← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

كان من الفقهاء مَن يقوله، فإنّ في هذا فسادًا مضاعفًا، فإن ذلك كان ممنوعًا من الشرب والزنا ولو بذل العِوَض، فإذا كان قد فعله بعِوَض وأُعِيد إليه العِوَض كان ذلك زيادةَ إعانةٍ له وإغراء له بالسيئات. وأما الصدقة فهي أوجَهُ، لكنْ يقال: هذا الباب أحقُّ به من غيره، ولا ريب إن كان صاحب هذا الباب فقيرًا فهو أحقُّ به من غيره من الفقراء، وبهذا أفتيتُ غير مرةٍ، وإذا كان التائب فقيرًا يأخذ منه حاجته، فإنه أحقُّ به من غيره، وهو إعانة له على التوبة، وإن كُلِّف إخراجَه تضرَّر غايةَ التضرُّر ولم يتُبْ. وأيضًا فلا مفسدةَ في أَخْذِه، فإنّ المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحِبه، وعينُه ليست محرمة، وإنما حرم لكونه استُعِين به على محرم، وهذا قد غُفِر بالتوبة فيحلُّ له مع الفقر بلا ريب، وأخذُ ذلك له مع الغنى وجهٌ، وفيه تيسيرُ التوبة على من كسب مثل هذه الأموال. وأما الربا فإنه قبض برضا صاحبه، والله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبيَّنَ له التحريم، بل قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣].

стр. 3012

وأيضًا فهذا وَسَطٌ بين الغريمين، فإن الغريم المدين ينهى أن يسقط عنه الزيادة، وهذا عنده غاية السعادة، وذلك لا ينهى أن يبقى له ما قبض، وقد عفا الله عما مضى. وأما تكليف هذا إعادة القرض فذلك مثل مطالبة الغريم بما بقي، وكلاهما فيه شططٌ وشدَّةٌ عظيمة، فهذا هذا. والله أعلم. فصلٌ في الربا قد تدبّرتُ مرَّاتٍ عَوْدًا على بدءٍ، وما فيه من النصوص والمعاني والآثار، فتبيَّن لي ــ ولا حول ولا قوة إلا بالله ــ بعد استخارة الله أن أصل الربا هو الإنْسَاء ، مثل أن يبيع الدراهم إلى أجلٍ بأكثر منها، ومنها أن يؤخر دينه ويزيد في المال. وهذا هو الربا الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية. وقد سُئِل أحمد بن حنبل عن الربا الذي لا شك فيه، فذكر هذا، وهو أن يكون له دَينٌ فيقول له: أتَقضِي أم تُربِي؟ فإن لم يَقضِه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل، فيربو المال على المحتاج من غير نفع حصل له، ويزيد مال المربي من غير نفع حصل منه للمسلمين. فهذا حرَّمَه الله تعالى؛ لأن فيه ضررًا على المحاويج، وفيه أكل المال بالباطل. وقد كان من العلماء المشهورين في زماننا غير واحدٍ يقولون: لا نعرف حِكَمَ تحريم الربا، وذلك أنهم نظروا في جملة ما يحرم، فلم يروا فيه مفسدةً ظاهرة. والتحقيق أن الربا نوعان: جلي وخفي ، فالجليّ حُرِّمَ لما فيه من الضرر والظلم، والخفيّ حُرِّمَ لأنه ذريعة إلى الجلي.

стр. 3013

ف ربا النَّسَاء من الجليّ ، فإنه يَضُرّ بالمحاويج ضررًا عظيمًا ظاهرًا، وهذا مُجرّب، والغَنِيّ يَأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن ماله رَبَا من غيرِ نفعٍ حصلَ للخلق، ولهذا جعل الله الربا ضدَّ الصدقات، فقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وقال لنبيه ﷺ في أول ما أنزل عليه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٤]. فنهى عن الربا الذي فيه ظلم الناس، وأمر بالإحسان إلى الناس المضاد للربا. وفي الصحيحين (١) عن ابن عباس عن أسامة أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة». وهذا الحصر يراد به حصول الكمال، فإن الربا الكامل هو في النسيئة، كما قال ابن مسعود: إنما العالم الذي يخشى الله. وكما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢]، ومثل ذلك كثير. فأما ربا الفضل فإنما نُهِيَ عنه لسدِّ الذريعة، كما في المسند مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث سعد: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإن

стр. 3014

أخاف عليكم الرَّمَاءَ. والرماء هو الربا» (١). وقد تنازع السلف والخلف في ربا الفضل ، فطائفة من السلف أباحَتْه ولم تُحرِّم منه شيئًا، وهذا مشهور عن ابن عباس، وهو مروي عن ابن مسعود ومعاوية، بل قد رُوي عنه أنه باعَ المَصُوغَ إلى أجلٍ، وبسبب ذلك فارقَهُ عبادة بن الصامت، وذهبَ إلى عمر ﵁ شاكيًا منه (٢). ويَروي عبادة حديث النبي ﷺ في الأصناف الستة (٣)، وقد قيل: كانوا في غزوة قبرص، وليس كذلك، فإن قبرص إنما غزاها معاوية في خلافة عثمان باتفاق الناس، وكانوا قد استأذنوا عمر فيها، فنهى لأجل ركوب البحر، ثم استأذنوا عثمان فأذِنَ لهم. وفيها تُوفِّيَتْ أمُّ حرام بنت مِلْحان، وقد ذكر النبي ﷺ هذه الغزاة (٤)، وبها احتجوا على جواز الغزو في البحر، مع ذكره غزو البحر في حديث (٥). لكن شكوى عبادة إلى عمر قد كان قبل ذلك في بعض المغازي،

стр. 3015

فإن معاوية فتح قَيْسَاريةَ، وكانت مدينة بالساحل عظيمة، ولعلّ النزاع كان فيها، وقد غنم المسلمون آنيةً من ذهب وفضة، فصار في الخُمُسِ منها ما صار، فباعَهم معاوية ذلك إلى العطاء. فصار بيع الإناء الذي وزنُه عشرون درهمًا بثلاثين درهمًا لأجل صيغتِه، والناس رغبوا في ذلك؛ لأنه إلى العطاء مؤخر عنهم، ويأخذون ذلك الساعة وينتفعون بها، فأنكر ذلك عبادة، وتقاولَ هو ومعاوية في ذلك، والقصة مشهورة (١). ولما أنكر أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة ذلك على ابن عباس، روى أبو سعيد حديث خيبر لما قال له وكيلُه: إنما نبتاعُ الصاعَ من التمر الجَنِيْب وهو جيد التمر، بالصاعين من الجمع وهو المخلوط، فقال: «إنه عين الربا، ولكنْ بِعِ الجمْعَ بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جَنِيْبًا»، وقال في الميزان مثل ذلك (٢). ثم اتفق الناس على تحريم ربا الفضل في الأعيان الستة التي جاءت بها الأحاديث، وهي من أفراد مسلم (٣) من حديث عبادة وغيره عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ سواءً بسواءٍ يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبِيعُوا حيث شئتم إذا كان يدًا بيدٍ».

стр. 3016

وتنازعوا فيما سوى ذلك على أقوال: فطائفة لم تُحرِّم ربا الفضل في غيرها، وهذا مأثور عن قتادة، وهو قول أهل الظاهر، وابنُ عقيل في آخر مصنفاتِه رجَّح هذا القولَ مع كونه يقول بالقياس، قال: لأن علل القياس في مسألة الربا عللٌ ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع القياس. وطائفة حَرَّمَتْه في كلِّ مكيلٍ وموزونٍ، كما روي عن عمار بن ياسر، وبه أخذ أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وغيره. وطائفة حَرَّمَتْه في الطعام وإن لم يكن مكيلًا وموزونًا، كقول الشافعي وأحمد في رواية. وطائفة لم تُحرِّمْه إلا في المطعوم إذا كان مكيلًا أو موزونًا، وهذا قول سعيد بن المسيّب والشافعي في قول وأحمد في الرواية الثالثة، اختارها الشيخ أبو محمد (١)، وهو قريب من قول مالك: القُوت وما يُصلِح القوتَ. وهذا القول أرجح الأقوال. وقد حكي عن بعض المتأخرين (٢) أنه يحرم في جميع الأموال، لكن هذا ما علمتُ به قائلًا من المتقدمين. فنقول: أما الدراهم والدنانير فالعلة فيهما الثمن، بدليل أنه يجوز

стр. 3017

إسْلافُهما في الموزونات من النحاس وغيره، ولو كان الربا جاريًا في النحاس لم يُبَع موزونٌ بموزونٍ إلى أجلٍ، كما لا يُباعُ تمرٌ بحنطةٍ ودراهمُ بدنانيرَ إلى أجلٍ، وهم يسلِّمون أن هذا خلاف القياس، والعلة إذا انتقضت من غير فرقٍ عُلِمَ أنها علة باطلة. وأيضًا فالتعليلُ بكونِه موزونًا أو مطعومًا عللٌ ليس فيها ما يُوجِب الحكم، بل طردٌ محض، كما بُسِط في غير هذا الموضع. ولكن الدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرَف تقويمُ الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا، لا تُرفع قيمته ولا تنخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسِّلعَ لم يكن لنا ثمنٌ نعتبر به المبيعاتِ، بل الجميع سِلَعٌ، والحاجة إلى أن يكون للناس ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة عامة، فإنه قد يحتاج إلى بيع ثمنٍ بغير إذنِ صاحبه، فلا يُباع إلا بثمن المثل، كتقويم الشِّقْصِ على من أعتقَ نصيبَه. والناسُ يشترون بالسعر شراءً عامًّا، فإنْ لم يكن سِعرٌ لم يُعرَف ما لبعضهم عند بعضٍ، وقد يُقوِّمون بينهم عُروضًا وغيرها ممن لا تعدل فيه الأنصباء إلَّا بالقيمة. ففي الجملة الحاجةُ إلى التقويم في الأموال حاجة عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تُعرَف به القيمة، وذلك لا يكون إلا إذا كان هناك ثمنٌ تُقوَّمُ به الأشياءُ وتُعتَبَر، وذلك إنما يكون إذا كان ذلك الثمن باقيًا على حالٍ واحدةٍ لا تزدادُ فيه القيمة ولا تنقُصُ.

стр. 3018

وقد حُرِّمَ فيهما ربا النَّسَاءِ لما فيه من الضرر كما تقدم، ولو أُبِيحَ ربا الفضل، مثل أن يبيعوا دراهمَ بدراهمَ أكثر منها، مثل أن يكون محتاجًا إلى دراهم خفافًا وأنصَافًا ومكسَّرةً فيشتريها، فلا يبيعه الصيرفي إلا بفضل باقٍ يأخذ منه من الصحاح أكثر من وزنها= صار ذلك تجارةً في الثمن، ومتى اتَّجروا فيها نقدًا تذرَّعوا إلى التجارة فيها نسيئةً. ولو أبيحت التجارة في الأثمان مثل أن يبيع دراهم بدراهم إلى أجل، لصارت الدراهم سلعةً من السلع، وخرجت عن أن تكون أثمانًا، فحرم فيها ربا الفضل، لأنه يُفضِي إلى ربا النَّسَاء، وربا النَّسَاء فيها يَضرّ وإن اختلفت بالصفات، لأنه يُخرِجها عن أن تكون أثمانًا. وإذا وقعت فيها التجارة قصدت صفاتها، فيقصد كلُّ واحدٍ ادخارَ ما يرتفع ثمنُه في وقت، كما يصنعون بالدراهم إذا كانت نقودًا ينقون خيارها، وكما يصنعون بالفلوس أحيانًا. وهذا كلُّه مما نُهِي عنه في الأثمان، فالأثمان المتساوية متى جُعِلَ بعضُها أفضلَ من بعضٍ حصلَ الفسادُ، بل لابدَّ أن لا تُقصَد لأعيانها، بل يُقصَدُ التوسُّلُ بها إلى السِّلَع. والناس كلُّهم يشتركون في التوسّل بها، وهي دائرة بين الناس بمنزلة العلامة، ولهذا في بعض البلاد يتخذون أثمانًا من نوع آخر، وهذا معنًى معقولٌ في الأثمان مختصٌّ بها، فلا يتعدّى إلى النحاس والحديد والقطن والكتَّان؛ فإنه لا فرقَ بين تلك وبين غيرها، بل المطعومات أشرف منها. وأما الأصناف الأربعة فالناس محتاجون إلى القُوتِ، كالأصناف

стр. 3019

الأربعة وكما يشابهها من المكيلات، فمن تمام مصلحة الناس أن لا يُتَّجَر في بيع بعضها ببعضٍ؛ لأنه متى اتُّجِرَ في ذلك خَزَنَها الناسُ، ومنعوا المحتاجَ منها، فيُفضِي إلى أن يَعِزَّ الطعام على الناسِ، ويتضررون بتقليل الانتفاع به، وهذا هو في بيع بعضها ببعضٍ إلى أ جل. فإنه متى بيعت الحنطة بالحنطة إلى أجل، أو التمر بالتمر، أو الشعير بالشعير أو نحوه، سمحت الأنفس ببيعها حالَّةً طمعًا في الربح إذا بيعت إلى أجل، وإذا لم تُبَعْ حالَّةً تضرر الناس، بل حينئذٍ لا تباع إلا بزيادة فيها، فيضر الناس. بخلاف بيعها بالدراهم، فإن من عنده صنف منها هو محتاج إلى الصنف الآخر، فيحتاج أن يبيعه بالدراهم ليشتري به الصنف الآخر، أو يبيعه بذلك الصنف بلا ربح. وعلى التقديرَيْن يحتاج إلى بيعه حالًّا، بخلاف ما لو أمكنه التأخر، فإنه يمكنه أن يبيعه بفضلٍ ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضلٍ؛ لأن صاحب ذلك الصنف يُربي عليه كما أربَى هو على غيره، فيتضرر هذا ويتضرر هذا مِن تأخُّر هذا ومِن تأخُّر هذا. فكان في التجارة فيها ضررًا عامًّا (١)، فنهي عن بيع بعضها ببعضٍ نساءً، وهذا من ربا النسيئة، وهو أصل الربا. لكن هنا النسيئة في صنفين معلَّلين، وهو كبيع الدراهم بالدنانير نَساءً، وهذا من ربا النسيئة، وهو ما ثبت تحريمه بالنصّ والإجماع. فربا النسيئة يكون في الصنف الواحد، وفي الصنفين اللذين مقصودهما

стр. 3020

واحدٌ، كالدراهم مع الدنانير، وكالأصناف الأربعة التي هي قوت الناس. وأما ربا الفضل فإذا باع حنطة بحنطة خير منها مدّ بمدّين، كان هذا تجارة فيها، ومن سوَّغ التجارة فيها نقدًا طلبت النفوس التجارة فيها نَساءً كما تقدم في النقدين، وإن لم يشترطوا ذلك بل قد يتعاقدان على الحلول. والعادة جارية بأنك تصبر عليَّ كما هو الواقع في كثير من السِّلع، وكما يفعل أرباب الحِيَل، يطلقون العقد وقد تواطأوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد نكاح التحليل وقد اتفقوا على أنه يطلّق، ويطلقون البيع على بيع الفضة بالفضة وقد اتفقوا على أنه باذل عنها ذهبًا، واتفقوا على أنه يبيعه السِّلعةَ إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن، ومثل ذلك كثير. كذلك يطلقون بيع الدراهم بالدراهم على أنها حالة، ويؤخر الطلب لأجل الربح. فكان يحرم ربا الفضل؛ لأنه ذريعة إلى ربا النَّساء، كما جاءت هذه العلة منصوصة عن النبي ﷺ : «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخافُ عليكم الرَّماءَ، والرماء هو الربا» (١)، وإلّا فمعلوم أنه مع استواء الصفاتِ لا يبيع أحدٌ مُدَّ حنطةٍ أو تمرٍ مُدًّا بمدٍّ يدًا بيدٍ، هذا لا يفعله أحد. وإنما يُفعَل هذا عند اختلاف الصفات، مثل أن يكون هذا جيدًا وهذا رديئًا، أو هذا جديدًا وهذا عتيقًا، وإذا اختلفت الصفات فهي

стр. 3021

مقصودة، ولهذا يجب له في القرض مثل ما أ قرضه على صفته، وكذلك في الإتلاف، لأنه في القرض لم يقصد البيع، وإنما قصد نفعه، فهو بمنزلة العارية. ولهذا قال النبي ﷺ : «منيحة الورق» (١)، ويقال فيه: أَعِرْني دراهمك، فهو يستعير تلك الدراهم ينتفع بها مدة ثم يردُّها، وعينها ليست مقصودة، ويرد جنسها، كما في القراض يرد رأس المال، ثم يقتسمانِ الربح، وعين ما أعطاه ليس مقصودًا، بل المقصود الجنس. فهذه أمورٌ معقولة جاءت بها الشريعة في مصالح الناس. ولما خفيت علة تحريم الربا أباحه مثلُ ابن عباس حبر الأمة ومثلُ ابن مسعود، فإن الحنطة الجيدة والتمر الجيد يقال لصاحبه: ألْغِ صفاتِ مالك الجيدة، لكن لما كان المقصود أنك لا تتَّجر فيها لجنسها، بل إنْ بِعْتَها لجنسها فلتكن بلا ربح ولا إلى أجل ظهرت الحكمة، فإن التجارة في بيعها لجنسها تُفسِد مقصودَ الأقوات على الناس. وهذا المعنى ظاهر في بيع الدراهم بالدراهم، وفي بيع التِّبر بالدراهم، لأن التبر ليس فيه صنعةٌ تُقصَد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قُصِد أن لا تفضل على جنسها، ولهذا جاء في الحديث: «تِبْره وعينُه سواء» (٢).

стр. 3022

فصل وأما المصوغ من الدراهم والدنانير، فإن كانت صياغة محرمةً كالآنية، فهذه يحرُم بيعُ المصاغة لجنسها وغير جنسها، وبيعُ هذه هو الذي أنكره عُبادةُ على معاوية. وأما إنْ كانت الصياغة مباحةً، كخواتيم الفضة، وكحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها من الفضة، وما أبيح من الذهب عند مَن يرى ذلك= فهذه لا يبيعها عاقلٌ بوزنها، فإن هذا سفَهٌ وتضييعٌ للصنعة، والشارع أجلُّ من أن يأمر بذلك، ولا يفعل ذلك أحدٌ البتة إلا إذا كان متبرعًا بدون القيمة. وحاجة الناس ماسَّةٌ إلى بيعها وشرائها، فإنْ لم يُجَوَّز بيعُها بالدراهم والدنانير فسدتْ مصلحة الناس. والنصوصُ الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها ما هو صريح في هذا، فإن أكثرها إنما فيه الدراهم والدنانير، وفي بعضها لفظ الذهب والفضة. وجمهور العلماء يقولون: لم يدخل في ذلك الحلية المباحة، بل لا زكاة فيها، فكذلك الحلية المباحة لم تدخل في نصوص الربا، فإنه بالصيغة المباحة صارت من جنس الثياب والسِّلع، لا من جنس الأثمان، فلهذا لم يجب فيها زكاة الدنانير والدراهم، ولا يحرم بيعها بالدنانير والدراهم. ومما يبيِّن ذلك أن الناس كانوا على عهد النبي ﷺ يتخذون الحلية، وكُنّ النساء يَلبسْنَ الحلية، وقد أَمرهنَّ النبي ﷺ يوم العيد أن

стр. 3023

يتصدَّقْنَ، وقال: «إنَّكُنَّ أكثر أهل النار» (١)، فجعلت المرأة تُلقِي حليها، وذلك مثل الخواتيم والقلائد. ومعلومٌ أن النبي ﷺ كان يُعطي ذلك الفقراء والمساكين، وكانوا يبيعون، ومعلومٌ بالضرورة أن مثل هذا لابدَّ أن يُباع ويُشترى، ومعلومٌ بالضرورة أن أحدًا لا يبيعُ هذا بوزنه، ومن فعل هذا فهو سفيهٌ يستحقُّ أن يُحْجَر عليه. كيف وقد كان بالمدينة صوَّاغون، والصائغ قد أخذ أجرتَه، فكيف يبيعه صاحبه ويخسر أجرة الصائغ؟ هذا لا يفعله أحد، ولا يأمر به صاحب شرع، بل هو مُنزَّه عن مثل هذا. ولا يُعرَف عن الصحابة أنهم أمروا في مثل هذا أن يباع بوزنه، وإنما كان النزاع في الصرف والدرهم بالدرهمين، فكان ابن عباس يبيح ذلك، وأنكره عليه أبو سعيد وغيره. والمنقول عن عمر إنما هو في الصرف. وأيضًا فتحريم ربا الفضل إنما كان لسدّ الذريعة، و ما حرم لسدِّ الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة ، كالصلاة بعد الفجر والعصر، لما نُهِيَ عنها لئلا يُتشبَّه بالكفار الذين يعبدون الشمس ويسجدون للشيطان، أبيح للمصلحة الراجحة، فأبيح صلاة الجنازة، والإعادة مع الإمام، كما قال النبي ﷺ لما صلَّى الفجر ورأى رجلين لم يصلِّيا وقالا: صلينا في رحالنا، فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجدَ جماعةٍ فَصَلِّيا

стр. 3024

معهم، فإنها لكما نافلة» (١). وكذلك ركعتا الطواف، وكذلك على الصحيح ذوات الأسباب مثل تحية المسجد وصلاة الكسوف وغير ذلك. وكذلك النظر للأجنبية لما حُرِّم سَدًّا للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيح للخُطَّاب وغيره. وكذلك بيع الربوي بجنسه، لما أمر فيه بالكيل والوزن لسدّ الحاجة أبيحَ بالخرص عند الحاجة، وغير ذلك كثير في الشريعة. كذلك هنا، بيع الفضة بالفضة متفاضلًا لما نُهِيَ عنه في الأثمان لئلا يُفضِي إلى ربا النَّساء الذي هو الربا، فنُهِيَ عنه لسدّ الذريعة، كان مباحًا إذا احتيج إليه للمصلحة الراجحة. وبيعُ المصوغ مما يحتاجُ إليه، ولا يمكن بيعه بوزنه من الأثمان، فوجب أن يجوز بيعُه بما يقوم به من الأثمان، وإن كان الثمن أكثر منه تكون الزيادة في مقابل الصيغة. والزيادة هنا تُعقَل، إذ مَنْ يأخذ لها أجرة بخلاف الزيادة في الأصناف الأربعة، فإنها من نعم الله المخلوقة، فجاز أن يؤمر ببذلها إذا بيعت بجنسها أحيانًا، وأما هنا فهو ظلم لمن أعطى أجرة الصياغة أن يقال: بِعْها واخسر الأجرة.

стр. 3025

والدراهم والدنانير لا تتقوّم فيها الصنعة، وأما النبي ﷺ وخلفاؤه فلم يضربوا درهمًا ولا دينارًا، بل كانوا يتعاملون بضرب غيرهم، وأول من ضربهما في الإسلام عبد الملك بن مروان. والسلطان إذا ضربهما ضربهما لمصلحة الناس، وإذا ضربهما ضاربٌ بأجر، والضارب الآخر ضربهما بأجر. والمقصود أن كلَّ معارٍ للناس لا يَتّجرون فيها كما تقدم، فلا يُشبه بيع بعضها ببعضٍ متساويًا ببيع المصوغ. ولهذا ما زال الناس يقايض بعضهم بعضًا الدراهم، مثل أن يكون عند هذا دراهم كاملة ثقيلة، وهو يطلب خفافًا وأنصافًا، فيطلب مَن يقايضه، فيقايضه الناس ولا يرون أنهم خسروا شيئًا، بخلاف ما لو طلب أن يبيعوه المصوغ بوزنه دراهم، فإنهم يرونه ظالمًا لهم معتديًا، ولا يجيبُه إلى ذلك أحد. وبالجملة فلابد من أربعة أمور: إما أن يقال: هذه لا تُباع بحالٍ، فهو ممتنع في الشرع. أو يقال: لا تُباع إلا بوزنها، ولا يُحْتال في بيعها بغير الوزن، وأيضًا لا يفعله أحد. أو يقال: لا تباع إلا بوزنها، ولكن احتالوا في ذلك حتى يبيعوها بوزنها، فهذا مما لا فائدة فيه، بل هو أيضًا إتعابٌ للناس وتضييعٌ للزمان به، وعيبٌ ومكرٌ وخداعٌ لا يأمر الله به. وإما أن يقال: بل تُباع بسعرها بالدراهم والدنانير، وهذا هو

стр. 3026

الصواب، وهذا القسم حاضر. ثم إذا بيعت بالسعر فإنها تباع بالنقد، وأما بيعها بالنَّساء فلا يُحتاج إليه، وهو محتمل، وقد يحتاج إليه. وهكذا سائر ما يدخل من الذهب والفضة في لباس، كلباس النِّساء الذي فيه ذهب وفضة، فإنه يباع بالذهب أو الفضة بسعره. و أواني الذهب والفضة وصيغتها محرمة ، وأُجْرة ذلك محرمة، فإذا بيعت لم تحرم الزيادة لكونها ربًا، بل لكونها غير متقوَّمة، وهو كبيع الأصنام وآلات اللهو. وهنا يتصدق بهذه الزيادة ولا تعاد إلى المشتري؛ لأنه قد اعتاض عنها، فلو جُمِع له بين العِوَض والمُعوَّض لكان ذلك أبلغ في إعانته على المعصية. وهكذا من باع خمرًا، أو باع عصيرًا لمن يتخذه خمرًا، فهذا يتصدق بالثمن. وهكذا من كسب مالًا من غناءٍ أو فجورٍ، فإنه يتصدق به. وكل موضع استوفى الآخر العِوَض المحرم، وهو قاصدٌ له غير مغرورٍ، فإنه يتصدق بالعِوَض، ولا يجمع له بين هذا وهذا، فإنه إذا حرم أن يعطاه بثمن يؤخذ منه، فَلَأَنْ يحرم أن يُعطاه ويُعطى الثمن أَوْلَى وأَحْرَى، اللهم إلا إذا تاب، أو كان في إعطائه مصلحة فيجوز لأجله. وعلى هذا فتجوز التجارة في الحلي المباح، بل ويجوز الأجل فيه إذا لم يقصد إلا الانتفاع بالحلية، لم يقصد كونها ثمنًا، كما يجوز بيع سائر السِّلَعِ إلى أجل، فإن هذه سلعة من السِّلَعِ التي ليست ربوية.

стр. 3027

فصل والذي يصنع من الأصناف الأربعة إن خرج عن كونه قوتًا كالنَّشا ونحوه لم يكن من الربويات، وإن كان قوتًا كان جنسًا قائمًا بنفسه، فلم يحرم بيع الخبز بالهريسة، ولا بيع الناطف (١) بالحبّ، فإن هذه الصنعة لها قيمة، فلا تضيع على صاحبها كالحلية، ولم يُحرِّم بيعَ بعضِ ذلك ببعضٍ لا نصٌّ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ، بل هذه الأجناس المختلفة يباع بعضُها ببعضٍ متفاضلًا. والنزاع في مسألة بيع اللحم بالحيوان مشهور، وحديثُه من مراسيل سعيد بن المسيب (٢)، وهو ــ إذا ثبت ــ فيما إذا كان الحيوان مقصودًا للَّحم، كشاةٍ يريدون ذبحها يبيعونها بلحم، يكون قد باعُوا لحمًا بلحمٍ أكثر منه من جنسٍ واحدٍ، واللحم قوتٌ مطعوم يوزن، فما كان مثله ألحق به. ولا يلزم إذا حرم البيع لما فيه من الضرر أن يحرم ذلك في الاستيفاء، مع أنه منفعة بلا ضرر. مثال ذلك مسألة «عَجِّلْ لي وأَضَعُ عنك» ، مثل أن يكون له عند رجلٍ مئة درهم مؤجلة، فيقول له: عَجِّلْ لي تسعين وأضَعُ عنك عشرة. فقد قيل: إن هذا لا يجوز، لأنه بيع مائة مؤجَّلةٍ بتسعين حالة. وقيل: يجوز كما نُقل عن ابن عباس وغيره، ورواية عن أحمد. وهذا أقوى، فإنه رُوِي عن النبي ﷺ أنه أَذِن في ذلك

стр. 3028

لما أراد إجلاءَ يهودَ، فقالوا: لنا ديونٌ على الناس، فقال: «ضَعُوا عنهم، وليُعجِّلوا لكم ذلك» (١). وذلك أنه هناك حرم لما فيه من ضرر المحتاج، وهو الذي يأخذ التسعين، فإنه يأخذها، ويبقى عليه مئة، فيتضرر ببقاء الزيادة في ذمته، وهنا المئة له فهو غني، وهو يضع منها عشرةً عن المدين، والمدين هو المحتاج في العادة، ففي هذا رِفقٌ بالمدينِ بالوضع عنه، وفيه منفعة للآخذ لحاجته إلى التعجيل، والآخذ هنا هو صاحب المئة، فكأنه استأجر من المئة بعشرة دراهم من عجَّلها له، بخلاف ما إذا بقيت المئة في ذمة المحتاج. فيجب أن يُفرَّق بين العوض الساقط من الذمة والعوض الواجب في الذمة، فالعوض هنا ساقطٌ من ذمة المدين لا واجب في ذمته. ومما يُشبه ذلك أنه روي حديث أنه نَهَى عن بيع الكالئ بالكالئ (٢)، أي المؤخر بالمؤخر. وإسناده ضعيف، لكن العمل عليه، مثل أنه يسلم مئةً مؤجلةً في غرارة قمح، فلا هذا قبض شيئًا ولا هذا قبض شيئًا، بل اشتغلت ذمة كل منهما بما عليه من غير منفعة، والمقصود هنا بالبيع

стр. 3029

قبض المبيع. وأما بيع التأجيل إذا كان فيه قبض أحد العِوَضَين بمصلحة القابض في ذلك، فاحتمل بقاء العوض الآخر في الذمة لمصلحة هذا، وإلا فالواجب تفريغ الذمم بحسب الإمكان، وهنا اشتغلت ذمة كل منهما بغير منفعة، فهذا متفق على المنع منه. وقد اشتهر أنَّه نهى عن بيع الدين بالدين، لكن هذا اللفظ لا يُعرَف عن النبي ﷺ ، ولكن الدين المطلق هو المؤخر، فيكون هو بيع الكالئ بالكالئ. وأما بيع دين موصوف حال بموصوف وقبضهما قبل التفرق، مثل بيع مئة مُدٍّ بمئة درهم، فهذا جائز بلا خلاف، وإذا تفرقا قبل التقابض لم يَجُزْ في الربويات عند الجمهور ولو عيّن، وعند أبي حنيفة التعيين كالمقبوض. وإذا بِيعَ ساقطٌ بساقطٍ، مثل أن يكون لهذا على هذا دراهم ولهذا على هذا دنانير، فيقول: بعتُ هذا بهذا، وتبرأ الذمتان= فهذا فيه قولان، والأظهر جواز هذا؛ لأنه بَرِئت ذمة كل منهما، فهو خلاف ما يشغل ذمة كل منهما. وكونه يشمله لفظ بيع دينٍ بدين، ولو كان هذا لفظ صاحب الشرع لم يتناول هذا، فإنه إنما يُراد بذلك إذا جُعِلَ على هذا دينٌ بدينٍ يُجْعَل على هذا، وهنا لم يبقَ على هذا دينٌ ولا على هذا دينٌ، فأيُّ محذورٍ في هذا؟

стр. 3030

بل هذا خيرٌ من أن يُؤمَر كلُّ واحدٍ منهما بإعطاء ما عليه، ثم استيفاء ما له على الآخر، فإن في هذا ضررًا على هذا وعلى هذا [في] مالهما لو كان معهما ما يوفيان، فكيف إذا لم يكن معهما ذلك؟ ينزه الشارع عن تحريمه، فإن الشارع لا يحرم ما ينفع ولا يضر. والشارع يُحرِّم أشياء لما فيها من المفاسد، فيغلط كثير من الناس فيُدخِلون في لفظِه ما لم يَقصِده، أو يُقوِّلونه أحاديث باطلةً لم يقلْها، مثل نَقْلِ بعضهم أنه نهى عن بيع وشرطٍ (١)، ونَقْل بعضهم أنه نهى عن قفيز الطحان (٢)، ونحو ذلك من الأحاديث الموضوعة. وقد يفهمون من كلامه معنًى عامًّا يحرمون به، فيفضي ذلك إلى تحريم أشياءَ لم يُحرِّمها الله ورسولُه، كما يُفضِي ذلك فيما ذكره من نصوص تحريم الأعيان وتنجيسها. وهذا قد دخل فيه على الأمة، يحرمون شيئًا من الأعيان والعقود والأعمال لم يحرمها الشارع، وقد ظنَّ كثير من الناس أنه حرَّمها، ثم إما

стр. 3031

أن يستحلُّوها بنوعٍ من الحِيَل، أو يقولون بألسنتهم: هي حرام، وعملهم وعمل الناس بخلافه، أو يَلزَمون ويُلزِمون أحيانًا ما فيه ضرر عظيم. فصل قد ثبت في الصحاح بل تواتر عنه ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبض، وقال: «من ابتاعَ طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفِيَه» (١). وكانوا يتبايعون الطعامَ صُبرةً، فنُهوا بأن يبيعوه في موضعه حتى ينقلوه، كما رواه البخاري (٢) عن ابن عمر. واضطرب العلماء هنا في تعليل هذا النهي ثم في تعميمه وتخصيصه، وإذا خُصَّ بماذا يخصّ؟ ثم هل حكم سائر المعاوضات كالبيع أم لا؟ فمنهم من قال: العلة في ذلك توالي الضمانين؛ لأنه قبل القبض من ضمان البائع، فإذا باعه صار مضمونًا على البائع الثاني وهو المشتري، فإذا تلف قبل القبض ضمن البائع الأول للمشتري الأول قيمته، والمشتري وهو البائع الثاني للمشتري الثاني قيمته، وقد يكون أقل أو أكثر. وهذا يعلِّل به من يقول به من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وتنازعوا في العقار.

стр. 3032

وأصحاب مالك وأحمد وغيرهما يبطلون هذا التعليل من وجهين: من جهة منع الوصف، ومنع التأثير. أما الوصف فيقولون: لا نُسلِّم أن كل مبيع قبل قبضه يكون مضمونًا على البائع، بل هذا خلاف السنة الثابتة، فقد قال ابن عمر: مضت السنةُ أن ما أدركتْه الصفقةُ حيًّا مجموعًا فضمانُه على المشتري (١). وهذا هو الحق، فإن المشتري قد ملكه وزيادته له، والخراج بالضمان، فإذا كان خراجه له كان ضمانه عليه، لكن إذا أمكنه البائع من قبضه ولم يقبضه. فإذا لم يمكنه كان البائع غير فاعلٍ ما أوجبه العقد، إما لظلمه وإما لكونه لم يتمكن من قبض الثمن، فيكون العقد لم يتم بعد، فيكون من ضمان البائع. وأما منع التأثير فهَبْ أنه يتوالى فيه الضمانانِ، فأيُّ محذور في هذا حتى يكون موجبًا للنهي؟ ولو اشتراه مئة واحدٍ من واحد رجع كل واحدٍ على الآخر بما قبّضه إياه من الثمن، ولو ظهر المبيع مستحقًّا لرجعوا بذلك. وفي الشِّقْص المشفوع لو تابعه عشرةٌ ثم أخذه الشفيع من المشتري الأول رجع كل واحدٍ بما أعطاه. ومن علَّل بوصفٍ فعليه أن يبيّن تأثير ذلك الوصف، إما لكون الشرع جعل مثله مقتضيًا للحكم، وإما لمناسبة تقتضي ترتيب الحكم

стр. 3033

على الوصف، فإن لم يظهر التأثير لا شرعيًّا ولا عقليًّا كان الوصف طرديًّا عديم التأثير. وآخرون قالوا: المنع يختص بالطعام لشرفه، كما اختص به الربا. وقيل: هو مختص بما يقدر بالكيل أو الوزن. وقيل: أو العدد أو الذرع، لكونه لا يدخل في ضمان المشتري حتى يُقدَّر بذلك، وهو يعود إلى توالي الضمانين. وهذه الأقوال وغيرها في مذهب أحمد وغيره. ولقائلٍ أن يقول: إنما نهي عن ذلك لأن المبيع قبل القبض غرر، قد يُسلِمه البائع وقد لا يُسلِمه، لاسيما إذا رأى المشتري قد ربح فيه، فيختار أن يكون الربح له. وهذا واقع كثير، يبيع الرجل البيع، فإذا رأى السعر قد ارتفع سعى في ردّ المبيع، إما بجحده، وإما باحتيال في الفسخ، بأن يطلب فيه عيبًا أو يدّعي عيبًا أو غرورًا. ومن اعتبر أحوال الناس وجدَ كثيرًا منهم يندم على المبيع، وكثيرًا ما يكون لارتفاع السعر، فيسعى في الفسخ إن لم يتمكن من المنع بيده، وإلا فإذا تمكن من ذلك فهنا إذا باع قبل القبض فإنه كثيرًا ما يُفضِي إلى ندم البائع، فيكون قد باع ما ليس عنده، ويحصل الضرر للمشتري الثاني، بأن يشتري ما يظن أنه يتمكن من قبضه، فيُحال بينه وبينه، وهذا من بيع الغرر. وهذا بخلاف ما لو كان بيده ودفعه له، فإنه لا يطمع أن يكون الربح له. وكذلك الموروث لا حقَّ فيه لغير الوارث. وعلى هذا فالأقوى أنه يجوز فيه التولية والشركة، كما قال مالك

стр. 3034

وغيره؛ لأن المحذور إنما يقع إذا كان هناك ربح، ولا ربح في التولية والشركة. وكذلك يجوز بيعُه من بائعه؛ لأنه لا محذور فيه، وقد قال ابن عباس: لا أحسب كلَّ شيءٍ إلا بمنزلة الطعام (١)، ورَوى أنه نُهي عن بيع ما لم يقبض (٢). ولا ريب أن الضرر يقع في الطعام أكثر، ويقع أيضًا في غيره، فلا ينبغي أن يباع شيء حتى يقبض، وإن كان مضمونًا على المشتري كالصُّبرة من الطعام، وقد يكون مضمونًا على البائع ويجوز بيعه، كالتمر إذا بدا صلاحُه ولم يتم، فكونه مضمونًا على هذا أو على هذا غير ملازمٍ لجواز بيعه والتصرف فيه. وهذه طريقة الخِرقي وغيره، وهي أصح الطرق، فالصُّبرة من الطعام قد ثبت عن ابن عمر أنه من ضمان المشتري، وأنهم كانوا يُنهَون عن بيعها حتى ينقلوها (٣)، والثمر على الشجر قد ثبت أنه من ضمان البائع حتى يكمل صلاحه، لأن المشتري لم يتمكن من جداده. ومع هذا فالصحيح أنه يجوز بيعه؛ لأن قبضه غير ممكن إلا بالتخلية، وقد خُلِّي بينه وبينه، كالعقار إذا خلّي بينه وبينه، وكمال الصلاح إلى الله لا إلى الناس. ولأنه في هذه الحالة كالمنفعة في الإجارة قُبِضتْ من وجهٍ دون وجهٍ، قُبِضَت العينُ وما استوفيت المنفعة. كذلك هنا خُلّي بينه وبينه بحيث لو أراد المشتري أن يأخذه حِصْرِمًا وبَلَحًا كان له ذلك.

стр. 3035

وليست الهبة وغيرها كالبيع، فإنه لا ربح هناك، فيجوز فيه. وما ملك بغير البيع فلا يُقصد به الربح، فيجوز التصرف فيه قبل قبضه؛ إذ ليس ذلك بمنصوصٍ ولا في معنى المنصوص، فلا يجوز منع الإنسان من التصرف في ملكه بغير حجة شرعية. فهذا هذا، والله أعلم. فصل و الربا البيّن الذي لا ريب فيه هو ربا النسيئة في الجنس الواحد، وكذلك قال الإمام أحمد لما سئل عن الربا الذي لا شك فيه، فقال: مثل ربا الجاهلية، يقول له عند محلّ الأجل: تَقضِي أو تُربِيْ؟ فإنْ قَضَاهُ وإلا زاده في الأجل وزاده الآخر في الدَّين. فإذا بيع دراهم معينة أو في الذمة بأكثر منها إلى أجل، فهذا من الربا العاصر المتفق عليه الذي نزل القرآن بسببه، فإنه ضررٌ محض بالمحتاج، وزيادة المال من غير عملٍ من صاحبه ولا نفعٍ للناس. فإن المعاوضة ثلاثة أنواع: أحدها: أن يشتري السلعة لينتفع بها بالأكل والشرب واللباس والركوب والسكنى، فهذا هو البيع الذي أحلَّه الله، ولا بدَّ منه لأهل الأرض. والثاني: التجارة، وهو أن يشتريها لينقلها إلى مكان آخر، ويحبسها إلى وقت فيبيعها بربح. وهذه التجارة التي أحلَّها الله بقوله تعالى:

стр. 3036

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فإن المشتري من صاحب التجارة يعلم أنه قد ربح عليه، وأن رأس المال مثلًا كان مئةً، وقد باعها بمئة وعشرة أو أقل أو أكثر، ولهذا يطلب المشتري من التاجر إخبارَه برأس المال لينظركم يربح عليه، وهذا بخلاف البائع الذي ليس بتاجر، كالذي حدثت على ملكه أو وَرِثَها أو وُهِبتْ له أو نحو ذلك. وقد ثبت في الصحيح (١) أنهم كانوا إذا اشتروا الصبرة من الطعام نُهُوا أن يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها؛ لأن هذا المشتري تاجرٌ إنما اشتراها ليربح فيها، فلا بدَّ أن يعمل فيها عمل التاجر، من نَقْلِها من مكان إلى مكان، أو حَبْسِها إلى حين يرتفع السعرُ، وأن يشتري جملةً ويبيع مفرقًا، ونحو ذلك. فأما إذا اشتراها وباعها في مكانها بربحٍ من غير أن يعمل فيها شيئًا فليس هذا بتاجر، وإن كانت صارت في ضمانه بتخلية البائع بينه وبينها. فليس كل مضمون يُباحُ ربحُه، ولكن ما ليس بمضمونٍ لا يباحُ ربحُه، فإن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمنْ، والبائع قبل التمكن من القبض هو ضامن للمبيع، ولا يحل له ربحُه ونماؤه، بل ذلك للمشتري، وكذلك المشتري قبل كمال القبض وبعد التمكن منه هو ضامن، ولا يباحُ له ربحُه.

стр. 3037

وقوله ﷺ : «من ابتاعَ طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه» (١) هو نهيٌ للتاجر الذي يشتري الطعام ثم يبيعه، فهذا ليس له أن يبيعه حتى يستوفيه، وإن كان معينًا مضمونًا عليه بالتعيين. وابن عمر روى هذا، وروى هذا. قال ابن عمر: مضت السنةُ أن ما أدركتْه الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من ضمان المشتري (٢). وهذا احتج به مالك وأحمد وغيرهما أن ما كان معينًا ولم يمنعه البائع فهو يكون مضمونًا على المشتري وإن لم يقبضه. وروى ابن عمر أنهم كانوا يُضرَبون إذا اشتروا الصُّبرةَ جُزافًا أن يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها. وإذا اشترى الصبرة جزافًا دخلت في ضمانه أيضًا، ومتى خلِّي بينه وبينها كانت مضمونةً على المشتري، لكن نُهِي أن يبيعوها في موضعها، وقد قال ابن عباس: لا أحسب كلَّ شيء إلا بمنزلة الطعام. وفي السنن أنه نهى عن بيع ما لم يقبض (٣)، وهذا خطابٌ للتجار، فإنهم إذا اشتروا شيئًا باعوه بربح، فلا يبيعوه حتى يقبضوه. وأيضًا فإذا باعوه قبل القبض بربح فقد يَندمُ البائعُ أو يَستقيلُ أو يَسعى في فسخ العقد، فإذا صار في قبضة التاجر أمن من ذلك، ولم يكتف في الصبرة إلا بنقلها إلى رحالهم. وأما غير التاجر فإنه إنما

стр. 3038

يشتري الشيء لينتفع به، لا يشتريه للتجارة، وإن بدا له فيما بعد أن يبيعه لم يقصد أن يبيعه بربح، وإن قصد ذلك فهو تاجر. والنهي إنما كان لمن يربح في السلعة، وهو التاجر في أحد القولين. ولهذا جوَّز مالك فيه الشركةَ والتوليةَ قبل القبض، فإنه لا ربح فيه، بل هو يبيعه بمثل الثمن، كأخذ الشفيع الشفعةَ بمثل الثمن، وكذلك جوَّز بيعَه من صاحبه بمثل الثمن قبل القبض. وهذا هو الصحيح، فإن النهي إنما كان للتاجر الذي يربح، فلا يبيع بربحٍ حتى يصيرَ في حوزته، ويعملَ فيها عملًا من أعمال التجارة، إما بنقلها إلى مكان آخر، كالذي يشتري في بلدٍ ويبيع في آخر، وإما حَبْسها إلى وقت آخر. وأقل ما يكون قبضها، فإن القبض عمل، فأما مجرد التخلية في المنقول فليس فيها عمل. وهل تكون التخلية قبضًا في المنقول؟ فيه روايتان عن أحمد، إحداهما: [تكون] قبضًا، كقول أبي حنيفة. وقد نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن، ولا تَبِعْ ما ليس عندك (١). قال الترمذي: حديث صحيح. ولما سأله ابن عمر أنهم يبيعون بالبقيع بالذهب ويقبضون الوَرِق، ويبيعون بالورق ويقبضون الذهب، فقال: «لا بأسَ إذا كان بسعر يومه» (٢). فلم يجوِّز بيعَ الدَّين ممن هو عليه بربح،

стр. 3039

فإنه يربح فيما لم يضمن، فإنه لم يقبضه ولم يصر في ضمانه، والربح إنما يكون للتاجر الذي نفعَ الناسَ بتجارته، فأخذ الربحَ بإزاء نفعِه، فلم يأكل أموال الناس بالباطل. ولهذا لما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا استثناء منقطع، فإن ربح التجارة ليس أكلًا بالباطل، بل بحق، وهو نفعُ التاجر للناس، فإذا كان له دينٌ وباعه من المدين بربح فقد أكل هذا الربح بالباطل، إذا كان لم يضمن الدَّين ولم يعمل فيه عملًا. ولما جوَّز النبي ﷺ اقتضاء الذهب من الورِق والورق من الذهب بالسعر، مع أن الثمن دَينٌ في الذمة لم يقبض، دلَّ على جواز بيع الدَّين ممن هو عليه بالسعر، فجوَّز ذلك في جميع الديون دَين السَّلَم وغيرِه، كما جوَّزه ابن عباس وأحمد في إحدى الروايتين ومالك على تفصيلٍ له. والذين قالوا: لا يجوز، كأبي حنيفة والشافعي والمشهور عن أحمد عند أصحابه، قالوا: لأنه بيع غير مقبوض، فلا يجوز بيعه قبل القبض وإن باعه ممن هو عليه، كما قالوا مثل ذلك في بيع الأعيان.

стр. 3040

وقد تقدم أن المحذور هو الربح، فإذا باعه ممن هو عليه بلا ربح جاز ذلك، كما قاله مالك وغيره، وجوَّز التولية فيه. وإن كان أحمد في إحدى الروايتين يجوِّز بيعَ دَين السَّلَم ممن هو عليه بالسعر، فكذلك يقال في بيع الأعيان قبل القبض ممن هو عليه بطريق الأولى. وابن عباس جوَّزه بالسعر، وقال: لا يربح مرتين. كذلك يخرج في التولية والشركة، إذ لا ربح هناك، وأيُّ فرقٍ بين دَيْنِ السَّلَمِ والثمن وكلاهما عوضٌ في الذمة؟ وقد جوَّز النبي ﷺ الاعتياض عنه بسعر يومه (١). وأحمد يعتبر هذا الشرط هو ومالك وغيرهما، وأبو حنيفة لا يعتبره. والحديث يدل على الأصلين: على بيع الدَّيْن ممن هو عليه وإن كان عوضًا، وعلى أنه لا يبيعه بربح. وكذلك سائر الديون، كبدل القرض وغيره. وقد اضطرب الناس في بيع مالم يقبض في حكم النهي في مورده، وما يقاس بالطعام، وعن أحمد فيه عدة روايات. من يجعل العلة توالي الضمانين، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في قول، يقولون: إن السلعة مضمونة على البائع قبل القبض، فإذا باعها المشتري صارت مضمونة للمشتري الثاني على المشتري الأول، فتوالى الضمانان. وهذه علة ضعيفة، فإنه إذا تلف انفسخ العقدان، ورجع كل واحد بثمنه.

стр. 3041

وأبو حنيفة استثنى العقار؛ لأنه مضمون عنده بالعقد إذا كان لا ينقل ويحول، ولو باع الشقصَ المشفوع من شخصٍ، ثم باعه من شخصٍ جاز، وإن أخذه الشريك بالشفعة انفسخت تلك العقود. وهذا فيه توالي ضمانات متعددة. ومالك وأحمد في رواية يخصّ النهي بالطعام لشرفه، لكن إذا كانت العلة أنه ربح من غير تجارة فجميع السلع سواء. وأحمد في المشهور عنه يقول: إن المعيَّن يدخل في ضمان المشتري بتمكنه من قبضه، سواء قبضه أو لم يقبضه، ومع هذا يقول في إحدى الروايتين ــ وهي التي اختارها الخِرقي ــ: إنه لا يبيعه حتى ينقله. فالقبض عنده قبضانِ: قبضٌ ينقل الضمان، وقبضٌ يبيح البيع، فالصُّبرة إذا لم ينقلها هي من ضمانه لأنها معينة، ولا يربح فيها حتى ينقلها. وغَلَّة الثمار هي مضمونة على البائع إذا أصابتها جائحة، ويجوز للمشتري أن يبيعها على الشجر في ظاهر مذهبه إذا خُلِّي بينه وبينها. فهنا قبضانِ: قبضٌ لا يبيح البيع والربح، وقبضٌ ينقل الضمان. وهذا كالمنافع في الإجارة، هي مضمونة على المؤجر حتى يستوفي، خلّي بين المؤجر وبين المستأجر، فإذا قبض المستأجر العين كان كقبض الشجرة التي عليها ثمرة، ثم كلاهما إذا تلف قبل التمكن من الانتفاع فهي من ضمان البائع والمؤجر، فالموجب لانتقال الضمان هو تمكن المشتري من الانتفاع، وأما البيع فيجوز إذا أخذها، لأنه عمل

стр. 3042

على التاجر بقبضِها، وحفظها كما يحفظ التاجر سلعتَه. فهذا المعنى إذا فهم انكشف به مقصود هذا الباب، فإنه قد أشكل على كثير من الفقهاء أولي الألباب. وبهذا يتبين أن أظهر القولين أنه يجوز أن يقول: «عَجِّلْ لي وأَضَعُ عنك»، كما نُقل عن ابن عباس وغيرِه. وقد روي أن اليهود لما أراد النبي ﷺ إجلاءَهم من المدينة قالوا: إن لنا ديونًا، فقال: «يُعجِّلُونها لكم، وضَعُوا عنهم البعضَ» (١). وهذا لأن صاحب المال هنا لم يربح، كما إذا قال: أجعلُ المئة بمئة وعشرين إلى سنة، بل نقصَ مالُه لأجل تعجيل القبض، والمدين ما ربحَ شيئًا، بل سقط عن ذمته. فهذا مقصوده استيفاء الدَّيْن لا بيعُ الدَّيْن، ولهذا جازت الحوالة لأنها إيفاء. ولهذا جوَّز مالك وأبو حنيفة وغيرهما بيع الدَّيْن الساقط بالساقط، إذا كان لهذا على هذا دراهم، وللآخر ذهب، فقال: أسقط هذا بهذا، فهذا يجوز في أظهر القولين، فإن النبي ﷺ لم ينهه عن بيع الدَّين بالدَّين، ولكن رُوي أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، مع ضعف الحديث. لكن بيع المؤخر بالمؤخر ــ مثل أن يُسلم شيئًا مؤخرًا في الذمة في شيء في الذمة ــ لا يجوز باتفاقهم إذا كان كل منهما شغل ذمته بما للآخر، من غير منفعة حصلت لأحدهما. والمقصود بالبيع النفع، فهذا يكون أحدهما قد أكل مال الآخر بالباطل إذا قال: أسلمتُ إليك

стр. 3043

مئة درهم إلى سنةٍ في وَسَقٍ حنطةٍ ولم يُعطِه شيئًا، فإن هذه المعاملة ليس فيها منفعة بل مضرة، هذا يطلب هذا بالحنطة، وهذا يطلب هذا بالدراهم، ولم ينتفع واحد منهما، بل أكل مال الآخر بالباطل من غير نفع نفعه به، وهذا بخلاف بيع الساقط بالساقط، فإن براءة ذمة كل منهما منفعة له. وكذلك إذا قال: عَجِّلْ لي وأَضَعُ عنك، فالمعجِّل برئتْ ذمتُه بإقباض البعض، فأبرأه من الباقي، وهذا منفعة له، بخلاف ما إذا زِيْدَ عليه في الدَّين، فذاك يضره. وصاحب الدَّين انتفع بتعجيل القبض، وكلٌّ منهما انتفع. وهنا المؤجَّل صار حالًّا بل ساقطًا، ليس مثله أن يبيعه دراهم إلى أجل بدراهم معجلة، فإنه هنا أجَّل عليه ما لم يكن مؤجَّلًا، فشغلَ ذمتَه بغير منفعة، وهذا ضرر، وأَمْرُ الشارع عدلٌ وحكمةٌ ورحمةٌ، وهو إ نما ينهى الناس عما يضرُّهم، لا عما ينفعهم. ولما نهى عن بعض الرُّقى نهى عما فيه شرك، وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (١)، وقال: «لا بأسَ بالرُّقى ما لم يكن شركًا» (٢). وأكلُ المال بالباطل إضرارٌ وظلم، وذلك نوعانِ: ربا وميسر، والقرآن حرَّم هذا وهذا، فالربا فيه زيادة قبضٍ بلا معنى، والميسر فيه أخذ المال على باطل، ومخاطرة يتضمن أكل المال بلا منفعة.

стр. 3044

فهذان نوعانِ مباحانِ: اشتراء السلعة لينتفع بها، أو ليتجر فيها يقصد فيها الربح، وكلاهما مباحٌ بنصِّ القرآن والسنة وإجماع الأمة. والثالث: الربا، وهو أخذُ مالٍ زائد بلا عوضٍ يقابلُه، بل أكلٌ له بالباطل، مثل مئة بمئة وعشرين إلى أجل، وهذا بيِّنٌ في النَّساء في الجنس، وهو متفق على تحريمه في النَّقْدَيْنِ وفي الصنف الربوي كالأعيان الستة، لا يبيع حنطةً بأكثر منها إلى أجل، ولا شعيرًا ولا تمرًا ولا زبيبًا ولا ملحًا. وهو أيضًا متفق عليه بين المسلمين في القرض من سائر الأجناس، فإذا أقرضَ ما يُكال وما يُوزَن وشَرطَ أكثر منه، لا يجوز ذلك باتفاقهم. ولو أقرضه ما يُوزن، كالقطن والكتان والحديد وغيره، وشرطَ أكثر، لم يجز بالاتفاق. وكذلك لو أقرضه ما يُكال ولا يؤكل، كالسِّدر والخِطْمي والأُشنان وغير ذلك، وشرطَ أكثر، لم يجز باتفاقهم. وهذا من أقوى الحجج على أن الجنس الواحد إذا اجتمع فيه نوعا الربا التفاضل والنَّساء، لم يجز ذلك، وإن كان لا يجري فيه ربا الفضل، فإنهم متفقون على هذا في القرض، لو أقرضه ما يُوزَن لم تجز الزيادة. وإن قيل: ليس فيه ربا الفضل، فيجب أن يكون إذا قال: بعتُك هذا الرطلَ برطلينِ من جنسه إلى شهرٍ، وهذا الكيلَ بكيلينِ إلى شهر، لم يجز، وهذا مذهب مالك وأحمد في رواية، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يُجعَل ذلك قرضًا بزيادة؛ إذ الاعتبار بالمقاصد لا بالألفاظ. ولو قال: أقرضتُك هذا الرطلَ على أن تردَّ رطلين لم يجز، سواء

стр. 3045

أجَّل القرضَ أو أطلقه وكان حالًّا، فيجب إذا قال: بعتك هذا الرطل برطلين إلى أجلٍ أن لا يجوز؛ لأن هذا هو معنى القرض بزيادة. وكلُّ قرض جرَّ زيادة بالشرط لم يجز باتفاقهم، وهو الربا الذي يجمع فيه الفضل والنَّساء، كبيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، فهذا الذي لا ريب في تحريمه، وإن احتال عليه بأيّ حيلةٍ كانت، متى كان المقصود أخذ الدراهم بأكثر منها إلى أجل فهو ربا. ولهذا قال ابن عباس، وهو لا يحرم ربا الفضل يدًا بيدٍ، قال: إذا استقمتَ بنقدٍ ثم بعتَ بنقدٍ فلا بأس، وإذا استقمتَ بنقدٍ ثم بعتَ بنسيئةٍ فتلك دراهم بدراهم (١). واستقمتَ بمعنى قوَّمتَ، بمعنى قوَّم السلعةَ بنقدٍ وابتاعها بأكثر إلى أجل، كان مقصوده القيمة، وهو بيع دراهم بدراهم. فإن قيل: فلو باع رطلًا برطلين جاز، ولا يجوز مثل هذا في القرض. قيل: القرض لا يكون قطُّ مع تعجيل الوفاء، بل لابدَّ فيه من تأخير الوفاء، وإلَّا فلا يقول: أقرِضْني هذه الدراهمَ وأعطيك مثلها الساعةَ، فإن هذا لا يفعله عاقل؛ إذ لا فائدة فيه، بل هو كبيع الشيء بنفسه. فإن قيل: تلك الدراهم تقوم مقامها، فلا تُباع بمثلها إلَّا مع التأخير، ولا تباع بدراهم معجلة إلا لاختلاف الصفة. والقرض إنما يجب فيه المثل، فلا يبيع أحدٌ رطلين برطلين كلٌّ منهما مثل ذلك الرطل، هذا لا يفعله أحدٌ عاقل، ولا يقع مثل هذا في القرض؛ إذ كان القرض لابدَّ فيه

стр. 3046

من تأخير الإيفاء، وذلك واجب فيه في أحد قولي العلماء، ولو أجَّله بأجلٍ، كمذهب مالك وقول في مذهب أحمد. ومن قال: إن له المطالبة في الحال ولا يتأجّل، قالوا: لأن هذا تبرع، والتبرع لا يلزم بالعقد، كما قالوا مثل ذلك في الهبة والعارية. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وأما أهل المدينة فعندهم يلزم بالعقد، وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة. فالقرض من أقوى الحجج على أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنَّساء في جنس واحدٍ حرم ، وإن لم يكن مما يجري فيه ربا الفضل وحده. وهذه حجة لمالك وأحمد في إحدى الروايتين، وهو حجة على الشافعي وأحمد في رواية؛ إذ كانوا يجوزون بيعَ غير الربوي كالموزون غير النقدين بجنسه متفاضلًا، ويحرِّمون ذلك بلفظ القرض. وهؤلاء يجعلون الأحكام تختلف بمجرد اللفظ مع اتحاد المقصود، وهذا يقوله مَن يقوله مِن أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد، يقولون هذا في مواضع، كما جوَّز القاضي أبو يعلى وغيره السَّلَم الحال بلفظ البيع دون السَّلَم، وكما جوَّز أن يكون البذر من العامل إذا كان بلفظ الإجارة دون لفظ المزارعة. وأبو محمد المقدسي عكَسَ ذلك، فجوَّزه بلفظ المزارعة دون الإجارة، وأبو الخطاب جوَّزه بلفظهما، وهو الصواب، وعليه تدلُّ نصوصُ أحمد، فإنه جوَّز أن تُؤجَر الأرض بجزءٍ من الخارج منها، واحتجَّ على ذلك بمزارعة النبي ﷺ لأهل خيبر. ولو كان الحكم يختلف باللفظ لم تصح هذه الحجة، وإنما تصح هذه

стр. 3047

الحجة إذا كان البذر من أهل خيبر، فإن المستأجر للأرض هو الذي يبذر فيها، لا يبذر رب الأرض. ولهذا قال أبو الخطاب: هذه النصوص الكثيرة عن أحمد تدلُّ على أنه جوَّز المزارعة ببذر من العامل، كما ثبت في الصحيح (١) أنه عاملهم على أن يعمروها من أ موالهم. وحينئذٍ فكيف يجوز إلحاقُ فرعٍ بهذا الأصل مع مخالفته؟ ودَلَّ ذلك على أن الرواية التي اشترط فيها أن يكون البذر من المالك قياسًا على المضاربة قالها موافقة لمن قال ذلك، وهي مخالفة لهذه السنة التي قاس عليها. وأحمد أصوله توجب اعتبار المقاصد والمعاني دون مجرد اللفظ، كما يعتبرها مالك ﵀ وغير مالك من أهل المدينة. وفقهاء الحديث وفقهاء المدينة متفقون على هذا الأصل، وهو رعاية المقاصد في العقود. وأبو حنيفة يقول: الجنس بانفرادِه يحرمُ فيه النَّساء، وهو الرواية الأخرى عن أحمد واختياره، فلا يجوز بيع الشيء بمثله نَساءً. والقرض حجة على هذا القول، فإنه يجوز القرض، قرض الشيء بمثله مع التأخير. لكنْ أبو حنيفة يقول: أنا لا أجيز القرض إلا في المثليات، لا أجيزه إلا في المكيل والموزون. ومالك ليس عنده ربا الفضل، بل فيها ربا النساء، فهذا يجيب عن القرض. لكن الأكثرون يجوزون قرض الحيوان استدلالًا بالسنة، وأن النبي

стр. 3048

- ﷺ اقترض بعيرًا وردَّ خيرًا منه (١)، فقد ثبت أخذ الحيوان بمثله مع التأخير، وذلك مُبطِلٌ لقولِ من يقول: الجنس بانفراده يحرم النَّساء، فإنه لو جاز ذلك لم يجز قرض بعير ببعير مع التأخير. لكنْ أبو حنيفة لا يُجوِّز قرضَ غير المكيل والموزون، فلا يجوز بعير ببعير إلى أجل، لا قرضًا ولا بيعًا. وأحمد يجوِّزه قرضًا بخلاف البيع. وهل الواجب في الردّ الجنسُ أو القيمةُ؟ على وجهين، والجنس هو المنصوص. ولا يجوِّزه بيعًا في إحدى الروايات؛ لأن البيع يجب فيه الأجل، وأما القرض فإنه بذل المنفعة بلا عوض، ولهذا لا يجوز فيه التأجيل عنده. وكذلك أبو حنيفة لا يُجوِّز التأجيل في القرض، فإنه إذا جاز التأجيل فيه كان معنى بيع الشيء بجنسه نَسَاء، وذلك لا يجوز عند أبي حنيفة وأحمد في رواية. بل كلما يجب وفاء القرض وحده يحرم ربا النَّساء وحدَه. والشافعي وأحمد في رواية ومن وافقهما يُجوِّزون في غير الشيء الربوي كالحيوان يبيع بعضه بجنسه حالًّا وإلى أجلٍ متماثلًا ومتفاضلًا، ولا يجوّزون أن يُقرِضه ويشترط أكثر منه. وهذا تناقض، فإنه إذا جاز معاوضة بعضه ببعض حالًّا ومؤجلًا فالقرض لا يخرج عن هذا وهذا كما تقدم. وإذا أراد أن يُقرِضه بعيرًا ويشترط بعيرين قال: بعني بعيرًا

стр. 3049

ببعيرين، ولكن هنا يشترط يعني الحلول أو التأجيل بخلاف القرض، وليس هذا فرقًا، فإن الناس مع القرض قد يتفقون على أنه يوفيه في وقت معين، فلا يخرج هذا عما يقصده الناس بالقرض. فتبيَّن أن أظهر الأقوال قولُ مالك وأحمد في رواية، أنه إذا جمع النوعان حرم، فإذا باع الشيء بجنسه متفاضلًا إلى أجلٍ لم يجز، كما لا يجوز مثل ذلك في القرض، وإن تباعدت المقاصد ففيه نزاع. فقد تبين أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنَّساء حرم بالإجماع، مما فيه ربا الفضل، وفي غير ذلك عند أكثر العلماء، وأما إذا لم يكن إلا النَّساء فقط في غير الربوي فهذا يباح عند أكثر العلماء، كالبعير بالبعيرين إلى أجل. فصل وأما ربا الفضل بلا نَساءٍ فقد أشكل على السلف والخلف، فروي عن ابن عباس وابن مسعود ومعاوية أنه لا ربا إلا في النَّساء، كما ثبت في الحديث الصحيح عن أسامة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» (١). وبإزاء هؤلاء بعض المتأخرين الذي قال: إنه يجري في كلِّ مال. وهذا خلاف إجماع السلف، ولا معنى فيه. يحكى هذا عن أبي طاهر الرياشي.

стр. 3050

وقالت طائفة: إنما يحرم في الأصناف المنصوصة الستة، وهو قول قتادة وداود وأصحابه. وابنُ عقيل قد رجَّح في آخر عمره في كتابه في الخلاف هذا، وضَعَّف ماعُلِّلتْ به الأصناف الستة كلها، وقد بَسَطَ القول عليه، وبيَّن أنه إنما حُرِّم لسدِّ الذريعة فقط، كما قال ﷺ : «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإنّي أخاف عليكم الرَّمَاء» (١). فربا النسيئة حُرّم لما فيه من الفساد والظلم، وأما ربا الفضل فإنما حرم لسدِّ الذريعة. وأقرب الأقوال قول مَن قال: لا يُحَرَّم إلا في المطعوم المماثل المكيل والموزون، وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي في قول وأحمد في إحدى الروايات اختارها أبومحمد. ومذهب مالك قريب من ذلك، بل هو أرجح في ربا الفضل وربا النسيئة في اعتبار المقاصد، لكنه بالغ في سدِّ الذريعة، حتى حرَّمها مع صحة القصد ورجحان المصلحة. وأحمد يوافقه على بطلان الحِيَل وعلى سدّ الذرائع إلا إذا ترجحت المصلحة. وهذا أعدل الأقوال. و الفرق بين الحيل وسدّ الذرائع أن الحيلة تكون مع قصد صاحبها ما هو محرم في الشرع، فهذا يجب أن يُمنَع من قصده الفاسد. وأما سدُّ الذرائع فيكون مع صحة القصد خوفًا أن يُفضِي ذلك إلى الحيلة. والشارع قد سدَّ الذرائع في مواضع، كما بسطتُ ذلك في كتاب: «بيان الدليل على بطلان التحليل» (٢)، ولكن يُشترط أن لا تفوت مصلحة
следующие страницы →