيجعلون لله أندادًا، ويُمثلونَه بخلقِه، ويَضرِبون له الأمثال، ومن هنا وقعوا في الضلال، وصاروا من القدرية المجوسية المنكرين لمشيئته النافذة وقدرته الكاملة وخلقه للأفعال. ومنهم من ينكر علمه القديم وكتابه المحيط بجميع الأحوال.

стр. 2069

وقد عارضَهم آخرون من المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر، وهم فيما أثبتوه "من علم الله ومشيئته وقدرته وخلقه على الصواب الموافق للكتاب والسنة وإجماع الأمة، لكن نازعوهم فيما تنزه الله عنه من الظلم، وفيما يجب له على خلقِه من الحق، نزاعًا فيه نوع من الباطل في الجدال، وقالوا: إذا كان الله لا يتضرر بما يفعله ولا ينتفع به ولا يأمر به، فلا معنى لتنزيهه عن فعل قبيحٍ أوتسمية شيء مما يقدر عليه قبيحًا أو ظلمًا أو سَفَهًا، لأنه لا يتضرر بهذه الأشياء ولو نسبت إليه، إذ هذه الأسماء لا تكون إلا لمن ينتفع بفعله ويتضرر به، أو لمن فوقَه آمِر مُطاع أمرُه يخافُه، وإذا كان لا ينتفع بشيء من معرفةِ عباده وعبادتهم وشكرهم فلا معنى لإيجاب شيء عليهم له. وإذا كان لم يأمرهم ولم ينههم فلا معنى لقُبحِ شيء منهم، ولا معنى لقبح فعل العبد إلا كونه منهيًّا عنه، ولا معنى لحبّه إلا كونه مأمورًا به. وهؤلاء وإن كان في كلامهم نوعٌ من المردود المخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، فالحق الذي معهم أضعافُ الحق الذي مع الأولين، وهم الذين يجعلون العقل معرِّفًا، وهم الذين قالوا: إضرار غير مستحق. فإن مخالفة أولئك للكتاب والسنة وإجماع سلف الأئمة أوقعَهم في أمورٍ عظيمة، وعَظُمَ الذمُّ لهم بسبب ذلك. وأما هؤلاء فقصَّروا نوعَ تقصيرٍ لدقةِ الأمر وغموضِه، وحصلَ منهم نوعُ تعدٍّ باجتهادٍ قَلَّ أن يَسْلَم منه في هذه المضايقِ إلا من شاء الله، ولهذا كانوا مضافين إلى السنة والجماعة، وكان الأولون داخلين في الفرقة والخروج.

стр. 2070

وقد تكلمتُ على مسألة التحسين والتقبيح العقلي وعلى مسألة تنزيه الربّ عن الظلم في غير هذا الموضع بما يُوقِفُ مُريدَ الحق على حقيقة الأمر إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولم يكن الغرض هنا ذِكر هذا، وإنما بيَّنّا ذلك لاتصال الكلام به، لأنه بسبب كونِ الظلم في النفوس عامةً مستلزمًا لاحتراز المظلوم من الظلم، وكونِ الحق مستلزمًا لنفع المستحقِّ، ولم يَهتدِ أكثرهم إلى كونِ عبادةِ الله وحدَه حقاً له، وكونِ الشركِ ظلمًا في حقه. ثم اضطربوا في وجه التكليف وجنسه، فزعمت المعتزلة ونحوهم ممن يتكلم في التعديل والتجويز (١) أن ذلك لما فيه من تعريض المكلَّف للنفع الذي لا يحصل بدونه، وكان هذا الكلام من اللغو بيَّن الناس بطلانه من وجوهٍ كثيرة. هذا مع أنهم يُوجِبون شُكره بدون التكليف الشرعي، وهذا تناقضٌ بيِّن. وقال آخرون من المنتسبين إلى السنة: إن ذلك محض المشيئة وصدق الإرادة، وهذا الإطلاق غالب على أهل السنة الظاهرين من فقهاء أهل السنة ومتكلميهم، ومعلومٌ أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكن لا ينكر العاقل ما في خلقه وأمره من أنواع الحكمة والمصالح لخلقه، بل إخلاء الوجود من الوجوه التي فيها المناسبة لأحكامها من الظلم، فقد سلمت الشريعة لبابها وحرر الفقه في الدين صاحبه، ولم يفهم المعارض كون السنة التي سنَّها الرسول هي

стр. 2071

الحكمة، وأن الله أنزل عليه الكتاب والحكمة. ثم من تدبَّر قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) (١) وقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)) (٢) وقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)) (٣) وقوله: "أتدري ما حق الله على عباده " (٤) = عَلِمَ أنه يستحق أن يُعبَد، وأن في الشرك والفواحش ما يوجب قبحها وقبحه وتحريمه، وظَهر له الفرقُ بين ما اتفقت عليه الرسل من الأمر الذي لا يقبل النسخ، مثل الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح الذي أصله عبادةُ الله وحدَه لا شريك له، وما فيه من تحريم قتل النفس بغير حق والزنا والكذب والظلم وغير ذلك مما أنزل الله فيه السور المكية المشتملة على أصول الدين، وما شرعت فيه شرائع الرسل مثل صفة العبادات وأقدارها ومقادير العقوبات وأنواعها وغير ذلك مما أنزله الله في السور المدنية، وأنزل فيها ما جعله لأهل القرآن من الوجهة والشرعة والمنهاج والمنسك، وفضَّلهم بذلك على سائر الأمم. والحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتمَّ علينا نعمتَه ورضيَ لنا الإسلام دينًا.

стр. 2072

فصل ولهذا قال آخرون من المُتَسنِّنة: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كما يقول العرب (١): "مَن أشبَه أباه فما ظلم " أي ما وضعَ الشَّبَهَ في غير موضعه. وهذا الحدُّ أسلمُ من الأول الذي تكلمنا عليه في الفصل قبله، لكن فيه إجمالٌ، فإنه يحتاج إلى بيان موضع الشيء، وهو يرجع إلى معرفة الحق، فكأنه قال: الظلم تركُ الحق. ولكن هذا الإجمال لا يمنع أن يكون كلامًا سديدًا، وأن هذا الأمر العام لا يُعبَّر عنه إلاّ بمثل هذه العبارة الجامعة، وأما التفصيل ففي كلّ موضعٍ بحسبه. ولهذا كان الحدُّ الأول فيه هذا، وهو قوله في الفصل قبله: "إضرار غير مستحق"، فإن قول القائل: "إضرار غير مستحق " فيه من الإجمال نحو هذا، فلا بدَّ من معرفة المستحق، فيحتاج إلى بيان الحق والعدل المضادّ للظلم. فإذا كان كلٌّ من الحدَّين موقوفًا على معرفة الحق، وكان الأول هو الجامع للمعنيين، كان أَحكم، ولذلك قال بعضهم: الظلم نقص الحق أو النقص عن الواجب أو نحو ذلك، مستشهدين بقوله: (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) (٢) أي لم تنقص منه شيئًا. وهذا وإن كان صحيحًا فظاهره إنما يتناول أحدَ نوعي الظلم، وهو ترك

стр. 2073

الواجب، وقد يستلزم الآخر، وهو تعدِّي الحدّ، فإن من تعدَّى الحدَّ لا بدَّ أن ينقص حقَّ المتعدَّى عليه، فنقصُ الحقّ ملازمٌ لمسمَّى الظلم، وهو فساد الحدّ الثاني في العموم، فإن وضع الشيء في غير موضعه نقصٌ وخلوٌّ لموضعه منه. وربّما يقال: هو أعم منه (١) لأن نقص الحق قد يكون تركًا له بالكلية، وقد يكون نقلاً له إلى موضع آخر، وقد يقال: لا يكون إلاّ أمرًا موجودًا ثابتا، وإن استلزم عدم أمورً أخرى، فلا بدّ له من محلّ، فإذا لم يوضع في موضعه وُضِع في غيره، وهو الظلم. أما العدم المحض الذي لا يستلزم حقاً مرتبًا وأمرًا وجوديًّا فليس بشيء أصلاً، فلا يقال فيه: إنه ظلمٌ ولا إنه غيرُ ظلمٍ. وهذه معانٍ فيها دقةٌ، قد تكلمتُ على أصلها في "قاعدة العلم والإرادة وتعلقهما بالموجود والمعدوم "، فقد عاد معرفة الظلم مفتقرًا إلى معرفة الحق. وقد تكلمتُ على معنى الحق في غير هذا الموضع، وأنه يُعنَى به الموجود تارةً وما يَستحقّ الوجود، أي أن يُوجد منا فعلُ الطاعة، وهو المانع أخرى. ففي الكلام الخبري الحقُّ هو الثابت والعلم به والخبر عنه. وفي الكلام الطلبي الحقُّ هو ما يُبتغى وجودُه أو ما يستحق الوجود كالنافع للعبد، وهو الخير وهو الحق وإرادته والأمر به، الباطل يُضادُّه، كقول النبي ﷺ : " كل لهوٍ يَلْهُو به الرجلُ فهو باطلٌ إلأَ رَمْيَه بقوسِه وتأديبَه فرسَه وملاعبتَه امرأتَه، فإنّهن من الحق" (٢)، أي أن اللهو لا منفعةَ فيه ولا فائدةَ له إلاّ في هذه الأمور. وكذلك قوله:

стр. 2074

"الوتر حق " (١) ونحو ذلك مما يَصِفُ فيه الأفعالَ بأنها حقٌّ أو باطلٌ، كما وصف الله أعمال الكفّار بانها باطلٌ، ولهذا يقول الفقهاء: عملٌ وعقدٌ صالح وصحيح، وبإزائه الباطلُ، فما حصلَ به مقصودُه وتَرتَّبَ عليه أثرُه فهو الصحيح وهو الصالح، وما لم يحصل به مقصودُه ولا تَرتَّبَ عليه أثرٌ فهو باطلٌ. إذا تقررتْ هذه الأمور فاعلم أن العدل والحق والظلم والجور يكون مع النفع للمستحق والضرر للمستحق ، ويكون بدون ذلك في الجمادات والحيوانات في كل يابسٍ ورَطْب، فليس كل من وقعَ الظلمُ في حقِّه يكون متضررًا به، وإنما حَصَلَ الضررُ لغيرِه لعدمِ العدلِ فيهِ. وتدبَّرْ هذا في الَانية والأطعمة والملابس والأشجار والثمار والزروع ونحو ذلك، فإنّ البيت المبنيَّ إذا نقصَ أحدُ الحائطَينِ المتناظرينِ عن الآخر أو جُعِلَ السَّقفُ أو بعضُ جذوعِه أقصرَ مما بين الحائطينِ كان هذا تركًا للعدلِ والحقِّ الذي يقوم به ذلك البناءُ، وكان هذا ظلمًا لأحد الحائطينِ ولأحد الجذعَينِ، ويقال فيه: هذا لا يصلحُ، ويقال: هذا الجذع يستحق أن يُوضَع هنا، وهذا الحائطُ يستحق أن يُجعَل بقدرِ هذا، ونحو ذلك من المعاني التي يُذكَر فيها الاستحقاق والمراد، ويُجعَل ذلك من العدل بينها، ويجعل بعضها يُطلَق إذا ما نقصَ عمَّا يستحقه أو وُضِعَ في غير موضعه. وذلك كلُّه مستلزمٌ ضرَر الساكن في

стр. 2075

ذلك المسكن أو فواتَ الانتفاع المقصود، لأنه لم يُفعَل الشيء الذي ينتفع به، فنَقْصُ منفعتِه ظلمٌ. وكذلك في اللباس، لو نَقَصَ أحدُ جانبَي الثوب عن الآخر، أو نقصَ ما يتمُّ به من خياطةٍ وقَدْرٍ، أو نقصَ الثوبُ عما يستحقه من النَّسْجِ أو الغَزْل أو نحوه= قيل فيه: لم يُعْطَ حقَّه، وكان حقه أن يُفعَل به كذا وكذا، وكان الواجب أن يُسوىَ بين هذا وهذا، وهذا عدلٌ وهذا ظلمٌ، وقد ظلم هذا الجانب هذا الموضع ونحوه. وكذلك في الأطعمة، في أجزاء الطعام ومقدارِ طَبْخِه ونحو ذلك، لها حقوقٌ مبناها على العدل. وكذلك في الزُّروع إذا أُثيرت الأرضُ وبُذِرتْ وسُقِيَ الزرعُ ونُظّفَ على الوجه الذي يستحقه، وإلاّ قيل: هذا كان يستحقُّ كذا وكذا، وهذا الزرع لم يُعطَ حقَّه، ونحو ذلك. فإذا عُمِلَ كما يستحقه وأخرج الثمر قيل: أخرج ثمره ولمِ يظلم منه شيئًا، كما قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) (١)، فهنا جعل الظلم من نفس الجماد، لأنه لما أُعطِي حقه من عمل العبد فيه لم يظلم عامله شيئًا، كما قد يُجعَل لها فتكون ظالمةً تارةً ومظلومةً أخرى، كما قال النابغة (٢): وَقفتُ فيها أُصَيلَالاً أُسَائِلُها ... عَيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْعِ من أحدِ

стр. 2076

إلاّ الأوارِيَّ لأيًا ما أُبَيِّنُها ... والنُّوي كالحوضِ بالمظلومةِ الجلدِ وما كان أشرف في ذاتِه مثل الخبز إذا أنتنَ أُلقِيَ في النتن وأُكرِمت العذرةُ ونحوها وفُضلت عليه في المكان وغيره= كان هذا ظلمًا له وتركًا لحقِّه، وإن لم يكن هو متضررًا في ذلك، وإنما المتضرر الظالم. ولهذا قال النبي ﷺ لعائشةَ لما رأى لُقمةً مُلقاةً: "يا عائشة، أَحسنِي جِوارَ نِعَم الله عندكِ، فإنها قَلَّ نِعمةٌ فارقَتْ قومًا (١) فعادت إليهم " (٢). وقد ذمَّ الله قومًا بدَّلوا نِعَمَه كفرًا، وإن لم تكن بعض النعم متضررة، ولهذا ينهى عن الاستنجاء بما لهُ حرمةٌ، حتى الرَّوث والعظام التي هي طعام الجن وطعام دَوابِّهم، فكيف طعام الإنس وطعام دوابهم؟ وذلك وإن كان لما فيه من تفويت منفعتها على الجن فلها شَرَفٌ بذلك، حتى لو فوّتها الإنسان بغير الاستنجاء -مثل الكَسْر والتفتيت- لم يكن في ذلك بمنزلة المستنجي بها. ف كلُّ ما كانت المنفعةُ به أعظم كان له من الحق بقدر ذلك ، واستحقَّ ما لم يستحقَّه ما هو دونَه، وإن كان هو في نفسه لا يتضرَّرُ بتفويتِ حقِّه، سواء كانت ذاته ينتفع بها أو كانت المنفعة منه، وإن كان هو لا يتضرر بتفويت حقه، وقد قالت عائشة: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزِّلَ الناسَ منازلَهم، رواه أبو داود وغيره (٣). وكان قد وقف على بابها

стр. 2077

سائلانِ أحدُهما أشرفُ من الآخر، ففضَّلَتْه في العطاء. وقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (١)، فأخبر أن الإفك عليهم -وهو من أعظم الظلم- هو خير لهم لا شر. لكن هذا قد يقال فيه: إنه وإن تضرر الإنسان بالكذب عليه، لكن لما كانت عاقبته منفعةً زائدةً كان خيرًا لا شرًّا. وقد قال تعالى: (وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى) الآية (٢)، فأخبر أنهم لن يضروا المؤمنين إلاّ أذى، وإن كانوا مع هذا ظالمين للمؤمنين بالكذب والفجور. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (٣)، فأخبر سبحانه أن الضالين لا يضرون المهتدين، وإن كانوا قد يؤذونهم، فالأذى ليس هو الضرر، وإن كانوا مع هذا ظالمين لهم بأنواع من الظلم، كما يظلم الكفّار المحاربون والمنافقون المؤمنين، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) إلى قوله تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (٤). فأخبر عن هؤلاء المنافقين الظالمين للمؤمنين بما

стр. 2078

ذكر، وأن المؤمنين إذا صبروا واتقوا لا يضرهم كيدهم شيئًا. فعُلِمَ أنه ليس كلُّ ظالم يضرُّ المظلومَ البتةَ، بل قد لا يضرُّه ظلمُه شيئًا وإن قَصَدَ الظالمُ إضرارَه، ومنه قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) الآية (١). ومعلومٌ أن ذلك من ظلمهم، ومع هذا فلا يضرونه. وفي صحيح مسلم (٢) عن سعد عن النبي ﷺ قال: "من أكلَ سبعَ تمراتٍ مما بينَ لابَتَيْها حينَ يُصبح لم يَضُرَّه سُمٌّ حتى يُمسِيَ ". والسُّمّ قد يكون من شقي ظالم. وفي الصحيح (٣): "من قال إذا نزلَ منزلاً: أعوذ بكلمات الله التاماتِ من شر ما خلق، لم يضرَّه شيء في ذلك المنزل حتى يَرْتَحِلَ منه". وقد يعرض له ظالمٌ من الإنس أو الجن بظلمٍ أو أذى ولا ... (٤) وقد أمر الله بالاستعاذة من شرِّ ما خلق، وشرّ النفاثات في العقد، وشرِّ حاسدٍ إذا حسد، ومن أعاذه الله لم يَضُره ذلك، وهو كله ظلم. وكذلك قوله في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة: "لا يضرهم من خَذَلَهم ولا من خالفَهم " (٥)، فهم يُضَرون ويُخالَفون، وذلك ظلم،

стр. 2079

ولكن لا يضرُّهم ذلك. فإذا كان الظلم في حق المخلوق مما يتضرر به وما لا يتضرر به، وليس من شرطه إضرار المظلوم ، ولا أن يكون مما يضرُّ المظلوم، أو يكون المظلوم ممن يتضرر به، فالظلم في حق الله تعالى أولى أن يكون كذلك، فإن الله لا يضرُّ العباد أو يظلمهم، وإنما العباد يتضررون بترك الحق الذي استحقه لذاته، ويتضرر العبد بتركه، فإنَّ تَرْكَ حقِّ من يحتاج إليه العبد يَضرُّ العبد، والعبدُ لا صلاحَ له ولا قيامَ إلاّ بعبادة الله الجامعة لمعرفته ومحبته والذلِّ له، فتفويتُه هذا ظلمٌ عظِيمٌ فيه عليه الضرر العظيم الذي لا ينجبر. ويُشبِهه من بعض الوجوه من كان عنده ما يحتاج إليه من الطعام والشراب فأتلفَه، واعتاض عنه بما ظنَّ أنه يقوم مقامَه من العَذِرَةِ والبول، فهذا ظلمٌ في حقِّ القوت ضَرَّ صاحبَه، والمستحق إذا ظلمَ حقّه فقد فوّت ما هو بالنسبة إليه كمالٌ مطلوب له ومحبوبٌ من جهته، فإن الجامدات إذا تُرِكَ ما تَستحمه بقيت ناقصةً عن كمالها الذي لها، والإنسان إذا ظُلِمَ حقَّه وإن لم يَضُرَّه فلابدَّ أن يكون قد فُوِّتَ ما هو محبوبٌ له وصلاح له. والله سبحانه يحبُّ ما أمر به من الحسنات ويرضاه، وهو سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تابَ إليه أعظمَ مما يَفرحُ مَن أضلَّ راحلتَه التي عليها طعامُه وشرابُه في مفازة مهلكةٍ ثم وجدَها، وهذا أمر عظيم حيث كانت محبته ورضاه بإيمان العبد وطاعتِه أعظمَ من محبة العبد الفاقد الواجدِ لما لا بُدَّ له منه ولا قِوامَ له إلاّ به من القُوتِ والشراب والمركب

стр. 2080

والسلامة. ولهذا يضحك الله إلى رجلين يَقتُلُ أحدُهما الآخر كلاهما يَدخُلُ الجنة، ونظائره كثيرة متعددة. وكذلك (١)

стр. 2081

مسألة في مقتل الحسين وحكم يزيد

стр. 2082

سُئل ﵀ ورضي عنه- عن مَقتل الحسين ﵁ وما حكمُه وحكمُ قاتلِه؟ وما حكمُ يزيد؟ وما صحَّ من صفة مقتل الحسين وسَبْي أهلِه وحملهم إلى دمشق والرأس معهم؟ وما حكمُ معاوية في أمر الحسن والحسين وعلي وقتل عثمان ونحو ذلك؟ فأجاب ﵁ الحمد لله. أما عثمان وعلي والحسين ﵃ فقُتِلوا مظلومين شهداءَ باتفاق أهل السنة والجماعة، وقد ورد في عثمان وعلي أحاديث صحيحة في أنهم شهداء وأنهم من أهل الجنة، بل وفي طلحة والزبير أيضا، كما في الحديث الصحيح (١) أن النبي ﷺ قال للجبل لما اهتزَّ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي: "اثبُتْ حِرَاءُ -أو أُحُدُ- فإنما عليك نبيٌّ وصدّيقٌ وشهيدان ". بل قد شهد النبي ﷺ بالجنة للعشرة (٢)، وهم: الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح. أما فضائل الصدِّيق فكثيرة مستفيضةٌ، وقد ثبتَ من غير وجه عن النبي ﷺ أنه قال (٣): "لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذتُ

стр. 2083

أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله" يعني نفسَه. وقال: "إنَّ أَمَنَّ الناسِ علينا في صُحبتِه وذاتِ يدِه أبو بكر". وقال: "لا يبقينَّ في المسجد خَوخَة إلأَ سُدَّتْ إلأَ خوخة أبي بكر". وقال لعائشة (١): "ادْعِيْ لي أباك وأخاكِ، حتى أكتُبَ لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه الناس من بعدي ". ثم قال: "يأبي الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر". وجاءتْه امرأة فسألَتْه شيئًا، فأمرَها أن تَرجعَ إليه، فقالت: أرأيتَ إن جئتُ فلم أجدْكَ؟ - كأنها تَعنِي الموت- قالَ: "إن لم تجديني فائْتِي أبا بكر" (٢). وقَال: "أيها الناس، إني جئتُ إليكم فقلتُ: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدقتَ، ووَاسَانِي بنفسِه وماله، فهل أنتم تَارِكُو لي صاحبي؟ " (٣). وهذه الأحاديث كلها في الصحاح ثابتة عند أهل العلم بالنقل. وقد تواترَ أنه أمره أن يُصلِّي بالناس في مرضِ موته، فصلَّى بالناس أيامًا متعددةً بأمرِه، وأصحابُه كلُّهم حاضرون- عمر وعثمان وعلي وغيرهم- فقدَّمَه عليهم كلِّهم. وثبت في الصحيح (٤) أن عمر قال له بمحضرٍ من المهاجرين والأنصار: "أنتَ خيرُنا وسيِّدُنا وأحبُّنا إلى

стр. 2084

رسولِ الله ﷺ ". وثبت في الصحيح (١): أنَّ عمرو بن العاصي سألَه عن أحبِّ الرجال إليه، فقال: "أبو بكر". وفضائل عمر وعثمان وعلي كثيرة جدًّا ليس هذا موضع بَسطِها، وإنما المقصود أن من هو دون هؤلاء- مثل طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف- قد تُوفَي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، كما ثبت ذلك في الصحيح (٢) عن عمر أنه جعلَ الأمر شورى في ستَهٍ: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وقال: هؤلاء الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. بل قد ثبتَ في الصحيح (٣) من حديث علي بن أبي طالب أن حاطب بن أبي بَلْتَعَة قال فيه رسول الله ﷺ : "إنه شهدَ بدرًا، وما يُدريك أنّ الله اطَّلع إلى أهلِ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم ". وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر. وثبت في صحيح مسلم (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَدخلُ النارَ أحدٌ بايعَ تحتَ الشجرة". وكان أهل الشجرة ألفًا وأربعمئةٍ كلهم رضي الله عنهم ورَضُوا عنه، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، فهم أعظم درجةً ممن أنفقَ من بعد الفتح وقاتلَ. وثبتَ في الصحيح (٥) عن النبي ﷺ أنه

стр. 2085

قال: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيْفَه ". وثبت في الصحيح (١) أن غلامَ حاطبٍ قال: والله يا رسول الله، ليَدخلَنَّ حَاطبٌ النارَ، فقال النبي ﷺ له: "كذبتَ، إنه قد شهدَ بدرًا والحديبية". وهذا وقد كان حاطبٌ سَيِّئ المَلكَةِ، وقد كاتبَ المشركينَ باخبار رسول الله ﷺ في غزوةِ الفتح، ومع هذه الذنوب أخبر النبي ﷺ أنه ممن يدخلُ الجنَّة ولا يدخلُ النار، فكيف بمن هو أفضَلُ منه بكثير؟ كعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. وأما الحسين فهو وأخوه سيِّدا شباب أهل الجنة (٢)، وهما رَيْحانةُ رسول الله ﷺ من الدنيا، كما ثبت ذلكَ في الصحيح (٣). وثبتَ في الصحيح (٤) أنه أدارَ كساءَه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين، وقال: "الَّلهمّ هؤلاء أهلُ بيتي، أَذهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرهم تطهيرًا". وإن كان الحسنُ الأكبر هو الأفضل، لكونه كان أعظمَ حلمًا وأرغبَ في الإصلاح بين المسلمين وحَقْنِ دماءِ المسلمين، كما ثبتَ في صحيح البخاري (٥) عن أبي بكرة قال: رأيتُ النبي ﷺ على المنبر

стр. 2086

والحسنُ بن علي إلى جانبه، وهو يُقبلُ على الناس مرةً وعليه أخرى، ويقول: "إنَّ ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". وفي صحيح البخاري (١) عن أسامة قال: كان النبي ﷺ يأخذني فيُقعِدني على فخذِه، ويُقعِد الحسنَ على فخذِه الأخرى، ويقول: "اللهمَ إني أحِبُّهما، فأَحبهما، وأَحِبَّ من يُحِبُّهما". وكانا من أكرهِ الناس للدخول في اقتتال الأَمة. والحسين ﵁ قُتِل مظلومًا شهِيدًا، وقتَلَتُه ظالمون متعدُّون، وإن كان بعض الناس يقول: إنه قُتِلَ بحق، ويحتِجّ بقول النبي ﷺ : " من جاءكم وأمرُكم على رجلٍ واحدٍ يُرِيد أن يُفرِّق بين جماعتكم فاضربوا عُنُقَه بالسيف، كائنًا من كان ". رواه مسلم (٢). فزعم هؤلاء أن الحسين أتى الأمةَ وهم مجتمعون، فأراد أن يُفرِّق الأمة، فوجبَ قتلُه. وهذا بخلاف من يتخلَّف عن بيعة الإمام ولم يَخرُج عليه، فإنه لا يجب قتلُه، كما لم يقتُل الصحابة سعد بن عُبادة مع تخلُّفِه عن بيعةِ أبي بكر وعمر. وهذا كذِبٌ وجهل، فإن الحسين ﵁ لم يُقتَل حتى أقامَ الحجةَ على من قتلَه، وطلبَ أن يذهبَ إلى يزيدَ أو يرجعَ إلى المدينة أو يذهبَ إلى الثَّغْر. وهذا لو طلبَه آحادُ الناس لوجبَ إجابتُه، فكيف لا يجب إجابةُ الحسين ﵁ إلى ذلك وهو يطلب الكفَّ والإمساك؟

стр. 2087

وأما أصل مجيئه فإنما كان لأن قوماً من أهل العراق من الشيعة كتبوا إليه كتبًا كثيرة يشتكون فيها من تغيُّرِ الشريعة وظهور الظلم، وطلبوا منه أن يقدمَ ليبايعوه ويعاونوه على إقامة الشرع والعدل، وأشار عليه أهلُ الدين والعلم- كابن عباس وابن عمر وابي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام- بأن لا يذهب إليهم، وذكروا له أن هؤلاء يَغُرُّونَه، وأنهم لا يُوفُون بقولهم، ولا يَقدِر على مطلوبه، وأن أباه كان أعظمَ حرمةً منه وأتباعًا ولم يتمكَّن من مرادِه. فظنَّ الحسين أنه يَبلُغ مرادَه، فأرسلَ ابنَ عمّه مسلم بن عَقِيل، فاَوَوه أوّلاً ثمَّ قتلوه ثانيًا، فلما بلغَ الحسينَ ذلك طلبَ الرجوعَ، فأدركَتْه السريَّةُ الظالمةُ، فلم تُمكِّنْه من طاعة الله ورسوله، لا من ذهابه إلى يزيد، ولا من رجوعِه إلى بلدِه ولا إلى الثَّغْر. وكان يزيدُ لو يجتمعُ بالحسين من أحرصِ الناس على إكرامِه وتعظيمه ورعايةِ حقِّه، ولم يكن في المسلمين عنده أجلُّ من الحسين، فلما قتله أولئك الظَّلَمة حَملُوا رأسَه إلى قدّام عبيدِ الله بن زياد، فنكَتَ بالقضيب على ثناياه، وكان في المجلس أنس بن مالك فقال: إنك تنكتُ بالقضَيب حيثُ كان رسول الله ﷺ يُقبِّلُ. هكذا ثبتَ في الصحيح (١)، وفي المَسند (٢) أن أبا بَرْزَةَ الأسلمي كان أيضًا شاهدًا. فهذا كان بالعراق عند ابن زياد. وأما حملُ الرأس إلى الشام أو غيرها والطوافُ به فهو كَذِبٌ، والروايات التي تُروَى أنه حُمِلَ إلى قُدَّام يزيدَ ونكتَ بالقضيب =

стр. 2088

روايات ضعيفةٌ لا يَثبتُ شيء منها، بل الثابتُ أنه لما حُمِلَ علي بن الحسين وأهلُ بيته إلى يزيد وقعَ البكاءُ في بيتِ يزيد، لأجل القرابة التي كانت بينهم، لأجل المصيبة. ورُوِي أن يزيد قال: لعنَ الله ابنَ مَرجانة- يعني ابنَ زياد-، لو كان بينه وبين الحسين قرابةٌ لما قتلَه. وقال: قد كنت أرضَى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين. وأنه خيَّر علي بن الحسين بين مُقامِه عنده وبين الرجوع إلى المدينة، فاختار الرجوع، فجهَّزه أحسن جهاز. ويزيدُ لم يأمر بقتل الحسين، ولكن أمرَ بدفعِه عن منازعتِه في الملك، ولكن لم يَقتُل قَتَلةَ الحسين ولم يَنتقِم منهم، فهذا مما أُنكِر على يزيد، كما أُنكِر عليه ما فَعَلَ بأهلِ الحرَّةِ لمّا نكَثوا بيعته، فإنه أمرَ بعد القدرة عليهم بماباحةِ المدينةِ ثلاثًا. ولهذا قيل لأحمد بن حنبل: أيُؤخَذُ الحديثُ عن يزيد؟ فقال: لا، ولا كرامةَ، أوَ ليس هو الذي فعلَ باهل المدينة ما فعل؟ وقيل له: إنّ قومًا يقولون: إنّا نُحِبُّ يزيدَ، فقال: وهل يُحِبُّ يزيدَ مَن يُؤمِنُ بالله واليوم الآخر؟ فقيل له: أوَ لا تلعنُه؟ فقال: متى رأيتَ أباكَ يلعنُ أحدًا؟ ومع هذا ف يزيدُ أحد ملوك المسلمين، له حسناتٌ وسيئات كما لغيره من الملوك، وقد روى البخاري في صحيحه (١) عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أولُ جيشٍ يَغزو القُسطَنطينية مغفورٌ له ". وأولُ جيشٍ غزاها كان أميرهم يزيد، غزاها في خلافة أبيه معاوية، ومعه أبو

стр. 2089

أيوب الأنصاري ومات ودُفِن هناك. ويزيد هذا ليس هو من الصحابة، بل وُلِد في خلافة عثمان، وأما عفُه يزيد بن أبي سفيان فهو من الصحابة، وهو رجلٌ صالح، أمَّره أبو بكر في فتوح الشام ومَشى في ركابه، ووَصَّاه بوصايا معروفةٍ عند الفقهاء يعملون بها، ولما مات في خلافة عمر وَلَّى عمرُ أخاه معاويةَ مكانَه، ثمَّ وَلِي عثمانُ فأقره وولاه إلى أن قُتِل عثمان، ووُلِد له يزيد ابنُه في خلافة عُثمان. و لم يُسْبَ قطُّ في الإسلام أحدٌ من بني هاشم ، لا علوي ولا غير علوي، لا في خلافة يزيد ولا غيرها، وإنما سَبَى بعضَ الهاشمياتِ الكُفَّارُ من المشركين وأهلِ الكتاب، كما سَبَى التركُ المشركون من سَبَوه لما قَدِموا بغداد، وكان من أعظم [أسباب] سَبْي الهاشميات معاونةُ الرافضةِ لهم كابن العَلْقَمي وغيرِه. بل ولا قَتَلَ أحدٌ من بني مروان أحدًا من بني هاشم- لا علويّ ولا عباسيّ ولا غيرهما- إلاّ زيدَ ابن علي، قُتِلَ في خلافة هشام. وكان عبد الملك قد أرسلَ إلى الحجاج: إيَّايَ ودماء بني هاشم، فلم يَقتل الحجاجُ أحدًا من بني هاشم لا علويّ ولا عباسيّ. بل لمّا تزوج بنتَ عبدِ الله بن جعفر فأمره عبد الملك أن يُفارقَها، لأنه ليس بكُفْؤٍ لها، فلم يروه كُفْوا أن يتزوج بهاشمية. وأما معاوية لما قُتِلَ عثمانُ مظلومًا شهيدًا، وكان عثمان قد أمرَ الناس بأن لا يُقاتِلُوا معه، وكَرِهَ أن يُقتَل أحدٌ من المسلمين بسببه،

стр. 2090

وكان النبي ﷺ قد بَشَّره بالجنَّة على بَلْوى تُصِيبُه (١)، فأحبَّ أن يَلقَى الله سالمًا من دماءِ المسلمين، وأن يكون مظلومًا لا ظالمًا، كخيرِ ابنَيْ اَدمَ الذي قال: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)) (٢). وعلي بن أبي طالب بريءٌ من دمه لم يَقتُلْه ولم يُعِنْ عليه ولم يَرضَ، بل كان يَحلِفُ وهو الصادق المصدوقُ أني ما قتلتُ عثمانَ ولا أَعَنتُ على قتلِه ولا رضيتُ بقتلِه. ولكن لمَّا قُتِلَ عثمان وكان عامة المسلمين يحبون عثمانَ لحِلْمِه وكرمِه وحسنِ سيرتِه، وكان أهلُ الشام أعظمَ محبةَ له، فصارت شيعةُ عثمانَ إلى أهل الشام، وكثُر القيلُ والقالُ كما جَرتِ العادةُ بمثل ذلك من الفتن، فشَهِدَ قوم بالزُّور على علي أنه أعان على دم عثمان، فكان هذا مما أوغَرَ قلوبَ شيعة عثمان على عليّ، فَلم يبايعوه، وآخرون يقولون: إنه خَذَلَه وتَرَك ما يَجبُ من نَصْرِه، وقَوىَ هذا عندهم أنَّ القَتَلَة تحيَّزتْ إلى عسكرِ عليَّ، وكان عليّ وطلحة والزبيرُ قد اتفقوا في الباطن على إمساك قَتَلَةِ عثمان، فسَعَوا بذلك، فأقاموا الفتنةَ عامَ الجمل، حتى اقتتلوا من غير أن يكون عليٌّ أرادَ القتالَ ولا طلحةُ ولا الزبيرُ، بل كان المحرِّكُ للقتال الذين أقاموا الفتنةَ على عثمان. فلمَّا طلبَ عليّ من معاوية ورعيتِه أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاويةَ، ولا قالَ أحدٌ قطُّ: إن معاويةَ مثلُ علي، أو إنّه أحق من علي بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أن عليَّا أفضلُ وأحق،

стр. 2091

ولكن طلبوا من علي أن يُقيمَ الحدَّ على قَتَلَةِ عثمانَ، وكان عليٌّ غيرَ متمكن من ذلك لتفرُّقِ الكلمةِ وانتشار الرعيَّةِ وقوة المعركةِ لأولئك، فامتنعَ هؤلاءِ عن بيعته، إمّا لاعتقادهم أنه عاجزٌ عن أخذِ حقِّهم، وإما لِتوهُّمِهم محاباةَ أولئك، فقاتلَهم عليٌّ لامتناعِهم من بيعتِه، لا لأجلِ تأميرِ معاوية. و عليٌّ وعسكره أولَى من معاويةَ وعسكرِه ، كما ثبتَ في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "تَمْرُقُ مارقةٌ على حينِ فُرقة من المسلمين، تَقتُلُهم أَولَى الطائفتينِ بالحق". فهذا نَصٌّ صريحٌ أن علي ابن أبي طالب وأتباعه أولَى بالحقّ من معاويةَ وأصحابه. وفي صحيح مسلم (٢) وغيرِه أنه قال: "يقتلُ عمارا الفئةُ الباغيةُ". لكن الفئة الباغية هل يجب قتَالُها ابتداء قبلَ أن تَبدأ الإمامَ بالقتالِ، أم لا تُقاتَل حتى تبدأ بالقتال؟ هذا مما تنازع فيه العلماء، وأكثرهم على القول الثاني، فلهذا كان مذهب أكابر الصحابة والتابعين والعلماء أنَّ تَرْكَ على القتالَ كان أكملَ وأفضلَ وأتمَّ في سياسة الدين والدنيا. ولكنْ عليٌّ إمامُ هدَى من الخلفاء الراشدين، كما قال النبي ﷺ : " تكون خلافة النبوة ثلاثين سنةً، ثمَّ تصِيرُ مُلْكًا". رواه أهل السنن (٣)، واحتجَّ به أحمد وغيرُه على خلافةِ عليّ والردّ على من طعنَ فيها، وقال أحمد: من لم يُرَبِّعْ بعلي في خلافته فهو أضلُّ من حمارِ أهلِه.

стр. 2092

والقرآن لم يأمر بقتالِ البغاة ابتداءً، بل قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)) (١). وما حرَّمه الله تعالى من البغي والقتل وغير ذلك إذا فعلَه الرجلُ متأوِّلاً مجتهدًا معتقدًا أنه ليس بحرامٍ لم يكن بذلك كافرًا ولا فاسقًا، بل ولا قَوَدَ في ذلك ولا ديةَ ولا كفارة، كما قال الزهري: وَقَعتِ الفتنةُ وأصحابُ رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أن كلَّ دم أو مالٍ أو فرجٍ أصيبَ بتأويل القرآن فهو هدر. وقد ثبتَ في الصحيح (٢) أن أسامةَ بن زيدٍ قَتَلَ رجلاً من الكفار بعد ما قال "لا إله إلاّ الله "، فقال له النبي ﷺ : "يا أسامةُ، أقتلتَه بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟! " قال؟ فقلتُ: يا رسول الله، إنما قالَها تَعوُّذًا، فقال: "هلَاّ شَقَقْتَ عن قَلْبه". وكرَّرَ عليه قوله: "أقَتلتَه بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟ ". ومع هذا فلمَ يحكم عليه بقَوَدٍ ولا دِيةٍ ولا كفارةٍ، لأنه كان متأوِّلاً اعتقدَ جوازَ قتلِه بهذا. مع ما رُوِيَ عنه أنّ رجلاً قال له: أرأيتَ إن قَطعَ رجل من الكفَّار يدي ثمَّ أسلمَ، فلما أردتُ أن أقتلَه لَاذَ منّي بشجرةٍ، أأقتُلُه؟ فقال: "إن قَتلتَه كنتَ بمنزلتِه قبلَ أن يقولَ ما قال، وكان بمنزلتك قبلَ أن تَقتلَه " (٣). فبيَّن أنك تكونُ

стр. 2093

مُباحَ الدم كما كان مُباحَ الدم، ومع هذا فلما كان أسامةُ متأوِّلاً لم يُبِحْ دمه. وأيضًا فقد ثبتَ (١) أنه أرسلَ خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمةَ، فلم يُحسِنُوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صَبَأْنا صَبَأْنا، فلم يجعل خالد ذلك إسلامًا، بل أمرَ بقَتْلِهمِ، فلما بلغَ النبيَّ ﷺ ذلك رَفعَ يديهِ إلى السماء وقال: "اللهم إني أبْرَأُ إليك مما فَعَلَ خالد"، وأرسلَ عليًّا فوَدَاهُم بنصفِ ديَاتِهم. ومع هذا فلم يُعاقِبْ خالدا ولم يَعْزِلْه عن الإمارة، لأنه كان متأوِّلاً. وكذلك فَعَلَ به أبو بكر لما قَتَلَ مالك بن نُوَيرةَ، كان متأوِّلاً في قتلِه فلم يُعاقِبْه ولم يَعْزِلْه، لأنَّ خالدًا كان سيفًا قد سلَّه الله تعالى على المشركين، فكان نفعُه للإسلام عظيما، وإن كان قد يُخطئ أحيانًا. ومعلومٌ أن عليًّا وطلحة والزبير أفضلُ من خالدٍ وأسامةَ وغيرِهما. ولما قال النبي ﷺ عن الحسن: "إن ابني هذا سيد، وسيُصلحُ الله به بين فئتينِ عظيمتين من المسلمين "، فمدحَ الحسنَ على الإصلاح، ولم يَمدَح على القتال في الفتنة= علمنا أن الله ورسوله كان يحبُّ الإصلاح بين الطائفتين دون الاقتتال. ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح (٢) في الخوارج: "يَحقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتِهم وقراءتَه مع قراءتِهم، يَقرءون القرآنَ لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهم، يَمرُقون من الإسلام

стр. 2094

كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ، أينما لَقِيْتمُوهم فاقتلوهم، فإنَّ في قَتْلِهم أجرًا عند الله لمن قَتَلَهم يومَ القيامةِ"، وقال (١): "يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" ورُوِيَ (٢): "أَولَى الطائفتينِ بالحق" من معاوية وأصحابه- أعلَمَ أن قتالَ الخوارج المارقةِ أهلِ النهروان الذين قاتلَهم علي بن أبي طالب، كان قتالُهم مما أمر الله به ورسولُه، وكان عليّ محمودًا مأجورًا مُثَابًا على قِتالِه إيّاهم. وقد اتفق الصحابة والأئمةُ على قتالِهم، بخلاف قتالِ الفتنة، فإن النصَّ قد دلَّ على أنَ تركَ القتالِ فيها كان أفضلَ، لقوله ﷺ :" ستكونُ فتنة القاعدُ فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي " (٣) ومثل قوله لمحمد بن مسلمة: "هذا لا تَضُرُّه الفتنةُ" (٤)، فاعتزلَ محمد بن مسلمةَ الفتنةَ، وهو من خيار الأنصار، فلم يُقاتِل لا مع هؤلاءِ ولا مع هؤلاء. وكذلك أكثر السابقين لم يُقاتِلوا، بل مثل سعد بن أبي وقّاص ومثل أسامة وزيد وعبد الله بن عمر وعمران بن الحصين، ولم يكن في العسكرينِ بعد عليٍّ أفضلُ من سعد بن أبي وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة ولا أبو بكرة ولا غيرهما من أعيانِ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد قال النبي ﷺ لأهْبانَ بن صَيْفِي: "خُذْ هذا السيفَ فقاتِلْ به المشركين، فإذا اقتتلَ المسلمون فاكسِرْه"، ففعلَ ذلك ولم يُقاتِلْ في الفتنة (٥).

стр. 2095

وفي الصحيحين (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "يُوشِك أن يكون خيرَ مالِ المسلم غنمٌ يَتبعُ بها شَعَفَ الجبالِ ومَواقع القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينه من الفِتن ". وفي الصحيح (٢) عن أسامة عن النبي ﷺ قال: "إني لأرى الفتنةَ تَقَعُ خِلالَ بيوتكم كمواقع القَطْرِ". والأحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في إخبارِه بما سيكون في الفتنة بين أمتِه، وأمرِه بتركِ القتال في الفتنة، وأن الإمساك عن الدخول فيها خيرٌ من القتال. وقد ثبتَ عنه في الصحيح (٣) أنه قال: "سألتُ ربّي لأمتي ثلاثًا، فأعطاني اثنين ومَنَعَني واحدًا، سالتُه أن لا يُسَلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرهم، فأعطانيها، وسالتُه أن لا يُهلِكَهم بسَنَةٍ عامَّةٍ، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يَجعلَ بأسَهم بينهم، فَمَنَعَنِيْها". وكان هذا من دلائل نبوته ﷺ وفضائل هذه الأمة، إذ كانت النشأة الإنسانية لا بدَّ فيها من تفرُّقٍ واختلافٍ وسَفْكٍ دماء، كما قالت الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (٤). ولما كانت هذه الأمة أفضل الأمم وآخر الأمم عَصَمَها الله أن تجتمعَ على ضلالةٍ، وأن يُسلَّط عدوٌّ عليها كلِّها كما سُلطَ على بني إسرائيل، بل إن غُلِبَ

стр. 2096

طائفة منها كان فيها طائفةٌ قائمةٌ ظاهرة بأمر الله إلى يوم القيامة، وأخبرَ أنه "لا تزالُ فيها طائفةٌ ظاهرةٌ على الحقّ حتى يأتيَ أمر الله " (١)، وجعلَ ما يستلزمُ من نشأة الإنسانية من التفرق والقتال هو لبعضها مع بعض، ليس بتسليط غيرِهم على جميعهم، كما سَلَّطَ على بني إسرائيل عدوًّا قَهَرَهم كلَّهم. فهذه الأمة- ولله الحمدُ- لا تُقْهَرُ كلُّها، بل لا بُدَّ فيها من طائفةٍ ظاهرةٍ على الحق منصورةٍ إلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى. والله أعلم.

стр. 2097

مسألة في الاستغفار

стр. 2098

قال (١) الوليد: قلتُ للأوزاعي: ما الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفرُ الله أستغفر الله. فهذا حديث صحيح في تكرير الاستغفارِ ثلاثًا دبرَ الصلاةِ، فتكريرُ الاستغفار في الصلاة أوكدُ، كما أنه [لما] سُنَّ تكريرُ التسبيح في الصلوات كان تكرير التسبيح في الركوع والسجود أوكد. وفي صحيح مسلم (٢) من حديث الأغرّ المزني- وكانت له صحبة- أن رسول الله ﷺ قال: "إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئةَ مرَّةٍ". وفيه (٣) من حديث عمرو بن مُرَّةَ عن أبي بُردة قال: سمعتُ الأغرّ- وكان من أصحاب النبي ﷺ - يحدث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أيها الناسُ! تُوبُوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة". قال الحميدي (٤): وقد أخرجه البخاري في تاريخه من هذين الوجهين، ولم يُخرِجه في الجامع، وهو لاحِقٌ بشرطه فيه. وفي الصحيح (٥) أيضًا: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه أكثر من سبعين مرَّةً". وقد أُمِرَ أن يَختِم عملَه الخاصَّ والعامَّ بالاستغفار، فكان الاستغفارُ نهايةَ أمرِه. وتارة يجمع بين التوحيد والاستغفار، فقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (٦)، وقال: (أنما

стр. 2099

إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) (١). فهذان الأمرانِ جماعُ الدين، كما يُروَى أن الشيطانَ قال: أهلكتُ بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلاّ الله والاستغفار، فلما رأيتُ ذلك بَثَثْتُ فيهم الأهواء، فهم يُذنبون ولا يتوبون، لأنهم يَحسبون أنهم يُحسِنون صنعًا. وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (٢). فالتوحيد هو جماع الدين الذي هو أصلُه وفرعُه ولُبُّه، وهو الخير كلُّه، والاستغفارُ يُزيلُ الشرَّ كلَّه، فيحصلُ من هذين جميعُ الخَيْر وزوالُ جميع الشرّ. وكلُّ ما يُصيبُ المؤمنَ من الشرِّ فإنما هو بذنوبه. و الاستغفار يَمحُو الذنوبَ فيُزيلُ العذابَ ، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) (٣). وقد كان النبي ﷺ يَطلُب من الله المغفرة في أول الصلاة في الاستفتاح، كما في حديث أبي هريرة الصحيح (٤) وحديث علي الصحيح (٥) في أول ما يكبِّر، ثم يطلب الاستغفار بعد التحميد إذا رفعَ رأسَه، ويطلب الاستغفار في دعاء التشهد كما في حديث علي (٦) وغيره، ويطلب الاستغفار في الركوع

стр. 2100

والسجود كما في حديث عائشة الصحيح (١)، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وروى مسلم وأبو داود (٢) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: "الَّلهمَّ اغفِرْ لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّهُ وأوَّلَه وآخرَه وعلانيتَه وسِرَّه". فلم يَبقَ حالٌ من أحوال الصلاة ولا ركنٌ من أركانِها إلاّ استغفرَ الله فيه، فَعُلِمَ أنه كان اهتمامُه به أكثرَ من اهتمامِه بسائرِ الأدعية. ويميز ذلك أن النبي ﷺ كان إذا استغفر لرجلٍ كان ذلك سببًا لوجوبِ الجنة له، مثل أن يُسْتَشهدَ، كما في حديث سلمة بن الأكوع (٣). وكان استغفارُه للرجلِ أعظمَ عندهم من جميع الأدعية له، كما في صحيح مسلم (٤) عن عبد الله بن سَرْجس قال: رأيتُ النبي ﷺ وأكلتُ معه خبزًا ولحمًا -أو قال: ثَرِيدًا- فقلتُ: يا رسول الله! غفرَ الله لك، قال: ولك. قال: فقلتُ له: أَسْتَغْفَرَ لك رسولَ الله؟ قال: نعم ولَكَ، ثمَّ تَلَا هذه الآية: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (٥). وهذا أيضًا توكيد له، حيثُ أمرهُ الله بالاستغفار للمؤمنين، وخصَّ ذلك بسائر الأدعية. وكذلك أخبر عن ملائكته أنهم يستغفرون للمؤمنين، وذلك أن المغفرةَ مشروطة بالإيمان، فلا تكون إلا لأهل

стр. 2101

الإيمان، بخلاف العافية والرزق والهداية العامة، فإنها تحصلُ بدون الإيمان، فإن الكافر قد يهديه الله فيصير مؤمنًا، وقد يُعافيه ويرزقه مع كفره، وقد يُجابُ دعاؤه. والمغفرةُ إنما هي للمؤمنين، فهي النهاية. ولهذا قال في المنافقين (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (١)، وقال فيهم: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) (٢)، وقال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) (٣)، وقال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية (٤). فأمرهم الله بالاقتداء بهم إلا في الاستغفار للمشركين. وفي الصحيح (٥) أن النبي ﷺ قال: "استأذنتُ ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، واستأذنتُه في أن أزور قبرها فأذن لي". وفي الصحيح (٦) أنه قال لأبي طالب: "لأستغفرنّ لك ما لم أنْهَ عنك"، فأنزل الله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (٧). وفي

стр. 2102

الصحيح (١) أنه صلَّى على ابنِ أُبيّ وألبسَه قميصَه وتَفَلَ في فيه واستغفرَ له، ثم قال: "وماذا يُغنِي عنه ذلك من الله؟ ". وكذلك استغفر للذين اعتذروا إليه لما رَجَعَ من غزوة تبوك، ثم أنزلَ الله فيهم بعد ذلك ما أنزلَ، فلم ينفعهم ذلك (٢). فإذا كان استغفار الإنسان لغيره لا ينفعه إلَاّ مع الإيمان، بخلاف الأدعية المروية في هذا الحديث من العافية والرزق والهداية والرحمة، إذا أريدَ بها رحمة الدنيا أو الرحمة من الدين تصيب الكافر، وأما إذا أريد بها أنه لا يُعذَّبُ أو يَدخُلُ الجنة فهذا لا يصلح. بل استغفار الإنسان أهمُّ من جميع الأدعية لوجهين: أحدهما: أن استغفاره لنفسه يُغفَر له به جميعُ الذنوب إذا كان على وجه التوبة، حتى إنّ الكفّار إذا استغفروا لأنفسهم نفعَهم ذلك، وكان سببَ نجاتِهم من عذاب الدنيا. وعذابُ الآخرة إنما يُنجي منه الاستغفار مع الإيمان. وهذا أيضًا من خصائص التوحيد، فإن اَلمكلَّفَ لا ينفعُه توحيدُ غيرِه عنه، ولا يُنجِيه ذلك من عذاب الله ، بل لا يُنجيه إلاّ توحيدُ نفسِه، ولا ينفعُه مع عدمِ التوحيد الاستغفارُ عنه، بل لَا ينفعُه إلا استغفارُه الذي تضمن توحيدَه وتوبتَه من الشرك. فصارَ الاستغفارُ مقرونًا بالتوحيد من بدايةٍ، لا تُقبَل النيابةُ فيه ولا يُهدَى إلى الغير إلاّ إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعَه حينئذٍ ما يريدُه

стр. 2103

غيرُه من ذلك، بخلاف الأعمال والأدعية التي تُفعَل عن الغير وتُهدَى له وإن لم يأتِ بأصلِها. وإنما كان الاستغفار هو النهاية من العبد لأن الذنبَ لازمٌ لجميع بني آدم، وإنما كمالُ المؤمنين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في التوبة من الذنب والاستغفار، كما قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) إلى آخر السورة (١). وقد أخبر تعالى أنه يُبدِّلُ سيئاتِ التائب حسناتٍ، وأنه يَفرح بتوبة العبد أشدَّ فرحٍ يُقدَّر. فالذنوب إذا كانت مغمورةً بالحسنات لم يُعاقَب صاحبُها بالنار، لكن يكون تأثيرها في تفاوتِ الدرجات، فأعلَى الخلقِ منزلةً العبدُ الذي غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وبذلك وصفه الرسول الذي قبلَه (٢) الذي دلَّ عليه والطالبون للشفاعة منه، وجعل ذلك هو السبب في كونه يكون شفيعَ الخلائق، لأنه لما غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر لم يبقَ يَحتاجُ إلى أن يَشفع لنفسِه ويَستغفر، فأمكنَه أن يَشفعَ لغيرِه، بخلافِ من يقول: نفسي نفسي، فإنه يكون محتاجًا إلى الشفاعة حينئذٍ لنفسِه ويستغفر لنفسه، فلا يشفع لغيره في هذا المقام، وإن كان يشفع بعد ذلك، فإن الله سبحانه لا بُدَّ أن يَغفِر جميع هذه الذنوب وما هو أعظمُ منها، لكن يتأخَّرُ ذلك عن مقامِ الشفاعة، بخلافِ الذي غُفِر له ما

стр. 2104

تقدمَ من ذنبه وما تأخرَ قبلَ هذا المقام، فإنه سائر في مقام المغفرة. ولهذا قال اَلخليل -وهو أحد الرسل الكبار المطلوب منهم الشفاعةُ يومئذٍ-: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (١)، فالمغفرة التي رجاها تكون يومَ الدين، وهي واقعةٌ بعد شفاعة سيّد ولد آدمِ، فإنه قبل ذلك يقول (٢): إنّ ربّي قد غَضِبَ اليومَ غضبًا لم يَغضبْ قبله مثلَه ولن يغضبَ بعدَه مثلَه، ويذكُر خطيئتَه: نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى موسى. وهذا كلُّه مما يؤكَدُ أمرَ الاستغفار ويُبيِّن أنه نهايةُ الأمر، وأنّ السائرَ فيه هو من سائر السابقين، فتكريره يوجب من ذلك ما لا يُوجبه غيرُه. والله أعلمُ.

стр. 2105

مسائل في الصلاة
следующие страницы →