نسائه شهرًا فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا أو راح فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهرًا؟ فقال: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا». [٤٩٠٦]
١٨١٢ - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان بن بلال عن حميد عن أنس ﵁ قال: آلى رسول الله ﷺ من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة تسعا وعشرين ليلة ثم نزل فقالوا: يا رسول الله آليت شهرًا؟ فقال: «إن الشهر يكون تسعًا وعشرين». [ر ٣٧١]
الشرح:
عقد المؤلف هذا الباب لبيان متى يكون الصيام؟! ثم علَّق قول النبي ﷺ «إذا رأيتم الهلال فصوموا ....» ثم أسنده بعد ذلك.
ثم قال: قال صلة عن عمار: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم»، وهذا التعليق عن عمار مجزوم به، والحديث هذا أخرجه أهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان وهو صحيح.
قوله: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» نقول: الشهور عند المسلمين يثبت دخولها بأحد أمرين:
١ - إما بإتمام الشهر الذي قبله ثلاثين يومًا.
٢ - أو برؤية الهلال ليلة الثلاثين، فهذه شهور أهل الإسلام تثبت بهذين الأمرين.
стр. 37
قوله: «صوموا لرؤيته» اللام هنا تعليلية: أي لأجل رؤيته، ويحتمل أنها مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي للتوقيت يعني: صوموا عند رؤية الهلال فيكون هو مؤوَّل يعني في الغد.
ثم صدر المؤلف الحديث الأول بقوله: «فإن عمَّ عليكم فاقدروا له» ثم أتى بالروايات المبينة لمعنى «أقدروا له» ففي الحديث الثاني قال: «فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وقال في الحديث الآخر: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». فالمراد بقوله: «فاقدروا له» أي: أكملوا عدة الشهر ثلاثين.
وقد تأول بعض أهل العلم هذا الحديث وهو قوله: «فاقدروا له» وقال: معنى ذلك أي: ضيقوه وقالوا: الشهر عند أهل الإسلام إما أن يكون ثلاثين أو تسعًا وعشرين، فقالوا: فإن غمَّ الهلال فلابد أن نضيق هذا الشهر فيكون تسعة وعشرين يومًا، وقد قال النبي ﷺ : «الشهر هكذا .....» كما في الحديث الذي أخرجه مسلم، واختصره البخاري هنا يعني مثل الشهر بيديه ﷺ فقال مرة «ثلاثين» وأشار بيديه - ثلاث مرات - وقال مرة: «تسعة وعشرين» وأشار بيده ثلاث مرات غير أنه خنس بإبهامه في الثالثة.
وقال الحنابلة ﵏ وغيرهم: «معنى اقدروا له» أي اجعلوه تسعًا وعشرين فإذا كانت ليلة الثلاثين فيها قتر أو غيم وما أشبه ذلك؛ فأننا نجعل الشهر تسعًا وعشرين ونصوم اليوم الذي بعده لرمضان وقالوا: هو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ...﴾ أي ضيّق عليه، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذا الحديث يفسر بالأحاديث الأخرى فإن النبي ﷺ قال: «فإن غمَّ عليكم
стр. 38
فأكملوا العدة ثلاثين» والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أيضًا ما علقه المؤلف من حديث عمار قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» ومعلوم أن الهلال إذا لم ير في ليلة الثلاثين لغيم أو قتر فهو يوم شكٍّ لا ندري هل هذا اليوم هو تمام شهر شعبان أو أول يوم من أيام رمضان؟! فجاءت السُّنة أنه لا يجوز صيامه؛ لأن عمارًا قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ . فهذان دليلان على أن معنى: «اقدروا له» أي أتموا شعبان ثلاثين يومًا، وأيضًا كما ثبت عن النبي ﷺ كما سيأتي قوله: «لا تقدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين» فهذه جملة الأدلة على أن الثلاثين إذا لم يرَ الهلال لغيم أو قتر؛ فإننا نكمل شعبان ثلاثين يومًا والحكمة في إتمام شهر شعبان ثلاثين يومًا هو حتى يتحقق الفصل بين الفرض والنفل وحتى لا يدخل في الفرض ما ليس فيه، وكما أنه يكون في أول الشهر يكون في آخر الشهر ولهذا نُهي عن صيام يوم عيد الفطر؛ لأنه فاصل في نهاية شهر رمضان بين الحل والإفطار وأيام الصوم والإمساك ففصل الفرض في البداية والنهاية حتى تكون الشريعة واضحة فلا يدخل فيها ما ليس منها.
وقال بعض أهل العلم: معنى «فاقدروا له» أي العمل بالحساب، وهو قول بعض أهل العلم مثل أبي العباس بن سريج وعمل به بعض المتأخرين، وقد قال شيخ الإسلام عن هذا القول: «هذا القول محدّثٌ في الإسلام» وهو قول مبتدع وهذا هو الصحيح؛ لأن هذه الأمة أمية كما قال النبي ﵊ وسيأتي بإذن الله.
стр. 39
مسألة: العمل بالحساب ومنازل القمر لا بالرؤية؟
انقسم أهل العلم فيها إلى ثلاثة أقسام:
١ - قيل: يعمل به مطلقًا وهذا قول الأقلين من العلماء.
٢ - وقيل: لا يعمل به مطلقًا، وهذا هو الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم.
٣ - قيل: يعمل به إذا تعذرت الرؤيا.
والصحيح عدم العمل به مطلقًا لا في دخول الشهر ولا في خروجه والعمل بالحساب من الأقوال المحدثة في الإسلام، وقد اشتهر في الآونة الأخيرة الدعوة إلى العمل بالحساب ولكن هذه الدعوة دعوة شر وليست دعوة خير.
مسألة مهمة: إذا رؤي الهلال في بلد وثبت ثبوتًا شرعيًا هل يلزم الناس كلهم أن يصوموا في جميع الأمصار؟
الجواب: قيل: إذا رؤي في بلد فإنه يلزم أهل الأرض كلهم، وقيل: يلزم الصوم والفطر من رآه فقط فأهل البلد الذين رأوه هم الذين يلزمهم دون غيرهم.
وقال شيخ الإسلام قولاً وسطًا: وهو إذا اختلفت المطالع يعني: إذا رآه أهل البلد وثبت عندهم فينظر المطالع التي تتفق مع هذا البلد؛ فإنه يلزمهم حكم هذه الرؤيا، وأما المطالع إذا اختلفت عن مطلع هذا البلد فإنه لا يلزمهم حكم الرؤيا.
وهذا هو الصحيح وأقربها للنص والقياس، أما النص لقوله ﷺ : «من
стр. 40
شهد منكم الشهر فليصمه شهد منكم الشهر فليصمه» ومعلوم أنه إذا اختلفت المطالع لا يقال للمخالف: إنه شهد الشهر حتى نلزمه بالصوم، وأما القياس فإن الله علق الإمساك بالتبين من طلوع الفجر وعلق الفطر بغروب الشمس، ومعلوم أن أهل البلد الواحد يشتركون في هذا حيث إنهم يشتركون في التبين وهو تبين الفجر وفي غروب الشمس فكان حكمًا واحدًا، فكذلك يقال في مسألة أهل المطلع الواحد: إذا كانوا يشتركون مع بلد آخر يسامته فهو مثله؛ لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات كما أنها لا تجمع بين المختلفات. فالمتماثلات حكمها واحد، والمختلفات أحاكمها مختلفة، وفي الباب حديث أم الفضل في قصة إرسالها كريبًا إلى معاوية ثم رجع وأخبر ابن عباس أن معاوية صام فلم يصم ابن عباس ولم يعتد برؤية أهل الشام، وهذا حجة لشيخ الإسلام في هذه المسألة، وهذا الحديث - قصة كريب مع ابن عباس - احتج بها القائلون أنه إذا رأى أهل بلد أنه يلزم الجميع واحتج به أيضًا من قال: إنه إذا رآه أهل بلد فإنه يلزمهم دون غيرهم، ولكن أكثر علماء عصرنا وبالذات أهل المجمع الفقهي يرون - أو يحبذون - أنه إذا رؤي في بلد فإنه يلزم الأمة جميعًا من باب جمع الأمة الإسلامية وعدم التفريق ومن باب الأخذ بقول بعض أهل العلم، والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام.
معنى المطالع: هي منازل القمر التي يتفق فيها أهل البلد، فأهل خراسان ليس حكمهم حكم أهل المغرب في المطلع وهذا أمر يعرفه أهل الخبرة.
مسألة: الرؤية بالمرصد الفلكي الصحيح فيها أنه يعد من النظر بالعين، وهو قول ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله فكما أن المرصد يقرب القمر؛
стр. 41
فإن النظارة تكبر الحرف فهو مباح، وبعضهم يرى أن الرؤية بالمرصد من التنطع في الدين يقولون: نحن نراه بعيوننا كما كان السلف فإذا رأيناه وإلا أتممنا عدة الشهر ثلاثين.
فنقول الرد عليهم: أن العمل بالمراصد فيه مصلحة للناس؛ لأنه أحيانًا يتكاسل الناس عن الرؤية ويتجافون فإذا وجد هناك أناس يراقبون في المرصد فلا بأس وذلك طيبٌ وهو من باب التعاون على البر والتقوى.
فائدة: لو جاء شخص وقال: رأيته بالعين المجردة ولم يُر بالمرصد فنقول: هذا خطأ من الشخص حيث لم يُر بالمرصد فلا نقبل قوله.
стр. 42
١٢ - بَابٌ شَهْرَا عِيد لاَ يَنْقُصَانِ
قال أبو عبد الله: قال إسحاق. وإن كان ناقصًا فهو تمام، وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقص.
١٨١٣ - حدثنا مسدد حدثنا معتمر قال: سمعت إسحاق بن سويد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ وحدثني مسددٌ حدثنا معتمر عن خالد الحذاء قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: «شَهْرَانِ لاَ يَنْقُصَانِ شَهْرَا عِيدٍ رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ».
الشرح:
هذا الحديث اختلف في معناه فقيل: الأمر - كما قال إسحاق بن راهويه:- إنه إن كان ناقص في العدة فهو تمام في الأجر - أي وإن كان رمضان تسعًا وعشرين فإنه يكتب أجره كاملًا ثلاثين إذا صامه وقامه وكذلك ذو الحجة إذا كان ناقصًا فإنه يكتب الأجر كاملًا.
وقيل: إنهما لا يجتمعان ناقصين؛ فإن كان رمضان تسعًا وعشرين؛ فذو الحجة ثلاثين وإن كان رمضان ثلاثين فقد يكون ذو الحجة ثلاثين وقد يكون تسعًا وعشرين إنما المنع أن يكونا تسعًا وعشرين في سنة واحدة كلاهما؛ فإنه لا يجتمع ولا يكون وهذا يحتاج إلى تتبع.
والقول الصحيح أنه لا يخرج عن هذين القولين وكلاهما مرويٌّ عن السلف.
стр. 43
قوله: قال محمد: المقصود به هو البخاري نفسه.
تنبيه: كيف يقال في رمضان شهر عيد والعيد بعده؟
قيل: لأجل القرب والمجاورة.
стр. 44
١٣ - باب قول النبي ﷺ : «لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ»
١٨١٤ - حدثنا آدم حدثنا الأسود بن قيس حدثنا سعيد بن عمرو أنه سمع ابن عمر ﵃، عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ» [ر ١٨٠١].
الشرح:
هذه الترجمة وصلها المؤلف: في الباب نفسه.
والمعلقات عند البخاري: تارة تكون مجزومًا بها وتارة غير مجزوم بها، والمجزوم بها تارة يصلها في الباب نفسه والترجمة نفسها وأحيانًا في باب آخر وأحيانًا معلقة له غير موصولة له في كتابه، وأما المعلقات التي ليس مجزومًا بها فتارة تكون مسندة عنده خلافًا لمن قال: إن قول البخاري: روي وما أشبه ذلك على صيغة التمريض يقتضي ضعف الحديث فهذا ليس على طريقة المتقدمين فالبخاري أحيانًا يقول: روي عن النبي ﷺ وكذا الإمام أحمد في مسائله يذكر نحو هذا ويكون هذا من أصحِّ ما يروى عن رسول الله؛ فالبخاري: تارة يعلق تعليقات ويصلها وبعض الأحيان لا يصلها؛ فإن كانت مجزومة بها عنده فإنها صحيحة إلى من علقها عنه وإن كانت غير مجزوم بها؛ فإن خرجها فقد أبان عن رأيه فيها وإن لم يخرجها ينظر فيها ولا ينسب إلى البخاري تضعيفها.
قوله: «إنا أمة أمية» من أحسن من تكلم على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ج ٢٥ ص ١٦٦.
стр. 45
وأنا أنقل أجزاء متفرقة من كلام شيخ الإسلام:
قال شيخ الإسلام: «إنا أمة أمية» ليس طلبًا للأمية فإنهم أميون قبل الشريعة لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال: فإذا كانت هذه صفة لهم ثابتة قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها يعني بعد ذلك نعم قد يكونون مأمورين بالبقاء على بعض أحكامها ولم يؤمروا أن يبقوا عليها مطلقًا ... إلى قوله: فمن كتب أو حسب فليس من هذه الأمة في هذا الحكم - يعني الرؤية ومسألة الأهلة - وقال أيضًا: فلما بعث فيهم - أي النبي ﷺ ووجب عليهم إتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به صاروا أهل علم وكتاب بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة وزالت عنهم الأمية المذمومة وهي عدم العلم بالكتاب المنزل إلى أن علموا الكتاب والحكمة، ولهذا قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال: فإذا كانت هذه صفة لهم ثابتة قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها يعني بعد ذلك نعم قد يكونون مأمورين بالبقاء على بعض أحكامها ولم يؤمروا أن يبقوا عليها مطلقًا ... إلى قوله: فمن كتب أو حسب فليس من هذه الأمة في هذا الحكم - يعني الرؤية ومسألة الأهلة - وقال أيضًا: فلما بعث فيهم - أي النبي ﷺ ووجب عليهم إتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به صاروا أهل علم وكتاب بل صروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة وزالت عنهم الأمية المذمومة وهي عدم العلم بالكتاب المنزل إلى أن علموا الكتاب والحكمة، ولهذا قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية إلى أن قال: فصارت هذه الأمية منها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو نقص وترك الأفضل فمن لم يقرأ الفاتحة أو شيئًا من القرآن يسميه الفقهاء أميًّا ....
إلى قوله: والخط والكتابة إذا حصّلها الإنسان واستعان بها على كماله وفضله كالذي يتعلم الخط لأجل تعلم القرآن وكتب العلوم النافعة؛ كان هذا فضلًا وكمالًا؛ وإن استعان بها على تحصيل ما يضرُّه؛ كان هذا ضررًا في حقه وسيئًا ... وقال أيضًا: وإن أمكن أن يستغني عنها بالكلية بأن ينال فضائل العلوم من غيرها وكمال التعلم وبدونها كان هذا أفضل وأكمل وهذا هو حال النبي ﷺ ، والنبي ﷺ بين المراد في قوله: «الشهر هكذا وهكذا» بين المراد أنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب
стр. 46
وحساب وهذا هو المراد: فليس فيه مدح للأمية مطلقة، وإنما الأمة الأمية تتعاطى هذا في مسألة الهلال ولا تتعاطى الكتاب والحساب؛ وأما الأمر بالكتابة والتعلم فهذا قد جاء في أخبارٍ وآثارٍ؛ فقد روي عن الرسول ﷺ الحثُّ على التعلم حيث قال ﵊ للشفاء بنت عبد الله: «علِّمي حفصة رقية النملة كما علمتيها الكتابة» فأمرها بأن تعلمها الكتابة ....» إلخ كلامه رحمه الله تعالى.
على أنه جاء في بعض الأخبار أن «من علامات الساعة فشو القلم» جاء هذا من حديث عمرو بن تغلب وجاء عن غيره (١) ولكن في هذه الأخبار - أخبار فشو القلم أو ظهور القلم - ضعف إن صح شيء منها فالأمة مهما بلغت توجد نسبة الأمية فيها بكثرة.
فالمراد بقوله: «إنا أمة أمية» لا نكتب ولا نحسب أن المراد بذلك هو في نفس الحكم هذا.
مسألة: هل صحَّ في أدعية رؤية الهلال شيء أم لا؟
الجواب: أن ظاهر المنقول عن بعض الحفاظ مثل أبي داود والعقيلي أنه لا يصلح عن النبي ﷺ في مسألة رؤية الهلال شيء، حتى قال أبو داود: ليس عن النبي ﷺ في رؤية الهلال حيث مسند، وأمثل ما في مسألة الدعاء عند
стр. 47
رؤية الهلال قوله: «اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام» أمثل ما فيها مرسل قتادة بن دعامة السدوسي لكني رأيت كلامًا للحافظ في الإصابة في ترجمة عبد الله بن هشام قال الحافظ: وأخرج أبو القاسم البغوي من طريق إصبغ عن ابن وهب عن سعيد عن زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام قال: كان أصحاب الرسول ﷺ يتعلمون الدعاء كما يتعلمون القرآن إن دخل الشهر أو السنة قالوا: «اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والجواز من الشيطان ورضوان من الرحمن» وهذا السند بعينه وقع للبخاري في كتاب الشركة عن عبد الله بن هشام، وقد أخرج البخاري هذا السند في صحيحه ولكن على متن آخر، وأيضًا أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس بسند لا بأس به أنه كره أن ينصب للهلال ولكن يعرض ويقول: «الله أكبر والحمد لله الذي أذهب هلال كذا وجاء بهلال كذا» قلت: إن ما يظهر لي من هذه الآثار أنها تُثبت الدعاء عند رؤية الهلال، فما صح عن ابن عباس مع مرسل قتادة والأثر الذي ذكرنا بسند البخاري يدل على أنه لا بأس بهذا الدعاء عند رؤية الهلال ولكن الذي يظهر أنه ليس محفوظًا من هذا الطريق، وأما الطرق التي رواها أهل السنن في حديث: «اللهم أهله علينا ...» كلها مدخولة وكلها متكلم فيها فالعمدة على ما ذكرته من آثار حسب، فهي صحابة وهي سنة هدى.
стр. 48
١٤ - باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين
١٨١٥ - حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ».
الشرح:
الأصل في نهي النبي ﷺ عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، التحريم، وقد يقال: إن ههنا تقسيم:
١ - أنه إذا صام الإنسان آخر شهر شعبان احتياطًا لرمضان كان هذا محرمًا وإثمه أغلظ.
٢ - أن يصومه نفلًا مطلقًا لا بنيه الاحتياط، وهذا فيه ركوبٌ للنهي، ولا شك في كونه محرمًا.
٣ - أن يصومه الإنسان على وجه العادة، مثل: أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وصادف آخر يوم من شعبان يوم صومه فهذا لا بأس بصيامه وهذا الذي جاء فيه الحديث: «إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم»؛ لأن السبب الظاهر في صيام هذا الإنسان يمنع كونه من رمضان؛ فإنه يصوم هذا اليوم لكونه يوم الاثنين أو يوم الخميس على القول بصحة الآثار في صيام يوم الخميس ويأتي - إن شاء الله - أنها تثبت بها الحجة وكذلك إذا كان يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه إذا صام هذه الأيام بهذه النية فإنه يمتنع كونه محتاطًا لرمضان وهذه قاعدة: كما قلنا في جواز ذوات الأسباب في
стр. 49
أوقات النهي؛ لأن السبب الظاهر يمنع كون هذا المصلي في وقت النهي معظمًا للشمس أو مشابهًا للكفار.
ومن الحكم في النهي عن صيام آخر يوم أو يومين من شعبان: هو الأمر بالفصل بين الفرض والنفل، وعلى هذا استقرت الشريعة على فصل النوافل عن الفرائض ولهذا نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد الإقامة وهذا نهي وصل النفل بالفرض في البداية؛ ونهى كما في حديث معاوية: «أمرنا أن لا نصل صلاة بصلاة من غير أن نتكلم أو نخرج» فهذا نهي في النهاية عن وصل الفرض بالنفل، وعلى هذا استقرت الشريعة فإنه كما نهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين كذلك نهي عن صوم يوم الفطر الذي هو بعد رمضان وذلك حتى يكون رمضان مكتنفًا بأيام الفطر؛ ولهذا يفصل الفرض عن النفل حتى لا يزداد الفرائض ما ليس منها.
وهنا ننبه على حديث رواه أهل السنن من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» أكثر أهل العلم على تضعيف هذا الحديث كالإمام أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والنسائي وجماعة كثيرة من الحفاظ ضعفوا هذا الحديث وهو من منكرات العلاء، وإن كان العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قد أخرج له مسلم بهذه الجادة أكثر من الأربعين حديثًا لكن مسلمًا: أعرض عن هذا الحديث، فتكلَّم أهل العلم في هذا الحديث من أجل المخالفة للأحاديث الأخرى، فإنه مخالف لحديث عائشة في صيام شعبان ومخالف لمفهوم حديث أبي هريرة الذي في الباب فإنه إنما نهي عن صيام آخر يوم أو يومين فقط، وأما الباقي فإن الأصل فيه الإباحة، بل المشروعية
стр. 50
لصيام شعبان أو أكثره كما سيأتي في حديث عائشة، ولكن شذَّ ابن حزم وقال: يحرم صيام يوم السادس عشر فقط؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» وإذا انتصف شعبان فأول يوم يصادفنا بعد النصف هو السادس عشر فالتزم ابن حزم هذه الظاهرية البحتة وقال: يحرم صيام السادس عشر، وأما السابع عشر فيجوز وحسبك في حكاية هذا القول كفاية في رده.
لكن استثنى أهل العلم أنه لو كان على الإنسان أيامٌ من رمضان الماضي فإنه يجب عليه صيامها في شعبان حتى لو لم يكن بقي من شعبان سوى عدة ما ترك من رمضان الماضي فإنه يجب عليه أن يقوم ولو كان هذا آخر يوم من شعبان أو يومين كمن مثلًا عليه خمسة أيام من رمضان الماضي وقد مضى من شعبان خمس وعشرون يومًا فإنه يجب عليه حينئذٍ أن يسرد الصوم حتى لا يؤخر صيام رمضان إلى رمضان القادم.
مسألة: وهل عليه أن يقدر الشهر كاملًا أو ناقصًا أي يقدره - تسعًا وعشرين أو ثلاثين؟
الجواب: إن عدَّه كاملًا فلا بأس، ولكن الأفضل أن يعده ناقصًا ولو قدَّره تامًّا فبان ناقصًا فالمسألة يوم واحد، يقضيه.
стр. 51
١٥ - باب قول الله جل ذكرهُ:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِ رُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]
١٨١٦ - حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن انطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قال: خيبة لك فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ففرحوا بها فرحًا شديدًا ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. [٤٢٣٨]
الشرح:
قال بعض أهل العلم - كابن القيم وغيره من أهل العلم: إن بداية تشريع صوم شهر رمضان كان على ثلاثة أحوال:
١ - التخيير بين الإطعام والصيام مع تفضيل الصيام كما هو صريح آية البقرة.
стр. 52
٢ - الإلزام بالصيام ولكن على هيئة خاصة كما في حديث البراء في الباب أنه إذا كان الرجل صائمًا وحضر الإفطار ونام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي يعني إذا غربت الشمس فإنه يحل له أن يفطر ولكن إذا ناموا قبل الأكل فإنه يلزمه الإمساك إلى مغيب الشمس من الغد كما هو في قصة قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا فلما حضر الإفطار أتى امرأته وسألها هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق وأطلب لك وكان يومه يعمي فغلبت عينه فجاءته امرأته فرأته نائمًا فقالت: خيبة لك وهذا الدعاء مما يجري على اللسان ولا يراد معناه، فلما انتصف النهار غشي عليه من الغد، وذلك لغلبة الجوع والعطش فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزل قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يعني طيلة الليل مباح إلى طلوع الفجر وهي الحالة الثالثة ففرح المسلمون بها فرحًا شديدًا ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ ....﴾ ثم استقرَّ الأمر على هذا حتى توفى الله نبيَّه فكانت ليلة الصيام هل حلٌّ في جميع المفطرات والنهار صوم وهذا كان ابتلاء لأصحاب النبي ﷺ فخفف الله عنهم.
стр. 53
١٦ - باب قول الله تعالى
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [ البقرة: ١٨٧]
فيه البراءُ عن النبي ﷺ [ر ١٨١٦]
١٨١٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵃ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ». [٤٢٣٩، ٤٢٤٠]
١٨١٨ - حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد (ح) حدثني سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف قال: حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال:
أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم تنزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. [٤٢٤١]
стр. 54
الشرح:
قوله فيه عن البراء أي الحديث المتقدم في الباب السابق.
هذا الحديث فيه دلائل:
١ - أن من تأول القرآن جاهلًا بدلالاته لا شيء عليه؛ لأن عدي بن حاتم ﵁ ومعه رجال من أصحاب النبي ﷺ تأولوا الخيط الأبيض والأسود بالخيط المعروف من القماش وهذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ الذي حصل به التبيان فتأولوا هذه الآية ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء لأنه قد يتأخر إدراكهم للون الخيط الأبيض من الأسود حتى بعد طلوع الفجر كما هو الظاهر؛ لأن طلوع الفجر يسبق الإدراك والتمييز في مثل هذه الأشياء الدقيقة فيكون ضرورة أنهم أكلوا وشربوا بعد طلوع الفجر فلم يؤمروا بالقضاء وهكذا من أتى بمفطر ولم يعلم أن الفجر لم يطلع فليس عليه شيء وهو الصحيح في المسألة أنه لا شيء عليه ولذلك لم يأمر النبي ﷺ أصحابه بالقضاء.
стр. 55
١٧ - باب قول النبي ﷺ : «لا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلالٍ»
حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر والقاسم بن محمد عن عائشة ﵂:
أن بلالًا كان يؤذن بالليل فقال رسول الله ﷺ : «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم فإنه لا يُؤَذِّن حتى يَطُلُع الْفَجْرُ».
قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا. [ر ٥٩٧]
الشرح:
زيادة «قال القاسم» لا يقال أنها مرسلة؛ لأن القاسم تابعي وقد رواها النسائي من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة قالت: «ولم يكن» وهذا من كلام عائشة ﵂. فمعنى كلام البخاري قال القاسم أي في رواية عن عائشة وقد جاءت هذه الزيادة عند مسلم من حديث ابن عمر.
وظاهر هذا الحديث ضيق الوقت بين الأذانين، ليس بين الأذانين إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، وهذا مشكل؛ لأن هذه المدة لا تكفي لكي ينتبه النائم حتى يستيقظ ويتحسر ولهذا قال النووي في تأويلها: قال العلماء: إن بلالًا كان يتربص بعد أذانه أي ينتظر للدعاء فهو يؤذن، وكان بلال يصعد على بيت امرأة من الأنصار فيؤذن ويمكث بعد أذانه وقتًا للدعاء فإذا قارب طلوع الفجر نزل وأخبر ابن أم مكتوب فيتأهب ابن أم مكتوم للطهارة وغيرها ثم يرقى ويشرع في الأذان، ولكن الحافظ ابن حجر وغيره لم يرض هذا
стр. 56
التأويل وقال: هذا مع مخالفته للسياق؛ لأن السياق لم يكن بينها إلا أن يرقى هذا وينزل ذلك، وأيضًا هذا يحتاج إلى دليل خاص.
قلت: أخرج الطيالسي وأحمد وابن خزيمة من طريق شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن قال: حدثتني عمتي أنيسة قالت: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم فقال الرسول ﷺ : «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا وأشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم» فقالت: أي أنيسة - فكنا نحبس ابن مكتوم عن الأذان فنقول: كما أنت حتى نتسحر فقالت: لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. وقال بعضهم: الحديث على بابه وكان بعضهم ياكلون العلقة من الطعام أي الشيء اليسير تميرات وما تيسر وماء، وكانت هذه أزواد القوم وطعامهم وبكل حال يخرج مخرجًا صحيحًا.
وقوله: «إن بلالًا يؤذن بليل» الباء هنا ظرفية يعني في الليل وهذا في رمضان.
وقوله: «كلوا واشربوا» هل هذا للإباحة أم للاستحباب؟
الجواب: الظاهر أنه للإباحة أما كون السحور مستحب فإنه يؤخذ من أدلة أخرى، وهذا الأذان - أي أذان بلال الأول - ليس لصلاة الفجر؛ لأنه أذن قبل دخول الوقت ولأنه علل في حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري في كتاب الأذان «إن بلالًا يؤذن بليل ليرجع قائمكم ولينب نائمكم» ففيه جواز الأذان لغرض لغير الصلاة وهو إرجاع القائم أي يقطع صلاته ويوتر حتى لا يدخل عليه الفجر وهو لم يوتر وتنبيه النائم كذلك، أما في رمضان فهذا الحكم واضح؛ لأن فيه العلتين اللتين في الحديث والعلتان هما:
стр. 57
١ - إيقاظ النائم حتى يتأهب لصلاة الفجر.
٢ - وإرجاع القائم عن الصلاة حتى يتأهب السحور.
مسألة: هل يشرع الأذان الأول في غير رمضان؟
الجواب: نعم؛ لأن فيه إحدى العلتين وهي إيقاظ النائم حتى يستعد للصلاة، وهذه العلة كافية في شرعية الأذان فإنه يكون هناك أذانين، ولهذا أمر عثمان ﵁، بالأذان الأول يوم الجمعة مع أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ فزاده عثمان حتى يتأهب الناس للصلاة فعلم أن الأذان ليتأهب الناس للصلاة جنسه مشروع فعله عثمان؛ فيكون الأذان الأول في غير رمضان سائغ ومشروع، وعليه عمل الحرمين منذ أزمنة متطاولة كما ذكر ذلك البيهقي وغيره، ومنع بعض أهل العلم الأذان الأول مثل ابن القطان وغيره وقال: أن الأذان الأول خاص برمضان وقد رد عليه الحافظ ابن حجر وقال: فيه نظر. وقال ابن عبد البر في الاستذكار: فيه الإخبار يعني في هذا الحديث أن بلالًا كان يؤذن للصبح بالليل ولما جاء رمضان قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعكم أذانه من سحوركم» وهذا هو الصحيح أن الأذان الأول مشروع في غير رمضان؛ لأن فيه إحدى العلتين وهي لأجل التأهب للصلاة، فهذه العلة كافية في شرعيته، وأخرج مالك عن هشام بن عروة أن سودة بنت عبد الله بن عمر كانت عند عروة بن الزبير، فخرجت تطوف بين الصفا والمروة في حج أو عمرة ماشية وكانت امرأة ثقيلة فجاءت حين انصراف الناس من العشاء فلم تقص طوافها حتى نودي بالأول من الصبح فقضت طوافها ...
стр. 58
وقوله الأول: أي أذان الصبح الأول وهو في غير رمضان لقوله في حج وقوله من الصبح بيانية.
الفوائد:
١ - أنه يؤذن على مكان مرتفع، كما أنه يطلب على الصوت في الأذان فإنه يطلب علوًّا له؛ لأن الصوت إذا كان عاليًا مرتفعًا كان له وصولًا لأكبر قدر ممكن من الناس.
مسألة: هل في هذه الفائدة شرعية بناء المنابر؟
الجواب: نقول انقسم العلماء في بناء المنائر المحدثة الجديدة هذه إلى ثلاثة أقسام:
١ - قال بعضهم أن هذه المنائر مبتدعة فلم يعرفها المسلمون في القرون المفضلة.
٢ - وقال بعضهم بل هي مشروعة وسنة؛ لأنه قد ثبت أصل مشروعية بنائها وهو الأذان على علو فيكون بناؤها مشروعًا.
٣ - وقال بعضهم بل هي مباحة ولكن يتوسط فيها؛ لأن في بنائها سرف في القيمة ولهذا كان شيخنا ابن عثيمين إذا أراد بناء مسجد لبعض أهل الخير أو من عنده فيقول: أشترط أن لا يكون بناء المنارة من مال الوقف؛ لأن بناء المنارة يتطلب مالًا كثيرًا جدًّا؛ وذلك لأن بناء المنارة لابد له من حفرة عميقة تملأ من الأسمنت وغيرها حتى تثبت ولا تسقط، وقد سألت عن قيمتها في المتوسط منها فقالوا: قرابة التسعين ألف ريال وهذا كثير جدًا وعليه نقول أنه لا ينبغي الإسراف في بنائها وإن ارتفعت حديدة بها مكبرات
стр. 59
الصوت أدت الغرض من غير أن يكون هناك إسراف، وهذه المنائر أصلها حادثة ووضع الهلال عليها أيضًا وهذا راغم به المسلمون أهل الكنائس الذين كانوا يبنون الكنائس ومعابد النصارى فيرفعون عليها الصليب؛ فرفع المسلمون عليها الهلال وصار المسلمون يراغمونهم في كثير من الأمور حتى لما جاء الصليب الأحمر وضع المسلمون الهلال الأحمر وهكذا.
أشار الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلى ما رواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن عاصم عن زر عن حذيفة قال: «تسحرنا مع رسول الله فقال: «هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع» وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ بل الصحيح وقفه على حذيفة ولفظه عند النسائي وغيره من حديث شعبة عن عدي عن زر قال: «تسرحنا مع حذيفة ثم خرجنا إلى الصلاة فما أتينا المسجد صلينا ركعتين فأقيمت الصلاة وليس بينهما إلا هنيهة» وكذا رواه إبراهيم عن صلة عن حذيفة، وقال النسائي في الكبرى: لا أعلم أحدًا رفعه إلا عاصم. وقال الجوزقاني في كتابه الأباطيل: هذا حديث منكر، وهذا الحديث كما قال الجوزقاني ولكن الجوزقاني إذا استنكر الجمع بين الأدلة أو رأى أن هذا الحديث لا يوائم الأحاديث الأخرى الصحيحة قال عنه باطل، وقد نبه على هذا غير واحد منهم ابن حجر في الإصابة.
وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أيضًا قال: وروى ابن المنذر عن علي ﵁ بإسناد صحيح أنه صلى الصبح ثم قال: «الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود» وقال: إسناده صحيح ثم ذكر كذلك أثرًا عن أبي بكر، ومعنى المنقول عن علي ﵁: أي تبيّنًا جليًّا كبيرًا لا يمنع
стр. 60
حصول أصل التبيّن قبلًا وإلا كيف يصلي الفجر بالليل ولا يرتفع الليل إلا بطلوع الفجر؟! ونقول: هذه الآثار قد ذكرها وسردها ابن حزم (١) عن الصحابة في أنهم يتسحرون مع طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر، وبعضها ليس بصريح بل أكثرها ليس بصريح، وسردها ابن جرير الطبري في تفسيره وسردها بعض المتأخرين كذلك، وقال ابن حزم: وقد جاء عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وحذيفة وزيد ابن ثابت وسعد بن وقاص. ا. هـ.
قلت: صح عن أبي بكر عن أبي شيبة والدارقطني، وعن أبي هريرة صح موقوفًا واللفظ الوارد عن أبي هريرة هو اللفظ الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أذن المؤذن والإناء على يد أحدكم فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» ولكن الصحيح وقفه على أبي هريرة كما قال أبو حاتم وغيره، وأما الأثر عن حذيفة تقدم الكلام عليه والصحيح فيه وقفه عليه، وكذلك روي عن ابن مسعود والصحيح وقفه عليه، وجاء في الباب أحاديث في بعضها ما يوهم أن النبي ﷺ تسحر بعد طلوع الفجر مثل حديث أبي هريرة وتقدم أنه موقوف، وجاء من حديث جابر وبلال وعمر ولا يصح رفعها وقد صححها بعض المتأخرين ولم يصب، وخلاصة الأمر فيما ورد عن الصحابة في مسألة السحور أو التسحر مع طلوع الفجر هو ما قاله عمرة بن ميمون كما رواه البيهقي بسند صحيح عنه قال: «كان أصحاب محمد ﷺ
стр. 61
أعدل الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا»، ونقول لو أنه قد صح عن صحابي أنه تسحر بعد الفجر نقول يكفينا كتال الله وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ .. وأقوال الصحابة يحتج بها إذا خفيت السنة أما إذا صادمت السنة فضلًا عن القرآن فإنها ترد، فهذا هو الأمر في هذه الآثار، وإنما ذكرتها لحاجة الطلاب إلى الحكم عليها؛ ولأن الحافظ ابن حجر ذكرها في الشرح.
стр. 62
١٨ - بابُ تَعجيل السحورِ
١٨٢٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [ر ٥٥٢]
الشرح:
وقع في نسخة العيني باب تأخير السحور وهو أصح ويحتمل تعجيله يعني: قبل الصلاة حتى تفوت فيكون فيه معنى التأخير من جهة والتعجيل من جهة.
أما الحديث فقد وقع في نسخة الكشميهني: «أدرك السحور» وأما رواية النسفي والجمهور أدرك السجود والمراد به الصلاة ولذلك قال الحافظ: وهو الصواب ويؤيده أن في الرواية المتقدمة في المواقيت «أن أدرك صلاة الفجر» فهذا هو الصحيح، وفي رواية الإسماعيلي «أن أدرك صلاة الصبح» فالصحيح «أن أدرك السجود» أي: الصلاة ولا يمكن أن يكون السحور لقوله كنت أتسحر فتكون سرعتي أن أدرك السحور، وهذا فاسد وذلك لأننا لو قلنا هذا ما استفدنا من الترجمة وهي تعجيل السحور؛ فالسياق يقتضي أن المزاد بإدراكه السجود.
في هذا الحديث من الفوائد: تأخير السحور وذلك لما جاء عن رسول ﷺ أنه كان يؤخر سحوره كما سيأتي وذلك حتى يكون أعظم في القدرة على الصوم.
стр. 63
١٩ - باب قدركم بين السحور وصلاة الفجر ؟
١٨٢١ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا قتادة عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ عَنْ زيْد بْن ثَابِتٍ ﵁ قال:
تَسَحَّرْنَا مَع النبي ﷺ ثُمَّ قَامَ إلى الصَّلاةِ قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأذَانِ وَالسُّحُورِ؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيةٍ.
الشرح:
فيه من الفوائد:
١ - ثبوت السحور بالسنة الفعلية كما هو ثابت في السنة القولية؛ فالنبي ﷺ أمر به وفعله ﵊.
٢ - فيه مشاركة الإنسان في سحوره والاجتماع عليه، ويقال: سَحُور وسُحُور وبعضهم قال ما معناه بالفتح: هو الأكل، وبضمها: هو الفعل، وهل يشرع الدعوة للسحور؟
الجواب: ورد فيه أخبار معلومة ومرسلة، ويكفي حديث زيد هذا، وقد أخرج عبد الرزاق (٤/ ٢٦٣) وابن أبي شيبة (٢/ ٦٦) عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال: سمعت ابن عباس يقول: دعاني عمر ﵁ أتسحر عنده، وأتغدى في رمضان .. الخ وسنده صحيح، فثبت أن ذلك سنة، والحمد لله.
٣ - فيه كرم النبي ﷺ حيث كان قد أطعم أصحابه حتى في هذا الوقت.
٤ - فيه تأخير السحور.
стр. 64
٥ - وفيه ما كان عليه السلف من التعبد حتى إنهم كانوا يحبسون بعض الأوقات بالآيات لاشتغالهم بها أو إدمانهم قراءتها.
مسألة: قوله: «كان بين الأذان والسحور قدر خمسين آية» هل المراد الأذان والسحور أم السحور وإقامة الصلاة؟
الجواب: المراد بين السحور والإقامة؛ لأنه إذا كان بين السحور والأذان خمسين آية لكان فيه تقديم السحور بعض الشيء، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا.
هل المراد بخمسين آية: آية طويلة أم قصيرة؟
الجواب: أن هذه النصوص إذا أطلقت فالمراد بها الآيات المتوسطة.
стр. 65
٢٠ - باب بركة السحور من غير إيجاب
لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور
١٨٢٢ - حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ واصل فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم قالوا: إِنَّك تُوَاصِلُ؟ قَالَ «لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى». [١٨٦١]
١٨٢٣ - حدثنا آدم بن إياس حدثنا شعبة حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً».
الشرح:
فيه من الفوائد:
أن السحور متسحب وانتزع البخاري عدم وجوبه من مسألة المواصلة وهي: أن يصوم الرجل يومين فأكثر لا يطعم بينهما شيئًا فلو كان السحور واجبًا لما واصل النبي ﷺ ولم يقر أصحابه على المواصلة وهذا أقوى دليل على عدم وجوب السحور ففيه رد على ابن حزم ومن قال بقوله.
فيه تبيين معنى الأمر أنه للندب لقوله: «تسحروا فإن في السحور بركة».
قوله: «في السحور بركة» البركة هذه لأسباب:
١ - امتثال أمر النبي ﷺ وحسبك بها بركة فالخير كله والبركة والنفع في إتباعه ﷺ .
стр. 66
٢ - مخالفة لأهل الكتاب كما قال ﷺ عند: «فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر» أخرجه مسلم. والبركة في مخالفتهم وعدم التشبه بهم.
٣ - ومن صور البركة أن فيه إرفاقًا بالنفس وإجمالًا لها.
٤ - المعاونة على طاعة الله فإن هذا السحور معونة على عبادة عظيمة وكل ما كان معينًا على الطاعة فهو بركة، فينبغي أن يستشعر الإنسان هذا عند التسحر وإذا علم هذا فإنه قد تفوت هذه البركة ويفوت هذا الامتثال عند من يقدم السحور مبكرًا فإن بعض الناس قد يتسحرون في نصف الليل أو قبله بقليل فكل هؤلاء لم يصيبوا السنة بل أخطأوها.
стр. 67
٢١ - باب إذا نوى بالنهار صومًا
وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا قال: فإني صائم يومي هذا وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة ﵃.
١٨٢٤ - حدثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ «إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ ... - أَوْ فَلْيَصُمْ - وَمَنْ لَمْ يَاكُلْ فَلا يَاكُلْ». [١٩٠٣، ٦٨٣٧]
الشرح:
معنى قوله: «باب إذا نوى النهار صومًا» يعني: هل يصح صومه أو لا؟ ثم علق عن أبي الدرداء وأبي طلحة وأبي هريرة وابن عباس وحذيفة بأنهم عقدوا النية من النهار كما فعل أبو الدرداء.
ثم ذكر الحديث الثلاثي السند، وعدد الثلاثيات في البخاري اثنان وعشرون حديثًا وهي من هذا الطريق ومن طريق مكي بن إبراهيم كلاهما عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع وجاءت من مسند أنس وعبد الله بن بسر، والثلاثيات في البخاري هي التي يكون فيها بين البخاري وبين النبي ﷺ ثلاثة رجال وهي أعلى ما وقع للبخاري.
شرح الحديث:
هذا الحديث كان في يوم عاشوراء، وعاشوراء كان واجبًا صيامه في أول
стр. 68
الإسلام ثم نسخ بصيام شهر رمضان وبقي صيام عاشوراء مستحبًا.
وانقسم العلماء في تبييت النية في الصيام إلى ثلاثة أقسام:
القول الأول: يجزئ أن يعقد النية قبل نصف النهار في الفرض والنفل سواء، فلو نوى قبل نصف النهار - سواء كان نفلًا أو فرضًا - صح منه وهذا هو مذهب الأحناف.
القول الثاني: أنه لابُدَّ من تبييت النية سواء كان نفلًا أو فرضًا.
القول الثالث: أن الفرض لابد فيه من تبييت النية أما النفل فيجزئ فيه النية من النهار وهذا هو الصحيح وهو الذي عليه عمل الصحابة ويدل عليه ما أخرجه مسلم من حديث عائشة وقد صح عن عشرة من الصحابة أنهم يعقدون النية في صيام النفل في النهار، ولا يعرف لهم مخالف.
وأما إيجاب تبييت النية في الليل للفرض ففيه الحديث الذي رواه أهل السنن من حديث حفصه وابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: «من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له» وهذا الحديث مختلف في رفعه ووقفه والصحيح أنه موقوف ولكن مثله لا يقال بالرأي فيحمل على الفرض وما جاء عن الصحابة بيَّن أن النفل فيه سعة وعلى هذا كان القول الراجح أن النفل إن صامه من النهار أجزأ حتى ولو لم يعقد النية إلا قبل غروب الشمس بلحظة بشرط ألا يكون أكل أو شرب قبل ذلك.
مسألة: متى يبدأ الأجر لمن نوى الصوم بالنهار هل يكون من أول النهار أو من حين نوى؟
الجواب: فيه قولان والصحيح أن الأجر يبدأ بصيام النفل من حيث
стр. 69
نوى كما قال الإمام أحمد وشيخ الإسلام وشيخنا ابن باز لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات».
مسألة: هل يجزئ عقد النية بعد نصف النهار؟
الجواب: يجزئ عقد النية بعد نصف النهار على الصحيح، وحديث عائشة في صحيح مسلم يدل على أن صيام النفل يجوز النية فيه من النهار؛ لأن لفظ حديث عائشة عند مسلم وهو لم يقع للمؤلف هنا قالت عائشة ﵂ دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا قال: «فإني إذًا صائم» ففيه الدلالة من وجوه:
١ - أن الفاء هنا سببية والمعنى: أني صائم لأنه ليس عندكم طعام، فهذا فيه دلالة على أن عقد النية كان في النهار.
٢ - أنه لو كان ﵊ مجمعًا الصيام من الليل لم يأت حتى يسأل عن الطعام، وهذان الوجهان ذكرهما شيخ الإسلام في شرح العمدة، والاستدلال بحديث عائشة ظاهر وقد رأيت كتابًا لبعض المتأخرين في أحكام النية نصر فيه القول أن النفل لابد فيه من تبييت النية من الليل وهو خلاف ظاهر حديث عائشة وخلاف المنقول عن الصحابة ونحن نستدل بأقوال الصحابة لأمرين:
١ - لبيان السنة إذا خفيت.
٢ - أو لتأييدها إذا ظهرت.
ودائمًا ينبغي لطالب العلم أن تكون أقوال الصحابة وأفعالهم بين يديه فلا يغفل عن هذا.
стр. 70
مسألة: أن من أنواع الصوم الذي لابد أن يكون النية فيه مبيتة من الليل النفل المقيد مثل صوم عاشوراء والستة من شوال وصيام عرفة فهذه على الصحيح لابد من تبييت النية من الليل؛ لأن هذا نفل مقيد والنفل المقيد لابد فيه من تبييت النية من الليل ومثل هذا النفل في الصلاة كالسنن الرواتب فلابد فيها من النية من أول لحظة فيها - نية التقييد - فلو أن إنسانًا صلى ثم لما قضى الركعة الأولى قال أريد أن أجعلها سنة الفجر نقول لا تنفعك هذه؛ لأن الأعمال بالنيات وأنت لم تنو هذه ولابُدَّ في العبادة المقيدة أن تكون النية من أولها إلى آخرها بنية هذه العبادة المقيدة.
стр. 71
٢٢ - باب الصائم يصبح جنبا
ص ٧٠
١٨٢٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن قال: كنت أنا وأبي حين دخلنا على عائشة وأم سلمة (ح) حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.
وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة ومروان أن يومئذ على المدينة فقال أبو بكر: فكرة ذلك عبد الرحمن ثم قدر لنا أن نجتمع بي الحليفة وكانت لأبي هريرة هنالك أرض فقال عبد الرحمن لأبي هريرة. إني ذاكر لك أمرًا ولولا مروان أقسم عليَّ فيه لم أذكره لك فذكره قول عائشة وأم سلمة فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهن أعلم.
وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: كان النبي ﷺ يأمر بالفطر. والأول أسند. [١٨٢٩، ١٨٣٠]
стр. 72
الشرح:
معنى الترجمة: يعني هل يصح صومه أم لا ما الحكم في ذلك؟
ثم ذكر قصة أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حينما سمع عبد الرحمن هذا الحديث من أبي هريرة ثم أمره مروان بأن تثبيت يسأل عائشة وأم سلمة ثم بين أبو هريرة في آخر باب أنه حدثه الفضل بن عباس في منه الجنب من الصوم إذا أصبح جنبًا ولعل حديث أبي هريرة عن الفضل كان في أول الإسلام ثم نسخ، ولعله فات أبو هريرة ذلك وسها عن دلالة القرآن في هذه المسألة فضلًا عن دلالة السنة كما في حديث عائشة وأم سلمة أن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم ووجه دلالة القرآن أن الله قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ... . الآية، ويلزم من استدامة الجماع أن يطلع الفجر وهو جنب ولهذا ذكر أهل العلم أن الإنسان إذا طلع عليه الفجر وهو جنب من جماع أهله أو كان مجامعًا مع أهله ثم نزع مع طلوع الفجر فصومه صحيح مع أن النزع وقع مع طلوع الفجر والتبين لكن إن نزع في الحال فلا شيء عليه وإذا استدام فإنه كالوطء بعد التبين وفيه كما سيأتي التحريم والكفارة فدلالة القرآن في جواز طلوع الفجر والإنسان جنب ظاهرة؛ لأنه إذا أبيحت المباشرة وهي الجماع إلى طلوع الفجر لزم منها ضرورة أن يصبح جنبًا، والمباشرة سيأتي أنها في القرآن تدل على الجماع فكل مباشرة في القرآن فالمقصود بها الجماع، وأيضًا قول أم سلمة وعائشة: «وهو جنب» فيه التصريح بذلك وقولها كما وقع للمصنف «كان يصبح وهو جنب من أهله من غير حلم»
стр. 73
وسيأتي إن شاء الله، فقولها من غير حلم هذا بيان للواقع من أن النبي ﷺ لم يكن يحتلم وليس له مفهوم بل هو وصف كاشف للنبي ﷺ أن الجنابة منه تكون من جماع.
وذكر العلماء: أن من خصائص رسول الله أنه لا يحتلم ووجه ذلك أن رسول الله إذا نام تنام عينه ولا ينام قلبه فلو خرج منه شيء في المنام لكان يعقل ذلك ويعلم ومعلوم أنه لا يكون هذا؛ لأن رسول الله هو أول من يتمثل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، وأجاز بعض العلماء الاحتلام على الأنبياء وقالوا هذا الماء فضله يدفعها الجسم عند الحاجة في المنام ذكر ذلك ابن كثير وغيره ولكن الأول أقرب للصحة.
قوله: «لتقرعن بها أبا هريرة» معناها: أي تخبره بهذا الأمر.
الفوائد:
١ - أن الإنسان له أن يصبح جنبًا سواء من جماع أو احتلام ويصح صومه فرضًا كان أو نفلًت ومثله المرأة في الحيض إذا طلع عليها الصبح وقد انقطع دمها بالليل ولم تغتسل حتى طلع الفجر فيصح صومها.
٢ - رجوع الصحابة إلى الحق بعد أن يعلموا به.
٣ - أن الإنسان يبين حجته عند حصول الخلاف، فأبو هريرة بين حجته قال: حدثني الفضل بن عباس ثم قال بعد ذلك هن أعلم.
٤ - أن الصحابي قد يخفى عليه دلالة قرآنية ظاهرة كدلالة اللزوم.
стр. 74
٢٣ - باب المباشرة للصائم
وقالت عائشة ﵂: يحرم عليه فرجها
١٨٢٦ - حدثنا سليمان بن حرب قال: عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت:
كان النبي ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكُمْ لإِرْبِهِ.
وقال: قال ابن عباس: ﴿مَآرِبُ﴾ [طه: ١٨] حَجَات.
قال طاوس: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] الأحمق لا حاجة له في النساء. [١٨٢٧]
الشرح:
في حديث عائشة أن المباشرة والتقبيل مباحتان للصائم لقول عائشة ﵂: «كان يقبل ويباشر وهو صائم» ومعنى قوله: وهو صائم: هذه جملة حالية أي حال كونه صائمًا.
ومعنى قوله: «كان أملككم لإربه»: أي حاجته بأنه يستطيع ﵊ أن يمتلك نفسه بأن لا يتدرج به الأمر إلى الجماع.
وإذا كانت الوسيلة تؤدي إلى المفاسد فلا تجوز هذه الوسيلة والغاية ممنوعة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد فالذي يخاف الجماع عند المباشرة والتقبيل؛ فإنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، والذي يستطيع أن يتمتع بالمباشرة والتقبيل من غير أن يجامع فهذا جائز له.
стр. 75
وقول جابر بن زيد في الباب الذي يليه: إن نظر فأمنى فإنه يتم صومه، نقول مسألة الإمناء بالنظر تنقسم إلى أقسام:
١ - أنه إذا كان هذا النظر من نظرة عفا عنها الشارع كنظرة الفجأة أي النظرة الأولى، وهذا قد يحصل للإنسان فإذا أمنى في هذه الحالة فإن صومه صحيح.
٢ - أنه إذا كرر النظر فأمنى فإن جمهور أهل العلم على أن صومه يفسد إذا أنزل لأنه غير مأذون له في النظرة الثانية.
مسألة:
إذا أمنى بالفكر من دون أي عمل فإنه ليس عليه شيء وصومه صحيح؛ لأن الفكر معفوٌ عنه كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله قد عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم».
فلو قدر أن إنسان أخذ يفكر وأنزل بالفكر دون أن يكون معه أدنى عمل من لمس ذكر أو تقلب على فراش وغيرها فإن قدر أنه أنزل بهذه القيود فلا بأس بذلك وقومه صحيح أما إذا أنزل بعد التقبيل أو المباشرة أو تكرار النظر فإن صومه يفسد بذلك ولكن ليس عليه كفارة إنما الكفارة في الجماع.
مسألة:
المذي هل يفطر صاحبه إذا خرج؟
الجواب: الصحيح أنه لا يفطر إذا خرج منه لعموم البلوى به، وأيضًا