على الطهارة والسِّتارة واستقبال القبلة، وإن كانت الطهارةُ والسِّتارةُ أمورًا خارجةً عن حقيقة الصلاة.
ولهذا يفرِّقون بين الشَّرط والركن بأن الركن جزءٌ من حقيقة العبادة أو العَقد، كالركوع والسجود، وكالإيجاب والقبول، وبأن الشَّرط خارجٌ عنه؛ فإن الطهارة يلزم من عدمها عدمُ صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجودُ الصلاة.
وتختلفُ الشُّروط في الأحكام باختلافها، كما يقولون في باب الجمعة: منها ما هو شرطٌ للوجوب بنفسه، ومنها ما هو شرطٌ للوجوب بغيره، ومنها ما هو شرطٌ للإجزاء دون الصحة، ومنها ما هو شرطٌ للصحة.
وكلام الفقهاء في الشُّروط كثيرٌ جدًّا، لكن الفرق بين السَّبب والشَّرط وعدم المانع إنما يتمُّ على قول من يجوِّز تخصيصَ العلَّة منهم، وأما من لا يسمِّي علةً إلا ما استلزم الحكمَ (١)، ولزِم من وجودها وجودُه على كلِّ حالٍ، فهؤلاء يجعلون الشَّرط وعدم (٢) المانع من جملة أجزاء العلَّة.
٢ - وإلى ما يُعْرَفُ كونُه شرطًا بالعقل, وإن دلَّ عليه دلائلُ أخرى، كقولهم: الحياة شرطٌ في العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، والعلمُ شرطٌ في الإرادة، ونحو ذلك.
وكذلك جميعُ صفات الأجسام وطباعُها لها شروطٌ تُعْرَفُ بالعقل أو بالتجارب أو بغير ذلك.
стр. 3607
وقد تسمَّى هذه شروطًا عقلية، والأُولى شروطًا شرعية.
وقد يكون من هذه الشُّروط ما يُعْرَفُ اشتراطُه بالعُرف.
ومنه ما يُعْلَمُ باللغة، كما يُعْرَفُ أن شرط المفعول وجودُ فاعل، وإن لم يكن شرطُ الفاعل وجودَ مفعول، فيلزم من وجود المفعول المنصوب وجودُ فاعلٍ، ولا ينعكس، بل يلزم من وجود اسمٍ منصوب أو مخفوض وجودُ مرفوع، ولا يلزم من وجود المرفوع لا منصوبٌ ولا مخفوض؛ إذ الاسمُ المرفوع مُظْهَرًا أو مضمرًا لا بدَّ منه في كلِّ كلامٍ عربي، سواءٌ كانت الجملة اسميةً أو فعلية.
فقد تبيَّن أن لفظ "الشَّرط" في هذا الاصطلاح يدلُّ عدمُه على عدم المشروط ما لم يَخْلُفْه شرطٌ آخر، ولا يدلُّ ثبوتُه من حيث هو شرطٌ على ثبوت المشروط.
وأما الشَّرط في الاصطلاح الذي يُتَكلَّمُ به في باب أدوات الشُّروط اللفظية، سواءٌ كان المتكلم نحويًّا أو فقيهًا، وما يتبعه من متكلِّمٍ وأصوليٍّ ونحو ذلك = فإن وجود الشَّرط يقتضي وجود المشروط الذي هو الجزاء والجواب، وعدم الشَّرط هل يدلُّ على عدم المشروط؟ مبنيٌّ على أن عدم العلَّة هل يقتضي عدم المعلول؟ فيه خلافٌ وتفصيلٌ قد أومئ إليه (١) إن شاء الله تعالى.
فإذا قال الفقهاء: بابُ تعليق الطلاق بالشُّروط, وذكروا فيه ما إذا قال الرجل لامرأته: إن دخلتِ الدارَ فأنت طالق، أو: إذا، أو: متى، فالشَّرط هنا
стр. 3608
ليس معنى الشَّرط في قولهم: الطهارة شرطٌ في صحة الصلاة، بل معناه في الطلاق وبابه: أنه إذا وُجِد الشَّرطُ الذي قد تسمِّيه الفقهاءُ "صفة", وهو الدخول مثلًا، وُجِد المشروطُ الذي هو الجزاء, وهو وقوع الطلاق.
وهذا التعليقُ يدخل فيه ألفاظ الوعد والوعيد، وألفاظ الجَعَالة، وألفاظ الأدلَّة المسمَّاة بالتلازم أو بالشَّرطيِّ المتصل ونحو ذلك.
فمدلول هذه العبارات أن وجود الشَّرط سببٌ لوجود الجزاء، ولستُ أعني أنه مؤثِّرٌ في وجوده في الخارج، ولكن أعني أن وجود الشَّرط مستلزمٌ لوجود الجزاء، سواءٌ كان علَّةً له، أو معلولًا لعلَّته، أو دليلًا على وجوده، أو مُضايِفًا له، أو ملازمًا غير مُضايِف، أو غير ذلك.
فالأول كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] , و ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] , و ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] , و ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ [يونس: ٨٤].
والثاني أقلُّ منه، كما يقال: إن كان هذا من أهل الجنة فهو مؤمنٌ بالله، وإن كان هنا دخانٌ فهنا نارٌ، وفي هذا بحثٌ ليس هذا موضعه.
والثالث كما قال النبي ﷺ في امرأة هلال بن أمية المُلاعِنة: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، وإن جاءت [به] على نعت كذا فهو للذي رُمِيَت به" (١)؛ فإن مشابهة الولد للرجل معلولٌ لكونه هو أحبَل
стр. 3609
أمَّه، وإحبالُ الأمِّ علَّةٌ لكونه ابنه، فيُسْتَدلُّ بالشَّبه الذي هو أحدُ معلولي الوطء على النَّسب الذي هو المعلولُ الآخر. والقِيافةُ والفِراسةُ عامتُها من (١) هذا الباب.
وأما الرابع فكما يقال: إن زُكِّيت البيِّنةُ حُكِم بها، وإن كان هذا الخبر قد رواه البخاريُّ فهو صحيح، وإن كانت الملامسةُ في لغة العرب تعمُّ ما دون الوطء فهو حجةٌ في نقض الوضوء بمسِّ النساء، ونحو ذلك. وهذا بابٌ واسع.
والغرض أن يُتَفَطَّن لكون لفظ الشَّرط قد صار بتعدُّد الاصطلاحات فيه اشتراك، وأنا إذا قلنا: "لو" من أدوات الشَّرط أردنا به الشَّرط اللفظيَّ الذي هو سببٌ في المعنى ومستلزِم، لا الشَّرط المعنويَّ الذي يقفُ تأثير السببُ عليه. فبين المعنيين فرق.
ولولا أني رأيتُ قومًا من الفضلاء قد زلُّوا في هذا لكان (٢) أوضحَ من أن ننبِّه عليه؛ فإن منهم من يقسمُ الشُّروط إلى: لغوية، وعقلية، وشرعية، ويذكُر باب "إنْ وأخواتها" في القسم اللغوي.
ومَوْرِدُ التقسيم يجبُ أن يكون مشتركًا بين الأقسام، فيُشْعِر أن كلَّ واحدٍ من هذه الشُّروط [ينتفي] بانتفائه، ولا يلزم (٣) أن يوجد بوجوده، وربما أفصح بذلك. وليس هذا بصحيح.
стр. 3610
والتحقيق أن التقسيم إن كان عائدًا إلى اللفظ، كما يقال: "العين" تنقسمُ إلى مبصِرةٍ ومضيئةٍ ونابعة، فقريبٌ، لكن هو خلاف المعروف.
وإن كان عائدًا إلى المعنى فهو غلطٌ واضح.
ومنهم من يحتجُّ في كون مفهوم الشَّرط حجةً بكون النحويين قد سمَّوا هذه الأدوات: "أدوات الشَّرط"، والشَّرط ما ينتفي المشروطُ بانتفائه، فيلزم من ذلك عدمُ الجزاء عند عدم الشَّرط.
وهذا غلط؛ فإن لفظ الشَّرط في المقدمة الأولى معناه مغايرٌ لمعنى لفظ الشَّرط في المقدمة الثانية، وإنما اشتركا في اللفظ، فالشَّرط الذي يجب انتفاء المشروط بانتفائه هو الشَّرط المعنوي، وأما الذي يسمِّيه النحويون شرطًا في باب "إنْ" و"لو" ونحوهما فهو سببٌ مستلزِم.
وحكمُه هو المقدمة الثالثة: وذلك أن العلَّة (١) والسببَ قد يراد بها (٢):
١ - العلَّة التامة التي لا ينفكُّ عنها المعلول، كمشيئة الله سبحانه؛ فإنها مستلزمةٌ لوجود المراد (٣)، فإنه ما يشاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا ينتقض هذا أبدًا.
والعلَّة بهذا التفسير لا تتخصَّص، ولا يتخلَّفُ عنها معلولها، لا لفوات شرطٍ ولا لوجود مانع (٤).
стр. 3611
٢ - وقد يراد بها: العلَّة المقتضِية، وإن توقَّفت على شروطٍ واندفعت بالمُعارِض، كما يقال: الأكل والشرب علةٌ للشِّبع، وإصابة النار علةٌ للاحتراق، ويقال: ملكُ النصاب علةٌ لوجوب الزكاة، والزنا علةٌ لوجوب الرجم.
وإذا صِيغت هذه الأسباب بصيغ الشَّرط والجزاء، كقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠] = فإنه يُعْلَمُ من ذلك أن هذا العمل سببٌ مقتضٍ للجزاء، ثم يجوز أن يتخلَّف الحكمُ عن سببه، لفوات شرطٍ أو لوجود مانع.
ويجوز للمتكلِّم أن يبيِّن مراده بهذا اللفظ المطلق تقييدًا وتخصيصًا إذا سوَّغه اللسانُ الذي يتكلَّم به، ولذلك جاز أن ينتفي الجزاءُ لمُعارِضٍ، من توبةٍ، أو حسناتٍ ماحية، ونحو ذلك، وانتفاؤه بالتوبة مجمعٌ عليه بين المسلمين، وفي البواقي خلافٌ بين أهل السُّنَّة وبين الوعيديَّة من الخوارج والقدريَّة.
ومن فَهِم هذا انتفت عنه شُبَه الوعيديَّة، وعرف سرَّ مسألة إخلاف الوعيد، ومسألة الخصوص والعموم؛ فإن الله قد بيَّن مراده بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، إلى أمثال ذلك.
إذا عُرِف ذلك فنقول: أما العلَّة التامة فإن ثبوتها دليلٌ يقينيٌّ على وجود
стр. 3612
المعلول، وأما العلَّة المُقتضِية فهي دليلٌ ظاهرٌ على وجود المعلول، وقد يصير يقينيًّا إذا عُلِم انتفاءُ المُعارِض بطريقه (١)، فإن ذلك ممكنٌ في الجملة.
وأما عدم العلَّة فهو المتعلِّق بباب "لو" كما سنذكره.
فإن عُدِمت العلَّة مطلقًا فهو دليلٌ على عدم المعلول؛ فإن وجود المعلول بدون العلَّة محال.
فإن عُدِمت العلَّة المعيَّنة، سواء كانت تامةً أو مُقتضِية، فإنه يدلُّ على عدم المعلول إذا لم تَخْلُفْها علةٌ أخرى.
ثم عَدَمُ الخُلْف قد يُعْلَم يقينًا، ويُعْلَم ظاهرًا بدليلٍ خاصٍّ من سائر دلائل النفي. وقد يُنفى؛ فإن الأصل عدم علةٍ أخرى.
وقد يستقرُّ في النفس أن لا علة إلا هذا الحكم، ثم تستشعرُ النفس انتفاء العلَّة، فيحكم بانتفاء المعلول. مثل: أن يقال مثلًا في بعض الأشربة المتنازع فيها: هذا ليس بحرام؛ لأنه ليس بمُسْكِر، أو لأنه ليس بخمر، فإنه قد عُلِم أن لا مُوجِبَ لتحريمه إلا كونه خمرًا أو مسكرًا.
وهذا يكثر في الأنواع، مثل أن يقال في بيع الفُضولي: لا يصحُّ؛ لأنه ليس من مالكٍ ولا وليٍّ ولا وكيل. فكأنه قال: من جملة العلَّة في صحة البيع الملكُ أو الولايةُ أو الوكالة، والثلاثة منتفية. والنزاع في المقدمة الأولى.
ويقال لمن يعطي الفقراء أو الفقهاء: لم لا تعطي هذا؟ فيقول: لأنه ليس بفقيرٍ وليس بفقيه. وهذا مضمومٌ إلى مقدمةٍ مستقرَّة، وهو أن العلَّة هي الفقر
стр. 3613
مثلًا أو الفقه، لا علَّة غيرها، وهي منتفية.
ويقول الفقهاء: إذا قال لامرأته: إن كلَّمتِ أسودًا فأنت طالق، فكلَّمت أبيض = لم تَطْلُق؛ أي: لانتفاء العلَّة، وهي مقتضيةٌ لعدم المعلول، فإنَّا ما تكلَّمنا إلا في انتفاء الطلاق الواقع بهذه العلَّة.
ثم هنا مسألة مفهوم الشَّرط، إذا قيل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، هل يُشْعِر عدمُ هذا الشَّرط اللفظيِّ الذي هو سببٌ معنويٌّ بعدم المشروط؟ وفيه الخلاف المشهور, والجمهور على أنه يدل على عدمه (١). ولا ريب أن عدم هذا الحكم المعلق بالشَّرط ينتفي؛ لأن بقاء عين الحكم بدون علةٍ محال.
لكن هل ينتفي النوع؟ فالذي يجبُ القطعُ به أن نوع الحكم لا يكون حالُه بعد انتفاء السبب المعيَّن وقبل انتفائه سواءً، ومتى فُرِض استواء الأمرين على مذهبٍ عُلِم بطلانه، لكن يدلُّ على نفي النوع دلالةً ظاهرة، بشرط أن لا يَخْلُفَه (٢) سببٌ آخر.
ثم إن كان السببُ الخالِف جزءًا من المخلوف كان ضعيفًا؛ فإن الأعمَّ إذا كان مستقلًّا بالحكم كان الأخصُّ عديمَ التأثير، كما في قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فإن كونه واحدًا جزءٌ من كونه فاسقًا، فلو كان التبيُّن واجبًا عند مجيء الواحد سواء كان عدلًا أو فاسقًا لم يعلَّق التبيُّنُ بكونه فاسقًا الذي هو الأخصُّ من كونه واحدًا.
стр. 3614
فهذا الاستدلال بعدم العلَّة لفظًا أو معنًى على عدم المعلول.
وقد يُجْعَل عدمُ العلَّة المعيَّنة دليلًا على ثبوت المعلول بعلةٍ أخرى أكملَ منها أو مثلها، وذلك إذا كانت العلَّتان متعاقبتين على محلٍّ، فعدمُ إحداهما مستلزمٌ لثبوت الأخرى، وثبوتُها مستلزمٌ للمعلول، فيصيرُ عدمُ العلَّة المعيَّنة مقتضيًا للمعلول، لكن بهذه الواسطة، وهي واسطةُ ثبوت العلَّة الأخرى.
ومن هنا يزول الإشكالُ في باب "لو" و"لولا"، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وكذلك إذا كانت العلَّتان مجتمعتين في المحلِّ.
فالأول كما لو وصَّى الميت لوارثه، فإنه يقال: لو لم يُوصِ له لمَلَكَه بالإرث. وكما لو ألقى رجلًا من شاهقٍ في بحرٍ، فتلقَّاه آخرُ بسيفٍ فقَدَّه،
فإنه يقال: لو لم يَقُدَّه لمات. فيضافُ الموتُ إلى عدم القَدِّ، لا مستلزمًا للغَرَق (١).
ومَثَل الثاني: إذا سُئلتَ عن لحم خنزيرٍ ميِّتٍ، فتقول: لو لم يكن خنزيرًا لحَرُم. فتجعل عدم كونه خنزيرًا مستلزمًا للتحريم، لأنه ميِّت.
فهذا الكلام في دلالة ثبوت العلَّة وانتفائها.
وأما دلالة المعلول، فإنَّ عدم المعلول مستلزمٌ لعدم العلَّة التامة قطعًا، ويدلُّ على عدم العلَّة المقتضية إذا عُلِم أن الانتفاء لم يكن لوجود مانعٍ ولا
стр. 3615
لفوات [شرط].
فيُعْلَمُ حينئذٍ أن الانتفاء إنما هو لانتفائها، وإلا فلو كانت موجودة، والموانع زائلة، والشُّروط حاصلة، لوجب وجودُ المعلول. فانتفاءُ اللازم دليلٌ على انتفاء الملزوم، ووجودُ المعلول يدلُّ على وجود العلَّة التامة، فتدخل فيه الشُّروط وضد (١) الموانع.
لكن إذا لم يكن للحكم إلا علةٌ واحدةٌ عُلِم وجودُها بعينها، وإن كان له علَّتان فصاعدًا دلَّ على وجود إحداهنَّ أو جميعهنَّ.
وإن عُلِم أن له علَّة (٢)، وجاز أن يكون له علَّةٌ أخرى، لم نقطع بوجود تلك العلَّة المعدومة، لكن هل يُحْكَمُ بوجودها ظاهرًا؟
وكذلك لو عُلِم وجودُ العلَّة الواحدة، ووُجِد الحكم، وجاز أن يكون قد وُجِد بغيرها، فهل يضيفُه إلى ما عُلِم وجودُه أو يتوقَّف فيه؟ قولان للفقهاء، وأصحُّهما أنا نضيفه إلى تلك العلَّة. ويُسْتَدلُّ بوجود المعلول على وجودها؛ عملًا بالأصل الباقي الذي لم يعارضه ما يضعفه.
وعلى هذا ينبني: لو جَرَحَ صيدًا غاب عنه ثم وجده ميتًا، فهل يحالُ موتُه على جرحه، فيباحُ إن كان حلالًا ويجبُ الضمانُ إن كان محرَّمًا، أو يتوقفُ فيه؟ على خلافٍ مشهور بين الفقهاء، وهي مسألة الإصماء والإنماء (٣).
стр. 3616
فهذه بحوثٌ عقليةٌ معنويةٌ نافعة.
المقدمة الرابعة: أن أدوات الشَّرط وغيره من معاني الكلام قسمان:
منها: ما يسمِّيه النحويون: "أمَّ الباب"، وهو ما دلَّ على الشَّرط أو الاستفهام ونحوهما دلالةً مجرَّدةً من غير أن يدلَّ [على] شيءٍ آخر.
ومنها: ما يدلُّ على الاستفهام أو الشَّرط ومعنًى آخر.
فالأول في الشَّرط "إنْ"، فإنها تقتضي ربط الجزاء بالشَّرط، من غير أن تدلَّ على ثبوت الشَّرط وانتفائه، ولا على حالٍ من أحوال الشَّرط، من مكانٍ أو زمانٍ أو فاعلٍ أو غير ذلك. فإذا قلت: إن قام زيدٌ قام عمرو، لم (١) يدلَّ على أكثر من ارتباط هذا بهذا.
والثاني: سائر أدوات الشَّرط، فإن "متى" مثلًا تدلُّ على الاشتراط في الزمان، و"أينما" في المكان، و"مَن" في أعيان من يَعْلَم، و"ما" في ما لا يَعْلَم وفي صفات ما يَعْلَم (٢)، ونحو ذلك ممَّا (٣) هو معروفٌ عند العالِمين
стр. 3617
بتفاصيل لسان العرب.
فهذه الأدوات تدلُّ على شيئين: على الشَّرط، وعلى حالٍ في المشروط. وحرف "لو" من هذا الباب، لكن من وجهٍ آخر، وهو الجوابُ الحاصل بعد تلك المقدمات.
فنقول: حرف "لو" المسؤول عنه، إذا قلتَ مثلًا: "لو رُدُّوا لعادوا"، يدلُّ على شيئين:
أحدهما: أن الردَّ سببٌ مستلزمٌ للعَوْد.
وقولنا: "سبب"، و"ملزوم"، و"علة"، و"مقتضى"، عباراتٌ متقاربة في هذا الموضع.
كما لو قيل: "إن رُدُّوا عادوا"؛ فإن الاشتراط بـ "إنْ" يدلُّ على أن الأول مستلزمٌ للثاني.
المدلول الثاني: عدم الردِّ الذي هو السببُ المستلزِم.
وهذه خاصَّة "لو" التي انفردت بها عن "إنْ"؛ فإن "لو" تدلُّ على تعلُّق الجزاء بالشَّرط، وعلى انتفاء الشَّرط، و"إنْ" تدلُّ على التعلُّق فقط، من غير أن تدلَّ على الشَّرط بنفيٍ أو إثبات.
وهذا أمرٌ مستقرٌّ في جميع مواردها، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]، لو جاء زيدٌ
стр. 3618
لجاء عمرو، لو زرتنا لأكرمناك، قول الشاعر (١):
لو كنتُ من مازنٍ لم تَسْتَبِحْ إبلي ... بنو اللَّقِيطة من ذُهْلِ بن شيبانا
فإن "لو" مع ما رُكِّبت معه تدلُّ على الشَّرط والجزاء، وعلى انتفاء الشَّرط أيضًا.
وهذا هو الذي قصده بعض النحويين حيث قال في حدِّها: "إنها حرفٌ يدلُّ على امتناع ما (٢) يلزم من وجوده وجودُ غيره"، وصَدَق في أن هذا من معناها؛ فإنها تدلُّ على عدم الشَّرط الملزوم الذي يلزم من ثبوته ثبوتُ الجزاء الذي هو الجواب (٣).
لكن قد يقال: معناها [ليس] هو مجرَّد الامتناع، بل هو التعليق والامتناع جميعًا، وإنما هي دالةٌ على الامتناع بالتضمُّن لا بالمطابقة.
وقد يقال: هي لا تدلُّ على امتناع الشَّرط، وإنما تدلُّ على عدمه، وليس كلُّ معدومٍ ممتنع الوجود.
فهذه مناقشاتٌ لفظية، وإذا ظهر المعنى فلا عليك في ترك المناقشة اللفظية.
وإذا قيل: هي حرفُ شرطٍ يدلُّ على عدم الشَّرط، كان هذا منطبقًا عليها في جميع مواردها.
стр. 3619
ثم مِن هذا ينحلُّ الإشكال المشهور، وذلك أن الشَّرط اللفظيَّ الذي هو سببٌ معنويٌّ إذا انتفى فإنه ينتفي ذلك المعلول المعيَّن قطعًا، وينتفي أيضًا نوع المعلول إذا لم تَخْلُفْه علةٌ أخرى، فإن خَلَفَتْه علةٌ أخرى لم ينتفِ النوع، بل قد يوجد منه غيرُ ما انتفى، وقد يكون عدمُ إحدى العلتين دليلًا على ثبوت المعلول؛ لدلالة عدمها على ثبوت العلَّة الأخرى، كما تقدَّم؛ لأن الحكم الواحد بالنوع قد تكون له علَّتان باتفاق العقلاء من الفقهاء وغيرهم.
فإذا كان أهل اللسان يفهمون من قولهم: "لو زرتنا لأكرمناك" أن الزيارة علةٌ للإكرام، وأنها معدومة، فقد ينضمُّ إلى هذه المقدِّمة السَّمعيَّة مقدِّمةٌ أخرى عقليَّة، وهو أن عدم العلَّة يدل على عدم المعلول، كما فصَّلناه.
فيعقلون من ذلك انتفاء ذاك الإكرام المعيَّن، وقد يفهمون انتفاء الإكرام مطلقًا إذا غلب على ظنِّهم أن لا سببَ للإكرام إلا الزيارة، بالأصل النافي أو بالقرائن ونحوها من الدَّلائل.
ثم لما كان الغالبُ أن العلَّة إذا انتفت انتفى معلولها؛ إذ غالبُ الكلام يكون في نوع حكمٍ ليس له إلا علَّةٌ واحدة، وغيرُه من الأنواع قد عُلِم أنه منتفٍ في ذلك المقام = صار هذا الغالبُ كأنه من جملة معناها، وليس هو من معناها في أصل وضعها، ولا في جميع موارد استعمالها، وإنما هي دالةٌ عليه بالالتزام العقلي [الذي] أبديتُه لك.
ولهذا يُسْتَعْمَلُ كثيرًا مع عدم الدَّلالة على انتفاء المعلول الذي هو الجزاء، كما سيأتي، ومحالٌ أن يوضعَ لنفي المعلول وثبوته معًا.
стр. 3620
وكذلك على سبيل البدل على قول بعضهم (١) قد كثر استعمالها دالةً على هذا المعنى في عرف المتأخرين، حتى ظُنَّ أن انتفاء المعلول الذي هو الجزاء جزءٌ من معناها، وهذه حقيقةٌ عرفيةٌ طارئة، إن لم يُسَمَّ لحنًا وتحريفًا للَّغة! وإنما معناها اللغويُّ هو ما أبديتُه.
ولكون انتفاء المعلول قد صار يُفْهَم منها غالبًا، إما باللُّزوم العقلي، أو بالغلبة العُرفية، قال من قال من النحاة: إن "لو" حرفٌ يمتنعُ به الشيءُ لامتناع غيره، وأرادوا بذلك أنه يمتنع بها الجزاء لامتناع الشَّرط، فجعلوا عدم الجزاء من معناها التي هي دالةٌ عليه بالوضع.
وينبغي لمن أحسَن الظنَّ بمن قال هذا أن يقال: هي دالةٌ على هذا غالبًا، كما بينَّا، أو هي دالةٌ عليه في العُرف والحادث (٢) العامِّي، مع أن هذا فيه نظر، وكونُ دلالتها على هذا المعنى وضعيًّا (٣) أو عقليًّا لا تتعرَّض له النحاة غالبًا. فأما أن يقال: إن هذا هو معناها أبدًا، فهذا غلطٌ ممن يقوله أو ينصرُه:
أما أولًا: فلعدم (٤) الدليل عليه.
وأما ثانيًا: فلورود (٥) الدليل على خلافه.
стр. 3621
فإن قيل: هذا قد قاله بعض فضلاء النحاة.
فيقال: مفهومُ تراكيب الكلام ونحو ذلك نِسْبَتُه إلى لغة العرب نسبةُ طائفةٍ (١) من علم الفقه إلى كلام الشارع، وهو أمرٌ يوجَدُ بالاستدلال، تارةً بالاستعمال، وتارةً بالقرائن، وغير ذلك.
ولهذا تختلفُ النحاة في مفهوم حروفٍ ومقتضى تراكيب، كما يختلفُ الفقهاء في مفهوم بعض كلام الشارع، ثم الدليلُ يقضي بين المختلفين.
وكما أن علمَ الشريعة نوعان:
* نوعٌ يُتَلقَّى من المحدِّثين، وهو الرواية، فإذا كان الراوي ثقة ضابطًا لم تُرَدَّ روايتُه إلا بحجَّةٍ تدلُّ على غلطه، وهو نادر.
* ونوعٌ يُتَلقَّى من الفقهاء، وهو فهمُ كلام الشارع، وبناءُ بعضه على بعض، والنظر في لوازم تلك المعاني وموجَباتها.
كذلك علم العربية:
* منه المسموع، وهو ما يرويه الثقةُ كما سمعه من العرب، منظومًا ومنثورًا، وما يرويه أيضًا أنهم أفهموه ذلك المعنى عندما تكلَّموا بذلك اللفظ. وهذا هو نقلُ اللغة، وهذا نقلٌ لأشياء معينة.
* ومنه المعقول، وهو الحكمُ الكليُّ على لفظٍ مفردٍ أو مركَّب. وهو علمُ النحو والتصريف والمعاني والبيان؛ فإن العرب وغيرهم من الأمم لم يُسْمَع منهم حكمٌ كليٌّ للفظٍ أو لدلالة لفظ، وإنما استقراء كلام الأمم يوجبُ
стр. 3622
للعقل حكمًا كليًّا، كما إذا استقرينا كلَّ اسمٍ بعد فعلٍ على صيغة "فَعَلَ"، فوجدناه مرفوعًا، علمنا أن الفاعل مرفوع، وأن رفع الاسم على هذه الصفة دليلٌ على أنه فاعل.
كذلك "لو" مثلًا إذا سَمِع الناقلُ العربَ تقول: "لو زرتنا لأكرمناك"، وأفهموه أن كل واحدٍ من الأمرين ممتنعٌ في هذا المعنى، أوجب ذلك الحكمَ على هذا المثال بهذا الحكم، ثم رأينا هذا المعنى يُفْهَمُ من سائر الأمثلة، حكمنا حكمًا عامًّا بما حكموا به.
وإن وجدنا الأمر ينتقض أحيانًا من غير قرينةٍ طارئةٍ علمنا أن الموجب المفهم (١) هناك معنًى انفرد به.
وقد وجدناهم يقولون: "لو زرتنا لأكرمناك"، وكلاهما منتفٍ، ونظائره كثيرة, ووجدناهم يقولون مثلًا: "هذا محسنٌ إلى زيدٍ ولو أساء إليه"، "ولو أسأتَ إليَّ أحسنتُ إليك"، "ولو قلتَ لي ألف كلمةٍ ما قلتُ لك كلمة"، "ولو عصيتَ الله تعالى فيَّ لأطعتُ الله فيك", "ولو شتمتني لما شتمتُك"، كما يقال: إن رجلًا من العرب قال لآخر منهم: لو قلتَ لي كلمةً لقلتُ لك ألف كلمة، فقال له الآخر: لكن لو قلتَ لي ألف كلمةٍ لما قلتُ لك كلمة.
ونحو هذا كثير، يقصدون بذلك إثباتَ الملازمة بين هذين الأمرين، ونفيَ الملزوم لا نفيَ اللازم، أي: إن إساءتك مستلزمةٌ لإحسانك، وسببٌ فيها، بمعنى أنها مستلزمةٌ لما هو علةٌ للإحسان، لأنك إذا أسأتَ قارن إساءتَك ما في خُلُقي من الإحسان، فصارت هذه المقارنةُ سببًا لوجود
стр. 3623
إحساني أو دليلًا على وجود إحساني، كما قدَّمناه في مقدِّمة الشَّرط, وأنه ليس يجبُ أن يكون هو المؤثِّر في الجزاء خارجًا، وإنما المعتبر هو الملازمة والارتباط والتعليق.
ثم مثل هذا الكلام لا يقصدون به عدم إحساني إليك، ولا عدم طاعة الله فيك (١)، ونحو ذلك، بل إما أن يكون الجزاء مسكوتًا، أو يكون مُخْبَرًا بوجوده (٢)، أي: أنا أُحْسِنُ إليك ولو أسأتَ، فكيف إذا لم تُسِئ؟! فالمقصود أن الإحسان (٣) موجودٌ على التقديرين.
فصار جواب "لو" له ثلاثة أحوال:
* تارةً يدلُّ الكلام على انتفائه بانتفاء الشَّرط، كما في قوله: "لو زرتني لأكرمتك".
* وتارةً يدلُّ لا على ثبوته ولا على انتفائه، كما في قوله: "لو أسأتَ إليَّ لأحسنتُ إليك"؛ إذ كان (٤) عدم الإساءة قد يكون معه الإحسان في العادة، وقد لا يكون إذا كان المحرِّك على الإحسان الإساءة.
* وتارةً يدل على وجود الجواب مع انتفاء الشَّرط، وذلك إذا كان عدم العلَّة أولى باقتضاء الجواب من حال ثبوتها، كما في قوله: "لو شتمتني لما شتمتك"؛ فإن اقتضاء عدم الشَّتم لعدم الشَّتم أقوى من اقتضاء الثبوت
стр. 3624
للعدم، فإذا كانت الشتيمةُ تنتفي مع وجود الشَّتم فمع العدم أولى.
فإذا كانت "لو" تستعملُ على هذه الوجوه الثلاثة، فإن جعلناها حقيقةً في البعض فقط، أو في كلِّ معنًى بخصوصه، لزم الاشتراكُ اللفظيُّ أو المجازي، وهما على خلاف الأصل، فالواجب أن تُجْعَل حقيقةً في المعنى المشترك بين مواردها، وهو تعليقُ أمرٍ بأمر، مع الدلالة على انتفاء الشَّرط، ثم ثبوتُ الجزاء أو انتفاؤه يُعْلَمُ من خصوص الموارد (١)، ولا يدلُّ اللفظ عليها، مع أن الغالب عليها في الاستعمال انتفاء الجواب؛ لما قدَّمته من أن انتفاء العلَّة (٢) يُشْعِرُ بعدم المعلول كثيرًا أو غالبًا.
إذا تحرَّر هذا، فنقول: "لولا" و"لو لم" هي "لو" مع حرف النفي، فلهذا قالوا: المثبت بـ "لو" منتفٍ بـ"لولا" و"لو لم"، والمنتفي بـ"لو" منتفٍ بـ"لولا" و"لو لم".
وهذا أجودُ من قول من قال: المثبت بعد "لو" منتفٍ، والمنتفي بعدها مثبت، والمثبت بعد "لولا" منتفٍ، والمنتفي بعدها مثبت؛ فإن "لولا" كما قدَّمتُه تنفي الشَّرط، ولا تنفي الجزاء إلا بتوسُّط الاستدلال على عدم العلَّة بعدم المعلول، وهذه دلالةٌ عقليةٌ لا لفظية، ولها شروط، كما قدَّمتُه، و"لولا" و"لو لم" تقتضي ثبوت الشَّرط بعدها، وإنما ينتفي الجزاء بتوسُّط ثبوت علَّته التي هي المانع، كما سنبيِّنه.
فإذا قيل: "لولا جاء زيدٌ لجاء عمرو" أفاد تعلُّق الثاني بعدم الأول،
стр. 3625
وثبوت الأول. فلو قيل: "لولا زيد لجاء عمرو" أفاد تعلُّق عدم الثاني بعدم الأول، وثبوت الأول. فأفاد شيئين:
أحدهما: أن عدم الأول سببٌ لوجود الثاني أو عدمه.
وثانيهما: أن ذلك العدم غيرُ حاصل، فهو معنى "لو" بعينه، إلا أنك تجعل المثبت هناك منتفيًا هنا.
ومعلومٌ أن عدم الأول إذا كان سببًا لوجود الثاني أو انتفائه، فانتفاء العدم هو انتفاء العلَّة، وانتفاء العلَّة ينتفي معها المعلول إلا أن تَخْلُفَه علةٌ أخرى.
فقول عمر ﵁: "لو لم يخف الله لم يعصه" موضوعُ هذا اللفظِ أن عدم الخوف في حقه لو فُرِض كان مستلزمًا لعدم المعصية، وأن هذا العدم منتفٍ لوجود ضدِّه، وهو الخوف.
فيفيد الكلام فائدتين:
أحدهما (١): أنه خائفٌ لله؛ لأن ما انتفى بـ"لو" ثبت بحرف النفي معها.
والثاني: أن هذا الثابت في حقِّه، وهو (٢) الخوف، لو فُرِض عدمُه لكان مع هذا العدم لا يعصي الله؛ لأن تركَ المعصية (٣) قد يكونُ لخوف الله، وقد يكون لأمرٍ آخر؛ إما لنزاهة الطبع، أو إجلال الله، أو الحياء منه، أو لعدم المقتضي إليها، كما كان يقال عن سليمان التَّيميِّ: "إنه كان لا يُحْسِنُ أن
стр. 3626
يعصيَ الله " (١).
فقد أخبَرنا عنه (٢) أن عدم خوفه لو فُرِض موجودًا لكان مستلزمًا لعدم معصية الله، لأن هذا العدم يضافُ إلى أمورٍ أخرى؛ إما عدمُ مقتضٍ أو وجودُ مانع، مع أن هذا الخوفَ حاصل.
وهذا المعنى يفهمُه من الكلام كلُّ أحدٍ صحيح الفطرة، لكن لمَّا وقع في بعض القواعد اللفظية والعقلية نوعُ توسُّعٍ إما في التعبير (٣) وإما في الفهم، اقتضى ذلك خللًا إذا بُنِي على تلك القواعد المحتاجة إلى تتميم.
فإذا كان للإنسان فهمٌ صحيح ردَّ الأشياء إلى أصولها، وقرَّر الفِطَر (٤) على معقولها، وبيَّن حكم تلك القواعد وما وقع فيها من تجوُّزٍ أو توسُّع، فإن الإحاطة في الحدود والضوابط عسيرٌ عزيز (٥).
ومنشأ الإشكال أخذُ كلام بعض النحاة مسلَّمًا أن المنفيَّ بعد "لو" مثبت، والمثبتَ بعدها منفيٌّ، وأن جواب "لو" منتفٍ (٦) أبدًا، [وجواب
стр. 3627
"لولا" ثابتٌ أبدًا] (١)، وأن "لو" حرفٌ يمتنع به الشيءُ لامتناع غيره، و"لولا" حرفٌ يدلُّ على امتناع الشيء لوجود غيره مطلقًا.
فإن هذه العبارات إذا قُرِن بها "غالبًا" كان الأمر قريبًا، وأما أن يُدَّعى أن هذا مقتضى الحرف دائمًا فليس كذلك، بل الأمرُ كما ذكرناه من أن "لو" حرفُ شرطٍ يدلُّ على انتفاء الشَّرط.
فإن كان الشَّرط ثبوتيًّا فهي "لو" محضة، وإن كان الشَّرط عدميًّا مثل "لولا" و"لو لم" دلَّت على انتفاء هذا العدم بثبوت نقيضه، فيقتضي أن هذا الشَّرط العدميَّ مستلزمٌ لجزائه، إنْ وجودًا وإنْ عدمًا، وأن هذا العدم منتفٍ.
وإذا كان عَدَمُ شيءٍ سببًا في أمرٍ فقد يكون وجودُه سببًا في عدمه، وقد يكون وجودُه أيضًا سببًا في وجوده، بأن يكون الشيءُ لازمًا لوجود الملزوم ولعدمه، والحكمُ ثابتًا مع العلَّة المعيَّنة ومع انتفائها لوجود علةٍ أخرى.
وإذا عرفتَ أن مفهومها اللازم لها إنما هو انتفاء الشَّرط، وأن فهم نفي الجزاء منها ليس أمرًا لازمًا، وإنما يُفْهَمُ باللزوم العقليِّ أو العادة الغالبة، وعطفتَ على ما ذكرته من المقدمات = زال الإشكالُ بالكلية.
وقد كان يمكننا أن نقول: إن حرف "لو" دالةٌ على انتفاء الجزاء، وقد تدلُّ أحيانًا على ثبوته، إما بالمجاز المقرون بقرينةٍ أو بالاشتراك، لكنَّ جعلَ اللفظ [حقيقةً] في القدر المشترك أقربُ إلى القياس. مع أن هذا إن قاله قائلٌ كان سائغًا (٢) في الجملة؛ فإن الناس ما زالوا يختلفون في كثير من معاني
стр. 3628
الحروف هل هي مقولةٌ بالتواطؤ أو بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز؟
وإنما (١) الذي يجبُ أن يُعْتَقَد بطلانُه ظنُّ ظانٍّ إن ظنَّ (٢) أن لا معنى
لـ "لو" إلا عدم الجزاء والشَّرط؛ فإن هذا ليس بمستقيمٍ البتة.
والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 3629
مسألة
في الانتماء إلى الشيوخ
стр. 3630
مسألة: في من قال: من انتمى إلى شيخٍ رآه أو لم يره، ولم (١) يَرِثْ عنه علمًا يصلُ به إلى طاعة الله وطاعة رسوله، كان كاذبَ الانتماء، متَّبعَ الهوى. وأن هذا الانتماء المعتاد في هذه الأعصار، على ما جرت به العادة من أرباب الحِرَف، مُحْدَثٌ مردود. فهل هو كذلك أم لا؟
أجاب شيخ الإسلام ﵁:
الحمد لله. الانتماء إلى شيخٍ لم يَسْتَفِد منه ولا من اتِّباعه فائدةً (٢) دينيَّة، ليس مما أمر الله به ولا رسولُه، بل هو من جنس أهواء الجاهلية، كقيسٍ ويَمَن (٣).
فإن المراد من الشيوخ إنما هو الدعوة إلى الله، كما دعت إليه الرسل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
стр. 3631
فأما إن كان قد انتَفَع به في دينه، إما بما بلغه عنه من الأقوال التي انتَفَع بها في دينه، أو بما بلغه من الأعمال الصالحة التي اقتدى به فيها = فهو قدوةٌ له وإمامٌ في ذلك القدر الذي انتفع به فيه.
وقد يكون غيرُه قدوةً له وإمامًا من غير ذلك.
وقد يكون ذلك القدوةُ ــ فيما اتَّبع فيه ــ جماعةً، كمن يقرأ القرآن على جماعة، أو يقرأ بعضه على شيخٍ وبعضه على شيخٍ آخر، ويصلي خلف إمامٍ صلاةً وخلف غيره صلاةً أخرى، ويستفيد من عالمٍ (١) علمًا ومن آخر علمًا، فهؤلاء كلُّهم أشياخٌ له فيما انتَفَع به منهم، لا يختصُّ بذلك واحدٌ دون واحد.
وهكذا كان السَّلف يجتمعون بأصحاب النبي ﷺ ، ويستفيدون منهم ما بلَّغوهم عن النبي ﷺ . وأهلُ العلم والدين إذا اجتمعوا على شيءٍ فاجتماعهم حجةٌ قاطعة؛ فإن المؤمنين لا يجتمعون على ضلالة.
وقد يكون انتفاع الرجل ببعض شيوخه أكثر.
وأما تشيُّع الأمة وتفرُّقهم، بحيث يوالي الرجلُ من وافقه على نِسْبَتِه حتى فيما يخالفُ الشريعة، ويُعْرِض عن غيرهم حتى فيما يوافقُ الشريعة = فهذا مما ينهى الله عنه ورسولُه؛ فإن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف (٢).
стр. 3632
وفي الصَّحيح عنه ﷺ أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تناصِحوا من ولَّاه الله أمركم" (١).
ولا ريب أن قصَّ رؤوس التائبين (٢)، وقول القائل لأحدهم: "أنت الشيخ فلان في الدنيا والآخرة"، أو "شيخك الشيخ فلان في الدنيا والآخرة"، فهو من البدع المحدثة، ومن العقود (٣) الفاسدة؛ لأنه التزامُ اتباعِ شخصٍ في الدين مطلقًا، مع أنه ممن يجوز عليه الخطأ. وقد لا يوثق بالنقل عنه؛ فإن كثيرًا من النقل عن الشيوخ يكون كذبًا، والصَّحيح منه قد يكون صوابًا وقد يكون خطأً.
والأحاديث الصَّحيحة الثابتة عن النبي ﷺ يجبُ على كل مسلم اتباعها؛ لأن الناقلَ لها مُصَدَّق، والقائلَ لها معصوم.
فمن عدل عن نقلٍ مُصَدَّقٍ عن قائلٍ معصومٍ إلى نقلٍ غير مُصَدَّقٍ عن
стр. 3633
قائلٍ غير معصومٍ كان من الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذابَ بالمغفرة، والله أعلم (١).
стр. 3634
رسالة
إلى ابن ابن عمِّه عزِّ الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف
بسبب فتح جبل كسروان
стр. 3635
رسالة أخرى (١) بسبب جبل كِسْروان (٢) أيضًا
إلى ابن ابن عمِّه عزِّ الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف ابن تيمية (٣)، وهو بدمشق
في أول سنة خمسٍ وسبعمئة
قال ﵀:
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
من أحمد ابن تيمية إلى الشيخ الإمام عزِّ الدين وسائر من يصلُ إليه هذا الكتابُ من الإخوان والأصحاب، جعلهم الله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، وعباده الصالحين.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإنا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهلٌ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وسيِّد ولد آدم ورسول الله
стр. 3636
إلى جميع الثقلين، محمدٍ عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا.
أما بعد، فقد صَدَق الله وعدَه، ونَصَر عبدَه، وأعَزَّ جندَه، وهَزَم الأحزابَ وحده، وحَقَّق من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] ما أقرَّ به عيونَ المؤمنين، وأعَزَّ به دينَه الذي هو خيرُ دين، وأذلَّ به الكفَّار والمنافقين، ونصَرَ به عباده المعتصمين بحبله المتين على المارقين من دينه، الخارجين عن شريعته وسبيله، المُنْسَلِخين من سنَّة رسوله، المفارقين للسنة والجماعة، المُعتاضِين بشَتَات الجاهلية عن عصمة الطاعة، المستبدِلين قتالَ أهل الإسلام بقتال الكفَّار، المُوَالِين على معاداة أهل الإسلام للفَرَنْج والتَّتار، المُقَدِّمين للذين كفروا وأهل الكتاب، على خواصِّ أمة محمدٍ المتَّبعين لما جاء به من السُّنَّة والكتاب، المكفِّرين لجمهور المسلمين كفرًا أغلظَ من كفر سائر الكفَّار (١)، المُنَجِّسين لهم ولما عندهم من المائعات التي لامَسَتْها الأبشار، المرجِّحين لشِعْر أهل الإفك والبهتان، على أحاديث الرسول التي اتفق على قبولها أهلُ العِرفان، المستحلِّين لدماء المسلمين وأموالهم (٢)،
المتعبِّدين بقتلهم وقتالهم، المكذِّبين بحقائق أسماء الله وصفاتِه، المنكِرين أن يراه المؤمنون بأبصارهم في جنَّاتِه، المكذِّبين بحقيقة كلماته وآياتِه، المشبِّهين له بالمعدوم والمَوَات، في أنه لم يتكلَّم بكلامٍ قائمٍ به وإنما خَلَقَه في المصنوعات، الجاحدِين لأن يكون الله فوق السماوات، المنكرِين لقضائه وقدَره في بلادِه،
стр. 3637
الزاعمين أنه لا يَقْدِرُ أن يهديَ ضالًّا ولا يُضِلَّ مهتديًا ولا يُقَلِّبَ قلوبَ عبادِه، بل يزعمون أنه يكونُ في ملكه ما لا يشاؤه ويشاءُ ما لا يكون، وهو عاجزٌ عمَّا عليه العبادُ قادرون، المعادِين لأهل بيت رسول الله ﷺ وصحابتِه، الطاعنين في أزواجه وأهل قرابتِه، السَّافِكين لدماء عِتْرَتِه وأمَّتِه في القديم والحديث، المُعَاوِنين عليهم لكلِّ عدوٍّ خبيث، الذين تعجزُ القلوبُ والألسنةُ عن الإدراك والصِّفة لمَخَازِيهم، وما أحدثوا في هذه الأمة من مَسَاوِيهم.
لا سيَّما هؤلاء المعتَصِمين بالجبال، التي اتفق على صعوبتها أصنافُ الرجال؛ لاشتمالها من القِلاع والأوعَار (١)، والأودية والأنهار، وأصناف المُلْتَفِّ من الأشجار، والأماكن المُعْطِشَة (٢) الوَعِرة العالية، وما لم تَسْلُكه الخيلُ في العُصُر الخالية، وما لا تضبطُ الصفاتُ من مَباعِث الطرقات، ما رجَّح أهلُ الخبرة صعوبتَه على ما رأوه من الجبال الشامخات (٣).
وكانوا كما قال الله تعالى في من ضاهَوْه في كثيرٍ من الوجوه: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] (٤).
وكانت قلوبهم قويةً بهذه الأماكن المُضِرَّة (٥)، لا سيَّما وقد غزاهم
стр. 3638
الناسُ كما ذكر أهلُ الخبرة أكثر من عشرين مرَّة، ولا يرجعون عنهم إلا بالخيبة والخَسَار (١)، حتى قصَدَهم المسلمون والإفْرَنج جميعًا في سالف الأعصار، فقتلوا من الفريقين من بقيت عظامُهم عندهم في الديار.
وقد سفكوا من دماء الأمَّة المحمَّديَّة من لا يحصي عددَه إلا الله، وفعلوا فيهم ما لم يفعله أعظمُ الناس معاداة، وأخذوا من الأموال ما لا يقوم ببعضه أثمنُ (٢) ما في الجبال، واستحلُّوا من الفروج وقتلِ الأطفال، وفرطِ الانتقام والاستحلال، ما يتبيَّنُ به أنهم شرٌّ من التَّتار بطبقاتٍ وأطوار (٣).
فأعَزَّ الله دينَه وجندَه بفتح بلادهم، وإجلائهم منها بالذُّلِّ والصَّغَار، ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٣ - ٤].
وذلك بعد أن قتل الله منهم من لم يُحْصَ عددُه إلى الآن، وذَلَّ جماهيرُهم وطلبوا الدخول في الأمان، فأُومِنُوا (٤) على أن ينزلوا إلى بلاد الإسلام، ويقوموا بالواجبات التي تجبُ على الأنام، ويلتزموا حكمَ الله ورسولِه، الشاهد به كتابُه وسُنَّةُ رسولِه، ويكونوا من المسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ومن خرج عن ذلك أو عن شيءٍ منه فقد برئت منه الذِّمَّةُ
стр. 3639
التي حصلت من أهل السُّنَّة إليهم.
وفُرِّقوا في البلاد بين أهل السُّنَّة والجماعة، بحيث لا يكون لأهل البدعة اجتماعٌ على خلاف الطاعة، وخُرِّبَت وحُرِّقَت مساكنُهم والديار، وقُطِّعَت زروعُهم والأشجار، من العنب الكثير، والتُّوت الغزير، والجَوز واللَّوز، وغير ذلك، وكان ذلك بإذن الله من أبلغ المسالك؛ آيَسَهم من سُكنى الجبال، وأوجبَ استئمانَ من كان تخلَّف منهم راجيًا لحسن الحال (١)، وأخزى الله بذلك الفاسقين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
واتُّبِعَ في ذلك ما فعله رسول الله ﷺ ببني النَّضِير؛ إذ كان بين هؤلاء وبينهم شبهٌ كثير، حيث يقول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]، ولهذا ذكر الله في هذه السُّورة ما يبيِّنُ ما هم به (٢) من المارقين.
وقد ثبت في الصِّحاح أن النبي ﷺ قَطَع نخلَ بني النضير، وحَرَّق (٣).
وفي ذلك يقول حسانُ بن ثابت (٤):
وهان على سَرَاةِ بني لُؤيٍّ ... حَرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وسُطِّر هذا الكتابُ ليلة الاثنين، سَلْخَ المحرَّم وغرَّة صفر، وعامَّةُ بلدهم
стр. 3640
قد دَثَر، واستأمن عامَّةُ من فيه من البَشَر، وخَرِب الجُرْدُ والكِسْرَوَان (١)، ودخَل في خبر كان، وأظهر الله من أعلام الإسلام ما كان مستورًا، وطوى من ألوية الضلال ما كان منشورًا، وأورث الله المؤمنين أرضَهم وديارَهم وأموالَهم وأرضًا لم يطؤوها، وكان الله على كلِّ شيء قديرًا.
وكان هذا فتحًا أقام الله به عمودَ الدين، وقمَع به طوائف أهل البدع المنافقين، من جميع الأجناس والأصناف، في جميع النواحي والأطراف، سِيْرَ فيه بسيرة الخلفاء الراشدين (٢)، الثابتة بالكتاب وسنَّة سيِّد المرسلين.
والحمد لله الذي ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، والله تعالى يُوزِعُنا وسائر المؤمنين شُكرَ هذه النعمة التي لم تبلغها الظنون، ولم يطمع بها الطامعون، بل ظنَّ المنافقون أن لن ينقلب المؤمنون إلى أهليهم أبدًا، وزُيِّن ذلك في قلوبهم، وظنُّوا ظنَّ السَّوء، وكانوا قومًا بورًا.
ففَتَح الله فتحًا مبينًا، ونَصَر نصرًا عزيزًا، ويسَّر من الأمور ما كان عسيرًا، وفَتَح من أبواب هدايته ونصره ورزقه ما يجلُّ أن يقال: كان كثيرًا.
والله هو المسؤول أن يُتِمَّ النعمة على عباده المؤمنين، ويُصْلِح لهم أمر الدنيا والدين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى جميع الإخوان والأصحاب
стр. 3641
واحدًا واحدًا خصوصًا، ووفدَ الله القادمين من بيت الله (١) فالسلام عليهم جميعهم واحدًا واحدًا ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
كتبتُ هذا الكتابَ عجلانَ بالليل؛ لكون حامله أراد السَّفر بليلٍ.
стр. 3642
مسائل متفرقة
стр. 3643
مسألة: هل يجوز لوليِّ الأمر أن يُستفتَى ؟
فأجاب ﵁: لا يجوز أن يُستفتَى إلا من هو أهلٌ للفتيا، وهو يفتي بعلمٍ وعدل (١). وأما من يفتي بلا علم، أو يفتي بما يَعْلَمُ الحقَّ بخلافه، فلا يجوز استفتاؤه، كما لا يجوز استقضاؤه.
بل الحاكم قد تنازع الناسُ فيه: هل يجوز أن يولَّى العدلُ الذي لا يعلم، ثم يستفتي العلماء، ويحكم بما يفتونه فيه؟ على قولين (٢).
والعلماء لهم في شروط القاضي ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يشترط فيه أن يكون من أهل الشهادة فقط. وهذا قول أبي حنيفة (٣).
والثاني: أنه يشترط فيه الاجتهاد. وهذا قول الشافعي وكثيرٍ من أصحاب الإمام أحمد (٤).
وقد جوَّز كثيرٌ من المتأخرين من أهل هذا القول أن يولَّى غيرُ المجتهد للضرورة (٥).
والقول الثالث، وعليه يدلُّ كلام الإمام أحمد وغيره: أنه يولَّى الأمثلُ
стр. 3644
فالأمثل بحسب الإمكان، وليس لذلك حدٌّ، حتى لو قُدِّر أنه لم يوجد إلا فاسقان، وُلِّي أقلُّهما شرًّا وأكثرهما نفعًا، وكذلك لو لم يوجد (١) إلا مقلِّدان، وُلِّي أعدلُهما وأعرفُهما بالتقليد (٢).
ولو وُجِد مجتهدان وُلِّي أفضلُهما، إن لم يكن الأفضل مشغولًا بما هو أفضل من القضاء.
ولهذا لما أرسَل الخليفة إلى الإمام أحمد وزيرَه يسأله عن قضاة الأمصار، لمن يولِّي منهم ولمن يعزل، وكتب له أسماءهم، أمره بتولية ناسٍ، وعَزْل ناسٍ، وأمسك عن آخرين وقال: لا أعرفهم (٣).
وكان في من أمَر بتوليته من فيه نقصٌ في علمه، وقال: إن لم يولُّوا هذا ولَّوا مكانه فلانًا، وهذا خيرٌ منه (٤).
وأما الإفتاء، فعامة الفقهاء يشترطون فيه العلم، لا يقتصرون فيه على مجرَّد أهلية الشهادة، فكيف يجوز استفتاء من لا يَعْلَم ما يفتي به؟!
* ... * ... *
стр. 3645
وسئل ﵁: أيُّما أفضل: العالم العامل، أو المجاهد المخلص؟
فأجاب ﵁: إن الله تعالى قال في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وثبت في الصَّحيح عن النبي ﷺ أنه سئل: أيُّ الناس أكرم؟ فقال: "أتقاهم" (١).
فأيُّ الرجلين كان أتقى لله فهو أكرمُ على الله.
والله جعل عباده المنعَم عليهم أربعة أصناف، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
فالصِّدِّيق أفضلُ من الشَّهيد الذي ليس بصِدِّيق، والشَّهيد أفضل من الصَّالح الذي ليس بشهيد.