واحدًا واحدًا خصوصًا، ووفدَ الله القادمين من بيت الله (١) فالسلام عليهم جميعهم واحدًا واحدًا ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
كتبتُ هذا الكتابَ عجلانَ بالليل؛ لكون حامله أراد السَّفر بليلٍ.
стр. 3642
مسائل متفرقة
стр. 3643
مسألة: هل يجوز لوليِّ الأمر أن يُستفتَى ؟
فأجاب ﵁: لا يجوز أن يُستفتَى إلا من هو أهلٌ للفتيا، وهو يفتي بعلمٍ وعدل (١). وأما من يفتي بلا علم، أو يفتي بما يَعْلَمُ الحقَّ بخلافه، فلا يجوز استفتاؤه، كما لا يجوز استقضاؤه.
بل الحاكم قد تنازع الناسُ فيه: هل يجوز أن يولَّى العدلُ الذي لا يعلم، ثم يستفتي العلماء، ويحكم بما يفتونه فيه؟ على قولين (٢).
والعلماء لهم في شروط القاضي ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يشترط فيه أن يكون من أهل الشهادة فقط. وهذا قول أبي حنيفة (٣).
والثاني: أنه يشترط فيه الاجتهاد. وهذا قول الشافعي وكثيرٍ من أصحاب الإمام أحمد (٤).
وقد جوَّز كثيرٌ من المتأخرين من أهل هذا القول أن يولَّى غيرُ المجتهد للضرورة (٥).
والقول الثالث، وعليه يدلُّ كلام الإمام أحمد وغيره: أنه يولَّى الأمثلُ
стр. 3644
فالأمثل بحسب الإمكان، وليس لذلك حدٌّ، حتى لو قُدِّر أنه لم يوجد إلا فاسقان، وُلِّي أقلُّهما شرًّا وأكثرهما نفعًا، وكذلك لو لم يوجد (١) إلا مقلِّدان، وُلِّي أعدلُهما وأعرفُهما بالتقليد (٢).
ولو وُجِد مجتهدان وُلِّي أفضلُهما، إن لم يكن الأفضل مشغولًا بما هو أفضل من القضاء.
ولهذا لما أرسَل الخليفة إلى الإمام أحمد وزيرَه يسأله عن قضاة الأمصار، لمن يولِّي منهم ولمن يعزل، وكتب له أسماءهم، أمره بتولية ناسٍ، وعَزْل ناسٍ، وأمسك عن آخرين وقال: لا أعرفهم (٣).
وكان في من أمَر بتوليته من فيه نقصٌ في علمه، وقال: إن لم يولُّوا هذا ولَّوا مكانه فلانًا، وهذا خيرٌ منه (٤).
وأما الإفتاء، فعامة الفقهاء يشترطون فيه العلم، لا يقتصرون فيه على مجرَّد أهلية الشهادة، فكيف يجوز استفتاء من لا يَعْلَم ما يفتي به؟!
* ... * ... *
стр. 3645
وسئل ﵁: أيُّما أفضل: العالم العامل، أو المجاهد المخلص؟
فأجاب ﵁: إن الله تعالى قال في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وثبت في الصَّحيح عن النبي ﷺ أنه سئل: أيُّ الناس أكرم؟ فقال: "أتقاهم" (١).
فأيُّ الرجلين كان أتقى لله فهو أكرمُ على الله.
والله جعل عباده المنعَم عليهم أربعة أصناف، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
فالصِّدِّيق أفضلُ من الشَّهيد الذي ليس بصِدِّيق، والشَّهيد أفضل من الصَّالح الذي ليس بشهيد.
стр. 3646
وقد يكون الرجل صِدِّيقًا وشهيدًا وصالحًا، كما يكون نبيًّا وصِدِّيقًا وشهيدًا وصالحًا، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، وقال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]، وقال يوسف الصِّدِّيق ﷺ : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
فإن كان العالمُ صِدِّيقًا، والمجاهدُ ليس بصِدِّيق، فالصِّدِّيقُ أفضل. وكذلك بالعكس، إن كان المجاهدُ صِدِّيقًا، وذاك ليس بصِدِّيق، فالصِّدِّيق أفضل.
ولا يكون الرجل عالمًا عاملًا بعلمه حتى يكون مجاهدًا مخلصًا، ولا يكون الرجل مجاهدًا مخلصًا حتى يكون معه علمٌ بما أمر الله به وعملٌ بما أمر الله به.
والجهاد يكون باللسان، والدعوة إلى الله، واليد. والجهاد فيه علمٌ وعمل.
فلا يتميَّز (١) شخصان ليس في أحدهما جهادٌ وإخلاص، ولا في الآخر علمٌ وعمل، حتى يُفصل (٢) بينهما.
لكن قد يكون جهادُ هذا بالقتال وعملُه في ذلك أظهر، وقد يكون علمُ هذا الظاهرُ النافعُ للناس أكبر، وحينئذٍ فقد يكون هذا أفضل، وقد يكون هذا
стр. 3647
أفضل، أيُّهما كان أتقى لله فهو أفضل.
ومن جمَع الجهاد باللسان، والدعوة، والسياسة، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، مع العلم والعمل به، فهو أفضلُ من هذا وهذا، ومن كان أشبَه بهم فهو أفضلُ من غيره، والله أعلم (١).
* ... * ... *
* مسألة: في رجل قال: إن العلم أفضل من القرآن.
الجواب: خيرُ الكلام كلامُ الله، وأفضلُ العلوم العلمُ الذي في القرآن، وقد قال النبي ﷺ : "إن لله أهْلِينَ من الناس"، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "أهل القرآن، هم أهل الله وخاصَّتُه" (٢).
لكن العلمَ الذي يجبُ طلبُه على كل مسلمٍ هو ما يحتاجُ إليه في دينه، فيجب على الرجل أن يتعلَّم ما أمر الله به وما نهى عنه، وهذا العلمُ تعلُّمُه أوجبُ عليه من قراءة القرآن الذي لا يجبُ عليه، ويجبُ عليه أن يحفظ من
стр. 3648
القرآن ما يصلِّي به، والله أعلم (١).
* ... * ... *
* مسألة: في رجلين تنازعا في الجهل، فقال أحدهما للآخر: أنت جاهلٌ في الأحكام الشرعية، فقال هو: أنا جاهل (٢).
الجواب: إن كان هذا الرجل عالمًا بما أمر الله به ونهى عنه (٣) فهو عالمٌ بالشريعة، وإن لم يكن عالمًا بهذا فهو جاهلٌ بذلك. وإن لم يكن عالمًا بما أمره الله به وما نهاه عنه فهو من أجهل الناس، والله تعالى أعلم (٤).
* ... * ... *
* مسألة: في جنديٍّ يريد أن يصير فقيرًا (٥) يشتغلُ بالعبادة.
الجواب: الجنديُّ إذا اتقى الله، وقَصَد أن يَنْصُر الله ورسولَه، ويُعِين
стр. 3649
على طاعة الله، فهو أفضلُ من أن يصير فقيرًا يأكل الفُتوحَ (١)، ويترك الجهاد، بلا منفعةٍ للمسلمين، والله أعلم (٢).
* ... * ... *
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني ﵁ في كلامه على الكيمياء:
الكيمياء غِشٌّ، وهي تشبيهُ المصنوع من ذهبٍ أو فضةٍ أو غيره بالمخلوق، باطلةٌ في العقل، محرَّمةٌ بلا نزاعٍ بين علماء المسلمين (٣)، ثبتت على الرُّوباص (٤) أم لا.
ويقترنُ بها كثيرًا السِّيمياء التي هي من السحر.
والزجاج مصنوعٌ لا مخلوق.
ومن طلب زيادة المال بما حرَّمه الله عُوقِبَ بنقيضه، كالمُرابي. وهي أشدُّ تحريمًا منه.
стр. 3650
ولو كانت حقًّا مباحةً لوجبَ فيها خُمُسٌ أو زكاة، ولم يُوجِبْ عالمٌ فيها شيئًا.
والقول بأن قارون عَمِلها باطل.
ولم يذكرها ويعملها إلا:
* فيلسوف، كمحمد بن زكريا الرازي.
* أو اتحاديٌّ، كابن عربيّ، وصاحبه المتكلِّم في الحروف (١)، وابن سبعين.
* أو ملكٌ ظالم، كبني عُبيد (٢).