وقد رُوي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود منعُ الجنب من التيمم، ولكن خالفهما جمهور الصحابة والتابعين. وإذا تنازع السلف في شيء رُدَّ ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فوجدَ الأئمةُ الكتابَ والسنة قد دلَّ على مذهب الجمهور، فاستقرَّت أقوال الأئمة على ذلك.
وإنما تنازعوا في حدّ الضرر الذي يُبيح التيمم، فالجمهور يقولون: إذا خاف مرضًا، أو كان مريضًا فخافَ زيادة المرض بزيادة الألم، أو يضرُّه البردُ. هذا هو الصواب، كما قالوا مثل ذلك في فطْر المريض ونحو ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في قولٍ، وفي قولٍ قال: هو أن يخاف هلاكَ نفسِه أو بعضِ أعضائه.
وتنازعوا أيضًا فيمن يتيمم لخشية البردِ، هل عليه إعادة؟ فقيل: يُعيد في الحضر والسفر، كقول الشافعي. وقيل: لا يُعيد فيهما، كإحدى الروايتين عن أحمدَ وقولِ غيره. وقيل: يُعيد في الحضر دون السفر، كقول الشافعي وأحمد. والصحيح قول الأكثرين أنه لا إعادةَ في الحضر ولا في السفر.
واتفقوا على أن من تيمم لعدم الماء في السفر أو للمرض أو الجرح أنه لا يُعيد، ولم يأمر الله ولا رسوله أحدًا بفعلِ الصلاة مرتين مع كونه فعلَها على الوجه الذي أمر به أولًا، بل قال النبي ﷺ : «أينهاكم عن الربا ويقبله منكم؟» (١).
стр. 3152
وتفريقُ من فرَّق بين العذر النادر والمعتاد فرقٌ ضعيف، وإنما قاسوه على الحائض التي تُؤمَر بقضاء الصوم الذي لا يتكرر، ولم تُؤمَر بقضاء الصلاة التي تتكرر، فقالوا: ما يتكرر من الأعذار كالصلاة، وما لم يتكرر كالصوم. وهذا قياس ضعيف فإن الحائضَ لا تُؤمَر بالصوم أولًا وبقضائه ثانيًا، وإنما تُؤمَر بصومٍ واحد كما يُؤمر الطاهرُ بصومٍ واحد، ولكن أُمِرتْ بالصوم في غير وقتِ الحيض. وأما الصلاة فإن كل يومٍ وليلةٍ فيه صلوات خمس واجبة، فلو أُمِرتْ بالقضاء لكانت مأمورةً في أمر واحدٍ بعشرِ صلوات، وهذا خلاف الواجب.
فهؤلاء إذا أمروا المعذور بالصلاة مرتين فقد أمروه بعشر صلواتٍ في زمن القضاء، وهو خلاف الأصل الذي قاسوا عليه. فعُلِمَ أن المشروع في الحائض حجةٌ عليهم لا أنه حجة لهم. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (١).
فمن فَعَلَ الصلاةَ كما يستطيع فلا إعادةَ عليه، ولم يأمر النبي ﷺ أحدًا من أهل الأعذار بصلاتين قطُّ، فالأمر بذلك ذريعة إلى الترك، فإن المعذور حَسْبُه أن يفعلها مرةً، فإذا أُمِر بها مرتين أفضَى إلى الترك. وقد أمر الله بالصلاة في شدة الخوف رجالًا وركبانًا، وهي من الأعذار
стр. 3153
النادرة، ولم يأمر بالإعادة، بل نفس صلاة الخوف الخفيف التي فعلها النبي ﷺ بإزاء العدو، وهي في غالب الأمور من الأعذار النادرة، وفيها أمورٌ تخالف صلاة الاختيار، مثل استدبار القبلة، والعمل الكبير في الصلاة، ومفارقة الإمام قبل السلام، وغير ذلك، ولم يكن فيها إعادة.
وكل من جازت له الصلاةُ فرضًا أو نفلًا جازت له القراءةُ باتفاق المسلمين، فإن الصلاة أكمل وأفضل وأوجب من مجرد القراءة، وشروطها أشد، فإذا جاز الأشد فالأسهل أولى. ولهذا يقرأ القرآن طاهرًا ومحدثًا، إلى القبلة وغيرها، قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، لابسًا وعاريًا، حاملًا للنجاسة ومجتنبًا لها، والصلاة بخلاف ذلك. وإنما اشتركا في الجنابة، فإن الجنب لا يقرأ القرآن عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وأما إذا جازت له الصلاة بالتيمم فرضًا ونفلًا فالقراءة أولى داخلَ الصلاةِ وخارجَ الصلاة. وليس لذلك زمنٌ مقدَّرٌ، بل لا يزال يعبد الله بالتيمم، كما يعبده بالوضوء والغسل، حتى يزول العذرُ المبيحُ للتيمم. والله أعلم.
стр. 3154
مسألة
في رجل دخل في الصلاة وقد أحرم الإمام، ثم ركع الإمام، وقد قرأ الرجل بعض الفاتحة، ولم يتبع الإمام في الركوع حتى قرأ بقية الفاتحة، فقام الإمام من الركوع وسجد، فأتى الرجل بالركوع ولحقَ الإمام معتقدًا أن الركعة لا تتم إلا بإتمام الفاتحة.
الجواب:
أما المسبوق الذي دخل في الصلاة حين أمكنه، ولم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة، فإنه يركع ولا يُتِمُّ قراءة الفاتحة باتفاق الأئمة المتبوعين، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ (١). وأما إذا أخَّر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام، [و] كان القيام متسعًا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها، فهذا تجوز صلاته عند جماهير الأئمة. وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة. فهذا كان حقه أن يرجع مع الإمام، ولا يُتم القراءة، لأنه مسبوق باتفاق الأئمة، فإذا تخلف عن الإمام متأوّلًا ظانًّا أن ذلك هو الواجب لم تبطل صلاته، كما يتخلف لنسيان [أو] لنومٍ أو زحمة.
ثم مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين في المتخلف المعذور مثل هذا إذا أمكنه أن يأتي بما تخلَّف عنه ويلحق الإمام، وقد
стр. 3155
سبقه بركنٍ أو اثنين أو ثلاثة، وهو مدركٌ للإمام في تلك الركعة= أن صلاته تصح، فتصح صلاة هذا وهذا، كما أنه لو زاد في صلاته ركعةً نسيانًا لم تبطل، وكذلك لو زادها متأولًا جاهلًا لم تَبطُلْ، فالمخطئ في هذا الباب كالناسي. والله أعلم.
стр. 3156
مسألة
في رجلٍ أدرك الصلاة مع [إمام] من المسلمين، لا يعلم فيه ما يمنع الائتمام، فلم يصلِّ معه، فقال له رجل: صَلِّ مع هذا، فقال: أنا لا أصلي إلا خلف من يكون من أهل مذهبي. فما حكم هذا الرجل؟
وفي رجلٍ سئل عن مذهبه فقال: مذهبي اتباع الكتاب والسنة، فقال له قائل: لابد لكل أحدٍ من التقليد بأحد (١) هذه المذاهب الأربعة، فقال: أنا لا أتقيد بأحد هذه المذاهب الأربعة، وإنما أتقيد بالكتاب والسنة. فقال له: أنت مَارِقٌ. فما يجب عليه؟
وفي رجلٍ عُرِض عليه حديثٌ صحيح، فأنكره وقال: لو كان صحيحًا لما أهمله أهلُ مذهبنا، لم ينقلوه، فلو كان صحيحًا لما خفي على إمامنا. فما حكمُ هذا الكلام.
الجواب
هذا الكلام محرم في دين المسلمين، وقائله يستحقُّ العقوبة التي تزجرُه وأمثالَه، فإنه ليس من أئمة المسلمين من قال: إن صلاة المسلم لا تسوغ إلا خلفَ من يوافقُه في مذهبه المعين الذي انتسب إليه، إذ هؤلاء الأئمة الأربعة ومن قبلهم وبعدهم من سلف الأمة كانوا يصلون خلف من يوافقهم على مذهبهم ومن يخالفهم فيه. وإنما تنازع العلماء في
стр. 3157
مسائل: مثل إذا فعل الإمام ما يُبطِل الصلاةَ في مذهب المأموم دون مذهب الإمام، مثل من يوجب البسملةَ إذا صلى خلف من لا يقرؤها، ومن يتوضأ من الدم والرُّعاف والقيء، إذا صلى خلفَ من احتجم أو رُعِفَ ولم يتوضأ لأن ذلك مذهبه، ونحو هذه المسائل. فهذه فيها قولان.
ومع هذا فالصحيح الذي عليه جمهور الفقهاء أن صلاة المأموم صحيحة، لأن ما فعله الإمام إن كان صوابًا فقد أحسنَ، وإن كان خطأً فقد غفرَ الله له خطأه، كما قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. والمأموم يعلم أنه متأوِّلٌ في ذلك، ليس هو متعمدًا لذلك، فتكون صلاته صحيحة.
وفي صحيح البخاري (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «يُصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أ خطأوا فلكم وعليهم». وما زال الصحابة والسلف يصلي بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في المذاهب. وتكلم العلماء أيضًا في الإمام إذا كان من أهل الفجور والبدع، وفيه تفصيل ونزاع لم يقله أحدٌ من المسلمين.
ثم إن أراد بذلك أن يوافقه على مسائل الاجتهاد الخارجة عن الصلاة، فهذا غاية الجهل. وإن أراد موافقته على مسائل الصلاة لم ينضبط أمره، وإن الطائفة الواحدة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد
стр. 3158
متنازعون في واجبات الصلاة ومبطلاتها. فمن التزم هذا القول لزِمَه أن لا يصلي بعض أهل المذهب الواحد خلف بعضٍ، حتى لايصلي أبو يوسف ومحمد خلف أبي حنيفة، ولا ابن القاسم وابن وهب ونحوهما خلف مالك، ولا بعض أصحاب الشافعي وأحمد خلفهما.
وقد قال بعض المتأخرين: إنه لابد أن ينوي المصلي أداءَ الواجب في تفاصيل الصلاة، وإنه إذا فعل ما يُوجبه المأموم دونَه ولم يَنوِ أنه واجبٌ لم يصحَّ الاقتداء به. وهذا قول محدَثٌ في الإسلام، لا أصل له عن أحدٍ من السلف. وما زال المسلمون يصلُّون ولا يُميِّزون هذا التمييز، لا اعتقادًا ولا نيةً، وكيف يمكن هذا والنزاع في واجباتها ومُبطِلاتها من أصعب مسائل الفقه، فكيف يُكلَّف كل مُصلٍّ أن يحرم باعتقادٍ لا يعلم دليله؟ ومن احتاط، فإذا ما اشتبه عليه واجب هو أو مستحب؟ وترك ما اشتبه أحرامٌ هو أم لا؟ فقد استبرأ لعِرضِه ودينِه. فكيف يُذمُّ مثل هذا؟
وأما إن كان هذا القائل أراد [بقوله] «مذهبي» مذهبًا مبتدعًا في الأصول ما يخالف الكتاب والسنة، كمذهب الرافضة والمعتزلة والخوارج ونحوهم، فهذا ضالٌّ من وجهين: من جهة اعتقاد الباطل، ومن جهة امتناعه عن الائتمام بمن يعتقد الحق. وهكذا فعل أهل الأهواء بأئمة المسلمين، كما فعلت الخوارج بعلي ﵁، ابتدعوا بدعًا ما أنزل الله به من سلطان، وطعنوا مع هذا على من خالفهم من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، حتى آلَ الأمرُ بهم
стр. 3159
إلى تكفير الجمهور وقتالهم، فهؤلاء أهل التفرق والاختلاف والأهواء. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٦]، قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة (١).
ومثل هؤلاء قد ذمَّهم رسولُ الله ﷺ غاية الذم، بل أمر بقتالهم، مع وصفه لهم بالعبادة، حيث قال: «يَحقِرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، وقراءتَه مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوِز حناجرهم، يَمرُقون من الإسلام كما يَمْرُق السهم من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلَهم يوم القيامة» (٢).
فمن اعتقد ما يخالف الكتابَ والسنة، وذَمَّ الموافقَ للكتاب والسنة، ودخلَ في الفرقة والاختلاف لأجل ذلك، فهو من جنس هؤلاء.
وإن كان هذا القائل التزمَ بعض مذاهب الأئمة المشهورين كمذهب
стр. 3160
أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فهذا إذا فعل ما يَسُوغ له لم يكن له أن يُنكِر على غيرِه إذا فعلَ أيضًا ما يسوغُ له، فإنه لم يقل أحدٌ من المسلمين: إنه يجب على الأمة كلها اتباعُ واحدٍ بعينه من هؤلاء الأربعة ولا من غيرهم، بل اتفقوا على أنه لا يجب طاعة أحدٍ في كل شيء إلا رسول الله ﷺ ، فهو الذي فرض الله على الخلق اتباعَه وطاعتَه مطلقًا، فعليهم تصديقه في كل ما أخبر به عن الله، وطاعته في كل ما يأمر به.
وأما العلماء ﵃ فتجب طاعتُهم فيما يأمرون به من طاعة [الله] ورسوله. وعلى الجاهل أن يسألهم ويتعلم منهم ويرجع إليهم في دينه، وله أن يسأل هذا العالم وهذا العالم، ليس عليه أن يقتصر في السؤال والاستفتاء في جميع الدين على واحدٍ بعينه.
لكنْ تَنازعَ المتأخرون من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: هل على العامي أن يلتزم مذهبَ واحدٍ بعينه من الأئمة المشهورين، بحيث يأخذ بعزائمه ورُخَصِه، على وجهين، والمشهور الذي عليه الأكثرون من [أصحاب] الشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم [أنه لا يجب] (١) في كل شيء، كما أنه ليس له أن يقلد في كلّ مسألة بمن يوافق غرضه، وليس له أن يقلّد في المسألة الواحدة إذا كان الحق له مَن لا يقلده إذا كان الحق عليه، بل عليه باتفاق الأئمة أن يعدل بين نفسه وغيره في الأقوال، فإذا اعتقد وجوبَ شيء أو تحريمَه اعتقد ذلك عليه وعلى من يماثله.
стр. 3161
مثال ذلك شفعة الجوار، فإن للعلماء فيها قولين مشهورين، فمن اعتقد أحد القولين فقد قال بقول طائفة من علماء المسلمين، وليس لأحدٍ ثبوتُ الشفعة إذا كان هو الطالب، وانتفاؤها إذا [كان] هو المطلوب، كما يفعله الظالمون أهلُ الأهواء، يتبعون في المسألة الواحدة هواهم، فيوافقون هذا القول تارةً وهذا أخرى متابعةً للهوى لا مراعاة للتقوى.
وقد ذمَّ الله من يتبع الحق إذا كان له، ولا يتبعه إذا كان عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥٢].
وإذا كان جماهير العلماء لا يُوجبون على أحدٍ أن يلتزم قولَ شخصٍ بعينه غيرِ الرسول في كل شيء، إذْ في ذلك تنزيلُ ذلك الشخص منزلة الرسول، وليس لأحدٍ أن يُنزِل أحدًا منزلةَ رسول الله ﷺ ، بل قد قال الصِّدِّيق الذي هو أفضل الخلق بعده: «أطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ الله فلا طاعة لي عليكم» (١). فالرجل إذا اتبع قولَ بعض الأئمة في مسألة، وقول آخر في مسألة أخرى، إمَّا لظهور دليل ذلك له، وإما لترجيح بعض العلماء الذين يَسُوغ له تقليدُهم قولَ هذا في هذه وقولَ
стр. 3162
هذا في هذه= لم يكن على فاعلِ ذلك ملامٌ، ولم يكن ذلك الذي التزمَ قولَ واحدٍ بعينهِ أحسنَ حالًا منه، بل هذا أحسنُ حالًا من ذلك، لأن الأئمة الذين تُوُفُّوا كأبي حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد وغيرهم لا يمكن كثيرًا من العامة بل ولا أكثرهم أن يعرفوا مراتبَهم في العلم والدين، بل الخاصة من العلماء الذين لا هوى لهم قد يتعذر عليهم كثير من ذلك، فكيف لمن يتبع الظن وما تهوى الأنفس؟
وجمهورُ من اتبع الواحدَ من هؤلاء إنما اتبعه من جهة دين العادة، لا من جهة دين العبادة، فإن الرجل ينشأ على مذهب أبيه أو مالكه أو أهل مدينته أو أهل خِطّته ونحو ذلك، ثم يحب ذلك وينتصر له تارةً بعلمٍ وتارةً بلا علمٍ، وتارةً مع حُسنِ النية وتارةً مع فسادها. ومن المعلوم أن الله قد ذمَّ في القرآن من يتبع دينَ الآباء ويَدَعُ دينَ ما أنزل الله على الرسول، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
وإذا كان كذلك فثقةُ المقلِّد بمن يثِقُ بعلمه ودينه من أهل العلم في ترجيح قولٍ على قولٍ أعظمُ من ثِقَتِه بترجيح ما يقوله [بعض القا] ئلين مطلقًا على ما يقوله الآخر، وكذلك ثقةُ المستدلّ [بما يقتضيه] الدليلُ أعظم من ثقته بذلك. فمن كان قادرًا على الاستدلال الذي يُوصله إلى معرفة الحق في أعيان المسائل كانت هذه الطريقُ خيرًا له، [و] هي الواجبة عليه دون تقليدِ شخصٍ واحدٍ في كل شيء، ومن يكن قادرًا على
стр. 3163
التقليد، فالتقليد المفضل لمن يثق بعلمِه ودينه أقوى من التقليد العام المتضمن لفضلِ شخصٍ مطلقًا، مع أن هذا العالم ينفع إذا لم يكن أخصَّ منه. فمن علم أنه أعلمُ وأدْيَنُ كانتِ الثقةُ بأقواله أقوى، إذا لم يعلم رجحان أحد القولين. وتقليدُ الأعلم والأدين إما واجبٌ وإما مستحبٌّ.
وجماعُ هذا الأصل أن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فمن كان من أهل الإيمان واجتهد في طاعة الله ورسوله علمًا وعملًا فلا ملامَ عليه، بل يغفر اللهُ له خطأه، ويُثيبه على صوابه.
وقد ظهر بما ذكرناه أن قول القائل: «لابد لكل أحدٍ من التقليد لأحد هذه [المذاهب] الأربعة» هو قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، لكن الجمهور على خلافه، فإن هذا لا يجب على كل أحد. ومن قال: «أنا متقيدٌ بالكتاب والسنة» لم يجز لأحدٍ أن يقول له: أنت مارِقٌ، ومن قال له ذلك أُدِّبَ على ذلك؛ فإن المروقَ هو الخروج، كما قال النبي ﷺ في صفة الخوارج: «يَمرُقون من الإسلام كما يَمرُقُ السهمُ من الرميَّة» (١). وهؤلاء المارقون مَرَقُوا من السنة وخالفوا الجماعة، فمن تقيَّد بالكتاب والسنة كان متبعًا لا مبتدعًا، ومطيعًا لا عاصيًا.
ثم الكتاب والسنة يُوجِب عليه طاعةَ الله ورسولِه في كل وقتٍ وحينٍ، ومن أطاع الله ورسولَه دائمًا بحسب استطاعته كان من أولياء الله المتقين.
стр. 3164
وقول القائل: «أنا لا أتقيد بأحد هذه المذاهب الأربعة» إذا أراد بذلك أي: لا أتقيَّدُ بواحدٍ بعينِه دون الباقين، فقد أحسن في هذا الكلام، بل هذا هو الصواب. وإذا أراد: أني لا أتقيد بها كلِّها بل أخالفُها، فهذا هو مخطئٌ في الغالب قطعًا، إذ الحق لا يخرج عن هذه المذاهب الأربعة في عامة الشريعة، ولكن تنازع العلماء: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين، كما قد بُسِط ذلك في غير هذا الموضع.
وكثيرًا ما يترجح قولٌ من الأقوال، ويظن الظانُّ أنه خارج عنها، ويكون داخلًا فيها، فيكون كلٌّ من القائلين معذورًا باعتبار نظره. لكن لا ريبَ أن الله لم يأمر الأمّة (١) باتباع أربعة أشخاص دون غيرهم، هذا لا يقوله عالم، وإنما هذا كما يقال: أحاديث البخاري ومسلم، فإن الأحاديث التي رواها الشيخان وصححاها قد صححها من الأئمة ما شاء الله، بل جمهورها اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، فإخراجها لذلك دليلٌ على أنه قد صححه أئمة الحديث، لا أنه مجرد قول شخصٍ يُفيد العلم بصحة الحديث. فهكذا عامة ما يوجد (٢) من أقوال الصحابة والتابعين أو أكثر ذلك يوجد في مذاهب الأربعة.
وأما من عُرِض عليه فأنكره، وقال: «لو كان (٣).
стр. 3165
مسألة
في جماعة حنفية لهم إمام شافعي يصلّي بهم مدةً، فهل تصحُّ صلاتُهم خلفه أم لا؟ وهل يجب على فاعل ذلك التعزير؟
الجواب
صلاة المسلمين بعضهم خلفَ بعضٍ مع تنازعهم في موارد الاجتهاد هو الذي [عليه] سلف الأمة وأئمتُها، من غير خلافٍ بينهم في ذلك، فما زال الصحابة والتابعون يُصلِّي بعضُهم خلفَ بعضٍ، مع تنازعهم في كثير من مسائل الصلاة وغيرها. فإذا فعل الإمام ما يسوغُ فيه الاجتهاد اتبعه فيه المأمومُ، وإن كان هو لا يراه، مثل أن يصلي مَنْ لا يرى القنوت خلفَ مَنْ يقنت، فإنه يصلي خلفه ويتبعه في القنوت في أصح قولي العلماء. وكذلك من يَصِلُ الوتر خلفَ من يفصله، أو من يفصِله خلفَ من يَصِلُه، فإنه يصلي متبعًا لإمامه. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به» (١)، [و] قال: «لا تختلفوا على أئمتكم» (٢).
ولهذا مضت السنة واتفقَ المسلمون على أن المأموم يفعل لأجل
стр. 3166
الائتمام ما لا يسوغ له أن يفعله منفردًا، كالمسبوق إذا أدرك الإمامَ راكعًا كبَّر وركع معه، واعتدَّ له بالركعة، وإن أدركه ساجدًا كبَّر وسجَد معه، ولم يَعتدَّ له بها، ثم إنه يتشهَّدُ عقيب الأوتار، ولو فعل ذلك منفردًا عمدًا سجد بالاتفاق. وكذلك لو سَها المأموم دون الإمام لم يسجد لسهوه، ولو سها إمامه دونَه سجد لسهوِه لأجل المتابعة.
وقد تنازع العلماء فيما إذا صلى باجتهاده فترك ما هو واجب عند المأموم، أوفعلَ ما هو محرم عند المأموم، كالشافعي والحنبلي على قولٍ، فصلَّى خلف المالكي الذي لا يقرأ البسملة، أو المالكي والشافعي إذا خرج منه دمٌ ولم يتوضأ، فصلَّى خلفه حنفي أو حنبلي يرى الوضوء من ذلك، [وأمثال] (١) هذه المسائل. فهذا إذا تيقَّنه المأموم ففي صلاته قولانِ مشهوران للعلماء، والنزاع في ذلك في مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. وأما مذهب مالك فما أعلم فيه نزاعًا أنه يصح الصلاة خلفه. وهذا هو الصحيح المشهور عن أحمد في مسائل الاجتهاد التي تعارضت فيها النصوص. وكذلك الشافعي، وقد ثبت عنه أنه كان يصلي خلف المالكية، وهو يعلم أنهم لا يقرأون البسملة، وأبو يوسف صلَّى خلف هارون الرشيد، وقد احتجم وأفتاه مالك أنه لا يتوضأ.
وقد دلَّ على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه (٢) عن النبي ﷺ أنه
стр. 3167
قال: «يصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». فصرَّح أن الإمام إذا أخطأ كان خطؤه عليه دون المأموم. وغاية هذه المسائل أن يكون الإمام فيها مخطئًا، وقد بيَّن النبي ﷺ أن خطأه عليه دون المأموم.
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: «إن المأموم يعتقد بطلانَ صلاة الإمام، فإذا علم بطلانَ صلاتِه كانت صلاتُه خلفه كالصلاة خلفَ من لا صلاة له، كالمحدِث المتعمد الصلاة مع حدَثِه». فإن هذا القياس خطأ وذلك أن المأموم يعلم أن الإمام مجتهد، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفورٌ له، وإذا كان يعلم أنه لا إثمَ عليه فممتنعٌ أن يعتقد بطلانَ صلاته. وإن كان هو يرى بطلان صلاة نفسه، كما أنه لو فعل ما يعلم تحريمه أو ما يرى وجوبه، قدحَ ذلك في دينه وعدلِه، ولو فعل ذلك من هو مجتهد يسوغ له الاجتهاد لم يقدح ذلك في دينه وعدله.
وأما أكثر من يترك واجبًا في نفس الأمر أو يفعل محرمًا في نفس الأمر، ولم تكن قد قامتْ عليه الحجةُ، فلا يثبت في حقِّه حكم الوجوب والتحريم؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
ولو قيل لهذا المأموم: أنت تقول في هذا الإمام: «إن صلاته باطلة، بمنزلة من صلَّى بغير وضوءٍ وهو يعلم ذلك بخبثِه وفسقِه»، فيقول: لا. ويقال له: هو مأجور على هذه الصلاة مُثابٌ عليها، قد برئت ذمته من
стр. 3168
الطلب [بها] أو هي ثابتة في [ذمته] عليه إعادتها؟ فإن قال بالثاني فقد خالف إجماع الفقهاء، وإن قال بالأول بطلَ قوله.
ويقال له: من صلى .......... (١) ولم يُبسمِلْ مثلًا متأوِّلًا، يَلقَى اللهَ لقاءَ من أقام الصلاةَ أو لقاءَ من لم يُصلِّ صلاةً أصلًا؟ فإن قال بالثاني فقد كفر، وإن قال بالأول عُلِمَ أن من فعل ذلك فهو مقيم الصلاة.
ويقال له: من لم يُصلِّ أصلًا هل يكون وليًّا لله؟ فإن قال: نعم، كان ضالًّا، وإن قال: لا، قيل له: فهل في هؤلاء أولياء لله؟ فإن قال: نعم، عُلِمَ أن صلاتهم صحيحة لأجل التأويل والاجتهاد.
وسِرُّ المسألة أن ما تركوه إن لم يكن واجبًا في نفس الأمر فلم يتركوا واجبًا، وإن كان واجبًا فقد سقط عنهم باجتهادهم الذي استفرغوا فيه وُسْعَهم، وبلغوا فيه إلى حدٍّ يَعجِزون معه عن معرفة الوجوب، فسقط عنهم ما عَجَزوا عن معرفته، كما أسقطوا بالعجز عن فعله حينئذٍ، فيكونون قد فعلوا الواجبَ، فتكون صلاتهم صحيحة. وقد قال الله تعالى في القرآن في الدعاء المستجاب: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، إذ قد ثبت في الصحيح (٢): أن الله استجاب هذا الدعاء للنبي ﷺ والمؤمنين. وإذا كان الله قد رفع المؤاخذة عن المخطئ لم تَبطُلْ صلاتُه، كما لا يُؤاخَذ به.
стр. 3169
وطردُ هذا إن كان ناسيًا بحدثِه، ثم علمه بعد الصلاة، فإنه لا إعادة على المأمومين عند مالك والشافعي وأحمد، كما رُوي عن عمر وعثمان وغيرهما. ونظير هذا سقوطُ الوضوءِ عمن عجز عنه لعدم الماء أو لضرورة، إذا صلَّى بالتيمم فإنه يصحُّ أن يأتمَّ به المتوضئ عند الجماهير، كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي يوسف، لحديث عمرو بن العاص لما صلَّى بأصحابه في غزوة ذات السلاسل، وفعلَه ابنُ عباس أيضًا. والله أعلم.
стр. 3170
مسألة
في إمام مُدْمنِ الخمر، هل تصح الصلاة خلفه أم لا؟ وما صفة مُدمن الخمر؟ هل هو الذي لا يتركه دائمًا، أو من يكون أكثر أوقاتِه مخمورًا، أو من ينوي بقلبه أنه متى حصلَ خمرٌ شربَه؟
الجواب
من شرب الخمرَ يومًا ثم لم يشربْها إلى شهر، ومن نيتُه أنه إذا قدرَ عليها شرِبَها فهو مُصِرٌّ عليها ليس بتائبٍ منها. وكذلك من اعتادَ شربَها كما يشرب أمثالُه الشرابَ فهو مُدمِنٌ عليها وإن لم يكن مخمورًا أكثرَ أوقاتِه، فإن اعتياد الخمر كاعتياد اللحم، من الناس من يأكله كل يوم، ومنهم من يأكله يومًا ويومًا، ومنهم من يأكله في الأسبوع مرةً أو مرتين. وكلُّ هؤلاء مُدمنون.
ولا يجوز أن يُولَّى لا المُصِرُّ ولا المدمن إمامةَ الصلاة، لكن إذا ولّاه القادرُ الذي لا يمكن منازعتُه الصلاةَ صَلَّى خلفه ما يحتاج منه إلى الصلاة معه، كالجمعة وكالجماعة التي لا يقوم بها غيرُه. وأما إذا أمكن الصلاةُ خلفَ البَرِّ على الوجه المشروع فهو أولى من الصلاة خلفَ الفاجر. والله أعلم.
стр. 3171
سُئِل شيخنا تقي الدين أحمد ابن تيمية ﵀
عن رجلٍ اشترى جاريةً كافرةً، فأسلمتْ، فأعتقَها وتزوَّجها، فأنجبتْ منه ولدًا، ثم ماتت، ولم تكن تعرف تُصلِّي، ولم تكن صلَّت في الإسلام. فأين تكون من زوجها إن كان من أهل الجنة؟ وهل يتعارفون ويتساءلون؟ أو أن أحدهما يعذَّب والآخر في راحة، وهل العذاب على النفس والبدن والروح أم على واحدٍ دون الآخر؟
فأجاب
الحمد لله. إن ماتت قبل أن تعرفَ الصلاةَ تجبُ عليها بحسب حالها، وكانت مؤمنةً بأن دينَ محمد ﷺ هو الحق، ولو أمرها الرسول ﷺ بالصلاة لصلَّت، فهذه حكمها حكمُ أمثالِها ممن آمن وجهلَ بعضَ شرائعِ الإسلام، وهذا ممن يُرجى له الجنة. وإن دخلَ زوجُها الجنةَ فهي زوجتُه في الجنة، وإن لم يدخل أحدُهما لم يُغنِ عنه دخولُ الآخر الجنةَ، بل أهل الجنة في النعيم، وأهل النار في الجحيم، ولو كانا أخوين شقيقين أو زوجين، أو كان بينهما غير ذلك من الأسباب.
وإذا مات الميتُ وكان من أهل الجنة تلقَّاه أهلُ الجنة، ويسألونه عما يَعرِفونه من الأحياء، ما فعلَ فلانٌ؟ فيقول: على حال حسنة. وما فعلَ فلان؟ فيقول: قد تزوج. وما فعلَ فلان؟ فيقول: ألم يأتِكم؟ فيقولون: لا، فيقول: ذُهِبَ به إلى أمّه الهاوية. والأعمالُ التي تعرض على أقاربهم من الأحياء.
стр. 3172
والنعيم والعذاب للروح والبدن جميعًا، فالروح تَنعَم وتُعذَّب مفردةً، وينعم ويُعذّب البدن بواسطة الروح إذا شاء الله. وتفصيل هذا مبسوطٌ في موضع آخر (١).
стр. 3173
سئل الشيخ ﵀ ما صورته:
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ــ ﵏ أجمعين ــ في عرب البادية، الذين كلَّ سنةٍ يَقصِدون إلى قربِ الحجاز في أهلهم وبيوتهم وجميع مالهم، وقتٌ يَجِدِّون في السَّير، ووقتٌ يُقيمون، ووقتٌ يكون سيرُهم سهلًا، فهل يَحِلُّ لهم قصرٌ في جميع ذلك أو في شيء منه؟ أو قصرٌ في وقتٍ دون وقت فيما يحل؟ وهم كلَّ عامٍ يكون هذا دأبهم، في كل سنة يكون مدة رحيلهم ثمانية شهور أو تسعة شهور، وجميع مقامهم في الشام كلَّ عام ثلاثة شهور، وإن كثر أربعة. أفتونا وبينوا رحمكم الله تعالى.
فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بما صورته:
الحمد لله. هؤلاء إذا سافروا من أهليهم في جهادٍ أو سفر إلى السلطان أو لحملِ حنطةٍ أو غير ذلك قَصَروا الصلاة، وأما إذا كانوا مع أهليهم يطلبون الماء والمرعَى، أيَّ موضعٍ وجدوه أصلحَ لهم أقاموا به لم ينتقلوا منه إلى غيره، فهذا هو مقامهم فلا يقصرون الصلاة. مثل ذلك مثل ما يكونون منتقلين بأرض الشام أو أرض نجد، وإذا ارتحلوا من الشام إلى نجد سفرًا مستمرًّا من غير إقامةٍ كانوا مسافرين أيضًا. والله أعلم.
стр. 3174
سئل شيخنا رضي الله تعالى عنه في مسائل:
١ ــ إحداها:
فيمن قتل النفسَ التي حرَّمَ الله بغير الحق، وتمكن أولياء المقتول من القَوَد، ويعفو أولياءُ المقتولِ عنه، أو يصالحوه على شيء دون الدية الشرعية، هل يعود المقتول يطالب في الآخرة أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله. نعم يطالب المظلوم المقتول حقَّه من الظالم القاتل في أحد قولي العلماء، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
٢ ــ ومنها:
ما تقول برجلٍ كثير الحسنات كثير السيئات، فهل تُكتب حسناته وسيئاتُه؟ أم يُذهِبُ بعضُهن بعضًا؟
فأجاب:
تُكتَب حسناته وسيئاته، والله تعالى يَزِنُ هذه بهذه، فإن رجَحَت الحسناتُ دخل الجنة، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
٣ ــ ومنها:
ما يقول سيّدنا في اليتيم والأرملة، هل هما من أهل الزكاة أم لا؟
فأجاب:
إذا كانا من الفقراء والمساكين أُعْطُوا من الزكاة، وهما أحقُّ مِن غيرهما.
стр. 3175
٤ ــ ومنها:
ما يقول سيّدنا بمن يَستمني بيده، هل هو زنا أم لا؟ وماذا يجب عليه إذا فعلَ ذلك؟
أجاب:
هذا حرام يُعزَّر صاحبُه، لكن إذا اضطُرَّ إلى ذلك وخشيَ العنَتَ، مثل أن يخاف المرضَ أو الزنا، ففيه قولانِ للعلماء.
٥ ــ مسألة:
وما يقول سيدنا في التين هل يجب عليه عُشْرٌ أم لا؟
فأجاب:
نعم، التين يُعشر في أظهر قولي العلماء. كتبه أحمد ابن تيمية.
٦ ــ مسألة:
وما يقول سيّدنا بمن يأكل الحرام ويترك الصلاة، هل يجوز أن يُعطَى الزكاةَ أم لا؟
فأجاب:
يُستتاب، فإن التزم أن يُصلِّي أُعطِيَ من الزكاة، وإن امتنع من الصلاة لم يُعطَ، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
стр. 3176
٧ ــ مسألة:
وما يقول سيّدنا في المسافر إذا نزلَ في موضع وهو يعلم أنه يُقيم فيه عشر ليالٍ وأكثر، فهل يجوز له أن يَقصُر ويجمع؟ أو يُتِمّ؟
فأجاب:
السنة للمسافر أن يقصر الصلاةَ ركعتين ركعتين إلا المغرب، والجمع إذا احتاج إليه، وإذا كان المسافر نازلًا فالسنةُ أن يَقصُر ولا يجمع إلّا إذا احتاج إلى ذلك، وإذا كان لا يدري كم يُقيم فإنه يَقصُر أبدًا، وإن عَلِمَ أنه يُقيم عشرًا أو خمسة عشر ففيه قولان للعلماء، أظهرهما أنه يَقصُر أيضًا، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية. (صورة خطه في المواضع كلها).
فصل
إذا أقرَّ الأب في ملكٍ كان له بأنه ملكٌ لأولادِه بناءً على أنه وهبَه لهم، فله أن يرجعَ في هذه الهبة. وإذا كان الإقرار مطلقًا، فادعى أنهم إنما ملكوه بطريق الهبة لا بطريق المعاوضة، فالقول قولُه مع يمينه في ذلك، وله أن يرجع في الهبة، فإن الأصل عدمُ العِوَض، وقد جرت العادة بأن التمليك يكتب إقرارًا، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
стр. 3177
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلاة الله وسلامه على خاتم أنبيائه ورسله محمد وعلى أزواجه وذريته.
أما بعد، فهذه هي المجموعة التاسعة من «جامع المسائل» لأبي العباس تقي الدين وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، مما لم يُنشر من قبلُ من آثاره، أحمدُ الله مسبغَ النعم أن هيأ لي أسباب نشرها والعناية بها، مقتفيًا سبيل أخوين كريمين سبقا إلى نشر المجموعات السابقة من هذا الجامع المبارك، الشيخ المحقق البحاثة محمد عزير شمس، والشيخ المحقق الدكتور علي بن محمد العمران، بارك الله صنيعهما وزادهما إحسانًا وتوفيقًا.
وقد اعتمدت في تحقيقها على ثلاثة أصول خطية، بذلت الوسع في قراءتها قراءة صحيحة، وأدائها إلى القارئ بريئة من سهو النساخ، خالصة من سقطهم، مذيَّلة بتعليقات هادية إلى تخريج حديثٍ أو توثيق نصٍّ أو إحالة إلى نظير من آثار شيخ الإسلام أو غير ذلك مما اجتهدتُ في بذل النصح فيه وتقريب ما تناءى منه، وما أزعم أني أوفيت على الصواب في كل ما تقدمتُ به، ولكني اجتهدتُ ولم آلُ، والله من وراء قلب كل امرئ وقصده.
وهذا موضع القول في تلك الأصول، وما اشتملت عليه من المسائل والرسائل، تعريفًا وتوثيقًا:
* الأصل الأول:
مجموع نفيس محفوظ بمكتبة أيا صوفيا برقم (١٥٩٦)، عدد أوراقه
стр. 3178
٢٤٠ ورقة، بخط شمس الدين محمد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن عمر بن محمد بن يوسف بن أحمد بن محمد, من ولد عبد الرحمن بن سعد بن عبادة سيد الخزرج ﵁ , الأنصاري, الحرَّاني, الشهير بابن الحبَّال, الحنبلي.
هكذا ساق اسمه ورفع نسبه في مواضع من المجموع, وذكر في موضعٍ أنه سِبْطُ سِبْط الشيخ محمد بن قوام الصَّالحي (ت: ٦٥٨) (١) , أي من جهة أمه, ووجدتُ من طبقتها: عائشة بنت أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن قوام الصَّالحية (ت: ٨٠٣) (٢)، فلعلها هي.
ولم أقف له على ترجمة فيما نظرت من المصادر, ومما رأيتُ بخطه غير هذا المجموع نسخة جيدة من «مفتاح دار السعادة» للإمام ابن القيم بمكتبة حسن باشا (برقم ٥٨٠)، نسخها سنة ٧٩٢ بطرابلس، فهذه قرينةٌ على أنه كان من أهلها.
ومن آل بيت الحبَّال عددٌ من أهل العلم ينسبون إلى حرَّان, وبعضهم إلى بعلبك, وذلك أن أصولهم من حرَّان (٣) , ثم سكن بعضهم بعلبك, وبعضهم طرابلس, وبعضهم دمشق.
ومن أعلامهم: الشيخ المسند جمال الدين يوسف بن عبد الله بن علي
_________
(١). ترجمة الشيخ الصالح ابن قوام في «تاريخ الإسلام» (١٤/ ٩٠٢).
(٢). انظر: «إنباء الغمر» (٢/ ١٧٩).
(٣). كما قال اليونيني في «ذيل مرآة الزمان» (٤/ ٥٥) عن داود بن حاتم بن عمر بن الحبال (ت: ٦٧٩): «أصل أجداده من حرَّان». وانظر: «البداية والنهاية» (١٧/ ٥٦٨).
стр. 3179
ابن حاتم بن محمد بن يوسف البَعْلي الدمشقي ابن الحبال (ت: ٧٧٨).
ومنهم: جدُّ الناسخ: إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي (ت: ٧٤٤)، وهو من أصحاب شيخ الإسلام، وقد ذكر في نصيحته المنشورة بعنوان «النصيحة المختصة» (ص: ٤٢) وصية ابن تيمية له سنة ثلاث وسبع مئة، وهي مطبوعة عن أصل فريد كتبه بطرابلس الشام سنة ٧٥٩ ابنه وعمُّ الناسخ: أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحيم (١).
وخطُّ الناسخ واضحٌ حسن, وعنايته بالضبط وعلامات الإهمال تدلُّ على فضله واشتغاله, ولا يخلو من تحريفٍ وسقطٍ لعل بعضه من الأصل الذي ينقل عنه لمحوٍ أو استغلاق رسمٍ أو غير ذلك، فإنا نجد بعض المسائل والرسائل حافلة بالتحريف، وبعضها خالية منه أو تكاد.
ومن دلائل فضله: ذِكره في الطُّرر لبعض القراءات الأخرى المحتملة للمواضع المشكلة، يصدِّرها بقوله: «لعله ... »، كما في (ق ٤/و، ٩/ظ، ١٠/ظ، ١٤/و، ٦٩/ظ، وغيرها)، وربما كانت مما رآه على الأصول التي ينقل عنها.
ومن دلائل عنايته: مقابلته لرسائل المجموع ومسائله, يقيد بلاغاتها في الطرر بقوله (ق ١٠/ظ، ٢٠/ظ، ٣٠/ظ، ٣٧/ظ، ٣٩/ظ، وغيرها): «بلغ مقابلة»، وفي بعضها (ق ١٢/ظ، ٤٢/ظ، ٥٢/ظ، ٦٢/ظ، وغيرها): «بلغ مقابلة مع قاضي القضاة أبي العباس أحمد ابن الحبال الحنبلي» , وهو الشيخ الإمام شهاب الدين ابن الحبال أحمد بن علي بن عبد الله بن علي بن حاتم
_________
(١). أفادنيه الشيخ الدكتور سليمان بن عبد الله العمير جزاه الله خيرًا.
стр. 3180
البعلي الحنبلي قاضي القضاة (ت: ٨٣٨) (١).
وآثار المقابلة من اللحق والتصحيح باديةٌ على صفحات المجموع, وكذلك الفصل بين المسائل ونحوها بدائرة منقوطة على طريقة المحدثين, والنقط علامة المقابلة عندهم.
وهو يضع في الطُّرر عناوين لبعض المسائل، وربما وضعها في المتن قبل بدايتها، ولا أدري أمن إنشائه هو أم من الأصول التي ينقل عنها؟
وقد كتبه ابن الحبال في شهور سنة ٧٩٣، كما يدل عليه تتبُّع التواريخ التي قيَّدها لنَسْخِه, فأول ذلك (ق ١٢/ظ): سادس شهر ربيع, ثم في (ق ٢٦/ظ): خامس وعشرين شهر ربيع الآخر, ثم في (ق ١٣٥/و): سابع وعشرين من جمادى الأولى, ثم في (ق ١٧٣/ظ): ثالث شهر رجب الفرد الأصب من شهور سنة ثلاث وتسعين وسبعمئة.
وعلى صفحة العنوان بضعة تملكات، من أهمها تملُّك لأحمد بن النجار الحنبلي سنة ٨٩٤، ولعله الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، ولد سنة ٨٦٢ وتوفي سنة ٩٤٩.
ومن نفاسة هذا المجموع أن جُلَّ ما فيه منقولٌ عن خط الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد ابن المحب، وهو عن خط شيخ الإسلام ابن تيمية، وخطوط كبار أصحابه وناسخي كتبه العارفين بآثاره، كالمحب الصامت، وعمه برهان الدين إبراهيم ابن المحب، وتقي الدين أبي بكر
_________
(١). انظر: «المقصد الأرشد» (١/ ١٤٧, ١٨٥, ٢/ ٥٠٢).
стр. 3181
الدريبي، والحسين بن إبراهيم بن سونج، وبدر الدين بن عز الدين المقدسي.
كما أن على بعض طرره تعليقات لشمس الدين ابن المحب، كتعليقه على تفسير سورة المسد (ق ٤٠/ظ- ٤٤/ظ)، وتعليقه على فصل في الأم إذا أنفقت على ابنها وهو في حضانتها تنوي بذلك الرجوع على الأب (ق ٧٢/و-٧٢/ظ)، والفصل منشور في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٣٤).
وقد سُمِّي المجموع في صفحة العنوان بخط أحدهم: «مجموع من فتاوى الشيخ تقي الدين ابن تيمية»، وتحته: «وهذا المجموع بخط الشيخ شمس الدين ابن الحبال تغمده الله برحمته».
وهو كذلك، فغالب ما فيه رسائل ومسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، بعضها مما سبق نشره في «مجموع الفتاوى» و «جامع المسائل»، وبعضها مما لم يسبق نشرُه من قبل، وهو ما تضمُّه المجموعة التي بين يديك، وسآتي على ذكرها مفصَّلة بعد قليل.
وما نُشِر من تلك الرسائل والمسائل لم يُعتمد في نشره على نُسَخ هذا المجموع، وبعضها في غاية النفاسة والإفادة، كمسألة الكلام على القراءات السبع هل هي المرادة بحديث الأحرف السبعة؟ (ق ٢٧/و-٣٣/و)، فإن في صدر نسختنا النصَّ على أن السائل هو الإمام أبو حيان الأندلسي، وأن ذلك كان بمصر في رجب سنة سبع وسبعمئة، وأن جواب شيخ الإسلام سُمِع من لفظه. وهي نسخةٌ جليلة، نقلها ابن الحبال من خط شمس الدين ابن المحب الذي قرأها على ابن عمه الإمام المحب الصامت، ونقل من خطه: «قرأها كاتبها أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عليَّ, بسماعي من
стр. 3182
أبي محمد عبد الله بن يعقوب الإسكندري , بسماعه من الشيخ , ... في محرم سنة اثنتين وستين وسبعمئة. كتبه محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب».
ومنها: القاعدة المشهورة في العبادات التي جاءت على وجوه متنوعة (ق ٥٤/ظ-٦٣/و)، ففي صدر نسختنا النصُّ على أنها مما كتبه الشيخ في محبسه بقلعة دمشق آخر عمره ﵀.
ومنها: مسألة في الذنوب الكبائر هل لها حدٌّ تعرف به؟ (ق ٩٦/ظ-٩٩/ظ)، وفي صدر نسختنا النصُّ على أن السائل هو الشيخ أبو عبد الله بن رُشَيِّق، وهي منقولة من خط ابن المحب. وفي نشرتها من «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٥٠ - ٦٥٧) سقط.
ومنها: فصل في قيام الليل (ق ١٠٤/ظ-١٠٦/ظ)، كتب الناسخ في أوله: «وهو من القلعيَّات مما سئل عنه شيخ الإسلام»، يعني مما كتبه في قلعة دمشق، وقد نقله ابن الحبال عن خط شمس الدين ابن المحب عن خط عمه إبراهيم ابن المحب.
ومنها: المسألة المشهورة بالرسالة الأكملية, وقد نشرت مفردة وضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٦٨ - ١٤٠). وهي في نسختنا بعنوان: «مسألة تتعلق بالكمال في حقِّ ذي الإكرام والجلال» (ق ٢٠٥/ظ-٢٣٧/ظ)، وكتب الناسخ في صدرها: «وهذه تسمى: الأكملية الجوزية؛ لأن السائل عنها إمام الجوزية». وقد نقلها ابن الحبال عن خط الإمام المحب الصامت, ونقل المحبُّ طبقة سماعٍ للمسألة من لفظ المجيب شيخ الإسلام بدار الحديث السكرية بدمشق سنة ٧١٦, وكاتب السماع هو الشيخ المحدث محمد بن
стр. 3183
إبراهيم بن محمد بن الواني, وممن ورد اسمه في طبقة السماع: الإمام المزي, وابن القيم, وابن رُشَيِّق, وتاج الدين الفارقي، وطائفة.
هذه نماذج لما سبق نشرُه، وقد تركتُ أكثر مما ذكرت.
وفي المجموع بعض ما صرَّح الناسخ بنسبته لغير شيخ الإسلام، كرسالة برهان الدين ابن القيم في الكلام على سنَّة الجمعة (ق ١٣/و-٢٦/ظ)، وهو أصلٌ نفيسٌ مقابلٌ منقولٌ عن نسخة عليها خطُّ شمس الدين ابن المحب، وفيه التصريح باسم المردود عليه، وهو الشيخ زين الدين القرشي الشافعي، ولم يُعتمد في النشرة المطبوعة لهذه الرسالة.
ومن ذلك: دعاءٌ طويل لختم القرآن، نقله ابن الحبال (ق ٩٠/و-٩١/ظ) عن خطِّ ابن المحب عن خطِّ برهان الدين ابن القيم، ولم يصرِّح بنسبته لشيخ الإسلام، فلم أدرجه في هذه المجموعة، وهو بالبرهان ابن القيم أو غيره أشبه، والله أعلم.
ومما لم يصرِّح الناسخ بنسبته لشيخ الإسلام أو لغيره: مسألة مختصرة فيما يستحقه الشهود الخارجون للقسم من الأجرة (ق ١٤٩/و-١٤٩/ظ)، ولم أعتمدها لذلك أيضًا في هذه المجموعة.
ومن هذا الباب: رسالةٌ إخوانيةٌ في الصبر على البلاء (ق ١٥٧/ظ-١٦٠/و)، لم يذكر الناسخُ كاتبها، وليست من نمط كلام شيخ الإسلام.
ومما لم أر مناسبته لهذه المجموعة: وقائع شيخ الإسلام مع الجن، وما يتصل بها من الحكايات، كتبها الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمود بن إسماعيل البعلبكي الشافعي في أثناء كلامه على
стр. 3184
حوادث فتنة سنجار (ق ١٤٩/ظ- ١٥٣/و)، وهي بكتب التراجم أليق منها بجامع المسائل.
وفي المجموع سوى ما تقدم ذكره: بضع فوائد متفرقة منقولة عن ابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير وشرح المنهاج للأذرعي (ق ١٧٨/ظ، ١٨٦/و- ١٨٦/ظ)، وأبيات وقصائد لجمال الدين يوسف السرمري وغيره (ق ١٦٠/ظ، ١٩٨/و- ٢٠٥/و).
أما الرسائل والمسائل التي ضمَّتها مجموعتنا هذه من ذلك المجموع، فهي:
١. فصل في الكلام الذي ذمَّه السلف.
(ق ١٠٨/و- ١١٢/و)، نقله ابن الحبال عن خط شمس الدين ابن المحب عن خط شيخ الإسلام.
وهو فصلٌ نافعٌ حرَّر فيه الشيخ حقيقة الكلام الذي تواردت عبارات السلف على ذمه والنهي عنه، وبيَّن اضطراب الناس في فهمهم له، وأن التحقيق هو أن مرادهم به الكلام المبتدع الذي لم يشرعه الله ورسوله، وأنهم لم ينكروا مجرَّد إطلاق ألفاظٍ لها معانٍ صحيحة، كما يعتقده قومٌ من أهل الكلام وغيرهم.
وأحال في مواضع منه على كتابه «اقتضاء الصِّراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم»، وعلى قاعدته في السُّنة والبدعة.
٢. مسألة في الأولياء والصالحين والأقطاب والأبدال ورجال الغيب.
(ق ١٢٢/و- ١٢٧/و)، سئل فيها الشيخ عن حديث: «ما من جماعةٍ
стр. 3185
اجتمعوا إلا وفيهم وليٌّ لله تعالى، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه»، هل هو صحيح؟ ومن أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ ومن الصَّالح؟ وهل لرجال الغيب حقيقة؟ وهل ينبتُ الشَّعرُ على أبدانهم، فيستغنون به في جميع أوقاتهم عن لبس الثياب؟ وما معنى الأبدال والقُطْب؟ وهل يكونون في البراري والجبال، أم في المدن بين أظهر الناس؟ وهل لهم علامةٌ يُعْرَفون بها أم لا يعلمهم إلا الله ؟ فأجاب عن جميع ذلك فصلًا فصلًا.
وقد نقل من هذا الجواب بلفظه ابن أبي العز في شرحه على الطحاوية (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩) دون عزوٍ على طريقته المعهودة.
٣. مسألة في حياة الخضر وادعاء لقائه.
(ق ١٣٧/ظ-١٣٩/و)، سئل فيها الشيخ عن الخَضِر، هل هو حيٌّ الآن؟ وهل يأثمُ من كذَّب إنسانًا ادَّعى أنه لقيه واجتمع به في غير النوم؟ فأجاب ببيان أنه ليس في دعوى الاجتماع بالخَضِر فائدةٌ في دين المسلمين، سواءٌ كانت صدقًا أو كذبًا، ذلك أنه لا يُرْجَعُ إلى الخَضِر ولا إلى من يَنْقُل عن الخَضِر من غير طريق النبي ﷺ في شيءٍ من دينهم، ثم قرَّر أن الصواب موت الخَضِر قبل النبي ﷺ ، وأنه لم يُدْرِك زمنَه ولا رآه، ولا ذكر أحدٌ من الصَّحابة أنه كان موجودًا، وأن كلَّ من ذكَر أنه حيٌّ، فإن كان صادقًا فهو مُلَبَّسٌ عليه؛ وإن كان كاذبًا كان من أهل الإفك المستحقِّين التعزير.
وقد ذكرتُ في حواشي المسألة أن القول بموت الخضر هو المعروف المستقر في كتب شيخ الإسلام، وأحلتُ على مواضعها، وبينتُ أن ما وقع في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٣٧) من القول بحياة الخضر منحولٌ على شيخ
стр. 3186
الإسلام أو منتزعٌ من سياقه إذ كان نقلًا لقول من يذهب إلى حياته، كما أوضحه الخيضريُّ في كتابه «افتراض دفع الاعتراض».
٤. رسالة إلى الشيخ قطب الدين في الكلام عن ابن عربي وطائفته.
(ق ١٣٩/و-١٤٣ ظ)، نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط عمِّه إبراهيم ابن المحب عن خط شيخ الإسلام.
وهي رسالة كتبها شيخ الإسلام إلى قطب الدين موسى بن أحمد بن الحسين، ناظر الجيوش بالشام ومصر، وكان من رجال الدهر سؤددًا وفضلًا، وتوفي سنة ٧٣٢، بخصوص قضية وقعت سنة ٧٠٤ إذ نشب خلافٌ بين جماعة من المتصوفة ببعلبك في كلام ابن عربي ونحوه من الاتحادية، فقدموا إلى شيخ الإسلام بدمشق، واجتمعوا عنده بدار الحديث السكرية حيث كان يسكن، بحضور جماعةٍ من كبار أصحابه، وجرى الحديث فيما وقع الخلاف فيه من أمر الاتحادية، وقرئ بعض ما به بيان حقيقة أمرهم من كلامهم، ثم اتفقوا على أن تلك المقالات وما أشبهها كفر، وتبرؤوا منها، وكُتِب محضرٌ بذلك وقَّع عليه الحاضرون، وكتب شيخ الإسلام إلى أهل بعلبك رسالة بيَّن لهم فيها الحقَّ وشرح ما وقع في ذلك الاجتماع.
ويظهر أن خبر ذلك الاجتماع وما جرى فيه قد بلغ ناظر الجيش الشيخ قطب الدين، فكتب إلى شيخ الإسلام يسأله عنه، ويحثُّه على جمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ونحو ذلك، فأجابه الشيخ بهذه الرسالة.
والمحضر الذي أشرت إليه ورسالة شيخ الإسلام إلى أهل بعلبك في هذا الأمر كلاهما منشورٌ في «جامع المسائل» (٧/ ٢٤٥ - ٢٥٩).
стр. 3187
٥. فصل في الكلام على الاتحادية.
(ق ١١٢/و- ١١٤/و)، نقله ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط شيخ الإسلام.
وهو فصلٌ نافعٌ في الرد على الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، ابتدأه بفصلٍ منقول من كلام ابن سبعين، ثم شرع في بيان وجوه الكفر في تلك المقالة وأنها جامعة لكلِّ كفرٍ في العالم، ولفساد كلِّ عقلٍ ودين. وفي آخره مقارنةٌ مهمة بين قولهم وقول فرعون لم أقف على نظيرٍ لها فيما رأيت من تراث الشيخ ﵀.
٦. مسألة في الأفعال الاختيارية من العباد.
(ق ١٦٤/و- ١٧٣/ظ)، نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط شيخ الإسلام, وفي صدرها: «مسألة سئل عنها بالشام شيخُ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحرَّاني ﵁ قبل دخوله مصر وسُمِعت من لفظه في رمضان سنة أربع وتسعين وستمئة, في الأفعال الاختيارية من العباد ... ». وفي آخر الجواب قال ابن الحبال: «آخر ما وُجِد بخطه، ومنه نقل الإمام شمس الدين محمد ابن المحبِّ المقدسي الحنبلي تغمده الله تعالى برحمته، وقال: إنه وجده في دُرْجٍ، وفي ظهره مكتوبٌ ما صورته بخطه أيضًا: ... » ثم ساق تتمة مهمة للجواب في ثلاث صفحات.
وقد نُشِرت المسألة في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٨٦ - ٤٠٥) عن أصل كثير التحريف والبياض أشار إليه الشيخ ابن قاسم ﵀ في عدة مواضع (٨/ ٣٩٤، ٤٠١، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٤، ٤٠٥)، وينفرد الأصل الذي معنا
стр. 3188
بتلك التتمة التي أشرنا إليها، وهي الباعث الأساس لنشر المسألة ضمن هذه المجموعة، كما ينفرد بالنص على تاريخ المسألة ومكانها وسماعها من لفظ شيخ الإسلام، بالإضافة إلى تصحيح التحريف واستدراك السقط. وقد انتفعت بمطبوعة «الفتاوى»، وجعلت زياداتها بين معقوفين، وأشرت إلى المهم من قراءاتها وخللها، رامزًا إليها بحرف (ف).
٧. فصل في الكلام على حديث «اللهم إني عبدك بن عبدك ... ».
(ق ٥٠/ظ- ٥٣/و)، وهو شرحٌ لحديث ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب عبدًا قطُّ همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدُك ابن عبدُك ابن أمتك، ناصيتي بيدك ... ».
وقد ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (١٠٥) في الأحاديث التي شرحها شيخ الإسلام: «وحديث ابن مسعودٍ في درء الهمِّ»، وهو هذا.
واعتمد عليه ابن القيم، ولخَّص عيونه، ونقل كثيرًا من ألفاظه في «شفاء العليل» (٧٤٩ - ٧٦٠).
٨. مسائل عقدية.
وهي سبع مسائل (ق ١٣٥/ظ، ١٣٧/ظ، ٦٣/و- ٦٣/ظ، ٧٩/ظ، ٨٦/و)، جمعتها تحت هذا العنوان لاختصارها:
الأولى: في معتقد أهل السنة في كرامات الأولياء، ومذاهب مخالفيهم فيها. نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط تقي الدين الدريبي. وهي مختصرة بألفاظها في «مختصر الفتاوى المصرية» (٦٠٠).
стр. 3189
الثانية: في من يعتقدُ أن الله يكلِّفُ العباد ما لا يطيقونه.
الثالثة: في جملة أمور سئل عنها شيخ الإسلام، وهي: هل صلى أحدٌ من الأنبياء إلى المشرق، أو المغرب، أو إلى بيت المقدس؟ وهل بعث الله نبيًّا بغير دين الإسلام؟ وما سببُ صلاة نبينا ﷺ إلى بيت المقدس؟ وهل صخرة بيت المقدس أفضل من غيرها من الحجارة؟ وهل يأجوج ومأجوج من ولد آدم ﷺ ؟ وهل طلوع الشمس من مغربها قبل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج؟ فأجاب جوابًا محكمًا مختصرًا عن جميع ذلك.
الرابعة: في المفاضلة بين المسلم والمؤمن.
الخامسة: في أزواج النبي ﷺ أيتهنَّ أفضل؟ وهل فاطمة ﵂ مثلهنَّ في الفضل؟ وما سببُ حياء الملائكة من عثمان ﵁؟
السادسة: في الكلام عن الخطِّ في الرمل، وما ينسبُ فيه إلى النبيِّ إدريس ﵇، ولم أجد لشيخ الإسلام كلامًا في هذه المسألة فيما وصلنا من تراثه سوى هذا الموضع.
السابعة: في صحة قول رجل: إن أولياء الله الأبرار يقولون للشيء: كن، فيكون بإذن الله. وهي فتوى محررة تدمغ ما تعلق به بعض أهل الأهواء من إيراد شيخ الإسلام لأثر «يقول الحقُّ : يا عبدي، إني أقول للشيء: كن، فيكون. فإن أطعتني جعلتك تقول للشيء: كن، فيكون» في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٧٧).
وقد اختصرها البعليُّ في «مختصر الفتاوى المصرية» (٥٨٧).
стр. 3190
٩. فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
(ق ٣٤/و- ٣٦/ظ)، نقله ابن الحبال عن خط ابن المحب، وذكره ابن رُشَيِّق في أسماء مؤلفات ابن تيمية (٢٩٠ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام).
١٠. فصل في الكلام على آياتٍ من سورة الشورى.
(ق ٣٦/ظ- ٣٧/ظ)، ابتدأه ابن الحبال بقوله: «فصلٌ: قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني أيضًا ﵁».
١١. فصل في تفسير سورة المسد.
(ق ٤٠/ظ- ٤٤/ظ)، نقله ابن الحبال عن خط ابن المحب، وذكره ابن رُشَيِّق في أسماء مؤلفات ابن تيمية (٢٢١، ٢٣١ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام)، والصفدي في «الوافي» (٧/ ٢٤). ولخص مقاصده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في صفحة واحدة ضمن «المسائل التي لخَّصها من كلام شيخ الإسلام» (١٣/ ٧١ - مجموع مؤلفاته) , وعنه في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٦٠٢).
ولشمس الدين ابن المحب زياداتٌ نفيسة على تفسير شيخ الإسلام، عمادها نقولٌ بديعة استخرجها من دواوين اللغة وأمات كتب الحديث والتفسير وعلوم القرآن وغيرها مما يتصل بتفسير السورة، وطائفةٌ منها من مصادر عزيزة تُذكر اليوم في عداد المفقود من كتب التراث. وقد نشرتها رفقة تفسير ابن تيمية مع دراسةٍ لكليهما عام ١٤٣٦، عن مركز تفسير للدراسات القرآنية، وفي هذه النشرة تصحيحٌ لما فات هناك.