الاستحسان الصحيح عدولاً عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال. هذا هو الصواب كما قرَّره المؤلف في رسالته في معنى القياس أيضًا.
وتنبني عليها مسألة أخرى ذكرها الأصوليون وفضَل المؤلف الكلام حولها، وهي مسألة القياس على صور الاستحسان المعدول بها عن سنن القياس، وهي من جنس تخصيص العلَّة والاستحسان، فمن جوَّز التخصيص والاستحسان من غير فارق معنوي قال: المعدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارقٍ معنوي، فلا يقاس عليه، وهم أصحاب أبي حنيفة. أما أصحاب مالك والشافعي وأحمد فقالوا: إذا عُرِف المعنى الفارق الذي لأجله ثبت الحكم فيها يجوز القياس عليها.
وما ذُكر فيه أنه خالف القياس في صور الاستحسان، فلابدّ أن يكون قياسه فاسداً، أو يكون تخصيصه بالاستحسان فاسداً إذا لم يكن هناك فارقٌ مؤثر. هذا هو الصواب في هذا الباب، وهو الذي ينكره الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه، فإنهم لا يأتون بفرقٍ مؤثر بينهما.
وحقيقة هذا كلّه أنه قد يثبت الحكم على خلاف القياس في نفس الأمر، فمن يقول بالاستحسان من غير فارقٍ مؤثر، وبتخصيص العلة من غير فارق مؤثر، وبمنع القياس على المخصوص من جملة القياس-: يثبت أحكاماً على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر. وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما،
стр. 492
فهم تارةً ينكرون صحَّة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان، وتارةً ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدّعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي، وتارةً ينكرون صحة الاثنين، فلا يكون القياس صحيحاً، ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحاً، بل كلاهما ضعيف.
وبعدما انتهى المؤلف من بيان حقيقة الخلاف في هذه القضية عقد فصلاً لدراسة تلك المسائل التي يدّعون فيها أنها تَثبُت على خلاف القياس الصحيح، أو أن العلَّة الشرعية الصحيحة خُصَّتْ بلا فرق شرعي من فوات شرط أو وجود مانع، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس الصحيح من غير فرق شرعي.
فذكر أن الأمر بخلاف ذلك كما قاله أكثر الأئمة: الشافعي وأحمد وغيرهما، وإن كان الواحد من هؤلاء قد يُناقض نفسه أيضًا فيخصّ ما يجعله علَّةً بلا فارق مؤثر، كما أنه يقيس بلا علّةٍ مؤثرة.
وكان قصده من ذلك ضبط الأصول الكلية المطردة المنعكسة، وبيان أن الشريعة يى فيها تناقض أصلاً، والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلاّ تناقضا. وبعد دراسة كل مسألة من هذه المسائل الاستحسانية ذكر أنها ليست مخالفةً للقياس أصلاً، أو أن هناك فرقاً مؤثراً، أو أن الاستحسان فيها ليس صحيحاً بسبب عدم وجود فارق مؤثر.
هذا تحليل موجز لمباحث الكتاب، وخلاصة رأي المؤلف في الاستحسان، وبهذا نعرف أنه تناول هذه المسألة بطريقةٍ جديدة، ولم يوافق على ما قاله عامة الأصوليين إنّ الخلاف فيها لفظي، فقد حرّر
стр. 493
وجه النزاع بين القائلين بالاستحسان والمانعين منه، وبيّن سبب ذم بعض الأئمة له ثم القول به في بعض المسائل، وقرَّر أن الاستحسان الصحيح لا يمكن أن يكون على خلاف القياس الصحيح، وأن القياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال.
• قيمته العلمية
تظهر قيمة الكتاب العلمية عندما يوضع في قائمة الكتب والدراسات التي تتعلق بموضوع معين، والتي تُرتّب تاريخيًّا حسب تأليفها وظهورها، ثم يقارن بينه وبين غيرها من حيث الجدّة والأصالة والابتكار. فكل كتاب يحتوي على آراء جديدة مع الاحتجاج لها، ومناقشات تدل على شخصية المؤلف، بمنهج علمي متميز، وأسلوب طريف مثير-: يُنسَب إليه فضلُ السبق، ويُعترَف لمؤلفه بالإمامة، ويكون موضع العناية والاهتمام من قبل المؤلفين والباحثين. والكتب التي تكون على العكس من ذلك مهما بلغت شهرتها وكثرت نسخها الخطية والمطبوعة، لا يخفى ضعف قيمتها على النقّاد، وزيفها وانتحالها- أحياناً- على المدقّقين الذين يقومون بالموازنة بينها وبين غيرها.
ونحن إذا نظرنا إلى هذا الكتاب نجد أن المؤلف جاء فيه برأي جديد في الموضوع لم يُسْبَق إليه، ورد على من يقول: إن في الشريعة أحكاماً على خلاف القياس مبنية على الاستحسان، كما سبق تفصيله وبيان وجهة نظره فيما مضى. وعلى هذا فتكون للكتاب قيمة علمية كبيرة تجعله من أهم الكتب التي ألّفت في هذا الباب، لتميزه
стр. 494
وأصالته ونقده للرأي السائد في الموضوع.
• أثره
مضى على تأليف هذا الكتاب سبعة قرون، وبقي بصورة المسوّدة التي وصلتنا. ولعلها لم تُبيض، فلا نجد من الكتاب نسخة أخرى في فهارس المخطوطات التي بين أيدينا. ولا نعرف مؤلفاً رجع إليه أو اقتبس منه إلاّ العلّامة ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد" (٤/ ١٢٤ - ١٢٦)، ولكنه لم ينقل الفكرة الأساسية، التي بنى عليها المؤلف كتابه، ولم يذكر منه إلاّ تعريف الاستحسان وأنواعه عند القائلين به، والمسائل التي قال فيها الإمام أحمد بالاستحسان، وقوله في رواية أبي طالب: "أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان" هل يَدُلّ على إبطال الاستحسان أم لا؟ وتعليق المؤلف على كلام أبي يعلى وأتباعه في المراد من هذا القول.
وهذه المباحث كلها في بداية الكتاب، وتعتبر تمهيداً للدخول في الغرض الأساسي من تأليفه، وهو بيان حقيقة الاستحسان الذي يقول به الحنفية ويمنعه الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما من فقهاء الحديث، ودراسة المسائل التي نُسِبَ إليهم فيها القول بالاستحسان مع ذمهم له، وهل هي مخالفة للقياس كما قيل؟
ولو أن ابن القيم نقل هذا الكتاب بكامله كما فعل مع رسالة
стр. 495
أخرى لشيخه في معنى القياس في "إعلام الموقعين" (١/ ٣٨٣ - ٤٠١، ٢/ ٣ - ٣٨)، واطلع عليه المؤلفون في الأصول، لكان له أثر كبير في كتاباتهم حول هذا الموضوع. ولكنهم لم يعرفوا الكتاب والنصوص المقتبسة منه، فلم يفيدوا منه شيئا.
أما الباحثون المحدثون فلم يعرفوه كذلك لكونه مجهول العنوان والمؤلف. ولعلّ نشره يثير هممهم، فيدرسون في ضوئه موقف شيخ الإسلام من الاستحسان، ومنهجه في تناول هذا الموضوع، ويصلون به إلى حقيقة الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث في هذا الباب. وأتوقع أن يكون لهذا الكتاب أثر طيب في المستقبل إن شاء الله.
• وصف النسخة الخطية
توجد في دار الكتب الظاهرية بدمشق مجموعة برقم [٩١ مجاميع] تحتوي على أكثر من ثلاثين رسالة وكتاباً معظمها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وبعضها لغيره، منها:
- أوّل كتاب "إثبات صفة العلو" لابن قدامة (ق ٢١ - ٢٢)
- الجزء الأول من حديث أبي عبد الله محمد بن مخلد الدوري (ق ٣٦ - ٤٤)
- الجزء التاسع من الفوائد المنتقاة من حديث أبي الحسن علي ابن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ الحمامي عن شيوخه (ق ٢٠٣ - ٢١٠)
стр. 496
- قطعة من كتاب "السنن" للأثرم (ق ٢١٣ - ٢٢٠)
- ثبت لأحد تلاميذ البرزالي والمزي (ق ٢٩٣ - ٣٠٧)
- رسالة في الاستعاذة (نقلَا من أوّل تفسير الرازي) (ق ٣٠٩ - ٣٢٤) وماعداها من تأليف شيخ الإسلام، وبعضها بخطه، ولا توجد على أكثرها عناوين، ولذا فنحن نشير إلى الأوراق التي هي بخطه دُون ذكر عناوينها، لأنها تحتاج إلى دراسة متأنية، ومقابلتها على مؤلفاته ورسائله المطبوعة، والرجوع إلى القوائم الأساسية التي أشرنا إليها لمعرفة عناوينها الصحيحة. وهذه الأوراق هي: (١ - ٨، ٥٣ - ٧٨، ١١٩ - ١٣٧, ١٥٠، ١٥٧ - ١٦٤. ١٦٥ - ١٨١، ١٨٢ - ١٨٣، ١٨٤ - ١٨٨، ١٨٩ - ١٩١، ٢٦٣ - ٢٦٦، ٣٢٥ - ٣٣٣). أما الرسائل الأخرى فقد كتبت بخطوط مختلفة، وبعضها ناقصة الأول والأخير، وترتيب الأوراق في بعض المواضع منها مضطرب.
ونسخة هذا الكتاب الذي بين أيدينا تقع في آخر هذه المجموعة النفيسة التي لا تقدّر بثمن (ق ٣٢٥ - ٣٣٣). وهي مسوّدة المؤلف نفسه، ولعلّها لم تبيَّض فبقيت مسوّدة كما كتبتْ لأول مرة. وقد ذكر البرزالي (١) أن لشيخ الإسلام تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة
_________
(١) كما نقل عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية ٣٧٣ وابن كثير في البداية والنهاية ١٤/ ١٣٧.
стр. 497
في الأصول والفروع، ثم قسمها ثلاثة أقسام، وقال:
١ - كَفَلَ منها جملة، وبُيضَتْ وكُتِبتْ عنه، وقُرِئتْ عليه أو بعضها.
٢ - وجملة كبيرة لم يُكَملْها.
٣ - وجملة كَملَها، ولم تُبيضْ إلى الآن.
وبعد دراسة هذه النسخة نستطيع أن نقول: إنها من القسم الثالث، فإنّنا لم نعثر على نسخة أخرى من الكتاب في أي مكتبة، ومما يؤيد ذلك أن المؤلف شطب فيها على كثير من الكلمات والعبارات وأبدلها بغيرها، وأضاف إليها تعليقات واستدراكات طويلة في هوامش بعض الصفحات من جميع الجهات. ومن أغرب هذه الإضافات ذلك الاستدراك الطويل في الورقة (٣٣١ أ) الذي يستمرّ في هوامش الصفحة، ثم ينتقل الكلام إلى هوامش الصفحة الماضية (٣٣٠ ب) ثم هوامش الصفحة التي قبلها (٣٣٠ أ)، وينتهي بالسطر الذي كتبه المؤلف معكوساً، للدلالة على أن ما فيه نهاية لهذا التعليق الطويل، وليس مرتبطاً بالكلام الموجود بداخل الحوض في تلك الصفحة، ولعلّ هذا التعليق كتب بعد الانتهاء من تأليف الكتاب.
لا تُوجد لهذه النسخة صفحة عنوان، ولا كتب المؤلف عنوان الكتاب بخطه (كما ذكرنا ذلك في تحقيق عنوان الكتاب)، ولا توجد لها خاتمة يُذكَر فيها عادة اسم الناسخ أو المؤلف وتاريخ النسخ أو التأليف.
стр. 498
هذه المسوّدة وغيرها من الكتب التي وصلت إلينا بخط شيخ الإسلام يقع القارئ أو المحقق بإزائها في حيرة، فهو يكتب غالباً بدون نقطٍ وإعجام، ولايميّز الحروف بداخل الكلمة ويمزج بعضها ببعض، ويكتب بسرعة وفي غاية التعليق والإغلاق، حتى عجز كثير من أصحابه عن نقله (كما سبق ذكره فيما مضى). فقراءة كل كلمة فيه تحتاج إلى تقليبها على الوجوه الممكنة، ولا مساعد في ترجيح أحد الوجوه على غيرها إلاّ السياق والموضوع. فالباء والتاء والثاء والفاء والقاف والنون والياء في بداية الكلمات تكتب عنده بطريقة واحدة تقريباً، و"من" و"في" تتشابهان في مواضع كثيرة، ويكتب "الذي" و"الذين" و"الدين" برسم واحدٍ تقريبا، ويُسقِط بعض الحروف من الكلمة، فمثلاً كلمة "القهقهة" كتبها مرتين "القهقه".
ويتبع الرسم القديم في كتابة كثير من الكلمات بحذف الألف أو الهمزة أو غيرهما، مثل: صلح (صالح)، السلم (السلام)، يحتج (يحتاج)، مسله (مسألة)، ادعا (ادّعى)، صلوته (صلاته)، اسحق (إسحاق)، وحا (وجَاءا)، العا معنا (ألغَى معنًى)، ثلثه (ثلاثة)، ملك (مالك)، فيعطا (فيُعطَى)، واحراه (وإجراؤه). ولا تظهر الميم عنده إذا وقعت تِلْوَ حرف الباء أو التاء أو الياء ونحوها، فيكتب "اتها" (= أتمَّها)، "انا" (= إنّما)، " ائه " (- أئمة)، "الا" (= الماء)، (الحظور" (= المحظور)، الانع (= المانع) وغيرها.
هذه بعض الأمثلة لطريقة كتابته للكلمات، ويكفي القارئ أن يلقي نظرةً على نماذج من الأصل، ويتأمل فيها بنفسه، ويبذل مجهوده
стр. 499
في قراءتها، ويقارن بينها وبين قراءتي لها.
ولا يخفى أن نسخة الكتاب بخط المؤلف تُوفِّر على المحقّق الوقتَ والجهد في جمع النسخ ودراستها والمقابلة بينها ومعرفة علاقة بعضها ببعض. ولكن المخطوطة التي نحن بصددها زادت مشاكلها فوق ما كنت أتصور، وكان تقديم نصٍّ سليم لها من أصعب الأمور، وقد بذلتُ كلّ ما في وسعي لقراءتها قراءة صحيحةً، ونَسْخِها ملتزماً الرسمَ الإملائي الحديث، ولم أزد إلاّ النقط والإعجام والفواصل والهمزات وتغيير الفقرات، وأبقيت الكلمات التي يبدو أنّ فيها خطأ إعرابيًّا أو صرفيًّا كما هي، وأشرتُ إليها في التعليق. أما الكلمات والعبارات التي شطب عليها المؤلف وأبدلها بغيرها فلم أنبِّهْ إليها، لأنها كثيرة في هذه المسوَّدة، ولا فائدة من ذكرها.
وفي الختام أرجو أنني قد وُفِّقتُ في قراءة هذه المسوَّدة قراءةً سليمة، وأدعو الله أن ينفع بها الباحثين في علم الأصول خاصة، والقرّاء والمثقفين عامة، إنه سميع مجيب.
محمد عزير شمس
стр. 500
نماذج من الأصل
стр. 501
نصّ الكتاب
стр. 502
الحمد لله، نستعِينُه ونستغفِرُه، ونعوذ بالله من شُرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فلا مُضِل له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وَحْدَهُ لا شريكَ له، ونشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّم تسليماً.
فصلٌ في الاستحسانِ وتخصيصِ العلَّة، وموضع الاستحسانِ هل يُقاسُ عليه أم لا، وما يرد من الأحكامِ الثابتةِ بالنصّ والإجماع ويُقالُ: إنها مخالِفةٌ للقياس. فإن هذه قواعدُ كَثرُ اضطرابُ الناسِ فيها، والحاجةُ ماسَّةٌ إلى تحقيقها في كثير من مسائلِ الشريعةِ أصولها وفروعِها.
أما الاستحسان فالمشهور من معانيه أنه مخالفةُ القياسِ لدليلٍ (١)، وقد يُرادُ به غيرُ ذلك (٢). والعلماء في لفظه ومعناه المذكور على
стр. 503
ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر هذا اللفظ مطلقاً، وهم نُفاةُ القياسِ، كداود وأصحابه (١)، وكثير من أهل الكلام من المعتزلة والشيعة وغيرهم، فليس عندهم في أدلَّة الشرع لا قياس ولا استحسان.
ومنهم من يُقِر به بهذا المعنى، ويُجوِّز مخالفةَ القياس للاستحسان، ويعمل بالقياس فيما عدا صورة الاستحسان. وهذا هو المعروف عن أبي حنيفة وأصحابه (٢).
стр. 504
ومنهم من ذمَ الاستحسان تارةً، وقال به تارةً، كالشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وغيرهم، ففي كتب مالك وأصحابه ذِكر لفظِ الاستحسان في مواضع (١). والشافعيّ قال: من استحسن فقد
стр. 505
شَرَّعَ (١)، وتكلَّم في إبطالِ الاستحسانِ، وبسطَ القولَ في ذلك (٢). وكان من أعظم الأئمة إنكاراً له، وهو الذي عليه أصحابه في أصول الفقه. ومع هذا فقد قال بلفظ الاستحسان، كما قال: أستحسن أن تكون المتعةُ ثلاثين درهما" (٣). ولهذا حُكِيَ للشافعي في الاستحسان قولان: قديم وجديد.
وكذلك أحمد بن حنبل، نقل عنه أبو طالب (٤) أنه قال: أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلافَ القياسِ قالوا: نستحسنُ هذا
стр. 506
ونَدَعُ القياسَ. فَيَدَعُون الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان. قال: وأنا أذهبُ إلى كل حديث جاءَ، ولا أقيسُ عليه (١).
قال القاضي أبو يعلى (٢): وظاهر هذا يقتضي إبطالَ القولِ بالاستحسان، وأنه لا يُقاسُ المنصوصُ عليه على المنصوص عليه.
قلت: مراد أحمد أنّي أستعمل النصوصَ كفَها، ولا أقيس على أحد النصينِ قياسا يُعارِضُ النصَّ الآخر، كما يَفعلُ مَن ذكرَه، حيث يقيسون على أحد النصّينِ، ثم يستثنون موضعَ الاستحسان إما لنص أو غيرِه، والقياسُ عندهم يُوجبُ العلَّة الصحيحة، فيَنْقُضون العلَّةَ التي يدعون صحتها مع تساوِيْهاَ في مَحَالها./
وهذا من أحمدَ يُبين أنه يُوجِب طردَ العلَّةِ الصحيحة، وأنّ انتقاضَها مع تَساوِيْها في مَحالها يُوجب فسادَها. ولهذا قال: لا أقيسُ على أحدِ النصينِ قياساً يَنقضُه النص الآخر، فإنّ ذلك يدكُ على فساد القياس.
وهو يستعمل مثل هذا في مواضع، مثل حديث أم سلمة وفيه
стр. 507
قوله ﷺ : "إذا أرادَ أحدُكم أن يُضَحيَ ودخلَ العَشْرُ فلا يَأْخُذْ مِنْ شَعرِه ولا مِن بَشرَتِه شيئاً" (١)، مع حديث عائشة: كنتُ أَفْتِلُ قلائدَ هَدْي رسولِ الله ﷺ ، ثم يَبْعَثُ به وهو مُقيم، فلا يَحْرُمُ عليه شيء ممّاَ يَحْرُمُ على المُحْرِم (٢).
والناس في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم من يُسوي بين الهَدْيِ والأضْحية في المنع، ويقول: إذا أرسل المُحْرِمُ هَدْيا لم يَحِل حتى يَنْحَر، كما يُروى عن ابن عباس (٣) وغيره.
ومنهم من يُسوي بينهما في الإذن، ويقول: بل المضحّي لا يُمنَع عن شيء كما لا يُمْنَع المُهْدِيْ، فيقيسونَ على أحدَ النصينِ ما يعارضُ الآخر.
وفقهاء الحديث كيحيى بن سعيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم عملوا بالنصين، ولم يَقِيْسُوا أحدهما على الآخر، كما أن الله لمّا أحلَّ البيعَ وحرمَ الربا (٤) لم يَقِسِ المسلمون أحدَهما على
стр. 508
الآخر، وإنما هذا قياس المشركين. وكذلك لمّا أحل المُذَكَى وحَزَم الميتةَ (١) لم تقِيسُوا أحدَهما على الآخر، بل هذا قياسُ المشركين (٢).
وكذلك لما جاء (٣) الكتابُ والسنةُ بالقُرْعَة (٤)، وجاءا بتحريم القمار (٥) لم يقيسوا هذا على هذا، بل أجازوا القُرعةَ، وحزَموا
стр. 509
المَيْسِرَ والاسْتِقْسَام بالأزْلَام، بخلاف من جَعلَ القرعةَ من القِمارِ أو من الاستقسام بالأزلام، ولم يُعلّق بها حكماً. وأحمد أكثر الفقهاء عملاً بالقرعة (١)، لما كان عنده فيها من النصوص والآثار.
وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاء الحديث لما أمر النبي ﷺ الناسَ إذا صَلَّى الإمامُ قاعداً أن يُصَلُّوا قُعوداً أجمعينَ (٢). ثم لمَّا افتتحوا الصلاةَ قياماً أتَمَّها بهم قياما" (٣). عمل بالحديثين، ولم يَقِسْ على أحدهما قياساً يُناقِضُ الآخرَ ويجعلُه منسوخا" (٤)، كما فعل
стр. 510
طائفةٌ من الفقهاء، كالشافعي (١) والحميدي (٢) وغيرهما (٣). واستدل هو وغيره بأن الصحابة بعده لفَا صَلَّوا جلوساً أمروا مَن خلفهم بالجلوس، وقد شهدوا صلاته في آخر عمره، مثل أُسَيْدِ بن الحُضير (٤)، وهو من أفضل السابقين الأولين من الأنصار، وقد فعل ذلك في عهد أبي بكر، فإنه قُتِلَ في قتالِ المرتدّين من حنيفة أتباعِ مُسيلمة الكذاب (٥)./
стр. 511
وقد قال أحمد بالاستحسان المخالف للقياس في مواضعَ، كقوله في رواية صالح (١) في المضارب: إذا خالفَ فاشترَى غَيْرَ ما أَمَرَ به صاحب المال، فالرِّبْحُ لصاحب المال، ولهذا أُجْرَةُ مثلِه، إلاّ أن يكون الربحُ يُحيطُ باجرةِ مثلِه فيَذْهَبَ. وكنتُ أذهبُ إلى أنَّ الربحَ لصاحب المال، ثم اسْتَحْسَنْتُ (٢).
стр. 512
وقال في رواية الميمونيّ (١): أَسْتَحْسِنُ أن يَتَيَمَّم لكلِّ صلاةٍ، ولكنّ القياسَ أنه بمنزلةِ الماءِ حتى يُحدِثَ أو يَجِدَ الماءَ (٢).
وقال في رواية الْمَرُّوْذِيّ (٣): يجوزُ شِرَى (٤) أرضِ السَّوَادِ (٥)،
стр. 513
ولا يَجوزُ بيعُها، فقيل له: كيف تُشْتَرَى ممن لا يَملِكُ؟ فقال: القياسُ كما تقول، ولكن هو استحسان. واحتج بأن أصحابَ النبي ﷺ رَخصُوا في شِرَى المصاحفِ وكَرِهُوا بَيْعَها، وهذا يُشبِهُ ذاك (١).
وقال في رواية بكر بن محمد (٢) فيمن غَصَبَ أرضاً وزرعها: الزَّرعُ لرب الأرضِ، وعليه النفقةُ، وليس هذا شيئاً يُوافِقُ القياسَ.
أَستَحْسِنُ أن يَدْفَعَ إليه نَفَقَتَه (٣).
وقد جعل القاضي أبو يعلى المسألةَ على روايتين، ونصَرَ هو وأتباعُه كأبي الخطَاب (٤) وابن عَقِيل وابن
стр. 514
[الزاغوني] (١) القولَ بالاستحسان كقول أصحاب أبي حنيفة وفسر هؤلاء وهؤلاء الاستحسان الذي يقولون به بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أولى منه. وقيل: هو أولى القياسين (٢). قالوا- وهذا لفظ القاضي (٣) -: والحجةُ التي يُرجَعُ إليها في الاستحسانِ فهي الكتابُ تارةً، والسُّنةُ أُخرى، والإجماعُ ثالثةً. والاستدلال بترجحِ (٤) شَبَهِ بعضِ الأصولِ على بعضِ.
كما (٥) قلنا بالاستحسان لأجْلِ الكتابِ في شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السَّفَر إذا لم نَجدْ مسلما" (٦).
стр. 515
قال: ومما قلنا فيه بالاستحسانِ للسنّةِ فيمن غَصَبَ أرضاً وَزَرَعَها، فالزرعُ لِرَبِّ الأرضِ، وعلى صاحب الأرضِ النفقةُ لصاحبِ الزَّرع، لحديثِ رافع بن خَدِيْج عن النبي ﷺ : "من زَرعَ في أرضِ قومٍ فَالزرعُ لِرَب الأرضِ وله نفَقَتُه" (١). وقد كان القياس أن يكون الزرع لزارعه (٢).
قال: ومما قلنا فيه بذلك للإجماع جوازُ سَلَمِ الدراهم والدنانير في الموزونات، وكان القياس أن لا يجوز ذلك لوجود الصفة المضمومة إلى الجنس، وهي الوزن، إلاّ أنهم استحسنوا فيه للإجماع (٣).
قلت: ومن ذلك أن نفقةَ الصغيرِ وأجرةَ مُرضِعِه على أبيه دونَ أمِّه بالنصّ (٤) والإجماعِ. والقياسُ- عندَ مَن يَجْعلُ النفقةَ على كل
стр. 516
وارثٍ بفرضٍ أو تعصيبٍ، أو على كل ذِيْ رَحِمٍ (١) مَحْرَم، أو على عَمودي النسبِ مطلقاً- أن يكون على الأبوين.
وكذلك يقولون: جواز إجارة الظئْر ثابت بالنص (٢) والإجماع على خلاف القياس، بل وقد يقولون ب جواز الإجارة ، بل و جواز القرض والقراض وغير ذلك على خلاف القياس (٣) للإجماع.
стр. 517
لكن إذا أَبْدَوْا معنى يَقتضي التخصيصَ مثلَ الحاجةِ، قيل: هذا يقول به جميعُ الأمّة، بل جميعُ علماء السنّة، مثل إباحة الميتة للمضطر للضرورة، وصلاة المريض قاعداً للحاجة، ونحو ذلك. وإنما يتنازعون إذا لم يظهر في إحدى الصورتين معنًى يُوجِبُ الفرقَ./
ولهذا فسَّر غيرُ واحدٍ الاستحسانَ بتخصيصِ العلَّة، كما ذكر ذلك أبو الحسين البصري (١) والرازي (٢) وغيرهما، وكذلك هو، فإنَ غايةَ الاستحسانِ- الذي يقال فيه: إنه يخالف القياسَ حقيقةً- تخصيصُ العلَّةِ. والمشهور عن أصحاب الشافعي منع تخصيص العلة، وعن أصحاب أبي حنيفة القولُ بتخصيصها (٣)، كالمشهور
стр. 518
عنهما في منع الاستحسان وإجازته. ولكن في مذهب الشافعي خلاف في جواز تخصيص العلة (١)، كما في مذهب مالك (٢) وأحمد (٣).
стр. 519
ومن الناس من حكى قول الأئمة الأربعة جواز تخصيص العلة. وقد ذكر أبو إسحاق بن شَاقْلَا (١) عن أصحاب أحمد في تخصيص العلة وجهين. ومن الناس من يحكي ذلك روايتين عن أحمد. والقاضي أبو يعلى وأكثر أتباعه كابن عقيل يمنعون تخصيص العلة (٢) مع قولهم بالاستحسان. وكذلك أصحاب مالك (٣).
وأما أبو الخطاب فيختار تخصيصَ العلَّة (٤) موافقةً لأصحاب أبي حنيفة، فإن هذا هو الاستحسان كما تقدم. وهؤلاء يُجوَزون تخصيصَها بمجردِ دليلٍ يدكُ على التخصيص، وإن لم يُبيق اختصاصُ صورةِ النقضِ فقدانَ شرطٍ أو وجودَ مانع. وهذا حقيقة ما ذكره القاضي وهؤلاء في الاستحسان، كما ذكره فيً الأمثلة.
وِلكن القاضي وغيره ممن يقول بالاستحسان ومَنْعِ تخصيصِ العلةِ فرقُوا بينهما فقالوا- واللفظ للقاضي (٥) -: لا يجوز تخصيصُ
стр. 520
العلَّة الشرعية، وتخصيصُها نقضُها.
قال: وقد قال أحمد في رواية الحسين بن حسّان (١): القياسُ أن يُقاسَ الشيءُ على الشيء إذا كان مثلَه في كل أحوالِه، فأما إذا أشْبَهَه في حالٍ وخالفَه في حالٍ فهذا خطأ (٢).
قال: وهذا الكلام يمنع من تخصيصها.
قال: وقد ذكر أبو إسحاق- يعني ابنَ شَاقْلا- في "شرح الخِرَقي" فقال: أصحابنا على وجهين: منهم من يَرى تخصيصَ العلَّة، ومنهم من لا يَرى ذاك.
وقال: وقد ذكرها أبو الحسن الخَرَزِي (٣) في "جزءٍ فيه مسائلُ من الأصول ": لا يجوز تخصيصُها.
стр. 521
قال: وقول أحمد "القياس كان يقتضي أن لا يجوز شِرَى أرض السواد، لأنه لا يجوز بيعُها" ليس بموجب لتخصيصِ العلّة، فإنها في حكم خاص (١)، وما ذكر أحمد إنما هوَ اعتراض النصّ على قياس الأصول في الحكم العام، وقد يترك قياسُ الأصولِ للخبر (٢).
ولذلك أجابَ من احتج على جواز تخصيصها بالاستحسان فقال (٣): فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية المَروْذِيّ وقد قيل: كيف تُشْتَرَى ممّن لا يَمْلِكُ؟ فقال: القياس كما تقول، وإنما هو استحسان. واحتج بقول الصحابة في المصاحف.
ثم قال في الجواب: قيل: تخصيصُ العلَّة ما يَمنع من جَرْيها في حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراضُ النصّ على قياس الأصولِ. ولأنهم قد يَعْدِلُون في الاستحسان عن قياس وعن غير قياس (٤)، فامتنع أن يكون معناه تخصيص (٥) بدليل. وقد ناقضه أبو الخطاب (٦)./
وهذا الذي ذكره القاضي قد ذكره كثير من العلماء فيما إذا عارضَ النصّ قياس الأصول، فقالوا: يُقدم النص. واختلفوا فيما إذا
стр. 522
عارض خبر الواحد قياس الأصول، كخبرِ المُصَراةِ (١) ونحوه (٢). وأمّا الأوّل فمثل حَمْلِ العاقلةِ (٣)، فإنهم يقولون: هو خلاف قياس
стр. 523
الأصول، وهو ثابت بالنصّ والإجماع. وهذا يذكره بعض الناس قولاً ثالثاً في تخصيص العلة.
ويذكرون قولاً رابعاً، وهو أنه يجوز تخصيص (١) المنصوصة دون المستنبطة (٢). وأكثر الناس في التخصيص من أصحاب الشافعي وأحمد كأبي حامد (٣) وأبي الطيب (٤) والقاضي أبي يعلى وابن عَقِيْل
стр. 524
وغيرهم يقولون: إذا خُصَّت المنصوصةُ تَبينا أنها نقض العلة (١)، وإلاّ فلا يجوز تخصيصُها بحال.
وهذا النزاع إنما هو في عل! قامَ على صحتها دليل كالتأثير والمناسبة، وأما إذا اكتفي فيها بمجرّد الطَرْدِ الذي يُعلَم خلوُّه عن التأثير والسلامة عن المفسدات، فهذه تَبْطُل بالتخصيصِ باتفاقهم. وأما الطَّرْدُ المَحْضُ الذي يُعلَم خلوُّه عن المعاني المعتبرة فذاك لا يُحتج به عند أحد من العلماء المعتبرين. وإنما النزاعُ في الطَرْدِ الشَبَهِيَّ، كالمجوزات - الشبهية التي يحتجّ بها كثير من الطوائف الأربعة، لاسيما قدماء أصحاب الشافعيّ، فإنها كثيرة في حُجَجِهم أكثر من غيرهم./
والتحقيقُ في هذا الباب (٢) أنّ العلَّة تُقَال على العلة التامة،
стр. 525
وهي المستلزِمةُ لمعلولها، فهذه متى انتقضتْ بَطَلَتْ بالاتفاق. وتُقالُ على العلّة المقتضية أوّلاً، وتُسمَّى المؤثّرة ويُسمَّى السببُ دالاً ودليلَ العلَّة ونحو ذلك. فهذه إذا انتقضَتْ لفرقٍ مؤثرٍ يفرّق فيه بين صورةِ النَّقْضِ وغيرِها من الصُّوَرِ لم تَفْسُدْ. ثم إذا كانتْ صورةُ الفرعِ التي هي صورةُ النِّزاع في معنى صورةِ النَّقْضِ أُلحِقتْ بها، وإن كانتْ في معنى صورةِ الأصَلِ أُلحِقت بها.
فمن قال: إن العلَّة لا يجوزُ تخصيصُها مطلقاً لا لفواتِ شرطٍ ولا لوجودِ مانع فهذا مخطئ قطعاً، وقولُه مخالفٌ لإجماع السلفِ كلِّهم الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم، فإنهم كلّهم يقولون بتخصيص العلة لمعنًى يُوجبُ الفرقَ، وكلامُهم في ذلك أكثرُ من أن يُحْصَرَ. وهذا معنى قولَ من قال: تخصيصها مذهب الأئمة الأربعة.
و القول بالاستحسان المخالفِ للقياسِ لا يمكنُ إلاّ مع القول
بتخصيصِ العلَّةِ . وما ذكروه من اعتراضِ النصِّ على قياسِ الأصولِ فهو أحد أنواع تخصيصِ العلَّةِ، وهذا تسليم منهم لكونِ العلَّة تَقْبَلُ التخصيصَ فيَ الجملة. وأما من جَوز تخصيصَ العلة بمجرّدِ دليل لا يُبيِّنُ الفرقَ بين صورةِ التخصيص وغيرِها فهذا مَوْرِدُ النزاعِ في
стр. 526
الاستحسان المخالفِ للقياسِ وغيرِه.
ثمّ هذه العلَّة إن كانتْ مستنبَطةً وخُصتْ بنصٍّ، ولم يُبيَنِ الفرقُ المعنويُ بين صورةِ التخصيصِ وغيرِها فهذا أضعفُ ما يكونُ. وهذا هو الذي كان يُنكِرُه كثيراً الشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهما على من يفعلُه من أصحاب أبي حنيفةَ وغيرهم. وكلامُ أحمدَ فيما تقدَّمَ أرادَ به هذا، فإنَّ العلّةَ المبيّنةَ لم تُعْلَمْ صِحَّتُها إلاّ بالرأي، فإذا عارضَها النصُّ كان مُبطِلاً لها. والنصُّ إذا عارض العلَّة دلَّ علَى فسادِها، كما أنه إذا عارضَ الحكمَ الثابتَ بالقياس دلَّ على فسادِه بالإجماع.
وأما إذا كانت العلَّة منصوصةً، وقد جاء نص بتخصيصِ بعض صُوَرِ العلَّة، فهذا ممّا لا يُنكِرُه أحمد، بل ولا الشافعي وغيرُهما، كما إذا جاء نصّ في صورةٍ ونصٌّ يُخالِفُه في صورةٍ أخرى، لكنْ بينَهما شَبَه لم يَقُمْ دليل على أنه مَنَاطُ الحكم فهؤلاء يُقِرُّوْنَ النصوصَ، ولا يَقِيْسُوْنَ منصوصاً على منصوصٍ يُخالِفُ حكْمَه، بل هذا من جنس الذين قالوا: (إنَمَا اَلْبَيع مِثلُ الرِّبَا) (١). وهذا هو الذي قال أحمد فيه: "أنا أذهب إلى كل حديث كما جاء، ولا أَقِيسُ عليه "، أي لا أَقِيْسُ عليه صورةَ الحديث الآخر، فأجعلُ الأحاديثَ متناقضة، وأدفعَ بعضَها ببعضٍ، بل أستعملُها كلَّها./
والذين يدفعون بعضَ النصوصِ ببعضٍ يقولون: الصورتان سواء لا فرقَ بينهما، فيكون أحدُ النصَّينِ ناسخاً للآخر. ومثل هذا
стр. 527
كثيراَ ما يتنازعُ فيه فقهاءُ الحديث ومن يُنازِعُهم ممّن يَقيسُ منصوصاَ على منصوصٍ، ويجعل أحدَ النصيْنِ منسوخاً لمخالفتِه قياسَ النّصَ الآخرِ في طَيِّ هذا القياسِ.
ويَبْقَى الأمرُ دائراَ هل دلَّ الشرعُ على التسويةِ بين الصورتينِ حتى يُجْعَلَ حُكْمُهما سَوَاءَ، ويُجعَلَ الحكمُ الواردُ في إحداهما منسوخا بالحكمٍ المضاد له الواردِ في الأخرى، كما يقوله من يجعل القرعةَ منسوخة بآية الميسر (١)، وأَمْرَ المأمومين بأن يتبعوا الإمام، فإذا كبَّر كبّروا، وإذا ركع ركعوا، وإذا صَلَّى جالساً صَلَّوا جلوساً أجمعين-: منسوخاً بدوام قيامهم في الصلاة التي صَلَّوا بعضَها خلفَ إمام قائمِ، وباقِيهَا خلفَ إمامِ قاعدِ. ويَجعلُ حديثَ الأضحيةِ والهَدْي أَحدَهما منسوخاً بالآخر (٢). ويجعلون قَطْعَ جاحدِ العاريةِ (٣) منسوخَاً إذا سلَّموا أنه قطعها لذلك، منسوخاً" (٤) بقوله: "ليس على
стр. 528
المختلسِ ولا المنتهب ولا الخائن قَطْعٌ " (١). ويجعلون العقوبةَ الماليةَ منسوخةً بالنهي عن إضاعةِ المال (٢)، ويَجعلون تضعيفَ الغُرْم على من دُرِئَ عنه القطعُ منسوخاً بقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (٣).
ويجعل (٤) تقضيةَ ما شرَطَه النبي ﷺ بينَه وبينَ المشركين في الهُدْنةِ (٥) منسوخاً بقوله: "من اشترطَ شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل" (٦).
стр. 529
وكثير مما يَدعونه في الناسخ لا يعلمون أنه قيل بعد المنسوخ.
فهذا ونحوه من دفع النصوص البينةِ الصريحة بلفظ مجمل أو قياس هو مما كان يُنكِرُه أحمد وغيره.
وكان أحمد يقول: " أكثرُ ما يخطئ الناسُ من جهة التأويلِ والقياسِ" (١). وقال: "ينبغيْ للمتكلِّم في الفقه أن يَجْتَنِبَ هذين الأصلينِ: المجملَ والقياسَ" (٢). ومرادُه أنه لا يُعارِضُ بهما ما ثَبتَ بنص خاص، ولا يَعْمَلُ بمجردِهما قبلَ النظَرِ في النصوص والأدلةِ الخاصةِ المقيّدةِ. والمطلق يدخل في كلامه وكلام غيره من الأئمة كالشافعي وغيره في المجمل، لا يريدون بالمجمل مالا يُفهَم معناه كما يَظنه بعضُ الناس (٣)، ولا مالا يَستقل بالدلالة، فإن هذا لا يجوز الاحتجاج به بحالٍ.
стр. 530
وأما إذا جاء نصان بحكمين مختلفين في صورتين وثَمَ صُوَر مسكوت عنها فهلْ يُقَال: القياس هو مقتضى أحد النَصّينِ؟ فما سكتَ عنه نُلحِقُه به وإن لم نَعرِف المعنى الفارق بينه وبين الآخر.
فهذاْ هو الاستحسان الذي تنوزعَ فيه، فكثير من الفقهاء يقول به، كأصحاب أبي حنيفةَ وكثيرِ من أصحاب أحمدَ وغيرِهم. وهذا هو الذي ذكَره القاضي بقوله (١): "اعتراضُ النصِّ على قياس الأصول ". وهو في الحقيقة قول بتخصيص العلة كما تقدم.
ومن لم يُجوِّز تخصيصَها إلاّ بفارقي بين صورة التخصيص وغيرِها يقول: لابُد أن يُعلَم الجامعُ أو الفارقُ، فليس إلحاقُ المسكوتِ بأحد النصيْنِ بأولى من إلحاقِه بالآخر. وإذا عُلِم المعنى في أحد النصين ولم يُعلَم في الآخر، وجاز أن يكون المسكوت عنه في معنى هذا ومعنى هذا لم يُلْحَقْ بواحدِ منهما إلاّ بدليل. وإذا عُلِم المعنى في أحد النصينِ ووجودُه في المسكوت عنه، ولم يعلَم المعنى في الآخر فهذا أقوى من الذي قبله، فإنه هنا قد عُلِم مقتضى القياس الصحيح وشمولُه لصورةِ المَسْكُوت. وأما وجودُ الفارقِ فيه فمشكوك فيه.
وهذا نظيرُ أَخْذِ أحْمَدَ بالنصوص الواردة في سجود سهوِ (٢)،