← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ (٧٥)) (١). /وفي الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". وقد حَسَمَ ﷺ موادَّ الشركِ قولاً وعملاً، حتى قال: "لا يَقولنَّ أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثمَِّ شاء محمد" (٣). وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد، اشتدَّ غضَبُ الله على قوم اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد" (٤). وقال: "لَعَنَ الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يُحذر ما فعلوا (٥). وقال قبلَ أن يموتَ بخمس: "إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون

стр. 457

القبور مساجد، إلاّ فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (١). ونَهى عن الصلاة عند طلوعِ الشمس وعند غروبها (٢). والله سبحانَه لم يأمر مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا وإن كان بدأ باسمه بالسؤال أحدًا، فلم يأمره به، بل قال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)) (٣). وقال لابن عباس: "إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله" (٤). وفي الصحيح (٥) عنه أنه قال في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هم الذين لا يَسْترقون ولا يَكْتَوون ولا يَتطَيرون، وعلى ربهم يتوكلون". فجعل من فضائلهم أنهم لا يطلبون من غيرهم رُقْيَةً وإن كانت الرقيةُ دعاء. فهذا وصفُ خواصِّ عبادِ الله. وهذا باب واسعٌ، قد بُسِطَ في غير هذا الموضع (٦).

стр. 458

/وغاية ما يُرَاد بالمشايخ الصالحين ما يُراد من الأنبياء والمرسلين، والمراد منهم تبليغ رِسالاتِ الله وهدايةُ عباد الله، والدعوة إلى الله، هذا هو المقصود الأعظم. ولهم أيضًا من الدعاء لعباد الله والشفاعة لهم ما هو من الأمور المطلوبة، لكن الأمر كله لله، وقد جَعَلَ اللهُ لكل شيء قدرًا. ودعاء الله من الأنبياء والمؤمنين للعبد هو من نِعَم الله عليه، وأسعدُ الناس بذلك أعظمُ إخلاصًا لله وتوكُلاً عليه، كما في الصحيح (١) أَنَّ أبا هريرة قال: يا رسول الله، أيُّ الناسِ أَسْعَدُ بشفاعتِكَ؟ قال: "لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ قبلَكَ، أسعدُ الناسِ بشفاعتي مَن قال لا إله إلاّ الله يَبتغي بها وجهَ الله". فالعبدُ مأمورٌ أن لا يتوكَّلَ إلاّ على الله، ولا يَرغب إلاّ إليه، ولا يخاف إلاّ إياه، ولا يعمل إلاّ له. والله يُيَسِّر له من الأسباب ما لم يكن له في حساب، فإنه سبحانه يتولى الصالحين، وهو كافٍ عبدَه، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)) (٢) أي حسبُك وحسبُ مَن اتبعك من المؤمنين الله، فهو وحدَه كافٍ عبادَه لا يحتاج إلى ظهير ولا شريك. قال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ

стр. 459

الذُّلِّ) (١). فإن المخلوق ذليل يتولى من يتولاه لِذُلِّه، فإنه إن لم يكن له مَن يُعِينه وينصره/عَجَزَ وذَلَّ، وقَهَرَهُ عَدُوُّه. والله تعالى لا يُوالِي عبادَه من الذُّلّ، بل برحمتِه وفضلِه وجُودِه وإحسانِه، وهو الغني عن كلِّ ما سِواهُ، وكل ما سواه فقير إليه، (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) (٢). قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (٣). وقال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)) (٤). وقال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) (٥). وهذا كثير في كتاب الله، والله سبحانه أعلم. كتبه أحمد بن تيمية

стр. 460

قاعدة في الاستحسان

стр. 461

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فبين أيدينا كتاب مهتم من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية في مبحث من مباحث أصول الفقه، وهو الاستحسان، حرَّر القول فيه وأجاد، وبيّن وجه الخلاف بين القائلين به والمانعين منه، ودرس تلك المسائل التي يذكر العلماء أنها استحسان على خلاف القياس، بطريقةِ لم يُسبَق إليها. وقد كنتُ عثرت على نسخة من هذا الكتاب ضمن مجموعة سيأتي وصفها، وتأمَّلْتُ فيها فرأيت أنها بخط شيخ الإسلام ومسوّدته، بدلالة الشطب على كثير من الكلمات والعبارات والإلحاق في مواضع عديدة، وهي خالية من النقط تقريباً. وبدأت في قراءتها ونسخها، وكنت أقف على بعض الكلمات، وأقلّبها على وجوهها، حتى أصل إلى وجه الصواب فيها. أخذ مني النسخ والقراءة وقتاً طويلاً، لأني قمتُ بنسخها في فترات مختلفة، كنت أنسخ جزءاً منها وأنصرف عنها لمدة طويلة أو قصيرة، لصعوبة الاستمرار فيها، وكثرة تلك الكلمات التي لا أهتدي لصوابها، حتى عثرتُ على بعض النصوصِ المقتبسة من هذا الكتاب

стр. 462

عند ابن القيم في "بدائع الفوائد"، والتي حلت لي بعض الإشكالات، ورجعت إلى كتاب "العدّة" لأبي يعلى الذي نقل منه المؤلف نصوصاً عديدة، وقرأت مبحث الاستحسان في معظم كتب الأصول عند الحنابلة والشافعية والحنفية والمالكية، وأخيراً فتّشتُ عن الموضوعات التي تناولها شيخ الإسلام هنا بالبحث والدراسة في كتبه ورسائله وفتاواه، فوجدتُ ما يُشبهها أحياناً بالنصّ والعبارة في مواضع عديدة، وقد ساعدني هذا كثيراً في فكّ الرموز والاهتداء إلى الصواب في كثير من الكلمات والعبارات التي كانت غامضة ومبهمة. واستقام ليَ النصُ تقريباً بعدَما كلَّفَني عَرَقَ القِرْبَة، وأحببتُ نشْرَه كما هو بدون تعليق أو تخريج أو توثيق، كما نُشِرتْ رسائله وفتاواه في "مجموع الفتاوى". ثمّ عَدَلتُ عن هذا الرأي، لأن نشر الكتاب بهذا الشكل يحول دون فهم كثير من المسائل الواردة فيه، والوصول إلى حقيقتها. وقد كان الغرض من كتابة التعليقات على الكتب في تراثنا الإسلامي الإشارة إلى ما في الأصل من خطأ أو صواب، وضبط المشكل من الأسماء والألفاظ، وشرح الغريب والحُوشِيّ منها، وإيضاح الغامض والمبهم من العبارات ليساعد ذلك على فهم النص. يقول ابن جماعة فى تذكرة السامع والمتكلم (ص ١٨٦، ١٩١): "ولا يكتب إلاّ الفوائد المهمّة المتعلقة بذلك الكتاب، مثل تنبيه على إشكال أو احتراز أو رمز أو خطأ ونحو ذلك، ولا يسوّده بنقل المسائل والفروع الغريبة، ولا يُكثِر الحواشي كثرةً تُظلِم الكتابَ أو تُضِيع مواضعَها على طالبها".

стр. 463

فاتبعت هذا المنهج الوسط في تعليقي، ووضعتُ نُصْبَ عيني أموراً: منها توثيق ما نقله المؤلف من الأحاديث والآثار والمذاهب والنصوص، والإشارة إلى آرائه في كتبه ورسائله وفتاواه في الموضوعات التي بحث فيها هنا، وشرح الغريب وتوضيح الغامض من الكلمات، والإشارة إلى ما في الأصل من العبارات التي قد تُشكِل أو تُستَغْرَب، ومحاولة توجيهها. وهذه فصول تتعلق بالكتاب جعلتُها مدخلاً إلى قراءة النصّ ودراسته، ليكون القارئ على بصيرة منه قبل الشروع فيه. • عنوان الكتاب لم يَرِدْ ذكر عنوان الكتاب بخط المؤلف في النسخة الفريدة التي وصلتنا، وقد كتب أحد المفهرسين أو القرّاء في أعلى الصفحة الأولى منها: "في الاستحسان والقياس" استنباطاً ممّا كتبه المؤلف في أوله بعد الخطبة: "فصل في الاستحسان القياس وموضع الاستحسان هل يقـ وتخصيص العلة ... ". ولكنه لم يلاحظ أن المؤلف شطب على العبارة التي تحتها خطّ، فكان ينبغي للشخص المذكور أن لا يذكر "والقياس" في العنوان الذي اجتهد في استنباطه. والكتاب لا يبحث إلاّ في موضوع الاستحسان، ولم يذكر من مباحث القياس إلاّ ما يتعلق بتخصيص العلة، ومسألة القياس على المخصوص من جملة القياس، وللمؤلف كتاب مستقل في معنى القياس. والذي بين أيدينا أفرده لبيان معنى الاستحسان وحقيقة

стр. 464

الخلاف فيه. ولم يكن من عادة المؤلف أن يسمي كتبه ورسائله ويختار لها عناوين مناسبة في مقدماتها كما يفعله عامة المؤلفين المتأخرين، بل كان يبدأ في الكتابة في موضوع معين بعد البسملة أو الحمدلة بقوله: "فصل في ... " أو "قاعدة في ... "، وأحيانا يدخل في الموضوع مباشرة، أو يذكر سبب التأليف، دون أن يختار عنواناً محدداً له. وعندما يحيل في مصنفاته إلى كتبه ورسائله الأخرى يشير إلى موضوعها، أو يكتفي بقوله: "كما بُسِط ذلك في موضع آخر" ونحوه. وأكثر مؤلفاته ورسائله التي وصلت إلينا اختير لها عناوين في حياته أو بعد وفاته من قبل تلاميذه وأصحابه الذين قاموا بنسخها وتبييضها ونشرها، وعلى رأسهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن رُشَيِّق (ت ٧٤٩) كاتب مصنفات شيخ الإسلام، الذي كان أبصر بخط الشيخ منه، وإذا عزب شيء منه على الشيخ استخرجه (١). _________ (١) ترجمته في: ذيل مشتبه النسبة لابن رافع ٢٧ وتبصير المنتبه لابن حجر ٢/ ٦٠٥، ٦٠٦ وتاريخ ابن قاضي شهبة ٢: ١/ ٦٥٥، ٦٥٦ والبداية والنهاية ١٤/ ٢٢٩ وفيه "عبد الله بن رشيق"، وهو وهم أو خطأ مطبعي، وتبعه الزركلي في الأعلام ٤/ ٨٦، مع أن في الأعلام نفسه ١/ ١٤٤ صورة خط ابن رشيق هذا، وفيه اسمه الكامل كما ذكرت المصادر الأخرى، وكذا عند ابن عبد الهادي في العقود الدرية ٢٧ والذهبي في المشتبه ٣١٧.

стр. 465

وهذا أحد أسباب اختلاف العناوين لمؤلفات شيخ الإسلام، فكتابٌ واحد يذكره المترجمون له بعناوين مختلفة، وتصلنا نسخه الخطية بأسماء غريبة يستنبطها الناسخ أو القارئ أو المفهرس، ويغترّ بها الباحثون فيعدّونها كتبا مستقلة. وجُل من صنع من المُحْدَثين فهرساً لمؤلفات الشيخ في دراسات مفردة أو مقدمات التحقيق لكتب الشيخ وقع في هذا الوهم. وعذرهم في ذلك أنهم في أغلب، الأحيان لم يطلعوا على هذه النسخ، ولم يقوموا بالمقارنة بينها، حتى يصلوا إلى حقيقتها، وإنما نظروا في فهارس المخطوطات التي تذكر هذه العناوين المختلفة، فظنوها كتباً مختلفة. والواجب على من يريد معرفة العنوان الصحيح أو الأقرب إلى الصواب لكتاب من كتب شيخ الإسلام أن يرجع إلى القوائم الأساسية لمؤلفاته التي أعدَّها تلاميذ الشيخ وأصحابه. وأكثرها جمعاً واستيعاباً ثلاث قوائم عملها ابنُ رُشَيِّق المذكور، وابن عبد الهادي (ت ٧٤٤)، والصفدي (ت ٧٦٤). أمّا ابن رُشَيق فله "رسالة في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية" نشِرت منسوبةً لابن القيم (ت ٧٥١) (١) بالاعتماد على نسخة خطية منها توجد في دار الكتب الظاهرية بدمشق. وقد عثرتُ على نسخة أخرى منها، وهي وإن كانت ناقصة إلاّ أن فيها زياداتٍ على المطبوعة، وتحتوي على نصوصٍ اقتبسها ابن عبد الهادي في العقود _________ (١) بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ٢٨/ ١٩٥٣/٣٧١ - ٣٩٥. ثم صدرت لها طبعات مستقلة.

стр. 466

الدرّية (ص ٢٧ - ٢٨) وصرَّح بنسبتها إلى ابن رشيق، وأشار إلى القائمة التي صنعها. وكشفت المقابلة بين المخطوطة الثانية وبين المطبوعة عن أمر مهمّ آخر، وهو أن ناسخ النسخة التي كان عليها الاعتماد في النشر (وهو الشيخ جميل العظم) تصرف في إثبات العناوين تصرفاً عجيباً، حيث اختصرها وهذبها وجعلها على نمط واحدٍ، وقدم وأخّر، وحذف ما لم ير فيه فائدة، وهذا نموذج من المخطوطة الثانية والمطبوعة يظهر به الفرق بينهما: المخطوطة المطبوعة سورة اقرأ باسم ربك ٨٤ - تفسير سورة اقرأ باسم ربك. * فسَّرها وبيَّن أنها أول سورة أنزلت وبيَّن أنها تضمنت أصول الدين، في مجلد لطيف. قل هو الله أحد ٨٩ - تفسير سورة الإخلاص في مجلد. * فسَّرها في مجلد * وتكلم في مجلد لطيف على كونها

стр. 467

تعدل ثلث القرآن، وتفضيل القرآن بعضه على بعض. * وله قواعد في التفسير مجملة، تكلم فيها على المصنفات وعلى المفسرين، وما هو متصل وغير متصل، ومن يعتمد عليه ومن لا يعتمد عليه، رأيت منها نحو مجلد كبير. * وكتب قاعدة كبيرة في هذا المعنى * وله جواب في تفسير البغوي والقرطبي والزمخشري أيها أفضل؟ * وله قاعدة في فضائل القرآن. ٩٠ - قاعدة في فضائل القرآن. ولعلّ الشيخ جميل العظم أرَاد تهذيب العناوين والأسماء من أجل كتابه الذي ألّفه بعنوان "عقود الجوهر في تراجم من له خمسون تصنيفًا فمائة فأكثر"، ولو أنه حافظ على الأصل كما هو ولم يتصرف فيه لكان أجدى وأنفع وأوثق وأدقّ في وصف الكتب والدلالة على ما أراد المؤلف بيانه.

стр. 468

هذا ما ٍيتعلق بالقائمة التي أعذها ابن رُشَيق، والتي نُسبت إلى ابن القيم خٍطأ، فأوقعت جمهرةً من الباحثين والدارسين والمحققين في الوهم خلال خمسة وأربعين عاماً. أما ابن عبد الهادي فذكر قائمة من مؤلفات الشيخ في العقود الدرية (ص ٢٦ - ٦٤) وقال في آخرها: "وسأجتهد إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا. وأبين ما صنَّفه منها بمصر، وما ألَّفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن. وأرتّبه ترتيبا حسناً غير هذا الترتيب، بعون الله تعالى وقوته ومشيئته". ولا ندري هل وجد ابن عبد الهادي فرصة لصنع هذا الفهرس أم لا؟ ورتَّب الصفدي قائمة مؤلفات الشيخ على الموضوعات في ترجمته في "الوافي بالوفيات" و"أعيان العصر"، واعتمد عليه ابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤) في ترجمة الشيخ في "فوات الوفيات". هذه القوائم الأساسية إذا اتفقت على عنوان الكتاب فلا يُعدَل عنه إلى غيره مما هو مثبت على مخطوطاته المختلفة إلاّ إذا كان ذلك العنوان بخط المؤلف نفسه، فيرجَّح على غيره. أما إذا اختلفت في ذكر العنوان فيكون الترجيح للاسم الذي يكون مطابقاً لإحدى النسخ الخطية القديمة التي وصلتنا. لننتقل الآن إلى الكتاب الذي بين أيدينا، ولنبحث عن عنوانه الصحيح بعدما رأينا أن المفهرس أو أحد القراء وقع في الخطأ

стр. 469

عندما أثبت عنوانه "في الاستحسان والقياس"، وبيّنا سبب وقوعه في الخطأ. وإذا رجعنا إلى القوائم الأساسية التي أشرنا إليها وجدنا أن ابن رشيق لم يُشِر إلى هذا الكتاب، أو بعبارةٍ أدق: لم نجد ذكره في النسخة المهذّبة المختصرة المنشورة من الكتاب، ولعلّه ذكره في الأصل الذي لم يصل إلينا إلاّ نصفُه تقريباً بصورته الأصلية. أما الصفدي فذكر هذا الكتاب بعنوان "قاعدة في الاستحسان" في الوافي بالوفيات (٧/ ٢٧) وأعيان العصر (١/ ٣٥ أ [عاطف أفندي ١٨٠٩]) وتبعه ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات (١/ ٧٨)، وعن ابن شاكر نقل محمود شكري الآلوسي في غاية الأماني في الردّ على النبهاني (١/ ٣٨٤)، وكلهم ذكروا الكتاب ضمن المؤلفات في أصول الفقه. ووجدت عند ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ٤٥) كتاباً بعنوان "قاعدة في الإحسان"، وربّما يكون "الإحسان" تصحيفاً عن "الاستحسان"، فقد جاء ذكره في سياق كتب الفقه والأصول، وسبق أن ذكر (ص ٤٨) "قاعدة في الإيمان المقرون بالإحسان، وفي الإحسان المقرون بالإسلام" فلا وجه لتكراره إلاّ أنني رجعت إلى طبعات أخرى لكتاب العقود الدرّية، فوجدتُ جميعها تتفق على إثبات العنوان المذكور، فترددتُ في القول بوقوع التصحيف فيه. ولم أجد الآن نسخاً خطية من الكتاب لأحقق هذا الأمر. ولم أجد من ذكر هذا العنوان غير المؤلفين الثلاثة (إذا استثنينا ابن عبد الهادي)، وهو العنوان الموافق لمضمون الكتاب الذي بين

стр. 470

أيدينا، فلم أعدِلْ عنه إلى غيره. وأثبتُّه على الغلاف، وإن كانت نسخة المؤلف خالية منه، لما ذكرتُ من أن هذا العنوان وُضِع من قبل أحد تلاميذ الشيخ وأصحابه، فيرجح على ما يستنبطه أحد المفهرسين أو القراء. • توثيق نسبته إلى المؤلف قرّرنا فيما سبق أن لشيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً بعنوان "قاعدة في الاستحسان"، إلاّ أن هذا لا يكفي لصحة نسبة الكتاب الذي بين أيدينا إليه ما لم تكن هناك أذلة أخرى مقنعة تؤكد ذلك، وبعد الدراسة المتأنية له والرجوع إلى بعض المصادر يظهر لنا جليًّا أنه من تأليف شيخ الإسلام، وأنه الكتاب الذي أشار إليه المترجمون له. أما أنه من تأليفه فأكبر دليل على ذلك أنه مسوّدة كتبها بخطه، كما هو واضح لكل من اطلع على شيء من مؤلفاته بخطه المعروف والموصوف بالسرعة وكونه في غاية التعليق والإغلاق (١)، حتى أن كثيرا من أصحابه عجزوا عن نقله، وكان هذا أحد أسباب ضياع كثير من مؤلفاته. يقول ابن عبد الهادي: "كان كثيرا ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا، ويُسأل عن الشيء فيقول: قد كتبتُ في هذا فلا يُدرَى أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه ويقول: رُدُّوا خطي وأَظْهِروه لِيُنْقَلَ، فمن حرصهم عليه لا يردُّونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب، _________ (١) تتمة المختصر لابن الوردي ٢/ ٤٠٨.

стр. 471

ولا يعرف اسمه" (١). والكتاب الذي بين أيدينا نموذج من هذا الخط الدقيق، ولعلّه بقي عند بعض أصحابه، ولم تُنسخ منه نسخ، ولا انتشر ذكره مثل بقية مؤلفاته المشهورة، فلم نجد له ذكراً في فهارس المخطوطات، بل المكتبة التي تحتفظ بهذا المخطوط الفريد لا يُوجد في فهارسها ذكرُه، ولذا بقي مجهولاً لدى الباحثين إلى يومنا هذا. ومما يدكُ على أنه لشيخ الإسلام أن في الكتاب إشارة إلى كتاباته الأخرى في موضعين: ١ - بعدما قرَّر أن القياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال، قال: "وهذا هو الصواب، كما قد بسطناه في مصنَّفٍ مفرد، بمناسبة أنه ليس في الشرع شيء بخلاف القياس الصحيح أصلاً" (ص ١٩٧ - ١٩٨). يشير هنا إلى رسالته في معنى القياس، وهي من مؤلفاته المطبوعة والثابتة النسبة له (٢). ٢ - قال: "وقد بّينّا في غير هذا الموضع أنّ الأحكام كلّها بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام كلّها معلّلة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضًا متناولة لجميع الأحكام " (ص ٢٠٦ - ٢٠٧). يشير هنا إلى " قاعدة في شمول النصوص للأحكام"، حيث أطال الكلام في هذا الموضوع، وقرَّر أن النصوص وافية _________ (١) العقود الدرية ٦٥. (٢) انظر تعليقي على الموضع المذكور.

стр. 472

بجمهور الأحكام، ومن أنكر ذلك لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله وشمولها لأحكام أفعال العباد. وهذه القاعدة مذكورة ضمن مؤلفات الشيخ في "العقود الدرية" (ص ٤٥). وفي الكتاب موضوعات عديدة بحث فيها شيخ الإسلام في كتبه ورسائله الأخرى، وتكلم عليها بنحو الكلام الذي نجده هنا، ورجّح ما رجَّحه هنا، وهذا التوافق لا يدع مجالاً للشك في أن الكتاب للمؤلف نفسه. والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد أشرت في تعليقي إلى هذه المواضع. وهذه نماذج منها: الموضوع - الكتاب - مجموع الفتاوى قياس المشركين ٥٣ ,٢٠/ ٥٣٩ ,٥٤٠ و ١٩/ ٢٨٧ إذا صلى الإمام قاعداً كيف يفعل المأمومون ٥٤ - ٥٥ ,٢٣/ ٢٤٩ و ٤٠٥ ,٤٠٦ الكلام على من يجعل إجارة الظئر على خلاف القياس ٦١ ,٢٠/ ٥٣١ ,٥٣٢ و ٣٠/ ١٩٧ - ٢٠٠ الكلام على من يجعل الإجارة والقراض على خلاف القياس ٦١, ٢٠/ ٥١٤, ٥١٥ الكلام على خبر المصرّاة ٦٧, ٢٠/ ٥٥٦ - ٥٥٨ الكلام على من جعل حمل العاقلة على خلاف القياس ٦٧, ٢٠/ ٥٥٢ - ٥٥٤ العلّة نوعان: تامّة ومقتضية

стр. 473

أولاً ٦٩ - ٧٠, ٢٠/ ١٦٧, ١٦٨ و ٢١/ ٣٥٦, ٣٥٧ هل العقوبة المالية منسوخة؟ ٧٣, ٢٨/ ١١١ وما بعدها تضعيف الغرم على مَن دُرِئَ عنه القطعُ ٧٣, ٢٨/ ١١٣, ١١٨ - ١١٩, ٣٣٣ نهي الإمام أحمد عن التأويل والقياس ٧٤, ٧/ ٣٩٢ معنى "المجمل" في كلام الأئمة ٧٤, ٧/ ٣٩١ محلّ سجود السهو عند الإمام أحمد ٧٥ - ٧٦, ٢٣/ ١٧ وما بعدها نفي كون علّة الربا هي الوزن ٧٨, ٢٩/ ٤٧١ القياس الصحيح والقياس الفاسد ٧٩, ١٩/ ٢٨٥ - ٢٨٨ هل يقاس على المعدول به عن سَنن القياس؟ ٨٢ - ٨٣, ٢٠/ ٥٥٥, ٥٥٦ القصر في السفر الطويل والقصير ٨٧, ٢٤/ ٣٤ - ٣٥, ١٢ - ١٣, ١٥ منع قصر المكيين مخالف للسنّة ٨٧, ٢٠/ ٣٦١ - ٣٦٢, ٢٤/ ١٠ - ١١, ٢٦/ ١٣٠

стр. 474

مناقشة أدلة القائلين بالتيمم لكل صلاة ٩٤ - ٩٦, ٢١/ ٣٥٤ - ٣٦١, ٤٣٥ - ٤٣٨ معنى قول النبي ﷺ : "أصليتَ بأصحابك وأنت جنب؟ " ٩٦ - ٩٧, ٢١/ ٤٠٤ - ٤٠٥ المضارب إذا خالف: ماذا يستحق؟ ٩٧ - ٩٩, ٣٠/ ٨٥ - ٨٦, ٩١, ٢٨/ ٨٤ - ٨٥ تصرّف الفضولي ٩٩, ٢٠/ ٥٧٧ القول بوقف المعقود ١٠١, ٢٠/ ٥٧٩ - ٥٨٠, ٢٩/ ٢٤٩ السنة في اللقطة ١٠١, ٢٠/ ٥٧٧, ٢٩/ ٢٥٠ أثر عمر بن الخطاب في المضارب واختلاف العلماء في المسألة ١٠٢, ٣٠/ ٨٧, ٣٢٣, ٣٢٩ تصرّف الغاصب ١٠٢, ٢٠/ ٥٦٢ - ٥٦٣ من غصب أرضا فزرعها فالزرع لرب الأرض وعليه النفقة، مناقشة من قال: إنه على خلاف القياس ١٠٤ - ١٠٥, ٢٩/ ١٢٤ شراء المصحف واستبداله ١٠٦, ٣١/ ٢١٢ - ٢١٣ بيع الأرض الخراجية، الرد على من منع منه لأنها وقف ١٠٧ - ١٠٩, ٢٩/ ٢٠٦ - ٢٠٩, ٢٨/ ٥٨٨ - ٥٨٩, ٣١/ ٢٣٠ -

стр. 475

٢٣١، ١٧/ ٤٨٨ - ٤٨٩ قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر ١٠٩ - ١١٠, ١٥/ ٢٩٩ قبول شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ١١١, ١٥/ ٢٩٩ من نذر ذبح نفسه أو ولده ماذا عليه؟ ١١٢ - ١١٣, ٣٥/ ٣٤٣ - ٣٤٥ وأخيراً فإن ما نقله ابن القيم في "بدائع الفوائد" (٤/ ١٢٤ - ١٢٦) من هذا الكتاب يعتبر دليلاً قاطعا على صحة نسبته إلى شيخ الإسلام، وهو وإن لم يصرّح بعنوان الكتاب فانه ينقل النصوص منه بقوله: "ونازعهم شيخنا ... " و"قال شيخنا". وهي متطابقة تماماً مع النصوص الموجودة في الكتاب (ص ١٦٦ - ١٨٣) وقد علَّق ابن القيم على هذه المقتبسات أحيانا، وميَّز تعليقاته بقوله "قلت". واختصر بعض النصوص، وحذف بعض الكلام، فلم ينقل منه إلاّ ما يدلّ على المقصود. ولاحظت في مطبوعته تصحيفات في مواضع ينبغي أن تصحح بعد المقابلة مع هذا الأصل المنقول منه. • تاريخ تأليفه لا نستطيع أن نحدّد في ضوء المعلومات التي لدينا متى ألّف شيخ الإسلام هذا الكتاب، فلم تسعفنا المصادر بشيء يفيدنا في هذا الباب، ولا تحمل النسخة أيّ إشارة إلى التاريخ الذي فرغ فيه المؤلف من تأليفه. أما الموضوعات المشتركة التي بحث عنها هنا وفي رسائله

стр. 476

وكتبه الأخرى فلا يمكن استنباط التقدم والتأخّر في ضوئها، لأنّ المؤلف كثيراً ما يكرّر فكرة معينة في مؤلفاته وفتاواه، فلو استطعنا معرفة تواريخ بعضها فهذه لا تُرشدنا إلى تاريخ تأليف هذا الكتاب، وهل كان ذلك قبلها أو بعدها. ولكني أكاد أجزم بأنه ألَّفه في أواخر حياته، وبالتحديد بعد سنة ٧١٢. والدليل على ذلك أن المؤلف أحال فيه (ص ١٩٧) إلى رسالته في معنى القياس، وهي عبارة عن جواب سؤال سُئِل فيه عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس. وكان السائل مجهولاً (١) حتى وجدت في إعلام الموقعين (١/ ٣٨٣) أن ابن القيم هو الذي كان وجَّه هذا السؤال إلى شيخه، كما ذكر ذلك بنفسه. ولشدّة إعجابه بهذا الجواب أورد معظمه في كتابه المذكور (١/ ٣٨٤ - ٤٠١ ثم ٢/ ٣ - ٣٨) مع التعليق عليه في مواضع. وتفيدنا بعض المصادر (٢) أن ابن القيِّم لازم شيخه ستة عشر عاماً (أي ٧١٢ - ٧٢٨) حتى رافقه في سجنه في آخر حياته. وعلى هذا فيكون كتابه في معنى القياس من مؤلفات هذه الفترة قطعاً، ويكون الكتاب الذي بين أيدينا قد ألف بعده. وهذا يناسب ما ذكره بعضهم (٣) من أن شيخ الإسلام بعد رجوعه من مصر إلى الشام سنة ٧١٢ تفرغ للتأليف وكتابة الرسائل والأعمال العلمية الأخرى، _________ (١) في مجموع الفتاوى ٢٠/ ٥٠٤ وغيره بصيغة "سُئِل شيخ الإسلام ... ". (٢) الدرر الكامنة ٣/ ٤٠١. (٣) البداية والنهاية ١٤/ ٦٧ والعقود الدرية ٣٢١.

стр. 477

وكانت من أخصب فترات عمره التي ألف فيها كثيرا. من كتبه. • سبب تأليفه أشار المؤلف في مقدمة الكتاب إلى سبب تأليفه، فذكر أن المؤلفين في الأصول خاضوا في مباحث الاستحسان وتخصيص العلّة، والقياس على موضع الاستحسان وادعوا في بعض الأحكام التي ثبتت بالنصّ والإجماع أنها مخالفة للقياس، واضطربوا فيها غاية الاضطراب. وكانت الحاجة ماسة إلى تحقيق القول فيها، لأنّ كثيرا من مسائل الشريعة أصولها وفروعها لها علاقة بهذه الموضوعات. وهذا ما دعا المؤلف إلى الكتابة في هذا الباب وتحرير الكلام فيه، وبيان وجه الخلاف بين القائلين بالاستحسان والمانعين منه، وأن الخلاف بين الفريقين حقيقي، وليس لفظيًّا كما ذكره عامّة الأصوليين. ويبدو لي أنه عندما وجد أبا يعلى وأبا الخطاب الكلوذاني وابن عقيل وغيرهم من الأصوليين الحنابلة سايروا الحنفية في القول بالاستحسان وتعريفه بأنه مخالفة القياس لدليل، ونصّوا على أنه مذهب الإمام أحمد، ونقلوا عنه مسائل قال فيها بالاستحسان-: أراد أن يبيّن وجه الحق والصواب في هذه القضية، وأن الإمام أحمد وغيره من أصحاب الحديث لم يقولوا بالاستحسان الذي قال به الحنفية، وأن هناك خلافاً منهجيا كبيراً بين الفريقين في هذا الباب، وأن المسائل الاستحسانية التي نقلت عن الإمام أحمد ليست مخالفة للقياس، وأن القياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال من الأحوال.

стр. 478

هذه الأمور وغيرها كانت تحتاج إلى البسط والتفصيل والحجاج والمناقشة، فنشط لها المؤلف، وألّف هذا الكتاب الذي أتى فيه بنظرات جديدة حول الموضوع، وتناوله بطريقةٍ لم يُسْبَق إليها. • منهج المؤلف فيه للمؤلف منهج متميّز لا يحيد عنه في جميع مؤلفاته، فهو يعتمد على الكتاب والسنة وأقوال السلف في الكلام على أي مسألة، سواء كانت في العقيدة أو الأصول أو المصطلح أو التفسير أو الفقه أو غيرها، وينقل المذاهب والآراء من المصادر المعتمدة لدى أصحابها، ولا ينسب إليهم إلاّ ما يقولون به ملتزماً الأمانة العلمية في ذلك. ثم يُعلّق على كلامهم ويناقشهم بالحجج والبراهين، ويبين وجه خطئهم، ومدى قربهم أو بعدهم من منهج السلف. ويحرّر القول في المسألة تحريراً بالغاً، ويردّ على جميع الشُبَه والاعتراضات التي قد ينخدع بها العامة والخاصة، ويستطرد أحياناً إلى موضوعات أخرى يأتي فيها بفوائد علمية جليلة. كل ذلك بأسلوب سهلٍ ميسَّر يجري كالماء سلاسةً وعذوبة، يكاد يفهمه الجميع: المتعلم منهم وغير المتعلم. وقد انتقد المؤلف الأسجاع والزخارف اللفظية التي يلجأ إليها عامة الكتاب والأدباء، فقال: "وأما تكلف الأسجاع والأوزان والجناس والتطبيق ونحو ذلك مما تكلفه متأخرو الشعراء والخطباء والمترسلين والوعاظ فهذا لم يكن من دأب خطباء الصحابة والتابعين والفصحاء منهم، ولا كان ذلك مما يهتمّ به العرب، وغالب من يعتمد ذلك يزخرف اللفظ بغير فائدة مطلوبة من المعاني،

стр. 479

كالمجاهد الذي يزخرف السّلاح وهو جبان" (١). فهو ينزّه أسلوبه عن الزخارف والأسجاع والتعقيدات اللفظية والمعنوية، ويكتب بأسلوب سلس فصيح يُعبِّر بوضوح عن المعاني والأفكار التي يرمي إليها، ولا يُبقِي أيّ غموض أو إبهام فيها. هذه ملامح عامة من منهجه وأسلوبه في الكتابة، نجدها بارزةً في هذا الكتاب أيضًا مثل بقية مؤلفاته، فهو ينقل أولاً عن الأصوليين ما قالوه في هذا الباب، ثم يعلق على كلامهم ويناقشهم، ويبيّن وجه الخطأ والصواب عندهم، ويحرّر المسألة تحريراً بالغاً بأسلوبه الذي عرفناه، مستنداً في كل ذلك إلى الكتاب والسنّة وأقوال السلف الصالح، كما سنرى ذلك فيما بعد إن شاء الله. • مصادره إن أهمّ مصدرٍ رجع إليه المؤلف عند كتابته في هذا الموضوع: كتاب "العدَّة" لأبي يعلى، فقد نقل عنه نصوصا عديدة في مواضع مختلفة، وصرَّح فيها باسم أبي يعلى أو لقّبه بالقاضي، وكان اعتماده عليه دون غيره من كتب الأصول لأنه من أجمعها عند الحنابلة، وكلُّ من جاء بعده مثل الكلوذاني وابن عقيل وغيرهما اعتمدوا عليه في مؤلفاتهم، ولذا أحال إليه المؤلف ونقل عنه نصوصا في مبحث الاستحسان (ص ١٦٧، ١٧٥ - ١٧٦)، ومبحث تخصيص العلة (ص ١٨٠ - ١٨٢) ومبحث القياس على المخصوص من القياس (ص ١٩٨ - ٢٠٠، ــ (١) منهاج السنة النبوية ٤/ ١٥٨، ١٥٩ (ط. بولاق).

стр. 480

٢٠٠ - ٢٠١، ٢٠٢ - ٢٠٣، ٢٠٤). وهي عند أبي يعلى في العدّة (٥/ ١٦٠٥ و ١٦٠٧ - ٤/ ١٣٨٦ - ١٣٨٨, ١٣٩٤, ١٣٩٧ - ١٤٠١, ١٤٠٢, ١٤٠٣, ١٤٠٨). وكذلك ما يتعلق باستحسانات الإمام أحمد بن حنبل برواية صالح والميموني والمَزُوْذِيّ وبكر بن محمد (ص ١٧٢ - ١٧٤) يبدو أنه منقول عن العدة (٥/ ١٦٠٤ - ١٦٠٥) أيضًا. وكذا ما ذكره عن الإمام أحمد برواية [أحمد بن] الحسين بن حسّان، وما ذكره عن ابن شاقلا في "شرح الخِرَقي "، وما ذكره عن أبي الحسن الخرزي في "جزء فيه مسائل من الأصول" (ص ١٨١ - ١٨٢) -: كله بواسطة كتاب "العدّة" (٤/ ١٣٨٦ - ١٣٨٧). وهناك مؤلفون آخرون في الأصول أشار إلى آرائهم وإن لم يقتبس نصوص كلامهم، وهم: - أبو الخطّاب الكلوذاني (ص ١٧٤، ١٨٠، ١٨٢)، وآراؤه المشار إليها في كتابه "التمهيد" (٤/ ٩٢، ٦٩). - ابن عَقيل) ص ١٧٤، ١٨٠، ١٨٤)، وآراؤه المذكورة في كتابه "الواضح " (١/ ١٤٤ أ، ١٤٤ ب، ١٤٥ أ). - أبو الحسين البصري (ص ١٧٨)، كلامه في كتابه "المعتمد" (٢/ ٨٣٩). - الجصّاص الرازيّ (ص ١٧٨)، قوله في كتابه "الفصول في الأصول" (ق ٢٩٧ أ- ب). - أبو حامد المروزيّ وأبو الطيب الطبري (ص ١٨٤) كلاهما

стр. 481

من أئمة الشافعية، لا أدري هل ذكر المؤلف رأيهما بالاعتماد على كتبهما أو بواسطة مصدر آخر؟ أما المسائل الفقهية فلا يذكر المؤلف مصادره فيها غالباً؟ لأنه كان حافظاً لها. وقد صرح بالنقل عن مختصر الخرقي (ص ٢١٥، ٢١٦) في موضعين فقط. وكذلك الأمر بشأن الأحاديث والآثار، فإنها كانت على طرف لسانه، حتى قيل: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث " (١). وفي موضع واحد فقط قال بعد إيراد حديث: "رواه البخاري " (ص ٢٢٥). وأشار في موضع إلى كتب الإمام مالك وأصحابه، بشأن ورود لفظ الاستحسان فيها (ص ١٦٥)، كما أشار إلى كلام الشافعي في إبطال الاستحسان (ص ١٦٦). هذه بعض المصادر التي نقل عنها أو أشار إليها، وسنرى فيما بعد أنه لم يقتصر على النقل والاقتباس، بل علَّق على كلّ نصّ بما يُؤيِّده أو يُفنِّده مع ذكر الدليل على ذلك. • تحليل مباحث الكتاب ورأي المؤلف في الاستحسان خصّص المؤلف هذا الكتاب لدراسة مبحث الاستحسان، فبيَّن معناه، وذكر اختلاف العلماء فيه، وفضَل القول في تحرير محل النزاع بينهم، وذكر أنواع الاستحسان عند القائلين به، وهل الاستحسان تخصيص العلة أم لا؟ ودرس تلك المسائل التي يقال إنها استحسان _________ (١) العقود الدرية ٢٥.

стр. 482

على خلاف القياس، وبيّن وجهَ ذم بعض الأئمة له تارةً والقول به أخرى، وجاء فيه بتحقيقات من عنده، ونظرات في هذا الموضوع لم يُسبَق إليها. وقبل أن نقوم بتحليل هذه المباحث ودراسة آراء المؤلف فيها، ينبغي الإشارة إلى أن بعض الباحثين لم يتعرضوا لموضوع الاستحسان عند شيخ الإسلام (١)، بسبب عدم عثورهم على هذا الكتاب، وحاول آخرون أن يجمعوا نتفاً من كلامه من كتبه ورسائله، ومنهم الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الذي توصل بعد دراستها إلى أن شيخ الإسلام جعل الاستحسان قسمين (٢): ١ - الاستحسان بمجرد الرأي، وهذا يَرُده، ويعتبر القول به شرعاً في الدين بما لم يأذن به الله، ويعتبر كل استحسان خالف النصَّ بالرأي استحسانا باطلاً لا يجوز القول به ولا اعتباره. ٢ - الاستحسان لدليل، وهو العدول عن القياس لما هو أقوى منه، وهذا القسم يقول به ابن تيمية. واستند في ذلك إلى قوله: "فنجد القائلين بالاستحسان الذين تركوا القياس لنمن خيراً من الذين طردو القياس وتركوا النص" (٣). _________ (١) الدكتور صالح بن عبد العزيز آل منصور في رسالة الدكتوراه التي قُدِّمت إلى كلية الشريعة بجامعة الأزهر سنة ١٣٩٦، وطبعت بعنوان "أصول الفقه وابن تيمية" (القاهرة ١٤٠٠). (٢) انظر: أصول مذهب الإمام أحمد ٥١٢ - ٥١٣ (الرياض ١٣٩٧). (٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٤٦.

стр. 483

وأنه رُوي عن أحمد مسائل قال فيها بالاستحسان، ونقل جملة من تفسيرات الاستحسان، وذكر أن مردّ القول به إلى ترجيح أحد الدليلين على الآخر. ولم يعترض على شيء من ذلك حيث قال بعد نقل كلام الحلواني: "وهذا الكلام منه يقتضي أن الاستحسان ترجيح أحد الدليلين على الآخر، وهذا معنى قول القاضي. ولفظ الاستحسان يؤيد هذا، فإنه اختيار الأحسن، وإنما يكون في شيئين حسنين، وإنما يوصف القول بالحسن إذا جاز العمل به لو لم يعارض" (١). أما الأستاذ حمزة زهير حافظ فأشار أوّلاً إلى ذكر شيخ الإسلام لأمثلة الاستحسان التي وردت عن الإمام أحمد، ونسبة القول به إلى أصحاب أبي حنيفة، وإنكار الشافعي له، وعقّب عليه بقوله: "ولم يبين مقصد الشافعي من إنكاره" (٢). ثم نقل عن المسودة كلام الحلواني السابق وتعليق شيخ الإسلام عليه، وقال: "كلام ابن تيمية هنا ينبّهنا على نقطة مهمة، وهي: أن تركنا للقياس في مواضع معينة لا يعني القدح في هذا الأصل الشرعي، بل إن القياس في المسألة التي تركناه فيها دليل قويٌ في نفسه، لولا أن جاء دليل أقوى منه، فقدمناه عليه. وهذا لا يقدح مطلقاً فيه. بل إن ابن تيمية أشار إلى أن اتباع القياس حسن، ولذلك وصف الدليل _________ (١) المسودة ٤٥١ - ٤٥٤. (٢) الاستحسان بين المثبتين والنافين: ١١٢ (رسالة ماجستير قدّمت إلى كلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة).

стр. 484

المعارض الذي يكون أقوى منه وصفه بأنه حسن" (١). ثم تعرّض لموضوع: هل الاستحسان من باب تخصيص العلة أم لا؟ ونقل عن المسوَّدة نصًّا في ذلك. وجاء باحث آخر، وهو الدكتور عمر بن عبد العزيز، فتوصل بعد دراسته لرسالة شيخ الإسلام في معنى القياس إلى أنه منع من إطلاق "المخالف للقياس" على ما ثبت شرعاً على الوجه المخصوص، وأن المسائل الفقهية التي قيل بمخالفتها للقياس بيَّن شيخ الإسلام موافقتَها له، ولكنّه بعد ذلك جعله من القائلين بالاستحسان، الذي يلتقي في بعض أنواعه مع المعدول به عن القياس، أو ما يسمى بالمخالف للقياس، واعتبر هذا موقفاً آخر، وحاول التوفيق بين الموقفين وقال: "إن اعترافه بالاستحسان وإنكاره للمخالف للقياس ينسجمان انسجاماً لا يشوبه شبهة التعارض ... ذلك أنه إنما أنكر اسم "خلاف القياس" لما ثبت شرعاً، لإفضائه إلى اللوازم الستة التي سبق ذكرها، إذ كان فيه إشعار بثبات ذلك القياس بالنسبة لهذا الذي أفرد بحكم آخر بدليل شرعي آخر ... أما الاستحسان فإنه يُشعِر بأن دور القياس المعدول عنه قد انتهى بالنسبة لهذا الذي أفرد بحكم، وأنه ما ينبغي أن يدخل هذا الفرد في نطاقه، ويأخذ حكمه، فلا يستلزم أيًّا من تلك اللوازم الستة الباطلة. أضف إلى، ذلك أن اسم الاستحسان يُشعِر بالمدح والثناء"!! (٢). _________ (١) المصدر السابق: ١١٣. (٢) المعدول به عن القياس- حقيقته وحكمه وموقف شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية منه: ٤٥ (المدينة المنورة ١٤٠٨).

стр. 485

هذه آراء بعض الباحثين الممتازين في بيان موقف شيخ الإسلام من الاستحسان، حيث ذكروا أنه من القائلين به إذا كان الاستحسان لدليل، وهو العدول عن القياس لما هو أقوى منه، وأن الاستحسان هو اختيار الأحسن، وأن ترك القياس في مواضع معينة لا يعني القدح فيه، فإنّه يحرك لدليل أقوى منه. ولو أنهم اطلعوا على هذا الكتاب لعرفوا أن جميع ما توصلوا إليه خلاف ما قرَّره شيخ الإسلام هنا، وأن ما استنبِط من كلامه ليس رأيَه الصريح في هذه القضية، بل هو نقل عن الآخرين وتوجيهٌ لأقوالهم وبيان لما يقصدون إليه. وسنعرض فيما يلي مباحث الكتاب لنعرف موقف شيخ الإسلام من الاستحسان ومن القائلين به والمانعين منه، ومدى موافقته لأحد الفريقين، وكيف ينظر إلى تلك المسائل التي قيل فيها: إنها استحسان على خلاف القياس. بدأ المؤلف كتابه بخطبة الحاجة، وبيان سبب التأليف الذي سبق الحديث عنه، ثم ذكر التعريف المشهور للاستحسان وهو أنه مخالفة القياس لدليل، وبيَّن اختلاف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب: فالظاهرية والمعتزلة والشيعة ينكرون هذا اللفظ مطلقا، وأبو حنيفة وأصحابه يقرّون به بهذا المعنى، ويجوّزون مخالفة القياس للاستحسان، ويعملون بالقياس فيما عدا صورة الاستحسان. والشافعي وأحمد ومالك وغيرهم يذمّون الاستحسان تارة ويقولون به تارةً. وكان الشافعي من أعظم الأئمة إنكاراَ له، وقد تكلم في إبطال الاستحسان وبسط القول في ذلك، ومع هذا فقد قال بلفظ الاستحسان في بعض

стр. 486

المواضع. ونُقِل عن أحمد أنه قال: "أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلافَ القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس. فَيَدَعُون الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان. وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه". بيَّن المؤلف مراد أحمد من هذا القول، وهو أنه يستعمل النُّصوص كلَّها، ولا يقيس على أحد النصين قياساً يُعارضُ النص الآخر، كما يفعل الحنفية، حيث يقيسون على أحد النصين، ثمَّ يستثنون موضع الاستحسان إمّا لنصَّ أو غيره، فينقضون العلَّة التي يدّعون صحتها مع تساويها في محالّها. أمّا أحمد فيوجب طرد العلَّة الصحيحة، ويقول: إن انتقاضها مع تساويها في محالِّها يُوجب فسادها، وبالتالي فساد القياس المبنيّ على تلك العلة المزعومة. ثم شرح المؤلف الفرق بين المنهجين بذكر بعض الأمثلة على ذلك، وتوصَّل إلى أن منهجَ فقهاء الحديث كيحيى بن سعيد والشافعي وأحمد وغيرهم العملُ بالنّصين الواردين في المسألة، وعدمُ قياسِ أحدهما على الآخر قياساً يناقض الآخر، أو جعلُ أحدهما منسوخاً بالثاني. بعد بيان هذا الفرق بين المنهجين ذكر المسائل التي قال فيها أحمد بالاستحسان، وأشار إلى أن أبا يعلى فهم منها ومن النص السابق عن أحمد أن المسألة على روايتين عنه: إبطال الاستحسان والقول به، وأنّ أبا يعلَى وأتباعَه كأبي الخطاب الكلوذاني وابن عقيل وغيرهما نصروا القولَ بالاستحسان كقول الحنفية، وفسّروه

стр. 487

كتفسيرهم، ووافقوهم في ذكر أنواعه، وهي: الاستحسان للكتاب، والاستحسان للستة، والاستحسان للإجماع، مع ذكر الأمثلة على ذلك. انتقل المؤلف بعد ذلك إلى نقطة أخرى، وهي: هل الاستحسان تخصيص العلَّة؟ فنقل أوّلاً اختلاف العلماء في جواز تخصيص العلَّة ومنْعِه، ثمَ ذكر أن القاضي أبا يعلى وابن عقيل وغيرهما يمنعون تخصيص العلَّة مع قولهم بالاستحسان، وأن أبا الخطاب الكلوذاني يختار تخصيص العلَّة موافقةً للحنفية. ونقل نصوصاً من كتاب أبي يعلى وحجج الفريقين ومناقشاتها مع ذكر الأمثلة على ذلك. ثم ذكر قولاً ثالثا في هذا الموضوع، وهو تقديم النص وخبر الواحد على قياس الأصول عند من يقول بذلك في حالة التعارض بينهما. وقولاً رابعاً، وهو أنه يجوز تخصيص العلَّة المنصوصة دون المستنبطة. وفي آخر هذا البحث ذكر أن النزاع بين الفريقين القائلين بجواز تخصيص العلة ومنعه إنما هو في علةٍ قام على صحتها دليل كالتأثير والمناسبة، وأما إذا اكتفي فيها بمجرد الطرد الذي يُعلم خلوُّه عن التأثير والسلامة عن المفسدات فكلهم متفقون على أن التخصيص يُبطِلُ تلك العلّة، وأنه لا عبرة بها عند أحد من العلماء. رأينا أن المؤلف نقل إلى هنا آراء الآخرين ونصوصهم في هذا الباب، ولم يعلّق عليها إلاّ في موضع واحد عندما بين مراد الإمام أحمد من قوله السابق ذكره. ولما انتهى من سرد المذاهب والأقوال بدأ في المناقشة والنقد وإبداء رأيه في الخلاف الذي دار حول هذا

стр. 488

الموضوع، فذكر أن التحقيق في هذا الباب أن العلة قد تطلق على العلّة التامة المستلزمة لمعلولها بحيث يمتنع تخلف الحكم عنها، فهذه لا يتصور تخصيصها ونقضها، ومتى انتقضتْ بطلتْ. وقد يُراد بالعلّة ما كان مقتضيا للحكم، أي أن فيها معنًى يقتضي الحكم ويطلبه وإن لم يكن موجباً، وتُسمَى المؤثّرة أو المقتضية أوّلاً، فهذه إذا انتقضت لفرقٍ مؤثر يُفرق به بين صورة النقض وغيرها من الصور لم تَفسُد. فمن قال: إنّ العلة لا يجوز تخصيصها مطلقاً لا لفواتِ شرطٍ ولا لوجود مانعٍ فهو مخطئٌ قطعاً، وقوله مخالف لإجماع السلف، فكلهم يقولون بتخصيص العلّة لمعنًى يُوجِب الفرق. ومورد النزاع في الاستحسان هو تخصيص العلّة بمجرّد دليلٍ لا يُبيِّن الفرقَ بين صورة التخصيص وغيرها، وهذه العلَّة إمّا أن تكون مستنبطةً أو منصوصةً: أ- فإن كانت مستنبطةً وخُصَّت بنصٍّ، ولم يبيّن الفرق المعنوي بين صورةِ التخصيص وغيرِها، فهذا أضعف ما يكون. وهذا هو الذي كان يُنكرِه كثيراً الشافعي وأحمد وغيرهما على من يفعله من أصحاب أبي حنيفة. لأن العلَّة المذكورة لم تُعلَم صحّتُها إلاّ بالرأي، فإذا عارضَها النصُّ كان مُبطِلاً لها، والنصُّ إذا عارضَ العلَّة دلَّ على فسادِها، كما أنه إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دلَّ على فساده. ب- وإن كانت منصوصة، وقد جاء نصن بتخصيص بعض صُور العلَّة، فهذا مما لا ينكره أحمد والشافعي وأصحابهما. كما إذا جاء نصّ في صورة، ونصّ يخالفه في صورةٍ أخرى، لكن بينهما

стр. 489

شَبَهٌ لم يقم دليلٌ على أنه مناط الحكم، فهؤلاء يُقرّون النصوصَ، ولا يقيسون منصوصاً على منصوص يخالف حكمه. ولكن الذين يدفعون بعض النصوص ببعض يقولون: الصورتان سواءٌ لا فرقَ بينهما، فيكون أحد النصين ناسخاً للآخر. ومثل هذا كثيرا ما يتنازع فيه فقهاء الحديث ومخالفوهم ممن يقيس منصوصاً على منصوصٍ، ويجعل أحدَ النصين منسوخاً لمخالفته قياسَ النص الآخر. وله أمثلة ذكر المؤلف كثيرا منها وقال: فهذا ونحوه من دفع النصوص البينة الصريحة بلفظ مجملٍ أو قياس هو مما كان ينكره أحمد وغيره. بقيت صورة، وهي أن يجيء نصّان بحكمين مختلفين في صورتين، وهناك صُوَرٌ مسكوت عنها، فهل يقال: القياس هو مقتضى أحد النَّصين، فما سكتَ عنه نُلحِقه به وإن لم نَعرِف المعنى الفارق بينه وبين الآخر؟ فهذا هو الاستحسان المتنازع فيهْ الذي يقول به أصحاب أبي حنيفة وكثير من أصحاب أحمد. أما الآخرون فيقولون: لابدّ أن يُعلَم الجامع أو الفارق، فليس إلحاق المسكوت عنه بأحد النصّين أولى من إلحاقه بالآخر. وإذا عُلِم المعنى في أحد النصَّين ولم يعلم في الآخر، وجاز أن يكون المسكوت عنه في معنى هذا ومعنى هذا لم يُلحق بواحدٍ منهما إلاّ بدليل. والتحقيق أنه إما أن يُعلَم استواء الصورتين في الصفات المؤثّرة في الشرع، وإما أن يُعلَم افتراقهما، وإمّا أن لا يُعلَم واحدٌ منهما. ففي الحالة الأولى متى ثبت الحكم في بعض الصور دون بعض عُلِم

стр. 490

أن العلَّة باطلة، فإن الشارع حكيم عادل لا يفرّق بين المتماثلين، فلا تكون الصورتان متماثلتين ثم يخالف بين حكميهما. فإنْ علم أنّه فرَّق بينهما كان ذلك دليلاً على افتراقهما في نفس الأمر، وإن لم يُعرَف الفرق. وإن عُلِم أنه سوى بينهما كان ذلك دليلاً على استوائهما. وإن لم يُعلَم هذا ولا هذا لم يجز أن يجمع ويُسَوّى إلاّ بدليلٍ يقتضي ذلك. وأحمد إنما قال بالاستحسان لأجل الفارق بين صورة الاستحسان وغيرها، وهذا من باب تخصيص العلّة للفارق المؤثر، وأنكر الاستحسان إذا خُصَّت العلَّة من غير فارقٍ مؤثرٍ، فإن مثل هذا الاستحسان المعدول به عن القياس المخالف له يقتضي فرقاً وجمعاً بين الصورتين بلا دليل شرعي. توضيح ذلك: أن القياس إذا لم ينصّ الشارع على عقته، ولكن رأى الرائي ذلك لمناسبة أو مشابهة ظنَّها مناط الحكم، ثمَ خص من ذلك المعنى صوراً بنص يعارضه كان معذوراً في عمله بالنصّ، لكن مجيء النصّ بخلاف تلك العلّة في بعض الصور دليل على أنها ليست علّةً تامةً قطعاً، فإنّ العلَّة التامة لا تقبل الانتقاض. وإن كان مورد الاستحسان أيضًا معنى ظنه مناسباً أو مشابهاً، فانه يحتاج حينئذٍ إلى إثبات ذلك بالأدلة الدالة على تأثير ذلك الوصف. فلا يكون قد ترك القياس إلاّ لقياسٍ أقوى منه، لاختصاص صورة الاستحسان بما يوجب الفرق بينها وبين غيرها، فلا يكون حينئذٍ لنا استحسان يخرج عن نص أو قياس. وعلى هذا فلا يكون

стр. 491

الاستحسان الصحيح عدولاً عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال. هذا هو الصواب كما قرَّره المؤلف في رسالته في معنى القياس أيضًا. وتنبني عليها مسألة أخرى ذكرها الأصوليون وفضَل المؤلف الكلام حولها، وهي مسألة القياس على صور الاستحسان المعدول بها عن سنن القياس، وهي من جنس تخصيص العلَّة والاستحسان، فمن جوَّز التخصيص والاستحسان من غير فارق معنوي قال: المعدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارقٍ معنوي، فلا يقاس عليه، وهم أصحاب أبي حنيفة. أما أصحاب مالك والشافعي وأحمد فقالوا: إذا عُرِف المعنى الفارق الذي لأجله ثبت الحكم فيها يجوز القياس عليها. وما ذُكر فيه أنه خالف القياس في صور الاستحسان، فلابدّ أن يكون قياسه فاسداً، أو يكون تخصيصه بالاستحسان فاسداً إذا لم يكن هناك فارقٌ مؤثر. هذا هو الصواب في هذا الباب، وهو الذي ينكره الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه، فإنهم لا يأتون بفرقٍ مؤثر بينهما. وحقيقة هذا كلّه أنه قد يثبت الحكم على خلاف القياس في نفس الأمر، فمن يقول بالاستحسان من غير فارقٍ مؤثر، وبتخصيص العلة من غير فارق مؤثر، وبمنع القياس على المخصوص من جملة القياس-: يثبت أحكاماً على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر. وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما،

стр. 492

فهم تارةً ينكرون صحَّة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان، وتارةً ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدّعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي، وتارةً ينكرون صحة الاثنين، فلا يكون القياس صحيحاً، ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحاً، بل كلاهما ضعيف. وبعدما انتهى المؤلف من بيان حقيقة الخلاف في هذه القضية عقد فصلاً لدراسة تلك المسائل التي يدّعون فيها أنها تَثبُت على خلاف القياس الصحيح، أو أن العلَّة الشرعية الصحيحة خُصَّتْ بلا فرق شرعي من فوات شرط أو وجود مانع، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس الصحيح من غير فرق شرعي. فذكر أن الأمر بخلاف ذلك كما قاله أكثر الأئمة: الشافعي وأحمد وغيرهما، وإن كان الواحد من هؤلاء قد يُناقض نفسه أيضًا فيخصّ ما يجعله علَّةً بلا فارق مؤثر، كما أنه يقيس بلا علّةٍ مؤثرة. وكان قصده من ذلك ضبط الأصول الكلية المطردة المنعكسة، وبيان أن الشريعة يى فيها تناقض أصلاً، والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلاّ تناقضا. وبعد دراسة كل مسألة من هذه المسائل الاستحسانية ذكر أنها ليست مخالفةً للقياس أصلاً، أو أن هناك فرقاً مؤثراً، أو أن الاستحسان فيها ليس صحيحاً بسبب عدم وجود فارق مؤثر. هذا تحليل موجز لمباحث الكتاب، وخلاصة رأي المؤلف في الاستحسان، وبهذا نعرف أنه تناول هذه المسألة بطريقةٍ جديدة، ولم يوافق على ما قاله عامة الأصوليين إنّ الخلاف فيها لفظي، فقد حرّر

стр. 493

وجه النزاع بين القائلين بالاستحسان والمانعين منه، وبيّن سبب ذم بعض الأئمة له ثم القول به في بعض المسائل، وقرَّر أن الاستحسان الصحيح لا يمكن أن يكون على خلاف القياس الصحيح، وأن القياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال. • قيمته العلمية تظهر قيمة الكتاب العلمية عندما يوضع في قائمة الكتب والدراسات التي تتعلق بموضوع معين، والتي تُرتّب تاريخيًّا حسب تأليفها وظهورها، ثم يقارن بينه وبين غيرها من حيث الجدّة والأصالة والابتكار. فكل كتاب يحتوي على آراء جديدة مع الاحتجاج لها، ومناقشات تدل على شخصية المؤلف، بمنهج علمي متميز، وأسلوب طريف مثير-: يُنسَب إليه فضلُ السبق، ويُعترَف لمؤلفه بالإمامة، ويكون موضع العناية والاهتمام من قبل المؤلفين والباحثين. والكتب التي تكون على العكس من ذلك مهما بلغت شهرتها وكثرت نسخها الخطية والمطبوعة، لا يخفى ضعف قيمتها على النقّاد، وزيفها وانتحالها- أحياناً- على المدقّقين الذين يقومون بالموازنة بينها وبين غيرها. ونحن إذا نظرنا إلى هذا الكتاب نجد أن المؤلف جاء فيه برأي جديد في الموضوع لم يُسْبَق إليه، ورد على من يقول: إن في الشريعة أحكاماً على خلاف القياس مبنية على الاستحسان، كما سبق تفصيله وبيان وجهة نظره فيما مضى. وعلى هذا فتكون للكتاب قيمة علمية كبيرة تجعله من أهم الكتب التي ألّفت في هذا الباب، لتميزه

стр. 494

وأصالته ونقده للرأي السائد في الموضوع. • أثره مضى على تأليف هذا الكتاب سبعة قرون، وبقي بصورة المسوّدة التي وصلتنا. ولعلها لم تُبيض، فلا نجد من الكتاب نسخة أخرى في فهارس المخطوطات التي بين أيدينا. ولا نعرف مؤلفاً رجع إليه أو اقتبس منه إلاّ العلّامة ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد" (٤/ ١٢٤ - ١٢٦)، ولكنه لم ينقل الفكرة الأساسية، التي بنى عليها المؤلف كتابه، ولم يذكر منه إلاّ تعريف الاستحسان وأنواعه عند القائلين به، والمسائل التي قال فيها الإمام أحمد بالاستحسان، وقوله في رواية أبي طالب: "أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان" هل يَدُلّ على إبطال الاستحسان أم لا؟ وتعليق المؤلف على كلام أبي يعلى وأتباعه في المراد من هذا القول. وهذه المباحث كلها في بداية الكتاب، وتعتبر تمهيداً للدخول في الغرض الأساسي من تأليفه، وهو بيان حقيقة الاستحسان الذي يقول به الحنفية ويمنعه الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما من فقهاء الحديث، ودراسة المسائل التي نُسِبَ إليهم فيها القول بالاستحسان مع ذمهم له، وهل هي مخالفة للقياس كما قيل؟ ولو أن ابن القيم نقل هذا الكتاب بكامله كما فعل مع رسالة

стр. 495

أخرى لشيخه في معنى القياس في "إعلام الموقعين" (١/ ٣٨٣ - ٤٠١، ٢/ ٣ - ٣٨)، واطلع عليه المؤلفون في الأصول، لكان له أثر كبير في كتاباتهم حول هذا الموضوع. ولكنهم لم يعرفوا الكتاب والنصوص المقتبسة منه، فلم يفيدوا منه شيئا. أما الباحثون المحدثون فلم يعرفوه كذلك لكونه مجهول العنوان والمؤلف. ولعلّ نشره يثير هممهم، فيدرسون في ضوئه موقف شيخ الإسلام من الاستحسان، ومنهجه في تناول هذا الموضوع، ويصلون به إلى حقيقة الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث في هذا الباب. وأتوقع أن يكون لهذا الكتاب أثر طيب في المستقبل إن شاء الله. • وصف النسخة الخطية توجد في دار الكتب الظاهرية بدمشق مجموعة برقم [٩١ مجاميع] تحتوي على أكثر من ثلاثين رسالة وكتاباً معظمها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وبعضها لغيره، منها: - أوّل كتاب "إثبات صفة العلو" لابن قدامة (ق ٢١ - ٢٢) - الجزء الأول من حديث أبي عبد الله محمد بن مخلد الدوري (ق ٣٦ - ٤٤) - الجزء التاسع من الفوائد المنتقاة من حديث أبي الحسن علي ابن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ الحمامي عن شيوخه (ق ٢٠٣ - ٢١٠)
следующие страницы →