الإطعام يجب بعد الوطء لا قبله، بل اللفظ إن كان مطلقًا كما زعموه فلا دلالة له، لا على هذا ولا على هذا. وهذا غلطٌ يُنزَّه القرآن عنه.
وأيضًا فقوله (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) اقتضى إيجاب الإطعام، وليس في الآية ما يقتضي تأخير الوجوب إلى بعد التماسّ، فيبقى الإيجاب يتناول الحالين، ما قبل التماسّ وما بعده، فهو واجب قبل التماس، فإن لم يفرق الواجب حتّى تماسا فعليه إخراجه بعدَ ذلك.
وأيضًا فقوله (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) مع قوله (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) دل على أن العود له مبدأٌ وله منتهىً كسائر الأفعال، فمبدؤه إذا عزم عليه، ومنتهاه إذا وطئ. وقوله "ثم يعودون" لم يرد به توقيف الكفارة على تمام العود، فإنه لو أراد ذلك لم تجب الكفارة إلاّ بعد تمام العود، وهو خلاف قوله "من قبل أن يتماسا". بل أراد به أنه يجب إخراجها بعد الشروع في العود بالعزم عليه، قبل إتمامه بالوطء. وإذا كان هذا هو مقتضى قوله "ثم يعودون" مع قوله "من قبل أن يتماسّا"، فهو إنما أوجب التكفير بالإطعام بعد هذا العود، فعُلِم أنه واجب إذا شرع في العود، وإن لم يحصل تمام العود، وإلاّ لزم اختلاف معنى العود في الآية.
وأيضًا فالكفارات هي من جنس العبادات، وفيها معنى العقوبات، كما أن الحدود هي عقوبات، وهي أيضًا عبادات، ولهذا قال: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ)، أي تزجرون به، وتُنهَون به، وتعاقبون به، وقد جعل من تمام العقوبة أن تحرم عليه إلى أن يكفّر، فإذا قيل: إنها لا تحرم على المكفّر بالإطعام زالت العقوبة الواجبة بالتحريم، لاسيما والتكفير .. (١).
стр. 352
بين يدي الكتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذه مجموعة ثانية من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية تحتوي على ثلاثةٍ من أهم آثاره، وهي:
١ - فتوى في الغوث والقطب والأبدال والأوتاد.
٢ - قاعدة في الاستحسان.
٣ - قاعدة في شمول النصوص للأحكام.
وقد وصلت إلينا الرسالتان الأولى والثانية بخط الشيخ، أما الثالثة فتوجد منها عدة نسخ كاملة وناقصة، وسيأتي وصفها جميعًا في مواضعها من مقدمات هذه الرسائل.
ونظرًا إلى أهمية الموضوعات التي تناولتها هذه الرسائل عُنِيتُ بها عنايةً خاصّةً، فقمتُ بضبطها ومقابلتها على الأصول عدّة مرات، والتعليق عليها بما يفيد في التوثيق والتخريج، والربط بين كلام المؤلف هنا وبين ما هو مبثوث في مواضع أخرى من كتبه وفتاواه، والتنبيه على بعض الأخطاء والتحريفات التي وقعت في نسخِ الرسالة الثالثة والتي شوّهت معالمها، والإشارة إلى ما في أصلي المؤلف للرسالتين من العبارات التي قد تُشكِل أو تُستَغْرَب،
ومحاولة توجيهها.
стр. 353
وقد قدَّمتُ لكل رسالة بمقدمة مستقلة، قصت فيها بتوثيق نسبتها إلى المؤلف، ووصف النسخ الخطية، ودراسة الموضوعات التي تناولتها، وبيان منهج المؤلف فيها. وتوسعت في الحديث عن بعض القضايا وبيان موقف شيخ الإسلام منها، والردّ على بعض الشبه التي أثيرت قديمًا وحديثاً.
وقد طبعت "قاعدة في الاستحسان" من قبل بصورة مفردة، ثم رأيتُ أن تُنشر ضمن هذه المجموعة. وأرجو أنني قد وُفِّقت في تقديم هذه الرسائل التي تضيف الجديد المفيد إلى عالم المطبوعات، والطريف المثير إلى عالم الفكر. وأدعو الله أن يجعلها نافعة للعلماء والطلاب وعامة الناس، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد عزير شمس
стр. 354
فتوى
في الغوث والقطب والأبدال والأوتاد
стр. 355
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذا أثر من آثار شيخ الإسلام ابن تيمية بخطه، ينشر لأول مرة بعد سبعة قرون من كتابته، يتناول فكرة القطب والأبدال والأوتاد، التي شاعت لدى الصوفية وعامة الناس منذ القرن الرابع تحت تأثير بعض الثقافات الوافدة إلى المجتمع الإسلامي، واستنادًا إلى بعض الأحاديث الباطلة الموضوعة على النبي ﷺ ، حتى جاء كبير الصوفية وفيلسوفهم في عصره ابن عربي المتوفى سنة ٦٣٨، فوضع نظامًا للأولياء ورجال الغيب، وجعلهم في مراتب ودرجات، وحدَّد لكل مرتبةٍ عددًا معينًا منهم، وخصَّهم ببعض العلوم والصفات والوظائف. وتبعه من جاء بعده من الصوفية، بل زادوا عليه أشياء من خيالاتهم وأوهامهم، فتحدثوا عن مملكة وهمية يجتمع فيها رجال الغيب ويصدرون قراراتهم، ويقررون كل ما يجري في العالم!!
لقد كان لهذه الفكرة آثار سيئة في المجتمع الإسلامي، حيث تعلق كثير من الناس بالغوث والقطب والأبدال والأوتاد، وظنّوا أن الشدّة إذا نزلت بأهل الأرض رفعها الأدنى إلى الأعلى حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يرفع بصره حتى تنفرج تلك النازلة، وادعى
стр. 356
بعضهم أن مدد أهل الأرض بل الملائكة والطير والحيتان يكون من جهته، وبواسطته يفيض الخير إلى سائر الخلق، وأنه يعطي الملك وولاية الله لمن يشاء ويَصرِفهما عمن يشاء، إلى غير ذلك من الدعاوي الباطلة التي تجعل للقطب والغوث نوعًا من الألوهية والربوبية، وهي من أعظم الكذب والمحال والشرك والضلال والإلحاد.
ومن الغريب أن كثيرًا من العلماء المتأخرين تأثروا بمقولات الصوفية في هذا الباب، ووافقوهم في الغالب، ونقلوا هذه الخرافات إلى مؤلفاتهم في التفسير والحديث والعقيدة والسيرة والأخلاق والفتاوى والأدب واللغة والتاريخ والتراجم بدون النكير عليها، بل ألّف بعضهم رسائل مستقلة لتأييدها.
ونظراً لخطورة هذه الفكرة وما في شيوعها وانتشارها من ضرر على العامة والخاصة في عقيدتهم، قام بعض العلماء لمناقشتها والردّ عليها، وبيان ما فيها من مخالفة للعقل والشرع، ونقد الأحاديث التي يحتج بها الصوفية. وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية أقواهم كلامًا في الباب، وأوسعهم ردًّا على هذه الفكرة، وقد كتب كتاباتٍ عديدة في هذا الموضوع يأتي بيانها (ص ٣٩ - ٤٩)، أطولُها هذه الفتوى التي أنشرها اليوم.
وأقدم لهذه الفتوى ببعض الفصول التي تعتبر شرحًا لهذه الفكرة عند الصوفية، وبيانًا لمصدرها، وأثرها في المجتمع الإسلامي، ودرجة الأحاديث التي يستندون إليها، واستعراضًا لمن نقد هذه الفكرة، وإبرازاً لموقف شيخ الإسلام منها في ضوء كتاباته،
стр. 357
وتحليلاً لمحتويات هذه الفتوى، ووصفًا لنسختها الخطية. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
• فكرة القطب والأبدال عند الصوفية
لم تكن فكرة القطب والأبدال (كما ذكرها الصوفية) موجودة في القرون الثلاثة الأولى، فلا أساس لها في الكتاب والسنة، ولم يذكرها السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يعتقدوها كما تعتقد الصوفية. وبعد استعراض مجموعة من المصادر توصلتُ إلى أن أقدم مَن يُنقل عنه عدد الأولياء ورجال الغيب وذكر مساكنهم هو أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتّاني (ت ٣٢٢) أحد مشايخ الصوفية، فقد قال -كما نُقِل عنه-: "النقباء ثلاث مائة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعُمدُ أربعة، والغوث واحد. فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعُمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة. فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العُمدُ، ثمّ أجيبوا، وإلاّ ابتهل الغوث، فَلَا يُتِمُّ مسألته حتى تُجاب دعوته" (١).
_________
(١) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٣/ ٧٥ - ٧٦) بإسناده إليه. وفيه علي بن عبد الله بن جهضم، متهم بالكذب، كما في (الميزان) (٣/ ١٤٣) و (اللسان) (٤/ ٢٣٨). ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ٣٠٠) من طريق الخطيب، وكذا نقلت عنه المصادر المتأخرة، مثل "المقاصد الحسنة" ص ١٠ و"الخبر الدال" (٢/ ٢٥٥) وغيرهما.
стр. 358
أما أبو طالب المكي (ت ٣٨٦) فيعبّر عنها بقوله: "القطب اليوم الذي هو إمام الأثافي الثلاثة والأوتاد السبعة والأبدال الأربعين والسبعين إلى ثلاث مائة كلهم في ميزانه وإيمان جميعهم كإيمانه، إنما هو بدلٌ من أبي بكر رضي الله تعالى عنه، والأثافي الثلاثة بعده إنما هم أبدال الثلاثة الخلفاء بعده، والسبعة هم أبدال السبعة إلى العشرة، ثم الأبدال الثلاث مائة وثلاثة عشر إنما هم أبدال البدريين من الأنصار والمهاجرين" (١).
نلاحظ هنا أن أبا طالب ذكر "الأثافي الثلاثة" مكان "العمد الأربعة"، و"الأوتاد" مكان "الأخيار"، والأربعين والسبعين وثلاث مائة جعلهم كلهم "أبدالاً"، ولم يقسمهم إلى "بدلاء" و"نجباء" و"نقباء".
ويأتي الهجويرى (ت ٤٦٥) بعدهما، فيقول: "أهل الحل والعقد وقادة حضرة الحق ﷻ ، فثلاث مائة يُدْعَون الأخيار، وأربعون آخرون يُسَمَّون الأبدال، وسبعة آخرون يقال لهم الأبرار، وأربعة يسمون الأوتاد، وثلاثة آخرون يقال لهم النقباء، وواحد يسمى القطب والغوث. وهؤلاء جميعًا يعرفون أحدهم الآخر، ويحتاجون في الأمور لإذن بعضهم البعض" (٢).
وذكر ابن عربي أن المجمع عليه من أهل الطريق أنهم على
_________
(١) "قوت القلوب" (٢/ ٧٨).
(٢) "كشف المحجوب " (الترجمة العربية) ص ٤٤٧، ٤٤٨.
стр. 359
ستّ طبقات أمهات: أقطاب وأئمة وأوتاد وأبدال ونقباء ونجباء (١).
وجعلهم لسان الدين ابن الخطيب سبع طبقات (٢). وأوصلهم داود القيصري (٣) وحسن العِدْوى الحمزاوي (٤) إلى عشر. وهكذا نجد أن الصوفية في مختلف العصور زادوا ونقصوا في هذه الألقاب والمراتب، وأسهم كلّ واحد منهم في وضع هذا النظام وإقامة أسسه بما لديه من تصورات وخيالات، وبينهم خلاف كبير في تعداد الملقبين بلقب معين.
• معاني هذه الألقاب
نأتي الآن إلى معاني هذه الألقاب ووظائف أصحابها وصفاتهم عند الصوفية، وأول من تحدث عنها بتفصيل هو ابن عربي، وتبعه من جاء بعده من المؤلفين في التصوف والمصطلحات الصوفية، وقد جمع عبد الوهاب الشعراني في "اليواقيت والجواهر" (٢/ ٧٩ - ٨٣) أقوال ابن عربي من "الفتوحات المكية"، وأقوال غيره من مصادر مختلفة في هذا الموضوع. وسنعرِض هنا باختصار بعض ما قالوه بالاعتماد على المصادر القديمة المعتمدة لديهم.
(١) أما القطب فهو -عند الصوفية- عبارة عن الواحد الذي هو
_________
(١) "الفتوحات المكية" (٢/ ٤٠). وفي موضع آخر منه (٣/ ٢٤٤) جعلهم ثماني طبقات، بزيادة "الرجبيين" و"الأفراد".
(٢) "روضة التعريف بالحب الشريف" (ص ٤٣٢). وكذا جعلهم عمر الفوتي سبعاً في "الرماح" (١/ ٢١) مع اختلاف في الأسماء.
(٣) "شرح مقدمة التائية الكبرى" (ق ١٠٤ ب).
(٤) "النفحات الشاذلية" (٢/ ٩٩). وانظر "جامع الأصول في الأولياء" ص ٤.
стр. 360
موضع نظر الله من العالم في كل زمان، ويقال له "الغوث " (١) باعتبار التجاء الملهوف إليه. أعطاه الله الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم، فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل، وهو على قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس، لا من حيث إنسانيته (٢).
واسم القطب في كل زمان عبد الله وعبد الجامع المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى ومجلى النعوت المقدسة ومحل المظاهر الإلهية وصاحب الوقت وعين الزمان وصاحب علم سر القدر، وله علم دهر الدهور، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء (٣). ولم يخل زمان من الأقطاب، وقد عدَّ ابن عربي خمسة وعشرين قطباً من عهد آدم ﵇ إلى محمد ﷺ وسمَّاهم (٤).
والقطب عند الصوفية نوعان، أحدهما: هو المتمكن في
_________
(١) "الفتوحات المكية" (٣/ ٢٤٤). وانظر "اصطلاحات الصوفية" لعبد الرزاق القاشاني ص ١٤١ (ط. كلكتا ١٨٥٤ م).
(٢) "التعريفات" للشريف الجرجاني ص ١٨٥ - ١٨٦ (ط. فلوجل). وانظر "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي ص ٢٧٣، و"كشاف اصطلاحات الفنون " للتهانوي ص ١٠٩١، ١١٦٧. وفيه نصوص من مصادر فارسية
أيضًا.
(٣) "اليواقيت والجواهر" (٢/ ٧٩).
(٤) "الفتوحات المكية" (٢/ ٣٦٢).
стр. 361
القطبية الصغرى أو الحسية، والآخر: هو المتمكن في القطبية الكبرى أو المعنوية، وهو المعبر عنه بباطن نبوة محمد أو الحقيقة المحمدية (١).
يقول ابن عربي: القطب الواحد الممد لجميع الأنبياء والرسل والأقطاب من حيث النشء الإنساني إلى يوم القيامة هو روح محمد ﷺ (٢). وهذه القطبية الثانية هي التي عرَّفها الجرجاني فقال: "القطبية الكبرى هي مرتبة قطب الأقطاب، وهو باطن نبوة محمد، فلا يكون خاتم الولاية وقطب الأقطاب إلاّ على باطن خاتم النبوة" (٣).
ولمزيد من الشرح ننقل هنا كلام التيجاني حيث قال: "أعلم أن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقًا في جميع الوجود جملة وتفصيلاً، حيثما كان الربّ إلهاً كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من عليه ألوهية الله تعالى، ثمّ قيامه بالبرزخية العظمى بين الحق والخلق، فلا يصل إلى الخلق شئ كائناً ما كان من الحق إلاّ بحكم القطب وتوليه ونيابته عن الحق في ذلك وتوصيله كل قسمة إلى محلّها، ثمّ قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود جملةً وتفصيلا، فترى الكون كلّه أشباحاً لا حركة لها، ْ وإنما هو الروح القائم فيها جملةً
_________
(١) "كشف الوجوه الغر" (٢/ ١٠٣).
(٢) "الفتوحات المكية" (٢/ ٣٦٣).
(٣) "التعريفات" ص ١٨٦.
стр. 362
وتفصيلا" (١).
كل من يقرأ هذه التصريحات يقتنع بأن الصوفية يخرجون بالقطب عن نطاق البشرية، ويحلقون به في عالم الربوبية، وقد ذكروا له خمس عشرة علامة (٢)، منها أنه يُكشَف له عن حقيقة الذات الإلهية، ويحيط علماً بصفات الله تعالى، وأن علم القطب لا حدود له، فلا يخفى عليه شيء من الدنيا والآخرة. ويحيط بمعرفة أحكام الشريعة ولو كان أميّاً (٣)، وهو أكمل الخلق وأفضل جماعة المسلمين في كل عصر (٤)، ولا حدود لمرتبته فهو محيط بجميع المراتب (٥)، ويُبصِر بجميع أجزاء بدنه ما عدا العين (٦)، ولا يطيق رؤيته إلاّ الخواص (٧). واشترط بعضهم أن يكون قطب الأقطاب من أهل البيت (٨)، وذكروا أنه يستقر بمكة، وقال آخرون: إنه يدور في الآفاق الأربعة من أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء، وهو بجسده حيث شاء من الأرض (٩). ومن وظائفه: التصرف في الكون
_________
(١) "جواهر المعاني (لعلي حرازم برادة (٢/ ٨٩ - ٩٠).
(٢) "اليواقيت والجواهر" (٢/ ٧٨).
(٣) "جواهر المعاني" (٢/ ٨٥).
(٤) المصدر نفسه (٢/ ٢٦٦)، و"الطبقات الكبرى" للشعراني (٢/ ١٣٩).
(٥) "جواهر المعاني" (٢/ ١٠٦، ١٠٧).
(٦) "الإبريز" (ص ٣٤٩).
(٧) "الطبقات الكبرى" (٢/ ٩٤).
(٨) "روح المعاني" (١٩/ ٢٢، ٢٠).
(٩) "نشر المحاسن الغالية" (أو "كفاية المعتقد") لليافعي ص ٣٩٤، و"الفتاوى=
стр. 363
والتأثير في حوادثه والحكم الشامل التام في جميع المملكة الإلهية (١)، ووقاية المريدين من السؤال والحساب في الآخرة (٢)، ولا يجري في عالم المخلوقات شئ إلاّ بإذنه حتى ولو كان جريانه في القلوب (٣).
نكتفي بهذا القدر في بيان القطب وصفاته ووظائفه عند الصوفية، وننتقل إلى المراتب والألقاب الأخرى.
(٢) الإمامان: هما اللذان أحدهما عن يمين القطب، ونظره في عالم الملكوت، وهو مرآة ما يتوجه من المركز القطبي إلى العالم الروحاني من الإمدادات التي هي مادة الوجود والبقاء؛ والآخر عن يساره، ونظره في الملك، وهو مرآة ما يتوجه منه إلى المحسوسات من المادة الحيوانية، وهو أعلى من صاحبه، وهو الذي يخلف القطب إذا مات (٤).
(٣) الأوتاد: هم أربعة في كل وقت لا يزيدون ولا ينقصون، منازلهم على منازل الأربعة الأركان من العالم: شرق وغرب
_________
=الحديثية" للهيتمي ص ٣٢٢، و"الطبقات الكبرى" للشعراني (٢/ ١٣٩) وغيرها. وراجع "منازل القطب" لابن عربي، ص ٤.
(١) "الفتوحات المكية" (٣/ ٢٥٧) و"جواهر المعانى" (٢/ ٨٨).
(٢) "الإبريز" (ص ٣٣٨).
(٣) "جواهر المعاني" (٢/ ٨٩).
(٤) "الفتوحات المكية" (٣/ ٢٤٤) و"التعريفات " ص ٣٦، و"التوقيف على مهمات التعاريف " ص ٦٠ وغيرها.
стр. 364
وشمال وجنوب، مع كل واحدٍ منهم مقام تلك الجهة، يحفظ الله بهم العالم، لهم روحانية إلهية وروحانية إلِّية، يحوون على علومٍ جمة كثيرة. ومنهم من هو على قلب آدم، والآخر على قلب إبراهيم، والآخر على قلب عيسى، والآخر على قلب محمد (١).
(٤) الأبدال أو البُدَلاء: هم سبعة يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكلِّ بدلٍ إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السماوات والأرض (٢).
وجعل بعض الصوفية السبعة الأبدال خارجين عن الأوتاد، ومنهم من قال: إن الأوتاد الأربعة من الأبدال، وقالوا: سُمُّوا أبدالاً لكونهم إذا مات واحدٌ منهم كان الآخر بدله، وقيل: سُمُّوا أبدالاً لأنهم أعطُوا من القوة أن يتركوا بدلهم حيث يريدون، لأمر يقوم في نفوسهم على علمٍ منهم، فيرتحلون إلى بلد، ويقيمون فيَّ مَكانهم الأول شبحاً آخر شبيهاً بشبحهم الأصلي بدلاً منه، بحيث إن كلّ من رآه لا يشك أنه هو (٣).
(٥) النجباء: هم أربعون، مشغولون بحمل أثقال الخلق (وهي من حيث الجملة كل حادث لا تفيء القوة البشرية بحمله)، وذلك لاختصاصهم بوفور الشفقة والرحمة الفطرية، فلا يتصرفون إلاّ في
_________
(١) "الفتوحات المكية" (٢/ ٤٠٠، ٤٠١)، و"التعريفات" ص ٤١، و"التوقيف" ص ٦٦؛ و"كشاف اصطلاحات الفنون" ص ١٤٥٣، ١٤٥٤.
(٢) "الفتوحات المكية" (٢/ ٣٧٦) و"حلية الأبدال" ص ١١.
(٣) انظر المصدر السابق (٢/ ٤٠٠)، و"التعريفات" ص ٤٤، و"التوقيف" ص ٣٦؛ "مشتهى الخارف الجاني" ص ٥١٠، وغيرها.
стр. 365
حق الغير، إذ لا مزيد لهم في ترقياتهم إلا من هذا الباب (١). وذكر بعضهم أنهم ثمانية في كل زمن لا يزيدون ولا ينقصون، عليهم أعلام القبول في أحوالهم، ويغلب عليهم الحال بغير اختيارهم، أهل علم الصفات الثمانية، ومقامهم الكرسي، لا يتعدونه ما داموا نجباء، ولهم القدم في علم تسيير الكواكب كشفاً واطلاعاً، لا من جهة طريقة علماء هذا الشأن (٢).
(٦) النقباء: هم ثلاث مائة، وهم الذين تحققوا بالاسم الباطن، فأشرفوا على بواطن الناس، فاستخرجوا خفايا الضمائر، لانكشاف الستائر لهم عن وجوه السرائر. وهم ثلاثة أقسام: نفوس علوية، وهي الحقائق الأمرية، ونفوس سفلية، وهي الخلقية، ونفوس وسطية، وهي الحقائق الإنسانية، وللحق تعالى في كل نفس منها أمانة منطوية على أسرار إلهية وكونية (٣).
عرضنا فيما سبق- باختصار- بعض ما عثرنا عليه من النصوص التي تبين تعداد رجال الغيب ومراتبهم وألقابهم وصفاتهم ووظائفهم.
وكل من يطلع عليها يستغرب وجودها في المصادر، ولكن هذا هو الأمر الواقع عند الصوفية، وهذه معتقداتهم التي أعلنوا عنها في
_________
(١) انظر: "الفتوحات المكية" (٣/ ٢٤٤)، و"التعريفات" ص ٢٥٩، و"اصطلاحات الشيخ محي الدين ابن عربي" ص ٢٨٦.
(٢) "التوقيف " ص ٣٢٢.
(٣) "التعريفات" ص ٢٦٦، "اصطلاحات الصوفية" للقاشاني ص ٩٦، "التوقيف" ص ٣٢٩.
стр. 366
مؤلفاتهم بشان الأولياء ورجال الغي ب.
• أحاديث الأبدال
احتج الصوفية ومن تابعهم لهذه الفكرة بالأحاديث التي ورد فيها ذكر الأبدال، ويلاحظ أنه لم يَرِد ذكر هذا اللفظ في شيء من الأحاديث في الكتب الستة إلاّ في حديث واحد عند أبي داود (٤٢٨٦)، وهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة (١).
أما الأحاديث الأخرى التي اشتملت على لفظ "الأبدال" خارج الكتب الستة فقد أخرجها بعض المحدثين، مثل: عبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، وأحمد في "المسند" (١/ ١١٢، ٥/ ٣٢٢)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" (بأرقام ٨، ٥٧ - ٥٩)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (ص ٦٩ - ٧١)، والطبراني في "المعجم الكبير" و"الأوسط" (كما في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٦٣)، وابن عدي في "الكامل" (في مواضع متفرقة)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٨ - ٩) و"أخبار أصبهان" (١/ ١٨٠)، وأبو محمد الخلاّل في "كرامات الأولياء"، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٤٣٩)، والديلمي في "الفردوس" (١/ ١٥٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١/ ٢٨٩ - ٣٠٤، ٣٣٤ - ٣٤١) وغيرهم.
_________
(١) استقصى طرق هذا الحديث وبيان ما فيها من الاضطراب وأن أكثرها منقطعة- أخونا الفاضل الدكتور عبد العليم البستوي في "الموسوعة في أحاديث المهدي الضعيفة والموضوعة" ص ٣٢٤ - ٣٣٥. وانظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة" للألباني (١٩٦٥).
стр. 367
وقد أفردها السخاوى وبيَّن عللها في جزء سماه "نظم اللآل في الكلام على الأبدال" (١)، وجمعها السيوطي في "الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال" (٢)، ولكنه سردها دون نقدها وبيان ما فيها من العلل. وكان الدافع له على تأليفه إنكار بعضهم ما اشتهر عن الصوفية من أن منهم أبدالاً ونقباء ونجباء وأوتاداً وأقطاباً، فحاول إثبات ذلك بجمع الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب. ولم يفلح السيوطي في إثبات المدَّعى، فلم يصحّ من هذه الأحاديث شيء عند المحدثين النقاد، وعلى فرض ثبوت بعضها عند المتساهلين في التصحيح فليس فيها ما يفيد وجود رجال الغيب ومراتبهم وصفاتهم ووظائفهم واجتماعاتهم وقراراتهم حسب ما يتصورها الصوفية.
وقد أورد السيوطي هذه الأحاديث أو بعضها في مؤلفاته الأخرى، مثل: "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" (٢/ ٣٣٠ - ٣٣٢) و"التعقبات على الموضوعات" (ص ٤٧١) و"الدر المنثور" (١/ ٧٦٥ - ٧٦٧) و"الجامع الصغير" (٣/ ١٦٧ - ١٧٠ بشرح المناوي)، وادعى صحتها وتواترها. وقلَّده في إيرادها وتصحيحها من جاء بعده من المؤلفين (٣)، والواقع أنه لا يبقى منها
_________
(١) كما ذكر ذلك في "المقاصد الحسنة" ص ١٠. ولا أعرف وجود هذا الجزء في المكتبات.
(٢) ضمن "الحاوي للفتاوي" (٢/ ٢٤١ - ٢٥٥).
(٣) مثل القسطلاني في "المواهب اللدنية" (١/ ٤٣٠ - ٤٣١)، وابن عراق في=
стр. 368
شئ يصلح للاحتجاج بعد نقدها على منهج المحدثين، فبعضها أوهى من بعض، ومنها ما هو موضوع، ومنها ما هو شديد الضعف ومنكر، ولذا ضعَّفها القاضي أبو بكر ابن العربي في "سراج المريدين" (١)، وحكم عليها ابن الجوزي بالوضع وذكرها في "الموضوعات" (٣/ ١٥٠ - ١٥٢)، وقال ابن الصلاح في "فتاواه" (ص ٥٣): "لا يثبت". وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه (٢) أن هذه الأسماء الدائرة على ألسنة الصوفية ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي مأثورة عن النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل، إلاّ لفظ "الأبدال" فقد روى فيه حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعاً.
_________
="تنزيه الشريعة المرفوعة" (٢/ ٣٥٦ - ٣٠٧)، وابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الحديثية" (ص ٣٢٣ - ٣٢٤)، وعلي المتقي البرهانفوري في "كنز العمال" (١٤/ ٥٣ - ٥٥) و"منتخب كنز العمال" (٥/ ٣٣١ - ٣٣٤ بهامش "مسند أحمد")، والفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص ١٩٣ - ١٩٤)، والقاري في "المعدن العدنىِ في فضل أويس القرني" (ص ٦٥ - ٧٤)، والمناوي في "فيض القدير" (٣/ ١٦٧ - ١٧٠)، والزرقاني في "شرح المواهب اللدنية" (٥/ ٣٩٦ - ٤٠٠)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٤ - ٢٦)، ومرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" (٨/ ٣٨٥ - ٣٨٧)، وابن عابدين في "إجابة الغوث" (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٢ من "مجموعة رسائله" والألوسي في "روح المعاني" (١١/ ١٧٨) ومحمد صبغة الله المدراسي في "ذيل القول المسدد" ص ١٠٨ - ١١٢ وغيرهم. وانظر "روض الرياحين" لليافعي ص ١٠.
(١) كما ذكر ذلك صنع الله الحلبي في "سيف الله على من كذب على أولياء الله" ص ٦٥.
(٢) سيأتي ذكرها فيما بعد.
стр. 369
وقال ابن القيم في "المنار المنيف" (ص ١٣٦): "أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلةٌ على رسول الله ﷺ . وأقرب ما فيها: "لا تسبوا أهل الشام، فإنّ فيهم البدلاء، كلَّما مات رجلٌ منهم أبدلَ الله مكانَه رجلاً آخر". ذكره أحمد، ولا يصحُّ أيضًا، فإنّه منقطع".
وذكر الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص ٤٠٨ - ٤١٠) الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي، وحكم عليها بالوضع. وذكر في "ميزان الاعتدال" (٣/ ١٠٥) حديث أنس منها، وقال: "هذا باطل".
وأورد ابن كثير بعض هذه الأحاديث في "تفسيره" (١/ ٦٦٩ - ٦٧٠) و"تاريخه" (٩/ ٢١٣، ٢١٤) و"جامع المسانيد والسنن" (١٩/ ٢٤٠ - ٢٤١، ٧/ ١٣٤ - ١٣٧)، وقال في الموضع الأخير بشأن حديث عبادة بن الصامت: "فيه نكارة شديدة جدًّا".
وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص ٨): "حديث الأبدال له طرق عن أنس ﵁ مرفوعاً بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة". ثم ذكر بعض الأحاديث وقال (ص ٩): "بعضها أشد في الضعف من بعض".
وبعد أن أورد الأمير الصنعاني بعض هذه الأحاديث في "الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف " (ص ٥٨ - ٥٩) قال: "في صحتها عند أئمة الحديث مقال".
وليس هنا مجال لنقد هذه الأحاديث واحدًا واحدًا، حتى نعرف صحة هذه الأحكام التي أصدرها النقاد، ويمكن مراجعة تعليقات العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي على "الفوائد المجموعة"
стр. 370
للشوكاني (ص ٢٤٥ - ٢٤٩)، وكلام الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (بأرقام ٩٣٥ - ٩٣٦، ١٤٧٤ - ١٤٧٩، ٢٤٩٨) ففيهما غنية لمن أراد الوصول إلى الحق والصواب. وفي مجلة "المنار" المجلد ١١ (١٩٠٨) ص ٥٠ - ٥٦ نقد لحديث ابن مسعود الذي يستند إليه الصوفية، بقلم السيد محمد رشيد رضا.
وأودّ أن أقف هنا مع كلامٍ للمناوي في "فيض القدير" (٣/ ١٧٠) يشتمل على القدح في شيخ الإسلام ابن تيمية ورَمْيه بالتهور والمجازفة في الحكم على هذه الأحاديث، وبالعناد والتعصب لكونه لم يُقوّها بكثرة الطرق وتعدّد المخرجين. قال المناوي: "زعم ابن تيمية أنه لم يرد لفظ الأبدال في خبر صحيح ولا ضعيف إلاّ في خبر منقطع، فقد أبانت هذه الدعوى عن تهوره ومجازفته، وليته نفى الرواية، بل نفى الوجود، وكذب من ادعى الورود".
لم ينقل المناوي كلام شيخ الإسلام بنصه، بل تصرَّف فيه، ونصُّه كما في "مجموعة الرسائل والمسائل" (١/ ٤٨) (١): "فهذه الأسماء [أي الغوث والأوتاد والأقطاب والأبدال والنجباء] ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي ﷺ ، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل، إلاّ لفظ الأبدال، فقد رُوِي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعاً".
_________
(١) وعنها في "مجموع الفتاوى" (١١/ ٤٣٣، ٤٣٤) بتحريف يسير. وقد نقله الألوسي في "روح المعاني" (٦/ ٩٥) على الصواب.
стр. 371
فانظر كيف حرَّف المناوي هذا الكلام، اختار لفظ "الأبدال" بدلاً من "هذه الأسماء" التي تُشير إلى الألفاظ الخمسة، وحذف لفظ "محتمل" بعد "ضعيف"، ليوهم أن شيخ الإسلام ينفي ورود هذه الألفاظ بإسناد ضعيف مهما كان ضعفه. والذي يتأمل كلام الشيخ يفهم منه بوضوح أنه ينكر ورود الألفاظ المذكورة بإسناد صحيح أو ضعيف محتمل، ولا ينكر أن يَرِد شئ منها في حديث موضوع أو ضعيف غير محتمل. وكل ما ذكره السيوطي وغيره من هذا القبيل، فورود مثل هذا لا ينقض قول شيخ الإسلام، بل هو أدرى بمثل هذه الأحاديث الواهية من غيره.
واستدراكه فيما بعد بقوله "إلاّ لفظ الأبدال، فقد رُوي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعاً"- لأنه أحسن ما ورد في الباب، وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١/ ١١٢)، فاستحق التنويه. ومع ذلك فهو منقطع الإسناد. قال ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ٢٨٩): "هذا منقطع بين شريح [بن عبيد] وعلي، فإنه لم يلقَه". وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٢/ ١٧١): "إسناده ضعيف لانقطاعه، شريح بن عُبَيد الحمصي لم يدرك عليّاً، بل لم يدرك إلاّ بعض متأخري الوفاة من الصحابة".
أما قول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٦٢): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد، وهو ثقة، وقد سمع من المقداد، وهو أقدم من علي"- فقد وهم فيه اغتراراً بما
стр. 372
ذكره المزي في ترجمة شريح، وقد تعقبه الحافظ ابن حجر. فالصواب أنه لم يلق عليّاً، والحديث منقطع الإسناد كما قال شيخ الإسلام.
وقد اكتفى بذكر هذا الحديث كنموذج، لأنه أحسن ما ورد في الباب، ومع ذلك فهو منقطع، أما الأحاديث الأخرى فنكارتها واضحة وبطلانها ظاهر، ولذا لم يُشِر إليها، مع أن حديث عبادة بن الصامت منها أخرجه أيضًا أحمد في "مسنده" (٥/ ٣٢٢) وقال عقب روايته: "هو منكر"، فلم يستحق التنويه مثل غيره من الأحاديث الواهية في المصادر الأخرى.
بهذا التفصيل يظهر لنا جليّاً مقصود شيخ الإسلام من نفي ورود هذه الألفاظ "بإسناد صحيح أو ضعيف محتمل"، والغرض من استدراك لفظ "الأبدال" والإشارة إلى وروده في حديث شامي منقطع. فنسبة المناوي إلى الشيخ أنه ينكر ورود لفظ "الأبدال" في خبر صحيح أو ضعيف إلاّ في خبر منقطع- غلط، ورميه بالتهور والمجازفة يدلّ على عدم فهمه للمقصود، فلم ينفِ الشيخ ورود لفظ "الأبدال" بإسناد ضعيف غير محتمل، ولم يُكذِّب من ادعى ذلك، وكلُّ ما ورد في هذا الباب لا يُبطل ما قاله.
أما قول المناوي: "وهذه الأخبار وإن فرض ضعفُها جميعها، لكن لا يُنكِر تقويَ الحديثِ الضعيف بكثرة طرقه وتعدد مخرجيه إلاّ جاهل بالصناعة الحديثية أو معاند متعصب"- فهو خطأ وقع فيه كثير من العلماء المتأخرين حيث أطلقوا أن الحديث الضعيف إذا
стр. 373
جاء من طرقٍ متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصحيح، فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ازداد ضعفًا إلى ضعف، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرُهم يرفع الثقةَ بحديثهم، ويؤيد ضعفَ روايتهم (١). وعلى هذا فمن قوَّى أحاديث الأبدال التي انفرد بروايتها المتهمون بالكذب والمتروكون ونحوهم يكون على الجادة أم من يُنكِر تقويتها؟
• مصدر هذه الفكرة
رأينا فيما سبق أن الأحاديث التي يستند إليها الصوفية كلها موضوعة وواهية، ثم إنها لا تساعدهم على صياغة فكرة "القطب" الذي يرأس رجالَ الغيب في نظرهم، فلا ذكر لهذا اللفظ في شيء من الأحاديث والآثار. ولذا يرى أكثر الباحثين أنها فكرة دخيلة استمدها الصوفية من غيرهم، واختلفوا في تحديد المصدر، فذكر بعضهم أن مفهوم "القطب" بوصفه المبدأ الفعال (أو الباطن) (٢) لكل إلهام شبيهٌ بالعقل "النُّوسْ" في الأفلاطونية الحديثة، ويُشبه عقيدة الإسماعيلية القائلة بتجسيد العقل الأول (الإمام) في الناطق (٣).
_________
(١) انظر "الباعث الحثيث" لأحمد محمد شاكر (١/ ١٣٥).
(٢) كما عند القاشاني في "اصطلاحات الصوفية" ص ١٤١
(٣) انظر"دائرة المعارف الإسلامية"- بالإنجليزية- الطبعة الجديدة، مقال "القطب"
(٥/ ٥٤٤)؛ و"ابن الفارض والحبّ الإلهي" لمحمد مصطفى حلمي ص ٢٧٧
стр. 374
وهناك باحثون آخرون التفتوا إلى التشابه القائم بين مفهوم الشيعة عن "الإمام" بوصفه تجليًا للكلمة الإلهية ومفهوم "القطب" الأكبر عند الصوفية، والتقاء أحدهما بالآخر (١). كما لاحظ باحثون عديدون ذلك التوازي بين التدرج الرئاسي للقائمين على الدعوة الإسماعيلية والتدرج الرئاسي في التصوف برئاسة القطب، وقرروا أنه مستمد من الإسماعيلية (٢). وقد صرّح بعض علماء الشيعة أن القطب والإمام مصطلحان معناهما واحد، وينطبقان على شخص واحدٍ (٣). وأكد المستشرق هنري كوربان في عددٍ من بحوثه ودراساته أن فكرة القطب هذه انتقلت إلى التصوف من الشيعة، وأنها فارسية الأصل (٤).
ويرى أحمد أمين (٥) أن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالاً وثيقًا، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمَّته "قطبًا"، وكوَّنت مملكة من الأرواح على نمط مملكة
_________
(١) انظر: "الصلة بين التصوف والتشيع" لكامل مصطفى الشيبي ص ٤٦٣؛ وهنري كوربان في كتابه عن الإسلام الإيراني (١/ ٩٢).
(٢) انظر: "الصلة بين التصوف والتشيع" ص ٤٥٧ وما بعدها؛ وي. ماركوي في مجلة "أرابيكا" المجلد ١٥ (١٩٦٨) ص ٢٧؛ وص التصوف: المنشأ والمصادر، لإحسان إلهى ظهير ص ٢٣٥؛ و"الإسماعيلية: تاريخ وعقائد" له ص ٥٩٤ - ٦١٢.
(٣) انظر"الفلسفة الشيعية" للآملي ص ٢٢٣؛ و"الإسلام الشيعي" لمحمد حسين طباطبائي (الترجمة الإنجليزية) ص ١١٤.
(٤) انظر: "الإسلام الإيراني" (١/ ١٨٦، ٢٢٩، ٣/ ٢٧٩).
(٥) في "ضحى الإسلام" (٣/ ٢٤٥).
стр. 375
الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع.
وقد سبق هؤلاء الباحثين بعضُ العلماء القدامى، فأدركوا التشابه بين القطب عند الصوفية وبين الإمام المنتظر عند الشيعة وبين الباب عند النصيرية، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن خلدون وغيرهما. وسيأتي ذكر موقفهما فيما بعد إن شاء الله. ومما يؤكد أن هذه الفكرة مأخوذة من الشيعة أن أحد علماء الشيعة حيدر ابن علي الآملي (ت بعد ٧٨٢) قرَّر في كتابه " نص النصوص" (١) جميع ما عند الصوفية بشأن رجال الغيب وأولياء الله، وذكر أن "القطبية الكبرى هي مرتبة قطب الأقطاب، وهو باطن نبوة محمد ﷺ ، فلا يكون إلاّ لورثته، لاختصاصه ﵇ بالأكملية، فلا يكون خاتم الولاية وقطب الأقطاب إلاّ على باطن ختم النبوة".
بعد هذا العرض الموجز لآراء بعض الباحثين المحدَثين والعلماء القدامى نصل إلى أن فكرة "القطب" فكرة دخيلة عند الصوفية، انتقلت إليهم من الشيعة القائلين بالإمام المنتظر، ومن الإسماعيلية الذين جعلوا رجالهم في مراتب ودرجات. وقد كان الصوفية القدامى إلى منتصف القرن الرابع بعيدين عنها، ْ ثم تسربت إليهم وتحكّمت فيهم بعد اتصالهم بالشيعة ومخالطتهم لهم في بلاد العجم. وتطورت هذه الفكرة فيما بعد إلى نظرية "الديوان الباطني"
_________
(١) ق ٩١ - ٩٦ (نسخة مكتبة مجلس الأمة بطهران)، وعنه في ملحق كتاب "ختم الأولياء" للحكيم الترمذي، ص ٥٠٣ - ٥٠٦.
стр. 376
الذي يجتمع فيه رجال الغيب برئاسة القطب، ويديرون شئون العالم المرئي وغير المرئي (١). ولا تزال هذه النظرية عند الصوفية مسلّمة إلى يومنا هذا (٢).
• أثرها في المجتمع الإسلامي
لقد كان لنظرية القطب والأبدال هذه آثار خطيرة في المجتمع الإسلامي من نواع عديدة، أهمها في مجال العقيدة، فقد قرر الصوفية أن للأولياء القدرة النافذة على التصرف المقيد والمطلق في شئون العالم العلوي والسفلي، فأربعة منهم يمسكون العالم من جوانبه الأربعة (هم الأوتاد)، وسبعة آخرون كل واحدٍ منهم مشرف على قارة من قارات الأرض السبع (هم الأبدال)، وفوقهم جميعًا وليٌّ واحد هو موضع نظر الله (يسمى القطب أو الغوث)، وهو الذي يدبر شأن الملك، ومن جهته يكون مدد أهل الأرض بل الملائكة والطير والحيتان، وبواسطته يفيض الخير إلى سائر الخلق. وإذا نزلت الشدَّة بأهل الأرض رفعها الأدنى إلى الأعلى حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يرفع بصره حتى تنفرج تلك النازلة.
_________
(١) انظر (الإبريز من كلام عبد العزيز) للسجلماسي (١/ ٢ وما بعدها).
(٢) انظر: "السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني" لمحمد المكي بن مصطفى بن عزوز ص ٧٤؛ و"فتح الرحيم الرحمن في شرح نصيحة الإخوان" للحنصلي ص ١٧٦؛ و"فيض الوهاب" لعبد ربه بن سليمان القليوبي (٥/ ٥٧ وما بعدها)؛ ومحمد زكي إبراهيم في مجلة "المسلم" المجلد ١٥: ٧ (يونيو ١٩٦٥) ص ١٥، والمجلد ٢٠/ ١١ (أغسطس ١٩٧٠) ص ١١.
стр. 377
هذه الأمور وغيرها مما ذكرها الصوفية (والتي تحدثنا عنها فيما مضى مع ذكر النصوص من المصادر المعتمدة لديهم) لا يخفى ما في الاعتقاد بها من خطورة على عقيدة التوحيد، فهي محاولة خبيثة لتجريد الإله الحق من اختصاصاته التي لا يشاركه فيها مخْلوق، وجعلها مشاعًا بين الخالق والمخلوق على حدّ سواء، وهذا هو الشرك في الربوبية -والعياذ بالله-، وهو أقبح أنواع الشرك، فقد كان المشركون القدامى على علم بربوبية الله وخصوصيته في الخلق والرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة وغيرها من أمور الربوبية كما حكى عنهم القرآن. فالذي يعتقد ذلك في الأولياء هو أجهل من أولئك المشركين وأضلّ.
وبهذا نعرف ما نتج عن فكرة القطب هذه من مخاطر جسيمة في باب العقيدة لدى عامة الناس، الذين تعلقوا بها واعتقدوها ونشأوا عليها في البيئات الصوفية، ولُقِّنوها منذ الصغر. ولا زلنا نرى في البلاد الإسلامية من ينادي "الغوث" للمدد، ويعتقد في الأولياء بما لا يجوز اعتقاده إلاّ في الله، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
وكان من آثارها السيئة على العلماء أن كثيرًا منهم نقلوا مقالات الصوفية في هذا الباب، وأدرجوها في مؤلفاتهم دون نقد أو تعقيب، وقد تسربت هذه الفكرة إلى كتب التفسير وشروح الحديث، والفقه والفتاوى، والسيرة والأخلاق، والتاريخ والتراجم، والأدب واللغة وغيرها، ويطول بنا القول لو ذَكَرنا جميع النصوص في المصادر التي رجعنا إليها، ولذا نقتصر على
стр. 378
الإشارة إلى بعضها تاركين التفصيل لموضع آخر.
لقد كانت كتب التفسير إلى القرن السادس خالية من الإشارة إلى فكرة الأبدال، فلا نجد لها ذكرًا عند الطبري والبغوي وابن عطية وابن الجوزي وغيرهم في تفاسيرهم، حتى جاء القرطبي في القرن السابع فنقل في تفسيره (١) عن بعض العلماء في تفسير قول الله تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) أن المدفوعَ بهم الفسادُ هم الأبدال! ثم ذكر بعض ما ورد من الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة، وسكت عنها.
وجاء بعده السيوطي، فسَرَد هذه الروايات في تفسيره (٢) دون نقد وتمحيص، ففتح المجال لغيره من المفسرين أن يوردوها، ويفسروا بعض الآيات القرآنية بها، ويتكلموا على القطب والأبدال وغيرهما بأدنى مناسبة (٣).
ولم يكن قد اشتهر عند شرّاح الحديث والمشتغلين به إلى زمن الحافظ ابن حجر الكلام على القطب والأبدال ومراتب رجال الغيب كما هي عند الصوفية -وإن وُجد عند أبي جمرة في "بهجة النفوس" شيٌ من ذلك-؛ بل كانوا يقتَصرون على رواية الأحاديث الواردة في هذا الباب بأسانيدها ليبرءوا من عهدتها، أو نقدها وتضعيفها وبيان عللها. وجاء المتأخرون فسردوا هذه الروايات دون نقدها
_________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" (٣/ ٢٥٩).
(٢) "الدر المنثور" (١/ ٧٦٥ - ٧٦٧)
(٣) انظر مثلاً "روح المعاني" للآلوسي (٦/ ٩٤ - ٩٥، ١١/ ١٧٨، ٢٢/ ١٩ - ٢٠).
стр. 379
وتمحيصها، وادعوا صحَّتها وتواترها، وتلقَّوها بالقبول، ثم تكلموا على شرحها وبيان معانيها بالاستناد إلى أقوال الصوفية، ويكفي أن نذكر هنا كمثال: المناوي (١) وملاّ علي القاري (٢)، اللذين قرَّرا ما قاله الصوفية، ونقلا عنهم نصوصًا غريبة في أثناء شرح الحديث دون استنكار أو تعليق.
أما كتب الفقه والفتاوى فنذكر منها نص فتوى الشيخ زكريا الأنصاري (الملقب بشيخ الإسلام لدى الشافعية)، لما سُئِل عن شخصٍ ادعى أن القطب ليس له وجود في زمن من الأزمنة، ولا ثَمَّ شيءٌ في الوجود يقال له القطب، هل هذه الدعوى صحيحة أو لا؟ فأجاب بأن القطب موجود في كل زمان، كلَّما مات قطبٌ أقام الله مقامه آخر، نفعنا الله ببركتهم. وهذا أمر مشهور، والمنكر لذلك محروم من بركة الأقطاب، معترف بأن منّة الله بلقائهم لم تواجهه. وليته إذا فاته الوصول إليها لا يفوته الإيمان بها (٣).
هذا نصّ كلامه الذي يُقرِّر فيه وجودَ القطب في كل زمان، وأن منكره محروم من بركته، وعليه أن لا يفوت الإيمان به إن لم يُقدَّر له الوصول إليه!!
وذكر ابن حجر الهيتمي (٤) أنه كان في مجلس الشيخ محمد
_________
(١) "فيض القدير" (٣/ ١٦٧ - ١٧٠).
(٢) "مرقاة المفاتيح" (٥/ ١٨١ - ١٨٣).
(٣) "العناية والاهتمام بجمع فتاوى شيخ الإسلام" ص ٣٨١.
(٤) "الفتاوى الحديثية" ص ٣٢٥.
стр. 380
الجويني يوماً، فانجرَّ الكلام إلى ذكر القطب والنجباء والنقباء والأبدال وغيرهم، فبادر الشيخ إلى إنكار ذلك بغلظة، وقال: هذا كله لا حقيقة له، وليس فيه شيء عن النبي ﷺ ، فقال له الهيتمي: "معاذ الله! بل هذا صدقٌ وحق لا مريةَ فيه، لأنّ أولياء الله أخبروا به، وحاشاهم من الكذب، وممن نقل ذلك الإمام اليافعي، وهو رجل جمع بين العلوم الظاهرة والباطنة"، فزاد إنكار الشيخ وإغلاظه عليه. ثم ذهبا إلى الشيخ زكريا الأنصاري الذي عاتب الجويني عليه، فآمن الجويني بذلك وصدَّق به وأقرَّ بثبوته!! هذا نموذجٌ مما كان يجري بين الفقهاء في هذا الموضوع، فلا يَسَعُ المنكرَ إنكارُ ذلك، ويضطرّ إلى الإيمان به والتصديق به والإقرار بثبوته إذا أراد أن يعيش بينهم. وعلى هذا فلا نستغرب أن يُدخِلَ بعض المؤلفين هذا الموضوع في كتب العقيدة، كما فعل إبراهيم اللقاني في "عمدة المريد لجوهرة التوحيد"، ويتكلم عنه المؤلفون في السيرة النبوية ويعتبروا وجود الأقطاب والأبدال من خصائص الأمة المحمدية، كما فعل القسطلاني في "المواهب اللدنية" (١/ ٤٣٠ - ٤٣١)، والحلبي في "السيرة الحلبية"، وابن التلمساني في "حواشي الشفا"، والزرقاني في "شرح المواهب اللدنية" (٥/ ٣٩٦ - ٤٠١) وغيرهم.
بهذا العرض الموجز نستطيع أن نقدّر كم تكدَّرت ينابيع الثقافة الإسلامية بهذه الفكرة الخرافية التي لا أساس لها من الكتاب والسنة، ولم يقل بها أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
стр. 381
• الذين نقدوا هذه الفكرة
نظرًا لخطورتها على العقيدة وما في شيوعها من آثار سيئة على المجتمع، انتقدها بعض العلماء وذكروا أنها من مخترعات الصوفية وأباطيلهم. ومن أوائل من ردّ عليها وبيَّن ضلال القائلين بها القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي، فقد تكلم عليها في كتابه "سراج المريدين " الذي ألَّفه في التصوف (١). ومنهم من اقتصر على نقد الأحاديث الواردة في الأبدال، والحكم عليها بالوضع والبطلان، وقصد بذلك هدم الفكرة من أساسها، وبيان أنه لا مستند لها في الكتاب والسنة، وهذا ما فعله ابن الجوزي وغيره من العلماء الذين سبق ذكرهم فيما مضى عند الكلام على أحاديث الأبدال، فلا نعيده هنا.
وسُئل ابن الصلاح: هل ورد عن رسول الله ﷺ "على كل قدم نبي من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ولى من أولياء الله تعالى"؟ وأن القطب على قدم رسول الله ﷺ ؟ وأن في الأرض سبعة أوتاد وأبدال ونجباء ونقباء؟ كلما مات رجل أقام الله
_________
(١) أعارني أخي البحاثة المحقق محمد السليماني نسخة مصورة من هذا الكتاب، وبحثتُ فيها عن كلامه في هذا الموضوع، فلم أجده في مظانه. وقد أشار بعض المؤلفين إلى كلامه في الكتاب المذكور، انظر: "سيف الله على من كذب على أولياء الله" لصنع الله الحلبي ص ٦٤ - ٦٥؛ و"تيسير العزيز
الحميد" ص ٢٣٥؛ و"غاية الأماني في الرد على النبهاني" (٢/ ٦٨).
стр. 382
عوضه رجلاً، ولا تزال الوراثة دائمة في علم الباطن وفي علم الظاهر إلى قيام الساعة. الأمر على مما ذكر أم لا؟
فأجاب: لا يثبت هذا الحديث، وأما الأبدال فأقوى ما رويناه فيهم قول علي ﵁ إنه بالشام الأبدال، وأيضًا فإثباتهم كالمجمع عليه بين علماء المسلمين وصلحائهم. وأما الأوتاد والنجباء والنقباء فقد ذكرهم بعض مشايخ الطريقة، ولا يثبت ذلك. ولا تزال طائفة من الأمة ظاهرة على الحق إلى أن تقوم الساعة، وهم العلماء (١).
وللعزّ بن عبد السلام رسالة في إبطال قول الناس أن قطب الأقطاب والأبدال لهم تصرف، بيَّن فيها بطلان قول الناس فيهم، وردَّ على من يقول بوجودهم، وأقام النكير على قولهم "بهم يحفظ الله الأرض" (٢). وقد وصلت إلينا نسختان من هذه الرسالة: إحداهما في مكتبة الأوقاف ببغداد برقم [٢/ ٩٦٨٣ مجاميع] في ثماني ورقات؛ والأخرى في معهد الاستشراق في ليننغراد في ست ورقات (٣).
_________
(١) "فتاوى ابن الصلاح " ص ٥٣. ونقل بعضها ملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة" ص ٧٧ (وتحرف فيه "الأوتاد" إلى "الأدباء"!).
(٢) ذكرها حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١/ ٨٨٣)؛ ومرتضى الزبيدي في "تاج العروس" مادة بدل (٧/ ٢٢٣)؛ وإسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين" (١/ ٥٨٠).
(٣) كما في فهرس المعهد المذكور (١/ ١٤٠). وقد ذكر هاتين النسختين إياد خالد الطباع في مقدمة تحقيقه لكتاب "شجرة المعارف والأحوال" للعز بن=
стр. 383
جاء بعدهم شيخ الإسلام ابن تيمية فكتب كتابات عديدة في هذا الموضوع، وناقش الصوفية في القطب والأبدال والأوتاد وغيرها من الألفاظ، وبيَّن ما ورد منها على لسان السلف ومعانيها عندهم، وأبطل الأحاديث الواردة في هذا الباب، وفصَّل الكلام على مخالفة هذه النظرية للدين والعقل. وسنعرِض آراءَه في هذا الموضوع في الفصل القادم إن شاء الله.
وممن تأثر بشيخِ الإسلام تلميذُه ابن القيم الذي حكم على أحاديث الأبدال والأوتاد بأنها باطلة على رسول الله ﷺ (١). واختصر مرعي بن يوسف الكرمي في كتابه (٢) فتوى لشيخ الإسلام، وظنَّ أن السيوطي لم يطلع على كلام الشيخ، لأنه لم يتعرض لذكره، ولا لردّ ما احتجَّ به مما لا يمكن ردُّه. وأرى أن السيوطي وقف على كلام الشيخ، ولكن تجاهله لأنه لم يقدر على مناقشته، فأحبَّ السكوت عنه. وقد صَرَّح المناوي في شرح كتابه "الجامع الصغير" (٣) أن المؤلف (السيوطي) خالف عادته هنا باستيعاب طرق حديث الأبدال إشارةً إلى بطلان قول ابن تيمية.
وانتهج الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي (٤) نهجَ شيخ الإسلام في
_________
= عبد السلام، ص ٢٥.
(١) "المنار المنيف" ص ١٣٦.
(٢) "شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور" ص ٤٠٠ - ٤٠٦.
(٣) "فيض القدير" (٣/ ١٧٠).
(٤) في "سيف الله على من كذب على أولياء الله" ص ٦٤ - ٦٥.
стр. 384
الرد على من يدعي أن للأولياء تصرُّفًا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة، وأن منهم أبدالاً ونقباء، وأوتادًا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس. فقال: "هذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة".
ثم أطال في مناقشته هذه الدعاوي، وقال في آخر البحث: إنها من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في "سراج المريدين" وابن الجوزي وابن تيمية.
أما ابن خلدون (١) فيكشف عن صلة هذه النظرية بما عند الإسماعيلية والشيعة، فيقول: "كان سلفُهم (أي الصوفية) مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة، الدائنين أيضًا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبًا لم يُعرَف لأولهم، فأشرِبَ كلُّ واحدٍ من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القولُ بالقطب، ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله، ثمّ يورث مقامه لآخر من أهل العرفان. وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب "الإشارات" في فصول التصوف منها، فقال: "جلّ جناب الحق أن يكون شِرعةً لكل وارد، أو يطلع عليه إلاّ واحدٌ بعد
_________
(١) "مقدمة ابن خلدون" ص ٤٧٣، وانظر "شفاء السائل لتهذيب المسائل" له.
стр. 385
الواحد"، وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي، وإنما هو من أنواع الخطابة، وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به. ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء".
هذه آراء بعض العلماء القدامى ونُتَف من انتقاداتهم، تؤكّد أن هذه النظرية أجنبية عن الفكر الإسلامي الأصيل، تسربت إلى الصوفية من غيرهم وتحكمت فيهم عبر القرون.
• موقف شيخ الإسلام منها
لم يناقش فكرة القطب والأبدال أحدٌ مثلما ناقشها شيخ الإسلام ابن تيمية، فله كتابات عديدة في هذا الباب، كتبها ردًّا على بعض الأسئلة التي وُجِّهت إليه، أو تناولها عرضًا في بعض كتبه. وأكثرها تفصيلاً واستيعابًا هذه الفتوى التي بين أيدينا والتي وصلت إلينا بخطه، وفتوى أخرى (مخطوطة) لم تنشَر بعد (١)، وفتوى ضمن السؤال عن أهل الصفة (٢)، وفتوى ضمن السؤال عن زيارة القبور (٣)، وتكلم عليها عرضًا في بعض
_________
(١) ثم نشرتُها ضمن المجموعة الأولى من "جامع المسائل" التي تحتوي على خمس وعشرين رسالة وفتوى ومسألة للشيخ لم تُنشَر حتى الآن.
(٢) نُشرت أولاً في "مجموعة الرسائل والمسائل" (١/ ٤٦ - ٥١)، وعنها في "مجموع الفتاوى" (١١/ ٤٣٣ - ٤٤٤).
(٣) نشرت مرارّا أولاها في المطبع الخليلي بآره (الهند)؛ ثم في "مجموعة=
стр. 386
مؤلفاته (١) وفتاواه (٢). وفيما يلي استعراض لأهم الجوانب التي تناولها شيخ الإسلام بالبحث، ودراسة لموقفه منها، في ضوء هذه الفتوى والكتابات الأخرى التي سبق ذكرها.
ذكر شيخ الإسلام دعوى الصوفية أن في الأرض ثلاث مائة وبضعة عشر هم "النجباء"، وسبعين هم "النقباء"، وأربعين هم "الأبدال "، وسبعة هم "الأقطاب" على عدد الأقاليم السبعة، وأربعة هم "الأوتاد" كالأوتاد التي يذكرها المنجّمون، وواحدًا هو "الغوث"، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة فزعوا إلى الثلاث مائة وبضعة عشر، وأولئك إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين، وهكذا يرفعها الأدنى إلى الأعلى حتى ينتهي الأمر إلى "الغوث"، فلا يرفع بصره حتى تنفرج تلك النازلة. وأن "الغوث" يطلع على أسرار قلوب العباد، علمه ينطبق على علم الله.
ويزعمون أنه على قدم كل نبيّ من الأنبياء وليَّان: وليّ ظاهر ووليٌّ
_________
= الرسائل" (القاهرة ١٣٢٣) ص ١٠٣ - ١٢٢؛ ثم في "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ٩٦ - ١٠٥)، ولها طبعات أخرى غيرها. ونقلها- باختصار- مرعي بن يوسف الكرمي في "شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور" ص ٤٠٠ - ٤٠٦.
انظر: "منهاج السنة النبوية" (١/ ٩١ - ٩٦)؛ و"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ضمناً "مجموع الفتاوى" (١١/ ١٦٧ - ١٦٨)؛ و"درء تعارض العقل والنقل" (٥/ ٣١٥).
انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ٥٧ - ٥٨) = "مختصر الفتاوى المصرية" ص ٥٩٩؛ و"مجموع الفتاوى" (١١/ ٢٩٤ و ٣٦٤).
стр. 387
باطن. ويقولون: إن هؤلاء الأولياء يُستسقى بهم الغيث وتنزل الرحمة ويكشف العذاب، وإذا غضب الله على أحدٍ من أهل الأرض وأراد أن يُنزِل غضبَه نظر إلى قلوب هؤلاء، فإن وجدهم راضين بذلك أنزل عذابه، وإلاّ رفعَه. ويدَّعون أن مدد الخلائق في نصرهم ورزقهم يكون بواسطة الغوث، بل إن مدد الملائكة في السماء والطير في الهواء والحيتان في البحر أيضًا بواسطته، وهو يُعطي الملك والولاية لمن يشاء، ويَصرِف عمن يشاء.
ثم بدأ يناقشهم، فذكر أن هذه الدعوى على الوجه المذكور لا أصل لها في الكتاب والسنة، ولا قول أحد من الصحابة والتابعين ولا أئمة المسلمين وشيوخهم. وهذه الأعداد والمراتب والصفات والأسماء ذكرها بعض المتأخرين من الصوفية، وقد زادوا فيها ونقصوا، ولهم أقوال مختلفة في هذا الباب، وقد ادعى بعضهم أنه ينزل كلَّ عام على الكعبة ورقةٌ مكتوب فيها اسم غوث ذلك العام وخضرِه، وان لكل زمانٍ خضرًا، وأنه نقيب الأولياء، وأنه مرتبة محفوظة لا شخص معين، ونحو هذه الدعاوي التي يَعلمُ كل عاقلٍ بطلانَها وضلالَ معتقدها.
وهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي مأثورة
عن النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل. وقد رُوِي في "الأبدال" حديثٌ عن علي بن أبي طالب مرفوعاً، ولكنه بإسناد منقطع، فهو من رواية بعض الشيوخ الشاميين عن علي، ولم يسمعه منه.
стр. 388
وقد بحث شيخ الإسلام عن معاني هذه الألفاظ والأسماء في اللغة والشرع، وذكر أن ما ورد منها على لسان بعض السلف ليس على الوجه الذي يتصوره الصوفية، بل بالمعنى المناسب الذي لا يعارض أصول الدين.
أما "الغوث" فلا أصل له في كلام أحدٍ من السلف، ولم يُعرف عن أحد منهم أنه قال: فلانٌ غوث هذه الأمة، أو أن للأمة غوثًا بمكة ونحوه، فهذا من محدثات الصوفية ومخترعاتهم. ولا يستحق هذا الوصف إلاّ الله .
ولفظ "النقباء" ذكر في الكتاب والسنة بالمعنى الذي ذكره الله تعالى في قوله: (* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً). وجعل النبي ﷺ للأنصار اثني عشر نقيبًا على عدد نقباء موسى. وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يُعرِّفون العُرَفاء وينقّبون النُّقباء، ليُعرِّفوهم بأخبار الناس وينقّبوا عن أحوالهم. فهؤلاء هم النقباء المعروفون في الكتاب والسنة، وإطلاق هذا اللفظ على أولياء الله ليس له أصل في كلام السلف.
أما لفظ "الأبدال" فقد جاء ذكره في كلام كثير من السلف، فرُوِي عن الشافعي في بعضهم: كنّا نعدّه من الأبدال، وقال البخاري في رجل: كانوا لا يشكون أنه من الأبدال، وقال يزيد بن هارون: الأبدال ٠ هم أهل العلم، وقال أحمد: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم. وكذا وصف غير هؤلاء من النقاد والحفاظ والأئمة غير واحدٍ بانه من الأبدال. وكان المقصود
стр. 389
منه أنهم أبدالٌ عن الأنبياء وخلفاءُ لهم وورثتُهم، يخلفونهم في سننهم، ويحملون الأمة على طريقهم. وقد جاء في حديثٍ وصف الذين يحبّون السنّة ويعلّمونها الناس بأنهم خلفاء النبي، وفي حديث آخر أن "العلماء ورثة الأنبياء". والخلافة والوراثة قد تكون في بعض الأشياء دون بعض، فمن نال بعضَ ما بُعِثوا به من العلم فهو وارثٌ لذلك المقدار، ومن قام مقامهم في بعض الأمر كان بدلاً منهم في ذلك. ومعلوم أن من جملة أحوال الأنبياء دعاءَهم للخلق، وما يحصل بدعائهم وعبادتهم من الرزق والنصر، فمن قامَ مقامَهم في بعض ذلك كان بَدلاً منهم في ذلك البعض.
ومن زعم من الصوفية أنَّ البدل إذا غابَ عن مكانه أبدل بصورة على مثالِه، ولذا سُمُّوا أبدالاً، فهذا باطل، ولم يكن السلف يعنون به هذا المعنى.
أما اسم "القُطْب" فهو مأخوذ من قطب الرحى، وهو ما يدور عليه الرحى، فالشخص الذي يدور عليه أمر من الأمور فهو قطب ذلك الأمر، وأفضل الخلق هم الرسل، وعليهم تدور رسالة الله إلى خلقه، وإمام الصلاة يدور عليه أمر الإمامة، فهو قطب الإمامة، ومؤذن المسجد قطب الأذان، وحاكم البلد قطب الحكم، وأمير الحرب قطب هذه الإمارة، وكان الخلفاء الراشدون أقطاب الأمة، دار عليهم من مصالح الأمة في دينها ودنياها ما لم يَدُر على أحدٍ مثلُه.
وقد يكون في عصرٍ رجل هو أفضل أهل الأرض، كما قد
стр. 390
يكون رجلان أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، ويحصل بدعائهم وعبادتهم من الخير ويندفع من الشرّ ما لا يحصل بدون ذلك، كما في قول النبي ﷺ : "هل تنصَرون وتُرْزَقون إلاّ بضعفائكم، بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم" (١). وقد قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣))، وقال: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٢٥)). فهذا ونحوه مما يوافق أصول الدين.
وأما ما يدعيه الصوفية في القطب والمرتبة التي يسمونها القطبية فمن الغلو الذي يُشبه غُلوَّ النصارى والرافضة، حيث قالوا: إن مدد أهل الأرض يكون من جهته، وإن الله إذا أنزل إلى الأرض خيرًا من هُدىً ورزقٍ ونصرِ فإنه يُنزِله عليه، ثمّ منه يَفيض إلى سائر الخلق. لم يكن السلف يفهمون من القطب هذا المعنى، ولا خطر ببالهم إلاّ معناه اللغوي الذي سبق ذكره. ولا يُعرَف أنهم تكلموا بهذا الاسم في الرجال، ولا جعلوا اسم "القطب" مما يُعبَّر ول عن أحوال أولياء الله المتقين، بخلاف اسم "الأبدال" في نُقِل عنهم التكلم بذلك في مواضع.
أما "الأوتاد" فقد ورد على لسان بعض المتأخرين، والوتد هو المُثبِت لغيره، كما أن الجبال أوتاد الأرض، فمَن ثبَّت الله به
_________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٩٦) والنسائي ٦/ ٤٥ وغيرهما.