← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقال أيضًا في آخر كتابه -كتاب الإجماع هذا-: كلُّ ما كتبنا فهو يقين لاشكَّ فيه، متيقّنٌ لا يحل لأحدِ خلافُه البتَّةَ. قلت: فقد اشترطَ في الإجماع ما يشترطُه كثير من أهل الكلام والفقه كما تقدم، وهو العلم بنفي الخلاف، وأن يكون العلم بالإجماع متواترًا. وجَعَلَ العلم بالإجماع من العلوم الضرورية كالعلم بعلوم الأخبار المتواترة عند الأكثرين. ومعلومٌ أنَّ كثيرًا من الإجماعات التي حكاها ليست قريبًا من هذا الوصف، فضلًا عن أن تكون منه، فكيف وفيها ما فيه خلافٌ معروف، وفيها ما هو نفسُه يُنكِر الإجماع فيه ويختار خلافَه من غير ظهورِ مخالف! وقد قال: إنما نعني بقولنا "العلماء" من حُفِظ عنه الفُتيا. وقال: وأجمعوا أنه لا يجوز التوضُّؤ بشيء من المائعات وغيرِها حاشا الماء والنبيذ. قلت: وقد ذكر العلماء عن ابن أبي ليلى -وهو من أجل من يحكي ابن حزم قوله- أنه يُجزئ الوضوء بالمعتصَر كماء الورد ونحوه، كما ذكروا ذلك عن الأصمّ، لكنّ الأصمّ ليس ممن يعدُّه ابن حزم في الإجماع. وقال: وأما الماء الجاري فاتفقوا على جواز استعماله ما لم تَظهر فيه نجاسة. قلت: الشافعي في الجديد من قولَيْه وأحد القولين في مذهب أحمد أن الجاري كالراكد في اعتبار القُلَّتين، فينجس ما دون القلتين بوقوع النجاسة فيه وإن لم تظهر فيه.

стр. 982

وقال: واتفقوا على أنّ غَسْلَ الذراعين إلى منتهى المرفقين فرضٌ في الوضوء. قلت: وزفر يخالف في وجوب غَسْلِ المرفقين. وحُكِي ذلك عن داود وبعض المالكية، اللهمّ إلا أن يعني بمنتهى المرفقين منتهاهما من جهة الكفّ. قال: واتفقوا على أن الاستنجاء بالحجارة وبكل طاهر ما لم يكن طعامًا أو رجيعًا أو نجسًا أو جلدًا أو عظمًا أو فحمًا أو حممةً جائز. قلت: في جواز الاستجمار بغير الأحجار قولان معروفان هما روايتان عن أحمد، إحداهما لا يُجزِئ إلا بالحجر، وهي اختيار أبي بكر بن المنذر وأبي بكر عبد العزيز. قال: واتفقوا على أن كل إناءٍ لم يكن فضةً ولا ذهبًا ولا صُفْرًا ولا رصاصًا ولا نُحاسًا ولا مغصوبًا ولا إناءَ كتابي ولا جلد ميتة ولا جلد مالا يُؤكل لحمُه وإن ذُكِّي، فإن الوضوء منه والأكل والشرب جائز كل ذلك. قلت: الآنية الثمينة التي تكون أغلى من الذهب والفضة كالياقوت ونحوه، فيها قولان للشافعي، وفي مذهب مالك قولان. قال: وأجمعوا أن الحائض وإن رأتِ الطهرَ ما لم تَغسِل فرجَها أو تتوضأ فوطؤُها حرام. قلت: أبو حنيفة يقول: إذا انقطع دمُها لأكثر الحيض أو مرَّ عليها وقتُ صلاةٍ جاز وطؤُها، وإن لم تغتسل ولم تتوضأ ولم تَغسِل فرجَها. قال: واتفقوا أن الصلاة لا تسقط ولا يَحِلُّ تأخيرها عمدًا عن

стр. 983

وقتها عن العاقل البالغ بعذرٍ أصلًا، وأنها تُؤدَّى على قدر طاقة المرء من جلوسٍ واضطجاع، بإيماءٍ وكيفَ أمكنه. قلت: النزاع معروف في صور، منها حالُ المسايفة، فأبو حنيفة يُوجِب التأخير، وأحمد في إحدى الروايتين يُجوِّزه. ومنها المحبوس في مصر. ومنها عادم الماء والتراب، فمذهب أبي حنيفة وأحد القولين فَّيَ مذهب مالك أنه لا يُصلِّي، رواه معنٌ عن مالك، وهو قول أصبغ، وحُكِيَ ذلك قولًا للشافعي ورواية عن أحمد. وهؤلاء في الإعادة لهم قولان هما روايتان في مذهب مالك وأحمد، والقضاء قول أبي حنيفة. قال: واتفقوا على أن المرأة لا تَؤُمُّ الرِّجالَ وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتُهم فاسدة لا بالإجماع. قال: ورُوِي عن أشهب أن من ائتمَّ بامرأة وهو لا يدري حتى خرج الوقت ثم عَلِم، فصلاتُه تامَّةٌ، وكذا من ائتمَّ بكافرٍ وهو لا يعلم أنه كافر. قلت: ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان يجوز في المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع روايتان. قال: واتفقوا على أن وضع الرأس في الأرض والرجلين في السجود فرضٌ. قلت: المنقول عن أبي حنيفة أنه لا يجب السجود إلا على الوجه، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. ويقتضي هذا أنه لو سجد على يديه ووجهِه وركبتيه أجزأه. قال: واتفقوا على أن الفكرة في أمور الدنيا لا تُفسِد الصلاةَ.

стр. 984

قلت: إذا كانت هي الأغلب ففيها نزاع معروف، والبطلان اختيار أبي عبد الله بن حامد وأبي حامد الغزالي. قال: واتفقوا على جواز الصلاة في كلّ مكانٍ، ما لم يكن جوف الكعبة أو الحجر أو ظهر الكعبة أو معاطن الإبل، أو مكانًا فيه نجاسة، أو حمامًا أو مقبرة أو إلى قبرٍ أو عليه، أو مكانا مغصوبًا يَقدِر على مفارقته، أو مكانًا يُستهزَأ فيه بالإسلام، أو مسجد الضرار، أو بلاد ثمود لمن لم يدخلها باكيًا. قلت: الصلاة في المجزرة والمزبلة وقارعةِ الطريق لا تصحُّ في المشهور عند كثير من أصحاب أحمد بل أكثرهم. والصلاة في الحُشّ كذلك عند جمهورِهم، وإن صلَّى في مكانٍ طاهرٍ منه. قال: واتفقوا أن صلاةَ العيدين وكسوف الشمس وقيام ليالي رمضان ليست فرضًا، وكذلك التهجد على غير النبي ﷺ . قلت: العيدان فرضٌ على الكفاية في ظاهرِ مذهب أحمد، وحُكِي عن أبي حنيفة أنهما واجبان على الأعيان. وعن عبيدة السلماني أن قيام الليل واجب كحلب شاة، وهو قول في مذهب أحمد. قال: واتفقوا أن كلَّ صلاةٍ ما عدا الصلوات الخمس وعلى الجنائز والوتر وما نذره المرء ليست فرضًا. قلت: في وجوب ركعتي الطواف نزاعٌ معروف، وقد ذكر في وجوب المعادة مع إمام الحيّ وركعتي الفجر والكسوف. قال: واتفقوا أن من أسقط الجلسةَ الوسطى من صلاةِ الظهر والعصر والمغرب والعتمة ساهيًا، أن عليه سجدتي السهو.

стр. 985

قلت: الشافعي لا يُوجِب سجودَ السهو. قال: واتفقوا أنّ في كلّ مائتي درهمٍ خمسةَ دراهم، ما لم يكن حُلِيَّ امرأةٍ أو حِليةَ سيفٍ أو منطقة أو مصحفًا أو خاتمًا. قلت: النزاع في كلّ حلي مباح أو حلي الخوذة والران، وحمائل السيف كالمنطقة في مذهب أحمد وغيرِه. والذهب اليسير المتصل بالثوب كالطراز الذي لا يتجاوز أربعةَ أصابع مباحٌ في إحدى الروايتين عنه، وحلية السلاح كلّه كحلية السيف في إحدى الروايتين عنه. وللعلماء نزاع في غير ذلك من الحلية. قال: واتفقوا على أن وقت الوقوف ليس قبل الظهر في التاسع من ذي الحجة. قلت: أحد القولين -بل أشهرهما- في مذهب أحمد أنه يُجزِئ الوقوف قبل الزوال وإن أفاض قبل الزوال، لكن عليه دمٌ، كما لو أفاض قبل الغروب. وقال بعد أن ذكر من محظورات الإحرام اللباس والطيب والتغطية: واتفقوا أنه من فَعل من كل ما ذكرنا أنه يجتنبه في إحرامِه شيئًا عامدًا أو ناسيًا أنه لا يَبطُل حجُّه ولا إحرامُه. واتفقوا أن من جادلَ في الحج فإن حجَّه لا يَبطُل ولا إحرامُه. واختلفوا فيمن قَتَلَ صيدًا متعمدًا، فقال مجاهد: بَطَلَ حجُّه وعليه الهدي. قلت: وقد اختار في كتابه (١) ضدَّ هذا، وأنكرَ على من ادَّعى هذا الإجماعَ الذي حكاه هنا، فقال: الجدالُ بالباطل وفي الباطل عمدًا

стр. 986

ذاكرًا لإحرامه مُبطِلٌ لإحرامِه والحج، بقوله تعالى: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١). وقال: كلُّ نسوقٍ تعمَّده المحرمُ ذاكرًا فقد أبطل إحرامه وحجه وعمرته، لقوله تعالى:: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ). قال: ومن عجائب الدنيا أن الآية وردت كما تلونا، فأبطلوا الحج بالرفث ولم يُبطِلوه بالفسوق. وقال: كلُّ من تعمَّد معصيةً أيَّ معصية كانت، وهو ذاكر لحجه منذ يُحرِم إلى أن يتم طوافه بالبيت للإفاضة ورمي جمرة العقبة، فقد بَطَل حجُّه. قال: وأعجبُ شيء دعواهم الإجماع على هذا. قلت: الإجماع فيه أظهر منه في كثير مما ذكره في كتابه. قال: واتفقوا أن كل صدقة واجبة في الحج أو إطعام، أنه إن أدَّاه بمكة أجزأه، واختلفوا فيمن أدَّى ذلك في غير مكة، حاشا جزاء الصيد، فإنهم اتفقوا أنه لا يُجزئ إلا بمكة. قلت: مذهب أبي حنيفة ومالك أنه يُجزئ الإطعام في جزاء الصيد في غير مكة. وكذلك عندهما تفرقة اللحم تُجزئ في غير الحرم، وإنما الواجب في الحرم عندهما إراقة الدم، بخلاف الشافعي وأحمد ومن وافقهما، فإنهم أوجبوا ذبحه في الحرم، وأوجبوا تفرقتَه في الحرم. وكذلك الصدقة تقوم مقام ذلك. قال: واتفقوا أن من يوم النحر -وهو العاشر من ذي الحجة- إلى انسلاخ ذي الحجة وقتٌ لطواف الإفاضة ولما بقي من سنن الحج. قلت: إن أخَّره عن أيام منًى جاز في مذهب الشافعي وأحمد

стр. 987

والليث والأوزاعي وأبي يوسف وغيرهم، وهكذا نُقِل عن مالك. وقال أبو حنيفة وزفر والثوري في رواية: إن أخَّره إلى ثالث أيام التشريق لزمَه دمٌ -وهو قولٌ مخرَّجٌ في مذهب أحمد- وإن أخَّره إلى المحرم فلا شيء عليه إلا عند مالك، فإنه عليه دمٌ. ولفظ المدونة: إذا جاوز أيام منى وتطاول ذلك لزمَه، ولم يوقت فيه. وأما رمي الجمار فلا يجوز بعد أيام التشريق، لا نزاع نعلمه، بل على من تركَها دمٌ، ولا يُجزِئُ رميُها بعد ذلك. قال: واتفقوا على أن إيجاب الهدي فرضٌ على المُحْصَر. قلت: قد نَقل غير واحدٍ عن مالك أنه لا يجب الهدي على المحصر، وهو المشهور من مذهب مالك. قال: واتفقوا على أن من حلف لخصمِه دون أن يُحلِّفه حاكم أو مَن حكَّماه على أنفسهما، أنه لا يبرأ بتلك اليمين من الطلب. قلتُ: قد نَصَّ أحمد على أنه إذا رضي بيمين خصمِه فحلف له، لم يكن له مطالبته باليمين بعد ذلك. قال: وأجمعوا على أن كل من لزمه حق في ماله أو ذمته لأحدٍ، فرض عليه أداء الحق إلى من هو له عليه، إذا أمكنه ذلك وبقي له بعد ذلك ما يعيش به أيامًا هو ومن تلزمه نفقته. قلت: مذهب أحمد أنه يترك له من مالِه ما تدعو إليه الحاجة من مسكن وخادم وثياب، وكذلك قال إسحاق. وظاهرُ مذهب أحمد أيضًا أنه إذا لم تكن له صنعة يترك له ما يتجر به لقُوتِه وقوتِ عياله، وإن كان ذا حرفةٍ ترك له آلة حرفته. وقد نقل عنه عبد الله ابنه أنه قال: يُباعُ عليه كل شيء إلا المسكن وما يواريه من ثيابه والخادم، إن كان

стр. 988

شيخًا كبيرًا أو زَمِنًا وبه حاجة إليه. فلم يستثن ما يكتسب به لقول الأكثرين. قال: وأجمعوا أن المملوكة لا يجبر سيدها على إنكاحِها، ولا على أن يطأها وإن طلبت هي ذلك، ولا على بيعها من أجل منعه لها الوطء والإنكاح. قلت: مذهب أحمد المنصوص المعروف من مذهبه أن الأمة إذا طلبت الإنكاح فإن سيّدها يستمتع بها، وإلاّ لزمه إجابتها، وكذلك إذا كانت ممن لا تَحِلُّ له، وكذلك مذهبه في العبد. ومذهب الشافعي -إذا كانت ممن لا تحلّ له فهل يلزمُه إجابتُها- على وجهين. قال: واتفقوا أن التعريض للمرأة وهي في العدة حلالٌ، إذا كانت العدة في غير رجعية أو كانت من وفاةٍ. قلت: في المعتدة البائنة بالثلاث أو بما دون الثلاث كالمختلعة ثلاثةُ أوجه في مذهب أحمد، وقولان للشافعي، أحدها: يجوز التعريض بخطبتها، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي. والثاني: لا يجوز، والثالث: يجوز في المعتدة بالثلاث، لأنها محرَّمة على زوجها، وكذلك كل محرَّمة، ولا يجوز في المعتدة بما دون ذلك، لإمكان عودِها إليه، وهو أحد قولي الشافعي. قال: واتفقوا أن الطلاق إلى أجل أو بصفةٍ واقعٌ إن وافقَ وقتَ طلاق، ثم اختلفوا في وقت وقوعه، فمن قائلٍ الآن، ومن قائل هو إلى أجله. واتفقوا أنه إذا كان ذلك الأجل في وقت طلاقٍ أن الطلاق قد وقع. قال: واختلفوا في الطلاق إذا خرجَ مخرجَ اليمين أيلزمُ أم لا؟

стр. 989

قال: واتفقوا على أن ألفاظ الطلاق: "طلاق" وما تصرَّف من هجائه مما يُفهم معناه، والبائن والبتة والخلية والبرية، وأنه إن نوى بشيء من هذه الألفاظ طلقةً واحدةً سنيةً لزمتْه كما قدمنا. قال: ولا نعلم خلافًا في أن من طلق ولم يُشهِد أن الطلاق لازم، ولكنا لسنا نقطع على أنه إجماع. قلت: فقد ذكر فيما إذا كان قصده الحلف بالطلاق أيلزم أم لا؟ قولين (١)، وذكر أن المؤجل والمعلَّق بصفةٍ -يعني إذا لم يكن في معنى اليمين- أنه يقع بالاتفاق. وقد اختار في كتابه الكبير في الفقه "شرح المجلَّى" (٢) خلافَ هذا، وأنكر على من ادَّعى الإجماعَ في ذلك. وكذلك اختار (٣) أن الطلاق بالكناية لا يقع، ولا يقع إلا بلفظ الطلاق. وهذان قول الرافضة، وكذلك قولهم: إن الطلاق لا يقع إلا بالإشهاد. وقد أنكر في كتابه من ادَّعى إجماعًا في هذا وهذا وهذا، كما هو عادتُه في أمثال ذلك، مع أنه قد ذكر هنا فيه الإجماع الذي اشترط فيه الشروط المتقدمة. ومعلوم أن الإجماع على هذا من أظهر ما يُدَّعَى فيه الإجماع، لكن هو في غير موضع يخالف ما هو إجماع عند عامةِ العلماء، وينكر أنه إجماع، كدعواه وجوبَ الضجعة بعد ركعتي الفجر، وبطلان صلاة من لم يركعهما (٤)، ودعواه وجوبَ الدعاء في التشهد

стр. 990

الأول (١) بقوله "اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (٢). ونحو ذلك مما يُعلم فيه الإجماع أظهر مما يُعلَم في أكثر ما حكاه. بل إذا قال القائل: إن الأمة أجمعت أن الدعاء لا يُشرَع في التشهد الأول، كان هذا من الإجماعات المقبولة، فضلًا عن أن يقول أحدٌ: إن هذا الدعاء واجبٌ فيه، وإن صلاة من لم يَدْعُ فيه باطلة. وإنما النزاع في وجوبه في التشهد الذي يسلم فيه، وكان طاووس يأمر من لم يدعُ بالإعادة، وذكر ذلك وجه في مذهب أحمد. قال: واتفقوا أن عدة الحرَّة المسلمة المطلقة التي ليست حاملًا ولا مستريبةً، وهي لم تحض أو لا تحيض، إلا أن البلوغ متوهّم منها= ثلاثة أشهر متصلة. قلت: من بلغتْ من سِن المحيض ولم تَحِضْ، ففيها عن أحمد روايتان، أشهرهما عند أصحابه أنها تعتدُّ عدَّةَ المستريبة تسعة أشهر، ثم ثلاثة أشهر، كالتي ارتفع حيضُها لا تدري ما رفعه. قال: واتفقوا على أن استقراض ما عدا الحيوان جائز، واختلفوا في جواز استقراض الرقيق والجواري والحيوان. قلت: الاتفاق إنما هو في قرض المثليات المكيل والموزون، وأما ما سوى ذلك فأبو حنيفة لا يُجوِّز قرضَه، لأن موجب القرض المثل، ولا مثلَ له عنده، فالنزاع فيه كالنزاع في الحيوان.

стр. 991

قال: واتفقوا أن الوصية بالمعاصي لا تجوز، وأن الوصية بالبر وبما ليس ببرّ ولا معصية ولا تضييعًا للمال جائزة. قلت: الوصية بما ليس ببر ولا معصية، والوقف على ذلك، فيه قولان في مذهب أحمد وغيرِه، والصحيح أن ذلك لا يصحّ، فإن الإنسان لا ينتفع ببذل المال بعد الموت إلا أن يصرفه إلى طاعة الله، وإلاّ فبذلُه بما ليس بطاعة ولا معصية لا ينفعه بعد الموت، بخلاف صرفِه في الحياة في المباحات كالأكل والشرب واللباس، فإنه ينتفع بذلك. وقال في الجزية: واتفقوا على أنه إن أعطَى -يعني من يُقبل منه الجزية عن نفسه وحدها- أربعة مثاقيل ذهب في كل عام، على أن يلتزموا ما ذكره من شروط الذمة، فقد حرم دمُ من وفَى بذلك ومالُه وأهله وظلُمه. قلت: للعلماء في الجزية هل هي مقدرة بالشرع أو باجتهاد الإمام أن يزيد على أربعة دنانير؟ [قولان]، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وهي مذهب عطاء والثوري ومحمد بن الحسن وأبي عبيد وغيرهم. قال: واتفقوا أنه لا ينفَّل من ساق مغنمًا أكثر من ربعه في الدخول، ولا أكثر من ثلثه في الخروج. قلت: في جواز تنفيل ما زاد على ذلك إذا اشترطه الإمام، مثل أن يقول: من فَعَل كذا فله نصف ما يغنم، قولان هما روايتان عن أحمد. وأما تنفيل الزيادة بلا شرط فلا أعلم فيه نزاعًا، ويمكن أن يُحمل كلام أبي محمد بن حزم على هذا، فلا يكون فيما ذكره نزاع. قال: واتفقوا أن الحر البالغ العاقل الذي ليس بسكران، إذا أمّن

стр. 992

أهل الكتاب الحربيين على أداء الجزية على الشروط التي قدمنا أو على الجلاء، أو أمّن سائر الكفار على الجلاء بأنفسهم وعيالهم وذراريهم، وترك بلادهم، واللحاق بأرض حرب أخرى، لا بأرض ذمة ولا بأرض إسلام، أن ذلك لازم لأمير المؤمنين ولجميع المسلمين حيث كانوا. قلت: ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يصحُّ عقدُ الذمَّة إلا من الإمام أو نائبه. وهذا هو المشهور عند أصحاب أحمد، وفيه وجه في المذهبين أنها تصحّ من كلّ مسلم كما ذكره ابن حزم. قال: واتفقوا أن أولاد أهل الجزية ومن تناسَل منهم، فإن الحكم الذي عقده أجدادُهم -وإن بعدوا- جارٍ على هؤلاء لا يحتاج إلى تجديده مع من حدث منهم. قلت: هذا هو قول الجمهور، ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما يُستأنف له العقد، وهذا منصوص الشافعي، والثاني لا يُحتاج إلى استئناف عقد، كقول الجمهور. قال: واتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقتٍ واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، لا في مكانين ولا في مكانٍ واحد. قلتُ: النزاع في ذلك معروف بين المتكلمين في هذه المسألة، كأهل الكلام والنظر، فمذهب الكرّامية وغيرِهم جواز ذلك، وأن عليَّا كان إمامًا ومعاوية كان إمامًا. وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أن كلَاّ منهما ينفذ حكمه في أهلِ ولايته كما ينفذ حكم الإمام الواحد. وأما جواز العقد لهما ابتداء فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يعقد كلٌّ من الطائفتين لإمامين، ولكن كل طائفة إْمّا أن تُسالِمَ

стр. 993

الأخرى، وإما أن تحاربها، والمسالمةُ خير من محاربةٍ يزيد ضررُها على ضرر المسألة. وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء. قال: واتفقوا أنه إذا كان الإمام من ولد علي، وكان عدلًا، ولم يتقدم بيعتَه بيعةٌ أخرى لإنسانٍ حيّ، وقام عليه من دونَه، أن قتال الآخر واجبٌ. قلت: ليس للأئمة في هذه بعينها كلامٌ يُنقَل عنهم، ولا وقع هذا في الإسلام، إلا أن يكون في قصة عليّ ومعاوية. ومعلومٌ أن أكثر علماء الصحابة لم يَرَوا القتالَ مع واحدٍ منهما، وهو قول جمهور أهل السنة والحديث، وجمهور أهل المدينة والبصرة، وكثير من أهل الشام ومصر والكوفة وغيرهم من السلف والخلف. وقد قال: إنما أدخلنا هذا الاتفاقَ على جوازِه لخلاف الزيدية، هل تجوز إمامة غير علويّ أم لا؟ وإن كنا مُخَطِّئين لهم في ذلك ومعتقدين صحةَ بطلان هذا القول، وأن الإمامة لا تتعدى فِهْر بن مالك، وأنها جائزة في جميع أفخاذهم، ولكن لم يكن بذٌ في صفة الإجماع الجاري عند الكلّ مما ذكرنا. قلت: قد ذكر هو أنه لا يذكر إلا خلاف أهل الفقه والحديث دون المعتزلة والخوارج والرافضة ونحوهم. فلا معنى لإدخالِ الزيدية في الخلاف وفتحِ هذا الباب، فقد ذكر في كتابه "الملل والنحل" (١) نزاعًا في ذلك، وأن طائفة ادَّعت النصَّ على العباس، وطائفة ادَّعت النصَّ على عمر. قال: واتفقوا أن من خالف الإجماع المتيقن بعد علمه بأنه إجماع فإنه كافر.

стр. 994

قلت: في ذلك نزاع مشهور بين الفقهاء. قال: واتفقوا أن السمن إذا وقع فيه فأر أو فأرة، فمات أو ماتت وهو مائع، أنه لا يُؤكَل. قلت: هذا فيه نزاعٌ معروف، فمذهب طائفة أنه يُلقَى ما قرب منها ويُؤكل، سواء كان جامدًا أو مائعًا. قال البخاري في صحيحه (١): باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب. حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن [عبد الله بن] عتبة أنه سمع ابن عباس يحدِّث عن ميمونةَ أن فأرةً وقعتْ في سمنٍ فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها فقال: "ألقوها وما حولها، وكُلُوه". قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدِّثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: سمعتُ الزهريَّ يقوله عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ ، ولقد سمعتُه منه مرارًا. حدثنا عبدان (٢) حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك- عن يونس عن الزهري: عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها. قال: بلغَنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمنٍ، فأمر بما قَرُبَ فطُرِحَ، ثم أكل. عن حديث عبيد الله بن عبد الله. ثم رواه من طريق مالك كما رواه من طريق ابن عيينة. وهذا الحديث رواه عن الزهري كما رواه ابن عيينة بسنده ولفظه. وأما معمر فاضطرب فيه في سنده ولفظه، فرواه تارةً عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال فيه: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن

стр. 995

كان مائعًا فلا تقربوه". وقيل عنه: "وإن كان مائعا فاستصحبوا به". واضطرب عن معمر فيه. وظنَّ طائفة من العلماء أن حديث معمر محفوظ، فعملوا به، وممن ثبَّته محمد بن يحيى الذهلي فيما جمعه من حديث الزهري. وأما البخاري والترمذي وغيرهما فعلَّلوا حديثَ معمر وبيَّنوا غلطه، والصواب معهم (١). فذكر البخاري هنا عن ابن عيينة أنه قال: سمعتُه من الزهري مرارًا لا يرويه إلا عن عبيد الله بن عبد الله، وليس في لفظه إلا قوله "ألقوها وما حولها وكلوا"، وكذلك رواه مالك وغيره. وذكر من حديث يونس أن الزهري سئل عن الدابة تموت في السمن الجامد وغير الجامد، فأفتى بأن النبي ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح. فهذه فتيا الزهري في الجامد وغير الجامد، فكيف يكون قد روى في هذا الحديث استواء حكم النوعين بالحديث، ورواه بالمعنى فقال: "وأمر أن يطرح وما قرب منها"؟. وروى صالح بن أحمد في "مسائله" (٢) عن أحمد قال: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة أن ابن عباس سُئِل عن فارة ماتت في سمن، قال: تُؤخذ الفأرة وما حولَها. قلت: يا مولاي! فإن أثرها كان في السمن كلِّه، قال: عضضتَ بِهَنِ أبيك! إنما كان أثرها في السمن وهي حية، وإنما ماتت حيث وجدت. ثم قال: حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا عن النضر بن عربي عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فسأله عن جَرٍّ فيه زيت وقعَ

стр. 996

فيه جروٌ، فقال: خذه وما حوله، فألقِه وكُلْه. ورُوِي نحو ذلك عن ابن مسعود -وهو إحدى الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك- أن الكثير من الطعام والشراب المائع لا يُنَجِّسه يسيرُ النَّجاسة، بل هو كالماء. قال أبو محمد: واختلفوا في بيعه والانتفاع به، واختلفوا في المائعات وفي السمن الجامد وفي كل شيء جامد. قال: واتفقوا أن من نذر معصية فإنه لا يجوز له الوفاء بها. واختلفوا أيلزمُه لذلك كفَّارة أم لا؟ واختلفوا في النذر المطلق الذي ليس معلَّقا بصفةٍ، وفي النذر الخارج مخرجَ اليمين، أيلزم أم لا؟ وأفيه كفارةٌ أم لا؟ قال: واتفقوا أن من نذر مالا طاعةَ فيه ولا معصية أنه لا شيء عليه. قلت: بل النزاع في نذر المباح هل يلزم فيه كفارة إذا تركَه كالنزاع في نذر المعصية وأوكد، وظاهر مذهب أحمد لزوم الكفَّارة في الجميع، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره، لكن قيل عنه إذا قصد بالنذر اليمين. قال: واتفقوا أن إزالة المرء عن نفسِه ظلمًا -بأن يظلم من لم يظلمه قاصدًا إلى ذلك- لا يحل، وذلك مثل أن يحلّ عدوُّ المسلمين بساحة قوم فيقول؟ أعطوني مال فلانٍ، أو أعطوني فلانًا، وهو لا حق له عنده بحًكم دين الإسلام. أو قال: أعطوني امرأة أو أمة فلان، أو افعلوا كذا لبعض ما لا يحلُّ في دين الإسلام، فإنه لا خلاف بين أحدٍ من المسلمين في أنه لا يُجابُ إلى ذلك، وإن كان في منعه اصطلام الجميع.

стр. 997

قلت: دعوى الإجماع في مثل هذا الأمر العام الذي يتناول أنواعًا كثيرة ليس مستنده نقلًا في هذا عن أهل الإجماع، ولكن هو بحسب ما يعتقده الناقل في أن مثل هذا ظلم محرَّم لا يُبيحه عالم. وفي بعض ما يدخل في هذا نزاعٌ وتفصيل. كما لو تَترَّس الكفارُ بأسرَى المسلمين وخِيف على جيش المسلمين إن لم يرموا، فإنه يجوز أن يرموا بقصدِ الكفار، وإن أفضَى إلى قتل هؤلاء المعصومين، لأن فساد ذلك دون فساد استيلاء الكفار على جيش المسلمين. وهذا مذهب الفقهاء المشهورين، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. ولو لو يُخشَ على جيش المسلمين ففي جواز الرمي قولان لهم: أحدهما يجوز، كقول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي؟ والثاني لا يجوز، كالمعروف من مذهب أحمد والشافعي. وكذلك لو أكرهَ رجلٌ رجلًا على إتلاف مال غيره، وإن لم يُتلِفه قَتَلَه، جاز له إتلافه بشرط الضمان. والعدوّ المحاصر إذا طلب مال شخص، وإن لم يدفعوه اصطلمهم العدوّ، فإنهم يدفعون ذلك المال، ويضمنونه لصاحبه. وأمثال ذلك كثيرة. وقد ذكر -رحمه الله تعالى- إجماعات من هذا الجنس في هذا الكتاب، ولم يكن قصدنا تتبع ما ذكره من الإجماعات التي عُرِف انتقاضُها، فإن هذا يزيد على ما ذكرناه. مع أن أكثر ما ذكره من الإجماع هو كما حكاه لا نعلم فيه نزاعًا، وإنما المقصود أنه مع كثرة اطلاعه على أقوال العلماء وتبزُّزِه في ذلك على غيرِه، واشتراطه ما اشترطه في الإجماع الذي يحكيه، يظهر فيما ذكره في الإجماع نزاعات مشهورة، وقد يكون الراجح في بعضها خلاف ما يذكره في الإجماع. وسبب ذلك دعوى الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به، ودعوى أن الإجماع الإحاطي هو الحجة لا غيره. فهاتان قضيتان لابدّ

стр. 998

لمن ادعاهما من التناقض إذا احتج بالإجماع، فمن ادعى الإجماع في الأمور الخفية بمعنى أنه يعلم عدمَ المنازع فقد قَفا ما ليس له به علم. وهؤلاء الذين أنكر عليهم الإمام أحمد. وأما من احتج بالإجماع بمعنى عدم العلم بالمنازع فقد اتبع سبيل الأئمة، وهذا هو الإجماع الذي كانوا يحتجون به في مثل هذه المسائل. وقد ختم الكتاب ببابٍ من الإجماع في الاعتقادات، فكفَّر من خالفه، فقال: اتفقوا أنَّ الله وحده لا شريك له، خالق كل شيء غيره، وأنه تعالى لم يزل وحده، ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كلَّها كما شاء، وأن النفس مخلوقة، والعرش مخلوق، والعالم كله مخلوق. قلت: أما اتفاق السلف وأهل السنة والجماعة على أن الله وحده خالق كل شيء فهذا حق، ولكنهم لم يتفقوا على كفر من خالف ذلك، فان القدرية -الذين يقولون: إن أفعال الحيوان لم يخلقها الله- أكثر من أن يمكن ذكرهم من حين ظهرت القدرية في أواخر عصر الصحابة إلى هذا التاريخ، والمعتزلة كلهم قدرية، وكثير من الشيعة بل عامة الشيعة المتأخرين وكثير من المرجئة والخوارج وطوائف من أهل الحديث والفقه نُسِبوا إلى ذلك، منهم طائفة من رجال الصحيحين، ولم يجمعوا على تكفير هؤلاء. بل هو نفسه قد ذكر في أول كتابه أنه لا يكفّر هؤلاء. والمنصوص عن مالك والشافعي وأحمد في القدرية أنهم إذا جحدوا العلم كفروا، وإذا لم يجحدوه لم يكفروا. وأيضا فقد ذكر في كتابه "الملل والنحل" (١) أن الصحابة وأئمة الفتيا لا يكفرون من أخطأ في مسألة في الاعتقاد ولا فُتيا. وإن كان

стр. 999

أراد بقوله أتى المسلمون على هذا فهذا أبلغ. ومعلوم أن مثل هذا النقل للإجماع لم ينقله عن معرفته بأقوال الأئمة، لكن لما علم أن القرآن أخبر بأن الله خالق كل شيء، وأن هذا من أظهر الأمور عند الأمة، حكى الإجماع على هذا، ثم اعتقد أن من خالف الإجماع كفر بإجماع. فصارت حكايته لهذا الإجماع مبنية على هاتين المقدمتين اللتين ثبت النزاعُ في كل منهما. وأعجب من ذلك حكايته الإجماعَ على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحدَه ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كما شاء. ومعلوم أن هذه العبارة ليست في كتاب الله ولا تنسب إلى رسول الله ﷺ ، بل الذي في الصحيح (١) عنه حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ : "كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض"، وفي لفظ: "ثم خلق السماوات والأرض". ورُوِي هذا الحديث في البخاري بثلاثة ألفاظ (٢): رُوِي "كان الله ولا شيء قبله"، ورُوِي "ولا شيء غيره"، ورُوِي "ولا شيء معه" (٣)، والقصة واحدة، ومعلوم أن النبي ﷺ إنما قال واحدًا من هذه الألفاظ، والآخران رُوِيا بالمعنى. وحينئذٍ فالذي يناسب لفظ ما ثبت عنه في الحديث الآخر الصحيح (٤) أنه كان يقول في دعائه: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء". فقوله

стр. 1000

في هذا "أنت الأول فليس قبلك شيء" يناسب قوله "كان الله ولا شيء قبله". وقد بُسِط الكلام على هذا الحديث وغيره في غير هذا الموضع (١). والمقصود هنا الكلام على ما يظنه بعض الناس من الإجماعات. فهذا اللفظ ليس في كتاب الله، وهذا الحديث لو كان نصًّا فيما ذكر فليس هو متواترًا، فكم من حديث صحيح ومعناه فيه نزاع كثير، فكيف ومقصود الحديث غير ما ذكر. ولا نعرف هذه العبارة عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فكيف يُدَّعَى فيها الإجماعُ ويُدَّعَى الإجماعُ على كفر من خالف ذلك؟ ولكن الإجماع المعلوم هو ما علمت الأمة أن الله بيَّنه في القرآن، وهو أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما أخبر الله بذلك في القرآن في غير موضع (٢). فإذا ادَّعى المدَّعي الإجماعَ على هذا وتكفيرِ من خالف هذا كان قولُه متوجِّهًا. وليس في خبر الله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ما ينفي وجودَ مخلوقٍ قبلهما، ولا ينفي أنه خلقهما من مادةٍ كانت قبلهما، كما أنه أخبر أنه خلق الإنسان وخلق الجنّ، وإنما خلق الإنسان من مادَّة وهي الصلصال كالفخَّار، وخلق الجانّ من مارج من نار، فكيف وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف الذي لا يُعلَم فيه نزاع أن الله لما خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان عرشُه على الماء قبل ذلك، فكان العرشُ موجودًا قبل ذلك، وكان الماء موجودًا قبل ذلك.

стр. 1001

وقد ثبت في صحيح مسلم (١) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشُه على الماء". وقد أخبر سبحانه أنه استوى إلى السماء الدنيا وهي دخان، فقال لها وللأرض: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)) (٢). وثبت عن غير واحدٍ من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين أنه خلق السماء من بخار الماء. ونحو ذلك من النقول التي يصدِّقها ما يُخبِر به أهلُ الكتاب عن التوراة وما عندهم من العلم الموروث عن الأنبياء. وشهادة أهل الكتاب الموافقة لما في القرآن أو السنة مقبولة، كما في قوله تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)) (٣). ونظائر ذلك في القرآن. وهذا الموضع أخطأ فيه طائفتان: طائفة من أهل الكلام من اليهود والمسلمين وغيرهم ظنُّوا أن إخبار الله بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما يقتضي أنهما لم يُخلَقا من شيء، بل لم يكن قبلهما موجود إلا الله. ومعلوم أن خبر الله مخالف لذلك، والله قد أخبر أنه خلق الإنسان والجانَّ من مادَّةٍ ذكرها. والذين يثبتون الجوهر الفرد من هؤلاء وغيرهم يعتقدون أن خلق الإنسان وغيره مما يخلقه في هذا العالم ليس هو خلقًا لجوهر قائم بنفسه، بل هو إحداثُ أعراض يحول بها الجواهر المنفردة من

стр. 1002

حال إلى حالٍ. وهذا مخالف للشرع والعقل، كما قد بُسِط في موضعه، فإن هؤلاء يقولون: إنا لم نشهدْ خلقَ عين من الأعيان، بل الرب أبدع الجواهرَ المنفردة، ثم الخلقُ بعد ذلك إنما هو إحداث أعراضٍ قائمة بها. وطائفة أخرى أبعد عن الشرع والعقل من هؤلاء، يتأولون خلق السماوات والأرض بمعنى التولد والتعليل والإيجاب بالذات، ويقولون: إن الفلك قديم أزلي معلول للرب، وأنه يوجب بذاته لم يزل ولا يزال. وقولهم بالإيجاب هو معنى القول بالتولد، فإنَّ ما حصل عن غيره بغير اختيارٍ منه فقد تولَّد عنه، لاسيَّما إن كان حيًّا. وهؤلاء يقولون بقدم عين الفلك وأنه لم يزل ولا يزال. فهؤلاء إذا قيل: إن المسلمين أجمعوا على نقيض قولهم أو على كفرِ من قال بقولهم، كان قولًا متوجهًا، فإنه قد عُلِم بالاضطرار من دين الرسول أنه أخبر بخلق السماوات والأرض بعد أن لم تكن مخلوقة، بخلاف من ادَّعى أن الصانعَ لم يزل معطَّلا، والفعل والكلام عليه ممتنعًا بغير سبب حدث أوجب انتقاله من الامتناع إلى الإمكان، وأوجب أن يصير الربّ قادرًا على الفعل أو الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرًا على ذلك. فهذه الدعوى وأمثالها عند جمهور العقلاء معلومة الفساد بالعقل مع فسادها في الشرع، ومعلومٌ عند من له معرفة بالكتاب والسنة والإجماع أن الشرع لم يرد بها ولا بما يدل عليها قط. ولكن ظنّ من ظن من أهل الكلام أن هذا دين أهل الملل، واستدلُّوا على ذلك بالكلام الذي أنكره السلف والأئمة عليهم من أن مالا يخلو من الحوادث فهو حادث، وكان الذي أنكره السلف والأئمة عليهم الكلام الباطل الذي خالفوا فيه الشرع والعقل.

стр. 1003

وقد بُسِط الكلام على هذا في غير هذا الموضع (١)، وذُكِر منشأ غلط الطائفتين حيث لم يُفرِّقوا بين النوع والعين، وذُكِر قول السلف والأئمة: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، وإنه لا نهاية لكلمات الله، وإن وجود مالا نهاية له من كلمات الله في الماضي، كما ثبت في المستقبل وجود مالا نهاية له أيضًا، وإن كل ما سوى الله مخلوقٌ كائنٌ بعدَ أن لم يكن، وليس معه شيء قديم بقدمه، بل ذلك ممتنع عقلًا باطل شرعًا؛ فإن الله أخبر أنه خالق كل شيء. والقول بأن الخالق علَّة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها باطلٌ عقلًا وشرعًا، وموجبةٌ أنه يمتنع ضرورة وجود علة تامة يقارنها حدوث شيء من العالم، فإن الحوادث بعد أن لم تكن يمتنع مقارنةُ معلولها بها، بل قد بُيِّن أن القول بأن الفاعل يكون علة تامة مستلزمة للمفعول باطلٌ، وأن الفعل لا يكون إلا بإحداث شيء. لكن فرق بين حدوث الشيء المعين وبين حدوث الحوادث شيئا بعد شيء. وقد ثبت بالدلائل اليقينية أن الرب فاعل باختياره وقدرته، وأنه إذا قيل: هو موجب بالذات، فإن أريد بذلك أنه يوجب بمشيئته وقدرته ما شاءه= فهذا لا ينافي فعلَه بمشيئته وقدرته؛ وإن أريد بذلك ما يقوله دهرية الفلاسفة كابن سينا ونحوه من أن ذاتًا مجرَّدة عن الصفات أوجبت العالم بما فيه من الأمور المختلفة الحادثة= فهذا من أفسد الأقوال عقلًا وسمعًا، فإنّ إثباتَ ذاتٍ مجردةٍ عن الصفات أو إثباتَ وجودٍ مجردٍ عن جميع القيود أو مقيدٍ بالسلوب لا يختص بأمر وجودي مما لا يمكن تحقُّقه في الخارج، وإنما يقدِّره الذهن كما يقدِّر سائرَ

стр. 1004

الممتنعات. ودعوى أن الصفة هي الموصوف، وأن إحدى الصفتين هي الأخرى كما يقوله هؤلاء المتفلسفة: إن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد، واللذة واللذيذ والملتذّ شيء واحد، وأن العلم والقدرة والإرادة شيء واحد، والقدرة هي القادر، والعلم هو العالم، ونحو ذلك من أقوالهم التي قد بُسِط الكلام على فسادِها وتناقضها في غير هذا الموضع= هي دعاوٍ باطلة. والمقصود هنا الإشارة إلى ما قد يتوهمه بعضُ الناس من الإجماع لنوع من الاشتباه، فيظنُّ أمورًا داخلةً في الإجماع ولا تكون كذلك، كما يظنّ أمورًا خارجةً عنه ولا تكون كذلك، كما يصيب بعض الناس فيما يُدخلونه في نصوص الكتاب والسنة وفيما يُخرِجونه، ولهذا يذكر هؤلاء أمورًا مختلفةً فيها، وإذا نُظِر إلى مستندهم في الخلاف وُجد فيه من الخطأ أمور أخرى كذلك، إما نقل ضعيف، وإما لفظٌ مجمل، وإما غير ذلك مما قد يقع الغلط في صحته تارة وفي فهمه تارةً، كما يقع مثل ذلك فيما ينقلونه عن النبي ﷺ من الغلط، ويكون قد نشأ من الإسناد تارةً ومن فَهْمِ المتن تارةً. والله سبحانه أعلم.

стр. 1005

رسالة في بيان الصلاة وما تألَّفتْ منه

стр. 1006

فصل قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀: اعلم أن الصلاة مؤلفة من أقوالٍ وأفعالٍ ، ف أعظم أقوالها القرآن، وأعظمُ أفعالِها الركوعُ والسجودُ . وأول ما أنزله الله من القرآن (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١٩)) (١)، وختمها بقوله (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) (٢)، فافتتحها بالأمر بالقراءة، وختمها بالأمر بالسجود، وكل منهما يكون عبادةً مستقلَّةً، فالقراءة في نفسها عبادةٌ مطلقًا إلا في مواضع، والسجود عبادة بسبب السهو والتلاوة وسجود الشكر وعند الآيات على قولٍ. فالتلاوة الخاصة سبب السجود. وقد ذكر الله الركوعَ والسجودَ في مواضع، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (٣)، فهذا أمرٌ بهما. وقال تعالى: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) (٤)، فهذا ثناء عليهم بهما، وإن كان ذكرهما منتظمًا لبقية أفعال الصلاة، كما في القراءة والقيام والتسبيح والسجود المجرد، وهو من باب التعبير بالبعضِ عن الجميع، وهو دليلٌ على وجوبه فيه. وقال تعالى لبني إسرائيل: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) (٥)، فأفرد الركوع بالتخصيص بعد الأمر بإقامة الصلاة، ويُشبِهُ -والله أعلمُ- أن يكون فيه معنيان:

стр. 1007

أحدهما: أنهم لا يركعون في صلاتهم، فأمرهم بالركوع، إذ كانوا لا يفهمون ذلك من نفس الصلاة. الثاني: أن قوله (مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) أمرٌ بصلاة الجماعة، ودَل بذلك على وجوبها، وأمر بالركوع معهم لأنه بالركوع يكون مدركًا للركعة، فإذا ركعَ معهم فقد فعلَ بقيةَ الأفعال معهم، وما قبلَ الركوع من القيام لا يجب فعلُه معهم، فما بعده لازم. بخلاف مالو قال "قوموا" أو "اسجدوا" لم يدلَّ على ذلك. وقال لمريم: (اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) (١) قد يكون أمرًا لها بصلاةِ الجماعة -وإن كانت امرأةً- لأنها كانت محرَّرةً منذورةً لله عاكفةً في المسجد. وقال تعالى: (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) (٢)، قد قيل: إنه السجود. وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨)) (٣). وذكر السجود والقيام في قوله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (٤)، وفي قوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا (٦٤)) (٥). وذكر السجود في قوله: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) (٦)، وفي قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)) (٧)، وقوله: (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ

стр. 1008

سُجَّدًا) (١)، وقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)) (٢)، وقوله: (فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)) (٣)، وقوله: (فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) (٤). وآيات سجود التلاوة كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)) (٥)، وقوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)) (٦)، وقوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)) (٧)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)) (٨) الآية، وقوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)) (٩)، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ) (١٠) الآية، وقوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (١١)، وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ

стр. 1009

نُفُورًا (٦٠)) (١)، وقوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)) (٢)، وقوله: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (٣)، وقوله: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) (٤) الآية. وقوله: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)) (٥)، وقوله: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١)) (٦)، وقوله: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) (٧). فآية الأعراف والرعد والنحل والحج فيها الخبر عن سجود المخلوقات، لكن في الأعراف سجودُ الملائكة، وفي الرعد سجود المخلوقات طوعًا وكرهًا، وفي النحل المخلوقات والملائكة، وفي الحج سجود المخلوقات الطوعية، ولهذا لم يَعُمَّ بني آدم. وسجود الكائناتِ مطلقًا ليس بمقيَّدٍ بركوع، فشرع السجود عند ذكره، لأن المؤمن داخل في ذلك أو متشبِّه بصاحبه. وقوله (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) (٨) الآية وقوله (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ) (٩) خبرٌ عن سجودٍ بسبب التلاوة، فأمرٌ بالسجود عند التلاوة. ونظيره (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١)) (١٠)، وقوله

стр. 1010

(وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (١)، وقوله (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (٢) نهيٌ عن السجود لغير الله مطلقًا وأمرٌ بالسجود له، فشرع السجود المقابل للمنهيّ عنه. وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)) (٣)، فأخبر عن امتناع الكافر عن السجود مطلقًا، فيشرع السجود المقابل له، وهو مطلق السجود هناك في مقابلة المعبود الباطل، وهنا في مقابلة الكافر الممتنع عن الحق. وأما قوله (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (٤) فلا ريبَ أنّ هذا أمر بسجود الصلاة، فلذلك جرى فيه النزاعُ، فقيل: هو أمر به، كما في قوله (اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي) (٥)، وقيل: هذا لا يمنع أن يكون أمرًا به وبالسجود عنه بسماعه. وقوله (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)) (٦) وقوله (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) (٧)، وذلك سجود الصلاة، فقيل: هو مختصّ به، وقيل: ذلك لا يمنع أن يكون سببًا، كما أن آيات التلاوة والسجود تتضمن السجود في الصلاة عقب سماع القرآن. فصل ولما كَثُر ذِكر السجود في القرآن، تارةً أمرًا به، وتارةً ذمًّا لمن

стр. 1011

يتركه، وتارة ثناء على فاعله، وتارة إخبارًا عن سجود عُظماء الخليقة وعمومهم، كان ذلك دليلًا على فضيلة السجود. وهذا ظاهر، فإن السجود فيه غاية الخضوع والتواضع، وهو أفضل أركان الصلاة الفعلية وأكثرها، حتى إن مواضعَ الصلاة سُمِّيتْ به، فقيل "مسجد"، ولم يُقَل "مقام" ولا "مركع"، لوجهين: أحدهما: أنه أفضل وأشرف وأكثر. والثاني: أن نصيب الأرض منه أكثر من نصيبها من جميع الأفعال، فإن العبد يسجد على سبعة أعضاء، وإنما يقوم على رِجلين. وأما الركوع فسِيَّانِ نسبةُ الأرض إليه وإلى القيام، فلهذا قيل "مسجد"، وهو موضع السجود دون موضع الركوع. والركوع نصف سجود، والسجود شرِعَ مَثنَى مَثنَى، في كل ركعة سجدتان، ولم يُشرَع من الأركان مثنى إلا هو، حتى سجود الجبران جُعِل أيضًا مثنى، وهو سجدتا السهو. وكان النبي ﷺ يُسميهما "المرغمتين"، وقال في الشك: "إن كانت صلاتُه وِترًا شَفَعَتَا له صلاته، وإن كانت تامَّة كانتا ترغيمًا للشيطان" (١). فأقام السجدتين مقام ركعة في تكميل الصلاة، لأن الركن الأعظم من كل ركعة هما السجدتان. وقال النبي ﷺ : "إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعَك الله بها درجةً، وحَطَّ عنك بها خطيئةً" (٢). وقال: "أَعنِّي على نفسك بكثرة السجود" (٣). وقال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٤).

стр. 1012

ولمّا كانت الصلاة مثنى مثنى جعل في كل ركعةٍ السجود مثنى مثنى، فكل سجدتين معقودتان بركعةٍ، فتصير وترًا، سجدتان وركوع، والركوع مقدمة أمامهما كتقدمة الوقوف على طواف الزيارة. قال النبي ﷺ :إ إذا أدركتمونا ونحن سجود فاسجدوا، ولا تَعدُّوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك" (١)، كما قال: "الحج عرفة" (٢)، فمن أدرك عرفةَ فقد أدرك الحج، ومن فاتَه التعريفُ فإنه يفعل الطواف والسعي ولكن لا يكون مدركًا للحج، لكن يكون متحللًا بعمرةٍ أو عَمِلَ عمرةً. ولهذا قيل: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) (٣)، ف الركوع مع السجود تقدمةٌ وتوطئةٌ وبابٌ إليه ، وهو مشترك بين القيام والسجود وبرزخٌ بينهما، فالقيام قيام القراءة قبله، وأما القيام بعده فهو -والله أعلم- لأجل السجود بعده، ليكون السجودُ عن قيامٍ، وهو السجود الكامل، فالرفع منه تكميل للركوع، والخفضُ من القيام تكميل للسجود. ولهذا هو ركنٌ تامٌّ كما جاءت به السنة، وليس معادلتُه لبقيَّةِ الأركان -كما كان يفعل النبي ﷺ ، وقال: "لا يقبل الله صلاةَ من لا يُقيمُ صلبَه في الركوع والسجود" (٤) - لعدم تكميلها، فإنه أيضًا إذا لم يُقِم صلبه بين السجدتين لا يكون قد أكمل الأولى برفعِها ولا الثانية بخفضِها. فالسجود إذًا شُرع في الانحناء وهو قاعد، أما إذا كان وجهه قريبًا من

стр. 1013

الأرض وأَلْصَقَه فليس هذا بسجود. ومن هنا غَلِطَ من غلط وقال: إن الاعتدالين ليسا بركنينِ طويلينِ، لما ظنّوا أن المقصود مجرَّد الفضل، والصواب ما جاءت به السنّةُ إيجابًا للاعتدال واستحبابًا لإتمامه وتسويته بسائر الأركان، لأن هذا القيام والقعود وإن كانا تابعًا (١) من بعض الوجوه فالقعودُ في آخر الصلاة أيضًا تابعٌ من بعض الوجوه للسجود، وإنما المقصود المحض: القيامُ المشتمل على القراءة المقصودة، والسجودُ الذي هو غاية الخضوع، كما قال: (سَاجِدًا وَقَائِمًا) (٢). فإذا كان بعضُ أركان الصلاة الفعلية أفضلَ من بعضٍ وأبلغَ في كونه مقصودًا لم يمنع إيجاب التابع المفضول، كالركعتين الأخْريَين مع الأوليين، وكإيجاب الطمأنينة. وحرف المسألة أنّ إتمامَ الأركان فرضٌ، ولا يَتمُّ إلا بذلك، وإتمامُ الصلاة من إقامتها، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، فإن قوله في الخوف والسفر (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (٣) -فالخوف يُبيح قَصْرَ الأفعال والسفرُ قَصْرَ الأعداد- دليلٌ على وجوب الإتمام في الأمن والطمأنينة في الطمأنينة، لقوله تعالى (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (٤)، وإتمامُها من إقامتها كما جاءت به السنة، حيث قال للمسيئ في صلاته: "ارجِعْ فصَلِّ، فإنك لم تُصلِّ"، وقال: "فإذا فعلتَ هذا فقد تمت صلاتك" (٥)، فجعلَ من لم يُتمها لم يُصلِّ. والله سبحانه أعلم.

стр. 1014

فتوى في أمر الكنائس

стр. 1015

ورد على شيخنا استفتاءٌ في أمر الكنائس صورتُه: ما يقول السادة العلماء -وفّقهم الله- في إقليمٍ توافقَ أهلُ الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوةً من غير صلحٍ ولا أمان، فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملًا لما فيه من أموالِ الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيَع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختصّ الملك بما عدا متَعبَّداتِ أهل الشرك؟ فإن ملكَ جميعَ ما فيه فهل يجوز للإمام أن يَعقِدَ لأهل الشرك من النصارى واليهود -بذلك الإقليم أو غيره- الذمةَ على أن يَبقَى ما بالإقليم المذكور من البِيَعِ والكنائس والديورة ونحوها متعبَّدًا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟ فإن لم يجز -لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه- فهلِ يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يَتصرَّف فيه الإمام تصرُّفه في الغنائم أم لا؟ وإن جاز للإمام أن يَعقِد الذمَّةَ بشرطِ بقاء الكنائس ونحوها فهل يَملِك من عُقِدتْ له الذمّةُ بهذا العقد رِقابَ البيَع والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذاَ العقد أم لا؟ لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع. وإذا لم يملكوا ذلك وبَقُوا على الانتفاع بذلك، وانتقضَ عهدُهم

стр. 1016

بسبب يقتضي انتقاضه، إمَّا بموتِ من وقع عقد الذمة معه ولم يُعقِبوا، أو أعقبوا، فإن قلنا: إن أولادهم يُستأنَفُ معهم عَقْدُ الذمةِ -كما نصَّ عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصبّاغ، وصححه العراقيون، واختاره ابن أبي عصرون في "المرشد"- فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقِدُ لكم الذمة إلا بشرطِ أن لا تُدخِلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جُهِلَ مستحقوها وأُيسَ من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة، بلَ يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس والديورة التي تَحقَّق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك عند التردّد في أن ذلك كان موجودًا عند الفتح، أو حدثَ بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقًا فيما تحقق أنه كان موجودًا قبل الفتح أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة الشك فهل يكون ما وقع الشكُّ في أنه كان قبل الفتح، وجُهلَ الحالُ فيمن أحدثه لمن هو؟ لبيت المال أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عُقِدتْ معهم الذمة -وإن سلفوا- ومن غيرهم لا يحتاجون أن تُعقَد لهم الذمةُ، بل يجري عليهم حكمُ من سلفَ إذا تحقَّقَ أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقدٍ وذمَّة؟ وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد عقدٍ عند البلوغ، فهل تحتاج [كنائسهم] وبيعهم إليه أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فُتِحتْ على عهد النبي ﷺ ، وكعامَّة أرض الشام وبعض مدنها، وكسواد العراق إلا

стр. 1017

مواضع قليلةً فُتِحتْ صلحًا، وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فُتِحتْ عنوةً على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وقد رُوِي في أرضِ مصر أنها فُتِحتْ صلحًا، ورُوي أنها فُتِحتْ عنوة، وكلا الأمرين صحيح على ما ذكره العلماء المتأمِّلون للروايات الصحيحة في هذا الباب (١)، فإنها فتحت أوّلًا صلحًا، ثمَّ نقضَ أهلُها العهدَ، فبعثَ عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ يستمدُّه، فأمدَّه بجيشٍ كثير فيهم الزبير بن العوَّام، ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوةً. ولهذا رُوِي من وجوهٍ كثيرة (٢) أن الزبير سأل عمر بن الخطاب ﵄ أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلالٌ قَسْم الشام (٣)، فشاورَ الصحابةَ في ذلك، فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئًا للمسلمين ينتفع بفائدتها أولُ المسلمين وآخرهم. ثمَّ وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفَه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك. فما فتحه المسلمون عنوةً فقد ملّكَهم الله إياه كما ملّكهم ما استولَوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار. ويدخلُ في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعُهم وسائرُ منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد. وليس لمعابد الكفار خاصَّةٌ تقتضي خروجَها عن ملك المسلمين، فإن ما يُقَال فيها من الأقوال ويُفعَل فيها من العبادات إما أن يكون مبدلًا أو مُحدَثًا لم

стр. 1018

يَشرعْه الله قَطُّ، أو يكون الله قد نهى عنه بعدما شرعَه. [و] قد أوجبَ الله على أهل دينه جهادَ أهل الكفر حتى يكون الدينُ كله لله، وتكونَ كلمةُ الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بَعثَ الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويُعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون. ولهذا لما استولى رسول الله ﷺ على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم -كبني قَينقاع والنضير وقُريظة- كانت معابدُهم مما استولى عليه المسلمون، ودخلتْ في قوله (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) (١)، وفي قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) (٢) و (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) (٣). لكن وإن ملكَ المسلمون ذلك فحكم الملك متنوِّع، كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبَّر وأمّ الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المقاتلين الذين يُؤسَرون، وفي النساء والصبيان الذين يُسْبَون، كذلك يختلف حكمُه في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول. وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تُقاس بسائر الأموال المشتركة. ولهذا لما فتح النبي ﷺ خيبر أقرَّ أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع ملكًا للمسلمين عاملَهم عليها رسولُ الله ﷺ بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر ﵁ في

стр. 1019

خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقرُّوهم فيه من المساكن والمعابد. فصل وأما أنه هل يجوز للإمام عَقْدُ الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم؟ فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة، منهم من يقول: لا يجوز تركُها لهم، لأنه إخراجُ ملكِ المسلمين عنها وإقرارُ الكفر بلا عهد قديم. ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقر النبي ﷺ أهلَ خيبر فيها، وكما أقرَّ الخلفاء الراشدون الكفَّارَ على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم. فمن قال بالأول قال: حكمُ الكنائس حكمُ غيرِها من العقار، منهم من يُوجب إبقاءَه، كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية؛ ومنهم من يُخَبِّر الإمامَ فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلَّت سنة رسولِ الله ﷺ ، حيث قَسَم نصفَ خيبر وتركَ نصفها لمصالح المسلمين. ومن قال: "يجوز إقرارها بأيديهم" فقولُه أوجهُ وأظهر، فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رِقابَ المعابد كما يملك الرجل مالَه، كما أنهم لا يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرَّهم فيه رسول الله ﷺ من المساكن والمعابد. ومجرَّدُ إقرارِهم ينتفعون بها ليس تمليكًا، كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت المال ينتفع بغلَّته، أو سُلِّم إليه مسجدٌ أو رباطٌ ينتفع به لم يكن ذلك تمليكا له، بل ما أُقِرُّوا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعُها منهم إذا اقتضت المصلحةُ ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي ﷺ -

стр. 1020

من أهل خيبر بأمره بعد إقرارِهم فيها. وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارجَ دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقرَّ ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم، فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه، وكانت من كنائس الصلح، لم يكن لهم أخذُها قهرًا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضًا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذُها عنوةً. فصل و متى انتقض عهدُهم جاز أخذُ كنائس الصلح منهم فضلًا عن كنائس العنوة ، كما أخذ النبي ﷺ ما كان لقريظة والنضير لمّا نقضوا العهد، فإن ناقضَ العهد أسوأ حالًا من المحارب الأصلي، كما أن ناقضَ الإيمان بالردَّة أسوأ حالًا من الكافر الأصلي. ولذلك لو انقرض أهلُ مصرٍ من الأمصار، ولم يبقَ من دخلَ في عهدهم، فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئًا. فإذا عُقِدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ، وكان لم يعقد لهم الذمة أن يُقرَّهم في المعابد، وله أن لا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدمَ ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه، وإنما اختلفوا في جواز بقائه. وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئًا للمسلمين. أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قَسْمَ العقار فظاهر. وأما على قول من يوجب قَسمهْ سمه فلأن عين المستحق غير معروف،
следующие страницы →