نادمين من حين رجع الرسول والمؤمنون.
وهذا كما قد قيل: إن الله حجرَ التوبة عن كل صاحب بدعة، بمعنى أنه لا يتوب منها، لأنه يراها حسنةً، والتوبة إنما تتيسر على من عرف أن عمله سيِّء قبيح، فيكون عمله داعيًا له إلى التوبة، أما إذا اعتقد أنه حسن فيحتاج ذلك الاعتقاد إلى أن يزول، وزوال الاعتقاد لا يكون بالوعظ والتخويف، وإنما يكون بعلم وهدى يبيِّن الله له فساد اعتقادِه، وصاحب الاعتقاد الفاسد جهلُه مركب، وهو لا يُصغي إلى أدلّة مخالفيه وتفهُّمِها لوجهين:
أحدهما: أنه لا يجتمع النقيضان في القلب، فلا يجتمع ذلك ودليلُ نقيضِه، فإن دليل النقيض يستلزمه، فلا يمكن أن يتصور دليل النقيض إلا مع عُزوب ذلك الاعتقاد عن القلب، لا مع حضوره، ولأن اعتقاده لذلك القول يدعوه إلى أن لا ينظر نظرًا تامًّا في دليل خلافه، فلا يعرف الحق.
ولهذا قال السلف: إن البدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية . وقال أيوب السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع. واحتج بقوله في الخوارج: «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهمُ من الرميَّة، ينظر في نَصْلِه فلا يرى شيئًا، وينظر في رِصَافِه فلا يرى شيئًا، وينظر في قِدْحِه فلا يرى شيئًا، وينظر في نَضِيِّه فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفُوْق قد سبقَ الفرثَ والدمَ» (١).
стр. 3117
وهذا الذي ذكره هو كحال من ﴿أَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، والذين لو ﴿رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. لكن ليس هذا وصف جميع أهل البدع، فليست البدعة أعظم من الردّة عن الإسلام والكفر، وقد تاب خلقٌ من المرتدّين والكفار، لكن هو مظنة الخوف، كالذين أسلموا من المرتدّين كان الصحابة يحذرون منهم خوفًا من بقايا الردَّة في قلوبهم. فهذا هو العدل في هذا الموضع، وقد تاب خلقٌ من رأي الخوارج والجهمية والرافضة وغيرهم. لكن التوبة من الاعتقادات التي كثُر ملازمةُ صاحبها لها ومعرفتُه بحججها يحتاج إلى ما يقابل ذلك من المعرفة والعلم والأدلة.
ومن هذا الباب قول النبي ﷺ : «اقتلوا شيوخَ المشركين واستبقُوا شَرْخَهم» (١). قال أحمد وغيره: لأن الشيخ قد عسَى في الكفر، فإسلامه بعيد، بخلاف الشاب، لأن قلبه لين، فهو قريبٌ إلى قبول الإسلام.
стр. 3118
ومما يناسب هذا قوله تعالى عن مسجد أهل الضرار: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠]، هذا قرأه الجماعة، وقرأ يعقوب «إلى أن تقطع» (١)، وعلى هذا فالريبة باقية إلى حين التقطع. وأما قراءة الجمهور فإنه استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، فإذا قطعت قلوبهم لم يبقَ ريبةٌ في قلوبهم. وقد قال سفيان وغيره: هو التوبة. وقال كثير من المفسرين (٢): هو التقطع بالموت أو في القبر أو يوم القيامة. وقول هؤلاء يناسب قراءة يعقوب، فإنه لا تزال ريبة إلى حين تقطع القلوب. وأما قراءة الاستثناء فإن كانت توبتهم مقبولة كما قال سفيان وغيره فهي تحتاج إلى تقطع القلوب، تتمزق بالتوبة، فتحتاج إلى مشقة وشدة. وهكذا كثير من ذنوب أهل الاعتقاد والشبهات وأهل الشهوات القوية يحتاج صاحبُها إلى معالجة قلبه ومجاهدة نفسه وهواه. وتوبة الثلاثة قد قال الله فيها: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]، فكيف غيرهم؟ وتوبة أبي لبابة وأصحابه كانت لما ربطوا أنفسَهم في السواري (٣)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يدل على أنه
стр. 3119
سبحانه يعلم من أحوالِ القلوب ما يناسب هذا، وهو حكيم في حكمه بأنه ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾.
وإذا أريد بتقطع القلوب تقطعها بالتعذيب فقط فيكون ذلك لأنه علمَ أن هؤلاء المعينين لا يتوبون، وإن أريد تقطعُها بالتوبة أو بالتعذيب فلابدّ لهم من أحد الأمرين: إما أن يقطعوها بالتوبة، وإلا قطعت بالعذاب، كما قال: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]. وأولئك المعينون إذا لم يقطعوها بالتوبة قطعت بالتعذيب، فالعذاب مُخرِج ما في النفوس من الريبة والنفاق، لمن لم يُخرِجه بالتوبة، والذنوبُ لابد فيها من توبة أو تعذيب، ولو أنه ينقص الحسنات لأجلها، كما قال: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع. والله أعلم.
فصل
وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، نُقل عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: عسى من الله واجب (١). وهذا الذي قالوه قد وُجِد بالاستقراء في مواضع، كقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. وجعل الله المودة بين المؤمنين وبين الذين كانوا يعادونهم بعد أن نزلت هذه الآية لما فُتِحتْ مكة وآمن الطلقاءُ، كأبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن
стр. 3120
أبي جهل، والحارث بن هشام وغيره.
وقوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]، وأتى الله بالفتح وبأمرٍ من عنده، فأصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.
وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وتاب عليهم.
وقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥٢]. وهذا يكون ذلك اليوم.
وقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، ومن تولى عن طاعة الله والرسول أفسد في الأرض وقطعَ رَحِمَه، كما فعل المشركون ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠].
стр. 3121
مسألة
عن رجل يزعم أنه شيخٌ ويتوِّب الناس
ويأمرهم بأكل الحيَّة
стр. 3122
سُئِل الشيخ تقي الدين رحمة الله عليه
عن رجلٍ يَزعم أنه شيخٌ ومن أولاد المشايخ، ويَجلسُ على سجَّادةٍ ويُتوِّبُ الناس، ثم إنه يأمر الفقراءَ بأكل الحيَّةِ وبمَسْكِها، وإذا قصدوا أكلَها أكلُوها في حضرة الشيخ، ويَسِيل دمُها على لِحاهم، ثم يأمرهم بالدخول في النار ويأكلوا منها، ويأخذ الشيخ عصًا يَعصِر منها دمًا أو سَمْنًا، ويُتوِّب النساءَ حتى يخرجن مُوَلَّهين (١)، ويُحاضِر الشيخ النساءَ ويزعم أنه من السادات العلماء المتصلين بالله تعالى، وأن ذلك كله من الكرامات الربانية، فهل ذلك كله أفعال ربانية أو شيطانية؟ وهل السلف فعلوا ذلك أم لا؟ وهل يَحلُّ فعلُ ذلك أم لا؟ وهل يحلُّ لمسلمٍ إكرامُ من كانت هذه أفعاله أو مجالستُه أم لا؟ وكلُّ ذلك بدعة محضةٌ أو لا؟ أفتونا رحمكم الله، وأوضِحْ (٢) عن كل فصل، فإن هذه البدع قد فشَتْ في البلاد، واستحوذَ الشيطانُ على قلوب جماعة كثيرة، أفتونا مأجورين مُثابِين.
فأجاب رحمه الله تعالى
الحمد لله رب العالمين. من أمر الناس بأكل الحيَّات أو العقارب أو الزنابير أو غير ذلك من الخبائث التي حرَّمها الله ورسولُه، وجعل كلَّ ذلك من كرامات الأولياء، فهو مبتدع ضالٌّ مستحقٌّ للعقوبة التي تَزجُره
стр. 3123
وأمثالَه عن ذلك، فإن المسلمين متفقون على أن أكلَ الحيات ليس مما أمر الله به ورسولُه، ولا هو من كرامات الأولياء، بل ذلك محرَّم عند جمهور علماء المسلمين. وقد ثبت في الصحيحين (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «خمسُ فواسقَ يُقتَلنَ في الحلّ والحرم»، وذكر منها الحية والعقرب. وثبت عنه ﷺ أنه أمر بقتل الحيّات (٢)، ولم يتقدم لأحدٍ من أهل الخير أمرٌ لأحدٍ من أتباعهم بأكل الحيات.
ومن أكلَ الحياتِ والعقارب والزنابير والميتةَ والعذراتِ وغير ذلك من هؤلاء المنتسبين إلى الفقر والتولُّه، فإن الشيطان يَدخلُ فيهم حتى يأكلوا ذلك، ثم يفعلوا ما حرَّمه الله ورسولُه، فلا يأكلون طيبًا ولا يعملون صالحًا. وهؤلاء خالفوا أمر الله، فإن النبي ﷺ قال (٣): «إن الله تعالى أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وهؤلاء خالفوا أمرَ الله، فلم يأكلوا طيبًا ولم يعملوا صالحًا.
وكذلك من أمرَ مُريديه بدخول النار فهو شيخٌ ضالٌّ مبتدع ، غايته أن
стр. 3124
يكون معه شياطين تلبس المريدَ حتى يدخل النار، ولهذا إنما يدخلونها عند أهل الجهل والضلال الذين ليس عندهم من الإيمان شيء واليقين ما يحضر معه الملائكة الذين يطردون الشياطين، فإذا حضر هؤلاء عند أهل العلم والإيمان بالله ورسولِه، المُتَّبِعين لمحمد ﷺ باطنًا وظاهرًا، فدخلَ أحدُهم النارَ احترقَ، لأن شياطينه التي كانت تلبسه تهربُ حينئذٍ، وإذا قرأ عليهم الصادقُ آيةَ الكرسي مرّاتٍ بقلبٍ صادق هربت شياطينُهم وأحرقتْهم النار، كما قد جَرى مثلُ ذلك لغيرِ واحد من الصالحين معهم. هذا إن كان أحدهم يأكل الحية ويدخل النارَ بالحال الشيطاني.
وأما من يفعل ذلك بالمحال البهتاني، فهؤلاء يصنعون حِيَلًا وأدويةً كحجر الطَّلْق ودهن الضفادع وقُشور النارنج وغير ذلك من الأدوية المعروفة عند من يُعاني ذلك. وكذلك ما يُظهرونه من الدم والزعفران واللاذَن (١) والسمن مَن يكون عن حالٍ شيطاني، ومن يكون عن حالٍ بهتاني.
وأما تَولِيْهُ النساء والصبيان والرجال بحيث يزول عقلُ أحدهم ويبقَى مسلوبَ العقل، فهذا من المحرَّمات التي يستحق فاعلُها غليظَ العقوبات. فكل من قصدَ أن يُزيل عقلَه بسببٍ من الأسباب فإنه آثمٌ عاصٍ معتدٍ، حتى قد حرَّم الله ما يُزيل العقلَ بعضَ يومٍ كشراب الخمر، وحرَّم قليلَ الخمر وإن كان لا يُسكِر لأنه يدعو إلى كثيرها، مع ما في
стр. 3125
الخمرة من اللذة والمنفعة، فكيف إذا أزيل العقل بلا منفعة؟
ولهذا إنما يتولَّهُ أحدُهم إذا لبسه الشيطان، وإن تمكَّن منه صارَ لا يعقل، وإن كان يعتريه بعضَ الأوقات أو يعتريه في حالِ السماع كان بمنزلةِ المجنون الذي يُصرَع في بعض الأوقات. ولهذا يتكلم الشياطين على لسانِ أحدِهم إذا أخذه الحالُ الشيطاني وقتَ السماع، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، ويتكلم أحدهم بكلامٍ لا يَعرِفُه بلغاتٍ لا يُحسِنها كما يسمع من المصروع، وإذا فارقَه الحالُ الشيطاني لم يَدرِ ما تكلم على لسانه، ولكن الحاضرون يقولون له: قلتَ كذا وقلتَ كذا، وهو لايعرف بشيء من ذلك، كما يقول للمصروع: قلت كذا وقلت كذا، والمصروع لا يعرف شيئًا مما تكلم به الشيطانُ على لسانِه.
ولهذا لا تأتيهم الأحوال الشيطانية عند أمر الله به ورسوله، مثل الصلوات الخمس وقيام الليل وقراءة القرآن بالتدبر والطواف بالبيت، بل تأتيهم عند المنكرات التي لا يحبها اللهُ ورسولُه. وكلَّما كان الشرُّ أعظمَ كان الحالُ الشيطاني أقوى، فإذا سمعوا مزاميرَ الشيطان، وحرَّكوا الأردانَ، وتراقصوا كالدِّباب، ومزَّقوا الثياب، وارتفعت الأصواتُ كرُغاءِ البعير وخُوارِ الثِّيران، وثارتِ الأرواحُ المنتنةُ وحَضَر النساءُ والمردان= تنزَّلت عليهم الشياطينُ وجُندُ إبليس اللعين، فسقاهم الشرابَ الشيطاني، وسَلَبَهم الحالَ الإيماني، حتى لو أراد أحدُهم أن يذكر الله ويقرأ القرآن ويصلي بخشوعٍ لما أطاقَ ذلك، بل كثير منهم يُعيِّطون في الصلوات بالشَّخير والنَّخِير والصوت الذي يُشبه نَهِيقَ الحمير، وإن
стр. 3126
صَلَّوا صَلَّوا بقلوبٍ غافلةٍ لاهية، صلاةً لا يذكرون الله فيها إلا قليلًا، يَنقُرونَها نَقْرًا، كما ثبتَ في الصحيح (١) عن النبي ﷺ : «تلك صلاةُ المنافق، تلك صلاةُ المنافق، تلك صلاةُ المنافق، يَرقُب الشمسَ حتى إذا كانت بينَ قَرنَي الشيطان قامَ فنَقَرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا».
ثم من هؤلاء من يُباشِر النجاساتِ، ويأوي إلى القمامين والمراحيض والحمامات، ومنهم من يُعاشِر الكلاب والحيّات، وهم مُقصِّرون فيما أمر الله به ورسولُه من الطهارةِ طهارةِ الحدث والخبث، ومن قراءة القرآنِ وتدبر معانيه، ومعرفةِ حديثِ النبي ﷺ واتباع سنتِه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فأمرَ من ادَّعَى محبةَ الله باتباعِ نبيه، وضَمِنَ لمن اتبعَ نبيَّه أن يُحِبَّه. وهؤلاء من أبعد الناس عن متابعة الرسول، وهم بأعداء الله الملحدين أشبهُ منهم بأوليائه المتقين، ووصفُ ما في هؤلاء من العيوب والقبائح لا يتسع له هذا المكتوب.
فمن اعتقد في هؤلاء أنهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجندِه الغالبين، فهو من أضلِّ العالمين، وأبعدِهم عن دين الإسلام، الذي بُعِث به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن التبستْ أحوالُهم على كثير من الناس لما يرونه أحيانًا من أحدهم من نوع مكاشفةٍ وتصرُّفٍ خارج عن العادة، وهم في ذلك من جنس الكهان والسحرة التي كانت الشياطين تنزل عليهم. قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى
стр. 3127
مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].
ولهذا لا يوجد من هؤلاء إلا من هو خارجٌ عن الكتاب والسنة ، وإذا صدقَ مرةً في مكاشفته فلا بدَّ أن يكذب مرةً أخرى، وإن لم يتعمد هو الكذب لكن شيطانه الذي يُلقي في قلبه ما يُلقي وهو يكذب، كما كان يجري لمثل عبد الله بن صيَّاد الذي ظنَّ بعضُ الصحابة أنه الدجّال ولم يكن هو الدجال، ولكن كان من جنس الكهان، ولهذا لما خَبأ له النبي ﷺ سورةَ الدخان قال: «قد خَبأتُ لك خَبِيئًا»، فقال: الدُّخ الدُّخ، فقال النبي ﷺ : «اخْسَأْ فلن تَعْدُوَ قَدْرَك» (١). يريد: أنك من جنس الكهان الذي يقترن بأحدهم شيطان. وقال: «ما تَرى؟» قال: أرى عرشًا على الماء، وذلك عرش الشيطان. وقال له: «ما يأتيك؟» قال: يأتيني صادقٌ وكاذبٌ.
وهؤلاء الذين يقترن بهم الجنُّ في غير ما أمر الله به ورسوله ثلاثة أصنافٍ بحسب قُرَنائهم من الجنّ:
فمنهم: من هو كافرٌ وشيطانُه كافر، كاليونسية الذين يُنشِدون الكفريات، كقولهم (٢):
تعالَوا نُخرِبِ الجامِعْ ... ونَجعلْ فيه خمَّارَهْ
стр. 3128
نُخرِّبْ خَشَبَ المِنْبَرْ ... ونَجعلْ منه طُنبارَهْ
ونُحرِقْ وَرَقَ المصحفْ ... ونَجعلْ منه زَمَّارَهْ
ونَنْتِفْ لِحيةَ القاضِي ... ونَجعلْ منه أوتارَهْ
وقولهم (١):
وأنا حميتُ الحمَى وأنت سكنتَ فيهْ ... وأنا تركتُ الخلائق في بحارِ التِّيْهْ
موسى على الطور لما خرَّ لي ناجَى ... وصاحب يثرِبْ أنا جِبْتُوه حتى جا
وقولهم:
أنت إلاهْ وأنا في جانبك رَبّ ... خَلقك تُعذّبْ، وخَلقي ما عليهم ذَنْبْ
وأمثال هذه الكفريات.
ومنهم: من يكون جِنُّه فُسَّاقًا، كالذين يجتمعون اجتماعًا محرمًا بالنسوان والمردان، ويتواجدون في سماع المكاء والتصدية الذي يُشبِه سماعَ عُبَّاد الأوثان، إذا كانوا مصدّقين بتحريم ما حرَّمَه الله ورسوله، وفعلوا الكبائر مع اعتقاد تحريمها، فهم فُسَّاق.
وصنف ثالث: جُهَّال مبتدعون، فيهم ديانة، فيهم زهد وعبادة
стр. 3129
وتعظيم لدين محمد ﷺ ، لا يختارون مخالفته ولا الخروج عن دينه وشريعته، والتبست عليهم هذه الأحوال الشيطانية، فظنّوها كراماتِ الأولياء، وأن من يحصل له من هذه الأحوال يكون من أولياء الله المتقين. ولو أنهم علموا أنها مخالفة لأمر الله ورسولِه لم يدخلوا فيها، لكن جهلوا ذلك، فهؤلاء ضُلَّال.
ومن أكابر هؤلاء من تحمله الشياطين وتذهب به عشيةَ عرفةَ إلى عرفات، وتَرجِع به في تلك الليلة، وهو لم يُحرِم ولم يُلَبِّ ولم يَطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ولم يُفِضْ إلى مزدلفة ولا رَمَى الجمار، بل ويَقِفُ بعرفات بثيابه. ومعلومٌ أن هذا ليس من العبادات التي يحبها الله ورسولُه، بل قد رأى عمر بن الخطاب ﵁ بعرفةَ قومًا عليهم الثياب فطلبَ عقوبتَهم. وهذا بمنزلة من حَملتْه الشياطين إلى الجامع، فصلَّى مع الناس بلا وضوء أو إلى غيرِ القبلة.
ولو كان هؤلاء عالمين بدين محمد ﷺ مُتّبِعِين له لعلموا أن هذا الحملَ إلى عرفات على هذا الوجه من أحوال الشياطين، لا من كرامات أولياء الله المتقين. وبسط الكلام في هذا الباب وما فيه من الخطأ والصواب، والفرق بين كرامات أولياء الله المتقين وبين أحوال أتباع الشياطين (١)، لا يتسع له هذا الجواب.
وإذا كان كذلك فهؤلاء تجب استتابتُهم وعقوبةُ من لم يَتُبْ منهم،
стр. 3130
وأقلُّ عقوباتهم أن يُهجَر أحدُهم حتى يتوب، ومَن أكرمَهم لله تأليفًا لقلوبهم واستتابَهم وبيَّنَ لهم ضلالَهم فقد أحسن، وأما من يكرمهم معتقدًا أنهم من أولياء الله المتقين فهذا مخالفٌ لدين المسلمين، يجب عليه أن يتوب من ذلك، ويعرف الحقّ الذي بعثَ الله به رسولَه ﷺ ، وأنّ مَن خالفَ أمرَ اللّهِ ورسولِه فهو ضال، وعليه أن يتبع أمر الله ورسوله، فإن الله بعث رسولَه بالهدى ودينِ الحق ليُظهِره على الدِّين كله، وكفى بالله شهيدًا. وفي الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه كان يقول في خطبته: «خير الكلام كلامُ الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشرُّ الأمورِ محدثاتُها، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ».
تمت بحمد الله وعونه.
стр. 3131
مسألة
في النسبة إلى الخرقة
стр. 3132
سُئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية عن نسبته إلى الخرقة.
فأجاب، فقال:
الحمد لله، أما بعد، فإن الله سبحانه خلق الخلقَ لعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وبعث إليهم رُسُلًا اصطفاهم يدعونهم إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، وهو دين الإسلام، وإن تنوعت شرائعُهم ومناهجهم، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية [الشورى: ١٣].
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١].
قال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦].
وختمهم بسيّد ولد آدم خاتم النبيين وإمام المرسلين إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، وشفيع الخلائق يوم القيامة محمد ﷺ ، بعثَه
стр. 3133
بأفضل المناهج وأعلى الشرائع، وأتمَّ عليه وعلى أمته النعمةَ، وأكملَ لهم الدين، فقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨].
وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨].
وفرضَ على أهل الأرض عربِهم وعجمِهم وإنسِهم وجنِّهم الإيمانَ به وطاعتَه، فإن النبي قبله كان يُبعَث إلى قومه خاصة، وإن محمدًا ﷺ بعثه الله إلى الناس عامةً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ١٣ - ١٤].
وجعل من أُمَّته أولي أمرٍ يَرجعُ الناسُ إليهم في صلاح دينهم
стр. 3134
ودنياهم، إذ لا يقوم الدين والدنيا إلا بولاة أمورها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ ــ ١٠٤].
فولاة أمور الدين [الذين] أمر الله أن يكونوا ولاة أمورهم، الدعاة إلى الخير، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، هو الذي أرسل الله به الرسلَ، وأنزلَ به الكتب، وجعل نعت هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، كما جعلهم شهداء على الناس. فلهم الشهادة في الخبر، والإمامة في الطلب والإنشاء. والكلام إما إنشاء وإما إخبار، وذلك هو الذي وصف القرآن حين قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
ثم إنه قرن طاعته بطاعة رسوله، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. [فوليُّ الأمر] منهم يُطاع فيما أمر الله بطاعته، وهو الأمر الذي يحتاج إليه فيه، وكان ذلك قد اجتمع في الخلفاء الراشدين الذين نصَّ رسولُ الله ﷺ -
стр. 3135
على اتباع سنتهم، حيث قال ﷺ : «إنه مَنْ يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثةٍ بدعةٌ، وإنّ كلّ بدعةٍ ضلالةٌ» (١).
وأما بَعْدَ الخلفاءِ الراشدين فتفرَّق الأمرُ في أنواعٍ من ولاة الأمور، ما بين أمراء وعلماء وملوك ومشايخ ونحوهم، فأكرمهم عند الله أتقاهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وأولاهم بالله ورسوله أشدُّهم اتباعًا لكتاب الله وسنة رسوله، ولكلٍّ محلٌّ تنفُذُ فيه ولايتُه، وحقٌّ يجبُ فيه طاعتُه، وتَصرُّفٌ يجب فيه طاعته، كما تنفُذُ أمورُ الجهاد فيما يتولونه من الجهاد في سبيل الله لمن خرج عن دين الله، وتنفُذُ أمورُ قضاةِ الإسلام فيما شرع له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الواقع على حدود الكتاب والسنة، كما قال النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فَلْيُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢).
وتنفُذ فتاوي العلماء فيما يخبرون به من الأحكام الشرعية، ويأمرون
стр. 3136
به من طاعة الله ورسوله.
وينفُذ أمرُ مشايخ الدين فيما يدعون إليه من طريق الله، ويرشدون العباد إليه من دين الله.
وأحقُّهم بالاتباع مَن كان بالإيمان والقرآن أَوْلى بالاطلاع، إذ لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، والويل لمن اتبع الأكابر فيما خرج عن سنن المرسلين ، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨].
في أمة محمد ﷺ خاصة، وقد جعلهم الله صنفين: أهل سعادة وأهل شقاوة، وجعل السعداء صنفين: سابقين ومقتصدين، فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩]، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ
стр. 3137
(٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤]، فهذا في الخلق جميعهم.
وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
وقد ذكر الأصناف الثلاثة في الخلق في الإنسان والمطففين، وجعل صِنفَي السعداء أربعَ درجات في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. فأفضل الخلق بعد النبيين الصّدّيقون. ووصف سبحانه أولياءه الذين هم أولياؤه بأن: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. والله أعلم.
стр. 3138
مسألة في الحضانة
стр. 3139
مسألة في الحضانة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يسّر
صورة كتاب كتبه الشيخ الإمام العلامة علم الأولياء تاج الأصفياء قامع البدع محيي الشريعة ناصر السنة مفتي الفرق تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية ــ أعاد الله من بركته على المسلمين ــ إلى بعض الأمراء المقدَّمين. وذلك في العشرين من شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعمئة بسبب ابنة يتيمة طلب عمها أخذها بالحضانة بحكم الشرع المطهر، وطلب معاونته على أخذ ابنة أخيه، فكتب:
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
من الداعي أحمد ابن تيمية إلى الأمير الكبير أسد الدين أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة، وأسبغ نعمه عليه باطنة وظاهرة، وتولاه في جميع الأمور، وصرف عنه كلَّ محذور. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على إمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
стр. 3140
أما بعد، فإن الله قد منَّ على الأمير ومنَّ به لما جمعه فيه من العقل والدين والخير والسياسة والمداراة وحسن البصيرة الذي يميز بها بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وقد قدم الشيخ فلان بن فلان وهو كثير الدعاء للأمير كثير الثناء عليه، وأظهر له لسان صدق بين الدولة وأعيان الناس لما رآه من إحسان الأمير ومساعدته على مصالح المسلمين، وإظهار شعائر الإسلام التي بعث الله بها رسولَه وأنزل بها كتابه بحسب الإمكان، فإن الأمير أحسن الله إليه يعلم أن المسلمين كما (١) اجتهدوا في طاعة الله ورسوله واتباع كتابه المنزل ونبيه المرسل الذي أقام الله به الحجة على أهل الأرض عربهم وعجمهم، وإنسهم وجنهم، وأوجب من طاعة غيره ما وافق طاعته، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والله هو المسؤول أن يجمع أمر هذه الأمة على ما يحبه ويرضاه، ويؤلف بين قلوبها على البر والتقوى.
والمولى يعلم قاعدة كلية أن الذي أوجب الله تعالى والذي يمكن المؤمن أن يعلمه هو طاعة الله بحسب الإمكان، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢). والله تعالى يوفق الأمير وأصحابه في هذا الشهر المبارك وسائر الأوقات لما يحبه ويرضاه في خير وعافية.
стр. 3141
وقد قصد الداعيَ بعضُ الناس في امرأة لم تبلغ وقد تزوجت أمُّها، وأقرب الأقارب إليها عمّها مولاهم، ولا ريب أن النبي ﷺ جعل الحضانة للأم ما لم تتزوج ، فإذا تزوجت بأجنبي فلا حضانة لها، بخلاف ما لو تزوجت بقريب من البيت، فإن النبي ﷺ لما تحاكم إليه علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة بن عبد المطلب، وكان النبي ﷺ لما اعتمر عمرة القضية تعلقت بعلي، فقال علي لفاطمة: دونك ابنة عمك. فلما قدموا إلى المدينة تحاكم فيها الثلاثة إلى النبي ﷺ ، فقال علي: ابنة عمي، وأنا أحق بها، يعني لأني أنا أخذتها من مكة. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وكان جعفر مزوجًا بخالتها. وقال زيد: ابنة أخي لأن المؤاخاة كانت بين زيد وحمزة. فقضى بها النبي ﷺ لجعفر، وقال: "الخالة أمٌّ"، ثم طيَّب أنفس الثلاثة، فقال لعلي: "أنت مني وأنا منك"، وقال لجعفر: "أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (١).
فهذه الخالة لما كانت مزوجة بابن عم الجارية لم ينتزعها منها. وقال لامرأة أخرى لما نازعت مطلِّقَها في حضانة ولدها: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي" (٢). وقد قال النبي ﷺ : "عمُّ الرجل صِنْو أبيه" (٣). ورُوي
стр. 3142
"العمُّ والدٌ في كتاب الله" (١). قال الله تعالى عن يعقوب: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وإسماعيل إنما كان عمَّه. وكما قال النبي ﷺ : "الخالة أم" فكذلك العم أب، فالحضانة لهذا العمّ الذي هو بمنزلة الأب في كتاب الله وسنة رسوله. والمسلمون متفقون على ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وهم يطلبون مساعدة الأمير على إيصال الحق إلى مستحقيه وتسليم هذه الجارية إلى من هو أحق بها في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين.
هذا أمرها في الحضانة. وأما النكاح فإذا كانت تُؤثِر أن تتزوج ولها إذن صحيح، فالأمير أحسن الله إليه يعلم حكم الله ورسوله، حيث قال النبي ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها وإذنها صماتها" (٢)، وقال ﷺ : "لا تُنكَح البكر حتى تُستأذن، ولا الأيم حتى تُستأمر" (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] نزلت
стр. 3143
في معقل بن يسار لما منع أخته أن تتزوج بزوجها الذي كان طلقها واحدة (١).
وروى الترمذي (٢) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال: "يا علي! ثلاث لا تؤخرهن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدتَ لها كفؤًا". فأمر النبي ﷺ بأن الأيم إذا وُجِدَ لها كفؤٌ أن لا تُؤخَّر. ولهذا خطب إلى الحسين بن علي بعض بنات أخيه وهو يتعرَّق لحمًا، فزوَّجه إيَّاها قبل أن يأكل لحم العرق طاعةً للحديث الذي رواه أبوه عن جدّه.
وإذا كان قد أمر بأن الأيم لا تؤخر عن وجود الكفؤ، وأمر أن لا تزوج إلا بإذنها، فدلت النصوص على أنه يجب على الولي أن يزوج المرأة إذا طلبت منه أن يزوجها بمن عيّنتْه إذا كان كفؤًا، وألا يزوجها بغيره، والولي هو العم، وهو موافق على ذلك.
ولهذا أجمع المسلمون على أن الولي لا يجوز له عضلُ المرأة إذا طلبت النكاح من كفؤ، وأنها لا يُجبِرها مَن سوى الأب والجد إذا كان لها إذن، وفي الأب والجد تفصيل ليس هذا موضعه.
стр. 3144
وهم قد طلبوا من الأمير المعاونة على ذلك باطنًا وظاهرًا، لما في ذلك من البر والقربة الذي أمر الله به ورسوله. والله يُوفق الأمير لصالح القول والعمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من تحيط به عنايتكم، وعلى سائر الإخوان. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا.
(كتبه محمد بن الحاج عبد الله، والحمد لله رب العالمين، من كلام شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵁، في الحكم في تزويج البنت اليتيمة وغيرها، واستشهاده على ذلك بالأحاديث النبوية):
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
ربِّ يَسِّر برحمتك يا كريم يا عظيم
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُنكَح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذن"، قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت". رواه البخاري ومسلم (١).
وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحقُّ بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتها". وفي رواية: "والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وصمتها إقرارُها". رواه مسلم في صحيحه (٢).
стр. 3145
وعن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن الجارية يُنكِحُها أهلُها أتُستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "نعم، تستأمر". قالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي، فقال رسول الله ﷺ : "فذلك إذنُها إذا هي سكتت" (١).
وعن خنساء بنت خِذام أن أباها زوَّجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسولَ الله ﷺ فردَّ نكاحه، رواه البخاري (٢).
قال الشيخ الإمام المفتي تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ للإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية ﵁ كاتبُ الخط المنقول منه هذه الأحاديث: فالمرأة لا ينبغي لأحد أن يزوجها إلا بإذنها كما أمر النبي ﷺ ، فإن كرهت ذلك لم تُجبَر على النكاح إلا الصغيرة البكر، فإن أباها يزوجها ولا إذن. وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها، لا للأب ولا لغيره، بإجماع المسلمين. وكذلك البكر البالغ ليس لغير الأب والجد تزويجها بدون إذنها بإجماع المسلمين. وأما الأب والجد فينبغي لهما استئذانها.
واختلف العلماء في استئذانها هل هو واجب أو مستحب، والصحيح أنه واجب. ويجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يُزوِّجها به، وينظر في الزوج هل هو كفؤ أم غير كفؤ، فإنه إنما يُزوجها لمصلحتها لا لمصلحته، وليس له أن يزوجها
стр. 3146
بزوج ناقص لغرضٍ له، مثل أن يُزوِّج وليَّه ذلك الزوجُ بدلَها، فيكون من جنس الشغار الذي نهى عنه النبي ﷺ (١)، أو يزوجها بأقوام تخالفهم عن أغراض له فاسدة، أو يزوجها برجل لمالٍ يبذله له وقد خطبها من هو أصلح لها من ذلك الزوج، فيقدم الخاطب الذي بَرْطَله على الخاطب الكفؤ الذي لم يُبرطِلْه.
وأصل ذلك أن تصرف الولي في بُضْع وليته كتصرفه في مالها ، فكما لا يتصرف في مالها إلا بما هو أصلح لها، فكذلك لا يتصرف في بضعها إلا بما هو أصلح لها. إلّا أن الأب له من التبسط في مال ولده ما ليس لغيره، كما قال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (٢)، بخلاف غير الأب، والله أعلم.
وعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "تُستأمر اليتيمةُ في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبَتْ لم تُكْرَه". رواه أحمد في مسنده (٣).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اليتيمة تُستأمر في نفسها،
стр. 3147
فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها". رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي (١).
فإن كانت المرأة لها تسع سنين ولا أب لها فقيل: يُزوِّجها الولي بلا إذنها، وقيل: لا تُزوَّج حتى تبلغ، وقيل: يزوجها بإذنها كما أمر النبي ﷺ . وهذا أصح الأقوال، وعليه دلَّ الكتاب والسنة.
(نقله كما شاهده من خط الشيخ الإمام العالم المفتي تقي الدين ابن تيمية ﵁، وأذن له الشيخ في نقله أيضًا العبد الفقير إلى ... ).
стр. 3148
مسائل مختلفة
стр. 3149
سئل الشيخ أبو العباس أحمد ابن تيمية عمن تُصِيبه جنابةٌ، والماء يضرُّه، أو يكون مجروحًا، فهل يجوز له أن يصلي أو يقرأ القرآن؟ وما قدرُ المدة التي يصلي فيها ويقرأ؟ وهل نُقِل عن النبي ﷺ شيء من ذلك أو عن السلف الصالح؟
فأجاب:
الحمد لله، إذا أصابته جنابةٌ وكان عادمًا للماء، أو يخاف الضررَ باستعماله، بحيث يجوز له التيمم من الحدث الأصغر، فإنه يتيمم للحدث الأكبر وهو الجنابة، كما يتيمم للحدث الأصغر، في مذهب الأئمةِ الأربعة وجماهير الصحابة وسائرِ أئمة المسلمين. وقد دلَّ على ذلك آيتان من كتاب الله: آية النساء (١) وآية المائدة (٢)، وعدة أحاديث عن رسول الله ﷺ :
حديث عمار بن ياسر الذي في الصحيحين (٣) لما أجنبَ هو وعمر، فتمرَّغ عمارٌ كما تتمرَّغ الدابةُ ظانًّا أن التراب كالماء في الفعل فيَعُمُّ البدن، فقال له النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا»، وضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، فمسحَ بهما وجهَه وكفَّيه.
стр. 3150
وحديث عمران بن الحصين الذي في الصحيح (١) في نومهم عن صلاة الفجر في غزوة خيبر، وكرامة النبي ﷺ في تكثير ماء المزادة، وفيه أن النبي ﷺ لما رأى رجلًا معتزلًا من القوم لم يُصلِّ قال: «يا فلان! ما منعَك أن تصلِّيَ معنا؟» فقال: إني كنتُ جُنبًا، فأخبرَه أن الصعيد الطيب يكفيه. ثم لما أُتِي بالماء أعطاه قَدَحًا فاغتسلَ.
وحديث أبي ذر في التيمم من الجنابة، وفيه: «إن الصعيدَ الطيب طَهورُ المسلم، ولو لم يجد الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ فأمِسَّه بَشْرَتَك، فإن ذلك خير» (٢).
وحديث عمرو بن العاصي لما بعثَه النبي ﷺ أميرًا في غزوة ذات السلاسل، وأصابتْه الجنابة في ليلةٍ باردةٍ فخشيَ مضرَّةَ الاغتسال، فتيمم وصلَّى بأصحابه وهو جنب، وذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأقرَّه عليه (٣).
وحديث صاحب الشجَّة الذي أفتاه بعضُ الناسِ بالاغتسال حتى مات، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «قَتلوه قَتلَهم الله، هَلَّا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شِفاء العِيِّ السؤالُ» (٤).
стр. 3151
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود منعُ الجنب من التيمم، ولكن خالفهما جمهور الصحابة والتابعين. وإذا تنازع السلف في شيء رُدَّ ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فوجدَ الأئمةُ الكتابَ والسنة قد دلَّ على مذهب الجمهور، فاستقرَّت أقوال الأئمة على ذلك.
وإنما تنازعوا في حدّ الضرر الذي يُبيح التيمم، فالجمهور يقولون: إذا خاف مرضًا، أو كان مريضًا فخافَ زيادة المرض بزيادة الألم، أو يضرُّه البردُ. هذا هو الصواب، كما قالوا مثل ذلك في فطْر المريض ونحو ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في قولٍ، وفي قولٍ قال: هو أن يخاف هلاكَ نفسِه أو بعضِ أعضائه.
وتنازعوا أيضًا فيمن يتيمم لخشية البردِ، هل عليه إعادة؟ فقيل: يُعيد في الحضر والسفر، كقول الشافعي. وقيل: لا يُعيد فيهما، كإحدى الروايتين عن أحمدَ وقولِ غيره. وقيل: يُعيد في الحضر دون السفر، كقول الشافعي وأحمد. والصحيح قول الأكثرين أنه لا إعادةَ في الحضر ولا في السفر.
واتفقوا على أن من تيمم لعدم الماء في السفر أو للمرض أو الجرح أنه لا يُعيد، ولم يأمر الله ولا رسوله أحدًا بفعلِ الصلاة مرتين مع كونه فعلَها على الوجه الذي أمر به أولًا، بل قال النبي ﷺ : «أينهاكم عن الربا ويقبله منكم؟» (١).
стр. 3152
وتفريقُ من فرَّق بين العذر النادر والمعتاد فرقٌ ضعيف، وإنما قاسوه على الحائض التي تُؤمَر بقضاء الصوم الذي لا يتكرر، ولم تُؤمَر بقضاء الصلاة التي تتكرر، فقالوا: ما يتكرر من الأعذار كالصلاة، وما لم يتكرر كالصوم. وهذا قياس ضعيف فإن الحائضَ لا تُؤمَر بالصوم أولًا وبقضائه ثانيًا، وإنما تُؤمَر بصومٍ واحد كما يُؤمر الطاهرُ بصومٍ واحد، ولكن أُمِرتْ بالصوم في غير وقتِ الحيض. وأما الصلاة فإن كل يومٍ وليلةٍ فيه صلوات خمس واجبة، فلو أُمِرتْ بالقضاء لكانت مأمورةً في أمر واحدٍ بعشرِ صلوات، وهذا خلاف الواجب.
فهؤلاء إذا أمروا المعذور بالصلاة مرتين فقد أمروه بعشر صلواتٍ في زمن القضاء، وهو خلاف الأصل الذي قاسوا عليه. فعُلِمَ أن المشروع في الحائض حجةٌ عليهم لا أنه حجة لهم. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (١).
فمن فَعَلَ الصلاةَ كما يستطيع فلا إعادةَ عليه، ولم يأمر النبي ﷺ أحدًا من أهل الأعذار بصلاتين قطُّ، فالأمر بذلك ذريعة إلى الترك، فإن المعذور حَسْبُه أن يفعلها مرةً، فإذا أُمِر بها مرتين أفضَى إلى الترك. وقد أمر الله بالصلاة في شدة الخوف رجالًا وركبانًا، وهي من الأعذار
стр. 3153
النادرة، ولم يأمر بالإعادة، بل نفس صلاة الخوف الخفيف التي فعلها النبي ﷺ بإزاء العدو، وهي في غالب الأمور من الأعذار النادرة، وفيها أمورٌ تخالف صلاة الاختيار، مثل استدبار القبلة، والعمل الكبير في الصلاة، ومفارقة الإمام قبل السلام، وغير ذلك، ولم يكن فيها إعادة.
وكل من جازت له الصلاةُ فرضًا أو نفلًا جازت له القراءةُ باتفاق المسلمين، فإن الصلاة أكمل وأفضل وأوجب من مجرد القراءة، وشروطها أشد، فإذا جاز الأشد فالأسهل أولى. ولهذا يقرأ القرآن طاهرًا ومحدثًا، إلى القبلة وغيرها، قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، لابسًا وعاريًا، حاملًا للنجاسة ومجتنبًا لها، والصلاة بخلاف ذلك. وإنما اشتركا في الجنابة، فإن الجنب لا يقرأ القرآن عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وأما إذا جازت له الصلاة بالتيمم فرضًا ونفلًا فالقراءة أولى داخلَ الصلاةِ وخارجَ الصلاة. وليس لذلك زمنٌ مقدَّرٌ، بل لا يزال يعبد الله بالتيمم، كما يعبده بالوضوء والغسل، حتى يزول العذرُ المبيحُ للتيمم. والله أعلم.
стр. 3154
مسألة
في رجل دخل في الصلاة وقد أحرم الإمام، ثم ركع الإمام، وقد قرأ الرجل بعض الفاتحة، ولم يتبع الإمام في الركوع حتى قرأ بقية الفاتحة، فقام الإمام من الركوع وسجد، فأتى الرجل بالركوع ولحقَ الإمام معتقدًا أن الركعة لا تتم إلا بإتمام الفاتحة.
الجواب:
أما المسبوق الذي دخل في الصلاة حين أمكنه، ولم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة، فإنه يركع ولا يُتِمُّ قراءة الفاتحة باتفاق الأئمة المتبوعين، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ (١). وأما إذا أخَّر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام، [و] كان القيام متسعًا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها، فهذا تجوز صلاته عند جماهير الأئمة. وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة. فهذا كان حقه أن يرجع مع الإمام، ولا يُتم القراءة، لأنه مسبوق باتفاق الأئمة، فإذا تخلف عن الإمام متأوّلًا ظانًّا أن ذلك هو الواجب لم تبطل صلاته، كما يتخلف لنسيان [أو] لنومٍ أو زحمة.
ثم مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين في المتخلف المعذور مثل هذا إذا أمكنه أن يأتي بما تخلَّف عنه ويلحق الإمام، وقد
стр. 3155
سبقه بركنٍ أو اثنين أو ثلاثة، وهو مدركٌ للإمام في تلك الركعة= أن صلاته تصح، فتصح صلاة هذا وهذا، كما أنه لو زاد في صلاته ركعةً نسيانًا لم تبطل، وكذلك لو زادها متأولًا جاهلًا لم تَبطُلْ، فالمخطئ في هذا الباب كالناسي. والله أعلم.