مالًا، فهذا يُنفِقه في الطاعة، وهذا يُنفِقه في المعصية. فهو عندهم لا يُمدَح على إنفاق هذا الابن، كما لا يُذَمُّ على إنفاق الآخر.
وأما أهل السنة فيقولون كما أخبر الله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) (١)، وقال أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) (٢) الآية. وقال الخليل: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) (٣)، وقال هو وابنه إسماعيل: (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (٤). ويَحمدون الله حمدَ النعمة وحمدَ العبادة، كما قد بُسِط هذا في الكلام في الشكر.
وهو سبحانه جعل مَن شاء من عبادِه محمودًا، ومحمدًا سيد المحمودين، ومحمدٌ تكون صفاتُه المحمودة أكثر، وأحمدُ يكون أحمدَ من غيره، فهذا أفضل، وذاك أكثر. وهو سبحانه جعلَه محمدًا وأحمدَ. فهو المحمود على ذلك، وحمدُ أهل السماوات والأرض جزء من حمده، فإن حمدَ المصنوع حمدُ صانعِه، كما أن كلَّ ملكٍ هو جزءٌ من ملكه، فله الملك وله الحمد.
والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط التوحيد ومقدمة له، ولهذا يُفتَح به الكلامُ، ويُثنَّى بالتشهد. وكلُّ كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء. وإذا كان الحمد كله له .... (٥) بخلاف ما إذا أثبت جنس الحمد من غير
стр. 947
استغراق، فإن هذا لا يثبت خصائص الربّ التي بها يمتاز عن غيره، فإن الحمد إذا كان للجنس أوجب أن يكون لغيره أفرادٌ من أفراد هذا الجنس، كما تقوله القدرية. وأما أهل السنة فيقولون: الحمد لله كلُّه، وإنما للعبد حمدٌ مقيَّدٌ، لكون الله تعالى أنعمَ عليه، كما للعبد ملكٌ مقيَّدٌ. وأما الملك المستقل والحمد المستقل والملك العام والحمد العام فهو لله رب العالمين، لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير.
وفي السنن (١) عن النبي ﷺ : "من قال إذا أصبحَ: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدَك، لا شريك لك، فلك الحمد -فقد أدَّى شكر ذلك اليوم، ومن قال مثل ذلك إذا أمسى فقد أدَّى شكر تلك الليلة". وقال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)(٢). وقال تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)) (٣) أي تجعلون شكركم على نعمة الله أنكم تضيفونها إلى غيره بقولكمِ "مُطِرنا بنَوءِ كذا وكذا". وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (٤) الآية. وقال: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)) (٥).
وفي حديث آخر (٦): "من قال إذا أصبح الحمد لله ربي لا أشرك
стр. 948
به شيئًا، أشهد أن لا إله إلا الله، ظلَّ تغفر له ذنوبه حتى يُمسِيَ، وإن قالها حين يُمسِيْ ظلَّ تُغفَر له ذنوبه حتى يُصبح". رواه أبان المحاربي عن النبي ﷺ .
وقال سعيد بن جبير: إذا قرأتَ (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) فقل "لا إله إلا الله"، وقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين". ثم قرأ هذه الآية (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وقد روي نحو ذلك عن ابن عباس. وقد ثبت في الصحيحين (١) أن النبي ﷺ كان يقول في دبر الصلاة: "لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". وهذا قد ذكره في أوائل هذه السورة، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) إلى قوله (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)) (٢).
وفي السنن نوعان من الدعاء يقال في كلّ منهما لمن دعا به أنه دعا اللهَ باسمه الأعظم، أحدهما (٣): "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام". والآخر (٤): "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم
стр. 949
يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد". والأول سؤال بأنه المحمود، والثاني سؤال بأنه الأحد، فذاك سؤالٌ بكونه محمودًا، وهذا سؤال بوحدانيته المقتضية توحيدًا، وهو في نفسه محمود يستحق الحمد، معبود يستحقُّ العبادة.
والنصف الأول من الفاتحة الذي هو نصف الربّ، أوله تحميد وآخرُه تعبيد، وقد بُسِط مثلُ هذا في مواضع، وبُيِّن أن التحميد والتوحيد مقرونانِ، ولابدَّ منهما في كل خطبة، فكلّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء. والحمد مقرون بالتسبيح، ولا إله إلا الله مقرون بالتكبير، كذاك تحميدُه وهذا توحيدُه. قال تعالى: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)) (١)، ففي أحدهما إثباتُ المحامد له، وذلك يتضمن جميعَ صفاتِ الكمال ومنع النقائص، وفي الآخر إثبات وحدانيته في ذلك، وأنه ليس له كُفُوٌ في ذلك.
وقد بيَّنّا في غير هذا الموضع أن هذين الأصلين يجمعان جميع أنواع التنزيه، فإثباتُ المحامد المتضمنة لصفات الكمال تستلزم نَفيَ النقص، وإثباتُ وحدانيته وأنه ليس له كفوٌ في ذلك يَقتضِي أنه لا مثلَ له في شيء من صفات الكمال، فهو منزَّهٌ عن النقائص ومنزَّهٌ أن يماثلَه شي بلا في صفات الكمال، كما دل على هذين الأصلين قولُه تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)) (٢).
стр. 950
واسمُه "الله" تضمَّن جميع المحامد، فإنه يتضمن الإلهيةَ المستلزمةَ لذلك، فإذا قيل "لا إله إلا الله" تضمنت هذه الكلمة إثباتَ جميع المحامد، وأنه ليس له فيها نظير، إذ هو إلهٌ لا إله إلا هو. والشرك كلُّه إثباتُ نظيرٍ لله ، ولهذا يُسبِّح نفسَه ويُعاليها عن الشرك في مثل قوله (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)) (١). وقال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)) (٢). فان الشرك قولٌ هو وصف، وعملٌ هو قصد، فنزه نفسه عما يصفون بالقول والاعتقاد وعن أن يُعبَد معه غيره.
وأعظم آية في القرآن آية الكرسي، أولها: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٣). فقوله "الله" هو اسمه المتضمن لجميع المحامد وصفات الكمال، وقوله "لا إله إلا هو" نفي للنُّظراء والأمثال. وكذلك أول الكلمات العشر التي في التوراة: "يا إسرائيل! أنا الله لا إله إلا أنا"، جمع بين الإثبات ونَفْي الشريك، فالإثبات لردّ التعطيل، والتوحيد لنفي الشرك.
وهكذا التحميد والتوحيد، فالتحميد متضمن إثبات ما يستحقه من المحامد المتضمنة لصفات الكمال، وهو ردّ للتعطيل، والتوحيد ردّ للشرك، والتحميد يتضمن إثبات أسمائه الحسنى، وكلها محامد له، وهو يتضمن ذكر آياته وآلائه، فإنه محمودٌ على آلائِه كلِّها، وآياته
стр. 951
كلُّها من آلائه، كما قد بُسِط في مواضع. فهو محمود على كلّ ما خلق، له الحمد مِلْء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد ذلك، فله الحمد حمدًا يملأ جميع ما خلقه، ويملأ ما شاء خاصة بعد ذلك، إذ كان كل مخلوق هو محمود عليه، بل هو مسبِّح بحمده، كما قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)) (١).
والتوحيد يقتضي نفيَ كل نِدّ ومثلٍ ونظيرٍ، وهو كمال التحميد وتحقيقه ذاك إثباته بغاية الكمال ونفي النقص، وهذا نفيُ أن يكون له مثل أو نِدٌّ.
وقوله (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) قد فسَّرها كثير من المفسرين أي فصَلِّ بحمد ربك والثناء عليه، لم يذكر ابن الجوزي غير هذا القول، قال (٢): وسبّح بحمد ربك أي صل له بالحمد والثناء عليه. وتفسير التسبيح بالصلاة فيها أحاديث صحيحة وآثار كثيرة، مثل حديث جرير المتقدم.
وأما قوله (بِحَمْدِ رَبِّكَ) فقد فسّروه كما تقدم، أي بحمد ربك وشكر ربك وطاعة ربك وعبادة ربك، أي بذكرِك ربَّك وشكرِك ربَّك وطاعتِك ربَّك وعبادتِك ربَّك، ولا ريب أن حمد الربِّ والثناء عليه ركن في الصلاة، فإنها لا تتم إلا بالفاتحة التي نصفها الأول حمدٌ لله وثناءٌ عليه وتحميدٌ له، وقد شُرِع قبل ذلك الاستفتاح، وشُرِع الحمد عند الرفع من الركوع، وهو متضمن لحمد الله تعالى.
стр. 952
وذكر طائفة من المفسرين كالثعلبي وغيره قولين، قالوا -واللفظ للبغوي (١) -: "وسبّح بحمد ربك" أي صَلِّ بأمر ربك، وقيل: صلِّ له بالحمد له والثناء عليه. فهذا القول الأول الذي ذكره البغوي هو مأثور عن أبي مالك أحد التابعين الذين أخذ عنهم السُّدِّي التفسيرَ من أصحاب ابن عباس. وروى ابن أبي حاتم (٢) عن أسباط عن السدّي عن أبي مالك: قوله (بِحَمْدِ) أي بأمر. وتوجيه هذا أن قوله "بحمده" أي بكونه محمودًا، كما قد قيل في قول القائل "سبحان الله وبحمده"، قيل: سبحان الله ومع حمده أسبِّحه، أو أسبِّحه بحمدي له، وقيل: سبحان الله وبحمده سبَّحناه، أي هو المحمود على ذلك، كما تقول: فعلتُ هذا بحمد الله، وصلينا بحمد الله، أي بفضله وإحسانه الذي يَستحقُّ الحمدَ عليه. وهو يرجع إلى الأول، كأنه قال: بحمدِنا الله فإنه المستحق لأن نحمده على ذلك.
وإذا كان ذلك بكونه المحمود على ذلك فهو المحمود على ذلك، حيث كان هو الذي أمر بذلك وشرعه، فإذا سبَّحنا سبَّحنا بحمده، كما قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (٣) الآية. وقد يكون القائل الذي قال: "فسبح بحمد ربك" أي بأمره أراد المأمور به، أي سبّحه بما أمرك أن تُسبِّحه به، فيكون المعنى: سَبِّح التسبيحَ الذي أمركَ ربُّك به، كالصلاة التي أمرك بها. وقولنا "صليتُ بأمر الله" و"سبَّحتُ بأمر الله" يتناول هذا وهذا، يتناول أنه أمرَ بذلك ففعلتُه بأمرِه لم أبتدعْه، وأني فعلتُ بما أمرني به لم أبتدعْ.
стр. 953
فأما هذه الآية (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) (١) في يذكر البغوي وابن الجوزي إلا أنه الصلاة كما ذكرنا، وكذلك آية "ق"، قال ابن الجوزي (٢): "وسبّح بحمد ربك" أي صَلِّ بالثناء على ربك والتنزيه عما يقول المبطلون. فذكر الثناء والتنزيه عما يقول المبطلون تفسيرًا للحمد. فأما البغوي (٣) فإنه قال: فصلِّ حمدًا لله. وهو ينقل ما يذكره الثعلبي في تفسيره في مثل هذه المواضع، والثعلبي يذكر ما قاله غيرُه، سواء قاله ذاكرًا أو آثرًا، ما يكاد هو يُنشئ من عنده عبارةً، وهذه عبارة طائفة قالوا: "سبح بحمد ربك" صَلِّ حمدًا لله، جعلَ نفسَ الصلاة حمدًا، كما يقال: افعلْ هذا حمدًا لله أي شكرًا.
وهذا بنَى على قول من قال: "بحمد ربك" أي بكونه محمودًا، ثم جعل المصدر يضاف إلى المفعول.
و ليس المراد أن الحمد غير التسبيح، بل نفس تسبيح الله هو حمد الله . ولفظ التسبيح يُراد به جنس الصلاة، وقد يُراد به جنس الصلاة، وقد يُراد به النافلةُ خصوصًا، فإن الفرض لما كان له اسمٌ يخصُّه جعل هذا اللفظ للنافلة، كما في الحديث (٤): كان رسول الله ﷺ يُسبِّح على راحلته حيث توجَّهتْ به راحلتُه. وكان يُصلِّى سُبحة الضحى، ومنه ما رواه مسلم في صحيحه (٥) عن حفصة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى في سبحته قاعدًا، حتى كان قبل وفاته
стр. 954
بعامٍ -وفي روايةٍ: أو اثنين- فكان يصلي في سبحته قاعدًا، وكان يقرأ فيها بالسورة فيُرتّلها، حتى يكون أطول من أطول منها. ومنه أيضًا ما أخرجاه في الصحيحين (١) عن عائشة قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُصلِّي سبحةَ الضحى قَطُّ، وإنّي لأسبِّحها، وإن رسول الله ﷺ لَيَدَعُ العمل وهو يُحِبّ أن يعمل به، خشيةَ أن يعمل به الناس فيُفرَض عليهم.
لكن هذا يوجد في كلام الفصحاء، تسمية التطوع سُبْحة، خصُّوه بذلك. وأما في كلام النبي ﷺ فيحتاج إلى نقل عنه.
ويراد بالتسبيح جنس ذكر الله تعالى، يقال: فلان يُسبِّح، إذا كان يذكر الله. ويدخل في ذلك التهليل والتحميد، ومنه سُمِّيت "السبَّاحة" للإصبع التي يشير بها، وإن كان يشير بها في التوحيد. ويراد بالتسبيح قول العبد "سبحان الله"، وهذا أخصُّ به.
وفي السنن (٢): لما أنزل الله تعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)) قال: "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)) قال: "اجعلوها في سجودكم". وفي الصحيحين (٣) عن النبي ﷺ قال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وفي الصحيحين (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من قال في يوم مئة مرة: سبحان الله وبحمده، حُطَتْ عنه خطاياه ولو كأنت مثلَ زبد البحر".
стр. 955
وقد قيل: إن الصلاة إنما سُمّيت تسبيحًا لاشتمالها على القيام والقراءة، وتسمّى ركعة وسجدة لاشتمالها على الركعة والسجدة. لكن فرق بين قوله "سبح اسم ربك الأعلى" و"العظيم" -فهذه قد فُسِّرتْ بالتسبيح المجرد قول العبد في ركوعه وسجوده: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى- وبين قوله "فسبح بحمد ربك"، فان هذا إذا قيل: إن المراد بحمدك ربّك أمر بالتسبيح وبالحمد، كقوله "سبحان الله وبحمده".
والمصلي إذا حَمِدَ ربَّه في القيام، أو في القيام والقعود، وسبَّح في الركوع والسجود، فقد جمع التسبيح والحمد، فسبَّح بحمد الله. فالصلاة تسبيح بحمد ربه، كما بيَّن النبي ﷺ ذلك.
وقد فَسَّر طائفة من السلف قوله (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)) (١) بالتسبيح بالكلام (٢)، وذكروا أنواعًا: التسبيح عند افتتاح الصلاة، والتسبيح عند القيام من المجلس، فروى ابن أبي حاتم (٣) عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)) قال: إذا أراد أن يقوم الرجل من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك. هكذا رواه وكيع، ورواه أبو نعيم وقبيصة فقالا: يقول سبحان الله وبحمده.
وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد: "حين تقوم" قال: من كلّ مجلس.
وعن طلحة عن عطاء: حين تقوم من كل مجلس، إن كنتَ أحسنتَ ازددتَ خيرًا، وإن كان غير ذلك كان هذا كفارةً له.
وقال طائفة: حين تقوم إلى الصلاة، وكذلك قال الضحاك: حين
стр. 956
تقوم إلى الصلاة المفروضة، وكذلك قال ابن زيد: إذا قام إلى الصلاة من ليلٍ أو نهار، وفي رواية جُويبر عن الضحاك قال: هو قول الرجل إذا استفتح الصلاة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إلهَ غيرُك". وقال أبو الجوزاء: حين تقوم من منامك من فراشك. وعلى هذا فهو أمر بالصلاة إذا قام من فراشه من قائلة النهار، فهو أمر بصلاة الظهر والعصر.
و"إدبار النجوم" فسرها طائفة بركعتي الفجر (١)، وروى ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: "وإدبار النجوم" قال ابن عباس: هو التسبيح أدبار الصلاة.
قلت: لعلَّ هذا تفسير لقوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)) (٢)، فإنه أنسب.
وقد رُوِي عن طائفة من السلف (٣) أن "أدبار السجود" الركعتان بعد المغرب، و"إدبار النجوم" ركعتا الفجر، فإحداهما تشتبه بالأخرى. فقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠))، إذا فُسِّر هذا بالتسبيح دُبُرَ الصلاة كان اللفظ دالًا على هذا. والسلف الذين فسّروها بهذا كأنهم -والله أعلم- أرادوا أن أولَ ما يُكتَب في صحيفة النهار ركعتا الفجر، وآخر ما يُرفع ركعتا المغرب، فقد رُوِي أنهما تُرفعان مع عمل النهار.
قلت: ولفظ التسبيح يتناول هذا كله، منه واجب ومنه مستحب.
(آخره، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا).
стр. 957
مسألة في إخوة يوسف هل كانوا أنبياء؟
стр. 958
الذي يدلُّ عليه القرآنُ واللغةُ والاعتبار أن إخوةَ يوسف ليسوا بأنبياء، وليس في القرآن ولا عن النبي ﷺ بل ولا عن أصحابه خبرٌ بأن الله تعالى نبَّأهم. وإنما احتجّ من قال إنّهم نبِّئُوا بقوله في آيتي البقرة والنساء (وَاَلأَسْبَاطِ) (١)، وفسّر الأسباط بأنهم أولاد يعقوب، والصواب أنه ليس المراد بهم أولادُه لصلبه بل ذُرِّيّتُه، كما يقال فيهم أيضا "بنو إسرائيل"، وكان في ذريته الأنبياء، فالأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل.
قال أبو سعيد الضرير: أصل السِّبْط شجرةٌ ملتفةٌ كثيرة الأغصان (٢). فسُمُّوا الأسباطَ لكثرتهم، فكما أن الأغصان من شجرة واحدة، كذلك الأسباط كانوا من يعقوب. ومثل السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سِبْطَي رسولِ الله ﷺ ، والأسباط حفدة يعقوب ذَرارِي أبنائه الاثنَي عشر. وقال تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) (٣)، فهذا صريحٌ في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل، كلُ سِبْطٍ أمةٌ، لا أنهم بَنُوه الاثنا عشر. بل لا معنى لتسميتهم قبل أن تنتشر عنهم الأولاد أسباطًا، فالصواب (٤) أن السِّبْطَ هم الجماعة من الناس.
ومن قال: الأسباط أولاد يعقوب، لم يُرِد أنهم أولادُه لصلبه، بل أرادَ ذريتَه، كما يقال: بنو إسرائيل وبنو آدم. فتخصيصُ الآية ببنيه
стр. 959
لصلبه غلط، لا يدلُّ عليه اللفظُ ولا المعنى، ومن ادّعاه فقط أخطأ خطأً بيِّنًا (١).
والصواب أيضًا أن كونهم أسباطًا إنما سُمُّوا به من عهد موسى للآية المتقدمة، ومن حينئذٍ كانت فيهم النبوة، فإنه لا يُعرَف أنه كان فيهم نبيّ قبلَ موسى إلا يوسف. ومما يؤيِّد هذا أنّ الله تعالى لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ) الآيات (٢)، فذكر يوسف ومن معه، ولم يذكر الأسباط، فلو كان إخوةُ يوسف نُبِّئوا كما نبئَ يوسف لذُكِروا معه.
وأيضًا فإن الله يذكر عن الأنبياء من المحامد والثناء ما يناسب النبوة، وإن كان قبل النبوة، كما قال عن موسى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) (٣) الآية، وقال في يوسف كذلك، وفي الحديث: "أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، نبيّ من نبي من نبي" (٤). فلو كانت إخوتُه أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا الكرم، وهو تعالى لما قصَّ قصَّةَ يوسف وما فعلوا معه ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم، ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة، ولا شيئا من خصائص الأنبياء، بل ولا ذكر عنهم توبةً باهرةً كما ذكر عن ذنبه دون ذنبهم، بل إنما حكى عنهم الاعتراف وطلب الاستغفار. ولا ذكر سبحانه عن أحدٍ من الأنبياء -لا قبلَ النبوة ولا بعدها- أنه فعلَ مثلَ هذه الأمورِ العظيمة، من عقوق الوالد وقطيعةِ الرحم وإرقاقِ المسلم
стр. 960
وبيعه إلى بلاد الكفر والكذب البيّن وغير ذلك مما حكاه عنهم، ولم يَحْكِ شيئًا يناسب الاصطفاءَ والاختصاصَ الموجب لنبوتهم، بل الذي حكاه يخالف ذلك، بخلاف ما حكاه عن يوسف.
ثمّ إن القرآن يدلُّ على أنه لم يأتِ أهلَ مِصْرَ نبيٌّ قبلَ موسى سوى يوسف، لآية غافر (١)، ولو كان من إخوة يوسف نبيٌّ لكان قد دعا أهل مصر، وظهرت أخبار نبوته، فلما لم يكن ذلك عُلِمَ أنه لم يكن منهم نبيٌّ. فهذه وجوهٌ متعددة يُقوِّي بعضُها بعضًا.
وقد ذكر أهل السير أن إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر، وهو أيضًا، وأوصىَ بنقله إلى الشام، فنقلَه موسى.
والحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم حَصَلَ من ظَنِّ أنهم هم الأسباط، وليس كذلك، إنما الأسباط ذرّيتهم الذين قُطِّعُوا أسباطًا من عهد موسى، كل سِبْطٍ أمة عظيمة. ولو كان المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال: "ويعقوب وبنيه"، فإنه أوجز وأَبْيَنُ. واختير لفظ "الأسباط" على لفظ "بني إسرائيل" للإشارة إلى أن النبوة إنما حصلتْ فيهم من حينِ تقطيعِهم أسباطًا من عهد موسى. والله أعلم.
стр. 961
فتوى في قراءة القرآن بما يخرجه عن استقامته
стр. 962
الحمد الله رب العالمين.
ما تقول أئمةُ الدين ﵃ أجمعين، وجعلَهم عاملين بما عَلِمُوا، مخلصين مصيبين- في قراءة القرآن بما يُخرِجُه عن استقامتِه التي أجمعَ أئمةُ القراءةِ عليها، من تمطيطٍ أو ترجيعٍ بالألحان المُطْرِبة، أو ملك مُجمَعٍ على قَصْرِه، أو قَصْرٍ مُجْمَعٍ على مَدِّه، أو إظهار ما أُجْمِع على إدغامِه، أو إدْغامِ ما أُجْمِعَ على إظهارِه، أو تَشْدِيدِ ما أجمِعِ على تخفيفِه، أو تخفيفِ ما أُجمِعَ على تشديدِه، أو بما يُزِيلُ الحرف عن مَخْرجه أو صفتِه، وما أشبهَ ذلك مما يُعَانيه بعض القراء، هل تَجُوز تلك اَلقراءةُ؟ وهل يجوزُ سَماعُها أو استماعُها؟ فإن لم تَجُزْ فهل يَلزَمُ سامعَها أن يُنكِر على قارئها؟ فإن لَزِمَه وتَرَكَ فهل يأثَمُ؟ وإن أنكَر على قارئها، ولم يَقْبَل القارئُ، فهل يجب عليه شيء أم لا؟ أَفْتُونا مأجورين، رحمكم الله، والحمد لله وحده.
أجابَ شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية:
الحمد لله. الناسُ مأمورون أن يقرأوا القرآن على الوجه المشروع ، كما كان يقرأه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ، فإن القراءةَ سنةٌ يأخذُها الآخر عن الأول.
وقد تنازع الناسُ في قراءةِ الألحانِ، منهم مَن كرهَها مطلقًا بل حَرَّمها، ومنهم من رخصَ فيها (١)، وأعدلُ الأقوالِ فيها أنها إن كانت موافقةً لقراءة السَّلفِ كانت مشروعةً، وإن كانت من البدع المذمومة
стр. 963
نُهِيَ عنها. والسلفُ كانوا يحسِّنون القرآنَ بأصواتِهم من غيرِ أن يتكلفوا أوزانَ الغِناء، مثلَ ما كان أبو موسى الأشعري يَفعلُ، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لقد أُوتِيَ هذا مِزْمازا من مَزاميرِ آلِ داودَ" (١). وقال لأبي موسى الأشعري: "مررتُ بك البارحةَ وأنتَ تقرأ، فجعلتُ أستمعُ لقراءتِك"، فقال: لو علمتُ أنك تسمعُ لَحبَّرتُه لكَ تحبيرًا (٢). أي لحسَّنْتُه لك تحسينا. وكان عمر يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى، ذَكِّرْنا ربَّنَا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون لقراءته.
وقد قال النبي ﷺ : "زَيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكم" (٣). وقال: "لَلّهُ أَشَدُّ أَذَنًا إلى الرجلِ الحسنِ الصوتِ بالقرآنِ من صاحبِ القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِه" (٤). وقال: "ليس منَّا من لم يَتَغَن بالقرآن" (٥).
وتفسيرُه عند الأكثرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما هو تَحْسِيْن الصوتِ به. وقد فَسَّره ابن عيينة ووكيع وأبو عبيد على الاستغناء به. فإذا حَسَّنَ الرجلُ صوتَه بالقرآن كما كان السلف يفعلونه -مثل أبي موسى الأشعري وغيره- فهذا حسن.
وأما ما أُحدِثَ بعدَهم من تكفُفِ القراءةِ على ألحانِ. الغناءِ فهذا
стр. 964
يُنْهَى عنه عند جمهور العلماء، لأنه بدعة، ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يُورِثُ أن يَبقَى قلبُ القارئ مصروفًا إلى وزنِ اللفظ بميزان الغناءِ، لا يَتدبَّرهُ ولا يَعقِله، وأن يَبقَى المستمعون يُصغُون إليه لأجل الصوتِ الملحّن كما يُصْغَى إلى الغناء، لا لأجلِ استماعِ القرآن وفهمِه وتدبُّرِه والانتفاع به. والله سبحانه أعلم.
стр. 965
رسالة في قوله ﷺ : "إذا دَخَل أحدكم على أخيه المسلم فأطعَمه طعامًا فليأكل من طعامه ولا يسأل عنه"
стр. 966
الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين، وسلَّم تسليما.
روى الإمام أحمد في "مسنده" (١): حدثنا حسين بن محمد، ثنا مسلم -يعني ابن خالد- عن زيد بن أسلم عن سُمَيّ عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمَه طعامًا، فليأكُلْ من طعامه ولا يسأله عنه، وإن سقاه شرابًا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه".
هذا حديث رواه مشهورون، ومسلم بن خالد الزنجي وثَّقه بعض الأئمة وضعَّفه بعضهم. وقد رُوِي هذا الحديث من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، رواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة (٢)، وقد رُوِي موقوفًا. وقد رأيت للشيخ أبي عمر بن عبد البر رسالةً (٣) أملاها حين بلغَه -وهو بشاطبةَ- أن قومًا عابوه بأكلِ طعام السلاطين وقبول جوائزهم:
قُلْ لمن يُنكِر أَكْلِي ... لطعامِ الأُمَراءِ
أنتَ من جهلِك هذا ... في مَحلِّ السفهاءِ
لأن الاقتداء بالصالحين من الصحابة والتابعين وأئمة الدين من المسلمين والسلفِ الماضين هو ملاك الدين، فقد كان زيد بن ثابت
стр. 967
-وكان من الراسخين في العلم- يَقْبَل جوائزَ معاويةَ وابنِه يزيد، وكان ابن عمر مع ورعه وفضله يَقبل هدايا صِهْرِه المختار بن أبي عبيد، ويأكل طعامه ويأخذ جوائزه، وكان المختار غيرَ مختار.
وقال عبد الله بن مسعود -وكان قد مُلِئَ علمًا من قَرنِه إلى مشاعبه- لرجلٍ سأله فقال: إن لي جارًا يعمل الربا، ولا يجتنب في مكسبهَ الحرامَ، يدعوني إلى طعامِه إذا جئتُ، فقال: لك المَهْنَأ وعليه المأثمُ ما لم تعلم الشيء بعينه حرامًا.
وسئل عثمان بن عفان عن جوائز السلطان فقال: لَحمُ ظَبْيٍ ذكيٍّ.
وكان الشعبي -وهو من كبار التابعين وعلمائهم- يُؤدِّب بني عبد الملك بن مروان، ويَقبل جوائزَه، ويأكل طعامَه.
وكان إبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة والحسن البصري -مع زهده وورعه- وسائر علماء البصرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان ابن عثمان والفقهاء السبعة -حاشا سعيد بن المسيّب- يقبلون جوائز السلاطين والأمراء. وقَبِل الحسنُ والشعبي جائزة ابن هبيرة لما سألهما عن حاله مع عبد الملك. وكان سفيان الثوري مع فضله وورعه يقول: جوائزُ السلطان أحبُّ إليَّ من صِلاتِ الإخوان، لأن الإخوان يَمُنُّون والسلطان لا يَمُنُّ.
ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير، وقد جمع الناس فيه أبوابًا، ولأحمد بن خالد فقيهِ الأندلس وعالِمها في ذلك كتاب حَمَلَه على جَمْعِه ووَضْعه طَعْنُ أهلُ بلادِه عليه في قبوله جوائزَ عبد الرحمن الناصر إذْ نقلَه إلى المدينة بقرطبة، وأسكَنَه دارًا من دُورِ الجامع قُرْبَه، وأَجرى عليه الرزقَ من الطعام والشراب والإدام والناضّ. وله ولمثله في بيت
стр. 968
المال حظٌّ، والمسئولُ عن التخليط فيه هو السلطان، كما قال عبد الله ابن مسعود: لكَ المَهْنَاُ وعليه المأثمُ لما لم تعلم الشيءَ بعيِنه حرامًا.
ومعنى قولِ ابن مسعود هذا قد اجتمع عليه العلماءُ ما لم تعلم الشيءَ بعينه حرامًا مأخوذًا من غير حبِّه، كالخبزة وشِبْهها من الطعام والثوب والدائة، وما كان مثل ذلك كله من الأشياء المبيعة غصبًا أو سرقةً، أو مأخوذة بظلمٍ بَينٍ لا شبهةَ فيه، فهذا الذي لم يَختلِف أحدٌ في تحريمه وسقوطِ عدالة مستحل الحلّة وأخذه وتملكه، وما أعلمُ أحدًا من علماء التابعين تورَّع عن جوائز السلطان إلا سعيد بن المسيب بالمدينة ومحمد بن سيرين بالبصرة، وهما قد ذهبا مثلا بالورع، وسلك سبيلَهما في ذلك أحمد بن حنبل وأهلُ الزهد والورع والتقشف رحمة اللهِ عليهم أجمعين.
والزهد في الدنيا من أفضل الفضائل، ولا يَحِل لمن وفَقه الله تعالى وزَهِد فيها أن يُحرم ما أباحَ اللهُ منها. والعجب من أهل زماننا يعيبون الشهواتِ وهم يستحلُّون المحرماتِ والمنكرات، ومثالُهم عندي كالذين سألوا عبدَ الله بن عمر عن المُحرِم يَقتُل القُرادَ والقملة، فقال للسائلين: مِن أين أنتم؟ فقالوا: من أهل الكوفة، فقال: تسألونّي عن هذا وأنتم قتلتم الحسين بن علي؟!
وروى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أتاك من غيرِ مسألة فخُذْه، وتَموَّلْه" (١).
وروى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله عن النبي ﷺ معناهُ (٢)،
стр. 969
وفي حديث أحدهما: "إنما هو رزقٌ رَزَقَه الله"، وفي لفظ بعض الرواة: "فلا تَرُدَّ على اللهِ رِزقَه".
وهذا كله عند أهل العلم مركَبٌ مبنيٌّ على ما أجمعوا عليه، وهو الحق فيمن عرفَ الشيءَ المحرَّم بعينه أنه لا يَحِلُّ له (١). والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وسلّم تسليما.
стр. 970
جواب سؤال سائلٍ سألَ عن حرف "لو"
стр. 971
الحمد لله الذي علَّم القرآن، خلق الإنسان، علَّمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له الباهرُ البرهان، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسوِله المبعوثُ إلى الإنس والجانّ، ﵌ تسليمًا يَرضى به الرحمن.
سألتَ -وفَقك الله- عن معنى حرف "لو"، وكيف يتخرج قول عمر ﵁: "نعم العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه" (١) على معناها المعروف؟ وذكرتَ أن الناس يضطربون في ذلك، واقتضبت الجواب اقتضابًا أوجبَ أن أكتب في ذلك ما حضرني الساعةَ، مع بُعدِ عهدي بما بلغني مما قاله الناس في ذلك، وإني ليس يَحضُرني الساعةَ ما أراجعه في ذلك. فأقول، والله الهادي النصير:
الجواب مرتبٌ على مقدمات:
إحداها: أن حرف "لو" المسئول عنها من أدوات الشرط، وأن الشرط يقتضي جملتين إحداهما شرط والأخرى جزاء وجواب، وربما سُمِّيَ المجموع شرطًا، وسُمّيَ أيضا جزاء. ويقال لهذه الأدوات أدوات الشرط وأدوات الجزاء، والعلم بهذا كلّه ضروريٌّ لمن كان له عقلٌ وعلم بلغة العرب، والاستعمال على ذلك أكثر من أن يُحصَر،
стр. 972
كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) (١)، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)) (٢)، (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا) (٣)، (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) (٤)، (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) (٥)، (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) (٦).
الثانية: أن هذا الذي تسميه النحاة شرطًا هو في المعنى سببٌ لوجود الجزاء، وهو الذي تُسمِّيه الفقهاءُ علّةً ومقتضيًا ومُوجِبًا ونحو ذلك، فالشرط اللفظي سبب معنوي. فتَفطَّنْ لهذا، فإنه موضع غَلِطَ فيه كثير ممن يتكلم في الأصول والفقه، وذلك أن الشرط في عُرف الفقهاء ومن يجري مجراهم من أهل الكلام والأصول وغيرهم هو ما يتوقف تأثير السبب عليه بعد وجود المسبب، وعلامتُه أنه يلزم من عَدَمِه عدمُ المشروط، ولا يلزم من وجودِه وجودُ المشروط.
ثمّ هو منقسم إلى ما عُرِف كونُه شرطًا بالشرع، كقولهم: الطهارة والاستقبال واللباس شرط لصحة الصلاة، والعقل والبلوغ شرطٌ لوجوب الصلاة، فإن وجوب الصلاة على العبد يتوقَّف على العقل والبلوغ، كما تتوقف صحة الصلاة على الطهارة والستارة واستقبال
стр. 973
القبلة، وإن كانت الطهارة والستارة أمورًا خارجةً عن حقيقة الصلاة. ولهذا يفرقون بين الشرط والركن بأن الركن جزءٌ من حقيقة العبادة أو العقد، كالركوع والسجود، وكالإيجاب والقبول؛ وبأن الشرط خارجٌ عنه، فإن الطهارة يلزم من عَدَمِها عدمُ صحةِ الصلاة، ولا يلزم من وجودِها وجودُ الصلاة.
وتختلف الشروط في الأحكام باختلافها، كما يقولون في باب الجمعة، منها ما هو شرطٌ للوجوب بنفسه، ومنها ما هو شرطٌ للوجوب بغيره، ومنها ما هو شرط للإجزاء دون الصحة، ومنها ما هو شرط للصحة. وكلام الفقهاء في الشروط كثير جدًّا، لكن الفرق بين السبب والشرط وعدم المانع إنما يتم على قول من يُجوِّز تخصيصَ العلَّةِ منهم، وأما من لا يُسمِّي علةً إلا ما استلزمَ من الحكم ولَزِمَ من وجودِها وجودُه على كل حالٍ، فهؤلاء يجعلون الشرطَ وعدمَ المانع من جملة أجزاء العلة.
وإلى (١) ما يُعرَفُ كونُه شرطًا بالعقل وإن دلَّ عليه دلائل أخرى، كقولهم: الحياة شرط في العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، والعلم شرط في الإرادة، ونحو ذلك، وكذلك جميع صفات الأجسام وطباعها لها شروط تُعرَف بالعقل أو بالتجارب أو بغير ذلك. وقد تُسمَّى هذه شروطًا عقلية، والأول شروطًا شرعية.
وقد يكون من هذه الشروط ما يُعرَف اشتراطُه بالعرف، ومنه ما يُعرَف باللغة، كما يُعرَف أن شرطَ المفعول وجودُ فاعلٍ، وإن لم
стр. 974
يكن شرطُ الفاعل وجود مفعول، فيلزم من وجود المفعولِ المنصوبِ وجودُ فاعلٍ، ولا ينعكس. بل يلزم من وجودِ اسمٍ منصوب أو مخفوضٍ وجودُ مرفوعٍ، ولا يلزم من وجود المرفوع لا منصوبٌ ولا مخفوضٌ، إذِ الاسمُ المرفوع -مُظْهَرًا أو مُضْمَرًا- لابُدَّ منه في كل كلام عربي، سواءٌ كانت الجملة اسميَّةً أو فعليةً.
فقد تبيَّن أن لفظ الشرط في هذا الاصطلاح يدلُّ عدمُه. على عدمِ المشروط ما لم يَخْلُفْه شرط آخر، ولا يدلُّ ثبوتُه من حيث هو شرط على ثبوت المشروط.
وأما الشرط في الاصطلاح الذي يتكلَّم به في باب أدوات الشرط اللفظية -سواءٌ كان المتكلم [نحويًّا] أو فقيهًا وما يتبعه من متكلم وأصولي ونحو ذلك- فان وجودَ الشرط يقتضي وجودَ المشروط الذي هو الجزاء والجواب، و عدمُ الشرط هل يدلُّ على عدم المشروط ؟ مبنيٌّ على أن عدم العلَّة هل يقتضي عدم المعلول؟ فيه خلاف وتفصيل قد أُومِئ إليه.
الخوف (١) لو فُرِضَ عَدَمُه لكان مع هذا العدم لا يَعصي الله، لأن تركَ المعصية له قد يكون لخوف الله، وقد يكون لأمرٍ آخر: إما لنزاهة الطبع أو إجلال الله أو الحياء منه أو لعدم المقتضي إليها، كما كان يقال عن سليمان التيمي: إنه كان لا يُحسِنُ أن يَعصِيَ الله. فقد أخبرنا عنه أن عدمَ خوفِه لو فُرِضَ موجودًا لكان مستلزمًا لعدم معصية الله، لأن هذا العدم يضاف إلى أمورٍ أخرى: إمّا عدمُ مُقتَضٍ أو وجودُ مانع، مع أن هذا الخوف حاصلٌ.
стр. 975
وهذا المعنى يفهمه من الكلام كلُّ أحدٍ صحيح الفطرة، لكن لما وقع في بعض القواعد اللفظية والعقلية نوعُ توسُّع -إمّا في التعبير وإمّا في الفهم- اقتضى ذلك خَلَلًا إذا بَنى على تلك القواعد المحتاجة إلى تتميم، فإذا كان للإنسان فهمٌ صحيح رَدَّ الأشياءَ إلى أصولها، وقرَّر النظَر على معقولها، وبَيَّنَ حكمَ تلك القواعد وما وقعَ فيها من تجوُّزٍ أو توسُّع، فإن الإحاطةَ في الحدود والضوابط غير تحرير (١).
ومنشأ الإشكالِ أخذُ كلام بعض النحاة مسلَّمًا أن المنفي بعد "لو" مُثبَتٌ، والمثبتُ بعدها منفيٌّ، أو أن جواب "لو" منتفٍ أبدًا، وجواب "لولا" ثابت أبدًا، وأن "لو" حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره، و"لولا" حرفٌ يدلُّ على امتناع الشيء لوجود غيرِه مطلقًا. فإن هذه العبارات إذا قُرِنَ بها "غالبًا" كان الأمر قريبًا، وأما أن يُدَّعَى أنّ هذا مُقتضَى الحرف دائمًا فليس كذلك، بل الأمر كما ذكرناه من أن "لو" حرف شرط تدلُّ على انتفاء الشرط، فإن كان الشرط ثبوتيًّا فهي "لو" محضة، وإن كان الشرط عدميًّا مثل "لولا" و"لو لم" دَلَّتْ على انتفاء هذا العدم بثبوتِ نقيضِه، فيقتضي أن هذا الشرط العدمي مستلزم لجزائه، إنْ وجودًا وإنْ عدمًا، وأن العدمَ منتفٍ. وإذا كان عدمُ شيء سببًا في أمرٍ فقد يكون وجودُه سببًا في عدمه، وقد يكون وجودُه أيضًا سببًا في وجوده، بأن يكون الشيء لازمًا لوجود الملزوم ولعدمه، والحكم ثابت مع العلَّة المعينة، ومع انتفائها لوجود علة أخرى.
وإذا عرفتَ أنَّ مفهومها اللازم لها إنما هو انتفاء الشرط، وأنَ
стр. 976
فهمَ نَفْي الجزاء منها ليس أمرًا لازمًا، وإنما يُفهَم باللزوم العقلي أو العادة الغالبة، وعَطَفْتَ على ما ذكرتُه من المقدمات زالَ الإشكالُ بالكلية.
وكان يمكننا أن نقول: إن حرف "لو" دالة على انتفاء الجزاء، وقد تدلُّ أحيانا على ثبوته: إمّا بالمجاز المقرون بقرينةٍ أو بالاشتراك، لكن جَعْل اللفظ حقيقةً في القدر المشترك أقربُ إلى القياس. مع أن هذا إن قاله قائل كان سائغًا في الجملة، فإنّ الناس ما زالوا يختلفون في كثيرٍ من معاني الحروف: هل هي مَقولةٌ بالاشتراك أو بالتواطؤ أو بالحقيقة والمجاز، وإنما الذي يجب أن نعتقد بطلانَه ظَنُّ ظانٍّ ظَنَّ أنْ لا معنى لـ "لو" إلا عدمُ الجزاء والشرط، فإن هذا ليس بمستقيم البتَّةَ. والله سبحانه أعلم.
стр. 977
فصل في مؤاخذة ابن حزم في الإجماع
стр. 978
هذا فصل فيما ذكره الحافظ تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية في الكلام على الإجماعات، ومن جملتها الكلام على ما ذكره الشيخ الإمام أبو محمد بن حزم.
قال أبو محمد بن حزم في كتابه المصنَّف في مسائل الإجماع: أما بعد، فإن الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية، يُرجَع إليه ويُفزَع نحوه ويُكفَّر من خالفَه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع. وإنّا أمَّلنا بعون الله أن نجمع المسائل التي صحَّ فيها الإجماع، ونفردها من سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء.
إلى أن قال: وقد أدخَلَ قومٌ في الإجماع ما ليس فيه، فقومٌ عدُّوا قولَ الأكثر إجماعًا، وقومٌ عدُّوا مالا يعرفون فيه خلافًا، وإن لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه، فحكموا على أنه إجماع، وقومٌ عدُّوا قولَ الصاحب المشهور المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفًا إجماعًا، وقومٌ عدُّوا اتفاقَ العصر الثاني على أحد القولين أو أكثر كانت للعصر الأول قبله إجماعًا.
قال: وكلُّ هذه الآراء فاسدة. ويكفي من فسادِها أنهم يتركون في كثيرٍ من مسائلهم ما ذكروا أنه إجماعٌ. وإنما نَحَوْا في تسمية ما وصفنا إجماعًا عنادًا منهم وشغبًا عند اضطرار الحجة والبراهين لهم إلى تركِ اختياراتهم الفاسدة.
قال: وأيضًا فإنهم لا يُكفِّرون من خالفَهم في هذه المعاني، ومن شرطِ الإجماع الصحيح أن يُكفَّر من خالفَه بلا اختلافٍ من أحدٍ من المسلمين في ذلك، فلو كان ما ذكروه إجماعًا لكُفِّر مخالفوهم، بل
стр. 979
لكَفَّروهم لأنهم يخالفونها كثيرًا.
قلت: أهلُ العلم والدين لا يُعاندون، ولكن قد يعتقد أحدهم إجماعًا ما ليس بإجماعٍ، لكون الخلاف لم يبلغه، وقد يكون هناك إجماع لم يعلمه. فهم في الاستدلال بذلك كما هم في الاستدلال بالنصوص، تارةً يكون هناك نصٌّ لم يَبلُغْ أحدَهم، وتارةً يعتقد أحدهم وجودَ نصٍّ ويكون ضعيفًا أو منسوخًا.
وأيضًا فما وصفهم هو به قد اتصفَ هو به، فإنه يترك في بعض مسائله ما قد ذكر في هذا الكتاب أنه إجماع.
وكذلك ما ألزمَهم إيَّاه من تكفير المخالف غيرُ لازمٍ، فإن كثيرًا من العلماء لا يُكفِّرون مخالفَ الإجماع، وقوله "إن مخالفَ الإجماع يُكفَّر بلا اختلاف من أحدٍ من المسلمين" هو من هذا الباب. فلعلَّه لم يبلغه الخلافُ في ذلك، مع أن الخلاف في ذلك مشهور مذكور في كتب متعددة. والنظَّام نفسُه المخالف في كون الإجماع حجةً لا يُكفِّره ابن حزم والناس أيضًا. فمن كفَّر مخالفَ الإجماع إنما يكفِّره إذا بلغَه الإجماع المعلوم، وكثير من الإجماعات لم تبلغ كثيرًا من الناس. وكثير من موارد النزاع بين المتأخرين يدعي أحدهما الإجماع في ذلك، إمّا أنّه ظنّي ليس بقطعي، وإما أنه لم يبلغ الآخر، وإما لاعتقادِه انتفاءَ شروطِ الإجماع.
وأيضًا فقد تنازع الناس في كثير من الأنواع هل هي إجماع يُحتَجّ به؟ كالإجماع الإقراري، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع العصر الثاني على أحد القولين للعصر الأول، والإجماع الذي خالفَ فيه بعضُ أهلِه قبلَ انقراضِ عصرِهم، فإنه مبني على انقراض العصر، بل
стр. 980
هو شرطٌ في الإجماع، وغير ذلك. فتنازعُهم في بعض الأنواع هل هو من الإجماع الذي يجب اتباعُهم فيه، كتنازعهم في بعض أنواع الخطاب هل هو مما يُحتَجُّ به، كالعموم المخصوص ودليل الخطاب والقياس وغير ذلك. فهذا ونحوه مما يتبيَّن به بعضُ أعذارِ العلماء.
قال أبو محمد ابن حزم: وقومٌ قالوا: الإجماع هو إجماع الصحابة فقط، وقال قومٌ: إجماع كل عصرٍ إجماعٌ صحيح إذا لم يتقدم قبلَه في تلك المسألة خلافٌ. وهذا هو الصحيح لإجماع العلماء عند التفصيل عليه، واحتجاجهم به، وتركِ ما أصَّلُوه له.
إلى أن قال: وصفة الإجماع ما تيقَّنَ أنه لا خلافَ فيه بين أحدٍ من علماء الإسلام، ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك، مثل أن المسلمين خرجوا من الحجاز إلى اليمن، ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، وأن بني أمية ملكوا دهرًا، ثم ملكَ بنو العباس، وأنه كانت وقعة صفِّين والحرَّة، وسائر ذلك مما يُعلَم بيقينٍ وضرورة.
وقال: إنما نُدخِل في هذا الكتاب الإجماعَ التامَّ الذي لا مخالفَ فيه البتَّةَ، الذي يُعلَم كما يُعلَم أن صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان، وأنَّ شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان، وأنَّ هذا الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبر أنه وحيٌ من الله إليه، وأن في خمسٍ من الإبل شاة، ونحو ذلك. وهي ضرورة تقع في نفس الباحث عن الخبر المشرف على وجوهِ نقله، إذا تتبعها المرء في نفسه في كلّ ما جرَّبه من أحوال دنياه وجدَه ثابتًا مستقرًّا في نفسه.
стр. 981
وقال أيضًا في آخر كتابه -كتاب الإجماع هذا-: كلُّ ما كتبنا فهو يقين لاشكَّ فيه، متيقّنٌ لا يحل لأحدِ خلافُه البتَّةَ.
قلت: فقد اشترطَ في الإجماع ما يشترطُه كثير من أهل الكلام والفقه كما تقدم، وهو العلم بنفي الخلاف، وأن يكون العلم بالإجماع متواترًا. وجَعَلَ العلم بالإجماع من العلوم الضرورية كالعلم بعلوم الأخبار المتواترة عند الأكثرين. ومعلومٌ أنَّ كثيرًا من الإجماعات التي حكاها ليست قريبًا من هذا الوصف، فضلًا عن أن تكون منه، فكيف وفيها ما فيه خلافٌ معروف، وفيها ما هو نفسُه يُنكِر الإجماع فيه ويختار خلافَه من غير ظهورِ مخالف!
وقد قال: إنما نعني بقولنا "العلماء" من حُفِظ عنه الفُتيا.
وقال: وأجمعوا أنه لا يجوز التوضُّؤ بشيء من المائعات وغيرِها حاشا الماء والنبيذ.
قلت: وقد ذكر العلماء عن ابن أبي ليلى -وهو من أجل من يحكي ابن حزم قوله- أنه يُجزئ الوضوء بالمعتصَر كماء الورد ونحوه، كما ذكروا ذلك عن الأصمّ، لكنّ الأصمّ ليس ممن يعدُّه ابن حزم في الإجماع.
وقال: وأما الماء الجاري فاتفقوا على جواز استعماله ما لم تَظهر فيه نجاسة.
قلت: الشافعي في الجديد من قولَيْه وأحد القولين في مذهب أحمد أن الجاري كالراكد في اعتبار القُلَّتين، فينجس ما دون القلتين بوقوع النجاسة فيه وإن لم تظهر فيه.
стр. 982
وقال: واتفقوا على أنّ غَسْلَ الذراعين إلى منتهى المرفقين فرضٌ في الوضوء.
قلت: وزفر يخالف في وجوب غَسْلِ المرفقين. وحُكِي ذلك عن داود وبعض المالكية، اللهمّ إلا أن يعني بمنتهى المرفقين منتهاهما من جهة الكفّ.
قال: واتفقوا على أن الاستنجاء بالحجارة وبكل طاهر ما لم يكن طعامًا أو رجيعًا أو نجسًا أو جلدًا أو عظمًا أو فحمًا أو حممةً جائز.
قلت: في جواز الاستجمار بغير الأحجار قولان معروفان هما روايتان عن أحمد، إحداهما لا يُجزِئ إلا بالحجر، وهي اختيار أبي بكر بن المنذر وأبي بكر عبد العزيز.
قال: واتفقوا على أن كل إناءٍ لم يكن فضةً ولا ذهبًا ولا صُفْرًا ولا رصاصًا ولا نُحاسًا ولا مغصوبًا ولا إناءَ كتابي ولا جلد ميتة ولا جلد مالا يُؤكل لحمُه وإن ذُكِّي، فإن الوضوء منه والأكل والشرب جائز كل ذلك.
قلت: الآنية الثمينة التي تكون أغلى من الذهب والفضة كالياقوت ونحوه، فيها قولان للشافعي، وفي مذهب مالك قولان.
قال: وأجمعوا أن الحائض وإن رأتِ الطهرَ ما لم تَغسِل فرجَها أو تتوضأ فوطؤُها حرام.
قلت: أبو حنيفة يقول: إذا انقطع دمُها لأكثر الحيض أو مرَّ عليها وقتُ صلاةٍ جاز وطؤُها، وإن لم تغتسل ولم تتوضأ ولم تَغسِل فرجَها.
قال: واتفقوا أن الصلاة لا تسقط ولا يَحِلُّ تأخيرها عمدًا عن
стр. 983
وقتها عن العاقل البالغ بعذرٍ أصلًا، وأنها تُؤدَّى على قدر طاقة المرء من جلوسٍ واضطجاع، بإيماءٍ وكيفَ أمكنه.
قلت: النزاع معروف في صور، منها حالُ المسايفة، فأبو حنيفة يُوجِب التأخير، وأحمد في إحدى الروايتين يُجوِّزه. ومنها المحبوس في مصر. ومنها عادم الماء والتراب، فمذهب أبي حنيفة وأحد القولين فَّيَ مذهب مالك أنه لا يُصلِّي، رواه معنٌ عن مالك، وهو قول أصبغ، وحُكِيَ ذلك قولًا للشافعي ورواية عن أحمد. وهؤلاء في الإعادة لهم قولان هما روايتان في مذهب مالك وأحمد، والقضاء قول أبي حنيفة.
قال: واتفقوا على أن المرأة لا تَؤُمُّ الرِّجالَ وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتُهم فاسدة لا بالإجماع. قال: ورُوِي عن أشهب أن من ائتمَّ بامرأة وهو لا يدري حتى خرج الوقت ثم عَلِم، فصلاتُه تامَّةٌ، وكذا من ائتمَّ بكافرٍ وهو لا يعلم أنه كافر.
قلت: ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان يجوز في المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع روايتان.
قال: واتفقوا على أن وضع الرأس في الأرض والرجلين في السجود فرضٌ.
قلت: المنقول عن أبي حنيفة أنه لا يجب السجود إلا على الوجه، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. ويقتضي هذا أنه لو سجد على يديه ووجهِه وركبتيه أجزأه.
قال: واتفقوا على أن الفكرة في أمور الدنيا لا تُفسِد الصلاةَ.
стр. 984
قلت: إذا كانت هي الأغلب ففيها نزاع معروف، والبطلان اختيار أبي عبد الله بن حامد وأبي حامد الغزالي.
قال: واتفقوا على جواز الصلاة في كلّ مكانٍ، ما لم يكن جوف الكعبة أو الحجر أو ظهر الكعبة أو معاطن الإبل، أو مكانًا فيه نجاسة، أو حمامًا أو مقبرة أو إلى قبرٍ أو عليه، أو مكانا مغصوبًا يَقدِر على مفارقته، أو مكانًا يُستهزَأ فيه بالإسلام، أو مسجد الضرار، أو بلاد ثمود لمن لم يدخلها باكيًا.
قلت: الصلاة في المجزرة والمزبلة وقارعةِ الطريق لا تصحُّ في المشهور عند كثير من أصحاب أحمد بل أكثرهم. والصلاة في الحُشّ كذلك عند جمهورِهم، وإن صلَّى في مكانٍ طاهرٍ منه.
قال: واتفقوا أن صلاةَ العيدين وكسوف الشمس وقيام ليالي رمضان ليست فرضًا، وكذلك التهجد على غير النبي ﷺ .
قلت: العيدان فرضٌ على الكفاية في ظاهرِ مذهب أحمد، وحُكِي عن أبي حنيفة أنهما واجبان على الأعيان. وعن عبيدة السلماني أن قيام الليل واجب كحلب شاة، وهو قول في مذهب أحمد.
قال: واتفقوا أن كلَّ صلاةٍ ما عدا الصلوات الخمس وعلى الجنائز والوتر وما نذره المرء ليست فرضًا.
قلت: في وجوب ركعتي الطواف نزاعٌ معروف، وقد ذكر في وجوب المعادة مع إمام الحيّ وركعتي الفجر والكسوف.
قال: واتفقوا أن من أسقط الجلسةَ الوسطى من صلاةِ الظهر والعصر والمغرب والعتمة ساهيًا، أن عليه سجدتي السهو.
стр. 985
قلت: الشافعي لا يُوجِب سجودَ السهو.
قال: واتفقوا أنّ في كلّ مائتي درهمٍ خمسةَ دراهم، ما لم يكن حُلِيَّ امرأةٍ أو حِليةَ سيفٍ أو منطقة أو مصحفًا أو خاتمًا.
قلت: النزاع في كلّ حلي مباح أو حلي الخوذة والران، وحمائل السيف كالمنطقة في مذهب أحمد وغيرِه. والذهب اليسير المتصل بالثوب كالطراز الذي لا يتجاوز أربعةَ أصابع مباحٌ في إحدى الروايتين عنه، وحلية السلاح كلّه كحلية السيف في إحدى الروايتين عنه.
وللعلماء نزاع في غير ذلك من الحلية.
قال: واتفقوا على أن وقت الوقوف ليس قبل الظهر في التاسع من ذي الحجة.
قلت: أحد القولين -بل أشهرهما- في مذهب أحمد أنه يُجزِئ الوقوف قبل الزوال وإن أفاض قبل الزوال، لكن عليه دمٌ، كما لو أفاض قبل الغروب.
وقال بعد أن ذكر من محظورات الإحرام اللباس والطيب والتغطية: واتفقوا أنه من فَعل من كل ما ذكرنا أنه يجتنبه في إحرامِه شيئًا عامدًا أو ناسيًا أنه لا يَبطُل حجُّه ولا إحرامُه. واتفقوا أن من جادلَ في الحج فإن حجَّه لا يَبطُل ولا إحرامُه. واختلفوا فيمن قَتَلَ صيدًا متعمدًا، فقال مجاهد: بَطَلَ حجُّه وعليه الهدي.
قلت: وقد اختار في كتابه (١) ضدَّ هذا، وأنكرَ على من ادَّعى هذا الإجماعَ الذي حكاه هنا، فقال: الجدالُ بالباطل وفي الباطل عمدًا