← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مؤلفاته (١) وفتاواه (٢). وفيما يلي استعراض لأهم الجوانب التي تناولها شيخ الإسلام بالبحث، ودراسة لموقفه منها، في ضوء هذه الفتوى والكتابات الأخرى التي سبق ذكرها. ذكر شيخ الإسلام دعوى الصوفية أن في الأرض ثلاث مائة وبضعة عشر هم "النجباء"، وسبعين هم "النقباء"، وأربعين هم "الأبدال "، وسبعة هم "الأقطاب" على عدد الأقاليم السبعة، وأربعة هم "الأوتاد" كالأوتاد التي يذكرها المنجّمون، وواحدًا هو "الغوث"، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة فزعوا إلى الثلاث مائة وبضعة عشر، وأولئك إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين، وهكذا يرفعها الأدنى إلى الأعلى حتى ينتهي الأمر إلى "الغوث"، فلا يرفع بصره حتى تنفرج تلك النازلة. وأن "الغوث" يطلع على أسرار قلوب العباد، علمه ينطبق على علم الله. ويزعمون أنه على قدم كل نبيّ من الأنبياء وليَّان: وليّ ظاهر ووليٌّ _________ = الرسائل" (القاهرة ١٣٢٣) ص ١٠٣ - ١٢٢؛ ثم في "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ٩٦ - ١٠٥)، ولها طبعات أخرى غيرها. ونقلها- باختصار- مرعي بن يوسف الكرمي في "شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور" ص ٤٠٠ - ٤٠٦. انظر: "منهاج السنة النبوية" (١/ ٩١ - ٩٦)؛ و"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ضمناً "مجموع الفتاوى" (١١/ ١٦٧ - ١٦٨)؛ و"درء تعارض العقل والنقل" (٥/ ٣١٥). انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ٥٧ - ٥٨) = "مختصر الفتاوى المصرية" ص ٥٩٩؛ و"مجموع الفتاوى" (١١/ ٢٩٤ و ٣٦٤).

стр. 387

باطن. ويقولون: إن هؤلاء الأولياء يُستسقى بهم الغيث وتنزل الرحمة ويكشف العذاب، وإذا غضب الله على أحدٍ من أهل الأرض وأراد أن يُنزِل غضبَه نظر إلى قلوب هؤلاء، فإن وجدهم راضين بذلك أنزل عذابه، وإلاّ رفعَه. ويدَّعون أن مدد الخلائق في نصرهم ورزقهم يكون بواسطة الغوث، بل إن مدد الملائكة في السماء والطير في الهواء والحيتان في البحر أيضًا بواسطته، وهو يُعطي الملك والولاية لمن يشاء، ويَصرِف عمن يشاء. ثم بدأ يناقشهم، فذكر أن هذه الدعوى على الوجه المذكور لا أصل لها في الكتاب والسنة، ولا قول أحد من الصحابة والتابعين ولا أئمة المسلمين وشيوخهم. وهذه الأعداد والمراتب والصفات والأسماء ذكرها بعض المتأخرين من الصوفية، وقد زادوا فيها ونقصوا، ولهم أقوال مختلفة في هذا الباب، وقد ادعى بعضهم أنه ينزل كلَّ عام على الكعبة ورقةٌ مكتوب فيها اسم غوث ذلك العام وخضرِه، وان لكل زمانٍ خضرًا، وأنه نقيب الأولياء، وأنه مرتبة محفوظة لا شخص معين، ونحو هذه الدعاوي التي يَعلمُ كل عاقلٍ بطلانَها وضلالَ معتقدها. وهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي مأثورة عن النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل. وقد رُوِي في "الأبدال" حديثٌ عن علي بن أبي طالب مرفوعاً، ولكنه بإسناد منقطع، فهو من رواية بعض الشيوخ الشاميين عن علي، ولم يسمعه منه.

стр. 388

وقد بحث شيخ الإسلام عن معاني هذه الألفاظ والأسماء في اللغة والشرع، وذكر أن ما ورد منها على لسان بعض السلف ليس على الوجه الذي يتصوره الصوفية، بل بالمعنى المناسب الذي لا يعارض أصول الدين. أما "الغوث" فلا أصل له في كلام أحدٍ من السلف، ولم يُعرف عن أحد منهم أنه قال: فلانٌ غوث هذه الأمة، أو أن للأمة غوثًا بمكة ونحوه، فهذا من محدثات الصوفية ومخترعاتهم. ولا يستحق هذا الوصف إلاّ الله . ولفظ "النقباء" ذكر في الكتاب والسنة بالمعنى الذي ذكره الله تعالى في قوله: (* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً). وجعل النبي ﷺ للأنصار اثني عشر نقيبًا على عدد نقباء موسى. وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يُعرِّفون العُرَفاء وينقّبون النُّقباء، ليُعرِّفوهم بأخبار الناس وينقّبوا عن أحوالهم. فهؤلاء هم النقباء المعروفون في الكتاب والسنة، وإطلاق هذا اللفظ على أولياء الله ليس له أصل في كلام السلف. أما لفظ "الأبدال" فقد جاء ذكره في كلام كثير من السلف، فرُوِي عن الشافعي في بعضهم: كنّا نعدّه من الأبدال، وقال البخاري في رجل: كانوا لا يشكون أنه من الأبدال، وقال يزيد بن هارون: الأبدال ٠ هم أهل العلم، وقال أحمد: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم. وكذا وصف غير هؤلاء من النقاد والحفاظ والأئمة غير واحدٍ بانه من الأبدال. وكان المقصود

стр. 389

منه أنهم أبدالٌ عن الأنبياء وخلفاءُ لهم وورثتُهم، يخلفونهم في سننهم، ويحملون الأمة على طريقهم. وقد جاء في حديثٍ وصف الذين يحبّون السنّة ويعلّمونها الناس بأنهم خلفاء النبي، وفي حديث آخر أن "العلماء ورثة الأنبياء". والخلافة والوراثة قد تكون في بعض الأشياء دون بعض، فمن نال بعضَ ما بُعِثوا به من العلم فهو وارثٌ لذلك المقدار، ومن قام مقامهم في بعض الأمر كان بدلاً منهم في ذلك. ومعلوم أن من جملة أحوال الأنبياء دعاءَهم للخلق، وما يحصل بدعائهم وعبادتهم من الرزق والنصر، فمن قامَ مقامَهم في بعض ذلك كان بَدلاً منهم في ذلك البعض. ومن زعم من الصوفية أنَّ البدل إذا غابَ عن مكانه أبدل بصورة على مثالِه، ولذا سُمُّوا أبدالاً، فهذا باطل، ولم يكن السلف يعنون به هذا المعنى. أما اسم "القُطْب" فهو مأخوذ من قطب الرحى، وهو ما يدور عليه الرحى، فالشخص الذي يدور عليه أمر من الأمور فهو قطب ذلك الأمر، وأفضل الخلق هم الرسل، وعليهم تدور رسالة الله إلى خلقه، وإمام الصلاة يدور عليه أمر الإمامة، فهو قطب الإمامة، ومؤذن المسجد قطب الأذان، وحاكم البلد قطب الحكم، وأمير الحرب قطب هذه الإمارة، وكان الخلفاء الراشدون أقطاب الأمة، دار عليهم من مصالح الأمة في دينها ودنياها ما لم يَدُر على أحدٍ مثلُه. وقد يكون في عصرٍ رجل هو أفضل أهل الأرض، كما قد

стр. 390

يكون رجلان أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، ويحصل بدعائهم وعبادتهم من الخير ويندفع من الشرّ ما لا يحصل بدون ذلك، كما في قول النبي ﷺ : "هل تنصَرون وتُرْزَقون إلاّ بضعفائكم، بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم" (١). وقد قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣))، وقال: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٢٥)). فهذا ونحوه مما يوافق أصول الدين. وأما ما يدعيه الصوفية في القطب والمرتبة التي يسمونها القطبية فمن الغلو الذي يُشبه غُلوَّ النصارى والرافضة، حيث قالوا: إن مدد أهل الأرض يكون من جهته، وإن الله إذا أنزل إلى الأرض خيرًا من هُدىً ورزقٍ ونصرِ فإنه يُنزِله عليه، ثمّ منه يَفيض إلى سائر الخلق. لم يكن السلف يفهمون من القطب هذا المعنى، ولا خطر ببالهم إلاّ معناه اللغوي الذي سبق ذكره. ولا يُعرَف أنهم تكلموا بهذا الاسم في الرجال، ولا جعلوا اسم "القطب" مما يُعبَّر ول عن أحوال أولياء الله المتقين، بخلاف اسم "الأبدال" في نُقِل عنهم التكلم بذلك في مواضع. أما "الأوتاد" فقد ورد على لسان بعض المتأخرين، والوتد هو المُثبِت لغيره، كما أن الجبال أوتاد الأرض، فمَن ثبَّت الله به _________ (١) أخرجه البخاري (٢٨٩٦) والنسائي ٦/ ٤٥ وغيرهما.

стр. 391

الإيمان والتقوى في قلوب بعض عباده، أو ثبت بدعائه وعبادته نصرُهم ورزقُهم، كان له من هذا المعنى نصيب بحسب ذلك. أما "النجباء" فلم يرد إطلاقه عند السلف على أولياء الله، ولم يثبت شيء من الآثار التي رويت في ذلك. بهذا التفصيل نعرف أن السلف عند استخدامهم لبعض هذه الألفاظ لم يفهموا منها تلك المعاني والخصائص التي استقرت في أذهان الصوفية، ولذا فاستناد هؤلاء إلى الآثار التي وردت فيها تلك الألفاظ على لسان بعض السلف لا يُجدِيهم شيئا، فهي -على فرض ثبوتها عنهم- ليست على الوجه الذي يتصوره الصوفية، بل بالمعنى المناسب الذي لا يعارض أصول الدين. وعندنا أصلان ثابتان بالكتاب والسنة والإجماع، الأول: أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما قال تعالى: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)) وقال: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)). والثاني: أن الله يجلب للناس المنافعَ ويدفع عنهم المضارّ بدعاء عبادِه المؤمنين وصلاتهم وعبادتهم، كما قال النبي ﷺ "وهل تُنصَرون وتُرْزَقون إلاّ بضعفائكم بدعائهم وإخلاصهم". إذا عرفنا هذين الأصلين تبيَّن لنا أنه ليس لأولياء الله عددٌ محصور تتساوى فيه الأزمنة، ولا لهم مكانٌ مُعيَّن من الأمكنة، بل هم يزدادون وينقصون بحسب زيادة أهل الإيمان والتقوى

стр. 392

ونقصانهم. وقد بعث الله رسوله بالحق، وآمن معه بمكة نفرٌ قليل كانوا أقل من سبعة، ثم أقلّ من أربعين، ثم أقلّ من سبعين، ثم أقلّ من ثلاث مائة، فأين كان أولئك الأبدال وغيرهم ممن يذكرهم الصوفية بالعدد والترتيب والطبقات؟ هل كانوا في الكفّار؟ ثم هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين، ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم، فمن كان هو الغوث الذي يدّعي الصوفية وجوده بمكة بعد الهجرة؟ ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين عدد لا يُحصَى، ولا يحصرون بثلاث مائة ولا بثلاثة آلاف، فكل من جعل لهم عددًا محصورًا فهو من المبطلين عمدًا أو خطأً. ونسألهم مَن كان القطب والأبدال وغيرهم من زمن آدم ونوح وإبراهيم وقبل محمد عليهم الصلاة والسلام في الفترة حين كان عامة الناس كفرة؟ وإن زعموا أنهم كانوا بعد رسولنا ففي أيّ زمانٍ كانوا؟ ومَن أوَّلُ هؤلاء؟ وبأيّ آية وبأيّ حديث مشهورٍ وبأيّ إجماع متواتر من القرون الثلاثة ثبتَ وجودُ هؤلاء بهذه الأعداد حتى نعتقده؟ لأن العقائد لا تعتقد إلاّ من هذه الأدلة الثلاثة ومن البرهان العقلي، (قُل هَاتُوا بُرهانكم إن كنتم صادقين (١١١))، فإن لم يأتوا به فهم الكاذبون بلا ريب، فلا نعتقد أكاذيبهم. وقولهم "إنّ النجباء بمصر والأبدال بالشام والنقباء بالعراق"

стр. 393

ونحو هذا على الإطلاق باطل قطعًا، فإن هذه البلاد كانت في أول الإسلام ديارَ كفر، لم يكن بها أحدٌ من أولياء الله، ولمّا صارت دار إسلام صار فيها من أولياء الله بحسب ما في أهلها من الإيمان والتقوى. ولا يختص إقليم من هذه الأقاليم بالأبدال، ومن قال إن الأبدال لا يكونون إلاّ بالشام فقد أخطأ، فإن خيار هذه الأمة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كانوا بالمدينة، ولما فتحت الأمصار كان في كل مصرِ من خيار المسلمين مَن لا يُحصيه إلاّ الله. وإذا كان الأبدال أفضل الأمة فمن الممتنع أن يكونوا في زمن علي بالشام، فإن طائفته كانت أولى بالحق من طائفة معاوية بشهادة النبي ﷺ ، فكيف يكون الأبدال خارجين عن جماعة علي ويكونون بالشام؟ ومما يبين أنهم ليسوا مخصوصين بالشام أن الذين نطقوا بلفظ "الأبدال" من السلف كانوا يجعلون منهم من ليس بالشام، وهذا كثير في كلامهم، فما يدعيه الصوفية غلط. وقولهم "إن الشدة إذا نزلت بأهل الأرض يرفعها الأدنى إلى الأعلى، حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يرفع بَصَرَه حتى تنفرج تلك النازلة" من أعظم الكذب والبهتان، فإن هذا "الغوث" المدَّعَى ليس بأعظم من الرسل، وهم قد يُمنَعون ما يسألون، وقد كان الأنبياء يجتهدون في الدعاء، فكيف يكون غيرُهم لا يرفع بصرَه حتى تُدفَع النوازل؟ وقد نزل بهذه الأمة من الشدائد ما لا يحصيه

стр. 394

إلاّ الله، واتصل بعضها مدةً، فأين كان هذا الغوث؟ وكان المسلمون لا يرفعون أمر هذه الشدائد إلى غير الله ولا يتركونها لشخص معين، فمَن هذا الأدنى الذي يرفعها إلى الأعلى؟ وإذا كان الله يجيب الكفار إذا دعوه مضطرين، فكيف يُحوِجُ عبادَه المؤمنين إلى وسائط في رفع حوائجهم إليه؟ وأين الحاجة إلى الوسائط والله يسمع ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه؟ ومن أباطيل الصوفية ادعاؤهم أنه "على قدم كل نبيّ وليَّان: ولىٌّ ظاهر ووليٌّ باطن"، فقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه رأى الأنبياء، النبي يجيء وحدَه، والنبي يجيء معه رجلٌ، والنبي يجيء معه رجلان، فإذا كان النبي قد لا يتبعه أحدٌ، أو لا يتبعه إلاّ رجل واحد، فكيف يجب أن يكون له في كل عصرٍ اثنانِ على قدمِه من أمة غيرِه؟ وأيضًا فقول القائل إن الوليّ على قدم النبي لا يجوز أن يريد به اتباعَ شريعته، فإنه بعد مبعث محمد ﷺ لا يقبل الله من أحدٍ إلاّ شريعته. ثم إن غالب الأنبياء لم يُقَصُّوا على نبينا ﷺ ، ولم تعرفهم أمته، فكيف يكون من أمته من هو على قدم نبيٍّ لا يعرفه ولا يعرف قدمَه؟ وخلاصة القول أن هذا الكلام لا دليل عليه، ولو كان حقًا لكان معروفًا عند أهل العلم والإيمان، فإذا لم يكن له أصل عندهم عُلِم بطلانه. ومن أشنع ما يزعمه الصوفية قولهم في "الغوث القطب": إنه

стр. 395

يطلع على أسرار قلوب العباد، وينطبق علمه على علم الله، ويعرف جميع الأولياء، وتنتهي إليه حوائج الخلق، وبواسطته يكون مدد الخلائق في نصرهم ورزقهم. وقد ناقشهم شيخ الإسلام وبيَّن أن هذه الدعاوي كلها باطلة، وهي نظير ما يدعيه النصارى في "المسيح" والرافضة في "المنتظر" والنصيرية في "الباب" والفلاسفة في "العقل الفعال"، وأظهر في الشرك والضلال والكفر والفساد من أن نعرض لها. وقد أطال شيخ الإسلام في الردّ عليها، وذكر نصوصًا من الكتاب والسنة تدل على أنها من الشرك في الربوبية، ولا يجوز نسبة الأمور المذكورة إلى الأنبياء والرسل، فكيف تصح لهذا "الغوث" المزعوم الذي لا وجود له إلاّ في أذهان الصوفية؟ ومن أراد التوسع في ذلك فليرجع إلى المواضع التي أشرنا إليها في أول هذا الفصل، وليقرأ هذه الفتوى التي فصّل الكلام فيها حول هذا الموضوع. هذا عرض موجز لآراء شيخ الإسلام في هذا الباب، وبه يظهر أنه بحث دعاوي الصوفية في القطب والأبدال من نواح متعددة، وناقشهم مناقشة طويلة بالعقل والنقل، وهَدَم أساس نظريتهم، وأبطل كلَّ شبهة تعلقوا بها. وهذه الفتوى التي تُنشَر الآن لأول مرة هي أطول فتوى له فيها. • وصف النسخة الخطية توجد نسخة فريدة من هذه الفتوى بخط المؤلف ضمن مجاميع المدرسة العمرية بدار الكتب الظاهرية بدمشق برقم ٣٨٤٥ عام [مجاميع ١٠٩] (الورقة ٢٣٥ - ٢٥٧) باستثناء الورقة ٢٥٦ أ- ب،

стр. 396

فهي من "سنن أبي داود"، وفيها الأحاديث ذات الأرقام (١٣٠٢ - ١٣٠٨). ويلاحظ أن الورقة مقلوبة، فصفحة ب سابقة في الترتيب على أ. ويبدو أنها ورقة ضائعة من نسخة قديمة من "السنن" عليها آثار التصحيح والمقابلة. تبتدئ هذه النسخة بنصّ السؤال الذي قُدِّم إلى شيخ الإسلام، وبَعدَه بَدَأ الشيخ كتابة الجواب في أسفل الصفحة بقوله "الحمد لله "، وانتهى منها في الورقة (٢٥٥ أ)، حيث قال في آخرها: "والله سبحانه أعلم. كتبه أحمد بن تيمية". ثم رأى الزيادة على ما سبق، فشطب على العبارة المذكورة، وكتب صفحتين، وقال في الأخير: "والله سبحانه أعلم. كتبه أحمد بن تيمية". وقد كانت هذه الفتوى بلا عنوان، فكتب في أولها أحدُ المفهرسين "فتوى الأقطاب والأبدال" بخط حديث. وبجانبه في أعلى الصفحة بخط قديم: "نقله محمد بن المحب"، مما يفيد أن هذه الفتوى نُسِختْ منها نسخة بخط محمد بن المحب، ناسخ بعض مؤلفات شيخ الإسلام التي وصلت إلينا. وهو الحافظ شمس الدين أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب عبد الله المقدسي ثم الصالحي الحنبلي، المشهور بالصامت لكثرة سكوته (٧١٣ - ٧٨٩)، ترجم له الحافظ في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٦٥)، وقال: "تفقه إلى أن فاق الأقران، وأفتى ودرّس، وكان كثير المروءة حسن الهيئة، من رؤساء أهل دمشق". وله أخ اسمه أبو الفتح أحمد (٧١٩ - ٧٤٩)، ترجمته في

стр. 397

"الدرر الكامنة" (١/ ١٧٩)، وهو أيضًا ناسخ كثير من مؤلفات شيخ الإسلام التي وصلت إلينا. وخطّ هذين الأخوين متقن، ومتشابه إلى حدّ كبير، وأكثر منسوخاتهما بالاعتماد على الأصول والمسودات التي بخط الشيخ. وقد شرَّقتْ هذه النسخ وغرَّبتْ، وتفرقتْ في بلدان عديدة، وضاع كثير منها وبقي بعضها في المكتبات. وتعتبر هذه النسخ أهمّ ما وصلَ إلينا من مؤلفات شيخ الإسلام بعد الأصول التي بخطه. وإذا عثرتَ على شيء منها بخط أحدهما فلا تلتفتْ إلى نسخ أخرى متأخرة، ولا تتعبْ في جمعها وتحصيلها، فهي لا تفيدك إلاّ زيادة التصحيف والتحريف والسقط، كما هو مجرَّب لديّ بعد فحص مثل هذه النسخ. ونظرًا لأهمية النسخة التي نقلها ابن المحب بحثتُ عنها في فهارس المكتبات، فلم أعثر عليها مع الأسف، ولذا عكفتُ على أصل المؤلف، وبذلت جهدي في قراءته، واستطعت أن أقدمه بالشكل الذي يراه الناظرون. وقد سبق لي وصف خط المؤلف في مقدمتي على "قاعدة في الاستحسان" (ص ١٤، ٤٢)، وكلّ ما ذكرتُه هناك ينطبق على هذا الكتاب، فأحيل القراء إليها. وفي الختام أحمد الله تعالى على أن وفقني لإخراج أثر مهم من آثار شيخ الإسلام بخطه، وأشكر الإخوة الذين جلبوا لي المصوَّرات الفلمية والمكبرة عن الأصل، حتى تمكنتُ من قراءة الكلمات والأسطر التي كانت ساقطة أو مطموسة في مصوَّرتي،

стр. 398

وأخصّ بالذكر منهم الأخوين الكريمين والمحققين الفاضلين علي ابن محمد العمران وأحمد حاج محمد، فقد سعيا في ذلك كثيرًا، جزاهما الله أحسن الجزاء عن العلم وأهله، ووفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب. محمد عزير شمس

стр. 399

نماذج من الأصل

стр. 400

نصّ الفتوى

стр. 401

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ما تقول السادةُ العلماءُ أئمةُ الهدى ومصابيحُ الدُّجَى فيمن يَزعمُ أنه على قَدمِ كُل نبي من الأنبياء وليَّانِ: وليٌّ ظاهرٌ وولىٌّ باطن، وهما أقطابُ الغوثِ (١) الذي ينتهي إليه حوائجُ الخلقِ، وأنّ له أربعةَ أوتاد وسبعةَ نُجَبَاءَ واثنا عشرَ (٢) نقيبًا وأربعين بَدَلاً، وأنّ كلَّما ماتَ من الاثنا عشر واحدا (٣) أُخِذَ من الأربعين، ومن السبعة أُخِذَ من الاثنا عشر (٤)، وكل ينزل من أكثر العدد إلى أقلِّ العدد بحسب مراتب الأوضاع، وأنّ الغوث بمكة، والقطبين أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، والأربعة بأركان الأرض، والنجباء بمصر، والأبدال بالشام، والنّقباء بالعراق، وأنّ الشدّةَ إذا نزلتْ بأهل الأرض رِفعَها الأدنَى إلى الأعلى، حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يَرفعُ بصرَه حتى تنفرجَ تلك النازلة. ويَدَّعون أنَّ لكل قطب علم (٥) لا يعرفه الآخر، ويسمُّون أنواعًا من العلوم الظاهرة والباطنة.

стр. 402

والمسئول معرفةُ الحق المشروع، هل هذه الأشياء المسمَّاةُ لها دليلٌ من كتاب أو سنةٍ؟ أو لها وجود أو لها تأثير؟ أو لها حقيقة تَرجعُ إلى تَمثُّلها في الأكوانِ أو الأذهان؟ وهل الحديث المروي عن النبَي ﷺ : "لاّ تَسُبُّوا أهلَ الشام، فإنَّ فيهم الأبدالَ"، هل هو صحيح أم ضعيف؟ وإن كان صحيحًا ما حكمه؟ أفتونا مُثَابِين مأجورين إن شاء الله تعالى.

стр. 403

الحمد لله. هذه الدعوى على الوجه المذكور لا أصلَ لها من كتاب ولا سنَّةٍ، ولا قولِ أحدٍ من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين وشيوخهم، الذين لهم في الأمة لسانُ صِدقٍ، وإنما يُذكَر بعضُ هذا الكلام عن بعض الشيوخِ المتأخرين، مع أنه لا أصلَ له، وزَادَ في ذلك مَن بعدهم ونقصوا، وغَيروا في الأعداد والمراتب والصفات،/ وقالوا أشياءَ نعلم مخالفتَها لدين المسلمين، بل ولعقلِ عقلاءِ العالمين. وقد يَروون في ذلك أحاديثَ موضوعة، مثل روايتهم أنه كان للمغيرة بن شعبة غلام اسمُه هلال، وأن النبي ﷺ قال: "إنه من السبعة" (١). وقد روى هذا الحديثَ بعضُ المصنِّفين في الرقائق، كما روى غيرَه من الموضوعات، وأما الشهادة لمعيَّن بالجنَّةِ فهذا صحيح، فقد شهدَ النبي ﷺ بالجنة لغير واحدٍ من الصحابة، كالعشرة وثابت بن قيس وغيرهم.

стр. 404

وهؤلاء الذين تكلموا في هذا من المُتأخرين يجعلون الأقطابَ سبعةً على عددِ الأقاليم، ويجعلونَ الأوتادَ أربعةً كالأوتادِ التي يذكرها المنجّمون، ويجعلون الغوثَ واحدًا مقيمًا بمكةَ، ويجعلون مددَ أهلِ الأرضِ منه، ويقولون: إنه منه يَفِيضُ على أهلِ الأرضِ ما يَنزِلُ عليهم من الهدى والرزق ونحو ذلك، ويقولون: إنه لابُدَّ لكل زمانٍ من ذلك، كما يَقول الرافضة: إنه لابُدَّ لكل زمان من إمام معصوم، وكما يقولُ النصارى: إنه لابُدَّ من الباب الذي به يُحفَظ أهلُ الأرض (١). فقيل لبعضِ هؤلاء: فإذا كان لابُدَّ كذلك فمَنِ الغَوثُ الذي كان بمكةَ بعد الهجرةِ على عهد رسولِ الله ﷺ وخلفائِه الراشدين، الذي كان هو المُمِدّ لرسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ وهو أفضلُ منهم؟ فبُهِتَ مدَّعِيْ ذلك. وقد يقولون مع ذلك بأنّ لكلّ زمانٍ خَضِرًا، ويجعلونَ الخَضِرَ مرتبةً محفوظةً لا شخصا معيَّنا، ويَدَّعونَ أنه يَنزِلُ كلَّ عامٍ على البيت ورقة مكتوبٌ فيها اسمُ غوثِ ذلك العام وخضرِه. ونحو هذه الدعاوي التي يَعلَمُ كلُّ عاقلٍ بطلانَها، وضَلالَ معتقدِها، وكَذِبَ المُخبِرِ بها عمدًا أو خطأ. ومن هؤلاء من يُعيِّن لكل قريةٍ من القرى واحدًا من هذا العدد

стр. 405

أو أقل أو أكثر، ويتكلمون في ذلك نظمًا ونثرًا بكلامٍ يُناقِضُ العقلَ ويخالف دينَ الإسلام. وحقيقةُ الأمر في ذلك أنَّ أولياء الله هم المؤمنون المتقون (١)، كما قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) (٢) /وفي صحيح البخاري (٣) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: من عادى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بمثلِ أداء ما افترضتُ عليه، ولا يَزالُ عبدي يَتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أُحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به، وبَصرَه الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَه التي يَمشِي بها. فبيْ يَسْمَع، وبِي يُبْصِر، وبي يَبْطِشُ، وبي يمشي، (وإن سألني لأعطِينَّه، ولئن استعاذني لأعِيْذَنَّه) (٤)، وما تردَّدتُ عن شئ أنا فاعلُه تردُّدي عن قَبْضِ نفسِ عبدي المؤمنِ يَكرهُ الموتَ وأَكْرهُ مَسَاءتَه، ولابدَّ له منه". وأيضًا فإنّ الله بعباداتِ عبادِه المؤمنين ودُعائِهم يَجلِبُ للناسِ

стр. 406

المنافعَ ويَدْفَعُ عنهم المضارَّ، كما في السنن (١) أن النبي ﷺ قال: "وهل تنصَرون وتُرْزقون إلاّ بضُعفائِكم، بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم". وانتفاعُ الخَلْقِ بدعاء المؤمنين وصلاتهم كانتفاع الحيّ والميّتِ بدعاء المؤمنين واستغفارِهم، ونزولِ الغيثِ بدعاءِ المؤمنين واستغفارِهم، والنَّصْر على الأعداءِ بدعاء المؤمنين واستغفارهم، وأمثال ذلك مما اتفق عليه المؤمنون. فهذانِ الأصلانِ هما أصلانِ ثابتان بالكتاب والسنة والإجماع. وليس لأولياء الله عددٌ محصور تتساوى فيه الأزمنة، ولا لهم مكانٌ معيّنٌ من الأمكنة، بل هم يزدادون ويَنقُصون بحسبِ زيادةِ أهلِ الإيمان والتقوى ونقصانهم. فَبَعَثَ الله محمدًا ﷺ إلى الناس، وكان الأمر كما أخبر في الحديث الصحيح (٢): "إن الله نَظَرَ إلى أهلِ ٢٣٦ ب الأرض فمَقَتَهم، عَرَبَهم وعَجَمَهم،/ إلاّ بقايا من أهل الكتاب". وقد ثبتَ في الصحيح (٣) أن إبراهيم الخليل قال لسارةَ: "إنه ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرُك". وقد أخبر الله عن نوحٍ

стр. 407

أنه (ما ءامن معه إلا قليل (٤٠)) (١)، وأنَّ الله أغرقَ أهلَ الأرضِ إلاّ من كان معه في السفينةِ. وقد كانت الشام قبلَ أن يخرج إليها موسى وبنو إسرائيلَ يَغلِبُ على أهلِها الكفرُ، فأورثها الله لبني إسرائيلَ، فصارَ فيها من الأنبياء والصالحين ما لم يكن فيها نَظِيرُه قبلَ ذلكَ. ولمَّا بعث اللهُ محمدًا ﷺ آمن به طائفة قليلة، فكان أولَ من آمن به أبو بكرٍ وعليٌّ وزيدٌ وخديجةُ، وآمنَ على يَدَيْ أبي بكرٍ عثمانُ وطلحةُ والزبيرُ وسعد وعبد الرحمن، ثمَّ تَزايدَ أهلُ الإيمانِ حتًى بلغوا أربعين، فلم يكنْ بمكةَ قبلَ ذلك أربعونَ مؤمنًا، بل ولا عَشَرة مؤمنونَ، بل ولا أربعةٌ. ثم إنّ الإيمانَ زادَ، وهاجرَ النبي ﷺ إلى المدينة، وكَثُر السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين اتبعوهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكل هؤلاء من سادات أولياء الله المتقين، فبايَعهُ تحتَ الشجرة أكثرُ من ألفٍ وأربع مائة قد ﵃، وكلهم من أهل الجنة، قال الله فيهم: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (٢). وفي الصحيح (٣) أنه قال لخالد بن الوليد لمَّا (٤) سَابَّ

стр. 408

عبد الرحمن بن عوفٍ: "يا خالدُ، لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقَ أحدُكُم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغَ مُذَ أحدِهم ولا نَصِيْفَه ". وخالدٌ هو ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فإنه أسلم بعد/ الحديبية (١)، فجعلَ النبي ﷺ هؤلاء التابعينَ من الصحابةِ بالنسبة إلى السابقين منهم بهذه المنزلة. وانتشرَ الإسلامُ بعد هذا في أرضِ اليمن والشام والعراق وخراسان ومصر ومغرب (٢)، حتى بقي في العصر الواحدِ من هذه البلادِ من أولياء الله أُلوفٌ مؤلَّفةٌ. فمن قَصَرَهم حينئذ على الأربعين أو ثلاث مائة كان جاهلاً، كما أنَ من بلغ بهم في أولِ الإسلام هذا العددَ كان جاهلاً. وأما الأسماء المذكورة فتسميةُ "الغوثِ" لا أصل لها في كلامِ أحدٍ من السلف بالمعنى الذي يَدعِيْه هؤلاء (٣)، ولا يُعرَفُ عن أحدٍ من السلف أنه قال: فلانٌ هو غوثُ هذه الأمة، أو إنّ للأمة غوثًا بمكة أو يجيء مكة. وأما لفظ "النُّقَباء" فإنما ذُكِر في الكتاب والسنة بالمعنى الذي ذكره الله في قوله: (* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا

стр. 409

مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) (١). وكذلك النبي ﷺ جَعَلَ للأنصار اثني عشرَ نقيبًا على عددِ نُقَباءِ مُوسى (٢). وكذلك قال النبي ﷺ لأصحابه عامَ حُنَين لما أطلقَ لهوازنَ السبيَ فقال: "لِيَرْفَعْ لنا عُرَفَاؤكم مَنْ طَيَّبَ ممن لم يُطَيِّب" (٣). وكان العسكرُ اثني عشرَ ألفًا. وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يُعَرِّفُون العُرَفاءَ ويُنَقِّبُون الئقَباءَ، ليُعزَفُوهم بأخبار الناس، ويُنَقبُوا عن أحوالهم. فهؤلاء هم النقباء المعروفون في الكتاب والسنة وكلام السلف. وأما من جَعَلَ لأولياء اللهِ نُقَباء َهم، اثنا عشرَ، أو جَعَلَ الخَضِرَ نقيبَ الأولياء، فهذا باطل، فإنَ أولياء الله لا يَعْرِفُ أعيانَهم على التفصيلِ أحدٌ من البشر، لا نبيّ ولا غيرُ نبيّ. وقد كان على عهد النبي ﷺ بمدينته مؤمنون (٤) ومنافقون، وقد قال الله له: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) (٥). وإذا لم يَقعِ التمييزُ بين هؤلاء وهؤلاء لخير الخلق، فغيرُه

стр. 410

أولى، ومن لم يعَرِفْ أعيانَ المنافِقين جَوَّزَ على مَن ظاهرُه الإسلام أن يكون مؤمنًا، وإذا لم يُعْلَم فُجورُه جاز أن يكون تقيًّا، وكلُّ مؤمنٍ تقيٍّ وليٌّ لله. وقالوا لعمر بن الخطاب: من يُعطَى المغازي؟ قيل: فلان وفلان وآخرون لا يعرفهم أميرُ المؤمنين، فقال: إن لا يكن عمر يعرِفهم فإن الله يعرفُهم، وقد قال تعالى: (وما يعلم جنود ربك إلا هو) (١). وقد ثبت في الصحيح (٢) أن النبي ﷺ يَعرِف أمته يومَ القيامةِ بسِيماهُم، فإنّهم يكونون غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ من آثارِ الوَضوءِ. وأيضًا فأولياء الله إذا كان لهم نُقَباءُ كان النُقَباءُ أخبرَ بهم ممن يَرفعونَ أخبارَهم إليه، ومعلومٌ أن الذين يَرفَعونَ أخبارَهم إليه سواء كان نبيًّا أو غير نبيّ، هو أعلى مرتبةً من النُّقَباء، فيكون المفضولُ أعلمَ بأولياءِ اللهِ من الفاضل، وهذا ممتنعٌ. بخلاف النُّقَباء الذين جاء بهم الكتاب والسنة، فإنهم يرفعون أخبارَهم الظاهرة التي يَشهَدُ بها الشُّهودُ ويَحكُم بها الحُكَّام، وإن كان قد يكون في ذلك ما يُستدَلُّ به على الإيمان والتقوى، لكنّ الدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمِ الدليلِ المعيَّنِ عدمُ المدلول عليه، فلا يُشْهَد على شخصٍ معين أنه ليس من أولياء الله إلاّ بعليم يقتضي ذلك. والنقباء لا

стр. 411

يشهدون بذلك، ومن لم يشهد بذلك لم يكن عَالمًا بمن هو وليّ ممن ليس بولي. وأما لفظ "الأبدال" (١) فقد جاء ذِكرُه في كلامِ كثير من السلف: فلانٌ كان يُعَدُّ من الأبدال. ولفظ "الأوتاد" (٢) جاء في كلام بعضهم. فأما لفظ "الأبدال " فقد فُسِّر بثلاثِ معاني: قيل: سُمُّوا أبدالاً لأنهم أبدالٌ عن الأنبياء، وهذا المعنى صحيح. فإن الأنبياء،/لهم خُلَفاء، كما كان الخلفاء الراشدون خلفاءَ للنبي ﷺ وقد كان له في حياتِه ولغيرِه من الأنبياء خلفاءُ في أمرٍ دونَ أمرٍ، فإنه كان إذا خرجَ في غَزْوٍ أو حَجٍّ أو عُمرةٍ استخلفَ على المدينة بعضَ أصحابه، كما كان يَستخلف ابنَ أمّ مكتوم وغيره، واستخلف علي بن أبي طالب [في] غزوة تبوك، وكان قد خرج معه عامة أصحابه، ولم يبق بالمدينة من المؤمنين إلاّ معذور، غير الثلاثة الذين خُلِّفوا، فخرج إليه على، فقال: يا رسولَ الله، أتَدَعُنِي مع النساءِ والصبيان؟ فقال: "أما تَرضَى أن تكونَ منّي بمنزلة هارون من موسى؟ " (٣) وقد قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)) (٤).

стр. 412

فاستخلف موسى هارون مدةَ ذهابِه للميقات إلى أن عاد. وكذلك كان للنبي ﷺ في حياته وُلاةٌ على الأمْصَار كعتَاب بن أَسِيد وخالد بن سعيد وغيرهما، وسُعَاةٌ على الصدقات ونُواب في التعليم، كمعاذٍ وأبي موسى، وكلٌّ من هؤلاء خليفة له وبدل عنه في بعض الأمور دونَ بعضٍ. وجاء في حديثٍ وصفُ الذين يُحيون السنَّةَ ويُعلِّمونها الناسَ بأنهم خلفاءُ النبي (١)، وللأنبياء أيضًا ورثة كما في الحديث المشهور في السنن: "العلماء ورثةُ الأنبياء" (٢). والخلافة والوراثة قد تكون في بعض الأشياء دون بعض، فمن نال بعضَ ما بُعِثوا به من العلم فهو وارث لذلك المقدار، ومن قام مقامَهم في بعض الأمر فقد خلفهم في ذلك على البدلية، ومن قام مقامهم في بعض الأمر كان بدلاً منهمِ في ذلك. وقد استسقى عمر بالعباس وقال: "اللهم إنّا كنّا إذا أجْدَبْنا نتوسل إليك بنبيّنا، وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبيّنا" (٣). ومعلوم أن من جملةِ أحوالِ الأنبياءِ دعاءَهم للخلق، وما يحصل

стр. 413

بدعائهم وعبادتهم من الرزق والنصر، فمن قام مقامَهم في بعض ذلك كان بَدَلاً منهم في ذلك البعض. وقيل: سُمُّوا أبدالاً لأنه كلَّما مات رجل أبدلَ الله مكانه رجلاً. وهذا لا يَصحُّ، ولا مدحَ فيه/فإنّ كون الشخص إذا ماتَ قامَ مقامَه غيرُه قد يكون مع إيمانه، وقد يكون مع كفره، والله جعلَ بعضَ بني آدمَ خُلفاءَ بعض مع اختلاف أعمالِهم. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) (١)، وقال: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)) (٢). فقد جعل أمة محمد خلائفَ عمن أهلك من القرون المكذبين الظالمين. وقد قال نوح له (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)) (٣)، فهذا الولد الفاجر الكَفارُ بَدَلٌ عن أبيه. فليس في إبدالِ شخصٍ مكان شخص مدح إلاّ أن يكون الأولُ ممدوحًا، فإن لم يُعتَبر في معنى البدل أن يكون بدلاً عن نبيٍّ أو مَن يقوم مقامَ نبيٍّ لم يكن في كونه بدلاً عمَّن كان قبلَه صِفةُ مدح. وأيضًا فلو كان كلُّ من ماتَ قامَ مقامَه غيرُه لَلَزِمَ أن يقومَ مقامَ

стр. 414

أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أمثالُهم، ولم يكن كذلك. وهؤلاء أفضلُ خلفاءِ الرُّسُل وأبدالهم ووُرَّاثهم. وأيضًا فمن يكون بدلاً عن الأنبياء كثيرون إذا كَثُرَ الإيمان والتقوى، قليلون إذا قَل ذلك، ومعلومٌ أنَّ المؤمنين المتقين ليسوا إذا مات منهم واحدٌ قامَ مقامَه غيرُه. وقد قيل في معنى الأبدال: إنهم بَدَّلُوا سيئاتِهم حسناتٍ. وهذا معنى التائبين، فكل مؤمنٍ تابَ من سيئاتِه له هذا المعنى. وزعمَ بعضُهم أنَ البدلَ إذا غابَ عن مكانه أُبدِلَ بصورةٍ على مثالِه. وهذا باطل، ولم يكن السلف يَعْنُون بالبدل هذا المعنى، ولا يجعلون ذلك لازمًا لمن يسمونه بهذا الاسم. وأما اسم "القُطْب" (١) فالقطب مأخوذ من قطب الرَّحَى، وهو ما يدور عليه الرحَى، وكذلك قطب الفلك وغيرُ ذلك من الأجسامِ الدائرة. ف الشخص الذي يدور عليه أمر من الأمورِ هو قطبُ ذلك الأمرِ ، وأفضلُ الخلقِ هم الرُّسُلُ، وعليهم تدور رسالةُ الله إلى خلقه، وتبليغُهم أمرَه ونهيَه ووعدَه ووعيدَه،/وكلُّ من دارَ عليه أمرٌ من الأمورِ فهو قُطبُه، فإمامُ الصلاةِ قُطبُ الإمامة، ومؤذِّنُ المسجد قُطبُ الأذان، وحاكم البلد قطب القضاء، وأميرُ الحرب قطبُ هذه الإمارة، وأئمة الهُدَى -كالشيوخِ الذين يُقتدَى بهم في دينِ الله- هم أقطابُ ما دارَ عليهم من ذلك. ومَن يُنْصَر المسلمون ويُرْزَقون

стр. 415

بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم هم أقطابُ ما دارَ عليهم. وفي الصحيحين (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأةُ راعية على مالِ زوجًها، وهي مسئولة عن رعيتها، والمملوكُ راع على مالِ سيِّدِه وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيَّته". وكان الخلفاء الراشدين (٢) أقطاب الأمة، دارَ عليهم من مصالحِ الأمة في دينها ودنياها ما لم يَدُرْ على أحدٍ مثلُه، ثمَّ بعدَهم تفرَّقَ الأمرُ، فصارَ الملوكُ والأمراءُ يقومون ببعض الأمر، وأهلُ العلم والدين يقومون ببعض الأمر، وهؤلاء من أولي الأمر، وهؤلاء من أولى [الأمر] (٣). وقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٤) يتناولُ الطائفتَيْنِ العلماءَ والأمراءَ إذا أَمروا بطاعة الله، فمن أمرَ بمعصية الله فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ، وقد جاء في الأثر: "صِنْفانِ إذا صَلحوا صَلحَ الناسُ: العلماءُ

стр. 416

والأمراء" (١). وقد يكون في الزمان رجلٌ هو أفضل أهل الأرض، كما قد يكون رجلان وثلاثة وأربعة، ولكن ليس في الوجود/رجلٌ هو أفضل أهل الأرضِ، وفيه ما يَقتضي أنه بوجودِه يَحصُلُ للناسِ الرزقُ، ويَنتَصِرونَ على الأعداء، وتهتدي قلوبهم مع كونهم مُعرِضين عن طاعة الله ورسوله. بل كان نوح أفضلَ أهل الأرضِ، وقد مَكثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلاّ خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وقد قال نوح: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)) (٢). لمَّ إنَّ اللهَ أغرقَ أهلَ الأرضِ إلاّ من آمن به. وكذلك غيرُه من الرسل، كهُوْدٍ وصالح وشعيب ولوط وغيرهم. نعم قد يَحصُل بدعائه وعبادته من الخير ويَندفِعُ من الشرِّ ما لا يَحصُل بدون ذلك، كما في قوله: "بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم" (٣). وقد قال تعالى لنبيه: (وَمَا كانَ الله ليعَذِبَهُم

стр. 417

وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) (١) وقال تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)) (٢). يقول: لولا أن تَطَأوا أولئك المؤمنين والمؤمنات الذين لم تعلموهم إذا دخلتم مكة بالسيف، لسلَّطكم على أهل مكة، ولو تميَّز المؤمنون من الكُفار لعذبنا الكفار عذابًا أليما. فهذا ونحوه مما يُوافِق دينَ المسلمين. /وأما ما يدعيه قومٌ في القطب والمرتبة التي يُسَمونها "القطبيّة" و"القُطبانية" فمن الغلوّ الذي يُشبِه غُلُوَّ النصارى والرافضة، كقولِ أحدهم: القطب الغوث الفرد الجامع، وتفسيرهم ذلك بأن مددَ أهلِ الأرض يكون من جهته، وأن الله إذا أنزلَ إلى أهل الأرض خيرًا من هُدىً ورزقٍ ونصرٍ فإنه يُنزِله عليه، ثم منه يَفِيْض إلى سائر الخلق. وقد يدَّعي أحدهم أنه منه مددُ ملائكةِ السماواتِ وطيرِ الهواء وحِيْتَانِ الماء، وأنه يُعطِي الملكَ وولايةَ اللهِ لمن يشاء ويَصرِف ذلك عمن يشاء. ونحو هذه المقالات التي تَجعلُ للقُطب نوعًا من الإلهية والربوبية التي لم تَحصُلْ للأنبياء. وآخرون يجعلون ذلك للغوث، ويجعلون مسمى الغوث أعلى

стр. 418

من مسمى القطب. وآخرون يجمعون بين الاسمين فيقولون: "القطب الغوث"، كما تقدم. فهذا وأمثاله من أعظم الكذب والمحال، ومن أعظم الشرك والضلال، وهو شبيه بالإفك والشرك الذي ذمَّ الله به المشركين وأهل الكتاب. وهو سبحانه كثيرًا ما يجمع بين الكذب والشرك، كقوله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) (١)، وقول الخليل: (أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) (٨٦) (٢)، وفي له تعالى:) (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)) (٣). /وما يُنزل الله على قلوب عبادِه من الهُدَى والإيمان هو بمنزلة ما يعطيهم إياه من الرزق، ومَعلوم أن ما يُنزِلُه من المطر ويُنبتُه من النبات لم ينزله قبل ذلك على شخصٍ من البشر، وكذلك ماَ يُغذِّيْ به عبادَه من الطعام والشراب والهواء لم يَتَغذَّ به قبله واحد من الناس، ثم انتقل عنه إلى الناس، وأنه ... (٤) من الهدى هم الرسل صلوات الله عليهم، فالرسول يدعو إلى الله ويتلو عليهم آياته ويزكِّيهم ويُعلِّمهم الكتاب والحكمة، وهو يهديهم بمعنى أنه

стр. 419

يدعوهم ويُبيِّن لهم، وليس في قدرته أن يجعل الهدى ولا الضلالة في قلب أحد، بل ذلك لا يَقدِرُ عليه إلاّ الله، قال تعالى: (إِنَكَ لَا تَهدِى من أَحببت) (١)، وقال تعالى: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ (٣٧)) (٢) أي من يضله الله لا يهدَى، كما قال: (مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتَدِ وَمن يُضلِل فَلَن تجدَ لَه وَلِيَّا مرشِدًا (١٧)) (٣)، وقال: (*لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)) (٤). ولهذا أمر الله عبادَه أن يقولوا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)) (٥)، وهذه الهداية المطلوبة من الله، لا يَقدِرُ عليها إلاّ الله. وفي الصحيح (٦) أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهمَّ ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ، عالمَ الغيب والشهادةِ، أنتَ تَحكمُ بين عبادِك فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقّ بإذْنِك، إنَّك تَهدِي من تَشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ". وقد ثبت في الصحيحين (٧) عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ به من الهُدَى والعلم كمثلِ غَيْثٍ أصابَ أرضًا، فكانت

стр. 420

منها طائفة قَبلتِ الماءَ، فأَنْبتتِ الكَلأَ وَالعُشْبَ الكثيرَ، وكانت منها طائفة أمسكتِ الماء فسَقى الناس وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قِيْعَانٌ/ لا تُمسِك ماءً، ولا تُنبتُ كَلأً. فذلك مَثَلُ مَن فَقُهَ في دينِ اللهِ، ونَفَعَه ما بَعثنَي اللهُ به مَن الهدى والعلم، ومَثلُ مَنْ لم يَرْفع بذلك رأسًا، ولم يَقْبَل هُدَى الله الذي أُرسِلْتُ به". فقد بَيَّن ﷺ أنّ مثل ما أرسلَه اللهُ به كالماءِ، والماءُ مختلف باختلاف المحلّ الذي يَصِلُ إليه، فهكذا ما بعثَ الله به رسولَه يَختلِفُ أثرُه باختلاف القلوب التي يَصِلُ إليها، فكما أنَّ الزرعَ يَحصُلُ من الماء ومن التُّربةِ الطيبة، فهكذا الهدى، يَحْصُلُ من هداية الأنبياء ومن القلوب القابلة لذلك. فإذا كان هذا حال الرسل مع من يخاطبه الرسول ويكلِّمه ويَحرِص على هُداه، لا يَقدِر على جعل الضال مهتديًا، فكيف يُجعَل شخص دون الرُّسُل بكثير يَهدي الخَلْقَ كلهم، لا سمعوا كلامَه ولا رأوه، ولا عرفوه ولا عرفوا ما قال؟ وهل هذا إلاّ من جنس قول الرافضة في المنتظَر الذي لم يَسمَعْ له أحدٌ بحِسٍّ ولا بخَبَرٍ، ولا وَقَعَ له على عَيْنٍ ولا أثرٍ. وفي الجملة فما يقوم بقلب الإنسانِ من معرفة الهدى والعلم والإيمان، لا ينتقل عنه ويقوم بغيره، ولكن قد يقومُ بغيرِه (١) إذا علَّمه وخاطبه، مع بقاء الهدى والعلم في قلب الأوّل. ولهذا يُشَبَّه

стр. 421

العلمُ بالمصباح الذي يقتبس منه الناس وهو لا ينقص، فإن المقتبس من المصباح يُحدِثُ الله له نارًا في ذُبَالةِ مصباحه من غير أن ينتقل إليه من ذلك المصباح شيء، فهكذا العلم. وقد يُعطي الله رجلاً من العلم والهدى نظيرَ ما أعطى غيرَه بدون تعليم الأول وخطابه. فهذا الغوث القطب/ إذا لم يُعلِّمِ الناس ويُخاطِبْهم كان ما جعله الله في قلوب الناس من الهدى والعلم نظير ما في قَلبه إذا قدر من ٠ .. (١)، ولكن لم يكن سببًا في ذلك، فضلاً عن أن يَكون من قلبه فاضَ إلى قلوبهم، لاسيما إذا لم يَرَهُ الناس ولا عَرَفوا ما قال ولَا فعل، فإن الإنسان قد يَرى كيان الرجل وآثاره، أو يرى وجهه وعمله، فيَحصُل له بذلك من الهدى والعلم ما يَسَّرَه الله له، أمّا بدون سمع هذا وبصره لذلك، وبدون خطاب دال له أو لمن يوصل إليه، فكيف يصل إليه منه هُدىً؟ فضلاً عن أن يكون منه يَحصُل هُدى جميع الخلق. فليتدبّر اللبيبُ هذا يتبينْ له أنّ ما وصفوا به قطبَهم وغَوثَهم أمرٌ لا يَقدِرُ عليه الأنبياء في العلو، ومع هذا فمعلِّمو الكتاتيب ومُقَرِئو القرآن ومعلّموهم آدابَ الإسلام أهدى للخلق من هذا القطب الغوث الذي قدروه في الأذهان، ولا حقيقةَ له في الأعيان، كما قدَّر الرافضةُ وعَبَدةُ الصلبان. وإذا كان هذا في الهدى الذي يَحصل

стр. 422

بالتعليم والخطاب، فما الظن بالرزق الذي هو أعيان تنتقل من محل إلى محل، أو اغتذاء يقوم بالإنسان لا يتصور أن يقوم بغيره. نعم يمكن أن يَحصُلَ بالدعاء المستجاب للإنسان من الهدى والرزق والنصر ما لا يَحصُل بدون ذلك، كما ذكرناه أولاً في قوله: "وهل تنصرون وتُرْزَقون إلاّ بضعفائكم، بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم". وكذلك توجه القلوب والهمم له من الأمر بحسب ما يقدره الله، وهذا عام الوجود لا يختص/ بشخص معين، ولا يكون الأمر في ذاك عامًّا للخلق. أما وهذا أمر لم يَحصُلْ للأنبياء والمرسلين، فكيف من دونَهم؟ ولا ريبَ أنَ هؤلاء الضالّين الغُلاة من الذين جعلوا بين اللهِ وبينَ خلقِه وسَائطَ جعلوهم له أندادًا وشُرَكاءَ وشفعاءَ، كما فَعَلتْه النصارى بالمسيح وأمِّه والأحبارِ والرهبان. قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)) (١). ولهذا أمر نبيَّه أن يقول: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)) (٢). ودين الله الذي بعث به رُسُلَه وأنزلَ به كُتبه أثبت وساطة الرسل

стр. 423

بين الله وبين خلقِه، فيُبَلغونهم أمرَه ونهيَه وخبرَه ووعدَه ووعيدَه، ويقطعون وساطة المخلوقات في العبادة والاستعانة والدعاء والتوكل، فلا يُعبَد إلاّ اللهُ، ولا يتوكَّلُ إلاّ عليه، ولا يُدعَى إلاّ هو، فإنه لا ربَّ غيرُه، ولا خالقَ غيرُه، ولا إلهَ سواه. وكل ما خلقَه من الأسباب فإنه موقوف على سبب آخر يَشْرَكه ويُعِينُه، وله مانع يَحجُبه ويُعوقُه، فما من الموجودات شيء يستقل بالتأثير غيرُ الله، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل ما جُعِل سببًا كإحراق النار فلابد له من مُعين، وهو قبولُ المحلّ، وقد يَحصُل مانع كما حصل في نار إبراهيم،/وبهدى الرسل ودعائهم يهتدي الخلق، ولكن هدى الخلق موقوف على قبولهم. وقد يكون القلبُ مائلاً للهدى، لكن يَحصُلُ له مانع يُعَارِضُه، كما قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)) (١). وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (٩٩)) (٢). وقال تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)) (٣). وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْر

стр. 424

بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)) (١). ونظائر هذا كثير. فمن عَدَل عن سبيل المرسلين، فلم يتُابِعْهم ويُطِعْ أمرَهم ونهيَهم قَطَعَ ما بينَه وبينَ الله، فصارَ مشركًا بالله يدعو غيرَ الله، إمّا الملائكة وإمّا الكواكب وإمّا الجنّ، وإمّا البشر كالأنبياء والصالحين، وإما صُوَرَ هؤلاء وتماثيلهم، وإمّا ما يظنُّه موجودًا من هؤلاء. ويتخيلُ في هؤلاء من صفات الإلهية ما لا حقيقةَ له، ويثبت الوسائطَ في خلق الله وربوبيته، ويَجعلُ له شُرَكاءَ وشُفَعاءَ بغير إذنه، وهو سبحانه كما قال: (ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢)،/وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (٣). والناس في الشفاعة على طرفين ووسط (٤): فالمشركون والنصارى ونحوهم أثبتوا شُفَعَاءَ لهم بدون إذنِه، وهذه الشفاعة التي نفاها الله في كتابه، فقال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ

стр. 425

الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا (٤٤) (١). وقال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)) (٢). وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)) (٣). وقال تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) (٤). وقال تعالى: (قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ) (٥). وقال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) (٦). /وأما الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، فنَفَوا الشفاعةَ بإذنِ الله وبغير إذنه، وهؤلاء ضُلَاّل، وإن كان ضلالُ الأولين أعظم، إذ ذلك الضلالُ شِرك بالله، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام. ومع هذا فقد صار كثير من المتأخرين المنتسبين إلى العمل والعبادة، يثبتُ نوعًا من هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون والنصارى، فصاَروا أسوأَ حالاً من الخوارج والمعتزلة من هذه الجهة، كما أن هؤلاء ونحوهم
следующие страницы →