← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14537

حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء

سليمان اللاحم

Полный текст (117 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا يجوز للمسلم أن يكون عالة على غيره، ولا للأمة الإسلامية أن تحتاج لغير المسلمين ولا في إبرة المخيط، بل يجب عليها أن تكون هي الرائدة في التجارة والصناعة وغير ذلك. ٩ - مشروعية طلب المال بالطرق الحلال، لأن مصالح الناس في دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بالمال، لقوله ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ وهكذا كان شأن رسولنا ﷺ وأسوتنا، فقد رعى ﷺ الغنم، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم» فقال أصحابه وأنت؟ فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (١). واستغل ﷺ بالتجارة في مال خديجة (٢). وقال ﷺ : «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (٣). وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل المسجد فإذا شباب أصحاء أقوياء، فقال: من ينفق عليكم؟ فقالوا جيراننا، فقال انتظروا حتى آتيكم فخرج ثم جاء ومعه الدرة، فضربهم حتى أوجعهم وقال: «اخرجوا في طلب الرزق، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً». وروي عنه أنه دخل المسجد، فوجد فيه رجلاً معتكفاً للعبادة، فسأله عمن يعوله؟ فقال: أخي يعمل ويسعى لرزقه ورزقي ورزق عياله، فقال له عمر ﵁: «أخوك أعبد منك». فطلب الرزق والمال مشروع إذا لم يشغل عن طاعة الله، بل هو من طاعة الله إذا اكتسب المال من حلال، وأنفق في الحلال، وأديت حقوقه تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا

стр. 72

تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (١). وقد ذكر المفسرون أن هؤلاء الرجال كانوا يشتغلون بالتجارة، لكن إذا سمع الواحد منهم منادي الله «حي على الصلاة. حي على الفلاح» بادر بالإجابة حتى ولو كان الميزان بيداه ألقاه وذهب إلى الصلاة (٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلِّ خير» (٣). أي القوي في دينه وبدنه وكل شيء. ولا شك أن المؤمن ذا المال أنفع لنفسه وللمسلمين إذا وفق لمعرفة حقوق المال عليه وأدّاها. ففي الحديث الآخر «ذهب أهل الدثور بالأجور» (٤). والدثور هي الأموال. وإنما ذهبوا بالأجور لإنفاقها في سبيل الله. بل إن العمل في طلب الرزق يقدم على طلب العلم إذا كان من يطلب العلم سيعيش عالة على غيره. وقد ذكر بعض أهل العلم قصة طريفة في هذا المعنى، وهي أنه كان هناك أخوان: أحدهما يشتغل بالتجارة، والآخر متفرغ لطلب العلم على أحد المشائخ، فبينما كان هذا الذي يشتغل بالتجارة في سفره لطلب التجارة اشتد به الحر، فأوى إلى غار في أحد الجبال، واستلقى فيه ليستريح فرفع بصره، فإذا طائر كسيح مقطع الأجنحة، فتعجب: كيف يعيش هذا الطائر بهذه المفازة وهو بهذه الحال؟ فبينما هو في تفكيره وتعجبه إذ جاء طائر قوي فوضع الماء والطعام في فم هذا الطائر الكسيح،

стр. 73

فاندهش هذا الرجل وأخذ يفكر ويتأمل، فقال في نفسه: أنا معرّض نفسي للتعب والأخطار في طلب التجارة، فلماذا لا أرجع لطلب العلم مع أخي، والذي تكفل برزق هذا الطائر الكسيح في هذه المفازة سيرزقني، وعاد أدراجه إلى بلده، وجلس في الحلقة مع أخيه، ولما انتهت القراءة إليه سأله الشيخ-وكان عارفاً بحاله وحال أخيه - قائلاً: ما الذي أتى بك؟! فذكر له ما رأى في الغار من حال ذينك الطائرين، وما جال في فكره من أن من كفل رزق ذلك الطائر الكسيح سيكفل رزقه، فقال له الشيخ بمنطق العالم العارف بقيمة السعي في طلب الرزق في الإسلام: عجباً لك كيف رضيت لنفسك أن تكون بمنزلة الطائر الكسيح، ولم ترض لها أن تكو بمنزلة الطائر القوي الذي يقوم على نفسه وعلى غيره. فقام هذا الرجل ولبس نعليه، وعاد في تجارته. وحسبي أن أكون قد أطلت في التعليق عل هذه المسألة، لأن كثيراً من شباب الأمة أصبحوا عالة على الآخرين، وهمم يعيشون الفراغ، وحياة الضياع، دأبهم الرحلات والنزهات، وهمهم تزجية الأوقات، انشغلوا بما يعدونه من المباحات، وقد أدى ذلك بكثير منهم إلى التقصير في الواجبات وانتهاك الحرمات والتخلي عن المسؤوليات، فقصّر الواحد منهم من أجل ذلك في حق ربه، وفي حق نفسه، وفي حق والديه وزوجته وأولاده وأقاربه وجيرانه وإخوانه وأمته. يقضي الواحد منهم الليالي والأيام بل والأسابيع والشهور خارج منزله، وأهله وأولاده ووالداه ينتظرونه بفارغ الصبر، يتمنى والداه وأولاده أن يجلس معهم على مائدة الإفطار أو الغداء أو العشاء، فلا يتحقق لهم ذلك، منشغل بدون شغل إلا تزجية الأوقات، أثقلته الديون فلا يفكر في عمل لكي يسدد هذه الديون، وليس في ديننا مكان للكسل والبطالة، فأمتنا بحاجة إلى العالم المحقق، والتاجر الأمين، والصانع الماهر، والزارع الخبير والطبيب الحاذق، والمهندس الدقيق. وديننا الإسلامي دين ودنيا، علم وعمل. قال الشاعر: الجد بالجد والحرمان بالكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل (١)

стр. 74

وقال ابن هانئ (١): ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه ... فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا فلم يتأخر من أراد تقدماً ... ولم يتقدم من أراد تأخرا ١٠ - أنه يجب على الإنسان في ماله نفقة من تلزمه نفقتهم ممن تحت يده أزواج وأولاد وغيرهم، لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ وفي الحديث عن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» (٢). ١١ - أن نفقة السفهاء تكون في أموالهم إذا كان لهم مال، لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ ويكون ذلك على قدر ماله وحاله (٣). ١٢ - ينبغي للولي أن ينمي مال السفيه ويتّجر به، ليكون ما يعطيه من النفقة والكسوة ونحو ذلك من الربح، لا من أصل المال، لقوله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أي: فيها لا منها. والأمر للوجوب. ولأن مال السفيه إذا لم ينمَّ ويحرك طلباً للفائدة أكلته الزكاة، والنفقة عليه، وعلى من تجب عليه نفقته من أقاربه. وفي الأثر: «تاجروا بأموال اليتامى، لا تتركوها تأكلها الصدقة» (٤).

стр. 75

قال القرطبي (١): «ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة، وإبضاع، وشراء وبيع، وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله (٢)، عين وحرث وماشية وفطرة ويؤدي عنه أروش الجنايات، وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق، ويفي ما عليه من الديون». وقال شيخ الإسلام ابن تيميه (٣): «يجوز لوصي اليتيم، بل ينبغي له أن يتصرف بماله في التجارة، ولا يفتقر إلى إذن الحاكم إن كان وصيًّا وإن غير وصي، وكان الناظر في أموال اليتامى الحاكم العادل يحفظه، ويأمر فيه بالمصلحة وجب استئذانه في ذلك». وقال أيضاً (٤): «وإذا ضارب الولي وفرط ضمن، وأما إذا فعل ما ظاهره المصلحة فلا ضمان عليه». ١٣ - أن قول الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة، لأنه جعل مؤتمنا على مالهم والإنفاق عليهم منه والكسوة لهم، ولم يؤمر بالإشهاد على ذلك، فلزم قبول قول الأمين (٥). ١٤ - يجب على الولي والوصي أن يقول لمن تحت ولايته من السفهاء قولاً معروفاً طيباً جميلاً حسناً، لقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾. وبهذا يجمع بين الإحسان الفعلي والإحسان القولي، وإذا كان العطاء قليلاً نظراً لقلة المال، أو منعه عنهم في بعض الأحوال لمصلحتهم، ولما هو أهم وأنفع لهم فلا يجمع بين هذا وبين جفاء القول (٦) وعلى الأقل لا يعدم القول الجميل.

стр. 76

١٥ - مراعاة الإسلام للجانب المعنوي النفسي، لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي جبراً لخواطرهم. ١٦ - يجب اختبار اليتامى عند مقاربتهم البلوغ والرشد، وكونه ممكناً منهم، لقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ وذلك ليتبين بالاختبار والتجربة مدى حسن تصرفهم في الأموال. ١٧ - لولي اليتيم تأديبه عند اختباره إذا دعت الحاجة إلى ذلك لقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قال ابن العربي (١) «إن للوصي والكافل أن يحفظ الصبي في بدنه وماله، إذ لا يصح الابتلاء إلا بذلك فالمال يحفظه بضبطه، والبدن يفظه بأدبه» وفي الحديث أن رجلاً قال للنبي ﷺ : «إن في حجري يتيماً فهل آكل ماله؟ قال: «نعم غير متأثل مالاً، ولا واق مالك بماله». قال: يا رسول الله: أفأضربه قال: «ما كنت ضارباً منه ولدك» (٢). ١٨ - إذا بلغ اليتامى، ورشدوا بأن أحسنوا التصرف في أموالهم، وجب دفع أموالهم إليهم وزال عنهم السفه، وزالت الولاية عنهم، وانفك الحجر عنهم، لقوله: ﴿حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾. وهذا ما عليه جمهور أهل العلم أنه لا تزول الولاية عن السفيه، ولا ينفك الحجر عنه إلا بهذين الشرطين البلوغ، وإيناس الرشد، فلو رشد السفيه قبل أن يبلغ- مع أن هذا بعيد-لم ينفك الحجر عنه، ولو بلغ السفيه، واستمر معه السفه لا ينفك الحجر عنه ولو بلغ ستين سنة مازال سفيهاً، وهذا هو الصحيح (٣). وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا بلغ السفيه خمساً وعشرين سنة وجب دفع المال إليه، وإن كان ما زال سفيهاً، لأنه يصلح أن يكون جدًّا (٤).

стр. 77

وهذا ضعيف لمخالفته للآية الكريمة (١). ولو فك الحجر عنه بعد بلوغه ورشده، ثم عاد إلى السفه بعد ذلك حجر عليه أيضاً عند أكثر أهل العلم منهم مالك (٢)، والشافعي (٣) بدليل قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾. وقال أبو حنيفة لا يحجر عليه مرة أخرى لأنه بالغ عاقل (٤). ١٩ - أن الحجر على اليتامى في أموالهم وفك الحجر عنهم موكول الأمر فيه إلى أوليائهم، لا يحتاج إلى حكم حاكم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ (٥). ٢٠ - وجوب المسارعة إلى رد المال إلى اليتامى إذا بلغوا ورشدوا دون مماطلة، ودون تكليفهم المطالبة بها. بل على الولي أن يوصلها إليهم لقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ أي: بادروا بردها إليهم بأنفسكم وتخلصوا منها. وعلى هذا فلو فرط الولي في دفع المال إليهم مع إمكانه أثم، ويضمن فيما لو تلف المال عنده في هذه المدة. ٢١ - تحريم أكل أموال اليتامى لقوله: ﴿وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ والنهي للتحريم، وإنما قيد النهي بهذين الأمرين وهما الإسراف والبدار مع أن أكل أموال اليتامى بغير حق لا يجوز مطلقاً، لأن هذين الأمرين هما اللذان يحملان غالباً على أكلها، والقيد إذا كان أغلبيًّا لا مفهوم له (٦). لكن لا شك أن أكل مال اليتيم مع قصد أحد هذين الأمرين: الإسراف أو المبادرة أشد تحريماً، وأشد منه قصدهما معاً والله المستعان. ٢٢ - الإشارة إلى أن بعض الأولياء والأوصياء على اليتامى قد يتعجل في أكل

стр. 78

مال اليتامى مسرفاً في الأكل ومبادراً خوف كبرهم، فيرد المال إليهم لقوله: ﴿وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا﴾ (١). ٢٣ - يجب على من كان غنيًّا من الأوصياء والأولياء أن يستعفف عن أموال اليتامى، لقوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ فاللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب. وفي الحديث: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» (٢). هذا إذا كان الولي على اليتيم متبرعاً أما إذا لم يوجد من يتولى اليتيم إلا بأجرة، فإن لمن تولى عليه أخذ هذه الأجرة وإن كان غنيًّا .. ٢٤ - إذا كان الولي فقيراً جاز له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، لقوله: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة، أو يرد الأمر إلى ما كان عليه قبل الحظر. فللولي إذا كان فقيراً أن يأكل من مال اليتيم أكل أمثاله من الفقراء (٣)، كما يدل على هذا مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ الآية، فإن مفهومه جواز الأكل بحق (٤). وفي الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير، ليس لي شيء، ولي يتيم. قال: فقال: «كل من مال يتيمك، غير مسرف، ولا مبادر، ولا متأثل» (٥).

стр. 79

والمتأثل: هو المستزيد من مال اليتيم إلى ماله. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز للولي الأكل من مال اليتيم إلا على سبيل الاقتراض، ويرده إذا أغناه الله (١)، مستدلين بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت» (٢). وقد رجح هذا الطبري (٣) محتجًّا بعدم الإجماع على أن الآية في الأكل بدون قرض. وقيل: لايأكل الولي من مال اليتيم مطلقاً (٤). واستدل من قال هذا بالنصوص من الكتاب والسنة التي فيها التشديد في حكم الاعتداء على أموال اليتامى وظلمهم. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٥). وكقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦). وكقوله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منهن: «أكل مال اليتيم» (٧).

стр. 80

وقوله ﷺ لأبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، ولا تأمَّرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم» (١). والصحيح القول الأول، وأنه يجوز للولي إذا كان فقيراً الأكل من مال اليتيم بالمعروف. أي أكل أمثاله من الفقراء، والآية نص صريح في هذا مع حديث عمرو بن شعيب، ولأنه جرى مجرى أجرة علمه في هذا المال (٢). قال القرطبي (٣): «والدليل على صحة هذا القول: إجماع الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف، لأن الله قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر: فإذا أيسرت قضيت». وأيضاً فإن القول بوجوب الرد إذا أيسر خلاف ما دلت عليه الآية الكريمة من إباحة الأكل في هذه الحال، وهو ينافي الإباحة، والمباح لا ينقلب حراماً، ويلزم على القول بوجوب الرد أن كون الأكل حراماً لا مباحاً. وأي فائدة في إباحة الأكل من مال اليتيم إذا جعلنا ذلك بمثابة القرض. فليقترض من مال غير اليتيم. أما القول الثالث: أنه لا يجوز للولي الأكل مطلقاً من مال اليتيم حتى ولو كان الولي فقيراً. فهو ضعيف. إذ لا دليل عليه سوى العمومات التي استدلوا بها، وهذه العمومات مخصوصة بحال الولي الفقير، فإن له أن يأكل بالمعروف، كما دلت عليه الآية والحديث. وإذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن للولي الفقير أن يأكل من مال اليتيم

стр. 81

بالمعروف أي أكل أمثاله من الفقراء، فهل له أن يأكل ما زاد على أجرة المثل أم يأكل أقل الأمرين منهما، فمثلاً إذا كانت أجرة العمل في مال اليتيم تقدر بثلاثة آلاف ريال في السنة، والولي إذا أكل بالمعروف أي: أكل أمثاله من الفقراء، سيأكل ما مقداره أربعة آلاف ريال، فهل له أكل ما زاد على أجرة المثل في هذا، وهو ألف ريال. اختلف العلماء في هذا على قولين. أصحهما أن له أن يأكل أكل أمثاله من الفقراء، ولو زاد ذلك على أجرة المثل، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية، ولأن الولي ليس كالأجير الأجنبي في مراعاة مال اليتيم، فكيف يلحق بالأجنبي. وقال بعض الفقهاء له أقل الأمرين: إما أجرة المثل، أو الأكل بالمعروف، ولا يجوز له الزيادة على ذلك (١)، ولا دليل لهم في هذا، اللهم إلا الاحتياط ولا احتياط مع النص. ٢٥ - مراعاة الشرع في أحكامه للظروف والأحوال، وتنزيل كل حال منزلتها، لقوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقد منعت الآية الولي الغني من الأكل من مال اليتيم، وأباحت ذلك للفقير، وهذا دليل على حكمة الله فيما شرع، وعلى سمو مبادئ الشريعة. ٢٦ - بلاغة القرآن الكريم في المقابلة بين قوله: (ومن كان غنيًّا فليستعفف) وقوله: (ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف). ٢٧ - اعتبار العرف والرجوع إليه في الشرع، لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي ما عرف من أكل أمثاله من الفقراء. ٢٨ - التوكيد على وجوب دفع أموال اليتامى إليهم، لقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ولم يقل: فإذا دفعتموها إليهم. علماً أنه سبق ذكر الأموال قبل هذا، وهذا إطناب الغرض منه التوكيد على وجوب دفعها إليهم. ٢٩ - وجوب الإشهاد على دفع الأموال إلى اليتامى، لقوله تعالى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب. وعلى هذا لو ادعى الوصي

стр. 82

أو الولي الرد، وأنكر اليتيم لم تقبل دعوى الولي، لأنه لو قبلت دعواه لم يحتج إلى الإشهاد، وإلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم منهم مالك (١)، والشافعي (٢) وغيرهما. وذهب طائفة من أهل العلم منهم أبو حنيفة وأصحابه (٣)، وغيرهم إلى أن الإشهاد مستحب، وعلى هذا فتقبل دعوى الولي بالرد وإن لم يشهد، ولهذا قبل قوله بالنفقة والكسوة والممكنة دون إشهاد. وقال بعضهم: إن كان الولي بأجرة لم تقبل دعواه، لأنه إنما عمل لحظ نفسه ولأجل مصلحته هو. وإن كان بدون أجرة قبلت دعواه، ولأنه محسن و ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ (٤). قال شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٥) ﵀: «والأخذ بظاهر الآية أولى، وهو أنه لا تقبل دعواه الدفع إلا بشهود إلا إذا وجدت قرائن قوية، تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفاً بالصدق والأمانة، ويكون المولَّى عليه اليتيم معروفاً بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي، فنقبله بقرينة ظاهرة، لأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى، لأن الإنسان قد لايتسنى له الإشهاد عند الدفع». ٣٠ - حرص الشرع المطهر على إبعاد المسلم عن كل ما يسبب النزاع، أو يوقع

стр. 83

في التهمة لهذا أمر الولي بالإشهاد على دفع مال اليتيم إليه إبعاداً له ولليتيم عن النزاع والاختلاف والتهمة (١). ٣١ - عظم كفاية الله في حسابه للخلائق، ومجازاته لهم على أعمالهم، لقوله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. ٣٢ - الوعيد والتحذير للولي من التعدي على مال يتيمه والخيانة في ولايته (٢)، والوعيد والتحذير لليتيم من أن يدعي ما ليس له لو ينكر شيئاً مما دفع إليه، كما أن في ذلك وعيداً وتحذيراً لكل من خالف وتعدى حدود الله لقوله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. ****

стр. 84

تذكير أولياء الأمور اليتامى بأن المرء كما يدين يدان والوعيد الشديد لمن يأكلون أموال اليتامى ظلماً قال الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. صلة الآية بما قبلها: لما ذكر في الآيات السابقة وجوب حفظ أموال اليتامى ورعايتها وتوريثهم إذا كانوا ممن يرث، وإعطائهم إذا حضروا القسمة وكانوا غير وارثين. ذكّر الأولياء والأوصياء وغيرهم ممن يدخل تحت هذه الآية بما يحملهم على أداء الحقوق المذكورة لليتامى، وذلك بتذكيرهم بأنهم قد يموتون وأولادهم صغار يخافون عليهم من الملمات والشدائد والجور والظلم والضياع، وفي هذا تحريك لمشاعرهم تجاه حقوق اليتامى، فمن أحسن إلى اليتامى وأولاد الناس يسر الله لأولاده من يحسن إليهم بعد وفاته، وكما تدين تدان. معاني المفردات والجمل: قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾. قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ﴾. الواو مستأنفة واللام في قوله ﴿وَلْيَخْشَ﴾ لام الأمر (١). وهي كذلك في قوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ وفي قوله: ﴿وَلْيَقُولُوا﴾. ولام الأمر الأصل فيها الكسر كلام التعليل، وإنما سكنت لأنها جاءت بعد الواو والفاء، ولام الأمر تسكن بعد الواو والفاء، كما تسكن بعد ثم (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٣).

стр. 85

قال الفراء (١): «كل لام أمر إذا استؤنفت، ولم يكن قبلها واو ولا فاء ولا ثم كسرت، فإذا كان معها شيء من هذه الحروف سكنت». أما لام التعليل، وهي لام «كي» فهي مكسورة دائماً، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا ءاتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ (٣)، ولو سكنت لام التعليل لاختلف المعنى. والفعل «يخش» مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمة حذف الألف (٤)، أصله «يخشى» و «الذين» اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل «يخشى» ومفعول «يخشى» محذوف. والخطاب في قوله ﴿وليخش﴾ والأفعال المعطوفة عليه للناس جميعاً، ويدخل تحته من باب أولى الأوصياء والأولياء على اليتامى، ومن يحضر الميت حال احتضاره، ومن يتولون قسمة الميراث، وغيرهم (٥). والخشية بمعنى الخوف، بل هي أخص من الخوف. قال ابن فارس (٦): «الخاء والشين والياء تدل على خوف وذعر». والخشية لا تكون غالباً إلا مع العلم، ومع عظم المخشي قال تعالى: ﴿إنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (٧). قال الراغب (٨): «الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما

стр. 86

يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله ﴿إنما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وحذف مفعول «يخشى» ليكون أعم. والمعنى وليخش هؤلاء من ظلم اليتامى وأكل أموالهم، ومن الجور في الوصيه وظلم الورثة، ومن ترك الوصية للمساكين، ومن عدم إعطاء من حضر القسمة من ذوي القربى واليتامى والمساكين، أو ليخش هؤلاء العاقبة، أو ليخش الله (١). إن ظلموا اليتامى وأكلوا أموالهم. إلى غير ذلك، لأن المفعول إنما حذف ليذهب الفكر في تصوره كل مذهب. قوله: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾. لو: أداة شرط غير جازمة، وهي حرف امتناع لا متناع (٢). تركوا: فعل الشرط. من خلفهم: أي بعد موتهم. ذريه ضعافاً: «ذرية» مفعول تركوا. والذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وإن نزلوا دون أولاد البنات. قال شيخنا (٣): «فإن قال قائل هذا القول ينتقص بعيسى ابن مريم، لأن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت، فيقال في الجواب عن ذلك: إنه لا أب له، فأمه أبوه، ولهذا قال العلماء- ﵏: إن ولد الزنا أمه ترثه بالفرض والتعصيب، لأنها أم وأب، إذ لا أب له شرعاً. قوله: ﴿ضِعَافاً﴾ قرأ حمزة وخلف في رواية ﴿ضِعَافاً﴾ بكسر العين قليلًا، أي: بالإمالة، وقرأ بقية العشرة بدون إمالة (٤)، وهي: صفة لـ «ذرية» أي لا يستطيعون

стр. 87

التكسب وجلب المنفعة لأنفسهم أو دفع الضرر عنها لصغرهم أو لعدم رشدهم ونحو ذلك (١). قوله: ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ قرأ حمزة (خافوا) بالإمالة، وقرأ بقية العشرة بدون إمالة (٢). خافوا: جواب «لو» (٣) أي: لو تركوهم خافوا عليهم. ولم يقترن جوابها هنا باللام مع أنه فعل ماض مثبت (٤). كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ (٥). والأكثر إذا كان جوابها مثبتاً أن تقترن به اللام كقوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ (٦)، وقوله ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ (٧). أما إذا كان جوابها منفياً بما فعلى العكس، الأكثر، بل الأفصح ألا يقترن جوابها باللام، تقول: لو جاء زيد ما كلمتك. وقد يقترن أحياناً فتقول: لو جاء زيد لما كلمتك (٨). ومنه قول الشاعر: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي (٩) وذلك لأن اللام تفيد التوكيد، والنفي يضاد التوكيد.

стр. 88

قوله (عليهم) متعلق بـ «خافوا». والمعنى خافوا عليهم من الجور والظلم، وأن تؤكل أموالهم وتهضم حقوقهم وتساء معاملتهم وغير ذلك، وحذف مفعوا «خافوا» ليذهب الفكر في تصوره كل مذهب. فكل من حضرته الوفاه وله أولاد صغار قد ترد عليه مثل هذه الخواطر، من التخوف على أولاده والتفكير في حالهم، ومن يتولاهم بعده، وبقدر إيمان العبد وإستقامته تقل هذه المخاوف. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أولِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (١)، أي لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على على ما خلفتم (٢). وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أولِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وقد ذكر أهل العلم أن عمر بن عبد العزيز ﵀ حين قالوا له: يا أمير المؤمنين أفغرت أفواه بنيك من هذا المال وتركته فقراء، لا شيء لهم. وكان في مرض موته، فقال: أدخلوا عليَّ. فأدخلوهم، وهم بضعه عشر ذكراً، ليس فيهم بالغ. فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بنَّي والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح: فالله يتولى الصالحين (٤)، وإما غير صالح، فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله،

стр. 89

قوموا عني». قال راوي القصة: «فلقد رأيت بعض ولده حمل على مائة فرس في سبيل الله يعني أعطاها لمن يغزوا عليها»، أي: أن الله أغناهم من فضله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لهذه القصة (١): «قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس وغيرها، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئاً يسيراً. يقال: أقل من عشرين درهماً قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس- أي: يسألهم بكفه». قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللهَ﴾ معطوف على ﴿وَلْيَخْشَ﴾ توكيد للأمر بالخشية، لأن الخشية من التقوى. أي: فليتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وأداء ما يجب عليهم من حقوق لليتامى والمساكين والورثه وغيرهم من أصحاب الحقوق، وأن يحذروا من الجور والظلم. قوله تعالى: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ معطوف على ما سبق. قولاً: مفعول مطلق، وبينه وبين «يقولوا» جناس اشتقاق. سديدًا: صفة ل «قولًا». والقول السديد: هو الصواب، العدل (٢)، الموافق للشرع، وللحكمة. وسمِّي سديداً لأنه يسد مكانه، فيناسب الحال والمقام، لأن لكل حال ما يناسبها من القول، ولكل مقام مقال، ولكل شخص ما يناسبه. فأحياناً يكون

стр. 90

المناسب القول اللين، وهو السداد في موضعه، وأحيانًا يكون المناسب القول الشديد وهو السداد في موضعه، وهكذا. فالقول السديد هو الذي يسد موضعه، أي يفي بالغرض الذي قيل من أجله فهو عام في كل قول. فمن القول السديد أن يقال لليتامى قول معروف طيب لا غلظة فيه، وأن يعلموا ما فيه صلاح دينهم ودنياهم. ومن القول السديد أن يوصى من حضره الموت بالعدل بالوصية وعدم الإضرار بالورثة وعدم ترك الوصية. ومن القول السديد أن يقال لمن حضروا عند قسمة الميراث من غير الوارثين قول لين طيب يجبر قلوبهم (١). ومن القول السديد أن يتحرى الإنسان في كلامه كله الصواب والحق والعدل والإنصاف والحكمة، حتى لا يضر نفسه وغيره. قال النابغة الجعدي (٢): ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا وخلاصة معنى الآية أنه كما يجب الإنسان أن تعامل ذريته معاملة طيبة من بعده فليعامل الناس في ذرياتهم معاملة طيبة (٣)، وليتق الله فيما يقول ويفعل، وليتحر الصواب والعدل والحكمة في ذلك كله. قال ابن العربي (٤): «والصحيح أن الآية عامة في كل ضرر يعود عليهم، بأي

стр. 91

وجه كان على ذرية المتكلم، فلا يقول إلا ما يريد أن يقال فيه وله». قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. صله الآية بما قبلها: أكد الله في الآيات السابقة وجوب حفظ أموال اليتامى ورعايتها، ونهى عن أكل أموالهم، وأمر بدفعها إليهم إذا بلغوا ورشدوا، وتوريثهم وإعطائهم إذا حضروا قسمة الميراث، ثم ختم هذه الآيات في حقوق اليتامى بالوعيد الشديد في هذه الآية للذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً بأنهم: ﴿إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (١). معاني المفردات والجمل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾. «إن» حرف توكيد ونصب، و «الذين» اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم «إن» وخبرها جملة (إنما يأكلون في بطونهم ناراً). قوله: ﴿يَاكُلُون﴾: خص الأكل بالذكر، لأنه أعم وجوه الانتفاع بالمال وأهمها، وهو كسوة الباطن، وأهم ما يجمع المال من أجله، وإلا فسائر الانتفاعات مثله (٢)، كان يأخذ مال اليتيم ليشتري به داراً أو عقاراً أو غير ذلك، بل وأشد منه وأعظم ما لو أتلف مال اليتيم بإحراق أو إغراق أو نحو ذلك. قوله: ﴿أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾: المال اسم لكل ما يتمول ويملك من نقد أو أثاث وغيره. قوله (ظلماً) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف التقدير: أكل ظلم، أو

стр. 92

منصوب، على الحال، أي: ظالمين لهم (١). والظلم هو النقص، قال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أكلهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً﴾ (٢) أي: ولم تنقص منه شيئاً (٣). وهو وضع الشيء في غير موضعه، على سبيل التعدي والجور، ومجاوزة الحد والميل عن القصد (٤). والمراد به هنا الأكل بغير حق (٥). فمن أكل مال اليتيم بغير حق فقد ظلمه: أي نقصه حقه، واستبدل ما أمر به من العدل في معاملة اليتيم، بل وفي معاملة الناس أجمعين، بالظلم والتعدي، ووضع مال اليتيم في غير موضعه حيث الواجب عليه حفظه لليتيم، وقد أكله هو تعدياً وظلماً. ويفهم من قوله ﴿ظُلْماً﴾ أن الأكل قد يكون بحق، كان يأكل الولي إذا كان فقيراً من مال يتيمه بالمعروف، كما قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦). قوله تعالى: ﴿إنما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ «إنما» أداة حصر، أي ما يأكلون إلا ناراً تشتعل وتتأجج في بطونهم (٧). وقيل ما يأكلون في بطونهم ألا ما يوجب لهم النار ويؤول بهم إليها (٨).

стр. 93

والأول أولى وهو ظاهر الآية، ويؤيده المعنى فإن الجزاء من جنس العمل، وقد قابل أكلهم أموال اليتامى في الدنيا بأكلهم النار يوم القيامة، وقد قال ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (١) قال المفسرون: سلسه من نار تدخل مع فيه وتخرج من دبره (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (٣)، وهذه الشجرة في أصل الجحيم، كما قال : ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٤). وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتوكيد (٥) والمبالغة كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ (٧). وكما يقال: أبصرت بعيني، وسمعت بأذني. كما أن في ذلك تشنيعاً عليهم حيث اعتدوا على أموال اليتامى من أجل بطونهم التي مآل ما يوضع فيها إلى الاضمحلال والتلف (٨)، ولذلك قال في الحديث: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه» (٩). قال أبو حيان (١٠): «وعرض بذكر البطون لخستهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال الحطيئة» (١١).

стр. 94

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «وسيصلون» بضم الياء، على البناء للمفعول، ومنه قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. وقرأ بقية العشرة «وسيصلون» بفتح الياء (١) ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣). ومعنى قراءة الضم: أنهم يدخلون النار ويغمرون فيها ويحرقون ويقاسون حرها. ومعنى قراءة الفتح: أنهم سيدخلون النار ويغمرون فيها ويقاسون حرها ويحترقون فيها (٤) قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٥): «أي: سأغمره فيها من جميع جهاته» (٦). قال أبو حيان (٧): «وعبر بالصلي بالنار عن العذاب الدائم بها إذ النار لا تذهب ذواتهم بالكلية، بل ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (٨). سعيراً: فعيل بمعنى مفعول، أطلق اسم الفاعل على اسم المفعول. أي: سعيراً: بمعنى مسعورة متوقدة مشتعلة.

стр. 95

قال الطبري (١): «وأما السعير فإنه شدة حر جهنم، ومنه قيل، استعرت الحرب إذا اشتدت. إنما هو مسعور، ثم صرف إلى سعير فتأويل الكلا إذاً: وسيصلون ناراً مسعّره، أي: موقدة مشعلة شديداً حرها، قال تعالى: ﴿وَإذا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ (٢) فوصفها بأنها مسعورة». الفوائد والأحكام: ١ - تحذير الذين يأكلون أموال اليتامى ويظلمونهم، وتذكيرهم بما يحرك مشاعر الأحاسيس في نفوسهم بأنه قد يحصل مثل ذلك لأولادهم لقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾. ٢ - يجب على الإنسان أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فكما يحب أن يعامل أولاده بعد موته معاملة طيبة، فكذلك يجب عليه هو أن يعامل أولاد الناس معاملة طيبة، وفي الحديث: «وليأت إلى الناس الذي يحب أن يوتى إليه» (٣). ٣ - أن الجزاء من جنس العمل، وأنه كما تدين تدان، وما عملت مع الناس يعمل معك مثله (٤)، كما قال تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (٦). وفي الأثر: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا عن نساء المسلمين يعفَّ عن نسائكم» (٧).

стр. 96

وهذا - وإن كان ضعيفاً- إلا أن معناه صحيح. قال الشافعي (١) في هذا المعنى: عفّوا تعفّ نساؤكم في المحرم ... وتجنبوا مالا يليق بمسلم إن الزنا دين فإن أقرضته ... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم من يزن في بيت بألفي درهم ... في بيته يزنى بغير الدرهم من يزن يزن به ولو بجداره ... إن كنت يا هذا لبيباً فافهم وقال صالح بن عبد القدوس (٢): احفظ لسانك أن تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق ٤ - الإشارة إلى ضعف الإنسان، وأنه وإن كان مؤمنًا بالله متوكلًا عليه قد ترد عليه بعض الخواطر كالتخوف على أولاده من بعده، وخاصة عندما يصل الإنسان إلى حالة شديدة من الضعف، فإنه قد ترد عليه هذه الخواطر اضطراراً ولا يستطيع لها دفعاً، وقد قال الله تعالى مخاطباً المؤمنين في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٣). ولهذا قال بعض المفسرين: «ظن المؤمنون كل ظن» (٤) ولكن المؤمنين سرعان ما قالوا كما ذكر الله تعالى عنهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥).

стр. 97

وهكذا المؤمن المتوكل على الله حقًّا، حتى وإن عرضت له في ساعات الضعف بعض الخواطر التي قد لا يسلم منها البشر (١)، فإنه يثق بوعد الله، ولهذا لما اشتكى بعض الصحابة ﵃ ما يجدون في أنفسهم من الوسوسة مما يتعاظمون الكلام به كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: «وقد وجدتموه»؟ قالوا: نعم. قال: «ذاك صريح الإيمان»، وفي لفظ: «ذاك محض الإيمان» (٢).

стр. 98

٥ - وجوب تقوى الله لقوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾. ٦ - وجوب تقوى الله، بأداء حقوق اليتامى وغيرهم من الضعفاء والمساكين، وخصوصاً من له عليهم ولاية، وأن من لم يؤد حقوقهم أو ظلمهم فقد أخل بما يجب عليه من تقوى الله فيهم. لقوله ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾. ٧ - عظم حق هؤلاء الضعفاء من اليتامى وغيرهم، لأنه من تقوى الله لقوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾. ولهذا قرن حقهم بحقه سبحانه فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١)، أي: بنعمة الله عليك بالنبوة فحدث، أي: ادع إلى الله . ٨ - يجب على المرء أن يختار في كلامه القول السديد الصواب، الموافق للشرع، المشتمل على الحكمة، المناسب للحال والمقام، لقوله ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ فبالقول السديد صلاح الأعمال والحال والمال. قال تعالى: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢). ٩ - يجب الحذر من القول غير السديد الذي قد يضر المتكلم به ويضر غيره، قال ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (٣). ١٠ - تحريم أكل أموال اليتامى ظلماً، لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْماً إنما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ الآية. وقد أكد ذلك بعده مؤكدات: منها هذه الآية، ومها قوله قبل هذا ﴿وَءاتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأكلوا أموالهُمْ إِلَى أموالكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، وقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية (٤).

стр. 99

١١ - أن من أكل من مال اليتيم بحق فلا إثم عليه: كالولي الفقير يأكل بالمعروف لمفهوم قوله تعالى ﴿ظلماً﴾ فمفهوم هذا أن الكل بحق جائز، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). ١٢ - التوكيد والمبالغة في القرآن الكريم لقوله: ﴿إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فذكر الله البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها من باب التوكيد والمبالغة للتشنيع عليهم، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ (٣). ١٣ - أن الجزاء من جنس العمل، فالذين يأكلون أموال اليتامى بغير حق، ﴿إنما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. ١٤ - الوعيد الشديد للذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، لقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. فهم يقاسون حرارة النار داخل أجسادهم وخارجها، وهذا الوعيد إن لم يعف الله عنهم وليس فيه ما يوجب خلودهم - كما تقول المعتزلة والخوارج (٤) - لأنه لا يخلد في النار إلا من مات على الشرك والكفر. ١٥ - إثبات البعث والجزاء على الأعمال، لأن الله توعد الذين يأكلون أموال اليتامى بغير حق بالنار، يأكلونها في بطونهم، ويصلونها خارج أجسامهم، وهذا بعد البعث. ١٦ - أن أكل أموال اليتامى ظلماً من كبائر الذنوب، لأن الله توعد عليه بالنار بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٥).

стр. 100

وفي الحديث (١): «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منهن «أكل مال اليتيم» وقال ﷺ لأبي ذر «يا أبا ذر إنك إنسان ضعيف، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تتأمرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم» (٢)، إلى غير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من النصوص التي فيها التوكيد على وجوب رعاية اليتامى وحفظ حقوقهم والنهي عن قربان أموالهم إلا بالتي هي أحسن، لهذا عدّ بعض العلماء أكل أموال اليتامى أكبر الكبائر بعد الشرك بالله (٣). ١٧ - عناية الله العظيمة باليتامى، لأنهم بلغوا الغاية في الضعف لفقد آبائهم، الذين يحوطونهم، ويكتسبون لهم، وينفقون عليهم، ويعلمونهم، ويؤدبونهم، ويعطفون عليهم، ويرحمونهم. لهذا أنزل الله في شأنهم تسع آيات متوالية في مطلع هذه السورة عناية بهم ورحمة (٤). ****

стр. 101

نكاح اليتامى ووجوب الإقساط فيهن قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ (١). سبب النزول: عن عائشة ﵂: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية، قلت: «هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلًا فيشركه في مال بما شركته، فيعضلها فنزلت هذه الآية» (٢). وفي رواية عنها بعد ما ذكرت سبب نزول الآية الأولى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٣) قالت: «ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية (٤). معاني المفردات والجمل: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ الخطاب للنبي ﷺ والاستفتاء طلب الإفتاء، ومنه قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ (٥) (٦) والإفتاء هو بيان الحكم الشرعي. أي: يسألك أصحابك يا محمد، ويطلبون منك أن تفتيهم في النساء (٧).

стр. 102

أي: في أحكامهن أو في حكم يتعلق بهن، وهو حكم اليتيمة تكون عند وليها، فيرغب أن يتزوجها، لقوله بعد هذا: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ ولما رواه عروه بن الزبير عن عائشة في سبب نزول هذه الآية (١). قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الأمر للنبي ﷺ ، أي: قل يا محمد، الله يفتيكم فيهن. أي: يبين لكم حكم ما سألتم عنه من أمرهن (٢). فالمستفتى رسول الله ﷺ والمفتي هو الله بما ينزله على رسوله ﷺ من الوحي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣). قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الواو عاطفة «ما» اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع عطفاً على لفظ الجلاله ﴿الله﴾ (٤). و «يتلى» بمعنى يقص ويقرأ ﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. أي: في القرآن، و «ال» للعهد الذهني، أي: الكتاب المعهود «القرآن» بمعنى مفعول، أي: مكتوب، لأنه مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (٥). وكما قال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٦) على الصحيح من أقوال أهل العلم. وهو مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة كما قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٧).

стр. 103

وهو مكتوب بالصحف التي بأيدي المؤمنين. والمعنى: والذي يقرأ عليكم في القرآن يفتيكم فيهن (١)، أي: الله يفتيكم فيهن، والقرآن يفتيكم فيهن، والعطف هنا لا يقتضي المغايرة التامة، لأن ما جاء في القرآن بيانه هو فتوى الله . وقد يحتمل أن يكون المعنى قل الله يفتيكم فيهن فيما ينزِّل عليكم الآن في شأنهن من القرآن، وما يتلى عليكم في الكتاب مما أنزل قبل هذا في يتامى النساء في أول السورة في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، ويدل على هذا قول عائشة بعدما ذكرت سبب نزول الآية التي في أول السورة قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ في النساء، فأنزل قوله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ الآية قالت: «والذي يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله فيها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ «يتامى النساء» من إضافة الخاص إلى العام أو الصفة إلى الموصوف، وهو متعلق بقوله: ﴿يُتْلَى﴾ على القول بأن «ما» في محل رفع فاعل. ويتامى: جمع يتيمة، واليتيم من مات أبوه دون البلوغ، لقوله ﷺ : «لا يتم بعد احتلام» (٢). والنساء: جمع الإناث، يقال: نساء. ويقال: نسوة. قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (٣)، ولا واحد له من لفظه، بل مفرده امرأة. والمراد: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ في قوله تعالى في أول السورة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية (٤) وفي هذه الآية ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾. قوله: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. ﴿اللَّاتِي﴾: اسم موصول في محل جر صفة لـ «النساء».

стр. 104

﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾: «لا» نافية، تؤتونهن: بمعنى: تعطونهن، ينصب مفعولين. الأول هنا الضمير «هن» والثاني: الاسم الموصول «ما»، فهو في محل نصب مفعول ثانٍ. والمعنى: اللاتي جرت عادتكم أن لا تعطوهن الذي كتب لهن من المهور والحقوق (١)، كما قال تعالى في أول السورة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). أو أن المعنى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ من تزويجهن بمن يتقدم لخطبتهن من الرجال الأكفاء، فتمنعونهن لأجل أن تتزوجوا بهن أنتم، أو مخافة أن يشارككم الأزواج في أموالهن، وهو داخل تحت المعنى الأول (٣). ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض أو في محل جر. أي: وترغبون في أن تنكحونهن، أي في نكاحهن لمالهن، أو لجمالهن أو غير ذلك مع عدم إيتائهن ما فرض لهن من المهور (٤). عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾؟ قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط لها في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن،

стр. 105

قال عروه: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا الرسول ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب: الآية الأولى التي قال الله فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (١). وقد يكون المراد: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن أو غير ذلك (٢). فعن عائشة ﵂ ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت: «هذا في اليتيمة، تكون عند الرجل لعلها تكون شريكته في ماله، وهو أولى بها من غيره فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لمالها، ولا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها» (٣). والآية محتملة للقولين، كما ثبت عن عائشة ﵂، وكذا صح عن ابن عباس ﵄، أنه قال في قوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾: «فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة، فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى الموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه» (٤). قال ابن كثير (٥): «والمقصود أن الرجل إذا كان في حجرة يتيمة يحل له تزوجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمر الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل

стр. 106

فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله . وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة. وتاره لا يكون للرجل فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها ..». قول تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ معطوف على قوله: ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ (١). التقدير: قل الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساه وفي المستضعفين من الولدان. والمستضعفين جمع مستضعف، وهو الذي استضعفه غيره. والولدان جمع وليد، وهم الأولاد الصغار. والمعنى: الله يفتيكم وما يتلى عليكم في الكتاب في المستضعفين من الولدان بتوريثهم وإعطائهم حقوقهم، حيث كانوا لا يورثون الصغار والضعاف شيئاً (٢). قوله: ﴿وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ معطوف أيضاً على «يتامى النساء». أي: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط. «أن» مصدرية «تقوموا» منصوب وعلامة نصبه حذف النون، الأصل: تقومون. و «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على ما سبق (٣)، والتقدير: قل الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء وفي المستضعفين، وفي قيامكم لليتامى بالقسط (٤). ويحتمل أن يكون التقدير: ويأمركم بأن تقوموا لليتامى. فتكون جملة أن والفعل بعدها في محل جر بحرف جر مقدر، أي: بقيامكم (٥).

стр. 107

واليتامى: جمع يتيم ذكراً كان أو أنثى، والقسط: العدل من «أقسط» الرباعي، بمعنى عدل، يقال: أقسط يُقسط قِسطًا. والمعنى: ويفتيكم ويوجب عليكم القيام لليتامى بالعدل. وذلك بأداء حقوقهم بتعليمهم وتوجيههم والعطف عليهم وحفظ أموالهم وإعطائهم حقوقهم من الميراث، ومن حقوق التيمات على الأزواج من المهور وغير ذلك، والعدل في مخالطتهم وفي كل شأن من شؤونهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾. الواو استئنافية، و «ما» شرطية. و ﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل الشرط. قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ «من» زائدة إعراباً ومؤكدة من حيث المعنى. و «خيرٍ» مجرور لفظاً بمن، منصوب محلًا مفعول به لـ «تفعلوا». والخير: كل ما فيه نفع وفائدة وضده الشر. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ يشمل أي خير قليلًا أو كثيراً، خاصًّا أو عامًّا، متعدياً أو لازماً، فعلا كان أو قولاً، مباشرة أو تسبباً، ماليًّا أو بدنيًّا أو علميًّا أو غير ذلك. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ جملة جواب الشرط واقترنت بالفاء لأنها جملة اسمية. «كان» مسلوبة الزمان تفيد تحقيق الوصف، أي: إنه لم يزل عليماً بالذي يفعلون (٤). ﴿به﴾ الباء حرف جر، والهاء ضمير مبني على الكسر في محل جر يعود على «خير»، والجار والمجرور متعلق بالخبر «عليماً» وقدم عليه لتوكيد إحاطة علم الله بذلك.

стр. 108

﴿عليماً﴾ خبر كان والعليم اسم من أسماء الله على وزن فعيل صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، يدل على إثبات صفة العلم التام لله . والعلم هو إدراك الأشياء على ما هي عليه إدراكاً جازماً. وعلم الله شامل للأشياء كلها في أطوارها الثلاثة: قبل الوجود، وبعد الوجود، وبعد العدم. قال موسى ﵇ لما سئل عن القرون الأولى: ... ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ (١). والمعنى: أنه لم يزل عليماً بالذي يفعلون من خير قبل فعله وبعده، وسيجازيهم عليه أوفر الجزاء، كما قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٢). أي حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم بعد وقوع ذلك منكم، لنرتب عليه الجزاء، وإلا فهو سبحانه عالم قبل ابتلائهم ماذا سيحصل منهم. وفي هذا حث وتهييج على فعل الخير وامتثال الأمر (٣)، وأنه لا يضيع عند الله أي خير فعلوه، كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٤). الفوائد والأحكام: ١ - مشروعية السؤال عما يعني الإنسان في أمر دينه، وقد يكون ذلك واجباً، وقد يكون مندوباً حسب حكم المسؤول عنه، لقوله: ﴿يستفتونك﴾ فذكر الله هذا على سبيل التقدير لهم، وأفتاهم عما سألوا. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥).

стр. 109

٢ - حرص الصحابة رضوان الله عليهم على السؤال عما أشكل عليهم من أمر دينهم، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ (١). وهكذا سألوا رسول الله ﷺ عن عدة أحكام مما يعنيهم في أمر دينهم في نحو بضع عشرة مسألة، بل الأسئلة الواردة في القرآن كلها لا تتجاوز بضع عشرة مسألة (٢). قال ابن عباس ﵄: «ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد ﷺ ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن» (٣). وهذا يدل على أنهم إنما سألوا عما يعني وتركوا السؤال عما لا يعني. وذلك استجابة منهم لقوله تعالى: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٤). وقوله ﷺ : «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما

стр. 110

استطعتم» (١). وقال ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه» (٢). وقوله ﷺ : «إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة رجا سأل عن مسألة لم تحرم فحرمت من أجل مسألته» (٣). ٣ - أنه ينبغي أن يتوجه بالاستفتاء إلى من هو أهل له، لأن الصحابة كانوا رضوان الله عليهم يرجعون في ذلك إلى رسول الله ﷺ فيجيبهم ﷺ بوحي الله إليه. وقد قال : ﴿فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ٤ - عناية الدين الإسلامي بالنساء، وبيان ما لهن وما عليهن وما يخصهن من أحكام لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾. ٥ - الدلالة على صدق رسالته ﷺ ، وأن ما جاء به حقٌ من عند الله، لأن الصحابة ﵃ استفتوه في أمر النساء، فجاء بيان الحكم من عند الله، فنزل: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. ٦ - أن القرآن الكريم نزل منجماً حسب الوقائع والأحداث، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية. ٧ - يحسن أن يكون الجواب أشمل وأوفى من السؤال، لأنهم استفتوا عن أمر النساء، فقال الله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى
следующие страницы →