← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الإيمان، بخلاف العافية والرزق والهداية العامة، فإنها تحصلُ بدون الإيمان، فإن الكافر قد يهديه الله فيصير مؤمنًا، وقد يُعافيه ويرزقه مع كفره، وقد يُجابُ دعاؤه. والمغفرةُ إنما هي للمؤمنين، فهي النهاية. ولهذا قال في المنافقين (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (١)، وقال فيهم: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) (٢)، وقال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) (٣)، وقال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية (٤). فأمرهم الله بالاقتداء بهم إلا في الاستغفار للمشركين. وفي الصحيح (٥) أن النبي ﷺ قال: "استأذنتُ ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، واستأذنتُه في أن أزور قبرها فأذن لي". وفي الصحيح (٦) أنه قال لأبي طالب: "لأستغفرنّ لك ما لم أنْهَ عنك"، فأنزل الله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (٧). وفي

стр. 2102

الصحيح (١) أنه صلَّى على ابنِ أُبيّ وألبسَه قميصَه وتَفَلَ في فيه واستغفرَ له، ثم قال: "وماذا يُغنِي عنه ذلك من الله؟ ". وكذلك استغفر للذين اعتذروا إليه لما رَجَعَ من غزوة تبوك، ثم أنزلَ الله فيهم بعد ذلك ما أنزلَ، فلم ينفعهم ذلك (٢). فإذا كان استغفار الإنسان لغيره لا ينفعه إلَاّ مع الإيمان، بخلاف الأدعية المروية في هذا الحديث من العافية والرزق والهداية والرحمة، إذا أريدَ بها رحمة الدنيا أو الرحمة من الدين تصيب الكافر، وأما إذا أريد بها أنه لا يُعذَّبُ أو يَدخُلُ الجنة فهذا لا يصلح. بل استغفار الإنسان أهمُّ من جميع الأدعية لوجهين: أحدهما: أن استغفاره لنفسه يُغفَر له به جميعُ الذنوب إذا كان على وجه التوبة، حتى إنّ الكفّار إذا استغفروا لأنفسهم نفعَهم ذلك، وكان سببَ نجاتِهم من عذاب الدنيا. وعذابُ الآخرة إنما يُنجي منه الاستغفار مع الإيمان. وهذا أيضًا من خصائص التوحيد، فإن اَلمكلَّفَ لا ينفعُه توحيدُ غيرِه عنه، ولا يُنجِيه ذلك من عذاب الله ، بل لا يُنجيه إلاّ توحيدُ نفسِه، ولا ينفعُه مع عدمِ التوحيد الاستغفارُ عنه، بل لَا ينفعُه إلا استغفارُه الذي تضمن توحيدَه وتوبتَه من الشرك. فصارَ الاستغفارُ مقرونًا بالتوحيد من بدايةٍ، لا تُقبَل النيابةُ فيه ولا يُهدَى إلى الغير إلاّ إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعَه حينئذٍ ما يريدُه

стр. 2103

غيرُه من ذلك، بخلاف الأعمال والأدعية التي تُفعَل عن الغير وتُهدَى له وإن لم يأتِ بأصلِها. وإنما كان الاستغفار هو النهاية من العبد لأن الذنبَ لازمٌ لجميع بني آدم، وإنما كمالُ المؤمنين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في التوبة من الذنب والاستغفار، كما قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) إلى آخر السورة (١). وقد أخبر تعالى أنه يُبدِّلُ سيئاتِ التائب حسناتٍ، وأنه يَفرح بتوبة العبد أشدَّ فرحٍ يُقدَّر. فالذنوب إذا كانت مغمورةً بالحسنات لم يُعاقَب صاحبُها بالنار، لكن يكون تأثيرها في تفاوتِ الدرجات، فأعلَى الخلقِ منزلةً العبدُ الذي غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وبذلك وصفه الرسول الذي قبلَه (٢) الذي دلَّ عليه والطالبون للشفاعة منه، وجعل ذلك هو السبب في كونه يكون شفيعَ الخلائق، لأنه لما غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر لم يبقَ يَحتاجُ إلى أن يَشفع لنفسِه ويَستغفر، فأمكنَه أن يَشفعَ لغيرِه، بخلافِ من يقول: نفسي نفسي، فإنه يكون محتاجًا إلى الشفاعة حينئذٍ لنفسِه ويستغفر لنفسه، فلا يشفع لغيره في هذا المقام، وإن كان يشفع بعد ذلك، فإن الله سبحانه لا بُدَّ أن يَغفِر جميع هذه الذنوب وما هو أعظمُ منها، لكن يتأخَّرُ ذلك عن مقامِ الشفاعة، بخلافِ الذي غُفِر له ما

стр. 2104

تقدمَ من ذنبه وما تأخرَ قبلَ هذا المقام، فإنه سائر في مقام المغفرة. ولهذا قال اَلخليل -وهو أحد الرسل الكبار المطلوب منهم الشفاعةُ يومئذٍ-: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (١)، فالمغفرة التي رجاها تكون يومَ الدين، وهي واقعةٌ بعد شفاعة سيّد ولد آدمِ، فإنه قبل ذلك يقول (٢): إنّ ربّي قد غَضِبَ اليومَ غضبًا لم يَغضبْ قبله مثلَه ولن يغضبَ بعدَه مثلَه، ويذكُر خطيئتَه: نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى موسى. وهذا كلُّه مما يؤكَدُ أمرَ الاستغفار ويُبيِّن أنه نهايةُ الأمر، وأنّ السائرَ فيه هو من سائر السابقين، فتكريره يوجب من ذلك ما لا يُوجبه غيرُه. والله أعلمُ.

стр. 2105

مسائل في الصلاة

стр. 2106

ذكرٌ (١) إلا في فعلٍ من أفعالها، وليس فيها فعلٌ خالٍ من ذكرٍ إلاّ جلسة الاستراحة حيث تُفعل، فإنها فعلٌ لا ذِكرَ فيه لقِصَرِه، ومثل تكبيراتِ الانتقال، فإنها ليست في فعلٍ مستقرّ. وقد تنازعوا في الجهر والمخافتة في الصلوات هل هما واجبانِ تَبطُل الصلاةُ بتعمُّدِ مخالفتهما أم هما سنة؟ وفي ذلك خلافٌ مشهورٌ في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، والمشهور أنهما سنة، وكذلك دعاء الاستفتاح سنة. ومن السنن الراتبة المتفقِ عليها: المخافتةُ بالذكر والدعاء في الركوع والسجود، والاعتدال فيهما وفي التشهدين، ومخافتة المأموم بقراءته ودعائه، وأما المنفرد فقد تنازعوا هل الأفضل له المخافتة بالقراءة أو الجهر بها؟ والاستعاذة السنةُ المخافتة بها عند الجمهور، وقيل: يتعوَّذ بين المخافتة والجهر. والبسملة عند الذين يقرؤونها -وهم الجمهور- سنتها الراتبة المخافتة، وقيل: الجهر، وقيل: يُخيَّر بين الأمرين. وكذلك التأمين سنتُه الجهرُ به عند أحمد والشافعي، وأصحّ قوليه للإمام والمأموم، وقيل: المخافتة به لهما، وقيل: يخافت به المأموم دون الإمام تبعًا لقراءته. والدليل على أن سنة الاستفتاح المخافتة ما في الصحيحين (٢) عن أبي هريرة قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم بَاعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب ... " إلى آخره، وظاهره أنه لم يكن

стр. 2107

يجهر بالاستعاذة أيضًا، لقوله "بين القراءة والتكبير". وكذلك سائر الأحاديث الصحاح التي فيها المخافتة بالبسملة، مثل حديث عائشة (١) وأنس (٢) وأبي هريرة (٣) وغيرها، تدكُ على ذلك. وكذلك حديث سمرة بن جندب وأبي بن كعب، قال سحمرة: حفظتُ عن رسول الله ﷺ سكتتينِ، وهو في السنن (٤). وأما لعارضٍ فقد ثبت في الصحيح (٥) أن عمر كان يجهر بدعاء الاستفتاح مراتٍ كثيرةٍ، فكان يقول: الله أكبر، "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك". وكان طائفة من الصحابة يجهرون بالبسملة، كابن الزبير وغيره. وقد رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه كان يجهر بها بمكة، ورُوِيَ في جهرِه بها بالمدينة أحاديثُ ضعيفةٌ ضعَّفها أهل الحديث (٦). وثبتَ في الصحيح (٧) عن أبي قتادة أن النبي ﷺ كان يُسمِعُهم الآية أحيانًا من صلاةِ الظهر والعصر، وثبت في صحيح البخاري (٨) أن ابن عباس جهرَ بالقراءة على الجنازة بفاتحة

стр. 2108

الكتاب وقال: لِتَعلموا أنها السنة. فمثلُ هذا الجهر إذا كان لتعليم المأمومين يَحسُنُ، ولو كان لمصلحةٍ أخرى فهو حسنٌ أيضًا، فإنه قد يكون الجهرُ أعونَ على القراءة، كما قال عمر: أُوقِظُ الوسنانَ وأُرضِي الرحمن وأَطرُد الشيطان (١). فقد يكون الجهر أبلغ في تعليمه، وقد يكون عليه في المخافتة مشقة، ومهما استجلبَ به الخشوع والبكاء من خشية الله وكان أنفع للمأمومين جاز، ولا يداوم على ذلك في [كل] وقت، كما يداوم على قراءة الفاتحة وعلى الركوع. ومما يدلُّ على جواز الجهر بالاستفتاح وغيره أحيانًا ما في الصحيح (٢) عن أنس أن رجلاً جاء إلى الصلاة وقد حَفَزَه النَّفس، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمدًا كثيرًا طبياً مباركًا فيه مُباركًا عليه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاتَه قال: "أيُّكم المتكلِّمُ بالكلمات؟ لقد رأيتُ اثْنَي عشرَ ملكًا يبتدرونَها أيُّهم يَرفعُها". فهذا مأمومٌ جهرَ بهذا الذكر بعد التكبير، وقد أثنى النبي ﷺ عليه بذلك، وهذا دليلٌ على جواز الجهر أحيانًا في المواضع التي يُخافَتُ فيها، وأن الرجل إذا ذكر الله في الصلاة بما هو من جنسها كان حسنًا وإن لم يُؤمَر به. وهذا موافقٌ لجهر عمر بالاستفتاح.

стр. 2109

وكذلك ما رواه البخاري (١) من حديث رفاعة بن رافع قال: كنا نصلِّي وراء رسول الله ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجلٌ وراءه: ربنا لك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى صلاتَه قال: "مَن المتكلِّمُ؟ رأيتُ بضعَةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها". فهذا أيضًا جهرٌ من المأمومَ بالتحميد الذي هو ليس المأمور به، ولكنه من جنس المأمور به، فإن النبي لم يُنقَل عنه مثله. وأيضا فالذين ذكروا أنهم صلَّوا مع النبي ﷺ فعلموا ما كان يفتتح به، وما كان يقوله في ركوعه وسجودهِ واعتداله، مثل حديث جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يُصلّي فقال: "الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثِه". رواه أهل السنن (٢)، وهو حديث حسن. فلولا أنه جهر بذلك لما سمعه يقول ذلك، إلا أن يُخبِره به بعد الصلاة، ولو أخبره كما أخبر أبا هريرة لبيَّن ذلك، ولأنه لم يكن ليُخبِره من غير استخبارٍ عن الاستفتاح وحدَه دون بقية أذكار الصلاة، إذ لا مُوجِبَ للتخصيص. وكذلك حديث حذيفة (٣) أنه صلَّى مع النبي ﷺ ، فكان يقول في ركوعه: "سبحانَ ربي العظيم"، وفي سجوده: "سبحانَ ربي الأعلى"،

стр. 2110

وما أتَى على آيةِ رحمةٍ إلا سألَ، ولا على آيةِ عذاب إلا تعوَّذ، وهذا كان في قيام الليل. وهو حديث صحيح. وكان يقول بين السجدتين: "ربِّ اغفرْ لي، ربِّ اغفرْ لي" (١)، وهذا بيِّنٌ أنه كان يُسمَع منه ما قاله في ركوعه وسجودِه وبين السجدتين، وكذلك دعاؤه عند آية الرحمة والعذاب. فهذا يقتضي جواز الجهر بذلك. وكذلك حديث ابن أبي أوفى (٢) أنه كان إذا رفع ظَهرَه من الركوع قال: "سمعَ الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد مِلْءَ السماواتِ ومِلْءَ الأرض ومِلْءَ ما شِئتَ من شيء بعدُ"، وفي حديث أبي سعيد (٣): "أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد" إلى آخره. وهذا يدلُّ ظاهرُه على أنهم سمعوا ذلك منه يقوله في الصلاة من غيرِ إخبارٍ منه لهم. وكذلك حديث عائشة الذي في الصحيح (٤) أنه كان يُكثِر أن يقول في ركوعه وسجودِه: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهمَّ اغفرْ لي" يَتَأَوَّلُ القرآن. وقولها في الصحيح (٥): كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قدوسٌ ربّ الملائكة والروح". وأصرحُ من ذلك ما رواه

стр. 2111

مسلم (١) عنها قالت: فَقدتُ رسولَ الله ﷺ ليلةً على الفِراش، فالتمستُه، فوقَعتْ يدي على بطنِ قدميه وهو في السجود وهما منصوبتانِ، وهو يقول: "اللهمَّ إني أعوذ برِضاكَ من سَخَطِكَ" إلى آخره. فهذا صريحٌ في أنه جَهَرَ بهذا الدعاء في سجودِه، حتى سمعت ذلك عائشة. فإن كان الإمام ضعيفًا أو صوتُه لا يَبلُغ المأمومين جاز أن يُبلِّغ بعضُهم بعضًا بالتكبير، كما كان أبو بكر يُبلِّغ عن النبي ﷺ التكبير في مرضِه لما خَرَج وأبو بكر يُصَلِّي بالناس، وبنى على صلاةِ أبي بكر. وأما الإمام فالسنة في حقه الجهرُ بالتكبير باتفاق العلماء، وفي حديث أبي هريرة الصحيح (٢): كان رسولُ الله ﷺ إذا قام [إلى] الصلاة يُكبّرُ حينَ يقوم وحينَ يركع، ثم يقول: "سمعَ الله لمن حمده" حين يرفعُ صُلْبَه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: "ربَّنا ولكَ الحمدُ"، ثم يكبّر حين يَهوِيْ وحين يرفعُ رأسَه، ثمّ يكبِّر حين يسجد، ثمّ يكبّر حين يرفع رأسه. وكذلك ذكره أبو حُميد الساعدي (٣). وكذلك حديث أبي موسى في صحيح مسلم (٤) يبين هذا: "إذا صليتمِ فأقيموا صفوفكم، ثُمَّ ليؤمَّكم أحدُكم، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: (وَلا الضَّالِّينَ) فقولوا "آمين" يُجِبْكم الله، فإذا كبَّر وركعَ فكبِّروا واركعوا، فإذا قال

стр. 2112

"سمع الله لمن حمده" فقولوا "ربنا ولك الحمد" يسمع الله لكم". ففي هذه الأحاديث بيان جهر الإمام بالتكبير حتى يسمعوه. فصل وأما مقدار الكلم والعمل فإن السنة التي اتفق عليها العلماء في صلاة المغرب أن قراءتها أقصرُ من قراءة غيرِها، كما اتفقوا على أنّ سنتها التعجيلُ من أول الوقت، وإن كان تأخيرُها إلى وقتِ العشاءِ جائزًا، كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة في إمامةِ جبريلَ النبيَّ صلى الله عليهما وسلم، ويُكرَه تأخيرُها عن أوَّلِ وقتِها من غيرِ عُذْرٍ، بخلافِ غيرِها من الصلوات. وقد روى الإمام أحمد (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "المغربُ وِتْرُ النهار، فأوتروا صلاةَ الليل". فإذا كانت وِتْرَ صلاة النهار كان تعجيلُها مع عمل النهار هو السنة، ومع هذا فقد ثبتَ في الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ فيها بطُولَى الطُولَيَيْنِ، وفي الصحيح عنه أنه كان يقرأ فيها بالمرسلات (٣) وبالطور (٤). وأما صلاة الفجر فالسنة فيها التي استفاضت بها الأحاديث واتفقَ عليها العلماءُ إطالةُ القراءةِ فيها زيادة على غيرِها، حتى قيل: إنها إنما جُعِلتْ ركعتين لأجلِ طولِ القراءة فيها. وفي

стр. 2113

الصحيح (١) من حديث أبي بَرْزَة عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ فيها ما بينَ الستّين إلى المئة، وتارةً بقاف، وهو في الصحيح أيضًا عن جابر بن سمرة (٢). وتارةً بالمؤمنين (٣)، وتارةً بغيرها. وفي مسند أحمد (٤) أنه قرأ فيها بالروم، وكان يأمرهم بالتخفيف، ويَؤُمُّهم بالصَّافّات. فالتخفيف الذي أراده منهم هو أن يقرأ بقدر الصافّات. وقرأ فيها في السفر بـ (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلق) و (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، كما رواه أهل السنن (٥) عن عقبة بن عامر قال: كنتُ أقودُ برسول الله ﷺ ناقتَه في السفر، فقال لي: "يا عُقْبة، إلا أُعلِّمك خيرَ سورتين قُرِئتَا؟ "، فعلَّمني "قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس"، فلما نزلَ إلى صلاة الصبح صلِّى بهما. والسفر قد وُضِعَ فيه عن المسافر شَطْرُ الصلاة، فكذلك يُوضع عنه إطالةُ القراءةِ فيه في الفجر. وكان يخفف الصلاة لأمرٍ عارض كبكاء الصبي (٦)، فإن تخفيف الصلاة لئلاّ يشقّ على المأمومين من السنة. وفي حديث عائشة (٧) أنه كان يصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعةً، وفي حديث ابن

стр. 2114

عباس (١): ثلاث عشرة ركعة، وكان يفتتح قيام الليل بركعتين خفيفتين (٢)، فلعلَّ هذه هي محلّ الاختلاف، وكان يصلِّي بعد وترِه سجدتين وهو جالسٌ. قال: وقد أطلق بعضُ العلماء أن التطوُّعات قبل الصلوات وبعدها أفضل التطوع. قال الشيخ: وليس كذلك، بل قيامُ الليل أفضل التطوعات، كما ثبت في الصحيح (٣) عنه أنه سُئِل أيُّ الصلاة أفضلُ بعد المكتوبة؟ فقال: "صلاة الليل". وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر، وهذا هو الذي لم يكن يتركه سفرا ولا حضرًا، بل كان في السفر يُوتر على راحلته، وكان يصلي ركعتي الفجر، حتى قضاهما لما نام عنهما، حينَ نام هو [و] أصحابه عن صلاة الفجر لما قَفَلَ عن خيبر، وقال عنهما: "لا تَدَعُوهما ولو طَرَدَتْكم الخيلُ " (٤). وقد كان مالك لا يسمِّي سنة إلا هما خاصة، فهما أول العمل، والوتر آخره. و [لم] يحفظ أحدٌ عن النبي ﷺ أنه صلى مع الظهر والعصر والمغرب والعشاء شيئًا من الرواتب في السفر، وكان يُصلِّي صلاةَ الليل على راحلته، بل ثبت عنه في غير حديث صحيح أنه كان يصلّي المغرب والعشاء ولا يصلِّي معهما شيئًا، وأنه لم يكن في السفر يزيد على ركعتين. وأقصى ما في

стр. 2115

الأحاديث الصحيحة أن تطوع النبي ﷺ مع ركعات الفرض أربع وأربعون ركعةً، وعائشة كانت أعلمَ بصلاة النبي ﷺ بالليل من غيرِها. فصل وصف الله سبحانه أنبياءَه ورُسُلَه والعلماءَ من عبادِه بأنهم إذا سمعوا آيات الله خرُّوا سُجَّدا وبُكِيُّا، كما قال تعالى لما ذكر الأنبياء في سورة مريم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)) (١). وصف جميع هؤلاء الذين هم صَفوةُ خلقِه وخيرهم بأنهم إذا سمعوا آياتِ الرحمن خَرُّوا سُجَّدا وبُكِيّا، وهذا نظير ما وصف به علماءَ أهل الكتاب بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)) إلى قوله: (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)) (٢)، أي إذا سمعوا القرآن سجدوا وبكَوا. وهذا مما أمر الله به الناس عموما، وذمَّ من لم يفعل ذلك في قوله: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القرآن لَا يَسْجُدُونَ (٢١)) (٣). فذمَّ من إذا قرئ عليه القرآن لا يَسجُد، كما مدح النبيين وغيرهم من المؤمنين بالسجود إذا سمعوه. والسجود وإن كان مشروعًا عند استماع هذه الآيات السجدات وواجبٌ عند بعض العلماء، فلا يجوز أن يكون

стр. 2116

المراد بهذه الآيات ونحوها مجرد سجود التلاوة، لأنه تعالى وصفهم بأنهم إذا تُلِيت عليهم خَرُّوا سُجَّدًا، وأخبر أنه لا يؤمن بآياته إلا الذين إذا ذُكّروا بها خَرُّوا سُجَّدًا، وهذا يَعُمُّ الآيات التي شُرِعَ فيها سجودُ التلاوة وغيرَها، ولا يجوز حملُه على تلك الآيات فقط، لأنها قليلة يسيرةٌ من حيث آيات الله . وكذلك ما وَصَفَ به أهلَ العلم وكذلك ما حَضَّ عليه الناسَ بقوله: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القرآن لَا يَسْجُدُونَ) (١)، فيه من العموم والتحضيض ما لا يجوز حمله على مجرد سجود التلاوة، يُوضح ذلك أنه لما أثنى على النبيين وأهل العلم وصفَهم بالسجود والبكاء، ولمّا أخبر عما لا بُدَّ منه من الإيمان وما يُذَمُّ من تركه ذكر السجود فقط، فقال: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)) (٢)، وقال: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القرآن لَا يَسْجُدُونَ (٢١)) (٣). بل هذا -والله أعلم- كما شِرعَه لمحمد ﷺ بقوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)) إلى أن قال: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) (٤)، فأمره بالقراءة والسجود، وعلى ذلك بنيَتِ الصلوات، فاعظم أركانها القولية القراءة، وأعظم أركانها الفعلية السجود، وهما أفضل أعمال الصلاة. وقد تنازع [العلماء] أيُّما

стр. 2117

أفضل: طولُ القراءة أو كثرة الركوع والسجود أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال، أصحها التسوية، كما كانت صلاة النبي ﷺ ، كما بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع. فصل والصلوات المشروعة مشتملة على ذلك، على استماع لقراءة آيات الله وعلى السجود، ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) (١)، فعُلِمَ أن ما وصف به الذين أنعم عليهم قبل ذلك ضد الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فنَعَتَ النبيين وأتباعهم بإقام الصلاة والمحافظة عليها. ولهذا لما احتج بهذه الآيات ونحوها من أوجبَ سُجودَ التلاوة أجابَ عن ذلك من لم يُوجِبْه بأن المراد بها سجودُ الصلب المفروض في الصلوات والقعود للثناء ما يتضمن الجمع بين القراءة والسجود، كما تضمَّن ذلك أول سورة أنزلت. ومما يُشبه هذه الآيات الثلاث قولُه في آخر النجم: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)) (٢). يذمُّ تعالى من يعجب من القرآن، ويضحك ولا يبكي بل يلهو، وأمر بالسجود لله والعبادة له. وهذا متضمن (٣) للسجود عند سماع هذا الحديث، كما وُضِعَت الصلاة على ذلك.

стр. 2118

وقد أخبر تعالى في قوله أنه لا يكون مؤمنًا بآياته إلا من يسجد عند ما يُذَكَّر بها، فقال: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)) (١). وهذه الآية يُستدلُّ بها على أن من لم يسجد لله فليس بمؤمن، وهذا يَقتضي كفر تارك الصلاة، وقوله: (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) يقتضي أن التسبيح واجب، وذلك يقتضي وجوبَ التسبيح مع السجود، والركوع يدخل في مسمَّى السجود عند الانفراد، فيقتضي وجوبَ التسبيح في الركوع والسجود. وأما قوله: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) (٢) فإنه داخل في حيز "الذين" أيضا، وذلك يجعل للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لصلاة الصبح وصلاة العشاء، وكلّما أُخِّرتْ هذه وقُدِّمتْ هذه كان أشد للتجافي عن المضاجع. فصل وقد وُضِعت الصلاة على السجود بعد القراءة، فإن الركوع والسجود- كما قدَّمنا- كلاهما يدخلُ في اسم الآخر [عند] الانفراد، وإن مُيِّزَ بينهما عند الجمع، كما في لفظ الفقير والمسكين، كما قال تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) (٣)، قيل: المراد به الركوع، لأن الساجد على الأرض لا يمكنه الدخول لذلك، ومنه قول

стр. 2119

العرب: سَجَدتِ النَّخلةُ، إذا مالت، فهذا إدخال الركوع في مسمى السجود، فإنه مبدؤه وأوله. وأما الآخر فكقوله في قصة داود: (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) (١)، وإنما هو سجودٌ بالأرض، كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح (٢) أنه قال: "سَجَدَها داودُ توبة، ونحن نسجدها شكرًا"، فإن الركوع يحصل بالانحناء، والزيادة على ذلك إلى حدّ الأرض زيادةٌ فيه. ويُعبَّر عن الصلاة تارة بلفظ الركوع، كما في قوله: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٣)، وقوله: (اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤). ولهذا إذا كانت السجدة في آخر السورة أجزأ ما في الصلاة من السجود والركوع عن سجود التلاوة، كما يُروى ذلك عن ابن مسعود، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وهو قولُ من قال من فقهاء العراق وغيرهم، لكن هل المجزئ عن سجود التلاوة هو الركوع أو سجود الصلب أو كلاهما؟ فيه نزاعٌ ليس هذا موضعه. وممّا يبيِّن أصلَ الكلام أن ما في القرآن من الأمر بالسجود- كقوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (٥) - هو أمرٌ بركوع الصلاة وسجودها، والله كما يَقرِنُ بعض أركان الصلاةِ ببعض- كما قَرَنَ بين

стр. 2120

القراءة والسجود، وبين الركوِع والسجود- فإنه يَقرِن بين الصلاة وبين غيرها من الشرائع، كما قرن بينها وبين الزكاة، وبينها وبين الصبر الداخل في الجهاد والصوم وغيرهما، وأكثر الأحاديث عن النبي ﷺ في الصلاة والجهاد، وقد قرن بينهما فى قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) هو الآية (١)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) الآية (٢)، وقال تعالى: (عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) (٣)، وقال في القرآن: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (٤). فصل الذي تواتر عن النبي ﷺ واتفقت عليه الأحاديث الصحيحة أنه لم يكن يَقنُتُ دائمًا في صلاة الفجر ولا غيرها، لكن كان يُطِيل الفجرَ بالقراءةِ أكثرَ من غيرها، وقد ثبت في الصحيح (٥) عن أنس أنه لم يَقنُت بعد الركوع إلا شهرًا، والعلمُ بعدم قنوتٍ راتبِ كالعلم بعدم قنوته في العشاء والمغرب دائمًا، إذ لم يَنقل عنه مسلم كلمةً تُقال في القنوتِ الراتب، وقد نقلوا عنه قنوت الوتر.

стр. 2121

وقد تنازع الناس هل كان قنوته راتبًا أو منسوخًا أو كان لسبب عارض ثم تركه لزوالِه؟ على ثلاثة أقوال، والثالث قول أهل الحديث، وهو الصواب، وهو قنوت النوازل، كقُنوته على الذين قتلوا القراء يومَ بئر مَعُونةَ، فقنتَ شهرًا بعد الركوع يدعو عليهم، وكقُنوتِه يدعو للمستضعَفين بمكة، فكان يدعو في قنوته لقومٍ، ويدعو على قومِ من الكفار ليُنْصَر عليهم. وكذلك عمر بن الخطاب كان يقنت إذا أرَسلَ جَيْشًا إلى الشام بالقنوت الذي فيه الدعاءُ على أهل الكتاب، وهو من قنوته موقوف عليه ليس مرفوعًا. وكذلك عليٌّ قنتَ في حروبه. وقد سأل أبو ثور الإمام أحمد عن القنوت فقال: في النوازل، فقال: وأيُّ نازلةٍ أعظمُ من نازلتنا؟ قال: فاقنُتوا إذًا، أو كما قال، يُريد بذلك امتحان الجهمية للمسلمين. فإذا نزل بالمسلمين أمر عامّ قنَتُوا فيه، كما إذا ظَهرَ قوم من المبتدعة والمنافقين قنتَ المؤمنون، وكذلك في الفتن التي تقعُ بين المسلمين من الافتراق والاختلاف. لكن لما وقعت الفُرقة في زمنِ علي هل قنتَ الناس للجماعة والائتلاف كما قَنتَ الطائفتان المقتتلتان؟ أو قنتَتْ كل طائفةٍ تطلُبُ النصرَ على الأخرى؟ وفي حروب النبي ﷺ عام الأحزاب ونحوِه لِمَ لَمْ يَقنُت أو لِمَ لَمْ يُنقَل قنوتُه؟ فإن المأثور عنه القنوتُ حيثُ لم يُمْكِنْه النصرة بالقتال، كقنوته على الذين قتلوا القراء، وللمستَضعفين الذين بمكة من المؤمنين بخلاصهم. وكذلك عمر كان يَقنُت لجنودِه، ويدعو لهم بالنصر، ويدعو علي الكفار بالخذلان والنكال، وهذا عِوَض عن مباشرتِه القتال بنفسه.

стр. 2122

فصل في الصلاة الوسطى

стр. 2123

فصل في الصلاة الوسطى قد ثبت في النصوص الصحيحة المستفيضة أن الصلاة الوسطى هي العصر ، كما صرّح به في حديث عليّ المتفق على صحته (١)، وحديث ابن مسعود: "الصلاة الوسطى هي العصر" (٢). والعصر ثبتَ لها خصائص، كقوله في الحديث الصحيح (٣): "من تركَ صلاة العصر حَبطَ عملُه"، وكذلك في الصحيح (٤): "الذي تفوتُه صلاةُ العصر كأنما وُترَ أهله وماله"، وقوله (٥): "إن هذه الصلاة عُرِضتْ على من كان قبلكم فضيَّعُوها، فمن حافظ عليها كان له الأجرُ مرَّتين، ولا صلاةَ بعدها حتى يَطلعَ الشاهدُ". والشاهد: النجم. ولهذا قال علي: هي الصلاة التي شُغِلَ عنها سليمانُ حتى توارتْ بالحجاب (٦). وقال ﷺ : "تلك صلاةُ المنافق، تلك صلاةُ المنافق، تلك صلاةُ المنافق، يَرقُبُ الشمسَ حتى إذا اصفرَّتْ وكانت بين قَرنَيْ شيطانٍ، قامَ فنقَر أربعًا لا يذكرُ الله فيها إلا قليلا" (٧). وهي الصلاة التي قال الله فيها في القرآن:

стр. 2124

(تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) (١). وقد ثبتَ في الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله ولا يَنظُر إليهم يومَ القيامة، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ حَلَفَ على سِلْعَة بعد العصر كاذبًا لقد أُعطِيَ بها أكثر مما أعطي. ورجل على فَضْلِ ماءٍ يمنعُه من ابن السبيل، فيقول الله له: اليومَ أَمْنَعُك فَضْلِي كما مَنَعتَ فَضْلَ ما لم تَعملْ يداك. ورجل بايعَ إمامًا لا يُبايعُه إلا للدنيا، إن أعطاه رَضِي، وإن مَنَعَه سَخِط". فذكر اليمين الفاجرةَ بعد العصر. ويُقال: إنّ وقتَها وقمت تُعظمُه الأممُ كلُّها، ولذلك أمر الله بالاستحلاف فيه لغير المسلمين. والمحافظة على الصلاة تُوجبُ تعظيمَه وحِفْظَ وقتِها حتى لا يُضيعَ حتى يخرج الوقت، وليسَ في مواقيت الصلوات ما لا يتميَّز أولُه بفصلٍ يُحَسُّ إلا وقت العصر، فإن الفجر يتميزُ أولُ وقتِها وآخرُه بطلوع الفجر وطلوع الشمس، والظهر يتميزُ أولُ وقتها بالزوالِ، وآخرُ وقتِها وإن لم يكن متميزًا فيجوز تأخيرُها إلى وقت العصر للعذر، فلا يفوت إلا بفوات وقت العصر. والمغربُ يتميزُ أولُ وقتِها وآخرُه بغروب الشمسِ وغروب الشفَق. وعشاءُ الآخرة يتميزُ أولُ وقتِها بمغيب الشفق، وآخرُ وقتهَا وإن لم يتميَّزْ تميُّزًا في الحسّ لكنّه يُمَدُّ للعذَر إلى طلوع الفجر كالظهر. والصلاة التي يُمكِن تأخيرُها إلى ما بعد الوقت الخاصّ للعذر، لا يُخاف من فوتها ما يُخاف من فوتِ الصلاة التي لا يُمكن تأخيرها،

стр. 2125

فالظهر والعشاء يجوز تأخيرُهما عن وقت الاختيار، وإن جاز تقديمُ العشاء، بخلاف العصر فإنه لا يجوز تأخيرُها عن وقتِها بحالٍ من الأحوال، وأولُ وقتها ليس يميز، مع أنه أقصرُ من وقت العشاء والظهر، ووقتها يكون الناس فيه مشتغلين بالأعمال في العادة، لا يكونون في وقتِ صلاةٍ أَشْغَلَ منهم في وقتها، وإن كان ذلك يختلف باختلاف الأحوال والآحاد في بعض الصلوات، لكن هذا هو الغالب. فالمحافظة عليها بسبب الوقت وقِصَرِه ووجودِ الشغل فيه. ولهذا لم يشتغل نبيُّنا ﵇ عن صلاة من الصلوات حتى نَسِيَها إلا صلاة العصر يومَ الخندق، كما أنه لم يَنمْ عن صلاةٍ إلا عن صلاة الفجر، وقال (١): "من نامَ عن صلاة أو نَسِيَها فلْيُصَلِّها إذا ذكرَها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك"، وهو ﷺ نام عن الصلاة مرةً ونَسِيَها أخرى. ولهذا قال لأصحابه: "لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصر [إلا] في بني قُريظةَ"، فأدركَتْهم العصرُ في الطريق، فمنهم من صلَّى في الوقت، ومنهمِ من أخَّرها حتَّى صلاها بعد المغرب هناك، فلم يُعنِّفْ واحدةَ من الطائفتين (٢). ولهذا تنازع العلماء هل يجوز في حال شدَّةِ الخوف تأخيرُ الصلاةِ عن وقتها أو يَجبُ فعلُها في وقتها بحسب الحال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد.

стр. 2126

إحداهما: أنه يُخيَّر بين تعجيلها بحسب الحال وبين تأخيرِها، كما أن الصحابة منهم من صلَّى في الوقت ومنهم من صلَّى بعد الوقت، لكن أولئك صَلَّوا صلاةً كاملةً، لكونهم لم يمنعوا عن ذلك. والثاني: أنه يجب فعلُها في الوقت بحسب الحال، وأن ذلك التأخير كان منسوخًا بقوله بعد ذلك: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) (١)، فأمرهم بالمحافظة التي هي فِعلُها في الوقت. ولأنه بذلك يجمع بين الواجبين: الصلاة والجهاد بحسب حاله، وإتيانُه بالواجبين أولَى من تفويتِ أحدهما، ووقتُ الصلاة أعظمُ فروضها، ولا تَسقُط بحالٍ، ولهذا تُفعَل على أيِّ حالٍ أمكنَ في الوقت، ولا تُؤخَّر صلاةُ النهار إلى الليل، ولا صلاةُ الليل إلى النهار، لا لاشتغال مفرط ولا غير ذلك. وأما الجمع بين الصلاتين فهو فِعل لها في وقتهما، إذ الوقتُ ينقسم إلى وقتِ اختيار ووقتِ اضطرار، ولهذا قلنا في المُحْرِم إذا خاف إن صلَّى العشاء أن يفوتَه الوقوفُ بعرفةَ، وإن بادرَ إلى إدراكِ الوقوف قبل صلاةِ الفجر فاتته العشاءُ= إنه يجمع بين الواجبين الصلاة والحج، فيُصلي بحسب حالِه ويُدرك الوقوف. وهذا القول خيرٌ من قولِ من قدَّم الصلاةَ وفوَّتَ الحج، أوَ قدَّمَ الحج وفوَّتَ الصلاةَ، إذ كلٌّ من الوقوِف والصلاة له وقتٌ لا يجوز تأخيرُه عنه. وبعد هذا القوِل قول من سَوغَّ تأخيرَ الصلاة لإدراك الحج، فهو شبيهٌ بقولِ من سَوغَّ تأخير

стр. 2127

الصلاة لأجلِ الجهاد. وأما من أمرَ بفعل الصلاة وتفويت الحج فهو يقول: لا يَخرُج عن الإحرام بذلك، بل ينتقلُ عن الحج إلى العمرة. وهذا ضعيفٌ، فإنّ ذلك لا يجوز مع القدرة بحالٍ. ومن العلماء مَن جَعَلَ فِعلَ الصلاةِ يوم بني قُريظةَ من الصحابة فِعْلَ اجتهادٍ، وأن النبي ﷺ لم يُسوِّغ الفعلينِ جميعًا حتى جَعَلَهم مُخيَّرين، ولكن لما اجتهدوا أقرَّ كلاًّ منهما على اجتهاده. وجعلوا هذا الحديث أصلاً في تقرير المجتهدين على اجتهادهم. وهذا وإن كنتُ قد ذكرتُه في بعض كلامي قبلَ هذا ففيه نظرٌ، لأن المجتهدين إنما يُقَرُّون إذا عُدِمَتِ النصوصُ، فلو كان هذا من باب الاجتهاد لكان أحدهما هو المصيب دونَ الآخر، فكان النبي ﷺ يُصَوِّبُ فِعْلَ إحدى الطائفتين ويَعذُر الأخرى، لا يُسَويّ بين الطائفتين التي اختصَّتْ إحداهما بالإصابة في مواردِ الاجتهاد. والمقصود الكلامُ على "الوُسطَى"، وأنها مما قد يشتغلُ عنها الأنبياء والصالحون، كما نَسِيَها النبي ﷺ ومن نَسِيَها من أصحابه يومَ الخندق، وكما نَسِيَها سليمانُ يومَ عُرِضتْ عليه الخيلُ. فتخصيصها بالأمر بالمحافظة عليها مناسبٌ، كما هو قول أهل الحديث والسلف. ويليه قولُ من قال: إنها الفجر، فإنه أيضًا قولُ طائفةٍ من الصحابة والعلماء المتبوعين. والفجر أحق الصلوات بذلك بعد العصر، فإن هاتين الصلاتين بينهما من الاشتراك الذي اختصَّا به ما ليس لغيرهما من الصلوات، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح (١): "لَن يَلِجَ النارَ

стр. 2128

أحدٌ صلَّى قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها" يعني الفجر والعصر. وقال في الحديث الصحيح (١): "من صلَّى البَرْدَينِ دخلَ الجنةَ". وقال (٢): "إنكم سَتَرَون ربّكم كما ترون القمرَ ليلةَ البدر، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها فافعلوا"، ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) (٣). وقال في الحديث الصحيح (٤): "من أدرك [ركعةً] من الفجر قبلَ أن تطلع الشمسُ فقد أدرك، ومن أدرك ركعةً من العصر قبلَ أن تغربَ الشمسُ فقد أدرك". وذلك أن الله أمرَ بالصلاة قبلَ طلوع الشمس وقبل الغروب، وهذا يتناول هاتين الصلاتين قطعًا، وإن كانت صلاةُ الظهر قد تدخل في ذلك. وكذلك قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) (٥)، (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) (٦) و (بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ) (٧)، ونحو ذلك يتناول الفجر والعصر قطعًا، والظهر وإن دخلَتْ في ذلك فوقتُها وقتُ العصر حينَ العُذر، كما أن وقت العصر هو وقتها حالَ العذر فوقتُ هاتين الصلاتين واحد من وجهٍ. ومن خصائص هاتين الصلاتين أن كلاًّ منهما لا يجوز تأخيرها عن

стр. 2129

وقتها بحال ولا لسبب من الأسباب، كما تؤخَّر الظهرُ [إلى العصر]، والمغربُ إلى العشاء للعذر، ولهذا خصَّهما النبي ﷺ بقوله: "من أدرك ركعةً من الفجر قبل أن تطلع الشمسُ فقد أدرك، ومن أدرك ركعةً من العصر قبلَ أن تَغْرُب الشمسُ فقد أدرك"، إذْ سائر الصلوات لا تحتاج إلى مثل هذا. فهذه صلاة النهار لا تؤخَّر إلى الليل، وتلك صلاة ليلٍ من بعض الوجوه لأجل الجهر فيها، وصلاة نهارٍ من بعض الوجوه لكونها بعد طلوع الفجر، وإن كانت معدودةً من صلوات النهار كما قد نصَّ عليه أحمد وغيرُه، لكن فيها شَبَهٌ من صلاة الليل. وذلك أن لفظ "الليل" "والنهار" فيهما اشتراكٌ، فقد يُراد في الشريعة بالنهار ما أولُه طلوع الفجر، كقوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) (١) الطرف الأول فيه صلاة الفجر، وهذا هو المعروف في باب الصيام، إذ [إنا] نصوم النهارَ ونقوم الليلَ، فصيامُ النهار أولُه طلوع الفجر، وقيامُ الليل ينتهى بطلوع الفجر. وقد يُراد بالنهار ما أولُه طلوع الشمس، كما يجيئ في الحديث: فعلَ كذا نصفَ النهار، ولما انتصفَ النهار، وقبلَ نصفِ النهار، فأراد نصف النهار الذي أوله طلوع الشمس، إذ زوالُ الشمس مُنتصَفُ هذا النهار، لا مُنتصَف النهار الذي أوله طلوع الفجر. فلهذا كان وقت الفجر فيه اشتراكٌ بين الليل والنهار، وإن كانت الفجر معدودةً من صلوات النهار، وهذا مما قيل في معنى توسُّطِها، قالوا: لأنها بين صلاتَي الليل وصلاتَيْ نهار، وهو معنًى مناسبٌ، لكن العصر أحقُّ بالتوسُّط كما دلَّ عليه الأحاديث، وكما قال من قال من

стр. 2130

السلف لمن سأله عن ذلك وقيل له، فأومأ بأصابعه، فأشار بالخِنْصر وقال: هذه الفجر، وأشار إلى البنْصِر وقال: هذه الظهر، وأشار بالوسطى إلى العصر وقال: هذه العَصر، وأشار إلى المغرب وقال: هذه السبَّاحة، ولأنها وتْرٌ، والسبَّاحة تُشِير بالتوحيد، وأشار إلى الإبهام وقال: هذه العشاء. وهذا صحيح، فإن أوَّل الصلوات هي الفجر، وهي ركعتان، لتنتقلَ النفسُ منها على التدريج إلى ما هو أكثر منها، ولهذا قدَّمَها في الترتيب بعض المصنِّفين، وذلك أحسنُ ممن قدَّم الظهر، فإن الذين قدَّموا الظهرَ اتَّبعُوا ما فعلَه جبريلُ والنبيُّ ﷺ حينَ أمَّه وأقامَ له مواقيتَ الصلوات. والذين قدَّموا الفجرَ تَبِعُوا فيها الأحاديث الثابتة الصحيحة، مثل حديث بُرَيدة (١) وأبي موسى (٢) وحديث ابن عمرو (٣) وأبي هريرة (٤) -إن ثبتَ-، فإن النبي ﷺ بدأ فيها بالفجر في قوله وفعلِه. وأما تسمية الظهر الأولى فليس هو تسمية سنةٍ عنه ﵇، وإنما هو قول بعض السلف، كما في الصحيح (٥) عن أبي بَرْزَة أنه قال:

стр. 2131

"كان النبي ﷺ يُصلِّي الهَجيرَ التي تَدعُونها الأولى". فجعلَ دعاءَها بهذا الاسم من قول المخاطَبين، لا من قول الشارع، كما قال: "وكان يُصلِّي العشاءَ التي تَدعُونها العَتَمَة"، مع أنّ تسمية هذه الصلاة بالعَتَمة وإن وردَ النهيُ عن ذلك (١) لئلَاّ يَغْلِب عليه، فقد وردَ فيه أحاديثُ صحيحةٌ لم يَرِدْ مثلُها في تسمية الظهر بالأولى. وأما فعلُ جبريل فعنه جوابان: أحدهما: أن ذلك كان ليلةَ المعراج حينَ فُرِضت الصلواتُ الخمسُ، ولم يكن المسلمون قد علموا بهذا الفرض حتى طلعَ النهارُ، فلما طلعَ أقامَ لهم الصلوات، فكان ابتدأ حينئذ بالظهر. والثاني: أن ذلك كان متقدمًا قبل تكميل عدد الصلوات وأوصافها، وكانت الصلاة ركعتينِ ركعتينِ، ثمَّ إنّ الله بعد ذلك أكملَ عددَ الصلوات، وإنما أُخِذَ بالآخر من أمر النبي ﷺ ، وقد قال: "المغربُ وِتْرُ النهار، فأوتروا صلاةَ الليل"، رواه أحمد (٢). ولو كانت الظهر أول الصلوات لم تكن الفجرُ داخلةً لا في وتر الليل ولا في وتر النهار. وأيضًا فمعلوم أن أول النهار طلوعُ الفجر، فصلاةُ ذلك الوقت تكون أول الصلوات، والإنسان حينئذٍ يكون كالميت. ولهذا كان النبي ﷺ إذا استيقظَ يقول (٣): "الحمد لله الذي أحيانَا بعدَ ما أماتَنا، وإليه

стр. 2132

النُّشُور". فكان أول الصلوات هي الفجر، وإذا كانت الفجر أولَها كانت العصر أوسطها، فالمحافظة عليهما في أول وقتهما أولَى من غيرهما، لأن وقتهما ليس بالطويل الممتدّ كالظهر والمغرب والعشاء، فلا يجوز. تأخيرهما عنه، فلهذا كان توكيد المحافظة عليهما متعيِّنًا، فإنّ المحافظة تتعلق بالوقت. والفجر لها خصائص تتميز بها عن العصر، مثل كون القراءة فيها طويلةً، كما قال تعالى: (إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)) (١). وفي السنن (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تَشهدُه ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار"، وفي روايةٍ: "يَشهدُه الله وملائكتُه". ومن خصائصها أنها لا تُجمَع إلى غيرِها. ومن خصائصهما أنه يجتمع فيهما ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهار، كما في الصحيح (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيَعْرُج الذين باتوا فيكم، فيَسألُهم -وهو أعلمُ منهم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلُّون، وتركناهم وهم يُصلُّون". ومن خصائصهما تركُ الصلاةِ بعدهما، كما في حديث ابن عباس (٤) وأبي سعيد (٥) وغيرهما من النهي عن ذلك. والله سبحانَه أعلم.

стр. 2133

فصل يتعلق بما قبله من اجتماع الصلاة والجهاد وذلك أنَّ الله أمرَ بالمحافظة على الصلاة، والمحافظة عليها فِعلُها في أول وقتها. والوقتُ وقتانِ: وقت يتقدَّرُ بالزمان، فلا يجوز تأخُّرُها عنه بحالٍ، والوقت الثاني يتقدَّرُ بالفعل، وذلك نوعانِ: أحدهما أنه إذا أُقيمتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلا التي أقِيمتْ، لأن الإقامة مختصَّة بها بعينها، فصار ذلك الوقتُ وقتَها المقدر لا يَسَعُ لغيرها، فلا يُفعَلُ فيه غيرُها لا تطوُّعٌ ولا غيرُه. ولهذا تنازع العلماءُ فيما إذا ذكرَ العبدُ فائتةً بعد أن أقيمت الحاضرةُ، لأنَّ كلاهما واجبٌ، وقد ضاق الوقت عنهما، وقد قال النبي ﷺ : "مَن نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَها فليُصلها إذا ذكر، فإن ذلك وقتُها، لا وقتَ لها إلا ذلك" (١). فأوجبَ فِعْلَها وقضاءَها على الفور، وهذا مما يُحتجُّ به على الترتيب في قضاء الفوائت، كما هو مذهبُ أكثرِ الفقهاء في الفوائت القليلة، ومذهبُ بعضهم في الفوائت القليلة والكثيرة. كما إذا ذكرها بعد ضِيق الوقتِ المقدَّر بالزمن، هل يُقدم الفائتةَ لتقدُّمِ وجوبها، أو يُقدمُ الحاضرةَ خوفَ فواتِها وخروجها عن وقتها فتصير فائتتين، أو يُصلي الحاضرةَ مرتين، فيفعلُها مرةً لأنه وقتها، ثمَّ يُصليها بعد أن يُصلِّيَ الفائتة لأجلِ مراعاةِ الترتيب؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. وقد رأى أبو هريرة رجلاً خرجَ من المسجد بعد النداء فقال: "أما هذا فقد عَصَى أبا

стр. 2134

القاسم" (١). لأن النداء إليها عينُ وقتِها، ولهذا نُهُوا يومَ الجمعة عن البيع بعد النداء، لأن ذلك وقتُ الصلاة المعيَّن المقدَّر. فصل وإذا كانت الصلاةُ على ما ذُكِرَ من توسيع الوقتِ تارةً وتقديرِه أخرى، فلا تُؤخَّر عن الوقتِ الموسَّع، بل المحَافظةُ عليها في الوقت أمر واجبٌ على كل حال، كما أمر به القرآنُ فقال: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) (٢)، وقال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)) (٣)، وقال: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) (٤)، وقال: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)) (٥)، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)) (٦)، مستثنيًا هؤلاء ممن خلف هؤلاء، وعاد ذاكرًا لهم في "الوارثين الذين يرثون الفردوس". وكما قال: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) (٧)، وقال: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) (٨)، وقال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ

стр. 2135

غُرُوبِهَا) الآية (١). ومثلها في (ق) (٢)، وقال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)) (٣)، وقال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)) (٤)، وقال: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)) (٥). فأمر بفعل الصلوات في مواقيتها مطلقًا وعمومًا، وأمر به مفصلاً وخصوصًا في الآيات التي عينتها. وقال النبي ﷺ : "إنه سيكونُ عليكم أُمَرَاءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن وقتِها، فصَلُّوا الصلاةَ لوقتِها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلةً" (٦). وقال: "من نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَها" الحديث (٧). وقال: "ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريطُ في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقتُ التي تلِيها" (٨). وقال: "من فاتَتْه صلاةُ العصر فقد حَبِطَ عملُه" (٩)، و"من فاتتْه صلاةُ العصر فكأنما وُترَ أهله وماله" (١٠)، وقال: "الوقتُ ما بين

стр. 2136

هذين" (١)، إلى أمثال ذلك. فالجهاد واجبٌ على الفور تارةً وعلى التَّراخِي أخرى، وعلى الأعيان تارةً وعلى الكفاية أخرى، وهو سَنَامُ الدين، كما أن الصلاة عمودُ الدين، والإسلام رأسه. ولهذا كانت غايةُ أحاديث النبي ﷺ وأكثرها وآكدها في الصلاة والجهاد، وكان إذا عاد مريضًا قال: "اللهمَّ اشْفِ عبدَك هذا يَشْهَد صلاةً ويَنْكَأ لك عَدُوًّا" (٢). وكانت السنةُ أن الإمام هو الذي يُقيم للناس الصلاةَ ويُجاهِدُ بهم العدوَّ، فأمير الحرِب والصلاة واحدٌ، كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)) (٣)، فاخبر أنه أنزل الكتابَ والميزان والحديدَ، ولهذا كان قِوامَ الدين كتابٌ يَهدِي وعدلٌ يُعملُ به وحديدٌ ينصر، (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)) (٤). والجهاد يلزم بالشروع، كما أن الكتاب يلزم بالشروع، كما قال النبي ﷺ : "من قرأ القرآن ثمَّ نَسِيَه لَقِيَ الله وهو أَجْذمُ" (٥)، فقد قال: "من تعلَّم الرميَ ثمَّ نَسِيَه فليس منا"، وفي رواية: "فقد عصى"، وهو

стр. 2137

في الصحيح (١). وإذا كانت الصلاة التي يُتلَى فيها الكتابُ يتعيَّنُ وقتُها بالفعل، فتلزم بالشروع، فكذلك الجهاد، فإذا صار المسلمون حَذْوَهم أو حاصروا حصْنَهم لم يكن لهم الانصرافُ حتى يُقضَى الجهاد، كما قال تعالى: (إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)) الآية (٢). وقد أمر سبحانَه بالأمرين في حال القتال، فقال: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) (٣)، فأمر بالثبات الذي هو مقصود الجهاد، وبذكْره الذي هو مقصود الصلاة، كما قال ابن مسعود: ما دُمْتَ تَذكرُ الله فَأنتَ في صلاة ولو كُنتَ في السوق. ولهذا يَقرنُ سبحانَه كثيرا بين الأمر بالصلاة والأمر بالصبر الذي هو حقيقة الجهَاد، كقوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (٤)، (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)) (٥)، وقال: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) إلى قوله: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (٦)، وقال: (فَأصْبرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْد رَبّكَ قبْلَ طلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) (٧)، وكذلك في (ق) (٨) والطَورَ (٩)

стр. 2138

وغافر (١)، وقوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)) إلى قوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)) (٢)، وقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) (٣). فأمر سبحانه بهذا وبهذا، وكلاهما وإن كان ينقسم بحسب فعلِه ووقتِه إلى مُوَسَّعٍ ومقدَّرٍ، وبحسب فعلِه إلى معيَّنٍ ومخيَّرٍ، وبحسب فاعلِه إلى واجب على الأعيان وواجبٍ على الكفاية، فهما مشتركان في أنَّ ما كان كذلكَ يلزم بالشروع فيه إتمامه، فما كان وقتُه موسَّعًا يتعيَّن بالدخول فيه، وما كان واجبًا على الكفاية يتعيَّنُ على من باشرَه. والمقصود ههنا أنه قد يجتمع الواجبان في وقتٍ واحدٍ، وله صورتان: إحداهما: أن لا يكون مباشرًا للجهاد، بل مصابرًا للعدوّ، فهذا يُصلِّي صلاة الخوف إذ كان ... (٤) له، كما صلَاّها النبي ﷺ غيرَ مرة على وجوهٍ خلاف الوجوه المعتادة في الأمن، فيَسُوغ فيها استدبارُ القبلةِ، والعملُ الكثير في نفس الصلاة، ومفارقةُ الإمام قبلَ السلام، واقتداء المفترض فيها بالمتنفل، والتخلُّف عن متابعة الإمام حتى يُصلِّي ركعة. وهذه الأمور فيها ما لا يُفعَل إلا لعذر بالاتفاق، وفيها ما

стр. 2139

لا يُسوغ فعلَه أكثرُ العلماء. والثاني: أن يكون محتاجًا إلى مباشرة القتال في حال الصلاة، وهو الذي قصدناه بهذا الفصل، فهذه تُسمى صلاة المسايَفَة، لأن المسايفة هي أحوال المقاتلين، وإلاّ فالمطاعنةُ والمداناة والمضاربة بالمثقَّلات من الحجارة والدبابيس ونحو ذلك، سواء كان القتال بمحدد أو مثقلِ أو ما يجمعهما، فيه ثلاثة أقوال: أحدها -وهو المشهور من مذهب أحمد، وهو مذهب الشافعي- أنه يأتي بالواجبَيْنِ جميعًا، وأن تأخير الصلاة منسوخٌ بآية المحافظة. والثاني -وهو الرواية الأخرى عن أحمد- أنه يُخيَّر بينَ تقديم الصلاة وتأخيرِها، لحديث بني قريظة. والثالث -وهو قول طائفة- أنه يؤخّر الصلاةَ على ظاهر الأمر، وهذا قول جماعة من أهل الرأي وأهل الظاهر. فصل والمؤمن له ثلاثة أعداء: شياطينُ الإنس والجنّ والدوابّ، وقد وردتِ السنةُ بجهاد الثلاثة في الصلاة، فيجمع بين مناجاة ربه وبينَ دَفْع عدوه من جميع الحيوان. أما قتال الإنس فقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ

стр. 2140

فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) (١). وفي حديث ابن عمر: فإن كان خوفا شديدا صلّوا (٢).
следующие страницы →