← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14539

شرح كتاب الصوم من صحيح البخاري

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (213 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يصوم عنه وليه، وإذا لم يصم عنه فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكينًا، وذهب بعض أهل العلم على أنه لا يصوم أحد عن أحد واحتجوا بحديث لا يصح والصحيح أنه يصام عنه وينفعه، وذهب شيخ الإسلام إلى أنه يجوز الصيام عن الحي العاجز وهو حي فيقول: إن أطعم عنه وإلا صيم عنه وهو حي. ولكن نقول: الصوم عن الحي العاجز في حياته فيه نظر إنما جاء الصوم عن الميت، وأما الحي العاجز الذي عجزه مستديم فالصحيح أن فرضه الإطعام، وهناك وجه آخر لترجيح الإطعام على الصيام عن الغير وهو أن الإطعام عبادة يتولاها المكلف العاجز بنفسه، وأما الصيام فإنه يتولاه عنه غيره والعبادة التي من المكلف أعظم من العبادة التي فيها النيابة عنه مع ما في الحديث من موافقة الأصول.

стр. 142

٤٣ - بَابٌ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِم؟ وِأَفْطَرَ أَبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ ١٨٥٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَو بْنِ الخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». ١٨٥٤ - حّدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: «يَا فُلاَنُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ الله فَلَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلُ قّدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». [ر١٨٣٩] الشرح: ذكر المؤلف أن أبا سعيد أفطر حين غاب قرص الشمس، نقول نعم: إذا غاب قرص الشمس وقرنها الأعلى فقد حل الفطر. شرح الحديث الأول: معنى قول النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من ها هنا والنهار من ها هنا وغربت

стр. 143

الشمس فقد أفطر الصائم» فهل المراد بقوله: «أفطر الصائم» أي حل له الفطر أم المراد أنه أفطر حكما وإن لم يأكل بالفعل؟ الجواب: أنه حل الفطر؛ لأنه إذا كان في حكم المفطرين لم يكن هناك فائدة في الوصال أو لم يكن هناك جواز للوصال ولكانت مرتبة الوصال ساقطة فالصحيح أن معنى الحديث أنه أبيح له الفطر، وهذا الحديث ظاهر في شرعية المبادرة بالفطر عند التحقق من غروب الشمس. شرح الحديث الثاني: في هذا الحديث المبادرة بالفطر والنبي ﷺ قال: «انزل فاجدح لنا» كأنه يأمره بأن يهيئ له شيئًا من الشراب الذي فيه شيء من السويق والصحابي استنكر هذا لأنه رأى البياض مازال قويًّا مع أن الشمس قد غربت فقال: يا رسول الله لو أمسيت، فقال رسول الله: «انزل فاجدح لنا» فقال الصحابي «لو امسيت» ومراجعة الصحابي لا على وجه الرد بل على وجه التنبيه الذي يظنه هذا الصحابي أنه في محله فأخبره النبي ﷺ أن يهيئ الشراب لهم؛ لأن الفطر قد حل ولهذا بيّن لهم وقال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم».

стр. 144

٤٤ - بَابٌ يُفْطِرُ بمَا تَيَسَّرَ مِنَ المَاءِ أَوْ غَيْرِهِ ١٨٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ الله لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلُ قّدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، وَأَشَارَ بِأِصْبَعِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. [ر١٨٣٩] الشرح: يسن الفطر على الماء أو على ما تيسر فقد جاء هذا في حديث سلمان بن عامر الضبي أن النبي ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على رطبات فإن لم يجد فتمرات فإن لم يجد فماء» إذا لم يتيسر إلا الماء فإنه يفطر عليه. شرح الحديث: قوله: «فاجدح لنا»، إذا قلنا أن السويق شيء قد مرر على النار ففيه رد على من قال: إنه يستحب الفطر على شيء لم تمسه النار وإذا لم يكن كذلك فالأصل جواز الفطر على كل شيء أباحه الله، ولكن الأفضل أن يكون الفطر كما قال النبي ﷺ في حديث سلمان بن عامر الضبي الذي أخرجه الترمذي وغيره أنه يفطر على الرطب «وهو التمر الرطب» لما فيه من الحلاوة ولأنه

стр. 145

يسرع لإعادة ما نقص من قوة الصائم فإن لم يجد فعلى تمرات وإن لم يجد فعلى ماء فإن لم يجد فعلى ما يسر الله من المباح. مسألة: ابن حزم نقل عن الشارح «ابن حجر»: أنه قد شذ فأوجب الفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء. قلت: وكفى بهذا ظاهرية فجة فهذا إنما هو من باب الاستحباب فإذا وجد الرطب أو التمر فلا ينبغي أن يعدل إلى غيره.

стр. 146

٤٥ - بَابُ تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ ١٨٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ». ١٨٥٧ - حّدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي أِوْفَى ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى قَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي» قَالَ: لَوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قّدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». [ر١٨٣٩] الشرح: شرح الحديث: قوله: «لا يزال الناس بخير» يعني بخير في أمر دينهم والناس إذا كانوا بخير في أمر دينهم فأنعم بها وأكرم وهل تستدر الأرزاق وتستجلب الرحمات إلا بطاعة الله ورسوله فإذا كان الناس بخير في دينهم فكل خير بعد ذلك يبشروا به، ومن الخيرية العظيمة أن الناس يعجلون الفطر. فلا ينبغي العدول عن هذه السنة، وينبغي للإنسان أن يعجل الفطر بعد تحقق غروب الشمس.

стр. 147

مسألة: متى يحل الفطر ومتى يحرم. الجواب: نقول الأقسام خمسة: ١ - إذا تيقنت غروب الشمس فقد حل للإنسان الفطر. ٢ - إذا غلب على الظن غروب الشمس فقد حل للإنسان الفطر. ٣ - إذا تيقنت أن الشمس لم تغرب فيحرم على الإنسان الفطر. ٤ - إذا غلب على ظنك أن الشمس لم تغرب فإنه يحرم على الإنسان الفطر. ٥ - إذا شك الإنسان هل غربت الشمس أم لا فإنه في هذه الحالة يحرم على الإنسان الفطر. فائدة: المؤلف: كرر الحديث في هذه الأبواب الثلاثة لأجل الفائدة. مسألة: من علامات أهل البدع أنهم يؤخرون الفطر حتى تشتبك النجوم وقد روي حديث «لا تزال أمتي بخير ما لم تؤخر الفطور حتى تشتبك النجوم» فتأخير الصلاة والفطر حتى تشتبك النجوم من علامات أهل البدع وقد نسبه المصنف للشيعة في تأخير الفطر، والشيعة أهل لكل شر.

стр. 148

٤٦ - بَابٌ إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَت الشَّمْسُ ١٨٥٨ - حدثني عبد الله بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر ب قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بُدَّ من قضاء. وقال معمر: سمعت هشامًا: لا أدري أقضوا أم لا. الشرح: قوله: «بد من قضاء» كالمستنكر على السائل يعني وهل هناك بُد من القضاء يعني لا بُدَّ من القضاء، وقوله: «قال معمر سمعت هشام يقول: «لا أدري أقضوا أم لا» تبين هنا من إجابة هشام لمعمر أن قول هشام «بد القضاء» لم يأخذه عن توقيف ولم يأخذه عن حجة؛ لأنه لم يقل أمروا بالقضاء إنما غاية ما فيه الاستنباط، وهذه المسألة- أي من أفطر يظن الشمس غربت ثم طلعت الشمس- اختلف فيها أهل العلم: ١ - فذهب أكثر أهل العلم أنه لا بُدَّ من القضاء إذا أفطر لأجل الغيم ثم طلعت الشمس وعلم أنها لم تغرب الشمس بعد ذلك فإنه لا بُدَّ من القضاء واحتجوا بأن الله أمر بإتمام الصيام إلى الليل وهم لم يتموا الصيام إلى الليل وقالوا: هذا راوي الحديث يقول: «بد من قضاء» وقالوا أيضًا: قد صح عن عمر أنه أنر بالقضاء من عدة طرق من طريق جبلة بن سحيم عن ابن حنظلة عن أبيه عن عمر، وفيه الأمر بالقضاء وكذلك من طريق زياد بن علاقة عن بشر بن قيس ولكن هذا الطريق الأخير فيه ضعف.

стр. 149

٢ - وقال أهل العلم وهم الأقل: أنهم إذا أفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس فإنه لا قضاء عليهم واستدلوا بما يلي: أ- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وهؤلاء أخطأوا. ب- أن النبي ﷺ لم يأمر أصحابة بالقضاء، ولم ينقل إلينا فلو أمرهم ﵊ لنقل إلينا لأنه من أعظم ما يكون لأنه تبليغ شريعة فلمّا لم ينقل إلينا شيء من هذا عُلم أنه قد اكتُفي بالصيام الأول، وهم إذا طلعت الشمس مرة أخرى فإنهم يمسكون إلى الليل. وأجابوا عن ما جاء عن عمر ﵁ بأن الرواية عن عمر الثانية في عدم القضاء هي الأصح وهي من طريق زيد بن وهب عن عمر وفيها «ما تجانفنا الإثم» والبيهقي لماّ أخرج طريق زيد بن وهب قال: إن هذه الرواية خطأ؛ لأن الروايات تظاهرت عن عمر بالقضاء. انتهى. ولكن نقول الصحيح عن عمر أنه ليس فيها قضاء وهو أصح الروايات عن عمر ثم أن زيد بن وهب ثقة لم يضعفه إلا يعقوب بن شيبة من أجل الرواية هذه ولكن لم يلتفت إلى تضعيف يعقوب بن شيبة فقول البيهقي فيه نظر والإسناد إلى عمر في عدم القضاء أصح وأيضًا هشام بن عروة قد خالفه أبوه عروة فإنه صح عنه الإفتاء بعدم القضاء وهو أفقه منه، وأيضًا من النظر فالشارع يأمر بتعجيل الإفطار فلما غلب على ظنهم أنه غربت الشمس أفطروا فلما طلعت الشمس كانوا معذورين في ذلك وقد نص شيخ الإسلام على هذا القول وأطال الكلام عليه: ونصر القول بعدم القضاء وهذه المسألة في عصرنا لا تكاد توجد؛ لأن الناس لا ينظرون إلى الشمس طلعت أم غربت إنما ينظرون إلى الساعة وذلك لأنه حتى إذا أرادوا أن ينظروا إلى الشمس فإنهم لا

стр. 150

يستطيعون من البنيان فهو يحجب الشمس ولكن قد يوجد أحيانًا مع عدم الساعة وكون الإنسان في البرية أن يحصل مثل هذه المسألة فالصحيح في هذه المسألة: أنه لا يجب القضاء لأنهم أفطروا بغلبة الظن وقد قررنا بأن الفطر بغلبة الظن صحيح وإذا طلعت الشمس مرة أخرى خلف الغيوم فإنهم يمسكون حتى تغرب الشمس وهذا اختيار شيخنا ابن عثيمين وأمَّا شيخنا ابن باز يرى القضاء وهذا قول الجمهور ومن احتاط فالمسألة سهلة مجرد يوم واحد وأما ظاهر السنة فلا يدل على القضاء.

стр. 151

٤٧ - بَابُ صَوْمِ الصَّبْيَان وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ: وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ فَضَرَبَهُ ١٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيَّعِ بِنْتِ مُعَوَّذٍ قَالَتْ: أَرْسَل النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ) قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوَّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعل لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ على الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. الشرح: شرح التعليق: هذا الأثر عن عمر جزم به المؤلف وهو صحيح. قوله: نشوان، أي سكران. معنى الأثر عن عمر، أي أن الصبيان عندنا صائمون وأنت رجل مكلف وتشرب الخمر في رمضان فضربه عمر. شرح الحديث: هذا الحديث كان عند أول الهجرة في السنة الأولى عند أول شرعية صيام يوم عاشوراء والأمر به. ففي هذا الحديث تمرين الصبية على الصيام وأمرهم عليه حتى يتمرنوا عليه والمراد بالصبية، أي المطيقين.

стр. 152

مسألة: قد جاء في بعض ألفاظ حديث صيام الصبيان في عاشوراء حديث ضعيف فيه أن النبي ﷺ عند صيام عاشوراء نهى عن إرضاع الأطفال، وتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهن ألا يرضعن إلى الليل. وهذا الحديث لا يصح في سنده مجاهيل، وقد رواه ابن خزيمة وأبو يعلى فالصحيح أن الأمر مقتصر على الصبية المطيقين. قوله: (فنجعل لهم اللعبة من العهن)، في هذا فائدة وهي تسكيت الطفل وقال شيخنا ابن عثيمين: أن تسكيت الصبي إذا صاح بشيء طيب ومن ذلك أن الصبي قد يعثر ويسقط على الدرج فقال الشيخ محمد: فإنه أي والد هذا الصبي يضرب هذا الدرج؛ لأن الصبي يحصل له التشفي من هذا الدرج ويحصل له الأريحية من ذلك وقال الشيخ أيضًا: إن ضرب الجمادات لا بأس به من باب التأديب فموسى لما هرب الحجر بثوبه لحقه فأمسكه فضربه عدة ضربات وهى لا تؤثر في الحجر وأن كان فيه ندب من ضرب موسى كما قال أبو هريرة فعلى كل حال إذا كان هذا يصلح مزاج الصبي فإنه يفعل ذلك ولا حرج في ذلك. وفيه من الفوائد: جواز اتخاذ اللعبة من العهن وهو الصوف وجمهور أهل العلم كما نقله القاضي عياض في شرح مسلم وغيره على جواز اتخاذ لعب الأطفال من ذوات الأرواح وقال بعضهم: إن اللعب القديمة لم تكن على الصفة الموجودة الحالية من تدقيق الصورة، ولهذا الأفضل أن لا يكون الوجه موجودًا إما دائرة أو ما أشبه ذلك فلا يكون هناك شيء من التقاسيم،

стр. 153

وإلا جمهور أهل العلم على جواز ذلك ولأنها ممتهنة ولأنها إذا صارت كذلك فلا تحصل المفسدة التي تخشى من المصورات. ٥ وفي هذا الحديث من الفوائد: مستند لشيخ الإسلام في أنه إذا قامت البينة في النهار أنه يلزم الإمساك ولا يلزم القضاء، وقال؛ إنّ النبي ﷺ لم يأمر الناس في عاشوراء بقضاء ذلك اليوم، وحديث القضاء جاء ولكنه لا يثبت، وفي ذلك أورد على شيخ الإسلام أن هناك فرق بين بداية التشريع وقيام البينة ففي مسألة الصيام فشهر رمضان مفروض على المسلمين، وقد استقر عليه الدين ثم إذا تأخرت البينة فإنهم يمسكون ويقضون أما بداية التشريع فلم يؤمروا إلا الآن فحينئذ ليس لهم إلا الإمساك فقط وشيخ الإسلام يقول: لا فرق بين بداية التشريع وبين قيام البينة لا فرق في العفو قبل ذلك وذلك؛ لأن البيّنة تتبع العلم ولم تحصل البينة إلا في أثناء النهار فحينئذ لم يؤمروا بالقضاء. وخلاصة الأقوال في هذه المسألة: ١ - قيل: إنهم يلزمون بالإمساك مع القضاء وهذا هو قول الجمهور وهو الصحيح. ٢ - وقيل: يلزمون بالإمساك ويعتدون به دون القضاء وهذا قول شيخ الإسلام وذهب إليه ابن حزم وجماعة. ٣ - وقيل: لا يلزمون بالإمساك لأنهم سوف يقضون هذا اليوم على كل حال ولكن يؤمرون بالقضاء وهذا أضعف الأقوال.

стр. 154

٤٨ - بَاَبُ الوِصَالِ وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [ البقرة: ١٨٧] وَنَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عليْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ ١٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ شَعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لاَ تُوَاصِلُوا» قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ إِنَّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى أَوْ إَنَّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى». [٦٨١٤] ١٨٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵃ قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الوِصَالِ قَالُوا: إَنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: (إِنَّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إَنَّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) [ر١٨٢٢]. ١٨٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيًّ ﷺ يَقُولُ: (لاَ تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: (إِنَّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ) [١٨٦٦].

стр. 155

١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هَشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: (إِنَّي لَسْتُ كَهَيْئتِكُمْ إِنَّي يُطْعِمُنِي رَبَّي وَيَسْقِين). قَالَ أَبو عَبْد الله: لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ رَحْمَةً لَهُمْ.

стр. 156

٤٩ - بَابُ التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الوِصَالَ رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبيَّ ﷺ (ر٦٨١٤). ١٨٦٤/ ١٨٦٥ - حَدَّثَنَا أَبو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبو سَلَمهَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: (وَأَيُّكُمْ مَثْلِي إَنَّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبَّي وَيَسْقِينِ)، فَلَمَّا أَبوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الهِلاَلَ فَقَالَ: (لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ) كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. ١٨٦٥ - حَدَّثّنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ مَرَّتّيْنِ قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: إِنَّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبَّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ). (٦٤٥٩، ٦٨١٥، ٦٨٦٩)

стр. 157

٥٠ - بَابُ الوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ ١٨٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: (لاَ تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ (قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ). (١٨٦٢) الشرح: عقد المؤلف هذا الباب والذي يليه والذي يليه في أحكام الوصال أو حكم الوصال. الوصال: هو أن يصوم يومًا والذي يليه من غير أكل ولا شراب بينهما لا عند المغرب ولا أثناء الليل ولا عند السحر بل يصل يومًا بيوم. مسألة: اختلف أهل العلم في حكم الوصال هل هو مكروه أو محرم؟ ظاهر اختيار المؤلف أنه للكراهة وذلك لقوله بعد أن ذكر الآية: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قال: نهى النبي عنه رحمة لهم وإبقاء عليهم ومما يكره من التعمق. وقال بعض أهل العلم: أنه محرم؛ والدليل أن النبي ﷺ نهى عن الوصال وقال: (إياكم والوصال) وحذر منه.

стр. 158

وقال بعض أهل العلم: إنه للكراهة وهذا هو الحكم العام، وقالوا: إن نهي النبي ﷺ كما قال المصنف إبقاء عليهم وكما في حديث عائشة أنه نهى عن ذلك رحمة لهم وقالوا: كذلك ما أخرجه أهل السنن من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله قال: (نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه) وإن كنا نخالف في الحجامة وتقدم الكلام عليها وهذا الحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح فظاهر هذا الحديث أن المواصلة غير محرمة، فظاهر هذا الحديث مع فهم الصحابة ﵃ أن المواصلة مكروهة والصحابة ﵃ استمروا في هذه العبادة مع النبي ﷺ فهم فهموا أن النهي لأجل الرفق بهم وعدم الإشقاق عليهم فواصلوا معه، وهذه المواصلة وقعت في رمضان ففي حديث عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع وهو الذي ساقه المؤلف ثاني أحاديث الباب الأول وقع في مسلم من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵃ (أن رسول الله واصل في رمضان فواصل الناس) وهو مع الرواية الأخرى في الباب (لو تأخر لزدتكم) أي لو تأخر هلال شوال فهذه المواصلة وقعت في آخر شهر رمضان صام بهم يومًا ثم يومًا ثم اليوم الثالث قال: (لو تأخر لزدتكم) أي هلال شوال كالمنكل لهم فالصحابة فهموا أن هذا النهي للكراهة ولأجل عدم الإشقاق عليهم والرفق بهم فواصلوا معه، هذا الذي يظهر في حكم الوصال أنه مكروه وهو الراجح. فمراتب الناس في الإفطار ثلاث مراتب: ١ - أن يفطر عند الغروب وهذه هي السنة وهي أكمل المراتب.

стр. 159

٢ - أن يواصل حتى السحر فيأكل أكلة واحدة عند السحر فقط تكون هي فطوره وسحوره وهذا هو الذي جاء في حديث أبي سعيد ثالث أحاديث الباب الأول حيث قال ﵊: «لا تواصلوا وأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر». ٣ - أن يواصل يومين فأكثر دون أن يطعم بينهما وهذا مختلف فيه بين أهل العلم هل هو مكروه أو محرم؟ والأقرب أنه مكروه كما قدمنا. إن قال قائل: كيف تكون عبادة وتكون مكروهة؟ الجواب: نقول هذا كالنذر فقد نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير)، ومع ذلك إذا نذر الإنسان فعليه أن يوفي بهذا النذر فهي عبادة مكروهة من وجه وإذا عقدها وجب عليه أن يوفي بها فالكراهة ليست منصبة على عبادة الوصال إنما هي على ما يكون من الإشقاق فيها وتكليف النفس، وأما الجواز وكونها عبادة فلأجل أنها إمساك لأجل الله ، ولكن إذا كان الوصال يؤدي إلى ضعف الجسم والعقل فإن الوصال يحرم لأنه يضعفه عن أداء الواجبات ويضره في جسمه وعقله. وقوله: (إني لت مثلكم فإني لي ساقٍ ومطعم) اختلف في معنى ذلك: ١ - فقيل: إنه يطعم من طعام وشراب الجنة، وأورد على ذلك أنه إذا قيل بأنه يأكل من الجنة فإنه بذلك لا يكون مواصلًا؛ لأن المواصلة هي عدم الأكل والأكل ينافي الإمساك، فقال بعضهم: والتزم هذا خروجًا من هذا المأزق: إن طعام الجنة وشرابها لا يفطر!! ٢ - وقال بعضهم: إن الصواب في هذا الحديث أن الطعام هنا في هذا

стр. 160

الحديث والسُّقيا هي ما يفتحه الله على رسوله من لذات الإيمان والعلم وما يخالج قلبه من المعارف والأحوال الشريفة التي تقوم مقام الطعام والشراب وقالوا: إن الإنسان إذا تفكر في الحالة الشريفة واستغرق فيما يحب ويشتهي أشغله ذلك عن الطعام والشراب وذكروا ما ذكروا من شواهد من أشعار العرب كقول الشاعر: لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد فمعنى البيت: أن المرأة إذا قامت تتحدث في ذكر من تهوى فإنها تلهى عن الطعام والشراب وهذا شيء محسوس أن الإنسان إذا اشتغل بمحبوبه نسي وذهل عن الطعام والشراب حتى ربما الساعات تمر عليه بل اليوم والليلة وهو لا يحتاج إلى الطعام والشراب. ٣ - وقال بعضهم: إنه لما كان إذا أكل الإنسان وشرب وهو ناسيًا نقول له: أطعمك الله وسقاك كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين مع وجود صورة الأكل حقيقة فارتفع عنه مقتضى الطعام والشراب مع كونه مفطرًا من أجل النسيان وكذلك يقال: إنه إذا أكل من طعام الجنة وشرابها على وجه ليس محسوس لنا - ليس بدخول الطعام إلى الجوف أي جوف النبي ﷺ يعني ليس فيه أنه يدخل من فيه - فحينئذٍ لا مانع من أن يكون يطعمه الله من طعام الجنة وشرابها حتى نفر من التأويل الذي قد لجأ إليه من قال: إن هذا إنما هو من لذات الإيمان ولذات الأُنس ونفحات القدس والله يختصُّ نبيه بما يشاء، ثم إن أحكام الدنيا على الظاهر على الأكل الحسي لا المعنوي فإذا قدر أن الله يُغذي نبيه بشيء في الجنة فحينئذٍ هذا خاصٌّ بالنبي ﷺ فالله

стр. 161

سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وهذا القول قول ثالث وهو قول جيد غير أن المشهور عند مشايخنا وأهل العلم أنه ليس من باب المحسوس من الطعام إنما هو من باب ما يفتحه الله على عبده من لذات الأنس ونفحات القدس. فائدة: اشتهرت المواصلة عن الصحابة فكان ابن الزبير يواصل خمسة عشر يومًا وقد رواه عنه ابن أبي شيبة بسند صحيح ولكن أخرج ابن جرير من طريق هشام ابن عروة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام فلما كبر واصل خمسة فلما كبر جدًّا واصل ثلاثة أيام وهذا يخالف ما تقدم من كونه يسرد خمسة عشر يومًا، والمعروف عند الأطباء أنه لا يمكن للإنسان أن يسرد خمسة أيام أو ستة من دون أكل فإنه يتعرض إلى هبوط في السكر وإلى فشل كُلوي وغيرها من الأمراض، فما هو الجمع بين هذه الآثار عن السلف وبين هذه الحقائق العلمية الطبية؟ الجواب: نقول: أما رواية خمسة عشر يومًا فإن إسنادها صحيح بل إن شيخ الإسلام في الفتاوى ذكر أن بعض السلف كان يواصل شهرًا كاملًا وبعضهم كان يواصل أكثر ولكن كان يشرب في الليل شربات من الماء خفيفة وهذا ليس بوصال ولكنه نوع من الوصال سلكه بعض السلف وقالوا: إن الإمام أحمد كان يفعله لما كان في السجن كان يواصل ولا يشرب إلا الماء، على كل حال إذا صحت الأسانيد فالأصل اعتماد ما جاءت به وهي قد تكون لما منحه الله لبعض عباده من القوة الجسدية والفتوة،

стр. 162

واشتهر أن ابن الزبير شرب من دم النبي ﷺ فأورثه هذا قوة عظيمة منها أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا ونحو ذلك، ولكن قصة شرب ابن الزبير من دم النبي لم تثبت من حيث الإسناد لكنها مشهورة مع كونها لم يثبت إسنادها وهي أنه لما أعطاه النبي ﷺ الدم حتى يلقيه في الأرض ذهب به وشربه وبكل حال قد يعطي الله بعض عباده قوة على التعبد وقد صح عن عثمان ﵁ وسعيد بن جبير وتميم الداري أنهم ختموا القرآن في ركعة ولكن الكلام في موافقة الشرع ولذلك يكره أن الإنسان يواصل كما قررنا سواء وقع هذا الوصال في شهر رمضان بين يوم ويوم أو بين يوم ويوم في النفل، أما إذا أوقع الوصال في المحرم فهو محرم.

стр. 163

٥١ - بَابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ ليُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ ١٨٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبو العُمَيْسِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْداءِ مُتَبَذَّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَانُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ قَالَ: فَإِنَّي صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَاكُلَ قَالَ: فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ: نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبَّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقًّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ سَلْمانُ». [٥٧٨٨] الشرح: قول المصنف في الترجمة من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع نقول: الحديث ليس فيه أن سلمان أقم على أبى الدرداء ولكن وقع هذا في بعض طرق الحديث والمصنف كعادته: أنه يترجم لبعض ما يقع في طرق الحديث وإن لم يقع له في كتابه؛ لأن له شروطًا فيما يدخله في صحيحة، فسلمان أقسم على أبي الدرداء بالفطر كما عند ابن خزيمة وابن حبان والطبراني وغيرهم كما ذكر الشارح.

стр. 164

شرح الحديث: لما وفد النبي ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار وكانت هذه المؤاخاة في أول الإسلام يثبت بها التوارث ثم نُسخت وبقيت الأخوة الإسلامية يكتفي بها على ما كان في أول الأمر. قوله: (فرأى أم الدرداء متبذلة) أي: قد لبست ثياب المهنة؛ لأنه لما كان أبو الدرداء يصوم النهار ويقوم الليل ولم يعاشر أهله فلم تحتج إلى لبس الملابس الجميلة وبناء على ما ورد في بعض طرق الحديث أن سلمان أقسم على أبي الدرداء بأن يفطر، فيكون فطر أبي الدرداء من باب إبرار القسم وإبرار القسم قيل بأنه واجب وقيل: إنه مستحبٌّ وهو الصواب. وقول المصنف في الترجمة: (ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له) نقول: نعم هذا هو الصحيح إذا أفطر في التطوع فليس عليه قضاء وإن شاء قضى وإن شاء لم يقض والإنسان يراعي المصالح في مسألة الفطر وقطع النفل فإن النبي ﷺ زار أمَّ سليم ولم يفطر وسوف يأتي هذا الحديث في الأبواب القادمة. - الحافظ ابن حجر ذكر فوائد كثيرة في الفتح تراجع للفائدة. (ج ٤ /ص ٢٦٩ - ٢٧٠/ ط. دار السلام).

стр. 165

٥٢ - بَابُ صَوْمِ شَعْبَانَ ١٨٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرَ عَنْ أَبِي سَلَمَهَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. ١٨٦٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَهَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَكَانَ يَقُولُ: (خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ: وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلًاة دَاوَمَ عَلَيْهَا. [٤٣] الشرح: نقول جاء في الطريق الثاني طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمه عن عائشة ﵂ (أن رسول الله) كان يصوم شعبان كله)، وأما الطريق الأول طريق أبي النضر عن أبي سلمه عن عائشة أنها قالت: (ما رأيته أكثر صيام منه في شعبان)، وهذا هو الصحيح المحفوظ، ولذلك اختلف أهل العلم هل السنة في شعبان أن يصام كله أم أكثره؟ الجواب: منهم من قال: يصومه كاملًا واستدلوا بالرواية الثانية وهي طريق يحيى عن أبي سلمه، ومنهم من قال: يصوم أكثره وأن قوله: (كله)

стр. 166

المقصود بها في العربية أغلبه أي أغلب الشهر؛ لأنه لما كان شعبان يصام أكثره عبَّر (بالكل) ولكن الصحيح أن شعبان يصام أكثره ولا يصام كله ومن الأدلة على ذلك حديث عائشة (ما رأيت رسول الله استكمل شهرًا إلا رمضان) فهي نفت استكمال الشهر إلاّ رمضان وأصرح منه أو مثله ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن شقيق قال: قلت: لعائشة: هل كان النبي ﷺ يصوم شهرًا معلومًا سوى رمضان قالت: (ما رأيته صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان) فهذا صريح أنه منذ قدم المدينة حتى توفاه الله لم يستكمل صيام شهر غير رمضان. ١٦٩ ١٦١ وطريق أبي سلمه عن عائشة اختلف في ألفاظها والمحفوظ ما رواه ابن شقيق عنها في أن الصيام كان أكثر شعبان لا كله يعني يصوم عشرين أو خمسة وعشرين فالمهم أنه لا يتم الشهر كاملًا صائمًا فيفطر ولو يومًا واحدًا. وفي هذا الحديث وشواهده عند مسلم من حديث عائشة من طريق عبد الله بن شقيق أن قول النبي ﷺ : «أفضل الصيام بعد الفرض صيام شهر الله المحرم» من الفوائد: ١ - أنه لا يفيد أن شهر محرم يصام كله والدليل قولها: (ما رأيته استكمل صيام شهر إلا رمضان) فعلى هذا فلا يصام شهر شعبان كله ولا شهر محرم كله بل لو كان هناك تفضيل بين أن يكثر من شعبان أو أن يكثر من صيام محرم لقلنا الأكثرية أن يصام شعبان لا محرم بل لم يبلغنا أن النبي ﷺ صام من محرم إلا عاشوراء على وجه التخصيص. فالخلاصة: أن الصيام في الشهر المحرم فاضل ولكن المبالغة والكثرة تكون في شعبان بالنص الوارد عن رسول الله ﷺ .

стр. 167

٢ - قوله: «إن الله لا يملُّ حتى تملوا»، نقول؛ بعضهم أثبت صفة الملل لله على الوجه الذي يليق به وقال بعضهم؛ نفسرها بمعنى؛ أن الله لا يقطع الثواب حتى تقطعوا العمل. وأنتم إذا أثقلتم على أنفسكم انقطاع عملكم فخذوا من الأعمال ما تطيقون حتى يستمر الثواب باستمرار العمل وقال بعضهم: ليس في هذا الحديث دلالة على صفة الملل لله؛ لأن قوله: «فإن الله لا يمل حتى تملُّوا» مثل قوله: «لا أقوم حتى تقوم» فأنت إذا قمت فالمفهوم لا يدل على أي سأقوم فإذا قلت: لا أقوم حتى يقوم زيد فإذا قام زيد ليس بالضرورة أن أقوم فهذا الحديث ليس فيه صراحة في إثبات هذه الصفة وشيخنا ابن باز يثبت هذه الصفة على وجه لا يماثل المخلوقين؛ لأن صفات الله لا نقص فيها، أما تفسيرها فليس من باب التأويل على قول بأنها صفة بل من باب التفسير باللازم والسلف إذا أثبتوا صفة ربما فسروها باللازم أحيانًا فالراجح عندي أنّه لا تثبت صفة الملل لله . ٣ - الحكمة من صوم شهر شعبان. المؤلف أشار إلى عدة من الحِكم منها ما ذكره بعضهم، أن صيام شعبان كالراتبة بين يدي رمضان، وقيل: لأجل أن يتمرن العبد على الصيام حتى يصوم الشهر الذي يجب صومه وهو رمضان، وقيل: لغفلة الناس عنه لأنه بين رجب ورمضان وهذا جاء في حديث أسامة بن زيد بإسناد لا بأس به وسنده قوي ففي حديث أسامة هذا التصريح بأنه تعرض فيه الأعمال حيث قال ﵊: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال».

стр. 168

٤ - وفي حديث عائشة بألفاظه دلالة على ضعف الحديث الذي رواه أهل السُّنن من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، وقد تقدم التنبيه على هذا الحديث وأنه من منكرات العلاء كما قال الإمام أحمد وأبو زُرعة وجماعة من الحفاظ: إن هذا الحديث منكر.

стр. 169

٥٣ - بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبيَّ ﷺ وَإِفْطَارِهِ ١٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيِد بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرً رَمَضَان وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ لاَ والله لاَ يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ لاَ وَالله لاَ يَصُومُ. ١٨٧١/ ١٨٧٢ - حَدَّثنِي عَبْدُ العَزِيِز بْنُ عَبْدِ الله قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لاَ تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلَّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَأَلَ أَنسًا فِي الصَّوْمِ. (١٠٩٠) (١٨٧٢) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبو خَالِدٍ الأَحْمَرُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ سألتُ أَنَسًا ﵁ عَنْ صِيَامِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَاِئمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلاَ مُفْطِرًا إِلاَ رَأَيْتُهُ وَلاَ مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلاَ مَسِسْتُ خَزَّةً وَلاَ حَرِيَرةً أليَنَ مِنْ كَفَّ رَسُولِ الله ﷺ وَلاَ شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلاَ عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ الله ﷺ . (١٠٩٠) الشرح: المقصود من هذا الباب: أن الإنسان يهتبل الأوقات التي فيها نشاط

стр. 170

النفس فإنه يبادر بالأعمال الصالحة فيصوم ويقوم فإذا ضَعُفَ العبد أو حصل له بعض الفتور أو جاءه بعض الشغل أو العمل فإنه يفطر فقد استقرت سنة النبي ﷺ على هذا حيث قال: (لكل عامل شرّة وفترة فمن كانت شرّته إلى سُنتي فقد نجي ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) (١) فالإنسان يهتبل نشاط النفس وإقبالها وقوتها في الطاعة فيصوم، ثم إذا ضَعُفَت النفس أو جاءت أمور أخرى أفضل من جنس الصيام فإنه يدع الصيام ويجم نفسه ويلزم الحق ولا ينبغي للإنسان أن يلزم عبادة واحدة يظن أن الخير فيها وهذا كله في باب النفل وعلى هذا استقرت سُنة النبي ﷺ فقد كان يسرد أيامًا طوالًا صيامًا لكنه لا يستكمل الشهر حتى يظن الظان أنه سيستكمل الشهر فيفطر حتى يظن الظانُّ أنه لا يصوم هذا الشهر وربما ترك الصيام في بعض الشهور، ثم جمعها في شعبان كلها على أحد التفاسير في الحكمة من صيام شعبان وقد صح عن ابن مسعود قوله: إني إذا صمت ضَعُفَت عن الصلاة، والصلاة أحبُّ إلي من الصيام. أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يقل الصيام. فقلنا له: إنك تقل الصيام! قال: ... فذكره. صحيح. فمن أحسن قيادة نفسه وأمسك بزمامها فقد أُوي خيرًا كثيرًا، والله المستعان، والله أعلم.

стр. 171

٥٤ - بَابُ حَقَّ الَضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ ١٨٧٣ - حدثنا إسحاق، أخبرنا هارون بن إسماعيل، حدثنا على، حدثنا يحيى قال: حدثني أبو سلمه قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ قال: دخل على رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث - يعني: (إن لزورك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا). - فقلت: وما صوم داود؟ قال: (نصف الدهر). (١٠٧٩) الشرح: قول المؤلف: (باب حق الضيف في الصوم) قلت لشيخنا ابن باز: لو أن المؤلف قال: (باب حق الضيف في الفطر) لكان أفضل كما قال ذلك زين ابن المنير، فقال شيخنا ابن باز: الأمر سهل. شرح الحديث: هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة أبواب منها في كتاب الأدب، باب حق الضيف. وقوله (الزُّور): هم الزُّوار جمع زائر. المعنى في هذا الحديث: أن الحقوق كثيرة فللزائرين حقٌ وللزوجة حقٌ وللجسد حقٌّ فالإنسان يراعى هذه الحقوق ويعطى كل ذي حقًّ حقه ويكلف من الأعمال ما يطيق؛ لأن الإنسان إذا سرد الصيام ضَعُفَت النفس

стр. 172

وهجمت العين وغارت فربما ضَعُفَ عن حقوق الأطياف أو حقوق الزوجة، فالإنسان قد يضعف وتكون له العوارض فيأخذ من نفسه لدينه ويرفق بنفسه ويعلم أن هذا الدين متين فيوغل فيه برفق ولا يبغض إلى نفسه عبادة الله، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.

стр. 173

٥٥ - بَابُ حَقَّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ ١٨٧٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِل أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبو سَلَمَهَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵃ قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : (يَا عَبْدَ الله أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟) فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله قَالَ: (فَلاَ تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجَكَ عَلَيْكَ حَقًّا وإَنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلَّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلَّهِ) فَشَدَّدْتُ فَشُدَّدَ عَلَيَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ: (فَصُمْ صِيَامَ نَبِيَّ الله دَاوُدَ ﵇ وَلاَ تَزِدْ عَلَيْهِ) قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيَّ الله دَاوُدَ ﵇؟ قَالَ: (نِصْفَ الدَّهْرِ) فَكَانَ عَبْدُ الله يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيَّ ﷺ . (١٠٧٩) الشرح: مثل ما تقدم أن الإنسان لا يتكلف فقد تعرض له عوارض فيعجز عمّا كان مداومًا عليه. شرح الحديث: قوله: (يا ليتني قبلت رخصة رسول الله): نقول هو ليس عليه حرج لو خالف ما كان يعمله على عهد النبي ﷺ ولكنه ما أحب أن يترك شيئًا من

стр. 174

الأعمال فارق عليه النبي ﷺ ولذلك كان بعد ذلك إذا ضعف يفطر أيامًا عديدة، ثم يصوم نظيرها بإزائها، وكانوا يخافون على أنفسهم من التبديل والفتور وقد قال جلَّ وعلا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وقد ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى أن المنقول عن كثير من السلف في الخوف من النفاق ليس هو التكذيب، بل الخوف من النقص من كمالات الدين، ومتطلبات الإيمان ولوازمه.

стр. 175

٥٦ - بَابُ صَوْمِ الدَّهْرِ ١٨٧٥ - حَدَّثَنَا أَبو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيَّ قَالَ: أَخْبَرِنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبو سَلَمَهَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ الله ﷺ أَنَّي أَقُولُ: وَالله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمَّي قَالَ: (فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْر أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) قُلْتُ: إَنَّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَّلِكَ قَالَ: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ) قُلْتُ: إِنَّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد ﵇ وَهُوَ أَفْضَلُ الصَّيَامِ) فَقُلْتُ: إِنَّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» (١٠٧٩). الشرح: صوم الدهر: هو أن لا يفطر أبدًا بل يصوم النهار ويفطر الليل. مسألة: اختلف العلماء في حكم صوم الدهر: - فذهب بعضهم إلى أنه محرم وقالوا: قد نهى النبي ﵊ عنه وقال: (لا صام من صام الأبد) وقال: (لا صام ولا أفطر). - وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه مكروه. والراجح: أنه مكروه كراهية شديدة.

стр. 176

مسألة: هل إذا صام الإنسان الدهر- أي صام السنة - وأفطر أيام العيدين وأيام التشريق يخرج عن كونه صائمًا الدهر؟ الجوب قال بعضهم: إذا أفطر أيام العيدين وأيام التشريق خرج من صوم الدهر، وهذا باطل وليس بصحيح فهذه مستثناة ولا مجال لصومها ونهي النبي ﵊ ليس من أجل أن يصوم هذه الأربعة أيام أو الخمسة إنما النهي عن سرد الصوم الذي يوقع في ما يوقع فيه فالصحيح أن إفطار هذه الأيام التي يجب الفطر فيها لا يخرج عن كونه صائمًا للدهر وبكل حال إذا أوقع صوم الدهر في ترك واجب أو تفويت حقًّ أو ضرر فإنه يكون محرمًا لا إشكال في ذلك. مسألة: فإن قال قائل: قد جاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر»، وأخبر أن صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان تعدل صوم الدهر فكيف يشبّه النبي ﷺ هذه الأعمال بصوم الدهر الذي قد نهى عنه؟ الجواب: المراد أنه يحصل على الثواب بهذه الأعمال بصوم يوم وإفطار يوم أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر أو صيام رمضان مع ستًّ من شوال يحصل له أجر صوم الدهر وأما صوم الدهر كله فليس بمشروع فكأن الشارع يقول: إذا أردتم أن تصوموا وتحصلوا على ثواب صيام الدهر فصوموا هذه الأيام التي أخبرتكم فيحصل لكم أجر صوم الدهر، فليس فيه

стр. 177

الإقرار بمشروعية صيام الدهر، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «السباعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «كمثل الصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر» فإنه ليس المقصود بأن الصوم مع عدم الفطر مشروع وإنما كان المقصود أن السعي على الأرملة والمسكين يقوم مقام الأجر الذي لا يطيقه أحد وهو يسير.

стр. 178

٥٧ - بَابُ حَقَّ الأَهْل فِي الصَّوْمِ رَوَاهُ أَبو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبيَّ ﷺ (١٨٦٧) ١٨٧٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىًّ أَخْبَرَنَا أَبو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو ﵃ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلَّى اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلاَ تُفْطِرُ وَتُصَلَّي؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا» قَالَ: إِنَّي لأَقْوَى لِذَلِكَ قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇) قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى» قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ الله؟ قَالَ عَطَاءٌ: لاَ أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ مَرَّتَيْنِ». [١٠٧٩] الشرح: قوله: (من لي بهذه يا رسول الله؟) المقصود بذلك أنه إذا لاقى العدو لا يفر وإلا الصيام يطيق العبد أكثر من ذلك لكن لما قال: (ولا يفر إذا لاقى) قال: من لي بهذه. مسألة: إذا كان الولد يكثر من الصيام التطوع وأمره والداه بالفطر فهل يلزمه أم لا؟

стр. 179

الجواب: نعم لأن طاعة الوالدين واجبة والصوم مستحب، وقد يقال: إن كان هذا الصيام أوقع الولد في شيء محرم تجاه الوالدين كعقوقهما أو ترك واجب أو فعل محرم فحينئذ يجب وإلا فلا، وبكل حال المسألة محتملة فهي إما مستحبٌّ أو واجب لكن إذا أخلَّ بحقوق الوالدين فإنه يجب عليه الفطر وقد ذكر جمع من الحنابلة ضوابط مهمة لطاعة الوالد والزوج كصاحب الإنصاف والفروع وذلك في شروط وجوب الحج، وبكل حال إذا منع الوالد ولده من طاعة مستحبة، أو ما فيه منفعة للولد في أمر دين أو دنيا - وليس للوالد في المنع غرض صحيح - فلا طاعة، وللشيخ تقي الدين كلام حسن فليراجع فيما أشرت إليه وغيره. قوله: (لا صام من صام الأبد) يعني: ليس له صيام، فقد أتعب نفسه في غير طاعة الله، ويحتمل أنه دعاء عليه. فائدة: هذه التراجم التي مرت معنا فيها شيء من التكرار والمؤلف: يكرر بعض الأحاديث لكي يستقر المعنى عند الطالب والدارس.

стр. 180

٥٨ - بَاُب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ ١٨٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵃، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ» قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَازَالَ حَتَّى قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا» فَقَالَ: «اقْرَأ القُرْآنَ فِي كُلَّ شَهْرٍ» قَالَ: إِنَّي أُطِيقُ أَكْثَرَ فَمَازَالَ حَتَّى قَالَ: «فِي ثَلاَثٍ». (١٠٧٩)
следующие страницы →