العصر ركعتين قال له ذو اليدين: أَقُصِرت الصلاة يا رسولَ الله أم نسيتَ؟ وقال: "لم أنسَ ولم تُقصَر الصلاة"، قال: بل نسيتَ يا رسول الله، قال: "أَكما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، الحديث. فلما أقرَّه على قوله: أقُصِرت الصلاةُ أم نسيتَ، وقال: لم أنسَ ولم تُقصَر، ولم يقل: كيف تُقصَر ولم آمُرْكم بنية القصر= دلَّ على أنه كان ممكنًا أن يَقصُر من غير أن ينوي القصر.
وأيضًا فيقال: الجامع إن كان مصلِّيًا للصلاة في وقتها الذي يجوز فعلُها فيه فقد جاز، سواء نوى الجمعَ أو لم يَنوِهِ، وإن لم يكن وقتها فمجرد النية لا يُبيح الصلاةَ في غيرِ وقتِها، ولهذا لو نَوى الجمعَ حيثُ لا يجوز لم تُفِدْه النيةُ شيئًا، فإذا قُدّر أن المصلّي بعرفةَ صلَّى الظهر، ولم يَخطُر بقلبه إذ ذاك أنه يُصلّي معها العصر، فمعلومٌ أن ما بعد صلاةِ الظهر هو وقت العصر في حقه، فلا فرقَ بين أن يُصلِّيها في ذلك الوقت مع نيته ذلك عند صلاة الظهر أو لا، وأيُّ تأثير للجواز إذا نَوى ذلك عند صلاة الظهر؟ وكذلك من يجوز له أن يصلي العشاء مع المغرب للمطر فأيُّ تأثيرٍ لنيته في ذلك عند صلاة المغرب؟
ثم هذا الشرط يُكدِّرُ مقصودَ الرخصة، فإن الناس متلاحقون بعد شروع الإمام، ولا يعرفون أنه نوى الجمعِ، فلو لم يجز الجمعُ إلا لمن نواه فاتَ كثيرًا منهم رخصةُ الجمع، أو لزِمَ أن يُوكِّلَ الإمامُ من يقول لكلّ من يدخل: انْوِ الجمعَ. وهذا مع ما فيه من البدعة والحرج المتيقن بالشرع ففيه إبطال الصلاة في الجماعة على ذلك المُعْلِم.
وكذلك الموالاة بين الصلاتين، وقد أوجبها الشافعي ومن وافقه
стр. 2172
من أصحاب أحمد، وقد نصَّ أحمد على أن المسافر إذا صلَّى العشاء قبل غروب الشفق في السفر جاز، وجعله بذلك جامعًا. وليس مراده الأبيض، فإن الوقت يدخل في حق المسافر بغروب الشفق الأحمر عنده بلا ريب، وكذلك الحاضر، وإنما اختار للحاضر أن يؤخِّرها إلى مغيب الأبيض ليتيقن مغيبَ الشفق الأحمر عنده بلا ريب، لأن الجدران تُوارِي الحمرةَ في الحضَر دون السفر، وإن جوز أن يُصلِّي قبل مغيب الأحمر في السفر، لأن المسافر يجوز له الجمع، فلو أراد أن يُصلِّيها عقيبَ المغرب جاز، فإذا أخَّرها كان أولَى بالجواز، لأنه أقربُ إلى الوقت المختص، فكيف يَسُوغ أن يقال: يصلِّي في الوقت البعيد عن وقتها المختصّ دون المشترك.
وإذا قال قائل: إن ذلك لا يُسمَّى جمعا إلا مع الاقتران.
قيل: هذا لا يجوز الاحتجاج به لوجهين:
أحدهما: أن الشارع لم يُعلِّق الحكم بهذا اللفظ ولا معناه، ولكن دلَّ الشرع على جوازه.
الثاني: أن الجمع سُمِّي بذلك، لأنه جمعٌ بينهما في وقت إحداهما المختصّ، لا لاقتران الفصل، بدليل أنه لو جمعَ في وقتِ الثانية لم يجز (١) الاقتران بلا رَيْب، بل له أن يصلي الأولى في أول الوقت والثانية في آخره. وقد صلى النبي ﷺ ليلةَ جَمْعٍ المغربَ قبلَ إناخةِ الرحال، ثمَّ أناخوها، ثمَّ صلَّى العشاءَ بعد ذلك بفصل بينهما.
стр. 2173
فصل
وإذا عُرِفَ أن الأوقات في حال العذر ثلاثة أوقات، فنقول: العذر نوعان:
أحدهما: ما فيه حرجُ المسلم، كجمع المريض والمسافر إذا جدَّ به السيرُ.
والثاني: أن يشتغل بعبادة أفضل من الصلاة في الوقت المختصّ، مثل اتصال الوقوف بعرفةَ، فإن هذه العبادة أولى بالسنة المتواترة وإجماع المسلمين من أن يصلي العصر في وقتها المختصّ. كما أن الفطر لأجل الدعاء والذكر في هذا اليوم أفضل من صوم يوم عرفةَ الذي يكفر سنتينِ، مع أنّ هذا فيه نزاعٌ بين العلماء، فإنهم تنازعوا (١).
وإذا كان هذا في الوقت فمعلومٌ أن جنس الجهاد أفضلُ من جنس الحج ، ومن الجهاد ما يكون أفضل من وقوف عرفةَ إذا كان المسلمون بإزائهم عدوٌّ يتّصلُ قتالُه لهم إلى الغروب مصافَّةً أو محاصرةً أو غير ذلك= كان أن يجمعوا بين الصلاتين ثم يدخلوا في الجهاد المتصل خيرًا من أن يُؤخَروا الصلاةَ إلى بعد الغروب، كما يقوله من لا يُجوز الجمعَ ولا الصلاةَ مع القتال ويُجوِّز تأخيرَ الصلاة، وكان خيرًا من أن يُصلُّوا في حال القتال. فإنه لا يَستريبُ مسلم أن فِعْلَ الصلاتين في وقت الظهر خيرٌ من فِعْلِهما أو فِعْلِ إحداهما بعد الغروب، فإن هذا فِعْلُ صلاة النهار في النهار وجَمْعٌ في الوقت الذي يجوز جنسُه بالنصِّ والإجماع.
стр. 2174
وأما تفويت الصلاة إلى الغروب مع إمكان فِعْلِها في الوقت فهذا لم يَرِد به سنةٌ قَطُّ، فإنّ غايةَ ما يُحتَجُّ به تأخير النبي ﷺ الصلاةَ يوم الخندق، وقد رُوِيَ أنه أخَّر الظهر والعصر جميعًا وأخَّر المغرب أيضًا، فلم يُصلِّهنَّ إلا بعد مُضِيِّ طائفة من الليل. وهذا إن كان نسيانًا فليس هو مما نحن فيه، فإنه من نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها كان مأمورًا بأن يصليها إذا ذكرها. وإن لم يكن نسيانًا بل اشتغالاً بالقتال كما يقوله الجمهور فعنه جوابان:
أحدهما: أن النبي ﷺ كان مشغولاً بقتالهم في النهار، ولم يعلم أنه يفرغ للصلاة بعد الزوال دون ما بعد العصر فإذا كان كذلك لم يكن هذا مما نحن فيه، فإن الكلام إنما هو فيمن تفرغ للجمع في أول وقت الظهر، كما تفرَّغ النبي ﷺ لذلك يومَ عرفةَ.
الثاني: أنَّ هذا التأخير منسوخٌ بقوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)) (١)، فإنها نزلت في ذلك، والوسطى هي العصر، ولهذا قال النبي ﷺ يوم الخندق: "مَلأَ الله أجوافَهم وقُبورَهم نارًا كما شَغَلُونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر" (٢). وأيضًا فقد ثبتَ عنه في الصحيح أنه قال: "من فَاتَتْه صلاةُ العصرِ فكأنما وُترَ أهلُه ومالُه" (٣). وعلَّقَ إدراكَها بإدراكِ ركعة منها فقال: "من أدركَ ركعةً من العصر قبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ فقد أدرك" (٤).
стр. 2175
وأما صلاتُها مع الظهر فقد سنَّه في الجملة، ومعلومٌ أن جنسَ ما توعَّد عليه محرَّمٌ، وجنس ما فَعلَه مشروعٌ، فَعُلِمَ أن الجمع بينهما في وقت الظهر خيرٌ من التأخير إلى أن تفوتَ. وهذا مذهب جماهير العلماء كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، بل لا يُجوِّزون التأخير ولا غيره، ويُجوِّزون الجمعَ لما هو دونَ القتال. وأحمد وإن قال في روايةٍ عنه: إن المقاتل يُخيَّر بينَ الصلاةِ في الوقت والتأخير، فلا يختلف قوله: إن الجمعَ أولى من التفويت، وإنما يقول -على تلك الرواية-: إذا لم يمكنه أن يُصلِّي بالنهار لأجل القتال خُيِّرَ بين الصلاةِ حالَ القتال في الوقت وبين الصلاة بعد المغرب. وأما على ظاهرِ مذهبه فلا يُجوِّز تفويتَها إلى الغروب بحالٍ.
والمقصود هنا أن النبي ﷺ إذا كان قد صلَاّهما بالمسلمين في وقت الظهر لاشتغالِه عن فِعْلِهما في الوقت المختصّ باتصال الدعاء والذكر، ف الجمعُ للاشتغال بالجهادِ أولَى وأحرى. هذا إذا أمكنَه أن يُصلِّي مع الجهادِ صلاةً تامَّةً، لكن يتعطَلُ عن بعض مصلحة الجهاد.
وأمّا إذا قُدِّرَ أنه لا يمكنُه أن يُصلِّي إلا على دابَّتِه إلى غير القبلة لأجل القتال، فلا ريبَ أن صلاتَه بالأرض صلاةً تامَّةً جمعًا بين الصلاتين خيرٌ من أن يصلِّي العصرَ في وقتها المختصّ صلاةً ناقصةً، لما فَعَلَه النبي ﷺ في حجته، ولحديث المستحاضة، ولأن تكميلَ العبادة بفعل واجباتها أمرٌ مقصودٌ في نفسِه، والجامعُ مُصَل لها في وقتها لا في غير وقتِها، لكن صلاها في وقت المعذور، وهو الوقت المشترك، وما حصلَه بالتكميل المأمور به في الصلاة أكملُ مما فاتَه من الوقت المختصّ. فإذا كان تكميل الدعاء والذكر بعرفةَ أفضلَ من الصلاة في
стр. 2176
الوقت المختصّ، فتكميلُ نفسِ الصلاة أفضلُ من الوقت المختصّ.
ولهذا لا يجوز التكميل (١) المأمور به في الصلاة لأجل تكميل اتصال الدعاء، لأن ذلك واجبٌ وهذا مستحبٌّ. ولو كان عادمًا للماء والسُّترة ولم يمكنه تحصيلُ ذلك إلا بتفويتِ بعض الدعاء والذكر كان مأمورًا أن يُصلي بالماء والسُّترة، وإن كان ذلك في أثناء الدعاء.
ولهذا كان الجمعُ بين الصلاتين بطهارةٍ كاملةٍ أولَى من الصلاة في الوقت المختصّ بطهارةٍ ناقصةٍ، فالمستحاضة التي تجمع بين الصلاتين بغُسلٍ واحدٍ، هو أفضلُ من الصلاة في الوقت المختصِّ بوضوءٍ.
ومثل ذلك من جمعَ بين الصلاتين بوضوء، فإنه أكملُ ممن صلَّى في الوقت المختص بتيمُّمٍ، ومن جَمعَ بين الصلاتين قائمًا فهو أكملُ ممن صلَّى في الوقت المختصّ قاعدًا، ومن جمعَ بين الصلاتين في جماعةٍ فهو أكملُ ممن صلَّى في الوقت المختصّ منفردًا.
ولهذا كان النبي ﷺ وخلفاؤه يجمعون بين المغرب والعشاء للمطر ونحوِه، مع إمكان أن يُصلِّيها وحدَه في بيته، لكن لما كان الجمعُ لمصلحة الجماعة وكان صلاتُه معهم أكملَ من الانفراد= كان صلاتُه معهم جمعًا أكملَ من صلاتِه منفردًا في الوقت المختصّ. وهكذا في صلاةِ الخوف الصلاةُ في جماعة مع استدبار القبلة في أثناء الصلاة -مع العمل الكثير ومع مفارقة الإمام قبل السلام وغير ذلك- أكملُ من أن يُصلِّي كلُّ واحد منفردًا مع عدمِ هذه المحاذير.
стр. 2177
وإذا صلَّى بالتيمُّم في الوقت المشترك هل هو أكملُ من الصلاة في الموضع المنهي عنه في الوقت المختصّ؟ فإن هذا حَصَلَ فيه نَقصانِ: نقص التيمم والوقت المشترك، وهناك حصلَ نقصُ المكان المنهي عنه فقط. وسيأتي الكلامُ على هذه المسألة، ونبيِّنُ أن الصلاةَ بالتيمُّم في الوقتِ المشترك خيرٌ من الصلاة المنهيّ عنها في الوقت المختص، لأنّ الصلاة في الوقت المشترك بالتيمم أصلاً يَؤُمُّ فيها المتيممُ للمتوضئ بخلاف الصلاة في المكان المنهي عنه، فإنها لا تُفعَل إلا لضرورة.
ونظير ذلك من كان في مكانٍ قد نُهِي عن الصلاة فيه -كالحمام والمكان النجس وغير ذلك- فإنه إذا لم يمكنه أن يُصلِّي في الوقت إلا فيه صلى فيه، فإنَ فَعْلَ الصلاة في وقتها واجب، أعني الوقت المطلق، فلا يجوز له أن يؤخِّر صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار أصلاً، بل يُصلي في الوقت المطلق: إمّا المختصّ وإمّا المشترك بحسب الإمكان. فإذا كان قد دخلَ إلى الحمَّام، وإن لم يُصلِّ فيه خَرَجَ الوقتُ، صَلَّى فيه. وكذلك من حُبسَ في موضع نجسٍ لا يخرجُ منه إلا بعد فوتِ الوقت صلَّى فيه، ولا إعَادةَ عليه، كما نصَّ على ذلك أحمد وغيرُه. وهذا بينٌ، لكن إن أمكنه أن يجمعَ بين الصلاتين خارجًا عن الموضع المنهيِّ عنه، فالجمعُ خارجًا عن الموضع المنهيّ عنه خيرٌ من الصلاةِ فيه، والصلاةُ فيه خير من التفويت.
وذلك مثل المرأة إذا كان عليها غسلُ جنابة أو حيضٍ، ولا يمكنها الاغتسال في الوقت، فعليها أن تصلِّي بالتيمم، فإذا صلَّت الفجر بالتيمم ثم لم يمكن الحمام إلا بعد الظهر، وإذا دخلت الحمامَ لم
стр. 2178
يمكنها الخروجُ منه إلا بعد الغروب، فالصلاةُ في الحمام بعد التطهر مع سَتْرِ رأسِها وبدنِها خير من التفويت بلا ريب، إذ التفويتُ إلى الغروب لا يجوز بحالٍ، بل المصلِّي للعصر بعد الغروب كالصائم لرمضان في شوال باتفاقِ العلماء، فإنهم متفقون على أنه لا يجوز تفويتُ رمضانَ إلى شوالَ لمن يجب عليه، والصلاة في وقتها أوكدُ من الصوم في وقتِه كما بيَّناه. وهذه المرأة إذا صلَّت الظهر والعصر جمعًا بينهما بالتيمم كان خيرًا من صلاتِها في الحمام مغتسلةً، والصلاة في الحمام مغتسلةً خير من التفويت، لأن الصلاة في الحمام منهيٌّ عنها كالصلاةِ في المقبرة وأعطانِ الإبل والمكان النجس والثوب النجس وصلاةِ العُريان، ففي صلاتها جمعَّاَ تكميلُ الصلاة من هذا الوجه، كما تقدم.
والصلاة بالتيمم إذا لم يمكن الصلاة في الوقتِ بالماء جائزةٌ أيضًا، بل هي الواجبة، فقد ثبت بالنص والإجماع أن المتيمِّم العادم للماء في سفره يجبُ عليه أن يُصلِّي في الوقت بالتيمم، ولا يجوز له أن يؤخرها ليُصلي بعد الوقتِ بوضوء. وكذلك العُريان عليه أن يصلِّي في الوقتِ عُريانًا مع إمكان الصلاة بعد الوقت بالثياب.
وكذلك المريض يجبُ عليه أن يُصلِّي في الوقت قاعدًا أو مضطجعًا، وإن أمكنه أن يُصلِّي بعد الوقت قائمًا. وكذلك الخائف يُصلِّي في الوقت صلاةَ الخائف، وإن أمكنَه أن يُصلِّي بعد الوقت صلاةَ أَمْنٍ. كَما دلَّ على أمثالِ هذه المسائل الكتابُ والسنة والإجماع، إذ ليس في واجبات الصلاةِ أوكدُ من وجوب الوقت، وهذا مجمعٌ عليه
стр. 2179
في عامة المسائل، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهذا مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه، وكذلك مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما في أكثر الصور، لكن اختلف مذهب أبي حنيفة والشافعي في أكثر الصور، وتَابَعهم بعضُ أصحابِ أحمد.
كما اختلفوا فيما إذا وجد المسافر بئرًا، ولم يُمكِنْه أن يَصنع الحبلَ حتى يَخرجَ الوقت. أو وَجَدَ العُراةُ ثوبًا، ولم يمكنهم أن يُصلُّوا فيه واحدًا بعد واحدٍ حتى يَخرُجَ الوقت. أو كانوا جماعةً في سفينةٍ، وليس هناك موضع يقومون فيه إلا موضعًا واحدًا، ولا يمكنه الصلاة في الوقت إلا مع القعود، أو أمكنَه تعلُّم دلائلِ القبلةِ، ولكنه لا يتعلم ذلك حتى يخرج الوقت، أو أمكنَه أن يَخِيطَ ثوبَه ولا يتم ذلك حتى يخرج الوقت. ففي هذه المسائل نزاعٌ في مذهب الشافعي، ونصوصُه اختلفت في ذلك، فمن أصحابه من خرَّج، ومنهم من أقرَّ، ووافقَه بعض أصحاب أحمد. وأما أحمد وسائرُ أصحابه وكذلك مالك وغيرُه ما علمتُهم اخَتلفوا في تقديم الوقت في هذهَ المواضع، كما اتفق المسلمون كلُّهم على تقديم الوقت في المتيمم إذا عَدِمَ الماءَ في السفر، وفي العُريان، وفي المريض والخائف، فإنهم متفقون على أنَّ هؤلاء يُصلون في الوقت بحسب حالِهم، ولا يُفوِّتون الصلاةَ. ولم يتنازعوا إلا في حالِ القتال كما تقدم، وكذلك الآمن الذي لا يمكنه التعلُّم حتى يخرج الوقت.
والمقصود هنا ذِكرُ الجمع، وأن الجمع بين الصلاتين بالتيمم خيرٌ من الصلاةِ في المكان المنهيِّ عنه، كما أنها خيرٌ من الصلاةِ عُريانًا،
стр. 2180
ومن الصلاة إلى غير القبلة ونحو ذلك، فإن الصلاة في الوقت المشترك صلاة في الوقت يُفعَل فيه للمصلحة الشرعية، بخلاف الصلاة بدون شروطِها، فإنه يحرم، [و] لا يجوز إلا لضرورة.
ولهذا كانت الصلاة بالغسل وبالوضوء في الوقت المشترك خيرا من الصلاة بطهارة ناقصة في الوقت المختصّ. ومن ذلك الأجير والمملوك إذا أدخله سيدُه الحمامَ والمكانَ النجسَ، ولم يُخرِجه منه إلى المغرب، فصلاتُه فيه خير من التفويت، وذلك واجب عليه، والجمعُ بين الصلاتين خيرٌ له من الصلاة في ذلك المكان المنهي عنه، وهذا الجمع بطهارة الماءِ، وتلك بطهارةِ التيمم.
فإن قيل: هذه المرأة تُفوتُ الوقتَ المختصّ وطهارةَ الماء، فهذانِ نَقصانِ، والصلاةُ في الحمام ليس فيها إلا نقص واحد، فَلِمَ كان هذا أولى؟
قيل: الصلاةُ في الحمام منهيٌّ عن جنسها، ليس لأحد أن يفعلها لغير ضرورة، لقول النبي ﷺ : "الأرضُ كلُّها مسجد إلا المقبرةَ والحمامَ" (١). وأما الجمعُ فيجوز للحاجة والمصلحة الراجحة كما تقدم، وأما التيمم فإن الصلاة بتيمُّم خيرٌ من الصلاة في الحمام، لأن التيمُّم طهارة مأمورٌ بها، وهي تقوم مقامَ الماء عند عدمِ الماء وخوفِ
стр. 2181
الضررِ باستعمالِه، ومن لم يمكنه أن يُصلي بالماء إلا في المكان المنهيِّ عنه لم يمكنه الصلاة بالماء، كما لو لم يمكنه أن يُصلِّي بالماء إلا عريانًا أو إلى غير القبلة، وقد قال النبي ﷺ : "الصعيدُ الطيِّبُ طَهورُ المسلمِ ولو لم يَجدِ الماءَ عَشْرَ سنينَ، فإذا وَجدتَ الماءَ فأمِسَّهُ بَشْرَتَكَ، فإنّ ذلك خير" (١). فكلُّ ما يُباح بالماء يُباحُ بالتيمم، من صلاة الفرض والنفل ومس المصحف وقراءة القرآن.
والتيمم يجوز عند الحدث الأكبر في مذهب أحمد وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة، [و] الذي يقوم عليه الدليل الشرعي أنه كلُّ ما يجوز قبل الوقت ويبقى بعده، سواء نوى به فرضًا أو نفلاً أو غير ذلك مما يُستباح بالتيمُّم، فيجوز لقول النبي ﷺ : "الصعيد الطيب طَهورُ المسلم ولو لم يجد الماءَ عَشْرَ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ فأمَسَّه بَشرَتَك، فإن ذلك خير".
ويجوز أن يؤمَّ المتيمِّم المتطهِّرين بالماء، كما أمَّ عمرو بن العاص أصحابَه في غزوة ذات السلاسل، وكما أمَّ ابنُ عباس أصحابَه بالتيمُّم وكان قد أجنبَ من وطءِ أَمَتِه. وهذا جائز عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهم، وإن كان أكثر هؤلاء يُجوِّز اقتداء القارئ بالأمي خلفَ العُريانِ ونحوه.
فعُلِمَ أن طهارة التيمم حيث أُمِرَ بها خير من الصلاةِ في المكان
стр. 2182
النجس، وصلاةُ العريان والصلاةُ إلى غير القبلة وكذلك بسُتْرةٍ جمعًا خير من صلاة العريان مع التفريق، والصلاة قائمًا مع الجمع خيرٌ من الصلاة وحدَه مع التفريق.
ولهذا يجوز للمسلمين في المطر مع إمكان صلاةِ الرجلِ وحدَه في بيته، وما ذاك إلا لأجل الجماعة، فعُلِمَ أن الجماعة في وقتِ إحداهما خيرٌ من كلِّ صلاة في الوقت المختصّ مع الانفراد، وكذلك الجمع مع الخوف في الجماعة خير من الصلاة فرادَى في الوقت. بل صلاةُ الخوف في جماعة كما مضتْ به السنة، مع مفارقة بحضهم الإمامَ قبلَ السلام، ومع العمل الكثير إذا صلى بطائفة ركعة ثم ذهب إلى العدو، مع استدبارهم القبلةَ، ومع اقتداء المفترض بالمتنفِّل، ومع الصلاة أربعًا في السفر، وأمثال ذلك كما جاءت به السنةُ= خيرٌ من صلاة كلّ منهم وحده. فالشارعُ يأمرُ بالجماعة ويَحُضُّ عليها، ويحتمل لأجلها تَرْكَ واجباتٍ وفِعْلَ محظوراتٍ.
والوقت أوكدُ من الجماعة باتفاق المسلمين، فإذا لم يمكنه أن يصلِّي جماعةً إلا بعد الوقت صلَّى منفردًا في الوقت باتفاق العلماء.
و الجمع بين الصلاتين صلاة في الوقت، لكنه لا يجوز إلا لحاجةٍ أو مصلحةٍ راجحة . والصلاة بالماء جمعًا خيرٌ من الصلاة بالتيمم مفرقًا.
فمن عَلِمَ أنه لا يجد الماءَ إلا في وقتِ العصر كان صلاتُه الظهرَ والعصر بالماء جمعًا وقتَ العصر خيرًا من أن يصلي الظهر بالتيمم، وكذلك مَن وجدَه وقتَ الظهر وعَلِمَ أنه لا يجده إلا وقتَ المغرب كان جَمْعُه بالماء أفضلَ، كما تكون صلاتُه في آخر الوقت المختصّ بالماء أفضلَ من
стр. 2183
صلاته في أوله بالتيمم.
فإن قيل: إنما جمعَ لأنه بمنزلة المسافر الذي لا ينزل قبل الغروب، وكذلك المريض الذي لا يمكنه الوضوء إلا في أحد الوقتين، وصلاتُه في أحد الوقتين جمعًا بالوضوء خيرٌ من صلاته مفرقةً بالتيمم، كما ذكرنا في المستحاضة أن صلاتها بالاغتسال جمعًا خيرٌ من صلاتها بالوضوء في الوقت المختصّ، والواقف بعرفةَ صلاتُه العصرَ جمعًا مع الظهر لإتمام الوقوف خيرٌ من فعلها في وقتها مع نقصه. وهذا الذي فَعَلَه النبي ﷺ بعرفةَ أصل عظيم في هذا الباب، فإنه ليس الجمع هنا لحاجةٍ ولا تحصيلِ واجب ولا مشكوك في وجوبه، بل لتحصيل مستحبّ، وهو كمالُ الوقوف، فدلَّ على أن الجمع جائز حيث تكون المصلحة الشرعية معه أكملَ من المصلحة الشرعية مع التفريق، بحيث كانت العبادة مع الجمع أكملَ في الشرع من التفريق فالجمع أولى، لأنه حين وقفَ يُريد أن يُفِيضَ بعد الغروب إلى مزدلفةَ كان كما رُوي عنه أنه كان إذا ارتحلَ بعد أن تَزِيْغَ الشمسُ قدَّمَ العصرَ إلى الظهر، فصلَاّهما جمعًا.
قيل: إن كان جمعُه كذلك دلَّ على جواز الجمع لمثل هذا مع إمكان النزول، فإنه لو نزل قبل الغروب لم يكن عليه في ذلك مشقة عظيمة. فإذا جاز الجمعُ لمواصلة السَّيْر فالجمعُ لتكميل العبادات الشرعية أولى، ولم يكن جمعُه لمجرد السفر، فإنه لم يَجْمَعْ في حجته إلا بعرفةَ والمزدلفة، وقد كان يصلِّي قصرًا بلا جَمْع، ولم يقل أحد قَطُّ أنه جمعَ بمنًى ولا صلَّى أربعًا، بل كلُّهم متفقون على أنَّه قَصَرَ ولم
стр. 2184
يَجْمَع، فعُلِمَ أن ذلك لم يكن لمجرد السفر بل للسَّيْر، كما قال ابن عمر وغيرُه: كانَ إذا جدَّ به السَّيْرُ فَعَلَ ذلك، مع أن النزول ممكنٌ ليس فيه إلا تفويتُ الإسراع الذي لا يفوت به الحج إلا أمر مستحب لا يفوت به واجب، فإنه لو نزلَ وصلَّى العصرَ ثم ركِبَ وأتمَّ الوقوفَ كان ممكنًا، لكن يفوت بذلك كمالُ مقصود الوقوف والإفاضة. فعُلِمَ أن الجمع كان لتحصيل مصلحة شرعية راجحة، لا لمجرد مشقة دنيوية.
وإذا كان قد جمعَ لتحصيلِ عبادةٍ هي أفضلُ من التفريق من غير أن يكون ذلك واجبًا ولا ضررَ فيه= عُلِمَ أن الجمعَ يجوز للحاجة والمصلحة الشرعية الراجحة. وقد نصَّ أحمد على جواز الجمع للشغل، وفسَّره القاضي بما يُبيح تركَ الجمعة والجماعة. ونصَّ على جَمْعِ المستحاضة بالغسل، وليس فيه إلا مصلحة شرعية راجحة.
ومما يُبيِّن ذلك أن الجمع لو كان معلَّقًا بسبب محدودٍ يدور معه وجودًا وعدمًا كالقَصر والفطر، لكان الشارعُ يُعلِّقه به، كما علَّقَ الفطرَ بالمرض والسفر بقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) (١)، وكما علَّق القصر بالسفر دون المرض بقوله: "إنَّ الله وضعَ عن المسافر الصومَ وشَطْر الصلاة" (٢).
وأما الجمع فإنما وقعَ من النبي ﷺ بافعالٍ فَعَلَها في أول الوقت، وتارةً يُؤخِّرها، وكان التأخير أحبَّ إليه إلا إذا شَقَّ عليه، فإذا اجتمعوا
стр. 2185
قدَّمَها لمشقة التأخير عليهم، فتقديمُ الصلاة في أول الوقت وإن كان هو الأفضل في الأصل، فإذا كان في التأخير مصلحةٌ راجحة كان أفضلَ، كالإبراد بالظهر وتأخير العشاء. وكما إذا رَجَا المتيمم الماءَ في آخر الوقت، أو رَجَا أن يُصلّي مستورَ العورة في آخر الوقت أو إلى القبلة أو في جماعةِ ونحو ذلك، وهكذا الجمع. فالأصل وجوبُ كلّ صلاةِ في وقتها الخاص، ثم يجوز أو يُستحبُّ فِعْلُها في الوقت المشترك لدفع الحرج.
وأما الجمع لمصلحة راجحة مع إمكان الفعل في الوقت فهذا قد جاء فيه حديث المستحاضة، فإن النبي ﷺ أحبَّ لها أن تجمعَ بين صلاتَي النهار بغُسلِ وبين صلاتَي الليل بغُسل، وكان هذا أحبَّ إليه من أن تصلِّي في الوقت المختصّ بوضوء، لأن طهارة الغسل متيقنة وطهارة الوضوء محتملة، لإمكان انقطاع وجوب الغسل، مع أن الغسل ليس بواجب عليها، وعلى هذا فالجمعُ بوضوءِ أو غُسلِ أفضلُ من التفريق عُريانًا، والجمعُ إلى القبلة المتيقنة أفضل من التفريق بالاجتهاد، والجمع في جماعة أفضل من التفريق وحدَه.
ولهذا كان الصحابة والتابعون يجمعون للمطر، مع إمكان صلاة كلِّ واحد وحدَه في بيتِه، لكن ذلك لمصلحة الجماعة، فصلاتُه مع الجماعة جمعًا أفضلُ من صلاتِه في الوقتين. ولهذا لو كان مقيمًا في المسجد لكان جمعُه معهم على الصحيح أفضلَ من صلاتِه وحدَه في الوقتين.
وهكذا القول فيما يجب في الصلاة إذا أمكَن فِعلُه في الجمع فهو
стр. 2186
أفضلُ من تركِه مع التفريق، وإن كان ذلك جائزًا، فإن الجامع للمصلحة الراجحة قد صلَّى الصلاة في وقتها، وإنما يجب عليه في الوقت المختص إذا أمكن فِعلُها فيه كاملةً، فلا يجوز له تفويتُ الوقت المختصّ بلا مُوجب. فأما إذا كان فِعلُها في الوقتين فيه نقصٌ عُفِيَ عنه للحاجة وأمكن فِعلُها في المشترك بلا نقصٍ كان أفضل.
والقرآن والسنة دلاّ على أن الوقت يكون، خمسة في حال الاختيار، ويكون ثلاثةً في حق المعذور، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: من الكبائر الجمعُ بين الصلاتين إلا من عذرٍ. وقد أباحَ أحمد الجمعَ إذا كان له شغلٌ. قال القاضي أبو يعلى: المراد العذرُ الذي يُبيح تركَ الجمعة والجماعة، فالعذر الذي يُبيح تركَ ذاك يُبيح الجمعَ. وهذا بيِّنٌ، فإنه إذا سقطت الجمعة مع توكيدِها والجماعة مع وجوبها، فاختصاص الوقت أولى، لأن فعلها في الوقت المشترك جماعةً أفضلُ من فعلها في الوقت المختصّ فرادَى.
فإذا سقطتِ الجماعةُ بالعذر فاختصاصُ الوقت أولى، ينبغي أن يكون الجمع أوسع. من ذلك (١) أن الجمعة والجماعة آكدُ من اختصاص الوقت، وقد ترك النبي ﷺ في صلاة الخوف لأجل الجماعة ما كان يُمكِنُ أن يفعل مع الانفراد مما لا يجوز إلا لعذرٍ، إنما احتمل لأجل الجماعة مع الخوف.
وهذا الذي ذكرنا من أن الوقت يكون ثلاثةً في حق المعذور مما
стр. 2187
ثبتَ بالسنة المتواترة وباتفاق المسلمين في الجمع بعرفةَ ومزدلفةَ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أمور أخرى، وأحمد أوسعُ قولاً به من غيرِه، وأما تفويتُ الصلاة فلا يجوز بحالٍ في ظاهر مذهب أحمد، ولكن في مذهبه قولٌ بجواز التفويت في بعض الصور، ولكن في مذهبه في مثل عدم الماء والتراب يجوز التفويت. وأما أبو حنيفة فيوجب التفويتَ في مواضعَ، ولا يُجوِّز الجمعَ إلا بعرفة ومزدلفة. وقولُ الأكثرين الذين يُسوِّغون الجمعَ بين الصلاتين ويمنعون التفويتَ مطلقًا هو الصحيح، كما دلَّ على ذلك الكتابُ والسنة، فإن الله تعالى قال: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) (١)، وثبتَ في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "من تركَ صلاةَ العصر فقد حَبط عمله" (٢)، وقال: "من فاتته صلاةُ العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله" (٣). فالتفويتُ لا يجوز بحالٍ، وتفويتُ الخندق منسوخٌ.
وأما الجمع بينهما في الوقت المشترك فهو ثابتٌ بالسنة في مواضع متعددة، وبعضها مما أجمعَ عليه المسلمون، والآثار المشهورة عن الصحابة تُبيِّن أن الوقت المشترك وقتٌ في حال العذر، كقول عمر بن الخطاب: الجمعُ بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر. فدلَّ على أن الجمع بينهما للعذر جائز. وقال عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبو هريرة فيمن طَهُرَتْ في آخر النهار: إنها تُصلِّي الظهر والعصر،
стр. 2188
وفيمن طَهُرَتْ في آخر الليل: إنها تُصلِّي المغرب والعشاء. وهو قول الثلاثة مالك والشافعي وأحمد.
وأما التفويت فلا يجوز بحالٍ، فمن جوَّز التفويتَ في بعض الصُّوَر فقوله ضعيفٌ وإن جوَّز الجمع. وأما من أوجبَ التفويتَ ومَنَعَ الجمعَ فقد جمعَ في قوله بين أصلَينِ ضعيفينِ: بينَ إباحةِ ما حرَّمَ الله ورسوله وتحريمِ ما شرعَه الله ورسولُه، فإنه قد ثبتَ أن الجمعَ خيرٌ من التفويت.
فبهذا الأصل ينتظم كثيرٌ من مسائل المواقيت. وتفويتُ العصر إلى حين الاصفرار وتفويتُ العشاء إلى النصف الثاني أيضًا لا يجوز إلا لضرورةٍ، والجمعُ بين الصلاتين خير من الصلاة في هذا الوقت، بل الصلاة بالتيمم قبل دخول وقت الضرورة خيرٌ من الصلاة بالوضوء في وقت الضرورة. وقد نصَّ على ذلك الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره، وقالوا: لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار، بل إذا لم يجد الماء إلا فيه فإنه يُصلِّي بالتيمم قبل الاصفرار، ولا يُصلِّيها حينَ الاصفرار بالوضوء. والله أعلم.
стр. 2189
مسألة في رجل فقير وعليه دين، هل لأخيه الغني دفع الزكاة إليه؟
стр. 2190
مسألة
في رجل فقيرٍ وعليه دَين، وله أخٌ لأبويه وهو غنيٌّ، هل للغنيّ دَفْعُ الزكاةِ لأخيه الفقير دونَ الأجانب؟ وهل يجوز له تعجيلُ الزكاةِ له سنة أو سنتين؟
جواب الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية
نعم، يجوز أن يدفع إليه من زكاتِه ما يَستحقُّه مثلُه من الزكاة، وهو أولى من أجنبيّ ليس مثلَه في الحاجة، ويجوز تعجيلُ الزكاة. وذلك لأن نصوص الكتاب والسنة تتناول القريبَ والبعيدَ في الإعطاء من الزكاة، وامتازَ إعطاءُ القريب بما فيه من الصلة، وقد قال النبي ﷺ : "صدقتك على المسكين صدقةٌ، وصدقتك على ذي الرحم صدقة وصِلَةٌ" (١). والصدقة في الصلة أفضلُ من الصدقة المجردة.
والذين منعوا من إعطاءِ الزكاة له قالوا: نفقتُه واجبةٌ على الأخ، فيكون مستغنيًا بها، فلا يُعطيه ما يقوم مقامَ النفقة الواجبة. وهذا القول ضعيف لوجوهٍ:
أحدها: أنه قد لا تكون النفقةُ واجبةً عليه، بأن لا يكون للمزكّي فضلٌ يُنفِقُه على أخيه، وهذا حالُ كثير من الناس. فإذا حُرِمَ الصدقةَ مع النفقة كان هذا ضدَّ مقصودِ الشارع.
стр. 2191
الثاني: أن يقال: هَبْ أن نفقتَه واجبةٌ عليه، فإنما ذلك بشرط أن لا يكون قادرًا على الكَسْب وأن يطالب بها، فإذا كان متمكنًا من أخذ الزكاة واختار ذلك لم تجب النفقةُ في هذا الحال. كما لو اختارَ أخذَ الزكاةِ من أجنبي، فإن النفقة لا تجب في هذا الحال إجماعًا. وليس أن يُمنَع من الزكاة لأجل وجوب النفقة بأولَى من أن يُمنَع من النفقة لأجل وجوب الزكاة، بل هذا أولى، لأن الصدقةَ مالٌ أباحَه الله له ولأمثالِه، فإذا كان قادرًا عليه لم يكن به حاجةٌ إلى النفقة، والنفقة إنما وجبتْ عند العجز عن الاكتساب، وأخذُ الزكاة من جملة وجوهِ الاكتساب.
وكما أن الصدقة لا تَحِلُّ لغنيّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ، فهو أيضًا لا يستحقُّ النفقةَ.
الوجه الثالث: لو وجبتْ نفقتُه على غيره، وامتنعَ ذلك الغير من إعطائها، كان له أخذُ الزكاةِ بالاتفاق. فهذا القريبُ لو قُدِّرَ امتناعُه من الإنفاق لم يَحرُمْ على هذا أخذُ زكاتِه. ولا يقال: الزكاةُ لم تَسقُط عن ذلك، بل غايةُ ما يُقال: إنه عاصٍ بتَرْكِ النفقة.
الرابع: أن يقال: لا ريبَ أنه يجبُ إغناءُ هذا الفقير، فإمَّا أن يُغْنِيَه قريبُه من مالِه وإمَّا من الزكاة، فالواجب إمّا الإنفاق عينًا وإمّا الزكاةُ عينًا وإمَّا أحدهما، وإيجاب الإنفاق عينًا مع تمكُّنِ المحتاج من أخذِ الزكاة ومع اختيارِه لذلك لا يقول به أحد، وأما إيجاب إعطاء الزكاة عينًا مع اختيار ربِّ المالِ أن يَصِلَ رَحِمَه من ماله فلا يقول به أحدٌ، فمتى اختار الفقيرُ أخذَ الزكاةِ فله ذلك، ومتى اختار الغنيُّ صلتَه من مالِه فله ذلك إذا اختارَ الفقيرَ، ولو أرادَ الفقيرُ أن لا يَقبل الصلةَ وقال: لا آخذُ إلا من
стр. 2192
الزكاة فله ذلك. وإن أرادَ المطالبةَ بالنفقةِ وقال: لا أريدُ إلا النفقةَ دونَ الزكاةِ، فهذا فيه نظرٌ ونزاعٌ، وأما إذا اتفقا على الصلة جاز بالاتفاق، فكذلك إذا اتفقا على الإعطاء من الزكاة هو جائزٌ أيضًا. كما لو كان الغنيُّ يُعطِيه من صدقةٍ موقوفةٍ، أو من صدقةٍ هو وكيلٌ فيها أو ولي عليها.
فإن قيل: إذا أعطاه وَقَى بها مالَه، وقد ذكر الإمامُ أحمد عن سفيان ابن عيينة قال: كان العلماء يقولون: لا يَقِيْ بها مالَه، ولا يُحَابي بها قريبًا، ولا يَدفَعُ بها مَذمَّةً.
قيل: هذا إنما يكون إذا كان القريب من عيالِه، فيُعطِيه ما يَستَغْنِي به عن النفقةِ المعتادة، ففي مثل هذه الصورة لا يُجزِئُه على الصحيح، وهو المنقول عن ابن عباس وغيرِه، أَفتَوا بأنه إذا كان من عياله لم يُعطِه ما يَدفَعُ به الإنفاقَ عليه. حتى لو كان متبرّعًا باِلإنفاقِ على رجلٍ لم يكن له أن يُعطِيَه ما يقِي به مالَه، لأنه هنا دَفعَ عن نفسِه بالزكاة، فأخرجها لغَرَضِه لا للهِ، والزكاة عليه أن يُخرِجَها لله، وإن لم يكن هذا واجبًا بالشرع، لكن العادات لازمةٌ لأصحابها. والمحاباةُ أن يُعطِيَ القريبَ وهناك من هو أحقُّ منه، وأما إذا استويا في الحاجة وأعطاهُ لم يكن هذا محاباةً. وهذا بخلاف ما إذا لم تكن عادتُه الإنفاقَ على الأخ، فإن وجوبَ الإنفاق عليه مشروطٌ بعدمِ قدرته على الأخذ من الزكاة واختيار ذلك، فمتى كان قادرًا على الأخذِ مريدًا له لم يستحق في هذه الحال نفقةً. كما لو حَصَلَ ذلك مع غنى أجنبيّ، فإنه إذا اختارَ الأخذَ من زكاته لم يجب على أخيه في هذه الحال الإنفاقُ عليه.
стр. 2193
الوجه الخامس: أن يقال: لو أعطَى الزكاةَ للإمام، فأعطَى الإمامُ أخاه من ذلك، جاز، وكذلك لو أعطاها لمن يَقْسِمها بين المستحقين، فأعطاه أخاه، فكذلك إذا قَسَمَها هو. وسببُ ذلك أن الزكاةَ يجبُ صَرْفُها إلى الله تعالى، الذي يثيبُ صاحبَها، والفقراءُ يأخذونها من الله، لا يَستحقُّ أربابُ الأموال عليهم معاوضةً. فهو كما أعطَى الإمامُ من بيت المال، وناظرُ الوقفِ من الوقف، وإذا كان كذلك فأخْذُه من زكاةِ قريبِه وغيرِه سواءٌ، كأخذه من مالٍ يَنظُر عليه قريبُه، سواء كان سلطانيًّا أو وقفًا أو نذرًا.
يدل على ذلك أن أبا طلحةَ لما قال للنبي ﷺ : إنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرحَاء، وإنها صدقةٌ لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله، فضَعْها يا رسولَ الله حيثُ شئتَ، فقال النبي ﷺ : "إني أرى أن تجعلَها في الأقربين" (١). فالنبي ﷺ أمرَ بجعْلِها في الأقربين بعد أن جَعَلَها لله وخَرَجَ عنها. والله سبحانَه أعلم.
стр. 2194
مسألة في التسمية على ذكاة الذبيحة وذكاة الصيد
стр. 2195
مسألة
في التسمية على ذَكاةِ الذبيحة وذكاة الصيد، والنزاع فيها مشهور بين السلف والخلف، وقد ذكروا عن أحمد ﵀ فيها خمسَ رواياتٍ، ذكرها أبو الخطاب في "رؤوس مسائله ". قال أبو الخطاب: متروكُ التسمية لا يَحِلُّ أكلُه، سواء تركَ التسميةَ عامدًا أو ناسيًا. وعنه إن تَركَها عامدًا لم يحلَّ، وإن تركها ناسيًا حلَّتْ. وهو قولُ أبي حنيفةَ والثوري ومالك. وعنه إن سَها على الذبيحة حَلَّ، فأما على الصيد فلا.
(قال تقي الدين:) قلت: وأكثر الروايات عن أحمد على هذا، وهي اختيار أكثر أصحابه، كالخرَقي والقاضي وأكثرِ أصحابه والشيخ الموفق.
قال: وعنه إن سَهَا على السَّهم حَلَّ، وأما على الكلب والفهد فلا.
وقال الشافعي: يَحِلُّ أكلُه سواء تركَها عامدًا أو ساهيًا، وعن أحمد بنحوه.
ونَصرَ أبو الخطاب التحريمَ مطلقًا. (قال الشيخ تقي الدين:) وهذا هو الصواب، فإني تدبَّرتُ نصوصَ الكتاب والسنة فوجدتُها متظاهرةً على إيجاب التسمية واشتراطِها في الحلِّ، وتحريمِ ما لم يُذكَر اسمُ الله عليه، وكلُّ نصٍّ منها يوافق الآخر، مع كثرة النصوص وصراحتها في الدلالة، ولم أجدْ شيئًا يَصلُح أن يُقارِبَ معارضةَ هذه النصوص، فضلاً عن أن يُكافِئَها أو يرجحَ عليها. ولو لم يكن إلا نصّ سالم عن المعارِض المقاومِ لَوجبَ العملُ به، فكيف مع كثرتها وقوةِ دلالتها وعدمِ معارضِها.
стр. 2196
قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)) (١). فقد أمر سبحانه بالأكل مما ذُكر اسم الله عليه، وعلَّق ذلك بالإيمان، وأنكر على من لم يأكل مما ذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكل ما لم يُذكر اسمُ الله عليه، وقال: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) كما قال فيما أُهِلَّ به لغير الله في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (٢). فقد ذكر تحريم ما أُهِلَّ لغيرِ الله به في أربعة مواضع كما ذكر تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير.
وقال تعالى فيما ذمَّ به المشركين: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (٣). وقال تعالى في المائدة (٤): (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) إلى قوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) إلى قوله: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا
стр. 2197
أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ).
فهذه خمس آيات في التسمية. وفي الصحاح والمساند حديثُ عدي بن حاتم الذي اتفق العلماء على صحته، وتلقَّتْه بالقبول تصديقًا وعملاً به، ففي الصحيحين (١) عن إبراهيم النخعي عن همّام بن الحارث عن عَدِيّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إني أُرسِل الكِلابَ المعلَّمةَ فَيُمسِكْن عليَّ وأذكُر اسمَ الله، فقال: "إذا أرسلتَ كلبك المعلَّمَ وذكرتَ اسمَ الله فكُلْ ما أمسكَ عليك "، قلت: وإن قتلنَ؟، قال: "وإن قَتلنَ، ما لم يشركها كلبٌ ليس منها". قلتُ: فإني أَرمِي بالمِعراضِ الصيدَ فأُصيبُ، فقال: "إذا رميتَ بالمِعراضِ فخَرَقَ فكُلْهُ، وإن أصابَه بعَرْضِه فلا تأكُلْه".
وفي الصحيحين (٢) عن شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي سمعتُ عديَّ بن حاتم قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن المِعراضِ، فقال: "إذا أصابَ بحدِّه فكُلْ، وإذا أصاب بعَرْضه فقتلَ فإنه وَقِيذٌ فلا تأكل "، قال: قلتُ: إني أُرسِلُ كلبي، قال: "إذا أَرسلتَ كلبك وذكرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ "، قال: قلتُ: فإن أكلَ منه؟ قال: "فلا تأكُلْ، فإنما أمسكَ على نفسِه ولم يُمسِك عليك ". قال: قلت: أُرسِلُ كلبي وأجدُ معه كلبًا آخر، قال: "لا تأكُل، فإنما سمَّيتَ على كلبِك ولم تُسَمِّ على الآخر".
стр. 2198
وفي الصحيحين (١) أيضًا عن عديّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أرسلتَ كلبَك فاذكُر اسمَ الله عليه، فإن أمسكَ عليك فأدركتَه حيًّا فاذبَحْه، وإن أدركتَه قد قتلَ ولم يأكل منه فكُلْ، فإن وجدتَ مع كلبك كلبًا غيرَه وقد قتل فلا تأكلْه، فإنك لا تَدري أيّهما قَتَلَه. وإن رميتَ بسَهْمِك فاذكر اسمَ الله، فإن غابَ عنك يومًا فلم تَجدْ فيه إلا أثرَ سَهْمك فكُلْ إن شِئتَ، وإن وجدتَه غريقًا في الماء فلا تأكُلْه".
وفي لفظ البخاري (٢): قلت: يا رسولَ الله، أُرسلُ كلبي وأُسمِّي، فأجدُ معه على الصيد كلبًا آخر لم أُسمِّ عليه، ولا أَدري أيُّهما أخذَ، قالَ: "لا تأكلْ، إنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تُسَمِّ على الآخر".
قوله: "فأدركتَه حيّا فاذبَحْه" من أفراد مسلم، وزادَ غيرُه بإسنادِه الصحيح: "فإن أدركتَه ولم يقتلْ فاذبَحْ واذكُر اسمَ الله".
فهذا فيه الدلالة من وجوهٍ عديدةٍ:
أحدُها: قول عديّ أولاً: "إني أُرسلُ كِلابي المعلَّمةَ فيُمسكنَ عليَّ وأذكُر اسمَ الله"، وقول النبي ﷺ : "إذا أرسلتَ كلبكَ المعلَّم وذكرتَ اسمَ الله عليه"، وقوله: "إنما سمَّيتَ على كلبك" دليلٌ على أن عديا فهمَ من قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) (٣) أنه أمرٌ من الله بذكرِ اسمِه
стр. 2199
على الصيد، لم يُرِد به مجردَ ذكرِ اسمِه عند الأكل، كما ظن ذلك بعضُ الناس.
(ثم قال:) فيقال: حديثُ عدي بن حاتم سؤالُه وجوابُ النبي ﷺ يدل على التسمية عليه على الصيد حينَ الاصطياد، وإن كانت التسمية عند الأكلِ مأمورًا بها أيضًا وجوبًا أو استحبابًا، على قولين معروفين لأصحابنا وغيرهم. لكن التسمية حينَ الاصطياد مأمورٌ بها في الآية قطعًا، كما دلىَّ عليه حديثُ عديّ، مع أن ظاهر القرآن يدل على ذلك أيضًا، وهذه من أدلة القرآن، فإن الضمير في قوله: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) ضميرٌ عائد على "ما" في قوله: (مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)، أي: واذكُروا اسمَ الله على ما أمسكن. وذِكرُ اسمِ الله على ما أمسكنَ هو ذِكرُه على الصيد حينَ الاصطياد، كما يقال: ذكر اسم الله على الذبيحة أي حينَ الذبح، وهو ذكر اسمه على الكلب حين الإرسال، كما في الحديث: "فإنك إنما سميتَ على كلبك ولم تُسَمِّ على غيره ". وأما إذا سمَّى على الكلبِ وأرسلَه، فعند إرسال الكلب له يكون صاحبُه بعيدًا عنه، وقد لا يراه، فلا يُؤمَر حينئذ بالتسمية. ولم يَقُلْ أحدٌ من أهل العلم أن ذِكْرَ اسمِ الله على ما أمسكن هو مخصوصٌ بهذه الحال.
وأيضًا فإنه لم يتقدَّم اسمٌ يَصلُح أن يعودَ الضمير إليه إلا "ما أمسكن "، وأما الأكلُ فلم يتقدم اسمُه، وإنما تقدم قولُه: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ). وقد يعود الضمير إلى الاسم الذي دل عليه الفعل، كما في قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ) (١)،
стр. 2200
لكن ذاك يكون إذا لم يكن هناك ما يعودُ الضمير إليه إلا ما دلَّ عليه الفعل من الاسم لعدمِ اللبس، وأما إذا كان الاسمُ هو القريب إلى الضمير فهذا يترجَّحُ عودُه إليه دون الاسم الأبعد، فكيف إذا كان الأبعد فعلاً؟
وأيضًا فالقرآن حيث أُمِرَ فيه بذكر اسمِ الله على ما ذُكِّي فإنما هو حين التذكية، كسائر الآيات، وإنما ذمَّ مَن تركَ ذِكْرَ اسمِه عليها حينئذٍ، كما قال: (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) (١)، فالذي ذَمَّ به المشركين على تركِه أمرَ المؤمنين بفعلِه. وهذه الدلالة من حديث عدي هي دلالة القرآن، لكن حديث عديّ قرَّرها وطابَقها.
الثاني: أنه قال في بعض طُرقه: "إذا أرسلتَ كلبَك فاذكر اسم الله عليه"، فأمرَ بذلك، وأمرُه للوجوب.
الثالث: أنه قال أيضًا: "إذا رَميتَ بقوسك فاذكر اسمَ الله".
الرابع: أنه قال: "إن أدركتَه ولم يُقتَل فاذبَحْه واذكُر اسمَ الله".
الخامس: أنه قال: "إذا أرسلتَ كلبك المعلَّم وذكرتَ اسم الله فكُلْ ما أمسك عليك". فشَرَطَ في الأكل أن يذكر اسمَ الله، كما اشترطَ أن يكون الكلبُ معلَّمًا، وأن يُمسِكَ عليه. وهذه الشروط الثلاثة المذكورة في القرآن.
السادس: أنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أُرسِل كلبي وأسمِّي،
стр. 2201
فأجدُ معه على الصيد كلبًا آخر لم أُسمِّ عليه، ولا أدري أيُّهما أخذ.
قال: "لا تأكلْ، فإنك إنما سميتَ على كلبك، ولم تُسَمَ على الآخر".
فنهاه عن أكلِ ما شكَّ في تذكيته، وعلَّلَ ذلك بأنك إنما سمَّيتَ على كلبك ولم تُسَمِّ على الآخر، فجعلَ المانعَ من حِلِّ صَيدِ الكلب الآخر تركَ التسمية، كما جَعلَ فِعلَ التسمية علةً لحِل صيدِ كلبه. وهذا من أصرح الدلالات وأبينها في جَعْلِه وجودَ التسمية شرطًا في الحِلِّ، وعدمَ التسميةِ مانِعًا من الحِلِّ، ولم يُفرِّقْ بين أن يتركَها ناسِيًا أو غيرَ ناسِ، مع أن حالَ الاصطياد حال قد يدهَشُ الإنسانُ ويَذْهَلُ عن التسَميةِ فيها، وإذا لم يعذره في هذه الحال بتركِ التسمية فأن لا يَعذرَه بذلك في حالِ الذبح وهو أحضرُ عقلاً= أولى وأحرى.
السابع: أنه كرَّر علية ذِكرَ التسمية حينَ إرسالِه الكلبَ، وحينَ إرسالِه السهمَ، وعند منعِه من أكلِ ما خالطَ كلبَه كلب لم يُسَمِّ عليه، وعند ذبحِه. وهذا كلُّه يدلُّ على اعتناء النبي ﷺ بالتسمية على الذكاة بالذبح والسَّهم والجارح، وأنه لا بدَّ منها في الحلّ، وأن انتفاءَها يُوجبُ انتفاءَ الحلِّ. وهذا في غاية البيان من الرسول ﷺ الذي ليس عليه إلا البلاغ المبين، وبدون هذا يَحصُلُ البيان الذي تقومُ به الحجَّةُ على الناس.
وأيضًا حديث أبي ثعلبةَ الخُشَني (١) - وهو في الصحاح والسنن
стр. 2202
والمساند أيضًا، وعلى حديثه وحديثِ عديّ يدورُ بابُ الصَّيد، وعليهما اعتمدَ الفقهاءُ كلُّهم- قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلتُ: إنّا بأرضِ قوم من أهلِ الكتاب نأكلُ في آنيتهم، وأرضِ صيدٍ، أَصِيدُ بقَوسِي، أصيدُ بكَلبي المعلَّم وبكلبي الذي ليس بمُعلَّم، فأخبرني ما الذي يَحلُّ لنا من ذلك؟ فقال: "أما ما ذكرتَ أنكم بأرضِ قومٍ من أهلِ الكتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غيرَ آنيتهم فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدَوا فاغسلوها ثم كلوا فيها. وأما ما ذكرتَ أنكم بأرضِ صيدٍ، فما أصبتَ بقوسِك فاذكر اسمَ الله ثم كُلْ، وما أصبتَ بكلبك المعلَّم فذكرتَ اسمَ الله فكُلْ، وما أصبتَ بكلبك الذي ليس بمعلَّم وأدركتَ ذكاتَه فكُل ". وفي لفظ البخاري: "ما صِدْتَ بقوسِك وذكرتَ اسمَ الله فكُلْ، وما صِدْتَ بكلبك المعلَّم وذكرتَ اسمَ الله فكُلْ".
فهذا أبو ثعلبة يسأله، يقول له: أخبرني ما الذي يحلُّ من ذلك؟ فلم يُحِلَّ له إلا ما ذكَر اسمَ الله عليه في الاصطياد بقوسهِ وفي الاصطياد بكلبه، ولم يَستَثن حالة نسيانٍ ولا غيرها، وهذا من أَبْينِ الدلالةِ على أنه لا يحلُ له إلا ذلك، إذ لو كان يَحِلُّ ما ترك التسمية عليه خطأً أو عمدًا لم يكن ما ذكره جوابه، بل كان الجواب إذَنْ إحلالَ ذلك كله أو إحْلالَ ما سُمِّي عليه وما نسي التسمية عليه، كما أن المستفتي لمن يُحِلُّ هذا من الفقهاء يُجيبُه بجواب يُخالِف جوابَ النبي ﷺ لأبي ثعلبة، وهذا دليلٌ على خطأ ذلك الجوًاب.
وبهذين الحديثين ونحوهما احتج من أوجبَ التسميةَ على الصيد دون الذبيحة في حالِ الخطأ من أصحابنا، قال: لأن هذه النصوص
стр. 2203
صريحةٌ في اشتراطِ ذلك، ولم يَردْ مثلُ ذلك في الذبيحة. وقالوا: لأن تذكية الذبيحة تذكية اختيار، فلم تَحتَجْ إلى اقترانها بالتسمية كتذكية الصيد، فإنها تذكيةٌ ضرورية وقعتْ رخصةً، فلا بُدَّ أن تكملَ بالتسمية، ولهذا لا يجوز تذكية المقدور عليه من الصيد والأهلي إلا في الحلق والَّلبَّة. وبهذا فرَّق من اشترطَها في الكلب دون السهم، لأن التذكية بالسهم يَحصُل بفعل الَادمي، بخلاف التذكية بالجارح، فإنها تَحصُل بفعلِ الجارح، فكانت أضعف.
لكن ما ذكروه يُعارِضه أنكم تُوجبونَها على الذبيحة، ولكن عذرتم الناسيَ بعذرِ النسيان، والصائد أولىَ بالعذر من الذابح، لما يَحصُل له من العذر والدَّهَش الذي يُوجِب له النسيانَ.
(ثم قال:) وذكاةُ السهم والكلب ذكاةٌ تامَّةٌ يَحصلُ بها الحِلُّ التامُّ، كما أن صلاةَ الخائف والمريض تَبْرَأُ بها ذِمّتُه، فإن الله إنما أوجبَ على الناس ما يستطيعون، ولما كان المعجوز عنه من الحيوان لا يمكنُ تذكيتُه إلا على هذا الوجه لم يُوجِب الله ما يَعجزون عنه.
ولهذا كانت ذكاةُ الجنين عندنا ذكاةَ أمِّه كما مضتْ به السنة، وإن لم يكن في ذلك سَفْح دَمِه، إذ لا يمكن تذكيتُه إلا على هذا الوجه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وُسْعَها. ولهذا قلنا: إذا أدركَ الصيدَ مجروحًا ولم يتسع الزمانُ لتذكيتِه أُبِيحَ، ونظائرُ ذلك.
وأيضًا ففي الصحاح والسنن والمساند عن رافع بن خَدِيْج (١) قال:
стр. 2204
كنّا مع النبي ﷺ بذي الحُلَيفة من تِهامةَ، فأصاب القومَ جِوع، فأصابوا إبلاً وغنمًا، وكان النبي ﷺ في أُخرياتِ القوم، فعجَّلوا وذبَحُوا ونَصَبُوا القدور، فأمر النبي ﷺ بالقُدورِ فأكفِئَتْ، ثمّ قَسَمَ فَعَدَلَ عشرةً من الغنم ببعيرٍ، فنَدَّ منها بعير، فطلبوه فأعياهم، وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجلٌ منهم بسهمٍ، فحبَسَه الله، فقال النبي ﷺ : "إن لهذه البهائم أَوَابِدَ كأوًابِدِ الوحشِ، فما غلبكم فاصنعوا به هكذا". قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنا لَاقُو العدوّ غدًا وليستْ معنا مُدًى، أفنذْبحُ بالقَصَب؟ قال: "ما أَنْهَرَ الدمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلُوه، ليسَ السِّنَّ والظفًر. وسأحدِّثكم عن ذلك، أما السِّنُّ فعَظْم، وأما الظفُر فمُدَى الحبشةِ".
وهذا الحديث أيضًا تلقَّا [هُ]، العلماءُ بالقبول، وقد علّق الحلّ فيه بشرطين: بإنْهار الدَّمِ وذِكْرِ اسمِ الله على المذكَّى. فكما أن إنْهارَ الدم شرط فكذلك ذِكرُ اسمٍ الله عليه، وكما أن الذكاةَ بما لا يُنْهِرُ الدمَ لا يُباحُ بحالٍ، بل قد يُعفى عما لا يمكنُ إنْهارُ دمِه، كالجنين في بطنِ أمّه، فيكون ذكاتُه ذكاةَ أمِّه التي أُنْهِرَ دَمُها، وأما ما لم يُذكَر اسمُ الله عليه فلم يُعفَ عنه.
وأيضًا فإنه ﷺ قد ثبتَ عنه أنه قال للجنّ: "لكم كلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسمُ الله عليه، تجدونَه أوفرَ ما يكون لحمًا، وكلُّ بَعَرَةٍ عَلَف لِدَوَابِّكم" (١)،
стр. 2205
[و]، قال النبي ﷺ : (لا تَستنتجوا بهما، فإنهما زادُ إخوانكم من الجن " (١). فماذا كان لم يُبَحْ للجنّ المؤمنين من الطعام الذي يَصلُح للجن- وهو ما يكون على العظام- إلا الطعامُ الذي ذُكِرَ اسمُ الله عليه، فكيف بالإنس الذين هم أكملُ وأعقلُ، وهم الذين يتولّون تذكيةَ الحيوانِ، كيف يُباحُ لهم ما لم يُذكَر اسمُ الله عليه؟ وهذا كما أنه لما نَهَى عن الاستنجاء بطعامِ الجنّ وعَلَفِ دَوَابِّهم، كان النهيُ عن الاستنجاء بطعامِ الإنس وعَلفِ دَوَابِّهم أولى وأحرى.
وأيضًا ففي صحيح البخاري (٢) وغيره عن عائشة أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتونا باللحم، لا نَدريْ أَذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا، فقال: "سَمُّوا عليه اسمَ الله وكُلُوا". قال: وكانوا حديثي عهد بكفر.
وهذا يدلُّ على أنه كان قد استقرَّ عند المسلمين أنه لا بُدَّ من ذِكر اسمِ الله على الذبح، كما بيَّنَ الله ذلك لهم هو ورسولُه في غير موضع، فلما كان هؤلاء حديثي عهدٍ بالكفرِ خافوا أن لا يكونوا سَمَّوا، فاستفًتَوا عن ذلك رسولَ الله ﷺ ، فأمرَهم أن يُسَمُّوا هُم ويأكلوا. وذلك لأنَّ من أباحَ الله ذبيحتَه من مسلم وكتابيّ لا يُشتَرط في حِلِّ ذبيحتِه أن أعلم أنه بعينه قد سَمَّى، إذ العلمُ بهذ الشرطِ متعذِّرٌ في غالبِ الأمر، ولو كان هذا العلمُ شرطًا لما أكلَ اللحمَ غالبُ الناسِ، فأجريت أعمالُ الناسِ على الصحة، كما أن من اشتريتَ منه الطعامَ حملتَ أمرَه على الصحة، وأنه إنما باعَ ما لَه بيعُهُ بملكٍ أو ولاية أو وكاله، مع أن كثيرًا من الناس
стр. 2206
يبيعون ما لا يجوز لهم بيعُه.
(ثم قال:) ولو لم تكن التسميةُ شرطًا لكان النبي ﷺ يقول لهم: سواء سَمَّوا أو لم يُسَمُّوا فإنهم مسلمون، أو يقال: لعلَّ أحدَهم نسيَ التسميةَ. فلما أعرضَ عن هذا كلِّه عُلِمَ أنَّ أحدًا لا يُعذَرُ بتركِ التسمية، وإنما يُعذَرُ من لم يعلمِ حالَ المذكِّي، والفرق بينهما ظاهر جدًّا، كما أن المذكّي عليه أن لا يُذكّي إلا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، ومن لم يعلم حالَه له أن يأكلَ ما ذُكِّي حملا لفعلِه على الصحة والسلامة.
ثمّ إن وجوبَ تذكية المقدور عليه في الحلق واللَّبَّةِ مما يقول به عامةُ العلماء، وليس في إيجاب ذلك نصٌّ مشهورٌ صريحٌ، بل فيه آثارٌ عن بعض الصحابة، وفيه من الحديث ما ليس بمشهور. ثم إن ذلك جُعِلَ شرطًا على كل قادر، لا يَسقُط إلا بالعجز، فالتسميةُ التي دلَّ على وجوبها النصوصُ الصحيحةُ الصريحةُ أولَى بالإيجاب والاشتراطِ، فإن التذكيةَ في غير الحلقِ واللَّبَّةِ يَحصلُ بها إنهارُ الدم، لكن هو عدولٌ عن أحسنِ القِتْلَتَيْنِ، وقد قال النبي ﷺ : " إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قَتلتم فأحسِنُوا القِتلَةَ، وإذا ذَبحتم فأحسِنُوا الذِّبحةَ، ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرتَه ولْيُرِحْ ذبيحتَه " (١). فإذا كان بتَركِ أولى الذِّبحتينِ تَحرُمُ الذبيحةُ، فتَركُ ذِكْرِ اسمِ الله أولى بذلك، لأنَّ هذا هو الفرق بين ذكاةِ أهلِ الإيمان وأهل الكفر، أن هؤلاء يذكرون اسمَ الله على الذكاة، وأولئك لا يذكرون اسمَ الله.
стр. 2207
و أدلَّةُ إيجاب التسمية على الذكاة أظهرُ بكثيرٍ من أدلةِ وجوب قراءةِ التسمية في الصلاة ، بل من إيجابِ قراءةِ فاتحة الكتاب.
(ثم أشار إلى حجة من لم يُوجِب التسمية على الذكاة، وضَعَّفها الشيخ تقي الدين، وأجاب عنها بأجوبة، ثم قال:)
التاسع: أن ما لم يُذْكر اسمُ الله عليه كان للشيطانِ فيه نصيبٌ، وذِكْرُ اسمِ الله يَدفعُ الشيطان، كما في الصحيحين (١) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو أنَّ أحدَهم إذا أتَى إلى أهله قال: "بسم الله، اللَّهمَّ جَنِّبنا الشيطانَ وَجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنا"، فرُزِق ولدًا، لم يَضُرَّه الشيطانُ ولم يُسَلَّط عليه ".
(واستشهد بغيرِ ذلك حذفتُه اختصارًا، لضيقِ الوقت)، والله سبحانه أعلم.
стр. 2208
مسألة في أكل لحم الضبع والثعلب وسنور البرّ وابن آوى وجلودهم
стр. 2209
مسألة
في أكل لحم الضبُع والثعلب وسِنَّورِ البرّ وابنِ آوَى وجلودِهم، هل يَحلُّ لُبْسُ جلودِ الجميع وأكلُ لحم الجميع أم البعض؟ وهل تطهرُ جلودُهم بالدِّباغ؟
الجواب
أما لحم الضبع فإنه مباحٌ عند مالك والشافعي وأحمد، وجلدُه يَطْهُر بالدباغ في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك في روايةٍ وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أصحُّ قولَي العلماء. هذا إذا دُبِغ بعد موته، وأما إن ذُكِّيَ ودُبغ كان طاهرًا في مذهب الأئمة.
وأما سِنَّور البرّ والثعلب ففي حِلِّهما قولان هما روايتان عن أحمد، أحدهما: يَحِلُّ، فيكون جلدُه طاهرًا إذا ذُكِّي، وهذا مذهب مالك والشافعي، وعلى هذا القَول فإذا ماتَ ودُبغ كان طاهرًا في مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك.
والقول الثاني: إنهما محرَّمان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وعلى هذا فإذا ذُكِّي كان جلدُه طاهرًا عند أبي حنيفة دون أحمد، وجلدُه يَطهر بالدباغ إذا مات عَند أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد، وظاَهرُ مذهبِه أنه لا يَطهر.
وأما ابن آوى فإنه حرامٌ عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وجلدُه يَطهر بالدباغ عند أبي حنيفة والشافعي ووجه في مذهب أحمد، وظَاهرُ مذهبه أنه لا يطهر بالدباغ.
стр. 2210
وأما القول الذي يقوم عليه الدليلُ فإنه قد رُوِي عن النبي ﷺ في السنن (١) من وجوهٍ أنه نَهَى عن جلودِ السباع كما ثبتَ أنه حَرَّم لحمَها، فما ثبتَ أنه من السِّباع- كالنَّمِر وابن آوَى وابن عِرْسٍ - فلا يَحِلُّ لحمُه ولا تُلْبَسُ الفِرَاءُ من جلدِه، وما لم يكن من السِّباع المحرَّمة -كالضَّبُع- فإنه يُؤكَلُ لحمُه ويُلْبَسُ جلدُه. وأما الثعلبُ وسِنَّور البرّ ففيه نزاعٌ. والله أعلم.