← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

من تأخير الإيفاء، وذلك واجب فيه في أحد قولي العلماء، ولو أجَّله بأجلٍ، كمذهب مالك وقول في مذهب أحمد. ومن قال: إن له المطالبة في الحال ولا يتأجّل، قالوا: لأن هذا تبرع، والتبرع لا يلزم بالعقد، كما قالوا مثل ذلك في الهبة والعارية. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وأما أهل المدينة فعندهم يلزم بالعقد، وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة. فالقرض من أقوى الحجج على أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنَّساء في جنس واحدٍ حرم ، وإن لم يكن مما يجري فيه ربا الفضل وحده. وهذه حجة لمالك وأحمد في إحدى الروايتين، وهو حجة على الشافعي وأحمد في رواية؛ إذ كانوا يجوزون بيعَ غير الربوي كالموزون غير النقدين بجنسه متفاضلًا، ويحرِّمون ذلك بلفظ القرض. وهؤلاء يجعلون الأحكام تختلف بمجرد اللفظ مع اتحاد المقصود، وهذا يقوله مَن يقوله مِن أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد، يقولون هذا في مواضع، كما جوَّز القاضي أبو يعلى وغيره السَّلَم الحال بلفظ البيع دون السَّلَم، وكما جوَّز أن يكون البذر من العامل إذا كان بلفظ الإجارة دون لفظ المزارعة. وأبو محمد المقدسي عكَسَ ذلك، فجوَّزه بلفظ المزارعة دون الإجارة، وأبو الخطاب جوَّزه بلفظهما، وهو الصواب، وعليه تدلُّ نصوصُ أحمد، فإنه جوَّز أن تُؤجَر الأرض بجزءٍ من الخارج منها، واحتجَّ على ذلك بمزارعة النبي ﷺ لأهل خيبر. ولو كان الحكم يختلف باللفظ لم تصح هذه الحجة، وإنما تصح هذه

стр. 3047

الحجة إذا كان البذر من أهل خيبر، فإن المستأجر للأرض هو الذي يبذر فيها، لا يبذر رب الأرض. ولهذا قال أبو الخطاب: هذه النصوص الكثيرة عن أحمد تدلُّ على أنه جوَّز المزارعة ببذر من العامل، كما ثبت في الصحيح (١) أنه عاملهم على أن يعمروها من أ موالهم. وحينئذٍ فكيف يجوز إلحاقُ فرعٍ بهذا الأصل مع مخالفته؟ ودَلَّ ذلك على أن الرواية التي اشترط فيها أن يكون البذر من المالك قياسًا على المضاربة قالها موافقة لمن قال ذلك، وهي مخالفة لهذه السنة التي قاس عليها. وأحمد أصوله توجب اعتبار المقاصد والمعاني دون مجرد اللفظ، كما يعتبرها مالك ﵀ وغير مالك من أهل المدينة. وفقهاء الحديث وفقهاء المدينة متفقون على هذا الأصل، وهو رعاية المقاصد في العقود. وأبو حنيفة يقول: الجنس بانفرادِه يحرمُ فيه النَّساء، وهو الرواية الأخرى عن أحمد واختياره، فلا يجوز بيع الشيء بمثله نَساءً. والقرض حجة على هذا القول، فإنه يجوز القرض، قرض الشيء بمثله مع التأخير. لكنْ أبو حنيفة يقول: أنا لا أجيز القرض إلا في المثليات، لا أجيزه إلا في المكيل والموزون. ومالك ليس عنده ربا الفضل، بل فيها ربا النساء، فهذا يجيب عن القرض. لكن الأكثرون يجوزون قرض الحيوان استدلالًا بالسنة، وأن النبي

стр. 3048

- ﷺ اقترض بعيرًا وردَّ خيرًا منه (١)، فقد ثبت أخذ الحيوان بمثله مع التأخير، وذلك مُبطِلٌ لقولِ من يقول: الجنس بانفراده يحرم النَّساء، فإنه لو جاز ذلك لم يجز قرض بعير ببعير مع التأخير. لكنْ أبو حنيفة لا يُجوِّز قرضَ غير المكيل والموزون، فلا يجوز بعير ببعير إلى أجل، لا قرضًا ولا بيعًا. وأحمد يجوِّزه قرضًا بخلاف البيع. وهل الواجب في الردّ الجنسُ أو القيمةُ؟ على وجهين، والجنس هو المنصوص. ولا يجوِّزه بيعًا في إحدى الروايات؛ لأن البيع يجب فيه الأجل، وأما القرض فإنه بذل المنفعة بلا عوض، ولهذا لا يجوز فيه التأجيل عنده. وكذلك أبو حنيفة لا يُجوِّز التأجيل في القرض، فإنه إذا جاز التأجيل فيه كان معنى بيع الشيء بجنسه نَسَاء، وذلك لا يجوز عند أبي حنيفة وأحمد في رواية. بل كلما يجب وفاء القرض وحده يحرم ربا النَّساء وحدَه. والشافعي وأحمد في رواية ومن وافقهما يُجوِّزون في غير الشيء الربوي كالحيوان يبيع بعضه بجنسه حالًّا وإلى أجلٍ متماثلًا ومتفاضلًا، ولا يجوّزون أن يُقرِضه ويشترط أكثر منه. وهذا تناقض، فإنه إذا جاز معاوضة بعضه ببعض حالًّا ومؤجلًا فالقرض لا يخرج عن هذا وهذا كما تقدم. وإذا أراد أن يُقرِضه بعيرًا ويشترط بعيرين قال: بعني بعيرًا

стр. 3049

ببعيرين، ولكن هنا يشترط يعني الحلول أو التأجيل بخلاف القرض، وليس هذا فرقًا، فإن الناس مع القرض قد يتفقون على أنه يوفيه في وقت معين، فلا يخرج هذا عما يقصده الناس بالقرض. فتبيَّن أن أظهر الأقوال قولُ مالك وأحمد في رواية، أنه إذا جمع النوعان حرم، فإذا باع الشيء بجنسه متفاضلًا إلى أجلٍ لم يجز، كما لا يجوز مثل ذلك في القرض، وإن تباعدت المقاصد ففيه نزاع. فقد تبين أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنَّساء حرم بالإجماع، مما فيه ربا الفضل، وفي غير ذلك عند أكثر العلماء، وأما إذا لم يكن إلا النَّساء فقط في غير الربوي فهذا يباح عند أكثر العلماء، كالبعير بالبعيرين إلى أجل. فصل وأما ربا الفضل بلا نَساءٍ فقد أشكل على السلف والخلف، فروي عن ابن عباس وابن مسعود ومعاوية أنه لا ربا إلا في النَّساء، كما ثبت في الحديث الصحيح عن أسامة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» (١). وبإزاء هؤلاء بعض المتأخرين الذي قال: إنه يجري في كلِّ مال. وهذا خلاف إجماع السلف، ولا معنى فيه. يحكى هذا عن أبي طاهر الرياشي.

стр. 3050

وقالت طائفة: إنما يحرم في الأصناف المنصوصة الستة، وهو قول قتادة وداود وأصحابه. وابنُ عقيل قد رجَّح في آخر عمره في كتابه في الخلاف هذا، وضَعَّف ماعُلِّلتْ به الأصناف الستة كلها، وقد بَسَطَ القول عليه، وبيَّن أنه إنما حُرِّم لسدِّ الذريعة فقط، كما قال ﷺ : «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإنّي أخاف عليكم الرَّمَاء» (١). فربا النسيئة حُرّم لما فيه من الفساد والظلم، وأما ربا الفضل فإنما حرم لسدِّ الذريعة. وأقرب الأقوال قول مَن قال: لا يُحَرَّم إلا في المطعوم المماثل المكيل والموزون، وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي في قول وأحمد في إحدى الروايات اختارها أبومحمد. ومذهب مالك قريب من ذلك، بل هو أرجح في ربا الفضل وربا النسيئة في اعتبار المقاصد، لكنه بالغ في سدِّ الذريعة، حتى حرَّمها مع صحة القصد ورجحان المصلحة. وأحمد يوافقه على بطلان الحِيَل وعلى سدّ الذرائع إلا إذا ترجحت المصلحة. وهذا أعدل الأقوال. و الفرق بين الحيل وسدّ الذرائع أن الحيلة تكون مع قصد صاحبها ما هو محرم في الشرع، فهذا يجب أن يُمنَع من قصده الفاسد. وأما سدُّ الذرائع فيكون مع صحة القصد خوفًا أن يُفضِي ذلك إلى الحيلة. والشارع قد سدَّ الذرائع في مواضع، كما بسطتُ ذلك في كتاب: «بيان الدليل على بطلان التحليل» (٢)، ولكن يُشترط أن لا تفوت مصلحة

стр. 3051

راجحة، فيكون النهي عما فيه مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، فأما إذا كان فيه مصلحة راجحة كان ذلك مباحًا، فإن هذه المصلحة راجحة على ما قد يُخاف من المفسدة. ولهذا يجوز النظر إلى الأجنبية للخِطبة لرجحان المصلحة، وإن كان النظر لغير حاجة لم يجز. وكذلك سفر المرأة مع غير ذي محرم منهيٌّ عنه، ويجوز لرجحان المصلحة، كسفر عائشة مع صفوان بن المعطّل لما كانت وحدها (١)، وكان سفرها معه خيرًا من أن تبقى ضائعةً. وكذلك هجرتها بلا محرم، كهجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بلا محرم (٢)، وزينب بنت النبي ﷺ أرسل لها رجالًا جاءوا بها. وقد تنازع الفقهاء في الحج، والأقوى أنه إذا تعذَّر حجها مع المحرم أن تحج إذا أمنت، لأن حجها مع من تأمنه أرجح من تفويت الحج. وقوله: «حُجَّ مع امرأتك» (٣) دليلٌ على أنه إذا أمكن سفرُها مع محرم لم تخرج وحدَها جمعًا بين المصلحتين، وأما إذا دار الأمرُ بين تفويتِ الحج وبين سفرِها بلا محرم سفرًا آمنًا كان حصولُ الحج أصلَحَ لها، فإن حصول الفساد في دينها إذا سافرت وحدَها، وهذا في طريق الحج نادر، ومع من تأمنُه معدوم، بخلاف سفرها بلا محرم لتجارة

стр. 3052

وزيارة، فإن هذه مظنة فساد دينها، كخلوة الأجنبي بها، وخلوته بها لرجحان المصلحة جائز. وأحمد في رواية المرُّوذي قد جوَّز السفر للكبيرة التي لا محرمَ لها وقد يئست من الزواج، فإنها من القواعد. وكذلك سفرها إلى المساجد الثلاثة هو طاعة وقربة تفوتها، فإذا أمنت لم يبعد جوازه، بخلاف السفر الذي ليس بواجب ولا مستحب، فإن هذا ليس فيه مصلحة راجحة في دينها، وفيه مفسدة في دينها، فإن انفرادها عن الزوج والمحرم مظنة حصول الشر في دينها، فإذا فوّت السفر الذي هو في نفسه طاعة، والسفر غير الطاعة، واعتبر في سفر الطاعة أن تكون آمنةً، فهذا قولٌ متوجه كما قاله كثير من العلماء. وهم متفقون على أن قوله: «لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم» (١) ليس على عمومه، فإنه يجوز لها سفر الضرورة، كسفر الهجرة، وكسفر زينب وأم كلثوم بلا زوج ولا ذي محرم. و النظر إلى الأجنبية مُنِع منه لأنه داعية للمحرَّم، يجوز للخاطب بالنصّ والإجماع للحاجة، وجُوِّز للشاهد والعامل، وجوَّزه أصحابنا وغيرهم بشرط عدم الشهوة، وجوَّزه أصحاب أبي حنيفة مع الشهوة، وإذا كان بلا شهوة يجوز عندهم مطلقًا إلى الوجه واليدين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي. ومن ذلك: الصلاة وقتَ الطلوع والغروب، نُهِي عنه لسدِّ الذريعة

стр. 3053

لئلا يُشبِه عُبَّادَ الشمس، فيجوز للمصلحة الراجحة، مثل قضاء الفوائت وغيرها. والصحيح أنه يجوز في ذوات الأسباب مطلقًا، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. فصل قال النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تَبِعْ ما ليس عندك»، لما قال له: يأتيني الرجل فيطلب مني البيعَ ليس عندي فأبيعه منه، ثم أذهب إلى السوق فأبتاعه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك» (١). وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : «لا يَحِلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شَرطانِ في بيع، ولا رِبْح ما لم يضمن، ولا تَبعْ ما ليس عندك» (٢). وللناس في هذا الحديث أقوال: قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير، يبيعها إن ملكها، فقال: «لا تبع ما ليس عندك»، أي لا تبع ما لا تملكه من الأعيان. ونُقِل هذا التفسير عن الشافعي أنه يجوز السَّلَم الحال، وقد لا يكون عند المستسلف ما باعه. فحملَه على الأعيان، ليكون بيعُ ما في الذمة جائزًا، سواء كان حالًّا أو مؤجلًا.

стр. 3054

وقال آخرون: هذا ضعيف جدًّا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئًا معينًا هو ملكٌ لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلبُ عبدَ فلانٍ أو دارَ فلانٍ، وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب فيقول: أريد طعامًا كذا وكذا، أو ثوبًا كذا وكذا، وغير ذلك. فيقول: نعم أُعطِيك، فيبيعه منه، ثم يذهب فيحصِّله من عند غيرِه إذا لم يكن عنده. هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس، ولهذا قال: «يأتيني فيطلب مني البيعَ ليس عندي»، لم يقل: يطلب مني ما هو مملوكٌ لغيري. فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئًا معينًا، كما جرت عادة الطالب لما يؤكل ويُلبَس ويُركب، إنما يطلب جنس ذلك ليس له غرضٌ في ملك شخصٍ بعينه، دون ما سواه مما هو مثله أو خيرٌ منه. ولهذا صار أحمد بن حنبل وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث في جواز السَّلَم المؤجل، فبقي هذا في السَّلَم الحال. والقول الثالث ــ وهو أظهر الأقوال ــ: إن الحديث لم يرد به النهي عن السَّلَم المؤجل ولا الحال مطلقًا، وإنما أريد به أن يبيع في الذمة ما ليس هو مملوكًا له ولا يَقدِر على تسليمه، ويَربح فيه قبلَ أن يملكه ويقدر على تسليمه وتضمنه. فهو نهيٌ عن السَّلَم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمته بشيء حال ويربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه. وإذا ذهب يشتريه قد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع

стр. 3055

الغرور والمخاطرة، وهو إذا كان السلم حالًّا وجبَ تسليمه عليه في الحال، وليس هو بقادرٍ على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه فيضمنه. وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئًا، بل أكلَ المال بالباطل. وعلى هذا فالسَّلَم الحال إذا كان المسلم إليه قادرًا على الإعطاء هو جائز، وهو كما قال الشافعي: إذا جاز المؤجل فالحال أولى بالجواز. ومما يبيِّن أن هذا مراد النبي ﷺ أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يُجوَّزْ بيع ذلك فبيعُ المعيّن الذي لم يملكه أولى بالمنع. وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة، وإنما سأله عن بيعه حالًا، فإنه قال: أبيعه ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: «لا تبع ما ليس عندك»، فلو كان السَّلف الحال لا يجوز مطلقًا لقال ابتداءً: «لا تبع هذا» سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيعُ ما في الذمة حالًّا لا يجوز ولو كان عنده ما يُسلمه، بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا معينًا، لا يبيع شيئًا في الذمة. فلما لم ينهه النبي ﷺ عن ذلك مطلقًا، بل قال: «لا تبع ما ليس عندك» = عُلِمَ أنه فرَّق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة. ومن تدبَّر هذا تبيَّن له أن القول الثالث هو الصواب. وإذا قيل: المؤخر جائز للضرورة، وهو بيع المفاليس، لأن البائع

стр. 3056

احتاج إلى أن يبيع إلى أجل، وليس عنده ما يبيعه الآن، وأما الحال فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة لبيع موصوف في الذمة، أو يبيع عينًا موصوفة غائبة، لا يبيع شيئًا مطلقًا، بل هذا ممنوع، فلا نسلم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما من مصالح العالم. والناس لهم في المبيع الحال والغائب ثلاثة أقوال: منهم من يجوِّزه مطلقًا، ولا يجوِّزه معينًا موصوفًا، كالشافعي في المشهور عنه. والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف فالمعين الموصوف أولى بالجواز، فإن المطلق فيه غررٌ وخطر وجهلٌ أكثر من المعيّن. فإذا باع حنطةً مطلقةً فبالصفة أولى، بل ولو بيع المعيَّن بلا صفة، وللمشتري الخيار إذا رآه، جاز أيضًا، كما نُقِل مثلُ ذلك عن الصحابة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. وقد جوَّز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السَّلَم الحال بلفظ البيع. والتحقيق أنه لا فرقَ بين لفظٍ ولفظٍ، ونفسُ بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضُها يُسمَّى سَلفًا إذا عجّل له الثمن، كما في «المسند» (١)

стр. 3057

عن النبي ﷺ أنه نهى أن يُسلم في حائطٍ بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحُه. فهو إذا بدا صلاحُه وقال: أسلمتُ إليك في عشرة أوسُقٍ من تمر هذا الحائط جاز. كما يجوز أن يقول: ابتعتُ عشرةَ أوسُقٍ من هذه الصُّبرة، ولكن التمر يتأخر قبضُه إلى كمالِ صلاحِه، فإذا عجل له الثمن قيل له سلف، لأن السلف هو الذي تقدم، والسالف: المتقدم، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]. والعرب تُسمّي أول الرواحل: السالفة، ومنه قول النبي ﷺ : «الحقي سلفنا الخيّر عثمان بن مظعون» (١)، وقوله: «حتى تنفردَ سالفتي» (٢) وهي العنق. ولفظ «السلف» يتناول القرض والسَّلَم، لأن المقرض أيضًا سلَّف القرضَ، أي قدَّمه وعجَّله، لكن هذا تبرع بالمنفعة، وفيه حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لا يحلُّ سلفٌ وبيع، وشرطانِ في بيع، ولا ربح ما لم يُضمَن، ولا بيع ما ليس عندك» (٣). ومنه الحديث أن النبي ﷺ استلفَ بَكْرًا وقضَى جملًا رَبَاعيًا (٤). والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الربح، وهو تاجر، فيسلف

стр. 3058

بسعر، ثم يذهب فيشتري بأرخصَ منه بمثل ذلك الثمن، فإنه قد يكون أتعبَ نفسَه لغيرِه بلا فائدةٍ. وإنما يفعل هذا من يتوكل لغيره، فيقول: أعطِني فأنا أشتري لك هذه السلعة، فيكون أمينًا. أما أنه يبيعها بثمن معين يقبضه، ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال، فهذا لا يفعله عاقل. نعم إذا كان هناك تأخير، فقد يكون محتاجًا إلى الثمن فيستسلفه، وينتفع به مدةً إلى أن تحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السَّلَم المؤجَّل، وهو الذي يُسمَّى بيع المفاليس، فإنه يكون محتاجًا إلى الثمن وهو مفلس، وليس عنده في الحال ما يبيعه، ولكن له مالٌ يأتي من بعدِه من تمرٍ أو مغلٍّ أو غيرِ ذلك، فيبيعه في الذمة، فهذا يفعله مع الحاجة، ولا يفعله بدون الحاجة إلا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال، ويرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسَّلَم. فإن المستسلف يبيع السلعةَ في الحال بدون ما يساوي نقدًا، والمُسْلِف يَرى أنه يشتري بها إلى أجل بأرخصَ مما يكون عند حصولها، وإلّا فلو علم أنها عند الأجل كحصول الحنطة في البيدر تباع بالسَّلَم لم يسلم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة، وإذا قصد الآخر قرضه ذلك قرضًا، ولا يجعل ذلك سلَمًا إلا إذا ظنَّ أنه أرخص في الحال وقت الأجل. فالسَّلَم المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثمن. وأما الحال إن كان عنده فقد يكون محتاجًا إلى الثمن، فيبيع ما عنده معينًا تارةً وموصوفًا أخرى، وأما إذا لم يكن عنده فإنه لا يفعله إلا

стр. 3059

إذا قصد التجارة والربح، فيبيعه بسعرٍ ويشتري بأرخص منه، ثم يذهب. هذا الذي قدَّره قد يحصل كما قدَّره، وقد لا يحصل، بل قد لا تحصل له تلك السِّلعة التي تسلَّف فيها، وقد لا تحصل إلا بثمنٍ أعلى مما تَسلَّفه، فيندم. وإن حَصَلَ بسعرٍ أرخصَ من ذلك ندم المُسلِف إذا كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الرخص. فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري. وكذلك بيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح والمضامين، ونحو ذلك مما هو قد يحصل وقد لا يحصل، وهو من جنس صاحب القمار والميسر. والخطر خطران: خطر التجارة: وهو أن يشتري السلعة يَقصِد أن يبيعها بربحٍ، ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لا بد منه للتجَّار، والتاجر يتوكل على الله يطلب منه أن يأتي من يشتري السلعة، وأن يبيعها بربح، وإن كان قد يخسر أحيانًا، فالتجارة لا تكون إلا كذلك. والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكلَ المال بالباطل، فهذا الذي حرَّمه الله ورسوله، مثل بيع الملامسة، والمنابذة، وحبل الحبلة، والملاقيح، والمضامين، وبيع الثمار قبل بُدوّ صلاحِها. وفي هذا يكون أحد الرجلين قد قمرَ الآخر وظلمَه، وفي هذا يذم المظلوم للظالم، بخلاف التاجر الذي اشترى السلعة، ثم بعد هذا نقصَ سعرُها، فهذا من

стр. 3060

الله ليس لأحدٍ فيه حيلةٌ، ولا يتظلم مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده. والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره، وأكثر الناس لو علموا لم يشتروا منه، بل يذهبون هم فيشترون من حيث اشترى هو، وإن قُدِّر أن منهم من يعلم ويشتري كما لو كانت عنده، لكونه يشتريها من مكانٍ بعيد، أو يشتري جملةً، ونحو ذلك مما قد يتعسَّر على المشتري منه، وإنما يفعل ذلك من ظنَّ أن هذا الربح هو الربح لو كانت عنده. فلو قُدِّر أن السلعة رخيصة أرخص من العادة، وأن هذا قد أربحه ما لا يصلح في مثلها ندمٌ، فهو يشتمل كثيرًا على ندم هذا وهذا، كما يشتمل على مثل ذلك سائرُ أنواع بيع الغرر. وليس هذه المخاطرة مخاطرة التجارة، بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، كبيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح، وبيع المضامين، وبيع العبد الآبق والبعير الشارد، ونحو ذلك. فإذا اشترى التاجر السلعةَ وصارتْ عنده ملكًا وقبضًا، فحينئذٍ دخلَ في خطر التجارة، وباعَ بيعَ التجارة كما أحلَّها الله تعالى بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقوله ﷺ : «ولا شرطانِ في بيعٍ» (١) هو كنية (٢) عن بيعتين في بيعة،

стр. 3061

مثل أن يتفقا على أن يبيعه بمئةٍ نسيئةً ويبتاعه بثمانين نقدًا، وهو بيع العِيْنة. وأما من فسَّره بأنهما شرطانِ في العقد الواحد أكثر من شرطٍ واحدٍ، ثم منهم من نهى عن هذا مطلقًا، كما نُقِل عن أحمد، ومنهم من قال: هذا في نوعٍ من الشروط، وهو ما ليس من مصلحة العقد= فهي أقوال مرجوحة، وليس في ذلك ما يقتضي النهي. والله أعلم.

стр. 3062

فصل في أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى

стр. 3063

قال الشيخ الإمام العلَّامة أوحدُ (١) العصر وفريدُ الدّهر أبو العبَّاس أحمدُ ابن تيمية رحمه الله تعالى آمين: الحمدُ للّهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتَّقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام الأتمَّانِ الأكملانِ على رسولِه محمدٍ وآلهِ وأصحابهِ والمؤمنين والتّابعين أجمعين. أمَّا بعد، فاعلم أنَّه ليس في القرآنِ لفظة زائدة لا تفيد معنى، ولا كلمة قد فُهم معناها [مما] قبلها فأُعيدت لا لمعنى، أو لمجرّد التأكيد المحض دون فائدة جديدة، وهذا في اللفظ المستقلّ بنفسه، بخلاف الحروف التي لا تستقل كالباء واللام. فإنْ قيل: فما تصنع في هذه الألفاظ التي وردت يُوهِمُ ظاهرها خلافَ هذا: منها قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومنها قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ومنها قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].

стр. 3064

ومنها قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]. و ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]. ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤]. [ومنها قوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]. ومنها قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]. ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. ومنها قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]، ﴿وَكَفَى

стр. 3065

بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فإنَّ الباءَ هنا زائدة. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]، والخالق هو البارئ. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢]. و ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥].

стр. 3066

وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] في كل آية. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: ١٠] والتولِّي لا يكون إلَّا مدبرًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. فالجواب: أنَّه [ليس] بحمد الله في شيء من هذه الآيات ما يخالف ما ذكرناه، وليس فيها لفظٌ إلَّا و [هو] يفيد معنًى زائدًا، ونحنُ نُبيّنُ ذلك بعون الله تعالى وتأييده آية آية. أمّا قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فقد قيل في جوابه: إنَّهُ سِيق لدفعِ توهّم احتمال التخيير، فإنَّ الواو قد تأتي بمعنى أو، فلمّا قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ زال هذا الاحتمال (١). وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّ [عطف] السبعة على الثلاثة يحتمل معنيين: أحدهما: أنْ تكون سبعة خارجة عن الثلاثة.

стр. 3067

والآخر: أنْ تكون سبعة بالثلاثة التي قبلها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]. فهذه أربعةُ أيامٍ باليومين اللذين قبلهما، ولو كان ذلك لكانت أيام الخلق ثمانية؛ لأنَّه قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١١ - ١٢]. فاقتضى أنْ يكون مجموع ما تقدّم أربعة. فلمّا قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، علمنا أنَّ السبعة مستقلة لا تدخل فيها الثلاثة المتقدّمة، وقوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾، أي: كاملة في ثوابها [كما هي كاملة في حسابها]. وأحسن منه أنْ يُقال: لا يُعتبر (١) إلَّا كاملة لا نقص فيها، ولا يقوم الأكثرُ فيها مقام الجميع، بل لابدّ من كمالها. والله أعلم. وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، ففيه فائدة زائدة، وهو أنَّ قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾، المراد به دخول العشر في أيّام الموعد، فقوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ رافعٌ

стр. 3068

لتوهّم أنْ تكون العشر لغير مواعدة، فلمّا أدخلها في الميقات علم أنَّ المواعدة تناولتها كما تناولت الثلاثين، والتّمام وإنْ أشعر بها فليس في الصراحة كقوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّ الله واعده ووقَّت له للميعاد ثلاثين ليلة، ثم أخبر أنَّه أتمَّها بعشرٍ، فلا يُدْرَى انقضى أجل الميقات عند انتهاء الثلاثين، وكانت العشر تمامًا، أي زيادة بعد انقضاء أجل الميقات، [أو] إنّما كان انقضاؤه عند تمام الأربعين، وأنَّ الإتمام بعشرة هو زيادة في الأجل. فلمّا قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ علمنا أنَّ العشر دخلت في الأجل، فصارت جزءًا منه. وهذا كما تقول: اشتريت هذه السلعة من فلانٍ بتسعين، وأتممتها له مائة، فلا يُدْرَى هل أتممت الثمن بالعشرة، أو أتممتها بعد استيفاء الثمن، فإذا قلت: فتمّ له ثمن المبيع مائة، علمنا أنَّ العشرةَ صارت جزءًا من الثمن، والله أعلم. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ففيه فائدةٌ زائدةٌ، وهي أنَّ الطيران قد يستعمل في الخفَّة وشدَّة الإسراع في الشيء، منه قول الشاعر: فَطِرْنَا إلى الهَامَاتِ بالبيضِ والقَنَا (١)

стр. 3069

ومنه بيت الحماسيّة: طَارُوا إليْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا (١) فقوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ رافع لاحتمال هذا المعنى، وإرادته بلفظ الطائر ويطير. وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّه لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ﴾، لكان ظاهر العطف يوهم «ولا طائر في الأرض»؛ لأنَّ المعطوف عليه إذا قيّد بظرفٍ أو حال تقيّد به المعطوف، فكان ذلك يوهم اختصاصه بطير الأرض الذي لا يطير بجناحيه، كالدجاجِ والإوزِّ والبطِّ ونحوها. فلمّا قال: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ زال هذا التوهّم، وعُلِمَ أنَّه ليس الطائر مقيّدًا بما تقيّدت به الدّابة. وأيضًا ففيه تحقيق معنى الطيران وأنَّ المراد به هذا الجنس الذي يرونه يطير بجناحيه على اختلاف أنواعه وأجناسه أممٌ أمثالكم. وهذا استعمالٌ مطروقٌ للعرب، كما يقال: ما خلق الله إنسانًا يمشي على رجليه إلا وهو يعلم بأنَّ له خالقًا وفاطرًا. ونحوُهُ قول أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنه: «لقد توفِّي رسول الله ﷺ

стр. 3070

وما طائر يقلّب جناحيه في السماء إلا ذكَّرنا منه [علمًا]» (١). وبالجملة فليست اللفظة خالية عن معنى زائد. وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، و ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]. فقد قيل: إنَّهُ رافعٌ لتوهّم إرادة حديث النفس، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]. وأحسن منه أنْ يقال: حيث ذكر الله سبحانه ويقولون بألسنتهم ويقولون بأفواههم، فالمراد به أنَّه قولٌ باللسان مجرد لا معنى تحته، فإنَّه باطلٌ، والباطل لا حقيقة تحته، وإنّما غايته وقصاراه أنَّه حركةُ لسانٍ مجرَّد عن معنى، فليس وراء حركة اللسان به شيء (٢).

стр. 3071

وهذا استعمالٌ مطَّردٌ في القرآن، فتأمَّلْه تجدْه كما ذكرت لك. وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فإنَّه سبحانه لمّا دعاهم إلى التفكّر والتعبير وسمع أخبار مَن مضى من الأمم، وكيف أهلكهم الله تعالى بتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]. قال ابن قتيبة (١): وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؛ لأنَّ الله تعالى أراد أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قومٍ أهلكهم الله تعالى بالكفر والعتو، فيروا بيوتًا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرًا يشرب أهلها منها قد عطّلت، وقصرًا بناه ملكهم بالشِّيد قد خلا من السكن وتداعى بالخراب، فيتّعظوا بذلك ويخافوا من عقوبة الله التي نزلت بهم. ثم ذكر تعالى أنَّ أبصارهم الظاهرة لم تعمَ عن الذكر والرؤية، وإنّما عميت قلوبهم التي في صدورهم. قيل: لمّا كانت العين قد يُعنَى بها القلب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١]، جاز أنْ يُعنَى بالقلب العين، فإنَّ الشيء إذا أشبه الشيء وأطلق عليه اسمه، جاز إطلاق اسم مشبهه عليه

стр. 3072

أيضًا، لاسيما مع شدَّة اتصال العين بالقلب، فقيّد القلوب بذكر محلها دفعًا لتوّهم إرادة غيرها. وأحسن من هذا أنْ يقال (١): إنَّه ذكر محل العمى الحقيقي الذي هو أولى باسم العمى من عمى البصر، كما قال النبي ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢)، أي: هذا أولى بأنْ يكون شديدًا منه. وقوله: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردُّه اللقمة واللقمتان، إنَّما المسكين الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يُفطَن له فيتصدَّق عليه» (٣)، أي: هذا أولى باسم المسكين من الذي تسمّونه أنتم مسكينًا، ونظائر ذلك كثيرة. أي: فعمى القلب هو العمى الحقيقي، لا عمى البصر، فأعمى القلب أولى أنْ يكون أعمى من أعمى العين، فنبّه سبحانه بقوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، على أنَّ العمى هو العمى الباطن في العضو الذي محلّه الصدر، لا العمى الظاهر في العضو الذي محلّه الوجه. والله تعالى أعلم بما أراد من كلامه.

стр. 3073

وأمَّا قوله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤]، فليس على وجه التأكيد المجرد، بل [المراد] التقييد بالمرة الواحدة، ولمّا كانت النفخة قد يراد بها الواحدة من الجنس، وقد يراد بها مطلقة، كما [في] البقلة، وحبّة الحنطة، واللعنة، والهمة، ونحوها، وكان المراد التقييد بالمرة الواحدة من هذا الجنس، أتى بالواحدة ليدل على هذا المعنى، أي: أنَّ النفخ لم يكن نفختين، ولم يك [دكّ] الأرض والجبال بعد حملهما دكّتين، بل واحدة فقط، فعل المقتدر على الشيء المتمكن منه، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]. ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]، أي: لم يتابع عليهم الصيحة، بل أهلكناهم من صيحة واحدة. وأمَّا قوله : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]، فليس للتأكيد كما يظنّه طائفةٌ من الناس، وإنّما المراد الدك المتتابع، أي: دكًّا بعد دكٍّ. وهذا لا يفهم من قوله سبحانه: ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾، فقوله: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ فيه قدر زائد على مجرد الدكّ، وكذلك قوله تعالى: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾، ليس للتأكيد إذ المراد صفًّا بعد صفٍّ، أي: صفًّا يتلوه صفٌّ، وهو لا يفهم من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا﴾؛ لاحتمال أنْ يكونوا

стр. 3074

صفًّا واحدًا، بل هذا يكون ظاهر الكلام. ونظير هذا الحديث في صفة جماع أهل الجنّة: «دَحْمًا دَحْمًا» (١)، أي: وطْأً بعد وطءٍ. وأمَّا قوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]، فليس من التكرار من شيء، فإنَّ إضافة الزلزال يفيد معنًى زائدًا، وهو زلزالها المختص بها المعروف منها المتوقَّع منها، كما تقول: غضب زيدٌ غضبه، وقاتل قتاله، أي: غضبه الذي يعهد منه، وقتاله المختص به الذي يعرف منه، ومنه: أنا أبو النجْمِ وشعرِي شعرِي (٢) وأمَّا قوله : ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فهما جملتان مفيدتان معنيين: أحدهما: أن الله سبحانه إذا أمرهم بالأمر لا يعصونه في أمره. والثانية: أنهم لا يفعلون شيئًا من عند أنفسهم إنما فعلهم ما أمرهم به ربهم، فهم يفعلون ما يؤمرون لا ما لا يؤمرون، بل أفعالهم كلهم

стр. 3075

ائتمار وطاعة [لأمر] ربهم. وأمَّا قوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، فكلهم يفيد الإحاطة والعموم، ولا يلزم من قوله: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أنْ يكونوا كلهم، قال وذلك على الأكثر منهم، فكلهم رافع لهذا التوهم. وأما قوله سبحانه: ﴿جَمِيعًا﴾، فليس بتأكيد، ولو كان تأكيدًا لقال: أجمعون، ولم يكن منصوبًا، وإنما هو حال، أي: مجتمعون على الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. ومثله قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، ولو كان «جميعًا» هنا تأكيدًا لقال: أجمعين. وأما قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠، وص: ٧٣]، فالكلام في كلهم كما في ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾ [يونس: ٩٩]. وأما أجمعون فقد قالت طائفة منهم الزمخشري وغيره: أنه يفيد معنًى زائدًا غير ما يفيده كلهم، وهو أنَّ سجودهم وقع في وقتٍ واحدٍ، فاجتمعوا في السجود ولم يتخلف منهم أحد، فهما فائدتان.

стр. 3076

قال الزمخشري (١): «كل للإحاطة، وأجمعون للاجتماع، فأفادا معًا أنهم سجدوا عن آخرهم، وأنهم سجدوا جميعًا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات». وهذه فائدة زائدة حسنة، إلا أنه يقال: لو أريد هذا المعنى لكان منصوبًا على الحال، وكان وجه الكلام أنْ يقال: مجتمعين أو أجمعين، فلما رفعهم جعلهم إتْباعًا مجردًا لكلهم يفيد فائدته، ولهذا تقول: جاء القوم أجمعون، وإن تفرقوا في مجيئهم بعد أن يجتمعوا ولا يتخلف منهم أحد، قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤، ٩٥]، أي اجتمعوا كلهم في النار، ولا يدل ذلك على أنهم دخلوها وكبكبوا فيها مجتمعون (٢) في آنٍ واحد. وبالجملة فلفظ أجمعين وإعرابها يأبى هذا المعنى، ولا شك أنه يصدق قولك: جاء القوم أجمعون، وإنْ تفرقوا في المجيء، كما تقول: قُتل بنو فلان أو ماتوا كلهم [أجمعون]، وإنْ تباينت أوقات قتلهم وموتهم، وتأمل قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، هل يدل على أنه سبحانه يسألهم كلهم في آن واحد مجتمعين؟ أو يدل على أنه لا ينفك أحد عن السؤال وإن تعددت أوقات سؤالهم؟

стр. 3077

وقوله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، هل يدل على أنه كان يحصل لهم الهدى في آن واحد؟ أو يجتمعون على الهدى وإنْ تعددت أوقات هدايتهم؟ وقد يقال: أجمعون يستعمل في هذا وهذا بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥]، وقوله تعالى في أصحاب الصيحة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ولا ريب أنهم اجتمعوا في الهلاك، وأنَّ قوم موسى اجتمعوا في النجاة. ومنه قوله تعالى حكايةً عن يوسف عليه [الصلاة و] السلام: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]، فلم يرد بهذا أنْ يجتمعوا عنده وإنْ جاؤوا واحدًا بعد واحد، وإنما أراد اجتماعهم في المجيء إليه وأنْ لا يتخلف منهم أحد، وهذا يُعْلَمُ بالسياق والقرينة. ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظًا ومعنى أنَّ قوله تعالى: ﴿كُلُّهُمْ﴾، يفيد الشمول والإحاطة، فلابد أنْ يفيد أجمعون قدرًا زائدًا على ذلك، وهو اجتماعهم في السجود. وأما المعنى، فلأنَّ الملائكة لا يتخلف أحدٌ منهم عن امتثال الأمر ولا يتأخر عنه، ولا سيما وقد وقّت لهم بوقتٍ وحدّ لهم بحدٍّ، وهو التسوية ونفخ الروح، فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آنٍ واحدٍ، ولم يتخلّف منهم أحد، بل أتوا بالسجود على الفور، فلزم

стр. 3078

اجتماعهم فيه، فعلى هذا يُخرَّج كلام هؤلاء الفضلاء، والله أعلم. وأما قوله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] ونظائره، فهذا ليس بزائد، بل هو متضمن فائدة بديعة، وذلك أنَّ العرب تقول: كفيتُه الشيء، فعل متعد، ولم يجئْ عنهم: كفيتُ به، ويقولون: اكتفيت به، فهذا لازم، ولم يقولوا: اكتفيته. ثم قالوا: كفى بزيدٍ رجلًا، فتضمن معنى فعلين، أي: كفى زيدًا ما يشتمل عليه ويحوطه فاكتفى به، فأتى بكفى المتعدي، وأتى بالباء الدالة على الفعل اللازم، فأفاد هذا التركيب معنى الفعلين معًا، أي: كفى واكتفى، فاكتفى به أحدهما بصريحه والآخر بالحرف الدال عليه؛ ولهذا المعنى انتصب وكيلًا، وحسيبًا، وهاديًا، ونصيرًا، على التمييز أو الحال، والتمييز أحسن، وهذا من أسرار لغتهم التي لا يهتدي [إليها] إلا كل روحاني الذهن، لطيف الفهم، سلس القياد، يفهم المسائل [على تعدد أنواعها] في قوالب ألفاظها. ونظير هذا: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، في تشبيه معنى فعلين؛ أحدهما: بصريحه، والثاني: بحرفه المقتضي له، فكأنه في معنى يشرب ويروي بها، وهذا كثيرٌ في القرآن والكلام الفصيح. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، وقوله تعالى:

стр. 3079

﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، ففيه فائدة، وهي استغراق النفي؛ لأنّ حرف «من» للجنس، فإذا سلط النفي عليه مع مجروره أفاد استغراق النفي للجنس صريحًا؛ ولهذا لا يجوز أنْ يقابله بثبوت أكثر من واحد. فلو قلت: [ما] من درهمٍ عندي بل درهمان، كنت [مبطلًا] لاغيًا. ولو قلت: ما عندي درهم بل دراهم، لم يكن ذلك محالًا وكان كلامًا عربيًا. فبدخول «من» يتعين استغراق النفي صريحًا فلا يحتمل تأويلًا، وبدونها غايته أنْ يكون ظاهرًا لا يناقضه إثبات المتعدد، ولا ريب أنَّ هذه فائدةٌ جليلةٌ زائدةٌ على النفي الخالي من هذا الحرف. وأيضًا فقد قال سيبويه (١): ما من رجل في الدار، كأنه جواب لقول مَن قال: هل من رجل في الدار؟ فدخول «من» هنا يتطابق الجواب والسؤال، والله [سبحانه] وتعالى أعلم. وأما قوله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فليس بتكرار، بل هي معانٍ متغايرة بينهما قدر مشترك، وبيانه أنَّ الإيجاد يتعلق بالمادة وبالصورة وبمجموعهما، فإنْ تعلق بالمادة فهو برؤه، ولا يقال للمصور: إنَّه بارئ باعتبار تصويره، وإنما البارئ من برأ الشيءَ من العدم إلى الوجود، وإنْ تعلق بالصورة فهو تصوير، ويقال

стр. 3080

لفاعله: المصور، والخالق ينظمهما معًا، فالبارئ للمادة، والمصوّر للصور، والخالق لهما جميعًا، فأين التكرار؟ وأما قوله : ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]، فليس للتكرار والتأكيد المحض، وليس الموضع موضع تأكيد، بل لما كان النهي واقعًا على التعديد والاثنينية دون الواحد أتى بلفظ الاثنين. لأنَّ قولك: لا تتخذ ثوبين، يحتمل النهي عنهما جميعًا، ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما. فإذا قلت: ثوبين اثنين، عَلِمَ المخاطب أنك نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد، وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ثوب واحدٍ. فتوجه النهي إلى نفس التعدد والعدد، فأتى باللفظ الموضوع له الدال عليه، فكأنه قال: لا تُعدِّد الآلهة ولا تتخذ عددًا تعبد، إنما هو إلهٌ واحدٌ فلا تضُمَّ إليه غيره وتجعلهما اثنين فلا تكرار إذن. وفيه معنى آخر، وهو أنْ تكون «اتخذ» هذه هي التي تتعدى إلى مفعولين، ويكون اثنين مفعولها الأول، وإلهين مفعولها الثاني، وأصل الكلام: لا تتخذوا [اثنين] إلهين، ثم قدم المفعول الثاني على الأول، ويدل على التقديم والتأخير أنَّ إلهين أخص من اثنين، واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز وما لا يجوز، وأما اتخاذ اثنين إلهين فلا يقع إلا على ما لا يجوز، وقدم إلهين على اثنين إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين،

стр. 3081

فالنهي وقع على نفس الإلهية المتخذة، وعلى هذا فلابد من ذكر الاثنين والإلهين إذ هما مفعولا الاتخاذ، والله أعلم. وأما قوله : ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، و ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، فهذه فائدة ظاهرة، وله فائدتان لفظية ومعنوية: أما اللفظية: فصيانة الخبر عن التباسه بالتابع الصفة وعطف البيان، هذا عند جمهور النحاة، ونازعهم في ذلك بعض المتأخرين. وأما المعنوية: فهي إفادةُ انحصار الخبر في المبتدأ، فإذا قلت: زيدٌ هو القائم، كان في قولك: هو القائم، وحده لا غيره؛ ولهذا يقع في جواب مَن يقول: زيد وعمرو فاضلان، فتقول: زيد هو الفاضل. وتأمّل قول قوم شعيب له ﵊: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، تجده مُفهِمًا إنك لأنت الحليم الرشيد وحدك دوننا، ولسنا نحن بحلماء ولا راشدين. وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. وفيه فائدة ثالثة: وهي تحقيق نسبة الخبر إلى ذلك المبتدأ بعينه، كقول إخوة يوسف ﵊ له لما عرّفهم نفسه: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ حقًّا؟ فذاك الذي فعلنا به ما فعلنا أنت هو يقينًا؟ ﴿قَالَ أَنَا

стр. 3082

يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]. ونظير هذا: إنك أنت فلان؟ فيقول: نعم أنا فلانٌ. وهذه فوائد لم تكن تحصل بدون إدخال هذا الفصل، والله سبحانه وتبارك وتعالى أعلم. وأما قوله ﵎: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد أنكم. فقد قيل: أصلُ الكلامِ: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا. فإنه لو قال: أيعدكم أنكم إذا كنتم ترابًا وعظامًا، لطال الفصل بين أنَّ واسمها وخبرها، فأعاد أنَّ لتقع على الخبر. ونظير هذا قوله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٣]، لما طال الكلام أعاد أنَّ، هذا قول الزجاج وطائفة (١). وأحسن من هذا أن يقال: إن كلَّ واحدٍ من هاتين الجملتين جملةٌ شرطيةٌ مركبةٌ من جملتين خبريتين (٢)، فأكدت الجملة الشرطية بأنَّ،

стр. 3083

على حد تأكيدها في قول الشاعر: إنَّ مَن يدخلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جآذرًا وظِباءَا (١) ثم أكدت الجملة الخبرية (٢) بأنَّ إذ هي المقصودة، على حدِّ تأكيدها في قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء قوله ﵎: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، ولا يقال في هذا: «إنَّ» أعيدت لطول الكلام. ونظيره قوله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. ونظيره قوله ﵎: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فهما تأكيدان

стр. 3084

مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى أنَّ تأكيد قوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بأنَّ، غير تأكيد «من عمل سوء بجهالة فأنه غفور رحيم» له بأن، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به، وهو كثيرٌ في القرآن وكلام العرب. وأما قوله : ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. فهذا ليس من التكرار في شيء، فإنَّ «قولهم» خبر كان قدم على اسمها، و «أنْ قالوا» في تأويل المصدر، وهو الاسم، فهما اسم كان وخبرها، والمعنى: وما كان لهم قول إلا قول: ربنا اغفر لنا ذنوبنا. ونظير هذا قوله : ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأعراف: ٨٢]، والجواب قول، وتقول: ما لفلانٍ قولٌ إلا قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلا تكرار أصلًا. وأما قوله : ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩]، فهي من أشكل ما أورد، ومما أعضل على الناس فهمها. فقال كثير من أهل الإعراب والتفسير: إنه على التكرير المحض والتأكيد.

стр. 3085

قال الزمخشري (١): «﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من باب التكرير والتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧]، ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أنَّ عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم (٢) بذلك». هذا كلامه، وقد اشتمل على دعويين باطلتين: إحداهما: قوله: إنه من باب التكرير. والثانية: تمثيله ذلك بقوله : ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾. فإنَّ «في» الأولى هي على حد قولك: أزيد (٣) في الدار؟ أي: حاصل أو كائن. وأما «في» [الثانية] فمعمولةٌ للخلود، وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون، فلما اختلف العاملان ذُكِرَ الحرفان، فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدلالة الآخر عليه، ومثل هذا لا يقال له تكرار. ونظير هذا أنْ تقول: زيد في الدار نائم فيها، أو ساكن فيها، ونحوه مما هو جملتان مفيدتان لمعنيين.
следующие страницы →