شرح كتاب الصَّوْم
من صَحِيح البُخَارِيّ
لفضيلة الشَّيْخ
أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع الروقي
أعتنى بِهِ
بندر بن تركي بن سعد البقمي
الناشر
مكتبة الْعُلُوم وَالْحكم
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد جرت عادة أهل العلم على الكلام على أحكام بعض العبادات عند مواسمها كالصوم والحج ونحوها، وقد كان لشيخنا أبي محمد عبد الله بن مانع الروقي حفظه الله نصيب من ذلك، فقد شرع في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري ﵀، في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب لعام ألف وأربعمائة وأربع وعشرين للهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام وانتهى منه في اليوم الثامن والعشرين من شهر شعبان من العام نفسه.
ولما كان هذا الشرح المبارك حافلًا بفوائد عديدة، وتحقيقات رصينة، ونقولات عن أهل العلم مفيدة، طلبت من شيخنا الإذن بتفريغ الأشرطة المسموعة إلى كتاب مقروء، فإذن حفظه الله، فكان هذا الكتاب الذي بين يديك.
سائلًا الله أن يجزي الشيخ على ما قدم خير الجزاء وأن ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
بندر بن تركي بن سعد البقمي
стр. 3
١ - باب وجوب قوم رمضان
وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
١٧٩٢ - حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله:
أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرُ الرَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فقَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فقَالَ: «شهر رَمَضَانَ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا»، فقَالَ: أَخْبِرْنِي بمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ فقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعِ الإِسْلامِ قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلا أَنْتَقِصُ ممَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ - أَوْ - دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ».
[٤٦]
١٧٩٣ - حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله:
أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فقَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ فقَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» فقَالَ: أَخْبِرْنِي بمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ فقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعِ الإِسْلامِ قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلا أَنْقِصُ مَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ - أَوْ - دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ».
[٤٦]
١٧٩٣ - حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵃ قال: صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. [١٨٩٦، ٤٢٣١]
١٧٩٤ - حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن عراك أن مالك حدثه أن عروة أخبره عن عائشة ﵂:
стр. 4
أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فرض رمضان وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ». [ر ١٥١٥]
قول المؤلف «كتاب الصوم»:
المؤلف: جعل كتاب الصوم بعد كتاب الحج، وحديث ابن عمر الذي فيه «بني الإسلام على خمس» أخرجه المصنف في مواضع، أول موضع أخرج فيه البخاري هذا الحديث فيه تقديم الحج على الصيام وأخرج مسلم حديث ابن عمر هذا «بني الإسلام على خمس» من طريق «البخاري» ولكن على الترتيب المعروف «صيام رمضان وحج بيت الله الحرام». وفي سياق مسلم ما يدل على أن هذا السياق هو المحفوظ فقد قال رجل لابن عمر: الحج وصيام رمضان!! فقال ابن عمر: «لا؛ صيام رمضان والحج» هكذا سمعته من رسول الله ﷺ . والبخاري: مشي في هذا الحديث على طريقته وهي الرواية بالمعنى.
وهل يقال باحتمال تعدد سماع ابن عمر لهذا الحديث من النبي ﵊؟
الجواب: هذا الاحتمال بعيد.
فالصحيح ما وقع في مسلم وهو كالصريح في أن الصوم قبل الحج وهذا هو الذي ينبغي وذلك لعدة أمور:
١ - أن هذه الرواية التي في مسلم صريحة؛ فإن ابن عمر لما قال له
стр. 5
الرجل: الحج وصيام رمضان!! قال: «لا صيام رمضان والحج».
٢ - أن صيام رمضان سابق لفرض الحج فإن صيام رمضان شرع وأوجب في السنة الثانية للهجرة بالاتفاق واختلف في الحج متى فرض على أقوال أصحها في السنة الثانية للهجرة بالاتفاق واختلف في الحج متى فرض على أقوال أصحها في السنة التاسعة أو العاشرة، وقد بسطنا الكلام على هذا في شرح كتاب الحج من بلوغ المرام فليراجعه من شاء.
٣ - أن صيام رمضان مقدم قبل الحج في الوقت فإن الصيام في الشهر التاسع من الشهور الهلالية في السنة، والحج هو آخر شهر من الشهور الهلالية عند المسلمين في سنتهم. فالصحيح ما مشى عليه الإمام مسلم في صحيحه ومشى عليه النسائي والترمذي وابن ماجه أن الصيام قبل الحج، وأما أبو داود: فقد أخر الصيام بعد البيوع وقدم الحج، وعامة من ألف من أهل العلم في السنن والصحاح يقدمون الصيام قبل الحج وهذا هو الصحيح.
قول المؤلف: «باب وجوب قوم رمضان» نقول: وجوب صوم رمضان قد أجمع عليه أهل الإسلام وربنا جل وعلا يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالصيام فرض بالنص والإجماع، والصيام فرض على جميع العالمين كما قال تعالى في الآية المتقدمة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
تعريف الصيام: هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
وفرض الله جلَّ وعلا الصيام لحكمة: وهي امتحان للعباد وتكليف لهم كسائر الواجبات.
стр. 6
والتكاليف أحيانًا تكون منعًا من محبوب، وتكون أحيانًا بذلًا لمحبوب، وتكون أحيانًا أعمالًا بدنية، فمثال المنع من المحبوب كالصيام، والبذل للمحبوب كالزكاة وهي بذل المال، والأعمال البدنية كما يكون في الصلاة والجهاد، وقد يشترك العمل البدني مع بذل المحبوب كالجهاد فإن فيه عملًا بدنيًا وفيه بذل للنفس والمال فإن الجهاد عبادة مالية وبدنية.
стр. 7
الحديث الأول: حديث طلحة بن عبيد الله.
هذا الحديث يرويه مسلم من طريق البخاري سواء من طريق قتيبة عن إسماعيل بن جعفر. ووقع فيه زيادة وهي: «أفلح وأبيه إن صدق» وهذه الزيادة تفرد بها إسماعيل بن جعفر، والبخاري: هنا رواه من طريق إسماعيل غير أنه حذف هذه اللفظة، وأيضًا روى هذا الحديث مالك عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة ليس فيه زيادة «أفلح وأبيه إن صدق» فالصحيح أن هذه اللفظة «وأبيه» شاذة غير محفوظة، وقد تكلف بعضهم لها وقال: إن كانت محفوظة فإنها محرفة فبدل «أفلح وأبيه إن صدق» تكون «أفلح والله إن صدق»، وهذا التحريق قبل تنقيط الحروف ولكن هذا الكلام فيه نظر فإن نسخ الحديث وضبط ألفاظ النبي ﷺ لا يدخلها الغلط بهذه السهولة فيقال فيها مثل هذا، فهذا الوجه ضعيف. وقيل: إن هذا مما يجري على اللسان وهذا فيه نكارة فإن هذا لا يمكن أن ينسب إلى النبي ﷺ . وقيل: إن الحديث منسوخ يعني قوله: «أفلح وأبيه إن صدق»، وبكل حال يخرج هذا الحرف تخريجًا صحيحًا.
والبخاري: قد حذفها عمدًا وإلا هي قد وقعت له فإنه يروي هذا الحديث من طريق إسماعيل بن جعفر، فالبخاري حذفها عمدًا على طريقته أحيانًا في الاختصار وحذف بعض الألفاظ.
هذا الحديث فيه من الفوائد:
١ - بيان فرضية عدة أمور منها الصلاة وهي الصلوات الخمس وفرض صوم رمضان وكذلك الزكاة.
стр. 8
٢ - أن من اقتصر على الواجبات فهو من السعداء في الآخرة والناجين؛ لأن النبي ﷺ قال: «أفلح إن صدق» والفلاح هو القطع بالفوز ومنه قولهم: الحديد بالحديد يُفلّح أي: يقطع، فمن اقتصر على الواجبات وترك المحرمات فهو من الناجين يوم القيامة والسعداء غير أنه تفوته درجة السابقين، وأهل النجاة ثلاثة كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] فهؤلاء هم طائفة الناجين وهم:
(١) السابقون.
(٢) المقتصدون.
(٣) الظالمون لأنفسهم ظلمًا لا يصل إلى حد الشرك.
стр. 9
شرح الحديث الثاني: حديث ابن عمرو والحديث الثالث حديث عائشة:
المؤلف: ذكر صيام يوم عاشوراء من حديث ابن عمر وحديث عائشة، ولقد كان عاشوراء في أول الإسلام مأمورًا به إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب، والصحيح أنه كان مأمورًا بصيام عاشوراء أمر إيجاب، فلما فرض رمضان ترك النبي ﷺ صيام عاشوراء أي ترك التشديد في صيامه والأمر به أمر إيجاب، وكان يصومه اليهود والمشركون، وكان المشركون يصومونه تبعًا لليهود، وكان تشبههم بأهل الكتاب كثيرًا بما عندهم من شرائع وذلك لأنهم كانوا مجاورين لهم.
الفوائد:
١ - بيان حصول النسخ في الشريعة، والنسخ هو رفع حكم شرعي بمقتضى دليل شرعي متأخر، وهذا ثابت في كتاب الله وسنة رسوله والأمر فيه معروف.
وأحوال النسخ ثلاثة:
أ- قد يكون النسخ من الأخف إلى الأثقل كما هو هنا فإنه نسخ صيام يوم واحد - وهو عاشوراء - إلى صيام رمضان شهر كامل.
ب- وقد يكون النسخ من الأثقل إلى الأخف كما في الدرجة الثانية في فرضية الصيام حيث كانوا منهيين عن الأكل والشرب إذا نام أحدهم بعد وقت الإفطار ثم نسخ بأن الليل كله محلٌّ للأكل والشرب.
ج- وقد يكون متساويًا في النسخ أي الحكم كما في مسألة القِبْلة، وكانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس فأمروا بالتحول إلى الكعبة.
وأما الكلام على صيام عاشوراء فسيأتي مفصلًا في باب مستقل، والله أعلم.
стр. 10
٢ - باب فضل الصوم
١٧٩٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أَنَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «الصُّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». [١٨٠٥، ٥٥٨٣، ٧٠٥٤، ٧١٠٠]
الشرح:
هذا الحديث أيضًا أخرجه مسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وقال أبو هريرة رواية ولم يذكر النبي ﷺ ، ومعنى رواية أي أنه يبلغ بالحديث إلى النبي ﷺ فإذا جاء بالحديث وقال الصحابي: رواية أو قال: ينميه أو قال: يبلغ به أو يرفعه فهذه كلها من صيغ الرفع الحكمية وتأخذ حكم الرفع وفي هذا الحديث مصرح به أن رسول الله ﷺ قاله.
معاني المفردات:
الصيام جنة: الجنة هي الوقاية، والصوم جنة في الدنيا من الآثام، وفي الآخرة من النار.
الرفث: هو الجماع ودواعيه وقيل: ما يتعلق ببذاءة اللسان من رديء القول.
стр. 11
ولا يجهل: أي ولا يتعدى على أحد ولا يفعل فعل أهل السفه والجهل، والجهل هنا من الجهالة لا الجهل الذي هو ضد العلم ومن ذلك قول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
يعني لا يعتدي أحدٌ علينا فنعتدي عليه بأزيد مما اعتدى به علينا، والجهالة تطلق على المعصية لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، فكل من عصى الله فهو جاهل.
قوله: «وإن امرؤ قاتله» المقاتلة هي المضارية.
«شاتمه»: أي واجهه بالسب.
فليقل: «إني صائم» ظاهر هذا اللفظ أنه يجهر به لقوله: «فليقل» وهذا خلافٌ لمن قال: إنْ كان الصوم فرضًا فإنه يجهر، وإن لكان الصوم نفلًا فليسَّره فهذا التفريق لا دليل عليه، ونقول: إنَّ الأصل في كلمة «قال» و «يقول» الجهر، وعلى ذلك فليقل جهرًا: إني صائم مرتين وجاء أيضًا أن يقولها مرة واحدة، وجاء أيضًا أن يقولها مرة واحدة، وجاء أيضًا أنه يقول: «إني امرؤ صائم» فهذا الذي حفظ في السنة وأما قول البعض: «اللهم إني صائم» فهذا لا نعلم أنه جاء عن الرسول ﷺ .
وفي قول الإنسان لمن سابه أو شاتمه: «إني صائم» فيه فوائد:
١ - فيه الانتصار النفسي للشخص حينما يقول لشاتمه: إني صائم فهذا فيه نوع انتصار واستعلاء عن المواجهة بمثل هذا الخنا والقبح.
٢ - فيه توبيخ لهذا السابِّ والمقاتل.
стр. 12
وفي الحديث أيضًا: أن رائحة فم الصائم وهي خُلُوفُ فمه مع كون الإنسان ينفر منها ويكرهها؛ لأنها تشبه «البخر» وهو الداء المعروف فإنها عند الله أطيب من رائحة لامسك لأنها ناتجة عن أثر عبادة عظيمة.
واستنبط بعض أهل العلم من هذا الحديث كراهية الاستياك آخر النهار وهو وقت خروج هذه الرائحة الكريهة، فقال: ينبغي إبقاؤها لأنها محبوبة إلى الله.
والصحيح أن الأمر ليس كذلك؛ لأن السواك سنة مطلقة في أول النهار وآخره، وقد عقد المؤلف: بابًا ذكر فيه السواك للصائم وسوف يأتي الكلام عن هذا حينما يأتي هذا الباب.
وقد قيل: إن الرائحة تخرج وتنبعث من المعدة ولا علاقة لها بالسواك، وهذا فيه نظر؛ لأنه في الحديث قوله: «لخُلُوف فم الصائم» فالخُلوف في الفم ليس في غيره.
واستنبط بعض أهل العلم أنه في هذا الحديث يثبت لله صفة الشم، وقالوا: إن استطابة الروائح من الله تدل على اتصافه بهذه الصفة، ولكن قد يقال: إن هذا الحديث ليس بصريح في إثبات هذه الصفة، ومعلوم أن الصفات لابُدَّ في إثباتها أن تكون النصوص فيها صحيحة صريحة.
وأيضًا قد يكون إدراك الله لهذه الرائحة عن طريق العلم فإن الله يعلم بها، فيكون المعنى أن الله يعلم هذه الرائحة وهذا قول شيخنا ابن عثيمين ﵀، وبكل حال نقول: إن دل الحديث على هذه الصفة فنثبتها لله ، وإن لم يدل عليها لا نثبتها وهذا القول الأخير هو قول شيخينا ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله.
стр. 13
وفي هذا الحديث: تفاضل الأعمال وأن بعض الأعمال أفضل من بعض.
مسألة: هل استطابة فم الصائم في الحال أو المآل؟
الجواب: قال بعضهم: إن الاستطابة تكون في الحال وأنها أطيب عند الله في الحال، وقال بعضهم: إن هذه مثل دم الشهيد؛ فإن دم الشهيد يوم القيامة يكون لونه لون الدم وريحه ريح المسك؛ فقالوا: هذا الحديث المطلق إنما يكون في يوم القيامة يأتي بهذه الرائحة ويكون عند الله أطيب من ريح المسك، والله أعلم.
стр. 14
٣ - باب الصوم كفارة
حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا جامع عن أبي وائل عن حذيفة قال: قال عمر ﵁ من يحفظ حديثنًا عن النبي ﷺ في الفتنة قال حذيفة: أنا سمعته يقول: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصَّدَقَةُ» قال: ليس اسأل عن ذه إنما اسأل عن التي تموج كما يموج البحر قال: وإن دون ذلك بابًا مغلقًا قال: فيفتح أو يكسر؟ قال: يكسر قال: ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة. فقلنا لمسروق: سله أكان عمر يعلم من الباب؟ فسأله فقال: نعم كما يعلم أن دون غدٍ الليلة.
شرح الحديث:
«الباب» في الحديث المقصود به في قوله: «دون ذلك بابًا مغلقًا» عمر ابن الخطاب ﵁ كما قال حذيفة، وعمر كان يعلم ذلك.
«الكسر» هو القتل، ولهذا لما قتل عمر انفتحت أبواب الفتن على مصراعيها ولما قتل عثمان زادت الفتن وإلا فإن الفتن قد بدأت منذ مقتل عمر ﵁، وقد روي عنه أنه إذا بلغه منكر قال: أما وأنا وهشام بن حكيم أحياء فلا يكون (١). وكان هشام ممن ينكر المنكرات .. وقد صح عن عمر كما أخرجه وكيع في كتاب الزهد عن إسماعيل بن أبي خالد عن زيد بن وهب عن حذيفة «أن عمر سأله هل عدني رسول الله ﷺ في المنافقين» إسناده صحيح، فانظر إلى تكامل شخصية هذا الرجل فلله دره ﵁.
стр. 15
الفوائد:
١ - ما ترجم له المؤلف وهو أن الصوم كفارة وذلك لأنه قال: «فتنة الرجل في أهله» والمقصود بالفتنة هنا الخطايا المتعلقة بالأهل والمال، مثل أن يسب أولاده أو عبيده أو أهله أو جيرانه أو يخطئ عليهم من الأخطاء الصغيرة، فإن هذه من الصغائر تكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة وقد تعمل هذه الأعمال الصالحة فتكفر الكبائر على القول المرجح فتخففها؛ بل إذا كانت الأعمال الصالحة كبارًا قد تمحوها أصلًا إذا كانت تتعلق بين العبد وربه، فكبار الأعمال الصالحة قد تمحو الكبائر، وصغار الأعمال تمحو الصغائر، ففيه أن الصوم مع كونه ثوابًا وطاعة فإن يكفر الخطايا، ولكن قال شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم: إن الذي يعمل في السيئات ويكفرها من الأعمال الصالحة من الصلاة والصيام والصدقة والحج هو المقبول منها فقط هو الذي يُكَفَّرُ، وأما العمل الذي وقع فيه النقص أو لم يكن فيه إقبال من صاحبه فحسبه أن ينجو كفافًا رأسًا برأس، ويسلم من الحساب فكيف يكون بعد ذلك مكفرًا له؟! وقد تكلمنا في مذاهب العلماء في تكفير الأعمال الصالحة للسيئات وبسطنا المقام في كتابنا «نفح العبير» «ج٣/ ٢٤» فارجع إليه إن شئت.
стр. 16
٤ - باب الريان للصائمين
١٧٩٧ - حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال قال: حدثني أبو حازم عن سهل ﵁،
عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». [٣٠٨٤]
١٧٩٨ - حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني معن قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ , فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ».
فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». [٣٤٦٦]
الشرح:
باب الريان: يدخل منه الصائمون إلى الجنة من جميع الأمم، من هذه الأمة
стр. 17
وغيرها والجنة لها ثمانية أبواب، كما في حديث عقبة بن عامر عن عمر فيمن توضأ وأحسن الوضوء وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء».
وأحد هذه الأبواب الثمانية هو باب الريان، وفي حديث حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن فيها باب الصلاة وباب الجهاد وباب الصدقة.
وجاء في حديث أبي الدرداء أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة» فالخلاصة أن أبواب الجنة ثمانية صح تسمية بعضها وينظر في الباقي.
وناسب باب الصيام أن يسمى باب الريان ولم يناسب أن يسمى باب الصيام؛ لأن الصيام هو الإمساك والحبس وقد كان التكليف في الدنيا والانقطاع عن المحبوبات أما في الآخرة فهي دار الجزاء وتنعيم الطائعين والريان هو الري الكثير يحتمل أن يكون هذا باب الري الكثير أو باب الشخص الريان، والظاهر - والله أعلم - أنه باب الرس الكثير.
قوله: «من أنفق زوجين في سبيل الله» المراد بالزوجين هنا اثنين لقوله تعالى: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فلا يقال لزوج: اثنين بل يقال لزوج: واحد ولزوجين: اثنين وهذا هو التحرير في هذه المسألة فيكون المعنى أنفق زوجين في سبيل الله مثل تفاحتين وتمرتين وغيرهما، فإنه ينادى من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير يعني: الواقفين من الملائكة على الأبواب يقولون: تعال ينادون إلى بابهم يكرمونهم بذلك يا عبد الله هذا خير فيحبون أن يدخل من عندهم أي يحبون أن يدخل من الباب الذي يليهم.
стр. 18
قوله: «فإن كان من أهل الصلاة» المراد بأهل الصلاة أي أهل الإكثار منها وإلا لابد أن يقوم بالأعمال الأخرى من فرائض الإسلام وشرائع الدين، ولكنه له عناية وإكثار ومحبة لهذه الصلاة فصار من أهل الصلاة فيدعي من باب الصلاة.
قوله: «وإن كان من أهل الجهاد» يعني مكثر من الجهاد فإنه يدعى من باب الجهاد، وهكذا في الصيام يدعى من باب الريان وإن كان من أهل الصدقة فيدعى من باب الصدقة.
قوله: «قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي» يعني أفديك بأبي أنت وأمي يا رسول الله وذلك؛ لأن حق رسول الله ﷺ أعظم وأولى من حق الأبوين فالتفدية بالأبوين لا تجوز إلا لرسول الله ﷺ ؛ لأنه حقه فوق حق الأبوين أما غير رسول الله فإنه لا يجوز أن يفدى بالأب والأم؛ لأن حق الأبوين فوق آحاد الناس ولو كان من أصلح الناس.
وقال بعضهم: إنه يجوز أن يقال: فلان فداه أبي وأمي وأن هذا مما يجري على اللسان ولا يراد قصده كقوله: «تربت يمينه» وغيرها.
والصحيح أنها لا تطلق إلا على رسول الله ﵊.
مسألة: فإن قيل: أن رسول الله قال: «ارم سعدًا فداك أبي وأمي» فهو فدّى بعض أصحابه بأبويه؟
الجواب: نقول: أبواه ﷺ ماتا على دين قومهما فناسب أن يفدي بهما مسلمًا، هذا هو الصحيح.
قوله: «ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة ... الخ» يعني أنه
стр. 19
قد يدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية جميعًا وهو المكثر من الصلاة والصدقة والجهاد فهو يدعى من تلك الأبواب كلها، ولكن لا يدخل إلا من باب واحد ولكن حصل له التكريم بالدعوى من تلك الأبواب كلها.
стр. 20
٥ - باب يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا
وقال النبي ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» [ر ١٨٠٢]
وقال: «لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ» [ر ١٨١٥]
١٧٩٩/ ١٨٠٠ حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانَ فُتّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنّةِ».
(١٨٠٠) - حدثني يحيى بن بكير قال: حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني ابن ابي أنس مولى التيميين أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانُ فُتّحَتْ أَبْوابُ السَّمَاءِ، وَغُلّقَتْ أَبْوابُ جَهَنّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشّياطِينُ». [٣١٠٣]
١٨٠١ - حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر أن ابن عمر ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
وقال غيره عن الليث: حدثني عقيل ويونس: لهلال رمضان. [١٨٠٧، ١٨٠٩، ١٨١٤، ٤٩٩٦].
стр. 21
الشرح:
قد جاء في حديث لا يصح نبه عليه الشارح أنه قال: وروى أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقولوا: رمضان فإن رمضان من أسماء الله ولكن قولوا شهر رمضان» فهذا الحديث باطل؛ فإن أبا معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعيف جدًا وأيضًا أسماء الله حسني بالغة في الحسن، ورمضان ليس فيه هذا المعنى، فيجوز أن يقال: شهر رمضان وهو الذي جاء في القرآن وأن يقال: رمضان كما جاء ذلك في السنة واستدل المؤلف بهذه الأحاديث التي فيها تجريد رمضان من الشهر.
стр. 22
شرح الحديث الأول: حديث أبي هريرة:
أن النبي ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» والمفتح لهذه الأبواب هو رب العالمين جلَّ وعلا وإنما يفتحها ترغيبًا في الدخول فيها ولا سيما الباب الذي يدخل منه الصائمون وهو باب الريان، وفي السياق الآخر «فتحت أبواب السماء» وفي حديث آخر «فتحت أبواب الرحمة» كما عند مسلم في الصحيح، وهي كلها بمعنى واحد فأبواب السماء وأبواب الرحمة هي أبواب الجنة وإنما هذا تعبير من بعض الرواة ويحتمل أن هذا من الرسول ﵊ فالمراد على العموم هي أبواب الجنة.
شرح الحديث الثاني:
قوله: «غلقت أبواب جهنم ولسلست الشياطين» وفي بعض الروايات - كما عند مسلم «وصفدت الشياطين» وقد وقع هذا لمسلم بإسناد البخاري.
قوله: «سلسلت الشياطين» قال أهل العلم: المراد بها حجزهم عن تثبيط الطائعين أو التسلط عليهم لإضلالهم، فناسب هنا - أن تفتح أبواب الجنة لكثرة العمل الصالح في هذا الشهر وأن تسلسل الشياطين حتى لا يغووا بني آدم فتقل المعصية وتكثر الطاعة فناسب هذا أن تكون أبواب الجنة وأبواب الرحمة مفتوحة وأبواب جهنم مغلفة.
مسألة: هل رمضان اسم جاء به الإسلام أن كان قديمًا في الجاهلية بهذا الاسم؟
الجواب: لا هو كان قديمًا وقد قيل: إن أسباب تسمية الشهور أن العرب سمّت الشهور بحسب ما وقع فيها في سنة من السنين من الحرب
стр. 23
والكرب، وكان رمضان في تلك السنة التي سموا فيها الشهور في الحر، وكان جمادي في الوقت الذي يجمد فيه الماء ذكر هذا غير واحد من أهل السيرة والمفسرين عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ ... .. الآية ثم بعد ذلك استقر الأمر فصار الشهر يدور عليه الحر والبرد واسمه ثابت، وبعد هذا جاء الشرع بإقرار هذا والحمد لله.
الحديث الثالث:
يأتي الكلام عليه في بابه هناك، وإنما ساقه المؤلف هنا للمتابعة التي جاء فيها: قال غيره عن الليث: حدثني عقيل ويونس لهلال رمضان، وأراد المؤلف بإيراده هذا التعليق هنا لإثبات ذكر رمضان بغير لفظ الشهر.
مسألة: أورد الحافظ ابن حجر في الفتح قولًا وهو كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرة فإنه لو صفدت الشياطين لم تقع هذه المعاصي؟
الجواب: «أن هذه المعاصي تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه أو أن المقصود بها: أن الذي يصفَّد بعض الشياطين - وهم المردة - لا كلهم كما تقدم في بعض الراويات، أو أن المقصود هو تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيدهم ألا يقع شرٌّ أو معصية؛ لأن ذلك له أسباب غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية» انتهى. والأمر - كما قال المؤلف - يكثر الخير ويقل الشر، فناسب انفتاح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار ولكن يبقى شيء من الإغواء كما في بعض
стр. 24
الأحاديث لكن لا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غير رمضان فيخف تسلطهم في رمضان.
المراد بالشياطين هنا: شياطين الجن، وأما شياطين الإنس فهم يغدون ويروحون وإنما يصفدهم الآدميون في السجون.
стр. 25
٦ - باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية
وقالت عائشة ﵃ عن النبي ﷺ : «يُبْعَثونَ على نِيَّاتِهِمْ» [ر ٢٠١٢]
١٨٠٢ - حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁،
عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الشرح:
علق المؤلف قول عائشة عن النبي ﷺ : «يبعثون على نياتهم» وهذا حديث وقع للمصنف أيضًا؛ ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أن النية لها تأثير فإن الناس يبعثون على نياتهم فمن كان مختارًا للشرِّ ولغزو الكعبة كما هو سياق الحديث؛ فإنه يبعث على نيته يوم القيامة، ومن كان معهم ليس له هذه النية - أي نية الشر - وهو غير مختار لهذا الباطل فإنه يبعث على نيته، فالنية لها تأثير في العمل وإن كان صورة العمل واحدة.
شرح الحديث:
قوله: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا» أي إيمانًا بشرعية الله لهذه الليلة وشرعية قيامها والعمل فيها، واحتسابًا للأجر في القراءة والصلاة والذَّكر والدعاء غفر له ما تقدم من ذنبه والأمر كذلك في صيام رمضان، فإن من صامه بنية احتساب الأجر وبنية أن الله افترضه على عباده فقام بشرائطه وواجباته وحفظ صيامه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه.
стр. 26
تنبيه: قد جاء في بعض طرق الحديث عن أبي سلمة عن أبي هريرة عند أحمد في المسند زيادة «وما تأخر من ذنبه» وهذه الزيادة لا تصح تفرد بها حماد ابن سلمة عن محمد بن عمرو، وقد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو جماعة كيزيد بن هارون، ومحمد بن بشر، وعبده بن سليمان، والنضر ابن شميل، وثابت بن يزيد وغيرهم لا يذكرون هذا فتفرد بهذه الزيادة حماد ابن سلمة فهي زيادة شاذة وكذلك جاءت هذه الزيادة من حديث سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأكثر الحفاظ من أصحاب سفيان بن عيينة لا يذكرونها، وكذلك الحفاظ من أصحاب الزهري لا يذكرونها كعقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، والأوزاعي، وإسماعيل بن أبي حمزة لا يذكرون هذه الزيادة وكذلك تلميذ الزهري كما ذكرت سفيان بن عيينة، والعجب أن الحافظ ابن حجر قال: لا بأس بها أو مال إلى تقويتها، وكذلك جاءت من حديث عبادة بن الصامت عند أحمد ولكن الحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل وهو لين الحديث وله أفراد ومناكير: ولا يحتمل هذه الزيادة.
فالصحيح أن كل حديث فيه زيادة: «وما تأخر من ذنبه» فإنه لا يصح وقد ألَّف الحافظ ابن حجر جزءًا في هذه المسألة ولكن هذه خلاصته، وجاءت عن ابن حبان عن عائشة زيادة غريبة فقد أخرج ابن حبان (٧١١١) من طريق ابن وهب أخبرني حيوة أخبرني أبو صخر عن ابن قسيط عن عروة عن عائشة ... وفيه دعاؤه ﷺ لعائشة: «اللهم أغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر ...» وفيه: «.. إنها لدعائي لأمتي في كل صلاة» وهو غير محفوظ وجاءت
стр. 27
عن ابن حبان (٥٣٩) من طريق دراج أبي السمح عن ابن حجيرة عن أبي هريرة فيمن من أخذ غصن شوك عن طريق الناس وهي منكرة لا تثبت.
فالقاعدة: إن كان حديثًا فيه: «وما تأخر من ذنبه» على بعض فضائل الأعمال لا تصح؛ لأنها خصيصة نبوية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، وليس معه فيها شريك، ولهذا في الشفاعة يوم القيامة في حديث أنس يقول عيسى: «ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»؛ ولهذا قال ابن كثير في تفسيره: هذا من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر ... الخ. اهـ. وهو كلام حافظٍ محرر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من صام رمضان على وجه التقليد والمراءاة لا يحصل على هذا الأجر بل يأثم، وكذلك من قام ليلة القدر ليس إيمانًا بشرعيتها ولا احتسابًا لأجرها فلا يحصل له هذا الأجر، وهذا هو المفهوم والظاهر من الحديث، والله أعلم.
стр. 28
٧ - باب أجود ما كان النبي ﷺ يكون في رمضان
١٨٠٣ - حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس ﵃ قال:
كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي ﷺ القرآن فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
الشرح:
هذا الحديث فيه كما ترجم المؤلف وكما هو سياق الحديث أن رسول الله ﷺ كان أجود الناس بالخير مطلقًا، وكان أكرمهم ﵊، وكان أنفعهم للناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان أي أن جوده في رمضان يزداد ﵊ لا سيما حينما يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة من رمضان حتى ينسلخ يدارسه القرآن ويعرض عليه القرآن يعني - كان النبي ﵊ يقرأ وجبريل يستمع ويقرأ جبريل ويستمع النبي ﷺ منه، وهذا هو العرض عليه فيعارض جبريل النبي ﷺ القرآن في كل سنة مرة حتى كان في السنة التي توفي فيها رسول الله عرض جبريل القرآن على الرسول ﷺ مرتين.
الفوائد:
١ - أن الإنسان ينبغي أن يكون في رمضان مجتهدًا في النفع وفي الكرم وفي
стр. 29
التشمير الأعمال الصالحة القولية والفعلية تأسيًا بالنبي ﷺ وهذا رسول الله الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يفعل ذلك فكيف بمن دونه؟!!
٢ - فيه اختصاص هذا الشهر بمدارسة القرآن الكريم؛ لأن القرآن فيه نزل ولأنه أفضل الكلام؛ فإن شهر رمضان هو أفضل الشهور وسيدها وقد جاء في حديث لا يصح أنه سيد الشهور ولكنه أفضل الشهور فناسب أن ينتهز العبد الفرصة ويكثر فيها من قراءة القرآن ويعمر ليله ونهاره بقراءته والإكثار منه كما أنه يقضي نهاره بالصيام، وقد اشتهر عند السلف أنهم كانوا يدعون الله أن يبلغهم رمضان فيكنزون فيه من الكنوز من القراءة الكثيرة والصدقة فربما بعضهم يؤخر الصدقة حتى يأتي شهر رمضان فينفقها فيه، فقد روى مالك في موطئه عن الزهري عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول: «هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة». يعني: شهر رمضان. ويجتهدون فيه بالأعمال الصالحة ثم إذا ولَّى هذا الشهر دعوا الله أن يتقبل منهم.
٣ - أن هذا الشهر مدرسة للصالحين والعلماء؛ فالجود والخير مطلوب في كل وقت ولكنه في رمضان أولى وأحرى.
стр. 30
٨ - باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم
١٨٠٤ - حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا سعيد المقبريُّ عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [٥٧١٠].
الشرح:
وفي رواية أخرى: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل» والجهل أي: السفه وعمل أهل الجهالة.
فمعنى الحديث أن الإنسان إذا صام ولم يدع الزور - وهو قول الباطل والكذب - وقول الزور والعمل بالزور؛ فليس لله حاجة في أن يمتنع عن الطعام والشراب وهو يقارف هذه الخطايا؛ لأن المقصود بالصيام هو حصول التقوى لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإذا لم يثمر هذا العمل تقوى الله ؛ فإن الله ليس محتاجًا لأن يعذب الإنسان نفسه بالامتناع عن الطعام والشراب وهو يقارف الخطايا.
الفوائد:
فيه الزجر عن تعاطي فعل أهل السفه وقول الباطل والعمل بالباطل؛
стр. 31
ولأن الله كما قال عن نفسه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ فهذه العبادات شرعت لحصول التقوى فلا ينبغي أن تعطل عما شرعت له.
стр. 32
٩ - باب هل يقول: إني صائم إذا شتم ؟
١٨٠٥ - حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول:
قال رسول الله ﷺ «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» [ر ١٧٩٥].
الشرح:
هذا الحديث قدسيُّ وقد سبق سياق المؤلف نحو هذا السياق.
والحديث القدسي: هو ما يرويه النبي ق عن الله، يقول فيه الصحابي قال رسول الله ق فيما يرويه عن ربه.
واختُلف هل هو من كلام الله أو من كلام الرسول ق؟! وعلى كلا القولين لا يثبت له شيء من أحكام القرآن فيجوز مسُّ الحديث القدسي إذا كان في قرطاس بغير طهارة، ولا يتعبد لله بتلاوته، ولا يؤجر قارئ الحديث القدسي أجر تلاوة القرآن، ولا يكفر منكر الحديث القدسي من حيث إنه حديث قدسيٌّ.
стр. 33
شرح الحديث:
قوله: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام» هذا يفسر بالرواية الأخرى: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله إلا الصيام» وهذا أحسن ما قيل في هذا الاستثناء وقد قيل غير هذا، ولكن هذا من أمثل ما قيل. والمعنى أن الله يجازي عليه الجزاء الكثير بحسب جوده وكرمه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ولأن الصيام فيه أنواع الصبر الثلاثة:
١ - صبر على الطاعة.
٢ - صبر عن معصية الله.
٣ - صبر على أقدار الله المؤلمة.
قوله: «الصيام جنة»: المعنى أنه يقي صاحبه في الدنيا من الآثام وفي الآخرة من النار.
قوله: «للصائم فرحتان يفرحهما»: في الحديث إثبات فضل الآخرة على الدنيا؛ لأن الدنيا يفرح فيها الصائم بالفطر والأكل والشرب، وأما الآخرة أو عند الموت أو بعد ذلك فإنه يفرح بالصوم عند لقيا الله بذلك ففيه أن الدنيا فيها متعة الأجساد والأرواح تابعة لها، وأما الآخرة فالأصل فيها متعة الأرواح والأجساد تابعة لها، والله المستعان.
وفيه من الفوائد: شاهد لما ترجم له المؤلف في أن قول: إني صائم ليس من الرياء؛ لأن المقصود به أن يكفَّ شاتمه عن المشاتمة سواءً كان هذا الصوم فرضًا أو نفلًا، كما تقدم.
стр. 34
١٠ - باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة
١٨٠٦ - حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: بينا أنا أمشي مع عبد الله ﵁ فقال:
كنا مع النبي ﷺ فقال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءٌ». [٤٧٧٨، ٤٧٧٩]
الشرح:
في هذا الحديث إرشاد الشباب إلى الزواج فإن في بعض ألفاظ هذا الحديث: «يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج»، وهذا الحديث شرحه والكلام فيه يأتي في كتاب النكاح.
الشاهد فيه: «فليتزوج فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وما ذلك إلا أن الصوم يضيق على الإنسان مجاري الشيطان ويضعف النفس فيشرع للإنسان إذا خاف على نفسه شر العزوبة وأثر الشهوة أن يصوم ويكثر من الصيام.
ومن الفوائد: أن القصد في العبادة إلى معنى تعود مصلحته إلى الجسد لا يؤثر في الإخلاص، فإن من تعاطى الصيام لإضعاف الشهوة ووقاية شر الفرج لا ينافي كونه يفعل طاعة لله .
مسألة: قد يقول قائل: إن الإنسان إذا صام وكان ذا شهوة فإنه قد يهيج ويزداد رغبة في تفريغ الشهوة فيقال له: هذا يكون في البداية لكن إذا استمر في الصيام وتمادى عليه سكنت نفسه وضعفت بعض الشيء.
стр. 35
١١ - باب قول النبي ﷺ :
«إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا»
وقال صلة عن عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ
١٨٠٧/ ١٨٠٨ - حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر ﵃:
أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: «لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلالَ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
(١٨٠٨) - حدثنا عبد الله بن مسلمة: حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵃:
أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ».
(١٨٠٩) - حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن جبلة بن سحيم قال: سمعت ابن عمر ﵁ يقول:
قال النبي ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» وخنس الإبهام في الثالثة. [ر ١٨٠١]
١٨١٠ - حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: يقول: قال النبي ﷺ أو قال: قال أبو القاسم ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
١٨١١ - حدثنا أبو عاصم عن ابن جريح عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن عكرمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ آلى من
стр. 36
نسائه شهرًا فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا أو راح فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهرًا؟ فقال: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا». [٤٩٠٦]
١٨١٢ - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان بن بلال عن حميد عن أنس ﵁ قال: آلى رسول الله ﷺ من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة تسعا وعشرين ليلة ثم نزل فقالوا: يا رسول الله آليت شهرًا؟ فقال: «إن الشهر يكون تسعًا وعشرين». [ر ٣٧١]
الشرح:
عقد المؤلف هذا الباب لبيان متى يكون الصيام؟! ثم علَّق قول النبي ﷺ «إذا رأيتم الهلال فصوموا ....» ثم أسنده بعد ذلك.
ثم قال: قال صلة عن عمار: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم»، وهذا التعليق عن عمار مجزوم به، والحديث هذا أخرجه أهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان وهو صحيح.
قوله: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» نقول: الشهور عند المسلمين يثبت دخولها بأحد أمرين:
١ - إما بإتمام الشهر الذي قبله ثلاثين يومًا.
٢ - أو برؤية الهلال ليلة الثلاثين، فهذه شهور أهل الإسلام تثبت بهذين الأمرين.
стр. 37
قوله: «صوموا لرؤيته» اللام هنا تعليلية: أي لأجل رؤيته، ويحتمل أنها مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي للتوقيت يعني: صوموا عند رؤية الهلال فيكون هو مؤوَّل يعني في الغد.
ثم صدر المؤلف الحديث الأول بقوله: «فإن عمَّ عليكم فاقدروا له» ثم أتى بالروايات المبينة لمعنى «أقدروا له» ففي الحديث الثاني قال: «فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وقال في الحديث الآخر: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». فالمراد بقوله: «فاقدروا له» أي: أكملوا عدة الشهر ثلاثين.
وقد تأول بعض أهل العلم هذا الحديث وهو قوله: «فاقدروا له» وقال: معنى ذلك أي: ضيقوه وقالوا: الشهر عند أهل الإسلام إما أن يكون ثلاثين أو تسعًا وعشرين، فقالوا: فإن غمَّ الهلال فلابد أن نضيق هذا الشهر فيكون تسعة وعشرين يومًا، وقد قال النبي ﷺ : «الشهر هكذا .....» كما في الحديث الذي أخرجه مسلم، واختصره البخاري هنا يعني مثل الشهر بيديه ﷺ فقال مرة «ثلاثين» وأشار بيديه - ثلاث مرات - وقال مرة: «تسعة وعشرين» وأشار بيده ثلاث مرات غير أنه خنس بإبهامه في الثالثة.
وقال الحنابلة ﵏ وغيرهم: «معنى اقدروا له» أي اجعلوه تسعًا وعشرين فإذا كانت ليلة الثلاثين فيها قتر أو غيم وما أشبه ذلك؛ فأننا نجعل الشهر تسعًا وعشرين ونصوم اليوم الذي بعده لرمضان وقالوا: هو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ...﴾ أي ضيّق عليه، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذا الحديث يفسر بالأحاديث الأخرى فإن النبي ﷺ قال: «فإن غمَّ عليكم
стр. 38
فأكملوا العدة ثلاثين» والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أيضًا ما علقه المؤلف من حديث عمار قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» ومعلوم أن الهلال إذا لم ير في ليلة الثلاثين لغيم أو قتر فهو يوم شكٍّ لا ندري هل هذا اليوم هو تمام شهر شعبان أو أول يوم من أيام رمضان؟! فجاءت السُّنة أنه لا يجوز صيامه؛ لأن عمارًا قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ . فهذان دليلان على أن معنى: «اقدروا له» أي أتموا شعبان ثلاثين يومًا، وأيضًا كما ثبت عن النبي ﷺ كما سيأتي قوله: «لا تقدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين» فهذه جملة الأدلة على أن الثلاثين إذا لم يرَ الهلال لغيم أو قتر؛ فإننا نكمل شعبان ثلاثين يومًا والحكمة في إتمام شهر شعبان ثلاثين يومًا هو حتى يتحقق الفصل بين الفرض والنفل وحتى لا يدخل في الفرض ما ليس فيه، وكما أنه يكون في أول الشهر يكون في آخر الشهر ولهذا نُهي عن صيام يوم عيد الفطر؛ لأنه فاصل في نهاية شهر رمضان بين الحل والإفطار وأيام الصوم والإمساك ففصل الفرض في البداية والنهاية حتى تكون الشريعة واضحة فلا يدخل فيها ما ليس منها.
وقال بعض أهل العلم: معنى «فاقدروا له» أي العمل بالحساب، وهو قول بعض أهل العلم مثل أبي العباس بن سريج وعمل به بعض المتأخرين، وقد قال شيخ الإسلام عن هذا القول: «هذا القول محدّثٌ في الإسلام» وهو قول مبتدع وهذا هو الصحيح؛ لأن هذه الأمة أمية كما قال النبي ﵊ وسيأتي بإذن الله.
стр. 39
مسألة: العمل بالحساب ومنازل القمر لا بالرؤية؟
انقسم أهل العلم فيها إلى ثلاثة أقسام:
١ - قيل: يعمل به مطلقًا وهذا قول الأقلين من العلماء.
٢ - وقيل: لا يعمل به مطلقًا، وهذا هو الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم.
٣ - قيل: يعمل به إذا تعذرت الرؤيا.
والصحيح عدم العمل به مطلقًا لا في دخول الشهر ولا في خروجه والعمل بالحساب من الأقوال المحدثة في الإسلام، وقد اشتهر في الآونة الأخيرة الدعوة إلى العمل بالحساب ولكن هذه الدعوة دعوة شر وليست دعوة خير.
مسألة مهمة: إذا رؤي الهلال في بلد وثبت ثبوتًا شرعيًا هل يلزم الناس كلهم أن يصوموا في جميع الأمصار؟
الجواب: قيل: إذا رؤي في بلد فإنه يلزم أهل الأرض كلهم، وقيل: يلزم الصوم والفطر من رآه فقط فأهل البلد الذين رأوه هم الذين يلزمهم دون غيرهم.
وقال شيخ الإسلام قولاً وسطًا: وهو إذا اختلفت المطالع يعني: إذا رآه أهل البلد وثبت عندهم فينظر المطالع التي تتفق مع هذا البلد؛ فإنه يلزمهم حكم هذه الرؤيا، وأما المطالع إذا اختلفت عن مطلع هذا البلد فإنه لا يلزمهم حكم الرؤيا.
وهذا هو الصحيح وأقربها للنص والقياس، أما النص لقوله ﷺ : «من
стр. 40
شهد منكم الشهر فليصمه شهد منكم الشهر فليصمه» ومعلوم أنه إذا اختلفت المطالع لا يقال للمخالف: إنه شهد الشهر حتى نلزمه بالصوم، وأما القياس فإن الله علق الإمساك بالتبين من طلوع الفجر وعلق الفطر بغروب الشمس، ومعلوم أن أهل البلد الواحد يشتركون في هذا حيث إنهم يشتركون في التبين وهو تبين الفجر وفي غروب الشمس فكان حكمًا واحدًا، فكذلك يقال في مسألة أهل المطلع الواحد: إذا كانوا يشتركون مع بلد آخر يسامته فهو مثله؛ لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات كما أنها لا تجمع بين المختلفات. فالمتماثلات حكمها واحد، والمختلفات أحاكمها مختلفة، وفي الباب حديث أم الفضل في قصة إرسالها كريبًا إلى معاوية ثم رجع وأخبر ابن عباس أن معاوية صام فلم يصم ابن عباس ولم يعتد برؤية أهل الشام، وهذا حجة لشيخ الإسلام في هذه المسألة، وهذا الحديث - قصة كريب مع ابن عباس - احتج بها القائلون أنه إذا رأى أهل بلد أنه يلزم الجميع واحتج به أيضًا من قال: إنه إذا رآه أهل بلد فإنه يلزمهم دون غيرهم، ولكن أكثر علماء عصرنا وبالذات أهل المجمع الفقهي يرون - أو يحبذون - أنه إذا رؤي في بلد فإنه يلزم الأمة جميعًا من باب جمع الأمة الإسلامية وعدم التفريق ومن باب الأخذ بقول بعض أهل العلم، والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام.
معنى المطالع: هي منازل القمر التي يتفق فيها أهل البلد، فأهل خراسان ليس حكمهم حكم أهل المغرب في المطلع وهذا أمر يعرفه أهل الخبرة.
مسألة: الرؤية بالمرصد الفلكي الصحيح فيها أنه يعد من النظر بالعين، وهو قول ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله فكما أن المرصد يقرب القمر؛