Полный текст (213 стр.). Показаны 176–213 · переход к 181.
стр. 176
مسألة:
هل إذا صام الإنسان الدهر- أي صام السنة - وأفطر أيام العيدين وأيام التشريق يخرج عن كونه صائمًا الدهر؟
الجوب قال بعضهم: إذا أفطر أيام العيدين وأيام التشريق خرج من صوم الدهر، وهذا باطل وليس بصحيح فهذه مستثناة ولا مجال لصومها ونهي النبي ﵊ ليس من أجل أن يصوم هذه الأربعة أيام أو الخمسة إنما النهي عن سرد الصوم الذي يوقع في ما يوقع فيه فالصحيح أن إفطار هذه الأيام التي يجب الفطر فيها لا يخرج عن كونه صائمًا للدهر وبكل حال إذا أوقع صوم الدهر في ترك واجب أو تفويت حقًّ أو ضرر فإنه يكون محرمًا لا إشكال في ذلك.
مسألة:
فإن قال قائل: قد جاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر»، وأخبر أن صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان تعدل صوم الدهر فكيف يشبّه النبي ﷺ هذه الأعمال بصوم الدهر الذي قد نهى عنه؟
الجواب: المراد أنه يحصل على الثواب بهذه الأعمال بصوم يوم وإفطار يوم أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر أو صيام رمضان مع ستًّ من شوال يحصل له أجر صوم الدهر وأما صوم الدهر كله فليس بمشروع فكأن الشارع يقول: إذا أردتم أن تصوموا وتحصلوا على ثواب صيام الدهر فصوموا هذه الأيام التي أخبرتكم فيحصل لكم أجر صوم الدهر، فليس فيه
стр. 177
الإقرار بمشروعية صيام الدهر، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «السباعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «كمثل الصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر» فإنه ليس المقصود بأن الصوم مع عدم الفطر مشروع وإنما كان المقصود أن السعي على الأرملة والمسكين يقوم مقام الأجر الذي لا يطيقه أحد وهو يسير.
стр. 178
٥٧ - بَابُ حَقَّ الأَهْل فِي الصَّوْمِ
رَوَاهُ أَبو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبيَّ ﷺ
(١٨٦٧)
١٨٧٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىًّ أَخْبَرَنَا أَبو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو ﵃ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلَّى اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلاَ تُفْطِرُ وَتُصَلَّي؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا» قَالَ: إِنَّي لأَقْوَى لِذَلِكَ قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇) قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى» قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ الله؟ قَالَ عَطَاءٌ: لاَ أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ مَرَّتَيْنِ». [١٠٧٩]
الشرح:
قوله: (من لي بهذه يا رسول الله؟) المقصود بذلك أنه إذا لاقى العدو لا يفر وإلا الصيام يطيق العبد أكثر من ذلك لكن لما قال: (ولا يفر إذا لاقى) قال: من لي بهذه.
مسألة:
إذا كان الولد يكثر من الصيام التطوع وأمره والداه بالفطر فهل يلزمه أم لا؟
стр. 179
الجواب: نعم لأن طاعة الوالدين واجبة والصوم مستحب، وقد يقال:
إن كان هذا الصيام أوقع الولد في شيء محرم تجاه الوالدين كعقوقهما أو ترك واجب أو فعل محرم فحينئذ يجب وإلا فلا، وبكل حال المسألة محتملة فهي إما مستحبٌّ أو واجب لكن إذا أخلَّ بحقوق الوالدين فإنه يجب عليه الفطر وقد ذكر جمع من الحنابلة ضوابط مهمة لطاعة الوالد والزوج كصاحب الإنصاف والفروع وذلك في شروط وجوب الحج، وبكل حال إذا منع الوالد ولده من طاعة مستحبة، أو ما فيه منفعة للولد في أمر دين أو دنيا - وليس للوالد في المنع غرض صحيح - فلا طاعة، وللشيخ تقي الدين كلام حسن فليراجع فيما أشرت إليه وغيره.
قوله: (لا صام من صام الأبد) يعني: ليس له صيام، فقد أتعب نفسه في غير طاعة الله، ويحتمل أنه دعاء عليه.
فائدة:
هذه التراجم التي مرت معنا فيها شيء من التكرار والمؤلف: يكرر بعض الأحاديث لكي يستقر المعنى عند الطالب والدارس.
стр. 180
٥٨ - بَاُب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵃، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ» قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَازَالَ حَتَّى قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا» فَقَالَ: «اقْرَأ القُرْآنَ فِي كُلَّ شَهْرٍ» قَالَ: إِنَّي أُطِيقُ أَكْثَرَ فَمَازَالَ حَتَّى قَالَ: «فِي ثَلاَثٍ». (١٠٧٩)
стр. 181
٥٩ - بَابُ صَومْ دَاوُدَ ﵇ -
١٨٧٨/ ١٨٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ المَكَّيَّ - وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لاَ يُتَّهَمُ فِي حَدِيِثهِ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵃ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ» فَقُلْتْ: نَعَمْ قَالَ: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ صَوْمُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلَّهِ» قُلْتُ: فَإِنَّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «فَصُمْ صَوْمْ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى».
(١٨٧٩) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله عَنْ خَالدٍ الحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبو المَلِيح قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو فَحَدَّثَنَا: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي فَدَخَلَ عَلَىَّ فَألقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ آدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ وَصَارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقَالَ: (أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ؟) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله قَالَ: (خَمْسًا) قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله قَالَ: (سَبْعًا) قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله قَالَ: (تِسْعًا) قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله قَالَ: (إِحْدَى عَشْرَةَ)، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لاَ صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇ شَطْرَ الدَّهَرِ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا). (١٠٧٩)
الشرح:
مثل ما تقدم أن صوم داود هو أفضل الصيام ولكن إذا صادف هذا اليوم
стр. 182
الذي يصومه يوم العيد فإنه يفطر وجوبًا ويكمل عادته بعد ذلك.
قوله: «فألقيت له وسادة من آدم حشوها من ليف» يعني النبي ﷺ وجعلها بينه وبين عبد الله بن عمرو، وقد روى الترمذي من طريق عبد الله بن مسلم عن أبيه عن ابن عمر أن ثلاثة لا ترد «الوسادة والدهن واللبن» ظاهر إسناده لا بأس به لكن قال أبو حاتم: منكر، وحديث الباب فيه أن النبي ﷺ رد الوسادة؟
الجواب: نقول على كل حال الوسادة والدُّهن واللبن كلها ترد إذا كان لسبب من الأسباب، أما بلا سبب فينبغي قبولها، والنبي ﷺ يقول: «إذا عرض على أحدكم ريحانة فلا يردها فإنه طيب الرائحة خفيف المحمل»، فإذا عرض على الإنسان وسادة أو دهن أو لبن فإنه يقبلها بغض النظر عن حديث ابن عمر في الترمذي الذي قال عنه أبو حاتم: منكر وذلك لما في قبولها من الألفة بين الإخوان والمحبة بينهم.
стр. 183
٦٠ - بَابُ صِيَام أَيَّامِ البيضِ ثَلاثَ عَشْرَةَ وأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ
١٨٨٠ - حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أبو التياح قال: حدثني أبو عثمان عن أبي هريرة ﵁ قال: أَوْصَانِي خَلِيِلي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَي الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. [١١٢٤]
الشرح:
المؤلف: في هذا الباب قال: «باب صيام أيام البيض ثم ذكر ١٣ - ١٤ - ١٥» وليس في الحديث هذا ما يدل على تعين صيام هذه الأيام ولكن هذه طريقة البخاري أنه يذكر شيئًا يرى أنه محفوظ لكنه لا يصح على شرطه أو أنه مذكور في بعض طرق الحديث وهذه هي طريقته: فالقدر المحفوظ في الأحاديث التي في الصحيحين صيام ثلاثة أيام من كل شهر من غير تعيين لا في أوله ولا في آخره وإنما هي مطلقة من كل شهر فإن الإنسان إذا صام من أول الشهر أو أوسطه أو آخره كفته، ولكن قد ورد تحديد هذه الثلاثة أيام من كل شهر فيما يسمى بأيام البيض وهي (١٣ - ١٤ - ١٥ (وسُميت بيضًا؛ لأن لياليها مقمرة فكان اليوم مضيئًا والليل مقمرًا فكانت بِيضّا وهذه ورد فيها أحاديث منها حديث أبي هريرة وأبي ذر واختلف فيه اختلافًا كثيرًا وكذلك جاء حديث جرير يرويه النسائي من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق السبيعي عن جرير، فإن كان سمع أبو إسحاق هذا الحديث من جرير؛ فالحديث صحيح، ولقد قال ابن حجر في الفتح عن هذا الحديث:
стр. 184
إسناده صحيح، وبكل حال ينظر في سماع أبي إسحاق من جرير، وإلا هو قد أدركه فقد ولد أبو إسحاق سنة ٣٢هـ أو قبلها بقليل، وقيل: سنة ٣٣هـ، وجرير تُوفي على قول خليفة سنة ٥١هـ، فالإدراك ظاهر، لكن الكلام في السماع، ولم يتيسر لي تحرير ذلك للشغل، لكن على طريقة البخاري وشيخه والمحققين لابُدَّ من السماع وهو الحق.
وقد صح عن عمر وغيره كما روى ذلك ابن جرير في «تهذيب الآثار» بإسناد صحيح أن عمر كان يصومها فقد روى ابن جرير في تهذيبه (مسند عمر ٢/ ٨٥٦) عن ابن بشار وابن المثنى كلاهما عن محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس عن صوم الأيام البيض. فقال: كان عمر يصومهن. وموسى بن سلمة الهذلي وثقه أبو زرعة وغيره وأخرج له مسلم، وأخرجه ابن جرير أيضًا من طريق هشام عن قتادة به مثله وروي عن ابن مسعود بإسناد قوي نحوه. ولو لم يكن في الباب إلا أن عمر يصومها لكان كافيًا مع ما فيه من الآثار المرفوعة المتقدم ذكرها، ونقول السنة تثبت بأقل من هذه الآثار.
وظاهر اختيار المؤلف أن هذه الأيام لابُدَّ أن تكون في أيام البيض.
فالصحيح أن صيام (١٣ - ١٤ - ١٥) من السنن ولذلك فقد عمل بها الصحابة مع ما ذكرنا من الآثار والكلام فيها.
مسألة:
ما حكم الصيام الجماعي وقيام الليل الجماعي كأن يتفق بعض الأصحاب على أن يصوموا يومًا كيوم الاثنين أو يقوموا الليل بأن يجتمعوا
стр. 185
ويقوموا إحدى الليالي؟
الجواب: هذا الفعل الأصل فيه أنه بدعة فالاتفاق على الصيام أو الاتفاق على القيام فهذا كله غير مشروع، ولا نعلم أن السلف كانوا يفعلون هذا لكن لو حصل هذا الأمر بدون تواطؤ كأن يصلي إنسان ويأتي أخوه ويصلي معه كما حصل هذا في وقائع مع رسول الله ﷺ مع حذيفة وابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة فهذا لا بأس به، أما الاجتماع والاتفاق على صلاة بقراءة مقدرة أو ليالي معينة أو صيام ما شرع صومه على سبيل جماعي فهذا غير مشروع، ولكن لو صاموا أو أفطروا عند شخص فهذا لا بأس وإنما الكلام على الاتفاق أما الحثُّ وما أشبه ذلك فلا إشكال فيه فالإنسان يحثُّ بما جاء عن رسول الله أما الاتفاق فهذا أمر آخر والله أعلم.
стр. 186
٦١ - بَابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ
١٨٨١ - حدثنا محمد بن المثني قال: حدثني خالد - هو ابن الحارث - حدثنا حميد عن أنس ﵁:
دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ: «أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ»، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا فَقَاَلتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً قَالَ: «مَا هَيَ؟» قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ ولاَ دُنْيَا إِلاَّ دَعَا لِي بِهِ قَالَ: «اللهمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ» فَإنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالًا وَحَدَّثَتنْيِ ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ.
حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب قال: حدثني حميد سمع ﵁ أنسًا عن النبي ﷺ . [٥٩٧٥، ٥٩٨٤، ٦٠١٧، ٦٠١٨]
الشرح:
نقول: الطريق الثاني أراد منه المؤلف أن حميدًا صرح بالسماع من أنس.
شرح الحديث:
قد أجاب الله تعالى دعوة نبيه ورزق الله أنسًا مالًا كثيرًا وكان له بستان ينتج في السنة مرتين من التمر وأكثر الله له الولد حتى أنه مات له في حياته
стр. 187
بضع وعشرون ومائة من الولد والأحفاد ماتوا عند مقدم الحجاج للبصرة.
الفوائد:
١ - زيارة النبي لأمته وتعهد لأصحابه فيؤخذ منها زيارة العلماء والرؤساء لبعض الرعية للمصلحة وأن النبي ﷺ قد تكررت زياراته لأصحابه فقد زار أم سليم وأبا طلحة وعتبان بن مالك.
٢ - أن الضيف الصائم المتنفل يشرع له الأكمل من: الصوم أو الفطر والنبي ﷺ في هذا الحديث كان صائمًا واستمر في صيامه وقال: «أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم»، ويشرع له إذا كان صائمًا أن يصلي، والمراد بالصلاة هنا الدعاء، فإذا كان الصيام فرضًا فلا إشكال فيه أنه يدعو، أما إن كان الصيام نفلًا فله الخيار إن شاء طعم وإن شاء دعا لهم واعتذر.
٣ - فيه منقبة لأنس ﵁ أن النبي ﷺ دعا له فأصابته الدعوة النبوية.
٤ - فيه الصلاة عند المزور وذلك أن النبي ﷺ قام في ناحية من البيت وصلى صلاة غير المكتوبة.
٥ - طلب الدعاء من الصالحين؛ لأن أم سليم قالت: إن لي خويصة ثم قالت: خادمك أنس أي: ادع له فدعا له النبي ﷺ بعد النافلة فالدعاء بعد النافلة بناء على هذا الحديث يدل على أنه أفضل؛ لأنه أقرب للإجابة والنبي ﷺ صلى ركعتين، ثم سلم، ثم دعا له.
لكن هل يشرع أن يرفع يديه ويدعو بعد كل نافلة كما يفعل بعض
стр. 188
الناس؟
الجواب: لا، إنما أحيانًا ولشيء عارض لا راتب، فلم يعرف عنه ﷺ لزوم الدعاء عقيب كل نافلة.
٦ - وفيه الدعاء من أهل الصلاح والتقى.
مسألة:
هل يكون هذا ديدن كل إنسان إذا لقي صاحبه قال: ادع لنا؟
الجواب: هذا لا يعرف من هدي السلف وإنما جاء هذا في وقائع يسيرة في قصة أويس القرني أن النبي ﷺ أخبر أنه: «يقدم عيكم من أمداد اليمن فإن استطعتم أن يدعو لكم» ففعل ذلك عمر.
ووقع أيضًا وقائع يسيره وقال النبي في الدعاء بعد الأذان: «ثم اسألوا لي الوسيلة فمن سأل لي الوسيلة؛ حلَّت له شفاعتي يوم القيامة».
قال شيخ الإسلام: في هذا الحديث وغيره أن الإنسان إذا أمر أخاه بأن يدعو له فإنه ينوي نفعه لكي لا يكون من السؤال المذموم.
وقال: الأصل في طلب الدعاء أنه من سؤال الناس وسؤال الناس مذموم لكن إذا نوى نفع هذا الداعي فإنه يخرج من السؤال المذموم ولا بأس به.
وقال النبي ﷺ هنا: «فمن سأل لي الوسيلة؛ حلَّت له شفاعتي» فهو يستفيد من الدعاء فلا يقول الإنسان: ادع لنا يا فلان ويريد نفع نفسه فقط، فيكون داخلًا في السؤال المذموم بل ينوي نفع صاحبه بأنه يكون له بالمثل.
أما الحديث الذي رواه الترمذي لما قال النبي ﷺ لعمر: «لا تنسنا من
стр. 189
دعائك يا أُخي». هذا الحديث ضعيف، فيه عاصم بن عبيد الله ضعيف عند الجماهير لكن العمدة على غيره، على التفصيل المتقدم.
стр. 190
٦٢ - بَابُ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ
١٨٨٢ - حدثنا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌ عَنْ غَيْلاَنَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلاَنُ بْنُ جَرِيرٍ عَن مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃، عن النبي ﷺ أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ فَقَالَ: «يَا أَبَا فُلان! أَمَا ثَمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ قَالَ الرَّجُلُ: لاَ يَا رَسُولَ الله قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ» لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُهُ يَعْنِي رَمَضَانَ.
قال أبو عبد الله: وقال ثابت عن مًطرفٍ عنْ عِمْرَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ.
هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ سأل رجلًا هل صمت سرر هذا الشهر؟
ومعنى السرر: ظاهر اختيار المؤلف أن السرر هو آخر الشهر، وفي متابعة ثابت عن مطرف أن المراد به من سرر شعبان - يعني: آخر شعبان.
شرح الحديث:
هذا الحديث محمول على أن هذا الرجل له عادة من صيام آخر الشهر فتركها فأمره النبي ﷺ أنه إذا أفطر من رمضان أن يقضيها، ويحتمل أن سرر الشهر أي وسطه من السرة وهذا رجَّحه بعض أهل العلم ولكن ظاهر اختيار المؤلف أنه آخر الشهر وعلى القول بأنه في وسط الشهر يكون هذا
стр. 191
الحديث شاهدًا للأيام البيض ولكن ظاهر اختيار المؤلف أنه آخر الشهر.
وسمى سررًا لاستسرار القمر فإن القمر يكون في آخر الشهر يستسر ليلة أو ليلتين أو ثلاثة كما قال أبو العباس.
المقصود أن هذا الحديث يحمل على محمل صحيح؛ لأنه قد جاء النهي عن الصيام آخر شعبان إلا رجل كان له عادة: «رجل كان يصوم صومًا فليصمه» فيحمل هذا الرجل على أنه كان له عادة فتركها فأمره النبي ﷺ بقضائها والله أعلم.
стр. 192
٦٣ - بَابُ صَوْم يَوْمِ الجُمُعَةِ
«فَإِذَا أَصبْحَ صَائِمًا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ».
يَعْنِي: إِذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلاَ يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ بَعْدَهُ
١٨٨٣ - حَدَّثَنَا أَبو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ:
سألتُ جَابِرًا ﵁: نَهَى النَّبُّي ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.
١٨٨٤ - حّدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ».
١٨٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيى عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حّدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَاَدَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟» قَالَتْ: لاَ قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومي غَدًا؟» قَالَتْ: لاَ قَالَ: «فَأَفْطِرِي».
وَقَالَ: حَمَّادُ بْنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبو أَيُّوبَ أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ.
стр. 193
الشرح:
مسألة:
اختلف في صيام يوم الجمعة هل هو مكروه أو محرم؟
فأكثر أهل العلم على أنه مكروه كراهة تنزيه، والأقرب أن صيام يوم الجمعة محرم وقد صح النهي عن صيامه عن جماعة من الصحابة كعلي وأبي ذر وابن عمر وسلمان وأبي هريرة حتى قال ابن حزم في «المحلى»: ولا نعلم لهم من مخالف والصحابة ﵃ هم خير من يفسر السنة وحديث ميمونة شبه صريح في هذا فإن النبي ﷺ مع كونه نهى عن الصيام أمرها بالفطر فالصحيح أن يوم الجمعة لا يجوز صومه والمراد بذلك على سبيل الإفراد والتخصيص لذلك اليوم فقط.
شرح الحديث:
الزيادة في الحديث الأول: يعني قوله - أن ينفرد بالصوم - هذه جاءت مسندة عند النسائي وعلى هذا إذا صام الإنسان مع يوم الجمعة يوم الخميس أو السبت زالت الكراهة، لكن استثنى أهل العلم صورًا في جواز صيام يوم الجمعة منها:
أولاً: ما دل عليه النص كما في حديث جويرية بأن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده كما في حديث جويرية فإنه يباح له الصوم.
ثانيًا: أن يكون الإنسان يصوم يومًا ويفطر يومًا فصادف يوم الصوم يوم
стр. 194
الجمعة ويوم الفطر يوم الخميس ويوم السبت فصورة الإفراد واقعة ولكنه مستثناة من النهي لأنه ما قصد الإفراد بالجمعة.
ثالثًا: إذا كان صامه لأجل أنه عرفة لا من أجل أنه جمعة، وكذا لو كان عاشوراء.
رابعًا: إذا نذر يوم قدوم زيد أو يوم شفاء مريض فجاء زيد يوم الجمعة فإنه يصوم لأنه ليس مريد لصيام يوم الجمعة نفسها وإنما نذره وقع في ذلك اليوم.
مسألة:
هل من الصور الجائزة في صيام يوم الجمعة أنه إذا صامه الإنسان لأجل أنه لا يستطيع الصيام إلا فيه كأن يكون عند الإنسان عمل سائر الأسبوع وليس عنده راحة إلا يوم الجمعة فهل يجوز له ذلك؟
الجواب: نقول من نظر للعلة أنّ نهيه عن إفراده لأجل تخصيصه فإنه يجيز ذلك وهو اختيار شيخنا ابن باز وهو الصحيح، فإذا كان الإنسان صام يوم الجمعة لأجل أنه راحته فلا بأس. وقس على هذه الصور ما شابهها مما يكون السبب في صومه يوم الجمعة غير نية التخصيص فحينئذٍ نقول: إذا كان السبب الظاهر يمنع كون العبد أراد إفراد يوم الجمعة بالصوم فحينئذٍ يجوز لكن إذا صامه وحده لأجل التخصيص فالصوم باطل وهو آثم وإن لم يكن بلا سبب ظاهر، ولم يرد التخصيص فهو ممنوع أيضًا لظاهر الخبر ..
стр. 195
فائدة:
في حديث جويرية دلالة على ضعف حديث الصماء بنت يُسر في النهي عن صيام يوم السبت: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود فليمضغه» وهذا الحديث مضطرب ولا يصح، وقال بعضهم إنه منسوخ وبكل حال لا يصح ومما يدل على ضعفه أو نسخه ما رواه أهل السنن من حديث أم سلمة أنه كان أكثر ما يصوم يوم السبت والأحد فيقول: إنه عيد للمشركين وأحب أن أخالفهم وإسناده لا بأس به إن شاء الله، فالصحيح أن صوم يوم السبت يجوز صومه سواء منفردًا أو معه غيره وحمل بعض أهل العلم الحديث على صيام يوم السبت على وجه الإفراد وأما إذا ضمَّ إليه غيره فلا والصحيح أن الحديث لا يثبت.
стр. 196
٦٤ - بَابٌ هَلْ يَخصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ ؟
١٨٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْتَصُّ مِنَ الأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لاَ كَانَ عَمَلُةُ دِيِمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيِقُ مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُطِيقُ. [٦١٠١، وانظر: ١٨٦٩]
الشرح:
يعني: أن النبي ﷺ كان ربما يعمل عملًا طويلًا لكن قد جاء في بعض الأحاديث أنه يخصُّ بعض الأيام ويكون معنى قولها أغلبيًّا، فالغالب أنه يسرد أيام كثيرة يدخل فيها الاثنين وما شرع صيامه من غيره ولكن أحيانًا ربما خصَّ بعض الأيام والغالب أنه ﵊ كان يصوم صومًا كثيرًا ويفطر إفطارًا كثيرًا.
стр. 197
٦٥ - بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَرفَةَ
١٨٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ يَحْيَى عَنْ مَالِكِ قَالَ: حَدَّثّنِي سَالِمٌ قَالَ: حّدَّثَنِي عُمَيْرٌ مَوْلَى أُمّ الفَضْلِ أَنًّ أُمَّ الفَضْلِ حَدَّثَتْهُ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ الله عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ العَبَّاسِ عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيِرِهِ فَشَرِبَهُ. [١٥٧٥]
١٨٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلاَبٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ.
الشرح:
أيهما المرسل ميمونة أم أمُّ الفضل؟
في الحديث الأول: أن أمَّ الفضل هي التي أرسلت اللبن وفي الحديث الثاني: المرسلة ميمونة.
وأمُّ الفضل هي: أم ابن عباس ولكن الفضل كان أكبر فكانت تكنى به
стр. 198
وميمونة أخت أم الفضل، وأما المرسل فيحتمل أنهما أرسلتا جميعًا ويحتمل أن أم الفضل أمرت ميمونة فأرسلت ميمونة فيحتمل أن أحداهما أشارت على الأخرى بأن ترسل لبنًا والأخرى باشرت الإرسال، فشرب النبي ﷺ من اللبن فالحديث يدل على شرعية فطر يوم عرفة للحجاج وأنه لا ينبغي أن يصوم الإنسان هذا اليوم حتى يتقوى على الدعاء؛ لأنه لو صام الإنسان هذا اليوم لضَعُفَ ولترك عبادة أفضل من عبادة الصيام في مثل هذا الوقت في مثل هذه الحال لاسيما في وقت الحر.
مسألة: هل صح النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة؟
الجواب: هذا جاء عند أهل السنن إلا الترمذي من طريق مهدي العبدي الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة ولكن مهدي فيه ضعف. قال ابن معين: لا أعرفه: فالنهي عن صيامه لا يثبت كما قال العقيلي ولكن يقال: إن السنة ظاهرة بأنه لا يصام.
وقد صح عن عائشة وابن الزبير صيام يوم عرفة في الحج فقد أخرجه مالك في «الموطأ» وابن أبي شيبة وعلَّق عليه شيخنا ابن باز في شرح «الموطأ» حيث قال: «إنه من اجتهادنا ﵂» فظنت أنه لا بأس إذا لم يكن هناك مشقة ولكن الصحيح فعل السنة حتى وإن كان لا يوجد مشقة وفي غاية الراحة فالسنة حاكمة وليست محكومة فالسنة عند التنازع يفزع إليها.
стр. 199
مسألة:
إذا كان الإنسان غير حاجٍّ فصام يوم عرفة فله من الفضل بأنه يُكفِّر السن الماضية والقادمة ودليل ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة ولكن هذا الحديث ليس على شرط البخاري فلذلك لم يخرجه هنا، والله أعلم.
стр. 200
٦٦ - بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ
١٨٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَاليَوْمُ الآخَرُ تَاكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ.
قَالَ أَبو عَبْد الله: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ قَالَ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ قَالَ مَوْلى عَبدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدْ أَصَابَ. [٥٢٥١]
١٨٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَعَنِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. [٣٦٠]
الشرح:
الحكمة ظاهرة في النهي عن صيام يوم الفطر فإنه يوم يمتنُّ الله على عباده بتمام الشهر فشرع لهم الفطر على ما يسر من نعمه شكرًا لله وفرحًا بإتمام عبادة عظيمة. وهي حتى يفصل بين عبادة الصيام وبين الفطر فكما أنه نهي عن تقدم العبد رمضان بصوم يوم أو يومين فكذلك في أواخر رمضان يكون هناك فطر فيكون هذا اليوم قاطعًا، يميز الصيام عن الفطر
стр. 201
وهذا ما استقرت به الشريعة حتى يفصل العبد بين الفرض والنفل ولهذا نهي عن صلاة النافلة حين تقام صلاة الفريضة لكي لا يوصل النفل بالفرض، وكذلك نهي عن الصلاة بعد الصلاة وبعد الفرض حتى يتكلم أو يخرج كما في حديث معاوية عند مسلم وعلى هذا استقرت الشريعة.
أما في عيد الأضحى فأمروا بالإفطار لإظهار هذه الشعيرة وهي الأضحية والنحر؛ لأنه لو لم يؤمروا بالفطر لكان بعض الناس صائمًا فربما أخَّر الأكل إلى الليل فذهبت هذه الشريعة العظيمة وهذا معنى قول عمر: «يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم».
مسألة:
صيام يوم العيد لو وقع فهو باطل ولا يصح ولا يجزي عن نذر ولا قضاء.
شرح الحديث الثاني:
الصماء: هي أن يلتف الإنسان بالثوب عليه فيصبح كالقطعة الواحدة فربما تحرك فبدت عورته ولا يحتبي الرجل في الثوب الواحد؛ لأنه قد تكون عورته تجاه السماء مفتوحة وهو قد لفَّ الثوب على ظهره ورجليه فربما دنا منه أحد ورأى عورته والله أعلم.
стр. 202
٦٧ - بَابُ الصَّوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ
١٨٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرنَا هِشَامُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَا قَالَ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: يُنْهَى عَنْ صِيَامَيْنِ وَبَيْعَتَيْنِ: الفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالمُلاَمَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ. [٣٦١]
١٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ زِيَادِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ ﵃ فَقَالَ: رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الاثْنَيْنِ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ الله بِوفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا اليَوْمِ. [٦٣٢٧، ٦٣٢٨]
١٨٩٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ: سَمِعْتُ أَرْبَعًا مِنَ النَّبِي ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي قَالَ: «لاَ تُسَافِرِ المَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلًا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرمٍ وَلاَ صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلاَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَلاَ تُشَدُّ
стр. 203
الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذّا». [١١٣٩]
الشرح:
وهذا يتعلق أيضًا بما تقدم من النهي عن صيام يوم النحر فالنبي ﷺ نهى عن صيام يومين وفسرهما «الفطر والنحر».
شرح الحديث الأول:
نقول: ماذا فهم السائل من كلمة ابن عمر ﵃ «أمر الله بوفاء النذر ونهى الرسول ﷺ من صيام ذلك اليوم».
الجواب: فهم أنه يصوم هذا اليوم ويفي بنذره ولكن في غير يوم العيد هذا وإنما يصومه في يوم اثنين آخر ويفطر يوم العيد؛ لأن هذا الرجل ما نذر بأن يصوم يوم العيد وإنما قال: أصوم يوم الاثنين فوافق يوم العيد فحينئذٍ نقول: لا تصم يوم العيد؛ لأن منهي عن صيامه ولكن صم يوم اثنين آخر.
مسألة:
هل يجب على الإنسان كفارة إذا فوت يوم التعيين؟
الجواب: نقول «لا» لا يجب عليه كفارة وذلك لأنه فوت يوم التعيين من أجل تحقيق مطلب الشارع الذي هو عدم صيام يوم الاثنين الذي هو يوم العيد فإذا نقلته إلى يوم آخر فلا بأس بذلك فحينئذ نقول اقض هذا اليوم وليس عليك كفارة، بينما لو نذر أن يصوم يوم العيد وقال: نذرت أن أصوم يوم الاثنين الموافق يوم العيد وكان مستقرًّا عنده أن يوم الاثنين هو يوم
стр. 204
العيد فحينئذٍ نقول: هذا نذر معصية فلا يفي به ولكن هل عليه كفارة؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم.
الحديث الثاني: حديث أبي سعيد فقد رواه مسلم من طريق جرير عن عبد الملك بن عمير به وفيه: ولا يصح الصيام في يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان.
стр. 205
٦٨ - بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَاَ يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي: كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَصُومُ أَيَّامَ التَّشْريقِ بِمِنًى وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا.
١٨٩٤/ ١٨٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عِيسى بْنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالاَ: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيِقِ أَنْ يُصَمْنَ إلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ.
(١٨٩٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ:
الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى.
وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
الشرح:
أيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر وهي: الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر، وسُمِّيت أيام التشريق بذلك؛ لأنهم كانوا ييبسون اللحم ويشرقونه بالشمس حتى لا يفسد.
وهذه الأيام الثلاثة: الحادي عشر، الثاني عشر، والثالث عشر، أحكامها
стр. 206
كأحكام اليوم العاشر فهي أيام عيد وأيام ذبح فلا يجوز صيامها، وفي حديث نبيشة الهذلي عند مسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى» وروي نحوه عن كعب بن مالك، والدليل على أن هذه الأيام أيام عيد ما أخرجه صاحبا الصحيح عن عائشة أن النبي ﷺ كانت عنده جاريتان مغنيتان فدخل أبو بكر فنهرهما فقال له النبي ﷺ : «دعهما يا أبا بكر - وقد كانوا في أيام التشريق - فإنها أيام عيد» وتلك الأيام أيام منًى، فسماها النبي ﷺ أيام عيد فلذلك نهى عن صيامها.
مسألة:
لم يرخص في صيام أيام التشريق إلا لإنسان حجَّ متمتعًا أو قارنًا ولم يجد الهدي فإنه رخص له أن يصوم الثلاثة أيام التي ذكرها الله في الحج؛ حيث قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فالثلاثة أيام (١١ - ١٢ - ١٣)، فإن صام الإنسان هذه الثلاثة الأيام قبل ذلك أي من بداية إحرامه بالعمرة فالصحيح أنه تجزئه لكن لو يصمها إلا في الحادي عشر وما بعدها فإنه يرخص له في ذلك والسبعة الباقية إذا رجع إلى أهله.
مسألة:
وهي أن عائشة كانت تصوم أيام منَّى وكان أبوه - أي أبو هشام - وهو عروة ابن الزبير كان يصوم أيام التشريق أيضًا مع العلم أنها هي التي روت الحديث في النهي عن صيامها فقد جاء في حديث عائشة وحديث ابن عمر: «أنه لم يرخص في صيام أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي»، وظاهر اختيار
стр. 207
المؤلف: أنه يجوز صيام أيام التشريق وذلك لأنه أسند ذلك عن عائشة، وقال قبله: «باب صيام أيام التشريق» وهذا مستغرب فاختيار المؤلف هنا ليس بجيد وهو جواز صيام أيام التشريق لمن ليس له عذر والصحيح: أن صيام التشريق محرم ولا يستثنى في الدنيا إلا شخص حجَّ تلك السنة وكان متمتعًا أو قارنًا ولم يجد الهدي فإنه يجوز له صيام أيام التشريق، وأما المروي عن عائشة في صيامها فهو مشكل؛ لأنها هي التي روت النهي ومع ذلك كانت تصومها وكذلك عن عروة وهو الراوي عنها وهذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ من العلم فإنه قد يتأول وقد تخفى عليه السنة أو أنه ينساها فهذه الأيام لا يجوز صومها وصيام عائشة محل نظر والسُّنة هي الحاكمة ويعتذر عن عائشة ﵂ في ذلك أنه نسيت الحكم أو أنها متأولة بأنه خاصٌّ بالحاج الذي لم يجد الهدي ولكن حكمها عامٌّ لا يجوز صيامها للحاج وغير الحاج ويستثنى من ذلك الحاج الذي كان قارنًا أو متمتعًا ولم يجد الهدي.
стр. 208
٦٩ - بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
١٨٩٦ - حَدَّثَنَا أَبو عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: «إِنْ شَاءَ صَامَ». [١٧٩٣]
١٨٩٧/ ١٨٩٨ - حَدَّثّنَا أَبو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَمَرَ بِصِيَام يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
(١٨٩٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. [١٥١٥]
١٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵃ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى
стр. 209
المِنْبَرِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ المَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «هَذّا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبِ الله عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ».
١٩٠٠ - حَدَّثَنَا أَبو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ حّدَّثَنَا عَبْدُ الله ابْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاء فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالوُا:: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى الله بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ». [٣٢١٦، ٣٧٢٧، ٣٣٠٤، ٤٤٦٠]
١٩٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ اليَهُودُ عِيدًا قّالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَصُومُوهُ أَنْتُمْ». [٣٤٢٦]
١٩٠٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُوسَى عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلاَّ هَذّا اليَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ - يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ.
١٩٠٣ - حَدَّثَنَا المَكِّي بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ:
стр. 210
أَمَرَ النَّبِي ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ «مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ». [١٨٢٤]
الشرح:
شرح الحديث الأول:
هذا الحديث أخرجه مسلم من طريق أبي عاصم بسند البخاري تمامًا وفيه أنه ذكر عند النبي ﷺ يوم عاشوراء فقال: «ذلك يوم كان يصومه أهل الجاهلية فمن شاء صامه ومن شاء تركه». وقد وقع في هذا الإسناد عند مسلم التصريح بالتحديث من أول الإسناد إلى آخره والبخاري: إنما حذف هذه الصيغ للاختصار وهذه طريقة مسلوكة عند الحُفاظ أنهم ربما حذفوا صيغة التحديث عند عدم الحاجة إليها إذا كان الإسناد ليس فيه مدلس يخشى تدليسه فإنهم يحذفون هذه الصيغ اكتفاء بسياق الإسناد.
عاشوراء: هو العاشر من محرم.
المؤلف سرد هنا أحاديث كثيرة في أكثرها التخيير من شاء صام ومن شاء ترك وهذا التخيير الذي في الأحاديث إنما هو لإبطال الإيجاب، لا لإبطال الاستحباب؛ لأن عاشوراء كان في أول الإسلام واجبًا أمر به ﵊ حتى أنه أمر من طعم بأن يمسك ويصوم كما في حديث سلمة بن الأكوع الأخير في الباب، إذًا الأحاديث التي فيها التخيير إنما هي
стр. 211
لإبطال الإيجاب ليس لإبطال الاستحباب وإلاّ فالنبي ﷺ صامه وأمر بصيامه.
وشرع لنا مخالفة أهل الكتاب بصيام يوم قبله فقد ثبت في الصحيح عند مسلم أن النبي ﷺ قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع»، فلم يأت العام المقبل إلا قد تُوفي ﷺ .
وجاء الأمر بصيام يوم قبله ويوم بعده أخرجه أحمد وأهل السنن من طريق ابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن عن داود بن علي عن أبيه عن ابن عباس ومحمد بن عبد الرحمن سيئ الحفظ جدًّا فهو بهذا اللفظ لا يصح، ولكن صح عن ابن عباس كما أخرجه الطبري في تهذيب الآثار أن ابن عباس كان يصوم (٩ و١٠ و١١)، فلا بأس فهذه سنة صحابي وفيها كمال المخالفة فليس ببدعة بل هي مشروعة وإذا صام الإنسان (٩ و١٠) كفى وحصلت السنة، ويحصل نظير السنة إذا صام (١٠ و١١).
مسألة:
هل صيام أهل الكتاب لهذا اليوم فيه مشابهة لهم؟
الجواب: ليس فيه مشابهة لهم حينما نصوم يوم عاشوراء؛ لأننا نأخذ بالسبب الذي أخذوا به وهو لنا شرع صحيح وهم أخذوا به وهم كفار فلا ينفعهم شيئًا، على أن أهل الإسلام حين يصومون يوم عاشوراء إنما يخالفون أهل الكتاب فقد أخرج مسلم من طريق صدقة بن عمران عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى الأشعري كما هو
стр. 212
الحديث الذي ساقه المصنف أخرجه مسلم وفيه «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم - شارتهم أي اللباس الحسن - فقال النبي ﷺ : «فصومه أنتم» فالمخالفة حاصلة لنا والموافقة حاصلة في الحق فنحن نصومه؛ لأن الله نجا كليمه من عدوِّه، ولا نوافقهم بكونهم يلبسون الثياب والحُلي ويتزينون فيه فنحن وإن صمناه ففيه نوع من المخالفة في غير الصيام فنحن نوافقهم فيما كان أصله مشروعًا ونخالفهم فيما لا يثبت فيه شرع مع ما أضيف إليه من المخالفة من صيام يوم قبله أو بعده.
مسألة:
هل يكره صيام يوم عاشوراء وحده؟
الجواب: قال بعضهم: إنه يكره وقال بعضهم: بل هو مباح واختار شيخ الإسلام: أنه لا يكره صيام عاشوراء وحده ولا شك أنه ينبغي أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده ولا يصومه وحده ولكن لو أن إنسانًا لم يستطع صوم عاشوراء إلا وحده فحينئذٍ نقول تزول الكراهة للحاجة، أما لغير حاجة فلا ينبغي صيامه وحده وهذا ابن عباس راوي بعض أحاديث صيام يوم عاشوراء يصوم يومًا قبله ويومًا بعده مع صيام عاشوراء.
أما حديث سلمة بن الأكوع آخر أحاديث الباب فقد كان في السنة الأولى وقد تقدم التنبيه عليه والله أعلم.
وبهذا ينتهي بنا الكلام على ما أردنا من شرح كتاب الصيام من صحيح
стр. 213
البخاري نسأل الله أن يستعملنا في طاعته وأن يُبلغنا رمضان وأن يرزقنا فيه الصيام والقيام على الوجه الذي يرضيه عنا.
والحمد لله رب العالمين.
تم شرح هذا الكتاب في يوم الأربعاء
بتاريخ ٢٦ من شعبان سنة ١٤٢٤ هـ
والله الموفق،،،