← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

يبيعون ما لا يجوز لهم بيعُه. (ثم قال:) ولو لم تكن التسميةُ شرطًا لكان النبي ﷺ يقول لهم: سواء سَمَّوا أو لم يُسَمُّوا فإنهم مسلمون، أو يقال: لعلَّ أحدَهم نسيَ التسميةَ. فلما أعرضَ عن هذا كلِّه عُلِمَ أنَّ أحدًا لا يُعذَرُ بتركِ التسمية، وإنما يُعذَرُ من لم يعلمِ حالَ المذكِّي، والفرق بينهما ظاهر جدًّا، كما أن المذكّي عليه أن لا يُذكّي إلا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، ومن لم يعلم حالَه له أن يأكلَ ما ذُكِّي حملا لفعلِه على الصحة والسلامة. ثمّ إن وجوبَ تذكية المقدور عليه في الحلق واللَّبَّةِ مما يقول به عامةُ العلماء، وليس في إيجاب ذلك نصٌّ مشهورٌ صريحٌ، بل فيه آثارٌ عن بعض الصحابة، وفيه من الحديث ما ليس بمشهور. ثم إن ذلك جُعِلَ شرطًا على كل قادر، لا يَسقُط إلا بالعجز، فالتسميةُ التي دلَّ على وجوبها النصوصُ الصحيحةُ الصريحةُ أولَى بالإيجاب والاشتراطِ، فإن التذكيةَ في غير الحلقِ واللَّبَّةِ يَحصلُ بها إنهارُ الدم، لكن هو عدولٌ عن أحسنِ القِتْلَتَيْنِ، وقد قال النبي ﷺ : " إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قَتلتم فأحسِنُوا القِتلَةَ، وإذا ذَبحتم فأحسِنُوا الذِّبحةَ، ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرتَه ولْيُرِحْ ذبيحتَه " (١). فإذا كان بتَركِ أولى الذِّبحتينِ تَحرُمُ الذبيحةُ، فتَركُ ذِكْرِ اسمِ الله أولى بذلك، لأنَّ هذا هو الفرق بين ذكاةِ أهلِ الإيمان وأهل الكفر، أن هؤلاء يذكرون اسمَ الله على الذكاة، وأولئك لا يذكرون اسمَ الله.

стр. 2207

و أدلَّةُ إيجاب التسمية على الذكاة أظهرُ بكثيرٍ من أدلةِ وجوب قراءةِ التسمية في الصلاة ، بل من إيجابِ قراءةِ فاتحة الكتاب. (ثم أشار إلى حجة من لم يُوجِب التسمية على الذكاة، وضَعَّفها الشيخ تقي الدين، وأجاب عنها بأجوبة، ثم قال:) التاسع: أن ما لم يُذْكر اسمُ الله عليه كان للشيطانِ فيه نصيبٌ، وذِكْرُ اسمِ الله يَدفعُ الشيطان، كما في الصحيحين (١) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو أنَّ أحدَهم إذا أتَى إلى أهله قال: "بسم الله، اللَّهمَّ جَنِّبنا الشيطانَ وَجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنا"، فرُزِق ولدًا، لم يَضُرَّه الشيطانُ ولم يُسَلَّط عليه ". (واستشهد بغيرِ ذلك حذفتُه اختصارًا، لضيقِ الوقت)، والله سبحانه أعلم.

стр. 2208

مسألة في أكل لحم الضبع والثعلب وسنور البرّ وابن آوى وجلودهم

стр. 2209

مسألة في أكل لحم الضبُع والثعلب وسِنَّورِ البرّ وابنِ آوَى وجلودِهم، هل يَحلُّ لُبْسُ جلودِ الجميع وأكلُ لحم الجميع أم البعض؟ وهل تطهرُ جلودُهم بالدِّباغ؟ الجواب أما لحم الضبع فإنه مباحٌ عند مالك والشافعي وأحمد، وجلدُه يَطْهُر بالدباغ في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك في روايةٍ وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أصحُّ قولَي العلماء. هذا إذا دُبِغ بعد موته، وأما إن ذُكِّيَ ودُبغ كان طاهرًا في مذهب الأئمة. وأما سِنَّور البرّ والثعلب ففي حِلِّهما قولان هما روايتان عن أحمد، أحدهما: يَحِلُّ، فيكون جلدُه طاهرًا إذا ذُكِّي، وهذا مذهب مالك والشافعي، وعلى هذا القَول فإذا ماتَ ودُبغ كان طاهرًا في مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك. والقول الثاني: إنهما محرَّمان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وعلى هذا فإذا ذُكِّي كان جلدُه طاهرًا عند أبي حنيفة دون أحمد، وجلدُه يَطهر بالدباغ إذا مات عَند أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد، وظاَهرُ مذهبِه أنه لا يَطهر. وأما ابن آوى فإنه حرامٌ عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وجلدُه يَطهر بالدباغ عند أبي حنيفة والشافعي ووجه في مذهب أحمد، وظَاهرُ مذهبه أنه لا يطهر بالدباغ.

стр. 2210

وأما القول الذي يقوم عليه الدليلُ فإنه قد رُوِي عن النبي ﷺ في السنن (١) من وجوهٍ أنه نَهَى عن جلودِ السباع كما ثبتَ أنه حَرَّم لحمَها، فما ثبتَ أنه من السِّباع- كالنَّمِر وابن آوَى وابن عِرْسٍ - فلا يَحِلُّ لحمُه ولا تُلْبَسُ الفِرَاءُ من جلدِه، وما لم يكن من السِّباع المحرَّمة -كالضَّبُع- فإنه يُؤكَلُ لحمُه ويُلْبَسُ جلدُه. وأما الثعلبُ وسِنَّور البرّ ففيه نزاعٌ. والله أعلم.

стр. 2211

مسألة في الشاة المذبوحة ونحوها، هل يجوز بيعها دون الجلد؟

стр. 2212

مسألة في الشاة المذبوحة ونحوها، هل يجوز بيعُها دون الجلد أو الجلد وحدَه؟ جواب الشيخ تقي الدين بن تيمية ورأيه فيه نعم، يجوز بيعُها جميعًا، كما يجوز بيعُ ذلك قبلَ الذبح. وإلى هذا ذهب جماعةُ علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين، وما زال المسلمون يبيعون المذبوح من الطيور والبهائم في كل عصرٍ ومصرٍ. وإنما حَرَّم ذلك بعضُ متأخري الفقهاء، ظانا أنّ هذا من باب بيع الغائب بدون صفةٍ ولا رؤيةٍ، وليس كذلك، بل المشتري يعلم ما يشتريه برؤية ما يراه كما يَعلم نظائرَه، وكما يعلم إذا رأى الجلد منفردًا وإذا رأى اللحم منفردَّاَ، كما يعلمه إذا رآه حيًّا. (ثم قال:) ومن فرَّقَ بين الحيوان الحيّ والمذبوح بأن الحيَّ في صوانه بخلاف الميت، كما يفرّق في الباقلاّ ونحوه بين بيعِه في القِشر الأعلى والصّوان. لكن هذا الفرق ضعيف مخالفٌ للسنة ولإجماع السلفِ والاعتبار. (ثم قال:) ولما فتح المسلمون الأمصار كان أصحاب رسول الله ﷺ يشرُون الباقلاّ الأخضر ونحو ذلك، ولم ينكر ذلك منكرٌ. وكذلك يجوز بيعُ اللحم وحدَه والجلدِ وحدَه. وأبلغُ من ذلك أن النبي ﷺ لمّا سافر هو وأبو بكر في سفرَ الهجرة اشتريَا من رجلٍ شاةً، واشترطَا له

стр. 2213

رأسَها وجلدَها وسَوَاقِطَها (١). وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتبايعون الشاةَ أو البقرةَ أو البعيرَ ويَستثنون للبائع سواقطَها، حكاه الشعبي عن الصحابة مطلقًا، وأفتَى به زيد بن ثابت وغيرُه من الصحابة، وجوَّزه مالك وأحمد وغيرهما. فإذا كان الصحابة جوَّزوا هذا فهذا أجوزُ. والله أعلم.

стр. 2214

مسألة في إجارة الإقطاع

стр. 2215

سئل -رحمه الله تعالى ورضي عنه- عن إجارة الإقطاع هل هي صحيحة أم باطلة؟ وقد ذُكِر في مذهب الشافعي قولانِ، وفيهم من حكم به. فأجاب الحمد لله. إيجار الإقطاع صحيح ، كما نصَّ على ذلك غير واحدٍ من العلماء، وما علمتُ أحدًا من علماء المسلمين قال: إنه لا يَصحُّ، لا من أصحاب الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ومن أفتى بأنه لا يصحُّ من أهل زماننا فليس معهم بذلك نقل، لا عن أحدٍ من الأئمة الأربعة ولا غيرِهم من المسلمين، وإنما عُمدتهم في ذلك أن بعضَ شيوخهم كان يُفتِي بأنه لا يصحُّ. وحجتهم أن المُقْطِع لم يملك المنفعةَ، فبَقِي المستأجرُ لم يملك المنفعة، فتكون الإجارةُ مزلزلةً، فلا تجوز، كما لو آجَرَ المستعيرُ العينَ المعارة. والكلامُ في مقامين: أحدهما أنه ليس لأحدٍ أن يُحدِث مقالةً في الإسلام في مثل هذا الأمر العام الذي ما زال المسلمون عليه خَلَفًا عن سلف، بل إذا عَرَضَتْ له شبهةٌ في ذلك كانت من جنس شبهة أهل الضلال القادحين في الشرع، وكثير منها أقوى من هذه الشبهة. والجواب عنها من وجهين: أحدهما: أن العين المُعَارة في إجارتها نزاع، وإذا أَذِنَ المالك في إجارتها جاز، والسلطانُ المُقطع قد أَذِنَ لهم أن ينتفعوا بالقطع بالاستغلال والإجارة والمزارعة.

стр. 2216

الثاني: أن هذه المنافع ليست كالعارية، فإن السلطان لا يملك هذه المنافع، بل هي حقّ للمسلمين ومِلْكٌ لهم، وإنما السلطان قاسم يَقسِم بينهم تلك المنافع، فيستحقونها بحكم المِلْكِ لها والاستحقاق لا بحكم الإباحة، كما يستوفي أهل الوقف منفعةَ وقفهم. والموقوف عليه إذا آجَر الموقفَ جاز، وإن كانت الإجارة تنفسخ بموتِ الموقوف عليه عند جمهور العلماء، فإن البطن الثاني يتلقى الوقف عن الواقف لا عن البطن الأول، بخلاف الميراث. فلهذا كان جمهور العلماء على أن الإجارة لا تنفسخُ بموت الميت الذي تنتقل العينُ إلى وارثه، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فيقول بانفساخها، لأنّ من أصلِه أن المستأجر لم يملك المنفعةَ، وإنما ملكَ أن يملكها بالاستيفاء، فيقول: إن المنفعة لم تخرج عن ملك الميت، بل تحدثُ على ملك الوارث، ومع هذا فهو يقول: لو باعَ العينَ المؤجرة لم يجز، لأن المنفعة للمستأجر، لأن المؤجر لا يملك فسخ الإجارة. وأما جمهور العلماء فعندهم لا تنفسخ بالموت، سواء قيل: إن المستأجر ملك المنفعةَ أو ملك أن يملكها، وأن الوارث لم ينتقل إليه منفعةُ العين المؤجرة. وأما إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه فهنا تنفسخ في أظهر قولي العلماء، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، لأن البطن الأول ليس له ولايةُ التصرُّفِ في حقّ البطن الثاني إلا أن يكون المؤجر ناظرا له الولايةُ على البطنين. فكذلك الإقطاع، إذا قُدِّر أن المُقْطع ماتَ أو أُخِذ منه الإقطاع كان كالموقوف عليه تنفسخ الإجارة عند الجمهور، ويبقى زرع المستأجر محترمًا، يبقيه بأجرة المثل إلى

стр. 2217

كمالِ بلوغه، كما يقال مثل ذلك في الوقف، وليست إجارة المقطع الأوّل لازمةً للثاني كالبطن الأول مع الثاني. وليس في الأدلة الشرعية ما يُوجب أن الإجارة لا تصحُّ إلا في منفعةٍ تمنعُ انفساخَ الإجارة فيها، بل يجوز إجارة الظئرِ للرضاع بالكتاب والسنة والإجماع، مع جواز أن تموت المرأة فتنفسخ الإجارة بالإجماع، وكذلك إذا مات الطفل انفسخت عند الأكثرين، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد، وقد قيل: لا تنفسخ، بل يُؤتَى بطفلٍ آخر مكانه. والأول أصح، لأن الإجارة على عينه، ولو تَلِفَت العين المؤجرةُ كالعبد والبعير انفسخت الإجارة بالإجماع. وأمثال ذلك كثيرة. ف الإجارة جائزةٌ بالنص والإجماع في مواضع متعددة ، مع إمكان انفساخ الإجارة في أثناء المدة، فمن اشترط فيها امتناع الانفساخ فقد خالف النصّ والإجماع. وليس مع من يقول: لا تصحُّ إجارة الإقطاع نقلٌ عن أحدٍ من العلماء الذين يُفتي الناس بأقوالهم، لا من أتباع الأئمة الأربعة ولا غيرهم، فكيف يَسُوغ لأحدٍ أن يقول قولاً لم يُستق إليه؟ سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا. وغاية حجته قياس ذلك بالعارية لكونها بعرض الانفساخ، والحكم في العارية بتقديرِ تسليمه ليست علتُه كونَه بعرض الانفساخ، ولكن العلة فيه أن المستعير لا يملك المنفعة إلا بالقبض والاستيفاء، ليس له أن يُعاوضَ عليها، كما لا يعاوض على ما لم يملكه، لأن التبرعات لا تُملَك إلا بالقبض عند من قال ذلك. ولهذا يجوز إجارة المستأجر وإن جاز أن تنفسخ الإجارة، والمُقطَع

стр. 2218

بالمستأجر والموقوفِ عليه أشبهُ منه بالمستعير، لأنه يأخذ حقَّه وعِوَضَ عمله. فإن قلت: كيف يُدَّعى الإجماعُ وفي أصل الإجارة نزاع؟ قلتُ: النزاع المحكيُّ فيها عن بعض السلف في إجارة الأرض، وأما إجارة الظِّئْر والحيوان للركوب ونحو ذلك فلم يخالف في ذلك أحد من سلف المسلمين، فإن خالفَ في ذلك أحد من الملاحدة فهو مسبوقٌ بالإجماع المستند إلى النصّ. والله أعلم.

стр. 2219

مسألة في ضمان البساتين والأرض

стр. 2220

مسألة في ضمان البساتين والأرض التي فيها الشجرُ أو النخيلُ قبلَ أن يَبدُوَ صلاحُه، هل يجوز ضمانُه السنةَ والسنتين أم لا؟ جواب الشيخ تقي الدين بن تيمية هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال، بناءً على أن هذا داخلٌ فيما نهى عنه النبي ﷺ من بيع الثمر قبلَ أن يَبدُوَ صلاحُه (١)، فاعتقد من قال ذلك أن هذا بيعُ الثمر قبل أن يبدو صلاحُه، فلا يجوز، كما لا يجوز في غير الضمان، مثل أن يشتريَ ثمرةً مجردةً بعد ظهورها وقبلَ بُدُوِّ صلاحِها، بحيثُ يكون على البائع مَؤُونةُ سَقْيِها وخدمتِها إلى كمال الصلاح. وهذا هو القول المعروف في مذهب الشافعي وأحمد، وهو منقول عن نصِّه. ومذهبُ أبي حنيفة في ذلك أشدُّ منعًا. وتنازع أصحابُ هذا القول: هل يجوزُ الاحتيال على ذلك بأن يُؤجر الأرضَ ويُساقِي على الشجر بجزء يسيرٍ؟ على قولين، فالمَنصوص عن أحمد أنه لا يجوز، وذكر القاضي أبو يعلى في كتاب "إبطال الحيل" أنه يجوز، وهو المعروف عند أصحاب الشافعي. (وتكلم الشيخ تقي الدين على فسادها من وجوهٍ، ثم قال:) فمن

стр. 2221

فعلَ ذلك وجبَ على وُلاةِ الأمرِ الحجرُ عليه، فضلاً عن إمضاء فعلِه والحكمِ بصحتِه. (ثم قال:) والأدلة على فساد مثل هذه المعاملة كثيرة. (ثم قال بعد استدلال وتنفيرٍ عن هذا الفعل وتقبيحه:) القول الثاني في أصل المسألة: إنه إن كان منفعة الأرض هي المقصود، والشجرُ تبعٌ، جاز أن يُؤجر الأرض، ويدخل في ذلك الشجرُ تَبعًا. وهذا مذهب مالك، وهو يقدر التابع بقدر الثلث. وصاحب هذا القول يُجوِّز من بيع الثمر قبلَ بدوِّ الصلاح ما يدخلُ ضمنًا وتبعًا، كما جاز إذا ابتاع نخلةً بعد أن تُؤَبَّر أن يشترطَ المبتاعُ ثمرتَها، كما ثبتَ ذلك في الصحيحين (١) عن النبي ﷺ . والمبتاعُ هنا قد اشترى الثمر قبلَ بدوِّ صلاحِه لكن تبعًا للأصل، وهذا جائزٌ باتفاق العلماء، فيقيس ما كان تبعًا في الإجارة على ما كان تبعًا في البيع. والقول الثالث: إنه يجوز ضمانُ الأرض والشجر جميعًا، وإن كان الشجر أكثر. وهذا قول ابن عقيل، وهو المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فإنه قبَّل حديقةَ أُسَيد بن حُضير ثلاثَ سنين، وأخذَ القبالةَ فوفَى بها دَيْنَه. روى ذلك حَرب الكرماني صاحب الإمام أحمد في "مسائله" المشهورة عن أحمد، ورواه أبو زرعة الدمشقي وغيرهما، وهو معروف عن عمر. والحدائق التي بالمدينة يَغلِبُ عليها الشجرُ.

стр. 2222

قال حرب الكرماني: ثنا سعيد بن منصور، ثنا عباد بن عباد، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن أُسَيد بن حُضَير توفي وعليه ستة آلاف درهم دَين، فدعا عمر بن الخطاب غُرَماءَه، فقبَّلَهم أرضَه سنين، وفيها الشجرُ والنخلُ. وقد ذكر هذا الأثر عن عمرَ بعضُ المصنفين من فقهاء ظاهرية المغرب، وزعم أنه خلافُ الأجماع. وليس بشيء، بل ادّعاءُ الإجماع على جواز ذلك أقرب، فإن عمر فعلَ ذلك بالمدينة النبوية بمشهدِ من المهاجرين والأنصار، وهذه القضية في مظِنَّة الاشتهار، ولم يُنقَل عن أحدٍ أنه أنكرها، وقد كانوا يُنكِرون ما هو دونَها وإن فعلَه عمر، كما أنكر عليه عمران بن حُصَين وغيرُه ما فعلَه في متعة الحج. وإنما هذه القضية بمنزلة توريثِ عثمان بن عفان لامرأةِ عبد الرحمن بن عوف التي بَتَّها في مرض موته، وأمثال هذه القضية. والذي فعلَه عمر بن الخطاب هو الصواب، [و] إذا تدبر الفقيهُ أصولَ الشريعة، تبيَّن له أن مثل هذا الضمان ليس داخلاً فيما نهى عنه النبي ﷺ ، وهذا يظهر بأمور: أحدها أن يقال: معلوم أن الأرض يُمكنُ فيها الإجارةُ، ويُمكنُ فيها بيعُ حَبِّها قبلَ أن يشتدَّ، ثم إن النبي ﷺ لما نهى عن بيع الحبِّ حتى يَشتدَّ (١) لم يكن ذلك نهيَا عن إجارة الأرض، فإن كان مقصودُ

стр. 2223

المستأجر هو الحبّ فإن المستأجر هو الذي يَعمل في الأرض حتى يَحصُلَ له الحب، بخلاف المشتري، فإنه يشتري حَبًّا مجردًا، وعلى البائع تمامُ خدمتِه حتى يستحصِدَ. وكذلك نهيُه عن بيع العنبِ حتى يَسْوَدَّ (١)، ليس نهيًا عن أن يأخذ الشجر، فيقوم عليها ويَسقيها حتى تُثْمِر، وإنما النهي لمن اشترى عِنَبًا مجرَّدًا، وعلى البائع خدمتُه حتى يكتملَ صلاحُه، كما يفعلُه المشترون للأعناب التي تُسمَّى الكُرُوم. ولهذا كان هؤلاء لا يبيعونَها حتى يبدوَ صلاحُها، بخلاف التضمين. الوجه الثاني: أن المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر، وكلاهما جائزٌ عند فقهاء الحديث، كأحمد وغيره مثل ابن خزيمة وابن المنذر، وهي أيضًا عند ابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وعند الليث ابن سعدٍ وغيرهم من الأئمة جائز، كما دلَّ على جواز المزارعة سنةُ رسولِ الله ﷺ وإجماعُ الصحابة من بعدِه. والذين نَهَوا عنها ظنُّوا أنها من باب الإجارة، فتكون إجارةً بعوضٍ مجهول، وذلك لا يجوز. وأبو حنيفةَ طردَ قياسَه، فلم يُجوِّزْها بحال. وأما الشافعي فاستثنى ما تَدعُو إليه الحاجةُ، كالبياض إذا دخلَ تبعًا للشجرِ في المساقاة. وكذلك مالك، لكن رَاعَى القلةَ والكثرةَ على أصلِه. وهؤلاء جعلوا المضاربةَ أيضًا خارجةً عن القياس، ظنًّا أنها من

стр. 2224

باب الإجارة بعوضٍ مجهول، وأنها جُوِّزتْ للحاجة لأن صاحب النقد لا يُمكِن إجارته. والتحقيق أن هذه المعاملات هي من باب المشاركات لا من باب المؤاجَرات، فالمضاربة والمساقاة والمزارعة مشاركة، هذا يُشارك بنفع بدنِه، وهذا بنفع مالِه، وما قَسَمَ اللهُ من رِبْحٍ كان بينهما كشَرِيْكي العنَاَن. ولهذا ليس العملُ فيها مقصودًا ولا معلومًا كما يُقصد ويُعلَم في الإجارة، ولو كانت إجارة لوجبَ أن يكون العملُ فيها معلومًا. لكن إذا قيل: هي جِعالة كان أشبهَ، فإن الجعالةَ لا يكونُ العملُ فيها معلومًا، وكذلك في كل عقد جائزٍ غيرِ لازمٍ، لكن هي جعالة شرطَ فيها للعامل جزءا مما يَحصلُ بعمله. كما إذا قال الأميرُ في الغزوِ: مَن دَلَّ على مالٍ للعدوِّ فله الرُّبُعُ بعد الخمس، أو الثلث بعد الخمس، فإن هذا جائز. (ومَثَّلَ بغير هذا في جوابه، ثم قال:) والذي نهى عنه النبي ﷺ من بيع الثمرةِ ليس للمشتري في حصوله عمل أصلاً، بل العملُ كفُه على الباَئع، فإذا استأجرَ الأرض والشجر حتى حَصَلَ له ثمرٌ وزرعٌ كان كما إذا استأجر الأرضَ حتى يَحصُل له الزرعُ. الوجه الثالث: أن الثمرة تجري مجرى المنافع والفوائد في الوقف والعارية ونحوهما، فيجوز أن يقف الشجرَ لينتفعَ أهلُ الوقف بممرِها، كما يقف الأرضَ لينتفع أهلُ الوقف بغَلَّتِها. (ثم تكلَّم كلامًا طويلاً في المعنى وضربَ أمثلةً، ثم قال:)

стр. 2225

فإن قيل: ابنُ عقيل جوَّز إجارةَ الأرض والشجر جميعًا لأجل الحاجة، وسلك مسلكَ مالكٍ، لكنْ مالك اعتبرَ القلَّةَ في الشجر، وابنُ عقيل عَمَّم، فإن الحاجةَ داعية إلى إجارة الأرض التي فيها شجر، وإفراده عنها بالإجارة متعذِّرٌ أو متعسِّر لما فيه من الضرر، فجوَّز دخولَها في الإجارة، كما جوَّز الشافعي دخولَ الأرض مع الشجر تبعا في باب المساقاة. ومن حجة ابن عقيل أن غايةَ ما في ذلك جواز بيع ثمر قبلَ بدوِّ صلاحِه تبعًا لغيره لأجل الحاجة، وهذا يجوز بالنصّ والإجماع فيما إذا باعَ شجرًا وعليها ثمر بادٍ، كالنخل المؤبَّر إذا اشترط المبتاع، فإنه اشترى شجرًا وثمرا قبلَ بدوِّ صلاحِه. وما ذكرتموه يقتضي أن جواز هذا هو القياس، وأنه جائز بدون الحاجةِ حتى مع الانفراد. قيل: هذا زيادة توكيدٍ، فإن هذه المسألة لها مأخذانِ: أحدهما: أن يُسلَّم أن الأصل يقتضي المنعَ، لكن يجوز ذلك لأجل الحاجة، كما في نظائره. والثاني: أن يُمنَع هذا، ويقال: لا نُسلِّم أن الأصل يقتضي المنعَ، بل نهى النبي فَيِ عن بيع الثمر حتى يبدوَ صلاحُها، فإنه إنما نهى عن بيع لا عن إجارةٍ، فنهيُه لا يتناولُ مثلَ هذه الصورة وأمثالَها من أنواع إلاجارة، لا لفظًا ولا معنى. أما اللفظ فإن هذا لم يبعْ ثمرةً قبلَ بدوِّ صلاحِها، ولو كان قد باعَ ثمرة لكان عليه مَؤُونةُ التوفية، كما لو باعَها بعدَ بُدوِّ صلاحِها، فإن مَؤُونَةَ التوفية عليه، وهنا المستأجرُ للبستان كالمستأجر للأرض سواء

стр. 2226

بسواءٍ إنما يتسلَّم الأصول، وهو الذي يقوم عليها حتى يشتدَّ الزرعُ ويَبدُوَ صلاحُ الثمر، كما يقوم على ذلك العاملُ في المساقاة والمزارعة، فإن جاز أن يقال: إن هذا مشترٍ للثمر فلنَقُلْ: إن المستأجر مشترٍ للزرع، وإن العامل في المساقاة والمزارعة والمضاربة مشترٍ لما يحصلُ من النماء. فإذا كان هذا لا يدخلُ في مسمَّى البيع امتنعَ شمولُ العمومِ له لفظًا. ويمتنعُ إلحاقه بذلك من جهة القياس وشمولِ العموم المعنوي له، لأن الفرقَ بينهما في غاية الظهور، فإن إلحاقَ هذه الَإجارة بإجارة الأرض لاشتراكهما في المساقاة والمزارعة وفي العارية والوقف وغير ذلك مما يجعل حكمَ أحدِهما حُكْمَ الآخر= أولى من إلحاقها بالبيع كما تقدم. فكلُّ من نظرَ في هذا نظرًا صحيحًا سليمًا تبيَّنَ له أن هذا من باب الإجارات والقبالات التي تُسمَّى الضمانات، كما تسمِّيه العامةُ ضمانًا، وكما سمّاه السلفُ قبالةً، وليس هو من باب المبايعات، وأحكامُ البيع منتفية في مثل هذا، مثل كون مَؤُونةِ التوفيةِ على البائع، ومثل أنه لو باع الحبَّ بعد اشتدادِه وفرَّطَ في سَقْي الحنطةِ حتى لم يكمل صلاحُها، كان ذلك من ضمانِه ولم يستحقَّ الثمنَ. ولو قَصَّر المستأجرُ للأرض في السَّقْي وغيرِه حتى لم يَنْبُتِ الزرعُ كان ذلك من ضمانِه، لا من ضمانِ المؤجر. وكذلك بائعُ الثمرة إذا لم يَقُم بما يجب عليه من خدمتها حتى لم يكمل صلاحُها كان النقصُ من ضمانه. ومستأجرُ الشجر إذا قَصَّر في خدمتِها حتى لم تُثمِر، أو أثمرتْ ثمرًا ناقصًا، كان ذلك من ضمانه.

стр. 2227

وكل ما نهى عنه النبي ﷺ من بيع المعدومات - مثل نهيه عن بيع الملاقيح والمضامين وحَبَلِ الحَبَلَةِ (١)، وهو بيعُ ما في أصلابِ الفحولِ أو أرحام الإناث ونتاج النتاج، ونهيه عن بيع المُعَاوَمة وهو بيع السّنين (٢)، وأمثال ذلك- إنما هو أن يشتري المشتري تلك الأعيان التي لم تُخلَق بعدُ، وأصولُها يقومُ عليها البائع، فهو الذي يَستنتجها ويستثمرها، ويُسَلِّمُ إلى المشتري ما يحصلُ من النتاج والثمرة. وهذا هو الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه. وهذا على تفسير الجمهور في حَبَلِ الحَبَلة أنه بيع نتاج النتاج، ومن فسره بتفسير الشافعي أنه البيع إلى نتاج النتاج فإنه يكون إبطالُه لجهالةِ الأجل. وهذه البيوع التي نهى عنها النبي ﷺ هي من باب القمار الذي هو مَيْسِر، وذلك أكلُ مالٍ بالباطل، وأصحابُ هذه الأصول يُمكِنُهم تأخير البيع إلى أن يخلق الله ما يخلقه من هذه الثمار والأولاد، وإنما يفعلون هذا مخاطرةً مباختةً كفعلِ المقامرين من أهل الميسر. وأما مسألة النزاع فهي من باب الإجارات، فضمانُ البساتين لمن يقوم عليها كضمان الأرض لمن يقوم عليها فيَزْدرِعُها، واحتكار الأرض لمن يبني فيها ويَغْرِسُ فيها ونحو ذلك. وأيضًا فإن المسلمين اتفقوا على ما فعلَه أميرُ المؤمنين عمر بن

стр. 2228

الخطاب ﵁، من ضَرْب الخراج على السَّوادِ وغيره من الأرض التي فُتِحتْ عَنْوةً، سواء قيلَ. إنه يجب في الأرض التي فُتِحتْ عَنْوةً أن تُجعَل فيئًا- كما قاله مالك وهو روايةٌ عن أحمد-؛ أو قيل: إنه يجب قِسْمتُها بين الغانمين- كما قال الشافعي، وهو رواية عن أحمد-؛ أو قيل: يُخيَّر الإمام فيها بين هذا وهذا- كما هو مذهب أبي حنيفة والثوري وأبي عبيد وغيرهم، وهو ظاهر مذهب أحمد-. فإن الشافعي يقول: إن عمر استطابَ أنفُسَ الغانمين، حتى جعلَها فيئًا وضَرَبَ الخراجَ عليها. فاتفق المسلمون في الجملة على أن وضْعَ الخراج علىْ أرضِ العنوةِ جائز إذا لم يكن فيه ظلمٌ للغانمين. ثم الخراج عند أكثرهم أجرةُ الأرض، وإنه لم يُقدَّر مدةُ الإجارة لعموم مصلحتها، والخراج ضربه على الأرض التي فيها شجر والأرض البيضاء، وضرب على جَريبِ النَّخل مقدارًا وعلى جريب الكَرْم مقدارا، وهذا بعينه إجارةٌ للأرض مع الشجر، فإن كان جواز ذلك على وَفْىِّ القياس فهو المطلوب، وإن كان جوازُ ذلك للحاجة فالحاجةُ داعية إلى ذلك، فإن الناس لهم بساتين فيها مساكن، ولها أجور وافرةٌ، فإن دفعوها إلى من يعملها مساقاةً ومزارعةً تعطَّلتْ منفعةُ المساكن عليهم، كما في أرض دمشق ونحوها. ثم قد يكون وقفًا أو ليتيم ونحو ذلك، فكيف يجوز تعطيلُ منفعة المساكن المبنية في الحدائق، وقد تكون منفعة المسكن هي أكثرُ المنفعةِ، ومنفعة الزرع والشجر تابعة، فيحتاجون إلى إجارة تلك المساكن، ولا يُمكِن أن تؤجر دون منفعةِ الأرض والشجر، فإن العامل إذا كان غير الساكن تضرَّرَ هذا وهذا تضرُّرًا، الساكنُ يَبقَى ممنوعًا من

стр. 2229

الانتفاع بالثمر والزرع هو وعيالُه مع كونها عندهم، ويتضررون بدخولِ العامل عليهم في دارِهم. والعاملُ أيضًا لا يَبقَى مطمئنًّا إلى سلامةِ ثمرِه وزرعه، بل يخاف عليها في مغيبه، وما كلُّ ساكنٍ أمينًا، ولو كان أمينًا لم يُؤمَن الضِّيفانُ والصبيانُ والنسوانُ، وهذا كلُّه معلومٌ. فإذا كان النبي ﷺ نهى عن المزابنة (١) - وهي بيعُ الرُّطب بالتمر- لما في ذلك من بيع الربا بجنسِه مجازفةً، وبابُ الربا أشرُّ من باب الميسر، ثم إنه أرخصً في العرايا أن تُباعَ بخَرْصِها لأجل الحاجة، وأمرَ رجلاً أن يبيعَ شجرةً له في ملك الغير- لتضرره بدخوله عليه- أو يَهَبَها له، فلما لم يَفْعَل أمرَ بقَلْعِها (٢)، فأوجبَ عليه المعاوضةَ لرفع الضررِ عن مالك العَقار، كما أوجبَ للشريك أن يأخذَ الشِّقصَ بثمنِه رفعًا لضرر المشاركة والمقاسمة- فكيف إذا كان الضررُ ما ذُكِر؟ ومعلومٌ أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيلِ المفاسِد وتقليلها ، وأنها تقدِّر خيرَ الخيرين بتفويت أدناهما، وتدفع شرَّ الشرين باحتمال أدناهما، والفساد في ذلك أعظم مما يُظَنُّ من حصولِ ضررٍ ما لأحدِ المتعاوضين، فإن هذا ضررٌ كبير محقَّقٌ. وذاك إن حَصَلَ فيه ضررٌ فهو يسير قليل مشكوك فيه. وأيضًا فالمساقاة والمزارعة يُعتَمد فيها أمانة العامل، وقد يتعذَّر ذلك كثيرًا فيحتاج الناسُ إلى المؤاجرة التي فيها مالٌ مضمونٌ في

стр. 2230

الذمة. (ثم قال:) فهذا وجهٌ من وجوهِ جواز المؤاجرة. (ثم قال:) وقد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تَلِفَتْ قبلَ التمكن من استيفائها، فإنه لا يجب أجرة ذلك، مثل أن يستأجرَ حيوانًا فيموت قبل التمكن من الانتفاع به. وكذلك المبيِع إذا تَلِفَ قبلَ التمكن من قبضه، مثلَ أن يشتري قَفِيزًا من صُبْرَةٍ، فتَتْلفُ الصُّبْرةُ قبل القبضِ والتمييز، فإن ذلك من ضمان البائع بلا نزاعٍ. ولكن تنازعوا في تَلَفِه بعد التمكن من القبض وقبل القبض، كمن اشترى مَعِيبًا وتمكَّن من قَبضِه، وفيه قولان مشهوران: أحدهما أنه لا يضمنه، كقول مالك وأحمد في المشهور عنه، لقول ابن عمر: مَضَتِ السنة أن ما أدركتْه الصَّفَقَةُ حبًّا مجموعًا فهو من مال المشتري. والثاني: يَضْمنه، كقول أبي حنيفة والشافعي، لكن أبو حنيفة يستثني العقار، ومع هذا فمذهبه أن التخلية قبضٌ، كقول أحمد في إحدى الروايتين، فيتقاربُ مذهبُه ومذهبُ مالك وأحمد في المعيَّن ونحوه. وكذلك تنازعوا في الثمر إذا اشتُري بعد بدوِّ صلاحه، فتَلِفَ قبلَ كمالِ صلاحِه، فمذهب مالك وأحمد أنه يتلف من ضمان البائع، لما ثبت في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "إن بعْتَ من أخيك ثمرةً فأصابتْها جائحةٌ، فلا يَحلُّ لك أن تأخذ من مالِ أخَيك شيئًا، لِمَ يأخذُ أحدُكم مالَ أخيه بغيرِ حق؟ ". ومذهب الشافعي المشهور عنه: يكون

стр. 2231

في ضمان المشتري، لأنه تَلِفَ بعد القبض. وأما أبو حنيفة فمذهبُه أن التبقية ليست من مقتضى العقد، ولا يجوز اشتراطُها. والأولون يقولون: قبضُ هذا بمنزلةِ قبض المنفعة في الإجارة، وذلك ليس بقبضٍ تامّ يَنقُل الضمان، لأن القابضَ لم يتمكن من استيفاء المعقود عليه. وهذا طَردُ أصلهم في أن المعتبر هو القدرة على الاستيفاء المقصود بالعقد، ولهذا يقولون: لو أن المشتري فرَّطَ في قبض الثمرة بعد كمالِ صلاحِها حتى تَلِفَتْ كانت من ضمانه، كما لو فرَّط في قبض المعيّن حتى تَلِفَ، وهذا ظاهرٌ في المناسبة والتأثير، فإن البائع إذا لم يكن منه تفريطٌ فما يجب عليه. (ثم قال:) ولهذا اتفقوا على مثل ذلك في الإجارة، فإن المستأجر لو فرَّط في استيفاء المنافع حتى تَلِفَتْ كانت من ضمانِه، ولو تَلِفَتْ من غيرِ تفريط كانت من ضمان المؤجر، وفي الإجارة إذا لم يتمكن المستأجرُ من ازدراع الأرض لَافة حصلتْ لم يكن عليه الأجرة، وإن نَبَتَ الزرعُ ثمَّ حصلت آفةٌ سماوية أتلفَتْه قبل التمكن من حَصادِه ففيه نزاع. (ثم قال:) و أصل مسألة ضمان البساتين هو الفرق بين البيع والإجارة ، فإن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة قبلَ أن يبدوَ صلاحُها، ونهى عن بيع العنب حتى يَسْودَّ، وعن بيع الحبِّ حتى يَشتدَّ، ولم يَنْهَ عن الإجارة ولا عن المساقاة والمزارعة. فالمساقاةُ والمزارعة نوعٌ من المشاركة، وهي جائزةٌ بسنة رسولِ الله ﷺ وباتفاق أصحابه وبالقياس، ويجوز ذلك على جميع الشجر، ويجوز على الأرض البيضاء والأرض

стр. 2232

التي فيها شجر، ويجوز سواء كان البذرُ من ربِّ الأرض أو من العامل أو منهما، بل إذا كان البذرُ من العامَل فهو أولى بالجواز، وهذا الذي عاملَ عليه النبي ﷺ لأهل خيبر، عاملَهم بشَطْر ما يخرج منها من ثمر وزرعٍ على أن يعملوها من أموالهم. رواه البخاري في صحيحه (١). وكذلك الصحابة جوَّزوها على هذا الوجه. ومن قال من الفقهاء أن يكون البذرُ فيها من ربِّ الأرض قاسَها على المضاربة، إذ كان المال فيها منَ واحد والعملُ من آخر. وهو قياسٌ فاسدٌ من وجهين: أحدهما: أن المال في المضاربة يعودُ إلى المالك، ويقتسمانِ الرِّبْح، والبذرُ هنا لا يعودُ إلى العامل، فلو كان يجري مجرى المال لوجبَ أن يعودَ نظيرُه إلى صاحبه، فعُلِمَ أنهم جعلوه من باب الأعيان التي تجري مجرى المنافع، كاَلماء الذي تُسقَى به الأرضُ والعَلَفِ الذي تُعلَف به البقر. الوجه الثاني: أنه في المضاربة لو كان من هذا مالٌ والعملُ، ومن هذا مالٌ والعملُ من أحدهما لجاز ذلك في أصحّ قولي العلماء. فيجوز ببدنَيْنِ ومالٍ، ومالٍ وبَدَنينِ، فكذلك يجوز نظيرُه في المساقاة والمزارعة. وكذلك المؤاجرة، لم يَنْهَ عنها النبي ﷺ ، بل ما نهى عنه من كِراءِ الأرض ومن المخابرة فهو ما كانوا يفعلونه، وهو أن يشترط ربُّ الأرض زرعَ بُقْعَةٍ بعينها، فهذا لا يجوز. وإذا كانت الإجارةُ

стр. 2233

صحيحةً فإنها تصحّ، سواء كانت الأرض تبعًا ليس فيها شجرٌ ولا بناء، أو كان فيها بناء أو بناءٌ وشجرٌ، أو كان فيها بياضٌ أو شجرٌ، أو فيها بناءٌ وبياض، فكلُّ هذا من باب الإجارة لا من باب بيع الثمر قبلَ بدوِّ صلاحها. كما أن الإجارةَ في الأرض البيضاء لمن يَزدرعُها ليس من باب بيع الحبِّ قبلَ أن يَشتدَّ، وذلك أن المبيع هو عينٌ يجب على البائع تسليمُها، فإذا باعَ الثمرةَ أو الحبَّ كان على البائع السَّقْيُ والخدمة وشَقُّ الأرض وغيرُ ذلك، حتى تكمُلَ الثمرةُ والزرعُ. وإذا آجَر أرضًا بيضاءَ أو أرضًا فيها شجرٌ وبياضٌ أو شجرٌ محضٌ كان المستأجر هو الذي يَسْقِي ويَخدِم ويَشُق الأرض، حتى يَحصُلَ الثمرُ والزرعُ بعملِه، كما يَحصُلُ في المساقاة والمزارعة، لكن في المساقاة والمزارعة يستحقُّ جزءًا شائعًا من الثمر والزرع، وفي الإجارة يَستحقُّ جميعَ الثمر والزرع، وعليه الأجرة المسمَّاةُ في ذمته. وإذا استأجر العبدَ أو الأمةَ سواء كانت ظِئْرًا أو غيرَ ظِئْرٍ، فهذا على وجهين: تارةً يستأجرها بأجرةٍ مسمَّاةٍ، وتارةً يَستأجرها بطعامِها وكسوتها بالمعروف، وذلك جائزٌ في أظهر قولَي العلماء. وعلى هذا فإذا استأجر بقرًا أو نوقًا أو غنمًا أيام اللبن بأجرةٍ مسمَّاةٍ وعَلَفُها على المالك، أو بأجرةٍ مسمَّاةٍ مع عَلَفِها على أن يأخذ اللبنَ- جاز ذلك في أظهرِ قولي العلماء، كما في الظِّئر. وهذا يُشبِه البيعَ ويُشبه الإجارةَ، ولهذا يذكره بعضُ الفقهاء في البيع وبعضُهم في الإجَارة. لكن إذا كان اللبن يَحصُل بعَلفِ المستأجر وقيامِه على الغنم فإنه يُشبِه استئجارَ الشجر، وإن كان المالك هو الذي يَعلفُها، وإنما

стр. 2234

يأخذُ المشتري لبنًا مقدرا، فهذا بيع محض، وإن كان يأخذُ اللبنَ مطلقًا فهو بيع أيضًا، فإن صاحبَ الغنم يوفيه اللبنَ، بخلاف الظِّئر فإنها هي تَسْقِي الطفل. وليس هذا داخلاً فيما نهى عنه النبي ﷺ من بيع الغَرر (١)، لأنّ الغرر ما يتردَّدُ بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه لأنه من جنس القِمار الذي هو الميسر، والله حرَّم ذلك لما فيه من أكل المال بالباطل، وذلك من الظلم الذي حرَّمه الله تعالى. (ثم قال:) فأما إذا كان شيئًا معروفًا بالعادة، كمنافع الأعيان في الإجارة، مثل منفعة الأرض والدابَّة، ومثل لبنِ الظِّئر المعتاد، ولبن البهائم المعتاد، ومثل الثمر والزرع المعتاد- فهذا كلُّه من بابِ واحدٍ، وهو جائز. ثمَّ إن حَصَلَ على الوجه المعتاد، وإلاّ حُطَّ عن الَمستأجر بقدرِ ما فاتَ من المنفعة المقصودة. وهو مثل وضع الجائحةِ في البيع، ومثل ما إذا تَلِفَ بعض المبيع قبلَ التمكن من القبض في سائر البيوع. وهذا الذي ذكرناه من ضمان البساتين هو فيما إذا ضمنَه على أن يعمل الضامن حتى يَحصُلَ الثمرُ والزرعُ، فأما إذا كان الخدمةُ والعملُ على البائع فهذا بيع، كما يُباع العنبُ بعد بدوِّ صلاحِه، وكما يضمن البستانُ زمنَ الصيفِ لمن يَسكُنه ويأكل فاكهته، وإذا كان بيعًا محضا لم يَجُزْ إلا بعدَ بدوِّ صلاحِه، لكن إذا بَدَا صلاحُ بعضِ الشجر جازَ بيع جميعِها بلا نزاعٍ، وكذلك يجوز بيعُ سائر ذلك النوع في ذلك البستان في سائر البساتين في أشهر قولَي العلماء.

стр. 2235

وإذا كان البستان أجناسًا، كالعنب والرُّطَب والتفاح والمشمش والتُّوت، فَبَدَا الصلاحُ في جنسٍ من ذلك، جازَ بيعُ جميع ما في البستان من ذلك في أحد قولَيْهم أيضًا، لأن الشرط في المبيع أن يبدوَ صلاحُ بعضه لا صلاحُ كلِّ جزءٍ منه، إذا كان مما يُباعُ جملةً في العادة. ومعلومٌ أنه إذا كان فيه نخيلٌ وأعنابٌ كان بيعُ بعضِ النخيلِ دونَ بعضٍ فيه مشقَّةٌ، فجوِّزَ بيعُ الجميع. وهكذا إذا كان عنبًا ورُمَّانًا وجوزًا ونحو ذلك فبيعُ بعضِ هذه الأجناس دونَ بعضٍ فيه مشقةٌ، كما في بيعٍ بعض النخيل دونَ بعضٍ فإن المشتري إن لم يَشترِ الجميعَ لم يَرض بشراءِ البعضِ، إذ لا يمكِن أن يدخل عليه غيره في البستان من المشتري، ففي بيع بعض البستان دون بعضٍ ضررٌ على البائع والمشتري، ولا فسادَ في بيع الجميع. بل إن قيل: قد تُصيبه جائحةٌ فلا يثمر الباقي، قيل: هذا بمنزلة الجائحة فيما بَدَا صلاحُه، وقد أمر النبي ﷺ بوضع الجائحة (١). والشارعُ بُعِث بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فنهى عن بيع الثمار قبلَ بدوِّ صلاحها لما فيه من المخاطرة من غير حاجة، وأما بعد بدوِّ صلاحِها فهم محتاجون إلى بيعها في هذه الحال وإن كان فيه نوع مخاطرةٍ، لأن المنع من ذلك أشدُّ ضررًا على الناس من المخاطرة، كما في الإجارة، لأن المنع منها أشدُّ ضررًا من إباحتها مع المخاطرة، ثم إنه جَبَر هذا الضررَ بوضعِ الجوائح، فما تَلِفَ

стр. 2236

قبلَ التمكن من قبضِه كان من مالِ البائع كالمؤجر، وأما إذا تمكَّن من الجَداد والحَصادِ ففرَّطَ حتى تَلِفَتِ العينُ، أو أَخَّر ذلك لطلب ارتفاع السِّعْر فإن الضمان هنا يكون من ماله. والله سبحانه أعلم (١).

стр. 2237

مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذه هي المجموعة السابعة من كتاب «جامع المسائل» تضم بين دفّتيها مجموعة جديدة ــ على شرط هذا المشروع المبارك إن شاء الله تعالى ــ من مسائل ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة (ت ٧٢٨) رحمه الله تعالى. وتأتي هذه المجموعة متمّمة لما صدر من مجموعاتها الست، بتحقيق أخي الشيخ المحقق محمد عزير شمس، التي طبعت ضمن هذا المشروع المبارك (آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال) بإشرف ورعاية واضع أُسس هذا المشروع وغيره من المشاريع العلمية (١): شيخنا العلامة المحقق بكر بن عبد الله أبو زيد المتوفى في يوم ٢٧ محرم سنة ١٤٢٩ هـ، رحمه الله تعالى، وأجزل مثوبته، ورفع درجته في عليين. وهذه المجموعة في مجملها لم تطبع رسائلُها من قبل، لا في الكتاب العظيم «مجموع الفتاوى» لابن قاسم، ولا المستدرك عليه، ولا في _________ (١) وهي: هذا المشروع (آثار شيخ الإسلام ابن تيمية ... ) وقد طبع منه ٣١ مجلدًا، و (آثار الإمام ابن القيم) وقد طبع منه ٥٢ مجلدًا، و (آثار العلامة الشنقيطي) وقد طبع كاملًا في ١٩ مجلدًا، و (آثار العلامة المعلِّمي) وقد طبع كاملًا في ٢٥ مجلدًا.

стр. 2238

المجاميع الأخرى المعروفة، وإن كان بعضها له طبعة مفردة، أو كان في الفتاوى مفرَّقًا وناقصًا. وهذا مسرد لرسائل المجموعة على حسب ترتيبها هنا، أُبيِّن فيه عنواناتها، وموضوعاتها، والنسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وغير ذلك مما يعرِّف بها: (١) مسائل أهل الرَّحْبَة (١). موضوعها: وهي أسئلة في موضوعات شتّى فقهية وعقدية وغيرها، سُئل عنها خطيبُ قرية عُشارا، فأجاب عنها شيخُ الإسلام ابن تيمية، وعددها واحد وأربعون سؤالاً بحسب ما وردت في أول الرسالة، وقد أجاب عنها الشيخ سؤالًا سؤالًا عدا سؤالين: الأول: في صلاة الجمعة إذا _________ (١) الرَّحْبة: تطلق على عدة أماكن، والمقصود هنا: رحبة الشام، ويقال لها: رحبة مالك ابن طوق التغلبي؛ لأنه من بناها في عصر المأمون، وهي على شاطئ الفرات، بينها وبين دمشق ثمانية أيام، وفيها قلعة تاريخية مشهورة تسمى قلعة الرحبة. وهي الآن إحدى المدن السورية، تعرف باسم: الميادين. انظر «معجم البلدان»: (٣/ ٣٤)، وموسوعة ويكيبيديا على الشبكة (الرحبة). وقرية عُشارة: بضم المهملة، قرية من قرى الرحبة قديمًا، وهي تابعة لمحافظة دير الزور السورية حديثًا، تقع على نهر الفرات، وتبعد عن الحدود العراقية نحو ٧٠ كيلومترًا. انظر «مراصد الاطلاع»: (٢/ ٩٤١)، و «درّ الحَبَب»: (١/ ٩٢٥)، و «الكواكب السائرة»: (١/ ٢٧١)، وموسوعة ويكيبيديا على الشبكة (العشارة).

стр. 2239

لم تتم الجماعة أربعون رجلًا ويصعب تركها ... والثاني: في الرجل يشتري الدابة ويزن الثمن ويقبضها ... فلا أدري أسَقَطا من النسخة أم ذهل الشيخ عنهما. وفي المقابل في النسخة جواب على سؤالين لم يردا في قائمة الأسئلة، وهما: الأول: عن الصبي إذا مات وهو غير مطهَّر هل يقطع ختانه بالحديد ... ؟ والثاني: تارك الصلاة من غير عذرٍ هل هو مسلم في تلك الحال؟ وكانت إجابات الشيخ مختصرة في أغلبها، غير سؤالين أطال الشيخ فيهما بنحو عشر صفحات لكل سؤال. وهذه المسائل لم تطبع في «مجموع الفتاوى»، لكن بعض مسائلها ــ وهي نحو خمسة عشر سؤالًا ــ طُبِعت موزّعة في الفتاوى بحسب موضوعاتها، وقد أشرت في بداية كلّ سؤال منها إلى موضعه من الفتاوى، وقارنت النصَّ به، وأثبتّ أهم الفروق، واستفدت من بعض القراءات. النسخة الخطية: تحتفظ مكتبة بلدية الإسكندرية بنسخة الكتاب الوحيدة رقم (٤ - فقه حنبلي)، ضمن مجموع، وتبدأ مسائل الرحبة من (ق ٢٥ أ- إلى ٨٥ ب). في كل صفحة خمسة عشر سطرًا، في كل سطر نحو ٧ - ٩ كلمات، وخطها نسخي واضح منقوط في غالبه، وهي بخط محمد ابن عيسى بن أبي الفضل الشافعي، وفرغ من كتابتها في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. أي بعد وفاة المؤلف بستة وثلاثين يومًا فقط. وهي ــ على قِدمها ــ كثيرة الأخطاء والسّقْط، ويظهر

стр. 2240

بعض ذلك عند مقارنة نصوصها مع ما نُشر منها في مجموع الفتاوى. وقد بعث إليّ بنسخة منها الدكتور عبد الله بن صالح البرّاك جزاه الله خيرًا. وقد طبعت هذه المسائل عام ١٤٢٤ هـ في الفاروق الحديثة، بتحقيق حسين بن عكاشة، ضمن مجموع عنوانه «من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية». وهو مشكور على سبقه وجهده. وقد ذكر هذا الكتاب أبو عبد الله ابن رُشَيّق في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (ص ٣٠٧ - الجامع) قال: رسالة جواب سؤال الرحبة، وابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص ٩٧) قال: جواب عن سؤال ورد من الرحبة. (٢) جواب فُتيا في لبس النبي ﷺ ، وتسمى: القَرْمانية . موضوعها: سؤال عن لباس النبي ﷺ ، وخاصة ما كان يلبسه في الحرب أو يقتنيه من آلة الحرب، وعن لباس أصحابه وما يحرم من الذهب والفضة والحرير. وقد أجاب الشيخ عن كل ذلك وزاد عليه، وكان جوابه مستندًا إلى الأدلة من كتب الصحاح والمسانيد، ينقل منها كأنها بين عينيه ــ ﵀ ــ. ولنفاسة هذه الفتيا وتحريرها البالغ نقل غالبها تلميذه العلامة ابن القيم في «زاد المعاد»: (١/ ١٣٠ - ١٤٧)، وصرّح باسم شيخ الإسلام في موضع منها. ونقل منها أيضًا تلميذه ابن مفلح في «الآداب الشرعية»: (٣/ ٥٢٤ ــ ٥٢٥).

стр. 2241

وتَسْميتها بـ «القَرْمانية» تعود غالبًا إلى المدينة التي ورد منها السؤال، ولعلها مدينة قَرْمان ــ بفتحٍ فسكون ــ ويقال: قرامان، وهي أكبر الإمارات التركمانية، سُمّيت بذلك نسبة إلى القبيلة التركمانية التي حَلَّت هناك (١). النسخة الخطية: للكتاب نسخة وحيدة فيما أعلم محفوظة في المكتبة السليمانية بتركيا ــ مجموعة مكتبة شهيد علي رقم (٢٧٤٢)، وتقع ضمن مجموع، وهي منه في الأوراق (٥٣ - ٦٤) في اثنتي عشرة ورقة، في كل صفحة خمسة عشر سطرًا. وخطها نسخي واضح جميل، مضبوط بالشكل تغلب عليه الصحة، وهي نسخة قيمة نادرة الخطأ، قوبلت على أصلها كما صرح ناسخها ــ الذي لم يذكر اسمه ولا تاريخ نسخها ــ في خاتمتها. لكن دعاء الناسخ لمؤلفها بطول البقاء دليل على أنه نسخها في حياته، إلا إن كان الدعاءُ منقولًا من أصلها. وقد ذكر هذا الكتاب ابنُ عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص ٨٢) قال: وقاعدة تتضمن ذكر ملابس النبي ﷺ وسلاحه ودوابه، وهي «القرمانية». وقد صدرت هذه الرسالة عن دار أضواء السلف عام ١٤٢٢ هـ بتحقيق أشرف بن عبد المقصود جزاه الله خيرًا. (٣) قاعدة في الفناء والبقاء . موضوعها: تكلّم المصنف في هذه الرسالة على تحقيق معنى توحيد _________ (١) انظر لمزيد التعريف بها «بلدان الخلافة الشرقية» (ص ١٧٦ - ١٨٠) لكي لسترنج. وانظر «معجم البلدان»: (٤/ ٣٣٠) والضبط منه.

стр. 2242

الأنبياء والمرسلين، والفرق بينه وبين ما يسميه بعض أهل البدع توحيدًا، كالجهمية وغيرهم وغلاة الاتحادية، وتكلّم على مصطلح الفناء وما المراد به عندهم وأنواعه، والكلام على كلِّ نوع وما فيه من باطل أو حق. وللمصنف عناية بهذه المسألة فقد تكلم عنها في عدد من كتبه بنظير ما كتبه هنا، انظر «مجموع الفتاوى»: (٢/ ٣١٣،٣٦٩،٣/ ١١٨،١٠/ ٢١٨، ٣٣٧)، و «الرد على الشاذلي» (ص ١٤٨ وما بعدها). النسخة الخطية: لها نسخة خطية واحدة في المعهد العلمي بحائل رقم (٦٠) -مكتبة علي اليعقوب، وقد آلت أخيرًا إلى دارة الملك عبد العزيز بالرياض، وعن طريقهم صورت المخطوط، فجزاهم الله خيرًا. وتقع النسخة في ثماني ورقات، في كل ورقة نحو ستة وعشرين سطرًا، وهي بخط راشد بن عبد الله العنزي، فرغ منها في يوم الأحد ٨/رجب/١٢٨٥ كما جاء في خاتمتها. وهي جيدة اجتهد ناسخها في تحريرها ومقابلتها على أصلها كما نص عليه في مواضع. إلا أنها لم تخل من إشكالات في النص أو تحريفات في عدة مواضع. وخُتمت النسخة بثلاثة عشر بيتًا لا علاقة لها بالكتاب، مطلعها: شبيهك بدر التمّ بل أنت أنور ... وخدّك ياقوت وثغرك جوهر ونصفك كافور وخُمْسك عنبر ... وثُمنك ما وَرْد وباقيك سكّر وقد كتب على صفحة عنوانها هكذا: «قاعدة في الفناء والبقاء، تأليف شيخ الإسلام الإمام العلامة ... » وتحته تملّك لصاحب النسخة يعقوب بن

стр. 2243

ملا بن سعد بتاريخ ١٣٠٣ ثم تقييد بانتقال التملّك والنظر إلى ولديه: عمر ويوسف بتاريخ ١٣٢٢. وقد ذكر ابنُ رشيق في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (ص ٣٠٢ - الجامع)، وابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص ٦٧) من مؤلفات شيخ الإسلام: قواعد في الفناء والاصطلام في ثلاثين ورقة. فمحتمل أن تكون رسالتنا هذه إحدى هذه القواعد. وقد طبعت هذه الرسالة عن دار ابن حزم عام ١٤٢٤ هـ بتحقيق الداني آل زهوي. (٤) الرسالة في أحكام الولاية . موضوعها: جواب على سؤال ورد في بيان سبيل حكم الولاية على قواعد بناء الشرع المطهر بسبب تهمة وقعت في سرقة. بيَّن فيه الشيخ ما يجب على ولاة الأمور في أمور الولايات من العدل، وإقامة الحدود، والحكم في الدعاوى والتُّهَم، وما يجب من تولية الأصلح وتجنب تولية أهل الرفض والتتر. النسخ الخطية: تقع النسخة الأولى ــ وهي الأصل ــ في ست ورقات، ضمن مجموعة رسائل مصورة من مكتبة المرعشي بإيران، وعلى بعض الرسائل في أولها ــ وبعضها في آخرها ــ ختم المكتبة، وقد كتب فيه: «وقف كتبخانه عمومي حضرت آية الله العظمى مرعشي نجفي (ره) (١)». _________ (١) اختصار «﵀».

стр. 2244

وقد حَصَلتُ على صورة من هذه الرسائل من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فالشكر لهم على جهودهم في خدمة التراث، وأخصّ الصديق الشيخ عبد العزيز ابن فيصل الراجحي مدير قسم المخطوطات بمزيد الثناء والشكر. وهذه المجموعة نسَخَها محمد بن أحمد بن علي الخطيب، بتاريخ سابع عشر ورابع عشري شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة. كما صرح به في آخر الرسالتين رقم (٥، ٦). وخط هذه المجموعة نسخيّ واضح نفيس، وهي متقنة ومحررة ونادرة الخطأ. وقد سقطت الورقة رقم (٤) من مصوَّرتي، فهل هي ساقطة من الأصل أو من التصوير؟ ثم اعتمدنا نسخة أخرى من الرسالة أكملت النقص الواقع في نسخة الأصل، وفيها تصحيحات وفوائد جديدة، وهي محفوظة ضمن مجموع بمكتبة أيا صوفيا برقم (١٥٩٦) بخط شمس الدين محمد بن موسى بن إبراهيم ابن الحبَّال الحنبلي. وسيأتي وصف تفصيلي لهذا المجموع في المجلد التاسع من «جامع المسائل». والرسالة تقع في ثلاث ورقات (ق ١٤٥ - ١٤٨) منه، نقلها ابن الحبال عن خط شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد ابن المحب عن خط الحسين بن إبراهيم بن سونج. وقد رمزنا لها بـ (ك).

стр. 2245

(٥) كتاب للشيخ إلى بعض البلاد الإسلامية حول قضايا شرعية . موضوعها: سؤال ورد إلى الشيخ سنة ٧٠٤ هـ من الشيخ أحمد السراج الفقيه بقرية كفرقوق الفستق عن أناس من الصوفية وغيرهم بعضهم يصلي وله هيئات أو حركات خارجة عن الصلاة، ومنهم من لايصلي ويعتذر بأعذار عن تركه الصلاة، فطلب مِن الشيخ أن يكتب له كتابًا إليهم. فأجاب الشيخ طلبه. النسخة الخطية: تقع النسخة في خمس ورقات، ضمن المجموع السالف في مكتبة مرعشي بإيران، سبق وصفُه في الرسالة رقم (٤). (٦) رسالة شيخ الإسلام إلى الأمير سُنْقرچـاه. موضوعها: هي رسالة من شيخ الإسلام إلى الأمير شمس الدين سُنْقرچـاه المنصوري (ت ٧٠٧) (١) لما تولى صفد سنة ٧٠٤ هـ. أثنى الشيخُ عليه فيها بما اشتهر عنه من العدل، وحثه على الاقتداء بسيرة أئمة العدل كعمر بن عبد العزيز ونور الدين الشهيد. ثم تكلم عن أداء الأمانات وأنه في الولايات والأموال، وفصَّل فيها تفصيلًا مختصرًا يناسب الرسالة. وهذه الرسالة عند التأمل تشبه إلى حدٍّ كبير الموضوعات الرئيسية في كتاب «السياسة الشرعية» للمصنف، الذي ألفه للأمير آقش المنصوري (ت ٧١١) لما تولى نيابة دمشق سنة ٧٠٩ هـ (٢). ولا يبعد أن تكون هي _________ (١) ترجمته في «أعيان العصر»: (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٣)، و «الدرر الكامنة»: (٢/ ١٧٥). (٢) انظر مقدمة تحقيقي لـ «السياسة الشرعية» (ص ٢٠ - ٢٣).
следующие страницы →