← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الأمور السمعية التي لا تُعلَم إلَاّ بالسمع، وهو قول كثير من أصحابنا والأشعرية وغيرهم. وذهبَ طوائفُ إلى أنه يُعلَم بالعقل، ثُمَّ تنوعت مسالكُهم: منهم من بناه على وجوب العدل، وأن ذلك يَقتضي معادًا غيرَ هذه الدار، يُجزَى فيها الظالموَن بظلمهم، أو يُعَوَّض المعذَّبون على عذابهم. وهذا مسلك كثير من المعتزلة وغيرهم. ومنهم من بناه على أن الروح غير البدن، وأنها باقيةٌ بعده، وأن لها من النعيم والعذاب الروحانيينِ ما لا يُفارِقُها. وهذا مسلك كثير من المتفلسفة ومن نحا نحوَهم، ومن هؤلاء من يثبِتُ معادَ الأرواح العالمةِ دون الجاهلة، وفيهم من يُنكِر المعادَيْنِ. والصواب أنَّ معرفتَه بالسمع واجبةٌ، وأمَّا بالعقل فقد تُعرَف وقد لا تُعرَف، فليست معرفتُه بالعقل ممتنعةً، ولا هي أيضًا واجبةٌ. وأما المتفلسفةُ فتُثبتُ المعادَ بالعقلِ، وتُثبِت التكليفَ العقلي، وأما ما جاء به السَّمع من المعاد والشرائع فلها فيه تأويلاتٌ محرَّفةٌ. فصارت الأقسام في الإيمان باليوم الآخر وفي العمل الصالح: هل هو معلومٌ بالشرع وحدَه أو بالعقل وحدَه أو يُعلَمُ بكل منهما؟ فيه هذا الخلاف بين أهل الأرض. وإن كان الصواب أن ذلك معلومٌ جميعُه بالشرعِ قطعًا، وقد يُعلَم بعضه [بالعقل]. بل مثل هذا الخلاف ثابتٌ في معرفة الله تعالى، لكن التجاء المتكلمين هناك إلى العقل أكثر. وكثير من المتكلمين -كأكثر المعتزلة وكثير من الأشعرية- لا يُعلَم عندهم وجودُ الربِّ وصفاته إلا بالعقل، كما يزعمه الفلاسفة، مع اضطراب هؤلاء وآخرين في مقابلتهم.

стр. 912

وقد كتبتُ تفاصيلَ أقوالِ الناس وبَيَّنتُ مذهبَ أئمة السنَّة والحديث في هذا الأصل في "قاعدة نفي التشبيه ومسألة الجسم"، وإنما الغرض هنا التكليف وتوابعُه. وإنما قَرنتُ بين الأصول الثلاثة التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) (١)، فأشرتُ إلى طرق الناس في معرفتها. والحمد لله وحده أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، حمدًا كثيرًا مباركًا دائمًا بدوامِه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (فرغتُ يوم الثلاثاء سادسَ عشرَ من شهر صفر سنة ست وستين وسبع مئة. علَّقَها العبد الفقير إلى رحمةِ ربه الغفور، وعفوِه وصفحه وجودِه وكرمِه وسترِه وبرّه ومَنِّه: عبد المنعم البغدادي الحنبلي، عفا الله عنه بمنّه وكرمِه وعن جميع المسلمين). ***

стр. 913

مسألة فيمن قال: إن عليًّا أشجعُ من أبي بكر

стр. 914

مسألة في رجلين تكلما فقال أحدهما: إن عليًّا أشجع من أبي بكر، وقال آخر: [إن] أبا بكر أشجع الصحابة. الجواب الحمد لله. الذي عليه سلف الأمة وأئمتُها أن أبا بكر الصديق أعلم الصحابة وأدينُ الصحابة وأشجعُ الصحابة وأكرمُ الصحابة، وقد بُسِط هذا في الكتب الكبار وبُيِّن ذلك بالدلائل الواضحة. وذلك أن الشجاعةَ ليستْ [عند] أهلِ العلم بها كثرةَ القتل باليد ولا قوةَ البدن، فإن نبينا ﷺ أشجع الخلق، كما قال علي بن أبي طالب (١): كُنّا إذا احمرَّ البأسُ ولَقِيَ القومُ القومَ كُنَّا نتّقي برسولِ الله ﷺ ، فكان يكون أقربَ إلى القوم منا. وقد انهزمَ أصحابُه يومَ حُنَين وهو على بَغْلِه يسوقُها نحو العدوّ، ويتسمَّى بحيث لا يُخفِي نفسَه، ويقول: أنا النبيّ لا كَذِبْ ... أنا ابنُ عبد المطلبْ (٢) ومع هذا فلم يَقتُل بيده إلا واحدًا، وهو أُبيّ بن خلف، قتلَه يومَ أُحُد. وكان في الصحابة من هو أكثر قتلًا من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وإن كان لا يفضل عليهم في الشجاعة، مثل البراء بن مالك أخي أنس بن مالك، فإنه قتلَ مئةَ رجلٍ مبارزةً غيرَ مَن شركَ في دَمِه.

стр. 915

ولم يقتل أحد من الخلفاء على عهد النبي ﷺ هذا العدد، بل ولا حمزةُ سيّدُ الشهداء -الذي يُقال: إنه أسدُ الله ورسولِه- لم يَقتلُ هذا العدد، وهو في الشجاعة إلى الغاية. وكذلك الزبير بن العوَّام هو في الشجاعة إلى الغاية، حتى قال فيه النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن لكل نبيٍّ حواريًا، وحَوارِي الزبيرُ" (١)، ولم يَقتُل في عهد النبي ﷺ هذا العددَ. وغزواتُ النبي ﷺ وسراياه مضبوطة عند أهل العلم بالسيرةِ والحديث، والله تعالى كان يُبارِك لنبيّه وأصحابه في مغازيهم، فمع العمل القليل يَظهرُ الإسلام وتفشو الدعوة ويدخلون في دين الله أفواجًا. ومجموعُ من قَتَلَ الصحابةُ كلُّهم مع النبي ﷺ لا يَبلُغون ألفَ نفسٍ، بل أقلّ من ذلك، ومع هذا ببركة الإيمان فُتِحتْ أرضُ العرب كلُّها في حياتِه. وكان القتلُ يومَ بدرٍ، وهي أول مغازي القتال، وأسروا منها سبعين أو نحوها. وأما يومَ أحد فقُتِلَ الكفّارُ قليلًا جدًّا، وكذلك يومَ الخندق ويومَ فتح مكة، والقتلى في خيبر وحنين ليسوا بالكثير. وأعظمُ عددًا قُتِلوا جميعًا قَتْلَى قُريظةَ، فإنهم بلغوا ثلاث مئة أو أربع مئة قتلهم جميعًا. وجملةُ مغازي النبي ﷺ بضعٌ وعشرون غزاةً، وكان القتال فيها في تسعٍ: مغازي بدر وأحد والخندق وبني المصطلق وقريظة (٢) وخيبر والفتح وحنين والطائف، وأعظم ما كان مع النبي ﷺ يومَ تبوك بَلَغوا عشراتِ ألوفٍ، ولكن لم يكن في تبوك قِتالٌ، بل أقامَ النبي ﷺ بتبوكَ عشرين يومًا يَقْصُر الصلاةَ، وكان قد جاء لقتالِ النصارى من الروم والعرب وغيرهم، فلم يُقدِمُوا على قتاله.

стр. 916

وأما هذه المحاربات التي يذكرها الكذّابون، وكثرة القتلى التي يذكرها أهل الفِرية، فكذبُها معروفٌ عند كل عالمٍ. وإذا كان القتلى نحوًا ممن ذكروا [و] المُقاتِلةُ في الصحابة كثيرون من المهاجرين والأنصار، مثل عمر وعلي وحمزة والزبير والمقداد وأمثالهم، ومثل أبي أيوب وأبي طلحة وأبي قتادة وأبي دُجانة، ثم مثل خالد بن الوليد وأمثاله، وقَتْلُ الواحدِ من هؤلاء يُقارِبُ قتلَ عمر وعلي وغيرهما، ينقص عنه أو يزيد عنه، ولهذا لما جاء علي ﵁ أخذ بسيفِه إلى فاطمة وقال: اغسليه عن دمهم، قال له النبي ﷺ : "إن تكن أحسنتَ فقد أحسنَ فلان وفلان" (١) وسمَّى طائفة من المسلمين-: عُلِمَ (٢) أنه لم يمتنع أن يكون أحد من الخلفاء قَتَلَ مئة من الكفار مع النبي ﷺ . وأما خالد بن الوليد والبراء بن مالك وأمثالهما فهؤلاء قتلَ الواحدُ منهم مئةً وأكثر، لمغازيهم بعد موت النبي ﷺ ، فإنهم لما غَزَوا أهلَ الردَّة وفارس والروم كان القتلى من الكفّار كثيرًا جدًّا لكثرة الجموع. والخلفاء الراشدون لم يَغزُ أحدٌ منهم بعد موتِ النبي ﷺ ، ولا باشرَ بنفسه قتال الكفّار بعده، وإنما كانوا هم أولي الأمر، فكان أبو بكر يُشاوِر عمر وعثمان وعليا وغيرهم، وكذلك عمر كان يُشاوِر هؤلاء وغيرهم، وهم عنده. ولكن الزبير بن العوَّام شَهِدَ فتح مصرَ، وسعد ابن أبي وقاص فتح العراق، وأبو عبيدة بن الجراح فتح الشام. وإذا تبيَّن هذا فالشجاعة هي ثباتُ القلب وقوتُه، وقوَّةُ الإقدامِ

стр. 917

على العدوِّ، والبعدُ عن الجزع والخوف، فهي صفة تتعلق بالقلب، وإلَاّ فالرجل قد يكون بدنُه أقوى الأبدان، وهو من أقدر الناس على الضرب والطعن والرمي، وهو ضعيف القلب جَبَان، وهذا عاجزٌ. وقد يكون الرجل يَقتُل بيده خلقًا كثيرًا، وإذا دَهَمَتْه الأمور الكبار مالتْ عليه الأعداءُ، فيضعُف عنهم أو يَخاف. وأبو بكر الصديق كان أقوى الصحابة قلبًا وأربطَهم جَأْشًا وأعظمهم ثباتًا وأشدَّهم إقدامًا وأبعدَهم عن الجزع والضعف والجبن، ولهذا كان النبي ﷺ يَصْحَبُه وحدَه في المواضع التي يكون أخوف ما يكون فيها، كما صحبه في الهجرة، وكان معه في الغار، والأعداء يطلبهما ويَبذل ديتهما لمن يأتي بهما، وكان معه في العريش يومَ بدرٍ وحدَه والكفَّارُ قاصدون الرسولَ خصوصًا. ولهذا لما مات النبي ﷺ ظهر من شجاعتِه وبَسَالتِه وصبرِه وثباتِه وسياستِه وتدبيرِه وإمامتِه للدين وقَمْعِه للمرتدّين ومعونتِه للمؤمنين وسَدِّ ظهورهم ما لا تَتَّسَح هذه الورقة. وكل من له بالشجاعةِ أدنى خبرة يَعلَم أَنه لم يكن منهم من يُقارِبُه في الشجاعة فضلًا أن يُشَارِيَه. وكذلك كان عمر، كان أشجعهم بعده، كما أن أبا بكر كان أعلمهم، كما ذكر الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني إجماع العلماء على أن أبا بكر أعلمُ الأمة بعد رسولِ الله ﷺ ، وهو مبسوط في غير هذا الموضع (١). والله أعلم. ***

стр. 918

تفسير أول سورة العنكبوت

стр. 919

قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتي الفرق أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀: فصل قال الله تعالى: (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)) (١). وقال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)) (٢). وقال الله تعالى لما ذكر المرتد والمكره بقوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) (٣) قال بعد ذلك:

стр. 920

(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)) (١). فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إمّا أن يقول أحدهم: آمنّا، وإما أن لا يقول: آمنّا، بل يستمر على عمل السيئات. فمن قال "آمنّا" امتحنه الرب وابتلاه، وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل "آمنّا" فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته، فإنَّ أحدًا لن يُعجز الله تعالى. هذه سنته تعالى، يُرسل الرسل إلى الخلق، فيكذبهم الناس ويؤذونهم، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ) (٢)، وقال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (٣)، وقال تعالى: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) (٤). ومن آمن بالرسل وأطاعهم عَادَوه وآذَوه، فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم عُوقِب، فحصَلَ ما يؤلمه أعظم وأدوم. ف لابد من حصول الألم لكل نفسٍ سواءً آمنت أم كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة. والكافر تحصل له النعمة ابتداءً، ثم يصير في الألم. سأل رجل الشافعيَّ فقال: يا أبا عبد الله! أيما أفضل للرجل أن يمكَّن أو يُبتلَى؟ فقال الشافعي: لا يمكَّن حتى يُبتلَى، فان الله ابتلى

стр. 921

نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامُه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكَّنَهم، فلا يظن أحدٌ أن يخلص من الألم البتَّةَ. وهذا أصلٌ عظيم، فينبغي للعاقل أن يعرفه، وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان مدنيّ الطبع، لابدَّ له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذَّبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب تارة منهم وتارة من غيرهم. ومن اختبر أحوالَه وأحوالَ الناس وجدَ من هذا شيئًا كثيرًا، كقومٍ يريدون الفواحش والظلم، ولهم أقوال باطلة في الدين أو شرك، فهم مرتكبون بعض ما ذكره الله من المحرمات في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (١). وهم في مكان مشترك، كدارٍ جامعة أو خانٍ أو قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أو مدينة فيها غيرهم، وهم لا يتمكنون مما يريدون إلا بموافقة أولئك، أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم، فيطلبون من أولئك الموافقة أو السكوت، فإن وافقوهم أو سكتوا سَلِمُوا من شرهم في الابتلاء، ثمَّ قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يُهِينونهم ويعاقبونهم أضعاف ما كان أولئك يخافونه ابتداءً، كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل، إما في الخبر، وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم، فإن لم يُجِبهم آذَوه وعَادَوه، وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيُهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه، وإلاّ عذب بغيرهم.

стр. 922

فالواجب ما في حديث عائشة الذي بَعَثَتْ به إلى معاوية، ويُروى موقوفًا ومرفوعًا (١): "من أرضى اللهَ بسخط الناسِ كفاه الله مؤونةَ الناس -وفي لفظ: ﵁ وأرضى عنه الناس-، ومن أرضى الناسَ بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئًا -وفي لفظٍ: عاد حامدُه من الناس ذامًّا-". وهذا يجرى فيمن يُعِين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يُعِين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم. فمن هداه الله وأرشده امتنع من فعلِ المحرم وصبَر على أذاهم وعداوتهم، ثمَّ تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم، مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعُبَّادِها وتُجَّارِها ووُلاتِها. وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطانُ المخالفة، كالمُكْرَه على الكفر، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا أنه لابدّ من الابتلاء بما يؤذي الناس، فلا خلاصَ لأحدٍ ممّا يؤذيه البتَّة. ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع أنه لابدّ أن يبتلي الناس، والابتلاء يكون بالسرَّاء والضرَّاء، ولابدَّ أن يَبتليَ الإنسانَ بما يَسُرُّه ويسوؤه، فهو محتاج إلى أن يكون صابرًا شكورًا، قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)) (٢)، وقال تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)) (٣)، وقال تعالى:

стр. 923

(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)) (١)، وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)). هذا في آل عمران (٢)، وقد قال قبل ذلك في البقرة، فإن البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)) (٣). وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلص جيَّدُه من رديئه حتى يُفْتَنَ في كِيْرِ الامتحان، إذ كانت النفس جاهلة ظالمةً، وهي مَنْشأ كلِّ شرٍّ يَحصُل للعبد، فلا يحصل له شرّ إلا منها، قال تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (٤)، وقال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (٥)، وقال: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)) (٦)، وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (٧)، (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)) (٨).

стр. 924

وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت، وفي كلِّ ذلك يقول: إنهم ظلموا أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون، وأول من اعترف بذلك أبواهم، قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)) (١)، وقال لإبليس: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)) (٢)، وإبليس إنما تبعه الغواة منهم، كما قال: (بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (٣)، وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (٤). والغيّ: اتباع هوى النفس. وما زال السلف معترفين بذلك كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود (٥): أقول فيها برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. وفي الحديثِ الإلهي حديثِ أبي ذر (٦) الذي يرويه الرسول عن ربّه : "يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". وفي الحديث الصحيح (٧) حديث سيد الاستغفار [أن] يقول العبدُ:

стр. 925

"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". من قالها إذا أصبح موقنًا بها فماتَ من يومِه دخلَ الجنَّة، ومن قالها إذا أمسى موقنًا بها فمات من ليلته دخل الجنَّة". وفي حديث أبي بكر الصديق (١) من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله ﷺ علَّمه ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعَه: "اللهم فاطرَ السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ربّ كلّ شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنتَ، أعوذ بك من شرِّ نفسي وشرِّ الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجرّه إلى مسلم". قُلْه إذا أصبحت وإذا أمسيتَ وإذا أخذتَ مضجعَك. وكان النبي ﷺ يقول في خطبته (٢): "الحمد لله، نستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا". وقد قال النبي ﷺ : "إني آخذ بحُجزكم عن النار وأنتم تتهافتون تهافُتَ الفَراشِ" (٣). شبَّهَهم بالفراش لجهله وخفّة حركته، وهي صغيرة النفس، فإنها جاهلة سريعة الحركة.

стр. 926

وفي الحديث: "مثل القلب مثل ريشةٍ مُلْقَاةٍ بأرض فلاةٍ" (١). وفي حديث آخر: "لَلقلبُ أشدُّ تقلُّبًا من القِدرِ إذا استجمعتْ غَلَيانًا" (٢). ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل. ولهذا يقال لمن أطاع من يُغويه: إنه استخفَّه. قال عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) (٣). وقال تعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)) (٤)، فإن الخفيف لا يثبت بل يَطِيشُ، صاحب اليقين ثابت. يقال: أيقنَ، إذا كان مستقرًا، واليقين: استقرار الإيمان في القلب علمًا وعملًا، فقد يكون علم العبد جيّدًا، لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش. قال الحسن البصري: إذا شئت أن ترى بصيرًا لا صبرَ له رأيتَه، وإذا شئتَ أن ترى صابرًا لا بصيرةَ له رأيتَه، فإذا رأيتَ بصيرًا صابرًا فذاك. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)) (٥). ولهذا تُشبَّه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادِها، وغضبُها وشهوتُها من النار، والشيطان من النار. وفي السنن (٦) عن النبي ﷺ أنه قال: "الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، وإنما تُطفَأ النّارُ بالماء، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضأ". وفي الحديث الآخر (٧):

стр. 927

"الغضب جمرةٌ تُوقَد في جوف ابن آدم، إلا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجِه"، وهو غليان دم القلب لطلب الانتقام. وفي الحديث المتفق على صحته (١): "الشيطان يجري من اَبن آدم مجرى الدم". وفي الصحيحين (٢) أن رجلين استبَّا عند النبي ﷺ وقد اشتدَّ غضبُ أحدهما، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمةً لو قالَها لذهبَ عنه ما يجدُ، لو قال: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم". وقد قال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٩)) (٣)، وقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)) (٤)، وقال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)) (٥).

стр. 928

مسألة في قوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... )

стр. 929

مسألة في قوله (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)) الآية (١). الجواب الحمد لله. المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية النعم والمصائب ، كما في قوله تعالى (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٢)، وقال تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) (٣)، (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ) (٤)، وقال تعالى عن قوم فرعون: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) (٥). وهذه الآية نزلت في سياق الأمر بالجهاد وذمّ المنافقين، فقال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)) (٦). كانوا إذا أصابهم نصرٌ ورزقٌ ونحو ذلك قالوا: هذا، من الله، وإذا أصابهم خوفٌ وقحطٌ ونحو ذلك قالوا: هذا من

стр. 930

محمدٍ بسبب الدين الذي جاء به، كما قال قوم فرعون في حق موسى، فقال الله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨))، فإن محمدًا إنَّما جاءهم بالهدى والحق، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر. ثم قال (١): (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) من نصرِ ورزقٍ ونحو (فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) من خوفِ وجَدْبِ وغير ذلك (فَمِنْ نَفْسِكَ) أي بذنوبك، وكان ذلك بقضاء الله وقدره، ولكن القدر نؤمن به ولا نحتج به، فليس للعبد على الله حجة، بل لله الحجة البالغة. ونظير هذا قوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)) (٢)، وقوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)) (٣) وقوله: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (٤). وفي الصحيح (٥): "إن الله يقول: يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثمّ أوفيكم إياها، فمن وَجَد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه". وفي سيد الاستغفار أن يقول العبد: "اللهُمَّ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتَني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أَبُوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأَبُوءُ بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". مَن قال ذلك إذا أصبحَ موقنًا به فماتَ من يومِه دخل الجنة، ومن قاله إذا

стр. 931

أمسى موقنًا به فماتَ من ليلتِه دخل الجنة. رواه البخاري (١). وقوله "أبوءُ لك بنعمتك عليَّ" أي أَعترِف وأُقِرُّ بنعمتك، وأعترف وأُدرُّ بذنوبي. فمن قال: إنه لا يُؤاخَذ، أو إنه لم يُذنِب ولم يُخطِئْ، أو إنّ من شَهِدَ الحقيقةَ سقطَ [عنه] الأمرُ والنهيُ والعقابُ والثوابُ-: فهو مشركٌ أكفر من اليهود والنصارى، ومن قال: إن الله لم يُقدِّرْ ذلك ولم يَقضِه، فهو من مجوس هذه الأمة القدرية. ومن آمنَ بأن كلَّ شيء بقضاءِ الله وقدره، وعَلِمَ أن القدرَ يُؤمَن به ولا يُحتَجُّ به على الله، وأنه ليس للعبد على ربّه حُجَّة، بل لله الحجة البالغة، فإذا عَمِلَ حسنةً شكَرَ الله عليها، وإذا عَمِلَ سيئةً استغفر الله منها-: فهو موحِّد. ومن قال: إن الحسنات والسيئات في هذه الآية المراد بها الطاعات والمعاصي، كما في قوله (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) (٢) فهو مخطئٌ غالط، فإنّ هذا يَلزم منه تناقضُ القرآن، فإنه قد أخبرَ أن كُلاًّ من عند الله، وأخبر أن الحسنة من الله والسيئة من نفسك. وأيضًا فإنه قال "ما أصابك"، ولم يقل "ما أصبتَ"، فلو أراد أفعالَ العباد لقال: "ما أصبت" أو "ما كسبتَ" أو "ما فعلتَ" ونحو ذلك. ولكن أرادَ النِّعَم والمصائب، وهي جميعُها من عند الله، لكن النعم من إنعامه وإحسانه، والمصائب بسبب ذنوب العباد، ولهذا قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) (٣). والله أعلم. أجاب به أحمد بن تيمية أيَّده الله تعالى.

стр. 932

قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات وبيان اقتران التهليل بالتكبير والتسبيح بالتحميد

стр. 933

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرا دائما إلى يوم الدين. فصل في الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقد ثبت في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الكلام بعد القرآن أربعٌ وهنَّ من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وقد ذكرنا ما يتعلق بمعانيها في مواضع (٢)، والمقصود هنا أن نقول: التسبيح مقرون بالتحميد ، والتهليل مقرون بالتكبيرِ، فإن الله تعالى يذكر في غير موضع التسبيحَ بحمده، كقول الملائكة: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) (٣)، وقوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (٤)، وقوله تعالى: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (٥)، وقوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) (٦)، وقو له: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)) (٧). ولا ريبَ أن الصلاة الشرعية تتضمن ما أمر به من التسبيح بحمده، كما قد بين النبي ﷺ ذلك في مثل حديث جرير المتفق عليه (٨) أنه

стр. 934

نظر إلى القمر فقال: "إنكم سترون ربَّكمِ كما ترون هذا القمر لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)) (١). وأيضًا ففي صحيح مسلم (٢) عن النبي ﷺ أنه سُئِل أيُّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده". وفي الصحيحين (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وأما التكبير فهو مقرونٌ بالتهليل في الأذان، فإن المؤذن يكبّر ويهلّل، وفي تكبير الإشراف: كان إذا عَلَا نشزًا كبَّر ثلاثًا وقال: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعدَه، ونصَر عبدَه وأعزَ جندَه، وهزم الأحزاب وحده". وهو في الصحيحين (٤). وكذلك على الصفا والمروة، وكذلك إذا ركب دابة، وكذلك في تكبير الأعياد. والتكبير مشروعٌ في الأماكن العالية، والتسبيح عند الانخفاض، كما في السنن عن جابر (٥) قال: كنا مع رسولِ الله ﷺ إذا عَلَونا

стр. 935

كبّرنا، وإذا هبطنا سبَّحنا". فوُضِعت الصلاة على ذلك، والمصلي في ركوعه وسجوده يُسبِّح، ويكبِّر في الخفض والرفع، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك عن النبي ﷺ . ومن اقتران التهليل بالتكبير قول النبي ﷺ لعدي بن حاتم: "يا عديّ! ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إلهٍ إلا الله؟ ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ ". رواه أحمد والترمذي (١) وغيرهما. فنقول: التسبيح والتحميد يجمع النفي والإثبات ، نَفْي المعائب وإثبات المحامد، وذلك يتضمن التعظيم، ولهذا قال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)) (٢)، وقال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)) (٣). وقد قال النبي ﷺ : "اجعلوا هذه في ركوعكم، وهذه في سجودكم" (٤). وقال: "أما الركوع فعظِّموا فيه الرب" (٥). فالتسبيح يتضمن التنزيه المستلزم للتعظيم، والحمد يتضمن إثبات المحامد المتضمن لنفي نقائصها. وأما التهليل والتكبير فالتهليل يتضمن اختصاصَه بالإلهية، وما يستلزم الإلهيةَ فهذا لا يكون لغيره، بل هو مختصّ به، والتكبير

стр. 936

يتضمن أنه أكبر من كل شيء، فما يَحصُلُ لغيره من نوع صفات الكمال -فإنّ المخلوقَ متصفٌ بأنه موجود وأنه حيٌّ وأنه عليم قدير سميع بصير إلى غير ذلك- فهو سبحانَه أكبر من كل شيء، فلا يساويه شيء في شيء من صفات الكمال، بل هي نوعان: نوع يختصُّ به ويمتنع ثبوته لغيره، مثل كونه ربّ العالمين، وإله الخلق أجمعين، الأول الآخر الظاهر الباطن القديم الأزلي الرحمن الرحيم مالك الملك عالم الغيب والشهادة، فهذا كله هو مختصٌّ به، وهو مستلزم لاختصاصه بالإلهية، فلا إله إلا هو، ولا يجوز أن يُعبَد إلا هو، ولا يُتوكل إلاّ عليه، ولا يُرغَب إلا إليه، ولا يُخشَى إلا هو. فهذا كلُّه من تحقيق "لا إله إلا الله". وأما "الله أكبر" فكل اسم يتضمن تفضيله على غيره، مثل قوله: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)) (١)، وقوله: (فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)) (٢)، وقوله: (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)) (٣) و (وَأَنتَ خَيرُ الغَافِرينَ (١٥٥)) (٤)، كما قال النبي ﷺ لعديّ بن حاتم: "أيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ ". وأما قول بعض النحاة إن "أكبر" بمعنى كبير، فهذا غلط مخالفٌ لنصّ الرسول ﷺ ولمعنى الاسم المنقول بالتواتر. وكذلك قول بعض الناس إنه أكبرُ مما يُعلَم ويُوصَف ويُقَال، جَعَلوا معنى "أكبر" أنه أكبر مما في القلوب والألسنة من معرفته ونَعْته، أي هو فوق معرفةِ

стр. 937

العارفين، وهذا المعنى صحيح، لكن ليس بطائل، فإن الأنبياء والرسل والملائكة والجنة والنار وما شاء الله من مخلوقاته هي أكبر مما يعرفه الناس، قال الله تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) (١)، وقال تعالى: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطَر على قلبِ بشر" (٢). فبعض مخلوقاته هي أكبر في معرفة الخلق من البعض، بخلاف ما إذا قيل إنه أكبر من كل شيء، فهذا لا يشركه فيه غيرُه. وبذلك فَسَّر النبي ﷺ هذه الكلمة في مخاطبته لعدي بن حاتم حيث قال: "أيُفِرّك أن يقال الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ ". وعلى هذا فعِلمُه أكبر من كل علم، وقدرتُه أكبر من كل قدرة، وهكذا سائر صفاته، كما قال تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (٣). فشهادته أكبر الشهادات. فهذه الكلمة تقتضي تفضيلَه على كل شيء مما تُوصف به الأشياء من أمور الكمالات التي جعلَها هو سبحانه لها. وأما التهليل فيتضمن تخصيصَه بالإلهية، ليس هناك أحد يتصف بها حتى يقال إنه أكبر منه فيها، بل لا إله إلا الله. وهذه تضمنت معنى نفي الإلهية عمّا سواه وإثباتها له، وتلك تضمنت أنه أكبر مطلقًا، فهذه تخصيص وهذه تفضيل لما تضمنه التسبيح والتحميد من النفي والإثبات، فإنّ كل ذلك إما أن يكون مختصًّا به، أو ليس كمثله أحدٌ فيه.

стр. 938

ولهذا كان التكبير مشروعًا على مشاهدة ماله نوع من العظمة في المخلوقات، كالأماكن العالية، والشياطين تهرب عند سماع الأذان، والحريقُ يُطفَأ بالتكبير، فإن مَرَدَة الإنس والجن يستكبرون عن عبادته ويَعلُون عليه ويُحادُّونه، كما قال عن موسى وجاءهم رسول كريم: (وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩)) (١). فالنفوس المتكبرة تَذِلُّ عند تكبيره سبحانه. و التهليل يمنع أن يُعبَد غيرُه ، أو يُرجَى أو يُخَاف أو يُدعَى، وذلك يتضمن أنه أكبر من كل شيء، وأنه مستحقٌّ لصفات الكمال التي لا يستحقها غيرُه، فهي أفضل الكلمات، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبةً أو ستون، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (٢). وفي حديث "الموطأ" (٣): "أفضل ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". وفي سنن ابن ماجه (٤) وكتاب ابن أبي الدنيا (٥) عن النبي ﷺ : "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". وهذه الكلمة هي أساس الدين، وهي الفارقة بين أهل الجنة

стр. 939

وأهل النار، كما في صحيح مسلم (١) عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "الموجبتان: من مات لا يُشرِك بالله شيئا دخلَ الجنَّة، ومن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار". وفي الصحيح (٢) عنه: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي الصحيح (٣) أيضًا: "لَقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله". وهي الكلمة الطيبة التي ضربها الله مثلًا كشجرةٍ طيبة، وهيِ بُعِث بها جميعُ الرسل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)) (٤)، (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)) (٥). وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم في عَقِبه: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)) (٦). وهي دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) (٧)، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)) (٨). وكل خطبة لا تكون فيها شهادة فهي جَذْماء، كما في سنن الترمذي (٩) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي

стр. 940

كاليد الجذماء". و الحمد مفتاح الكلام ، كما في سنن أبي داود (١) عن النبي ﷺ : "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمد فهو أجذم". ولهذا كانت السنة في الخُطَب أن تُفتَتح بالحمد، ويُختَم ذكرُ الله بالتشهد، ثم يتكلم الإنسان بحاجته، وبها جاء التشهد في الصلاة أوّله: "التحيات لله"، وآخره: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه". وفاتحة الكتاب نصفان: نصفٌ لله، ونصفٌ للعبد، ونصفُ الربّ أوله حمد وآخره توحيد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، ونصف العبد هو دعاء، وأوله توحيد (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)). والتكبير والتهليل والتسبيح مقدمة التحميد، فالمؤذن يقول: "الله أكبر الله أكبر"، ثم يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله"، ويختم الأذان بقوله: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله". وكذلك تكبيرات الإشراف والأعياد تُفتَتح والتكبير وتُختَم بالتوحيد، فالتكبير بساط. وكذلك التسبيح مع التحميد "سبحان الله وبحمده"، (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)، لأن التسبيح يتضمن نفي النقائص والعيوب، والتحميد يتضمن إثبات صفات الكمال التي يُحمَد عليها. فصل وهو في نفس الأمر لا إله غيره، وهو أكبر من كل شيء، وهو المستحق للتحميد والتنزيه، هو متصف بذلك كلّه في نفس الأمر. فالعباد لا يثبتون له بكلامهم شيئًا لم يكن ثابتًا له، بل المقصود بكلامهم تحقيق ذلك في أنفسهم، فإنهم يَسْعَدون السعادة التامة، إذا

стр. 941

صار أحدهم ليس في نفسه إله إلا الله خَلَصَ من شرك المشركين، فإن أكثر بني آدم كما قال تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)) (١)، فهم يُقِرُّون أنه ربّ العالمين لا ربّ غيرُه، ومع هذا يُشرِكون به في الحبِّ أو التوكُل أو الخوف أو غير ذلك من أنواع الشرك. وأما التوحيد أن يكون الله أحبَّ إليه من كلّ ما سواه، فلا يُحِبّ شيئًا مثل ما يُحبّ الله، ولا يخافه كما يخاف الله، ولا يرجوه كما يرجوه، ولا يُجلُّه ويُكرِمه مثل ما يُجلّ الله ويُكرمُه، ومن سَوَى بينه وبين غيره في أمَر من الأمور فهو مشركَ، إذ كان المشركون لا يُسَوُّون بينه وبين غيره في كل [شيء]، فان هذا لم يقله أحدٌ من بني آدم، وهو ممتنع لذاتِه امتناعًا معلومًا لبني آدم، لكن منهم من جَحَده وفَضَّلَ عليه غيرَه في العبادة والطاعة، لكن مع هذا لم يثبِتْه ويُسوِّ بينه وبين غيرِه في كل شيء، بل في كثير من الأشياء. فمن سوَّى بينه وبين غيرِه في أمرٍ من الأمور فهو مشركٌ، قال الله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)) (٢) أي يعدلون به غيره، يقال: عَدَلَ به أي جعله عديلًا لكذا ومثلًا له. وقال تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)) إلى قوله: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)) (٣) وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) (٤).

стр. 942

فلا إله إلا هو سبحانه، وما سواه ليس بإلهٍ، لكن المشركون عبدوا معه آلهةً، وهي أسماءٌ سَمَّوها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، كما يُسمِّي الإنسانُ الجاهلَ عالمًا، والكاذبَ صادقًا، ويكون ذلك عنده لا في نفس الأمر. وهؤلاء آلهة في نفوس المشركين بهم ليسوا آلهةً في نفس الأمر. ولهذا كان ما في قلوبهم من الشرك هو إفكًا، قال الله تعالى عن إبراهيم: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)) (١)، وقال أيضًا: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) (٢)، وقال: (هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) (٣)، وقال هود لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)) (٤). والموحِّد صادق في قوله "لا إله إلا الله"، وكلَّما كرَّر ذلك تحقَّق قلبه بالتوحيد والإخلاص، وكذلك قوله "الله أكبر"، فإنه تعالى كل ما يخطر بنفس العباد من التعظيم فهو أكبر منه، الملائكة والجن والإنس، فإنه أيّ شيء قُدّر في الأنفس من التعظيم كان دون الذي هو متصف به، كما أنه سبحانه فوق ما يُثنِي عليه العباد، كما قال أعلمُ الناس به: "لا أحصِي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك" (٥). فكلَّما قال العبد "الله أكبر" تحقَّق قلبُه بأن يكون الله في قلبه أكبر

стр. 943

من كل شيء، فلا يبقى لمخلوقِ على القلب ربَّانية تُساوِي ربَّانيةَ الرب، فضلًا عن أن يكون مثلَها، وهذا داخل في التوحيد لا إله إلا الله، فلا يكون في قلبه لمخلوقِ شيء من التألُّه لا قليل ولا كثير، بل التألُّه كلُّه لله، ولكن المخلوق عنده نوع من القدر والمنزلة والمحبة، وليست كقدر الخالق، والمحبّة المأمور بها هي الحبّ لله، كحبّ الأنبياء والصالحين، فهو يحبُّهم لأنّ الله أمر بحبِّهم، فهذا هو الحبّ الله. فأما من أحبَّهم مع الله فهذا مشرك، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) (١). فالحبُّ في الله إيمان، والحبُّ مع الله شرك. وكذلك إذا قال "سبحان الله والحمد لله" فقد نزَّه الربَّ، فنزَّه قلبَه أن يصف الربَّ بما لا ينبغي له، فكلَّما سبَّح الربَّ تنزَّهت نفسُه عن أن يصف الربَّ بشيء من السوء، كما قال سبحانه: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)) (٢)، وقال: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)) (٣). فهو سبحانَه سبَّح نفسَه عما يَصِفه المفترون والمشركون، فإذا سبّح الربّ كان قد زكى نفسَه. وقد سمَّى الله الأعمال الصالحة زكاة وتزكيةَ في مثل قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) (٤). قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: (وَيُزَكِّيهِمْ) (٥) قال: يعني بالزكاة

стр. 944

طاعةَ الله والإخلاص (١)، فجمعَ بين التزكية من الكفر والذنوب. وقال مقاتل بن حيّان: "يزكيكم": يُطهّركم من الذنوب. هكذا قال في آية البقرة (٢)، وقال في آية الصيف (٣): يطهّرهم من الذنوب والكفر. وقال ابن جريج: يطهرهم من الشرك ويخلِّصهم منه. وقال السدّي: يأخذ زكاة أموالهم (٤). ففسّروا الآية بما يعمُّ زكاةَ الأموال وغيرها من الأعمال والأفعال، فالإخلاص والطاعة وتزكيتهم من الذنوب والكفر أعظم مقصود الآية. والمشركون نجس، والصدقة من تمام التطهر والزكاة، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) (٥). وكذلك قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) (٦) قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله (٧). ورُوي عن عكرمة نحو ذلك. وقال قتادة: لا يُقِرُّون بها ولا يؤمنون بها. وكذلك قال السدّي: لا يدينون بها، ولو زكَّوا وهم مشركون لم ينفعهم. وقال معاوية بن قرَّة: ليسوا من أهلها. وقد قال موسى لفرعون: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)) (٨)، وقال عن الأعمى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)) (٩)،

стр. 945

وقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (١)، وقال: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى) إلى قوله: (وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) (٢). وكذلك الحمد، كلَّما حَمِدَ العبدُ ربَّه تحققَ حمدُه في قلبه معرفةً بمحامدِه ومحبةً له وشكرًا له. والألف واللام في قوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فيها قولان (٣)، قيل: هي للجنس، كما ذكره بعض المفسرين من المعتزلة، وتَبعَه عليه بعض المنتسبين إلى السنة. والثاني -وهو الصحيح-: أنها للاستغراق، فالحمد كلُّه لله، كما جاء في الأثر: "لك الحمد كله، ولك الملك كلُّه" (٤). فله الحمد حمد مستقل، وله الملك ملك مستقل، ولكن هو سبحانه يُؤتي الملك من يشاء، والذي يُؤتيه هو من ملكه، وكلُّ ما تصرَّف فيه العبد فهو من ملك الربّ، وهو مستقل بالملك، ليس هذا لغيره، كذلك الحمد هو مستقل بالحمد كلِّه، فله الحمد كلُّه وله الملك كلُّه، وكلُّ ما جاء به الإذن من موجود فله الحمد عليه، وكلُّ ما يجعله للعباد مما يُحمَدون عليه فله الحمد عليه، وإذا ألهمهم الحمدَ فهو الذي جعلهم حامدين. والمعتزلة لا يُقِرُّون بأنه جعلَ الحامدَ حامدًا والمصلّيَ مصليًا والمسلمَ مسلمًا، بل يُثبِتُون وجود الأعمال الصالحة من العبد لا من الله، فلا يستحق الحمد على تلك الأعمال على أصلهم، إذ كان ما أعطاهم من القدرة والتمكين وإزاحة العلل قد أعطَى الكفار مثله، لكن المؤمنون استقلوا بفعل الحسنات، كالأب الذي يُعطي ابنَيه

стр. 946

مالًا، فهذا يُنفِقه في الطاعة، وهذا يُنفِقه في المعصية. فهو عندهم لا يُمدَح على إنفاق هذا الابن، كما لا يُذَمُّ على إنفاق الآخر. وأما أهل السنة فيقولون كما أخبر الله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) (١)، وقال أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) (٢) الآية. وقال الخليل: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) (٣)، وقال هو وابنه إسماعيل: (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (٤). ويَحمدون الله حمدَ النعمة وحمدَ العبادة، كما قد بُسِط هذا في الكلام في الشكر. وهو سبحانه جعل مَن شاء من عبادِه محمودًا، ومحمدًا سيد المحمودين، ومحمدٌ تكون صفاتُه المحمودة أكثر، وأحمدُ يكون أحمدَ من غيره، فهذا أفضل، وذاك أكثر. وهو سبحانه جعلَه محمدًا وأحمدَ. فهو المحمود على ذلك، وحمدُ أهل السماوات والأرض جزء من حمده، فإن حمدَ المصنوع حمدُ صانعِه، كما أن كلَّ ملكٍ هو جزءٌ من ملكه، فله الملك وله الحمد. والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط التوحيد ومقدمة له، ولهذا يُفتَح به الكلامُ، ويُثنَّى بالتشهد. وكلُّ كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء. وإذا كان الحمد كله له .... (٥) بخلاف ما إذا أثبت جنس الحمد من غير

стр. 947

استغراق، فإن هذا لا يثبت خصائص الربّ التي بها يمتاز عن غيره، فإن الحمد إذا كان للجنس أوجب أن يكون لغيره أفرادٌ من أفراد هذا الجنس، كما تقوله القدرية. وأما أهل السنة فيقولون: الحمد لله كلُّه، وإنما للعبد حمدٌ مقيَّدٌ، لكون الله تعالى أنعمَ عليه، كما للعبد ملكٌ مقيَّدٌ. وأما الملك المستقل والحمد المستقل والملك العام والحمد العام فهو لله رب العالمين، لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير. وفي السنن (١) عن النبي ﷺ : "من قال إذا أصبحَ: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدَك، لا شريك لك، فلك الحمد -فقد أدَّى شكر ذلك اليوم، ومن قال مثل ذلك إذا أمسى فقد أدَّى شكر تلك الليلة". وقال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) (٢). وقال تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)) (٣) أي تجعلون شكركم على نعمة الله أنكم تضيفونها إلى غيره بقولكمِ "مُطِرنا بنَوءِ كذا وكذا". وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (٤) الآية. وقال: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)) (٥). وفي حديث آخر (٦): "من قال إذا أصبح الحمد لله ربي لا أشرك

стр. 948

به شيئًا، أشهد أن لا إله إلا الله، ظلَّ تغفر له ذنوبه حتى يُمسِيَ، وإن قالها حين يُمسِيْ ظلَّ تُغفَر له ذنوبه حتى يُصبح". رواه أبان المحاربي عن النبي ﷺ . وقال سعيد بن جبير: إذا قرأتَ (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) فقل "لا إله إلا الله"، وقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين". ثم قرأ هذه الآية (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وقد روي نحو ذلك عن ابن عباس. وقد ثبت في الصحيحين (١) أن النبي ﷺ كان يقول في دبر الصلاة: "لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". وهذا قد ذكره في أوائل هذه السورة، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) إلى قوله (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)) (٢). وفي السنن نوعان من الدعاء يقال في كلّ منهما لمن دعا به أنه دعا اللهَ باسمه الأعظم، أحدهما (٣): "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام". والآخر (٤): "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم

стр. 949

يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد". والأول سؤال بأنه المحمود، والثاني سؤال بأنه الأحد، فذاك سؤالٌ بكونه محمودًا، وهذا سؤال بوحدانيته المقتضية توحيدًا، وهو في نفسه محمود يستحق الحمد، معبود يستحقُّ العبادة. والنصف الأول من الفاتحة الذي هو نصف الربّ، أوله تحميد وآخرُه تعبيد، وقد بُسِط مثلُ هذا في مواضع، وبُيِّن أن التحميد والتوحيد مقرونانِ، ولابدَّ منهما في كل خطبة، فكلّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء. والحمد مقرون بالتسبيح، ولا إله إلا الله مقرون بالتكبير، كذاك تحميدُه وهذا توحيدُه. قال تعالى: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)) (١)، ففي أحدهما إثباتُ المحامد له، وذلك يتضمن جميعَ صفاتِ الكمال ومنع النقائص، وفي الآخر إثبات وحدانيته في ذلك، وأنه ليس له كُفُوٌ في ذلك. وقد بيَّنّا في غير هذا الموضع أن هذين الأصلين يجمعان جميع أنواع التنزيه، فإثباتُ المحامد المتضمنة لصفات الكمال تستلزم نَفيَ النقص، وإثباتُ وحدانيته وأنه ليس له كفوٌ في ذلك يَقتضِي أنه لا مثلَ له في شيء من صفات الكمال، فهو منزَّهٌ عن النقائص ومنزَّهٌ أن يماثلَه شي بلا في صفات الكمال، كما دل على هذين الأصلين قولُه تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)) (٢).

стр. 950

واسمُه "الله" تضمَّن جميع المحامد، فإنه يتضمن الإلهيةَ المستلزمةَ لذلك، فإذا قيل "لا إله إلا الله" تضمنت هذه الكلمة إثباتَ جميع المحامد، وأنه ليس له فيها نظير، إذ هو إلهٌ لا إله إلا هو. والشرك كلُّه إثباتُ نظيرٍ لله ، ولهذا يُسبِّح نفسَه ويُعاليها عن الشرك في مثل قوله (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)) (١). وقال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)) (٢). فان الشرك قولٌ هو وصف، وعملٌ هو قصد، فنزه نفسه عما يصفون بالقول والاعتقاد وعن أن يُعبَد معه غيره. وأعظم آية في القرآن آية الكرسي، أولها: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٣). فقوله "الله" هو اسمه المتضمن لجميع المحامد وصفات الكمال، وقوله "لا إله إلا هو" نفي للنُّظراء والأمثال. وكذلك أول الكلمات العشر التي في التوراة: "يا إسرائيل! أنا الله لا إله إلا أنا"، جمع بين الإثبات ونَفْي الشريك، فالإثبات لردّ التعطيل، والتوحيد لنفي الشرك. وهكذا التحميد والتوحيد، فالتحميد متضمن إثبات ما يستحقه من المحامد المتضمنة لصفات الكمال، وهو ردّ للتعطيل، والتوحيد ردّ للشرك، والتحميد يتضمن إثبات أسمائه الحسنى، وكلها محامد له، وهو يتضمن ذكر آياته وآلائه، فإنه محمودٌ على آلائِه كلِّها، وآياته
следующие страницы →