Полный текст (213 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
٢٢ - باب الصائم يصبح جنبا
ص ٧٠
١٨٢٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن قال: كنت أنا وأبي حين دخلنا على عائشة وأم سلمة (ح) حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.
وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة ومروان أن يومئذ على المدينة فقال أبو بكر: فكرة ذلك عبد الرحمن ثم قدر لنا أن نجتمع بي الحليفة وكانت لأبي هريرة هنالك أرض فقال عبد الرحمن لأبي هريرة. إني ذاكر لك أمرًا ولولا مروان أقسم عليَّ فيه لم أذكره لك فذكره قول عائشة وأم سلمة فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهن أعلم.
وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: كان النبي ﷺ يأمر بالفطر. والأول أسند. [١٨٢٩، ١٨٣٠]
стр. 72
الشرح:
معنى الترجمة: يعني هل يصح صومه أم لا ما الحكم في ذلك؟
ثم ذكر قصة أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حينما سمع عبد الرحمن هذا الحديث من أبي هريرة ثم أمره مروان بأن تثبيت يسأل عائشة وأم سلمة ثم بين أبو هريرة في آخر باب أنه حدثه الفضل بن عباس في منه الجنب من الصوم إذا أصبح جنبًا ولعل حديث أبي هريرة عن الفضل كان في أول الإسلام ثم نسخ، ولعله فات أبو هريرة ذلك وسها عن دلالة القرآن في هذه المسألة فضلًا عن دلالة السنة كما في حديث عائشة وأم سلمة أن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم ووجه دلالة القرآن أن الله قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ... . الآية، ويلزم من استدامة الجماع أن يطلع الفجر وهو جنب ولهذا ذكر أهل العلم أن الإنسان إذا طلع عليه الفجر وهو جنب من جماع أهله أو كان مجامعًا مع أهله ثم نزع مع طلوع الفجر فصومه صحيح مع أن النزع وقع مع طلوع الفجر والتبين لكن إن نزع في الحال فلا شيء عليه وإذا استدام فإنه كالوطء بعد التبين وفيه كما سيأتي التحريم والكفارة فدلالة القرآن في جواز طلوع الفجر والإنسان جنب ظاهرة؛ لأنه إذا أبيحت المباشرة وهي الجماع إلى طلوع الفجر لزم منها ضرورة أن يصبح جنبًا، والمباشرة سيأتي أنها في القرآن تدل على الجماع فكل مباشرة في القرآن فالمقصود بها الجماع، وأيضًا قول أم سلمة وعائشة: «وهو جنب» فيه التصريح بذلك وقولها كما وقع للمصنف «كان يصبح وهو جنب من أهله من غير حلم»
стр. 73
وسيأتي إن شاء الله، فقولها من غير حلم هذا بيان للواقع من أن النبي ﷺ لم يكن يحتلم وليس له مفهوم بل هو وصف كاشف للنبي ﷺ أن الجنابة منه تكون من جماع.
وذكر العلماء: أن من خصائص رسول الله أنه لا يحتلم ووجه ذلك أن رسول الله إذا نام تنام عينه ولا ينام قلبه فلو خرج منه شيء في المنام لكان يعقل ذلك ويعلم ومعلوم أنه لا يكون هذا؛ لأن رسول الله هو أول من يتمثل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، وأجاز بعض العلماء الاحتلام على الأنبياء وقالوا هذا الماء فضله يدفعها الجسم عند الحاجة في المنام ذكر ذلك ابن كثير وغيره ولكن الأول أقرب للصحة.
قوله: «لتقرعن بها أبا هريرة» معناها: أي تخبره بهذا الأمر.
الفوائد:
١ - أن الإنسان له أن يصبح جنبًا سواء من جماع أو احتلام ويصح صومه فرضًا كان أو نفلًت ومثله المرأة في الحيض إذا طلع عليها الصبح وقد انقطع دمها بالليل ولم تغتسل حتى طلع الفجر فيصح صومها.
٢ - رجوع الصحابة إلى الحق بعد أن يعلموا به.
٣ - أن الإنسان يبين حجته عند حصول الخلاف، فأبو هريرة بين حجته قال: حدثني الفضل بن عباس ثم قال بعد ذلك هن أعلم.
٤ - أن الصحابي قد يخفى عليه دلالة قرآنية ظاهرة كدلالة اللزوم.
стр. 74
٢٣ - باب المباشرة للصائم
وقالت عائشة ﵂: يحرم عليه فرجها
١٨٢٦ - حدثنا سليمان بن حرب قال: عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت:
كان النبي ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكُمْ لإِرْبِهِ.
وقال: قال ابن عباس: ﴿مَآرِبُ﴾ [طه: ١٨] حَجَات.
قال طاوس: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] الأحمق لا حاجة له في النساء. [١٨٢٧]
الشرح:
في حديث عائشة أن المباشرة والتقبيل مباحتان للصائم لقول عائشة ﵂: «كان يقبل ويباشر وهو صائم» ومعنى قوله: وهو صائم: هذه جملة حالية أي حال كونه صائمًا.
ومعنى قوله: «كان أملككم لإربه»: أي حاجته بأنه يستطيع ﵊ أن يمتلك نفسه بأن لا يتدرج به الأمر إلى الجماع.
وإذا كانت الوسيلة تؤدي إلى المفاسد فلا تجوز هذه الوسيلة والغاية ممنوعة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد فالذي يخاف الجماع عند المباشرة والتقبيل؛ فإنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، والذي يستطيع أن يتمتع بالمباشرة والتقبيل من غير أن يجامع فهذا جائز له.
стр. 75
وقول جابر بن زيد في الباب الذي يليه: إن نظر فأمنى فإنه يتم صومه، نقول مسألة الإمناء بالنظر تنقسم إلى أقسام:
١ - أنه إذا كان هذا النظر من نظرة عفا عنها الشارع كنظرة الفجأة أي النظرة الأولى، وهذا قد يحصل للإنسان فإذا أمنى في هذه الحالة فإن صومه صحيح.
٢ - أنه إذا كرر النظر فأمنى فإن جمهور أهل العلم على أن صومه يفسد إذا أنزل لأنه غير مأذون له في النظرة الثانية.
مسألة:
إذا أمنى بالفكر من دون أي عمل فإنه ليس عليه شيء وصومه صحيح؛ لأن الفكر معفوٌ عنه كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله قد عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم».
فلو قدر أن إنسان أخذ يفكر وأنزل بالفكر دون أن يكون معه أدنى عمل من لمس ذكر أو تقلب على فراش وغيرها فإن قدر أنه أنزل بهذه القيود فلا بأس بذلك وقومه صحيح أما إذا أنزل بعد التقبيل أو المباشرة أو تكرار النظر فإن صومه يفسد بذلك ولكن ليس عليه كفارة إنما الكفارة في الجماع.
مسألة:
المذي هل يفطر صاحبه إذا خرج؟
الجواب: الصحيح أنه لا يفطر إذا خرج منه لعموم البلوى به، وأيضًا
стр. 76
ليس هناك دليل على الفطر به.
مسألة:
هل يجرح المذي صيام الصائم إذا خرج منه وأن الأكمل تركه؟
الجواب: الظاهر الإباحة لا سيما إذا دعت الحاجة، وهذا سيد الخلق ﵊ كان يقبل وهو صائم ويبعد أن يكون الإنسان يقبل ويباشر ولا يخرج منه حتى المذي فهذا يبعد إلا أن يكون هناك فتور لشهوة شديد أو كبر سن وأما غالب الشباب فيكون هذا.
стр. 77
٢٤ - باب القبلة للصائم
وقال جابر بن زيد: إن نظر فأمنى يتم صومه
١٨٢٧ - حدثنا محمد بن المثني حدثنا يحيى عن هشام قال: أخبرني أبي عن عائشة عن النبي ﷺ (ح) وحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ. [ر ١٨٢٦]
١٨٢٨ - حدثنا مسدد حدثنا عن هشام بن أبي عبد الله حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زينب ابنة أم سلمة عن أمها ﵂ قالت:
بينما أنا مع رسول الله ﷺ في الخميلة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي فقال: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟» قلت: نعم فدخلت معه في الخميلة وكانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان من إناء واحد وكان يقبلها وهو صائم. [ر ٢٩٤]
الشرح:
عقد المؤلف بعد باب المباشرة للصائم باب القبلة للصائم ثم أسند حديث عائشة.
وسبب ضحك عائشة للسائل: لأنها تعلم أن السائل يعلم أنها هي التي قبلها النبي ﷺ وقد صرحت بهذا في رواية القاسم بن محمد وهي عمته
стр. 78
صرحت أنه كان يقبلها وهو صائم وكذلك رواية عروة وهي خالته وكلها عند مسلم وكذلك وقع لحفصة عند مسلم وكذلك أم سلمة.
مسألة:
إن قال قائل ظاهر الآية: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أنه لا يجوز المباشرة ولا التقبيل بعد الفجر والرسول ﵊ كان يقبل ويباشر بعد الفجر؟
الجواب: أن المباشر المقصود بها في القرآن هي الجماع ولها معان أخرى مثل الضم والتقبيل فالمراد به في الآية هو الجماع، فإنه يجوز في الليل وأما إذا طلع فإنه يمنع الجماع ويبقى المعاني الأخرى للمباشرة وهي الضم والتقبيل.
مسألة:
في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ نقول أن المراد واحد والحكم واحد، وهو أنه لا يبطل الاعتكاف إلا الجماع وهو المراد به المباشرة في الآية.
مسألة:
إن قال قائل أنا أخشى إن أمذيت أن يتدرج الأمر إلى الإنزال؟
الجواب: أما المني فقد تقدم الكلام عنه أنه من المفطرات وخالف ابن حزم: وجماعة من المتأخرين وقالوا: إن الإنزال ليس بمفطر وقالوا: المفطر إنما هو الجماع.
ويُرَد على هؤلاء ابن حزم ومن تبعه فيمن سار على منهجه في هذه
стр. 79
المسألة وغيرها أن النبي ﷺ في الحديث القدسي قال: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» فتفسير هذه الشهوة هي الموجودة في حديث أبي ذر: «أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر» فالمراد بالشهوة هنا الإنزال في الفرج والدليل على ذلك قوله: «أي يضعها» والمراد بالوضع هو الإنزال فالصحيح في المسألة أن الإنزال من المفطرات والجماع من المفطرات.
تنبيه: ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري حديثًا مرويًا عن عمر لما سأل النبي ﷺ عن القبلة قال: «أرأيت لو تمضمضت؟» ثم ذكر أن هذا الحديث رواه النسائي وأبو داود من حديث عمر وقال النسائي: هذا الحديث منكر وقد صححه ابن حبان والحاكم وابن خزيمة وهذا الحديث وجه النكارة فيه أن المشهور عن عمر بن الخطاب المنع من القبلة للصائم فكيف يروي الحديث ويخالفه وهذا وجه استنكار النسائي، وهذا الحديث حسنه ابن المديني وهو لا بأس به وقد نقل التحسين ابن كثير في مسند الفاروق.
مسألة:
الصحيح أنه لا فرق بين الشباب والشيخ في التقبيل وأن مدارها على الشهوة إذا كان يستطيع أن يملك نفسه فله التقبيل وإذا كان لا يستطيع أن يملك نفسه فليس له التقبيل والأحاديث التي فيها التفريق بين الشاب والشيخ في التقبيل منها:
حديث أبي العنبس عن الأغر عن أبي هريرة أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له
стр. 80
الشيخ والذي نهاه شاب وهذا الحديث لا يثبت فيه أبو العنبس مجهول وجاء من حديث ابن عباس عند ابن ماجه وحديث عبد الله بن عمر عند أحمد وكلها ضعيفة. والدلالة على عدم التفريق بين الشاب والشيخ في القبلة من وجوه:
١ - أن عائشة ﵂ راوية حديث التقبيل وهي شابه وقد توفي النبي ﷺ عنها وهي ابنة الثامنة عشرة سنة وهي وإن كانت تقبل لكن يبقى الحكم يتعدى لها.
٢ - أيضًا ما رواه مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ فقال «سل أمك فأخبرته أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم» وهذا الحديث أخرجه مسلم وفي بعض ألفاظه «سل أم سلمة» وقد زعم ابن العراقي في «طرح التريب» بأن عمر بن أبي سلمة هذا هو الحميري وليس ابن أم سلمة وقال أنه قد رواه البيهقي وبينه أنه الحميري. قلت: وقد رجعت إلى سنن البيهقي ولم أجد ما قاله، ولما ترجم ابن حجر في الإصابة لعمر بن أبي سلمة قال ومن حديثه وذكر هذا الحديث وكأنه يريد بهذا الرد على ابن العراقي في «طرح التثريب».
ولكن هنا إشكال وهو أن عمر بن أبي سلمة حينما سأل النبي ﷺ عن القبلة كان صغيرًا؛ لأن عمر بن أبي سلمة ولد في السنة الثانية من الهجرة في الحبشة مع أمه وأبيه وتوفي النبي ﷺ وله من العمر تسع سنوات كما قال ابن عبد البر فهل مثل هذا يسأل عن القبلة للصائم؟
الجواب: قد يقال أنه أرسله بعضهم وهذا يقع كثيرًا أن الإنسان لا يسأل
стр. 81
بنفسه وإنما يوكل غيره بالسؤال وعلى كل حال الأمر سهل في ذلك.
الخلاصة: أن مدار الأمر في التقبيل على الشهوة فهي لا تضبط بسن ما دام الإنسان يملك نفسه فلا بأس بذلك وأما إذا كان لا يملك نفسه فإن المظنة تنزل منزلة المئنة فتمنع حتى لا يقع الفطر بالإنزال أو الجماع، فانظر ما يطرفك محلى ابن حزم (٦/ ٢١١) وما بعده، ولولا خشية الإطالة وغير ذلك لنقلناه بتمامه، وقد ذهب إلى أن التقبيل سنة. قلت: وهو كذلك.
стр. 82
٢٥ - باب اغتسال الصائم
وبل ابن عمر ﵃ ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم، ودخل الشعبي الحمام وهو صائم وقال ابن عباس: لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم، وقال ابن مسعود: إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلًا، وقال أنس: إن لي أبرن أتقحم فيه وأنا صائم، ويذكر عن النبي ﷺ أنه استاك وهو صائم، وقال ابن عمر: يستاك أول النهار وآخره ولا يبلع ريقه، وقال عطاء: إن ازدرد ريقة لا أقول يفطر، وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب قيل: له طعم قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به، ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسًا.
١٨٢٩ - حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثنا يونس عن ابن شهاب عن عروة وأبي بكر قالت عائشة ﵂:
كان النَّبِيِّ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. [ر ١٨٢٥]
١٨٣٠ - حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن سميٍّ مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن:
كنت أنا وأبي فذهب معه حتى دخلنا على عائشة ﵂ قالت: أشهد على رسول الله ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُهُ. ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ.
стр. 83
الشرح:
في هذه الأحاديث: انتزع المؤلف مسألة اغتسال الصائم وهي التي صدّر بها الباب ثم ذكر أن النبي ﷺ كان يغتسل من الجنابة.
الفوائد:
فيه جواز الاغتسال للصائم وأيضًا دخول الحمام كما علق المؤلف ذلك عن الصحابة والتابعين.
وفيه جواز تذوق الطعام للحاجة ولكن لا يزدرده بل يمجه وهذا في حال الحاجة، وفي غير الحاجة فمكروه.
وفيه جواز الانغماس في الماء ولو عمره وذكر أثر أنس في ذلك: «أني لي أبزن أتقحم فيه وأنا صائم».
والأبزن هو حجر منقور شبه الحوض أي كالبركة الصغيرة.
وفيه جواز السواك بل وسنيته وقعد عقب المؤلف له بابًا سيأتي إن شاء الله.
وفيه جواز الكحل للصائم وهذا هو الصحيح في مسألة الكحل، أنه لا يفطر الصائم ولكن لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يكتحل وهو صائم أو أنه ينهي عن ذلك والأحاديث التي في النهي عن الكحل للصائم ضعيفة مثل حديث: «أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال وليتقه الصائم» وهذا لا يصح وكذا حديث «كان يكتحل وهو صائم» فإن لا يصح قال الترمذي لا يصح في هذا الباب شيء.
ولكن ذكر عن بعض السلف أنه لم يرَ بالكحل للصائم بأسًا وذكر هذا مرويًا عن أنس عند أبي داود بإسناد صحيح، وكذا روي عن ابن عباس كما
стр. 84
ذكر ذلك ابن حجر في بعض كتبه أن البيهقي في الشعب روى بإسناد لا بأس به عن ابن عباس أنه لم ير في الكحل للصائم بأسًا وكذا روي عن علي ﵁ ولم أقف عليه وكذا جاء عن الحسن وإبراهيم ﵏ فعلى كل حال يجوز الكحل للصائم حتى لو أحس بطعمه في جوفه وذلك؛ لأن العين ليست منفذًا طبيعيًا للأكل والشرب وهذا هو الصواب خلاف للمذهب الذي يرى أنه مفطر.
وفيه جواز التبرد والمضمضة ولكن من غير أن يبلعه، وهذا من الإعانة على العبادة ولا تهتكها ومعلوم أن الإعانة على تسهيل العبادة على الإنسان مشروع فكون الإنسان يتعاطى أسباب الراحة في العبادة حتى يؤديها وهو خاشع خيرًا من أن يمنع نفسه مما أباح الله.
стр. 85
٢٦ - باب الصائم إذا أكل أو أشرب ناسيًا
وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك. وقال الحسن: إن دخل حلقة الذباب فلا شيء عليه. وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسيًا فلا شيء عليه.
١٩٣٣ - حدثنا عبدان أخبرنا يزيد بن زريع حدثنا هشام حدثنا ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».
الشرح:
النسيان: هو الذهول عن شيء معلوم. يعني أنه ذهل الإنسان عن شيء معلوم له مع أنه لو كان ذاكرًا لما فعله، فإذا أكل الإنسان أو شرب أو جامع كما ذكر المؤلف تعليقًا عن الحسن ومجاهد ناسيًا فصومه صحيح وخالف بعضهم في مسألة الجماع وقال أنه يعذر بالأكل والشرب ناسيًا ولكن لا يعذر بالجماع؟
والصحيح أنه إذا جامع ناسيًا وقدر ذلك فإن صومه صحيح وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقال الله: قد فعلت، ولأن النسيان مثل الجهل بالحكم.
فالصحيح أن جميع المفطرات لا يحصل بها الإفطار إلا إذا كان المكلف عالمًا أي ليس بجاهل وذاكرًا ليس بناس ومختارًا ليس بمكروه؛ لأن الناسي لا ينسب إليه الفعل ولهذا قال: «فإنما أطعمه الله وسقاه».
стр. 86
مسألة:
إذا رأيت إنسانًا يأكل ويشرب هل يلزم أن أذكره أم لا؟
الجواب: قال بعضهم: أنه لا يذكر؛ لأن الله أطعمه وسقاه ولا دليل على التذكير.
وقال بعضهم: بل يلزم تذكيره؛ لأنه وإن كان الله أطعمه وسقاه فنحن نعلم أن هذا الإنسان وإن كان أطعمه الله وسقاه؛ فإنه يأكل ويشرب مثل النائم الذي نام عن الصلاة سواء فكما أن هذا الإنسان نام وارتاح وأراحه الله وجعل نومه سباتًا له لقطع تعبه فإنا نوقظه للصلاة ويلزم من قال أنه لا يذكر الصائم أنه لا ينبه النائم للصلاة وقد قال ذلك ابن رجب في شرح البخاري وقال «يلزم من قال أن لا يذكر الصائم أن لا يوقظ النائم وقال هما سواء». ا. هـ.
والشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه يرى أنه لا يذكر الصائم إذا أكل أو شرب، ولكن الصحيح أنه يذكر ثم أننا قد نظن أنه ناسي وهو ليس بناس ثم أن الصورة الظاهرة صورة منكر وأحكام الدنيا على الظاهر فهذا الرجل يأكل ويشرب في نهار رمضان فإننا ننكر عليه لكن فيما بينه وبين الله فإذا تبين أن هذا الإنسان مثلًا ناسيًا فقد عفا الله عنه وأطعمه وسقاه لكن أنا الآن مخاطب بالإنكار عليه وهذا اختيار الشيخين ابن باز وابن عثيمين والله أعلم، ثم رأيت ابن حزم قال في محلاه (٦/ ٢٢١): وروينا من طريق وكيع عن شعبة عن عبد الله ابن دينار قال: استقى ابن عمر وهو صائم، فقلت: ألست صائمًا؟ فقال: أراد الله أن يسقيني فمنعتني.
стр. 87
قلت: هذا من أصح إسناد يكون عن ابن عمر، فقد أنكر ابن عمر تذكير عبد الله بن دينار له .. فالأمر واسع، وسنة الصحابة أحب إلي.
مسألة:
إذا أكل إنسان طعام غيره أو أتلف ماله وهو ناسي وقال أطعمني الله وسقاني ولم أعرف أنه لغيري؟
الجواب: نقول أطعمك الله وسقاك إذا كان هو الطعام لك أما إذا كان الطعام لغيرك فلابد من ضمان هذا الطعام ولأن النسيان إنما هو عذرٌ في العبادات التي بين العبد وربه أما مسألة الإتلافات على الغير فهذه يستوي فيها الذاكر والعامد والناسي والصغير والكبير.
стр. 88
٢٧ - باب سواك الرب واليابس للصائم
ويذكر عن عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصى أو أعد، وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ»، ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي ﷺ ولم يخص الصائم من غيره، وقالت عائشة عن النبي ﷺ : «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» وقال عطاء وقتادة: يبتلع ريقه.
١٨٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ ـ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلاَثًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلاَثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَاسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلاَثًا ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، لاَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيءٍ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [ر ١٥٨]
الشرح:
في نسخة الكشميهني: باب السواك والرطب واليابس.
المؤلف ذكر هنا ثلاثة أدلة فيها مشروعية السواك للصائم:
١ - أدلة خاصة في الاستياك في حال الصوم.
٢ - أدلة عامة في السواك عند كل وضوء ولم يخص صائمًا ولا غيره.
стр. 89
٣ - أدلة وأحاديث فيها شرعية المضمضة في الوضوء وهي أبلغ من السواك.
وأما ما علقه المؤلف عن عامر بن ربيعة فهذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده عاصم بن عبد الله وهو ضعيف الحديث، ولكن يؤخذ شرعية السواك للصائم من الأدلة العامة وهذا وجه انتزاع المؤلف من حديث أبي هريرة الذي علقه: «لولا أن أشق على أمتي ....» الخ ومعلوم أنه يصلي في النهار صلوات الظهر والعصر ونوافل وسواء كانت قبل الزوال أو بعد الزوال؛ فصلاة الظهر والعصر ونوافل وسواء كانت قبل الزوال أو بعد الزوال؛ فصلاة الظهر والعصر كلها بعد الزوال فالمؤلف أراد بهذا الحديث الرد على من كره الاستياك سواء بالسواك الرطب أو اليابس بعد الزوال.
مسألة:
إن قال قائل: السواك الرطب قد يكون له طعم العود نفسه فما العمل؟
الجواب: نقول: يستاك به ولكن إذا كان له طعم أجنبي كمرارة العود فهذا يمجه أما إن كان هذا السواك يابسًا، ثم استاك به ثم ترك السواك فلا يلزمه أن يمج ما في فمه؛ لأن الغالب أن السواك الجاف اليابس لا يكون له طعم منفصل إنما يترطب بالريق الذي في الفم، ولا يأخذ منه الفم أي طعم، أما إذا قدر أن هذا السواك جديد يتحلب منه الطعم كما في بعض السوك بوزن كتب - وهو الجمع الصحيح للسواك - أنه يتحلب منه طعم حار وهذا طعم أجنبي، فإنه يمجه ولا يزدرده وأما إذا انفصلت من السواك أعواد فعلمها فإنه يبصقها أما إذا لم يعلمها وجرت مع الريق من غير قصد فإنها لا تبطل الصيام.
стр. 90
مسألة:
إذا كان إنسان بين أسنانه بقايا طعام وابتلعه من غير قصد؛ فإنه لا يفطر ولا يبطل صيامه ولا تبطل صلاته وهو يصلي، إلا إن كان لحم إبل فإنه ينتقض وضوءه متى علم بأنه أكل بقاياه بين أسنانه.
стр. 91
٢٨ - باب قول النبي ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ»
ولم يميز بين الصائم وغيره .
وقال الحسن: لا بأس بالسعوط للصائم إن لم يصل إلى حلقه ويكتحل، وقال عطاء: إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ المَاءِ لَا يَضيِرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ ريِقَهُ وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ وَلاَ يَمْضَغُ العِلْكَ فإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ العِلْكِ لاَ أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ وَلَكِنْ يُنْهَ عَنْخُ فَإِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لاَ بَاسَ لَمْ يَمْلِكْ.
الشرح:
أن ما عقد له المؤلف هنا وهو قوله: «باب قول النبي ﷺ : «إذا توضأ فليستنشق بمنخره من الماء» ولم يميز بين الصائم وغيره، هذا هو الصحيح أنه يستنشق وهو صائم ولكن لا يبالغ كما جاء في حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه في سنن أبي داود وغيره: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» فالصائم منهي عن المبالغة في الاستنشاق لا أنه منهي عن أصل الاستنشاق فإنه يستنشق وجوبًا في الوضوء لكنه لا يبالغ خشية أن الماء يتدرج إلى خياشيمه فينزل إلى جوفه وذلك؛ لأن الأنف منفذ بخلاف العين والأذن فالأنف قد يخرج منه شيء من الماء عند المبالغة فيصل إلى المعدة فهو يشبه الفم ولهذا يدخل الطعام به عند بعض المرضى عافانا الله وإياكم من ذلك، ولهذا لا يقطر في الأنف وهو صائم أما القطرة في العين والأذن فلا بأس
قول المؤلف: «وقال الحسن: لا بأس بالسعوط للصائم إن لم يصل إلى حلقه ويكتحل» نقول قد يحتاج أحيانًا إلى الاستعاط للصائم فإذا لم يصل إلى
стр. 92
حلقة فلا بأس أما الكحل فقد مر الكلام عليه.
أما إذا تمضمض فكما قال عطاء: «إذا تمضمض ثم أفرغ ما فيه من الماء لا يضره إذا لم يزدرد ريقه»؛ لأن الإنسان إذا تمضمض وهو يتوضأ ثم مج الماء الذي في فمه لم يبق شيءٌ ولم يبق إلا الرطوبة التي في الفم وهي من اللعاب، ولو قدر أنه بقي شيء فلا يتعلق به تكليف.
وقول عطاء أيضًا: «وكذلك لا يمضغ العلك فإذا ازداد ريق العلك لا أقول إنه يفطر ولكن ينهى عنه».
نقول المراد بالعلك هنا: أي الذي لا يتحلب منه طعم ولكن الصحيح أنه يكره للإنسان أن يعلك العلك وإن لم يتحلب منه طعم وذلك لعدة أمور:
١ - أنه يساء الظن به فإذا تعاطاه أمام الناس فإنه يُساءُ الظن به أنه يتعاطى شيئًا مفطرًا.
٢ - أنه يأتي بالعطش؛ وذلك لأنه يستدر اللعاب ويكثر من نزوله إلى المعدة.
٣ - أنه قد يدخل جوفه قطع منه إذا تمزق وكما تقدم يكره ذوق الطعام إلا لحاجة فكيف بهذا وهذا إذا قدّر أن العلك ليس له طعم.
وقوله: «إذا استنثر فدخل الماء في حلقة لا بأس لأنه لم يملك» يعني إذا أراد أن لا يبالغ، مثاله: أنه إذا استنشق الإنسان من غير مبالغة ثم دخل الماء إلى حلقة فلا بأس لأنه ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون ولكن إذا بالغ الإنسان في الاستنشاق فدخل الماء إلى جوفه فهل نقول أن صومه فسد؟
стр. 93
الجواب: نقول هو حينما بالغ أيريد أن يفطر أو يريد أن يبالغ في الوضوء؟ الجواب الثاني فهو ما أراد أن ينزل الماء إلى جوفه وإنما أراد تحقيق هذه الصفة في الوضوء وبجهله تعاطي هذه المسألة على غير وجهها فالصحيح أنه لا يفطر ولكنه يأثم، لأنه ما أراد دخول الماء وإنما أراد المبالغة في الاستنشاق فالجهة منفكة وقال بعضهم يفطر إذا بالغ وفيه نظر.
стр. 94
٢٩ - بَابٌ إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ
ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «مَنْ أَفَطَر يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامّهُ» وبه قال ابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم وقتاده وحماد: يقضي يومًا مكانه.
١٨٣٣ - حدثنا عبد الله بن منير سمع يزيد بن هارون حدثنا يحيى هو ابن سعيد أن عبد الرحمن بن القاسم أخبره عن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام ابن خويلد عن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره أنه سمع عائشة ﵂ تقول: إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق قال: «مَالَك» قال: أصبت أهلي في رمضان فأتى النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق فقال: «أَيْن المُحْتَرقُ» قال: أنا قال: «تَصَدَّقْ بِهَذَا».
стр. 95
٣٠ - باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء
فتصدق عليه فليكفر
١٨٣٤ - حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت قال: «مَالَك» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ : «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قال: لا قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ «قال: لا، فقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قال: لا قال: فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أتى النبي ﷺ بعرق فيها تمرٌ - والعرقُ المكتلُ - قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فقال: أنا، قال: «خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بجت أنيابه ثم قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». [١٨٣٥، ٢٤٦٠، ٥٠٥٣، ٥٧٣٧، ٥٨١٢، ٦٣٣١، ٦٣٣٣، ٦٤٣٥]
стр. 96
٣١ - بَابُ المُجَامِعِ في رَمَضَان
هلْ يُطعِمُ أهلهُ مِنَ الكفارةِ إذا كانوا مَحَاويجَ ؟
١٨٣٥ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن الأخر وقع على امرأته في رمضان فقال: «أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟» قال: لا، قال: «فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لا قال: «أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ ستِّينَ مِسْكِينًا» قال: لا، قال: فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر وهو الزبيل قال: «أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ» قال: على أحوج منا؟ ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا قال: «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». [ر ١٨٣٤]
الشرح:
هذه التراجم الثلاث تتعلق بالجماع والكفارة في نهار رمضان:
قول المؤلف: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه» هذا التعليق وصله أصحاب السنن الأربعة من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة نحوه، وهذا الحديث لا يصح وخلاصة العلل التي فيه هي:
١ - الجهالة بحال أبي المطوس.
٢ - والاضطراب حيث اختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافًا كثيرًا.
стр. 97
٣ - وكذلك والد أبي المطوس لا يعرض له سماع من أبي هريرة. وقد علقه البخاري بصيغة التمريض، ثم قال المؤلف: وبه قال ابن مسعود، وقول ابن مسعود هذا ضعيف في النظر وإلا فهو صحيح السند إليه، ثم أراد المؤلف الرد على هذا القول فقال: وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد بن أبي سليمان: يقضي يومًا مكانه وسوف نذكر في الفوائد إن شاء الله مسألة قضاء يوم مكانه.
الفوائد:
من جامع في نهار رمضان ممن هو مكلف بالصيام فإنه عليه الكفارة المغلظة والمراد بذلك: إذا وقع ممن يلزمه الصوم، أما إذا وقع ممن لا يلزمه الصوم كالمسافر والمريض فإنه لا إثم عليه ولا كفارة، ولكن عليهما القضاء، مثاله: لو قدر أن زوجين كانا في سفر صائمين ثم لما انتصف النهار جامع الرجل امرأته وهو لا يزال في السفر فإنه ليس عليهما إلا القضاء.
وفيه أن الوقوع في المعاصي هلاك وذلك؛ لأن النبي ﷺ أقره على هذه الكلمة ولم ينكر عليه.
وفيه الاستبانة عن المجمل حيث قال: «ما أهلكك».
وفي صراحة الصحابة ﵃ حيث أنهم لا يستحيون من الحق، حيث قال «وقعت على امرأتي وأنا صائم» وهذا أمر يستحيا منه عادة.
وفيه أن النبي ﷺ سكت عن الطرف الثاني وهي زوجته ولم يبحث عنه؛ لأن الزوجة يحتمل أنها جاهلة أو مكرهة فلم يسأل عن زوجته.
وفيه بيان كفارة الجماع في نهار رمضان وهي عتق رقبة واشترط كثير من
стр. 98
أهل العلم: أن تكون مؤمنة واشترط بعضهم أن تكون سليمة من العيوب الضارة بالعمل ووجه ذلك كونه به عيوب تمنع من العمل كونه في الرق خير من كونه حرًا ولا يستطيع الإنفاق على نفسه وهذا معناه أنه أعتق وهو لا يستطيع العمل هلك وضاع وفي هذا الشرط نظر وهو للأصحاب «الحنابلة».
وفيه أن الإنسان مؤتمن على دينه؛ لأن النبي ﷺ لم يستحلف الرجل في ذلك؛ لأن ما يتعلق في العبادة لا يحلف فيه الإنسان بل هو مؤتمن على ذلك.
وفيه أن الكفارة في رمضان للجماع على الترتيب، وهذا من لفظ النبي ﷺ وقد ذكر الدارقطني في علله أن نحو ثلاثين راويًا عن الزهري رووه بلفظ الترتيب والأقل بلفظ التخيير وأيضًا هناك وجه للترجيح أن الترتيب من لفظ النبي ﷺ ؛ لأنه قال: «فهل تجد رقبة» قال: لا والفاء للترتيب، ثم قال بعد ذلك «فهل تستطيع أن تصوم» وهكذا. وأما التخيير فهو من أقوال الرواة وهو من باب الرواية بالمعنى وشطه عدم الإخلال بالمعنى وصار هنا إخلال بالمعنى.
وفيه أن الشهرين لابُدَّ أن يكونا متتابعين فلو تخللها أيام فطر مثل العيد والسفر فإن هذا لا يقطع التتابع ويكمل بعد انقضائهما بشرط عدم التحايل على ذلك ومثل ذلك المرأة لو حاضت فإن هذا لا يقطع التتابع.
وفيه أن الإنسان إذا جامع في نهار رمضان حصل عليه أمور خمسة، وهذا بشرط كونه يعلم أن الجماع في نهار رمضان محرم والأمور الخمسة هي:
١ - استحقاق الإثم.
стр. 99
٢ - وجوب الإمساك.
٣ - وجوب التوبة.
٤ - وجوب الكفارة المغلطة.
٥ - وجوب قضاء ذلك اليوم وهو الصحيح وإن كان شيخ الإسلام يقول: أنه لا يقضي ويقول أن الأمر بالقضاء ضعيف.
ونقول أحاديث الأمر بالقضاء ضعيفة ولكن نحن لا نحتاج إليها؛ لأن الأصل أن هذا الإنسان لما أفسد ذلك اليوم ما أدى هذه العبادة واستقرت في ذمته ولابد من قضاء ذلك اليوم وأورد على شيخ الإسلام حديثًا «من استقى فعليه القضاء» أي من استقى أي فعل القيء عامدًا أمر بالقضاء، وهذا الحديث قد ضعفه الأئمة أحمد والبخاري وغيرهما، وجاء عند مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر بنحو الحديث المرفوع، ولكن ردَّ عليه شيخ الإسلام أن هذا الشخص لا سبيل للقضاء ولا ينفعه وأما الذي استقاء عادة فإنه لا يستقئ إلا من مرض حتى وإن كان عامدًا ولذلك أمر بالقضاء؛ لأنه فعله لمرض أو تخمة وما أشبه ذلك.
فالصحيح: أنه لابُدَّ من قضاء هذا اليوم وإن كانت أحاديث القضاء ضعيفة ولكن القواعد العامة تدل عليه.
وهذه الأمور في حق من يعلم أن الجماع محرم أما إذا كان لا يعلم أن الجماع محرم فلا يجب عليه الكفارة وصومه صحيح أما إذا علم أن الجماع محرم ولكن لم يعلم أن عليه الكفارة فإنه يجب عليه الكفارة؛ لأنه لما علم الحكم ترتب عليه أحكامه.
стр. 100
وفي الحديث بألفاظه من الفوائد: أن الإنسان إذا أعسر بالكفارة في الجماع في نهار رمضان فإنها تسقط عنه حيث لم يخبره النبي ﷺ أنها باقية في ذمته.
مسألة:
هل جميع الكفارات مثل الجماع في نهار رمضان في سقوط الكفارة بالإعسار؟
الجواب: نعم على القول الصحيح.
وفيه من الفوائد: أن إطعام ستين مسكينًا لم يقدر قدر المُطْعم وهذا على ثلاثة أنحاء في النصوص:
١ - أحيانًا يتحدد الطعام والمطعم مثل فدية الأذى حدد الطعام بثلاثة آصع، وحدد المطعم بستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.
٢ - وأحيانًا يحدد الطعام دون المطعم كما في صدقة الفطر فيها صاع ولم تحدد هل تدفع لواحد أو اثنين أو ثلاثة؟ تدفع لمن شاء.
٣ - تحديد المطعم أي الأشخاص دون الطعام كما في كفارة الجماع وكفارة اليمين وكفارة الظهار.
مسألة:
من جامع في نهار رمضان مرتين فماذا عليه؟
الجواب: فيه تفصيل:
١ - إذا جامع في يوم من رمضان مرتين ولم يكفر عن الأول قال في المغني: فعليه واحدة بغير خلاف.
стр. 101
٢ - إذا جامع في نهار رمضان ثم كفر، ثم جامع في اليوم نفسه فقيل: عليه كفارة ثانية وهو المشهور من مذهب الحنابلة؛ لأنه وطء محرم لحرمة رمضان حيث يجب عليه الإمساك، وهذا اختيار شيخ الإسلام (٢٥/ ٢٦١).
والقول الآخر: ليس عليه كفارة ثانية، وهو قول الجمهوري ووجه ذلك قالوا: أنه أفسد صوم يوم واحد فعليه كفارة يوم واحد، وحكاه الوزير بن هبيرة في الإفصاح إجماعًا. والعجب أنه حكى خلاف أحمد فكيف يكون إجماعًا؟ والقول الأول هو اختيار أبي محمد صاحب «المغني».
وقال صاحب «الاختيارات»: وهل تحب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح أو لحرمة الزمان، فيه قولان: الصواب الثاني.
مسألة:
إذا جامع في يومين من رمضان فإن كفر للأول ثم جامع في الثاني فعليه كفارة للثاني إجماعًا وإن عاود الجماع في الثاني قبل أن يكفر عن اليوم الأول فالصحيح أن عليه لكل يوم كفارة؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، وهو قول الجمهور.
مسألة:
من جامع في نهار رمضان وهو معافى ثم مرض أو سافر أو جن أو حاضت المرأة، لم تسقط الكفارة لاستقرارها في ذمته.
مسألة:
من طلع عليه الفجر وهو مجامع فإن نزع في الحال فلا شيء عليه، وبوب عليه البيهقي في السنن بابًا، وإن تمادى واستدام فعليه القضاء
стр. 102
والكفارة. وأنظر قواعد ابن رجب (١/ ٤٧٧).
مسألة:
ومن أفطر ليجامع لا تسقط عنه الكفارة. أنظر مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٦٠ - ٢٦٢).
مسألة:
إذا كان الإنسان عنده عبيد كثير فإنه إذا جامع في نهار رمضان فإنه يعتق وقال بعضهم: لا بل يصوم لكي يرتدع عن الجماع في نهار رمضان فأيهما الصحيح؟
الجواب: أنه يعتق؛ لأن هذا ما جاء به النص وهو أحق بالإتباع ولأن الكفارة يجب فيها الترتيب لكن الإعتاق وإن كان سهلًا على هذا الإنسان لكثرة عبيده فإن فيه تحرير رقبة من العبودية وهو أعظم من الصيام، وهذا اجتهاد فاسد في مقابلة النص.
مسألة:
إنسان عليه كفارة جماع في نهار رمضان شهرين متتابعين ولكن في الليل جامع أهله فماذا عليه وهو أثناء الصيام؟
الجواب: أنه إن كان في رمضان يجوز الجماع في الليل فهذا من باب أولى وإنما لا يجوز الجماع في كفارة الظهار وذلك تأديبًا له والحكمة ظاهرة في هذا فإنه في الظهار جعل هذه المرأة مثل أمه فناسب أن يعاقب عليها.
والكفارة فيها جانبان:
١ - جانب عقوبة.
стр. 103
٢ - وجانب عبادة؛ لأن الإنسان إذا أعتق كتب له أجر، وكذا إذا صام حتى في العتق الواجب يعتق الله له بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه.
وأما قوله باب: «المجامع في نهار رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج».
نقول قد يقال إن النبي ﷺ لما قال: «خذ هذا فتصدق به» ثم أباحه إياه لدفع حاجته؛ لأن النبي ﷺ لما أعطاه قد سقطت عنه الكفارة بالكلية ولهذا ملكه هذا المال فلم يَصِرْ هو مصرف لكفارته؛ لأن الإنسان ليس مصرفًا لكفارته بل الصحيح أنه أسقطت عنه وأعطى لفقره.
مسألة:
أن النبي ﷺ لما أتى بالمال قال: «خذ هذا وتصدق به» مع أن الرجل حينما قيل له: «أتجد إطعام ستين مسكينًا» قال: لا فكيف يأمره النبي ﷺ ؟ قد نقول: إن هذا الرجل ليس فقرًا ولكن ليس عنده طعام ستين مسكينًا، فهو قد يجد إطعام مسكين أو مسكينين أو إطعام أهله فقط ولهذا قال: «خذها فتصدق بها».
مسألة:
من جامع في قضاء رمضان فماذا عليه؟
الجواب: ليس عليه كفارة إنما يقضي يومًا مكانه إنما الكفارة لأجل حرمة الزمان وليس عليه أن يمسك بعد الوطء وهو آثم؛ لأن هذا اليوم ليس له حرمة وإنما حرمته ذهبت بالجماع وإنما رمضان له حرمة فلذلك في
стр. 104
رمضان يكمل ممسكًا.
مسألة:
المرأة إذا كانت مطاوعة فإنها مثل الزوج في الإثم والكفارة؛ لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، وأما إذا كانت مكرهة فليس عليها شيء وصومها صحيح أما إذا كانت مكرهة في أول الأمر ثم طاوعت بعد ذلك فلا يجوز وعليها كفارة لأنها طاوعت.
стр. 105
٣٢ - بَابُ الحِجَامَةِ وَالقَيءِ للِصَّائِمِ
وقال لي يحيى بن صالح: حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى عن عمر ابن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة ﵁ إذا قام فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج، ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح، وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، وكان ابن عمر ﵃ يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلًا، ويذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة احتجموا صيامًا، وقال بكير عن أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهي، ويروى عن الحسن عن غير واحد مرفوعًا فقال: «أَفْطِرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»، وقال لي عياشٌ: حدثنا عبد الأعلى حدثنا يونس عن الحسن مثله قيل له عن النبي ﷺ قال: نعم ثم قال: الله أعلم.
١٨٣٦/ ١٨٣٧ - حدثنا مُعلى بن أسد حدثنا وهيب عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵃: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم.
(١٨٣٧) - حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵃ قال: احتجم النبي ﷺ وهو صائم. [ر ١٧٣٨]
١٨٣٨ - حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة قال: سمعت ثابتًا البناني قال: سئل أنس بن مالك ﵁ أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا إلا من أجل الضعف وزاد شبابه حدثنا شعبة على عهد النبي ﷺ .
стр. 106
الشرح:
هذا الباب عقده المؤلف في مسألة الحجامة والقيء للصائم وعلق عن بعض الصحابة والتابعين في مسألة القيء.
أما مسألة القيء: فالصحيح فيها أنه إن كان عن عمد فإنه مفطّر أما إن كان من غير قصد أو عمد بأن ألجئ إليه الإنسان فإنه لا يفطر، وأصح ما ورد في الباب ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر: «من استقاء عمدًا فليقض ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه». وقد جاء هذا في السنن من حديث هشام ابن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة ولكن الإمام أحمد والبخاري قد أعلاه وقال الإمام أحمد: ليس من ذا شيء.
قول ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، نقول هذا في الأغلب لأنه يكون قد يخرج الشيء ويفطر كدم الحيض والحجامة على القول الراجح واختلف العلماء وكذا قبلهم الصحابة في مسألة الحجامة وسيأتي الكلام عليها، وأما حديث ابن عباس: «احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم» هذا الحديث يروى على أربعة أوجه كما قال ابن القيم وابن حجر وغيرهم:
١ - اللفظ الأول: يروى بلفظ «احتجم وهو محرم» من غير زيادة: «وهو صائم» وهذا جاء من طرق شتى عن ابن عباس واتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن بحينة وجاء من حديث ابن عباس وهذا هو أصح ما ورد.
٢ - اللفظ الثاني: يروى بلفظ «احتجم وهو صائم». رواه أهل السنن وله طرق.
стр. 107
٣ - اللفظ الثالث: يروى بلفظ «احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم» أخرجه البخاري.
٤ - اللفظ الرابع: يروى بلفظ «احتجم وهو صائم محرم» أخرجه النسائي وغيره وضعفه الإمام أحمد وابن المديني وآفته كما قال مهنا: سألت أحمد عنه فقال: ليس فيه «صائم» وأنكروا هذا الحديث على محمد بن عبد الله الأنصاري.
فالخلاصة: أن البخاري أخرج حديث «احتجم وهو صائم» و «احتجم وهو محرم» والبخاري لم يبت في المسألة بل أطلق وإن كان في تعليقه عن بعض الصحابة ما يدل على أنه يرى أنه مفطّر كأبي موسى الأشعري أنه احتجم ليلًا وذكر حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» وهذا الحديث صححه الإمام أحمد وابن المديني وابن معين وصح من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وهذان الحديثان الصحيح أنهما ناسخان لحديث ابن عباس.
مسألة:
اختلف أهل العلم في مسألة الفكر بالحجامة على قولين:
القول الأول: وهو مذهب الجمهور مالك والشافعي وأبو حنيفة أن الحجامة لا تفطر.
واحتجوا:
١ - بحديث أبي سعيد: «أن النبي ﷺ رخص في الحجامة للصائم» ولكن الصحيح في هذا الحديث أنه لا يصح رفعه لرسول الله ﷺ والصحيح
стр. 108
أنه موقوف على أبي سعيد الخدري وأصله فتيا سئل أبو سعيد عن حكم القبلة والحجامة: «فرخص فيهما» ثم وقع في هذا الحديث وهم فرفعه بعض الرواة وممن نص على ذلك الترمذي وأبو حاتم وأبو زرعة والبزار وابن خزيمة.
فالصحيح أن حديث أبي سعيد لا يصح رفعه.
٢ - استدلوا بحديث أنس الذي أخرجه الدارقطني والبيهقي من طرق خالد ابن مخلد حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثابت البناني عن أنس قال: «أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم ثم مر بهما النبي ﷺ وقال: «أفطر هذان» ثم رخص النبي ﷺ بعد ذلك في الحجامة وكان أنس يحتجم وهو صائم».
وهذا الحديث منكر بهذا اللفظ فهو ضعيف الإسناد ومنكر المتن.
قال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق»: خالد بن مخلد القطواني له مناكير وأخرج له البخاري بعض الأفراد وكذلك في سنده عبد الله بن المثني تكلم فيه غير واحد من الحفاظ كأبي داود والنسائي وقال العقيلي: لا يتابع على أكثر حديثه ثم أن أصل هذا الحديث في البخاري برواية شعبة جبل الحفظ يرويه عن ثابت البناني قال: سألت أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. فهذا أصل حديث أنس: «أفطر هذان».
وحديث أنس: «أول ما كرهت الحجامة ....» طعن فيه شيخ الإسلام، وقال الحافظ ابن حجر: إن في إسناده ما ينكر.
стр. 109
القول الثاني: وهو مذهب أحمد أن الحجامة مفطرة واحتجوا:
١ - بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ «نهى عبد الرحمن للصائم والمواصلة ولم يحرمها إبقاء على أصحابه» هذا الحديث صحيح الإسناد.
والجواب على هذا الحديث أن قوله: لم يحرمها إبقاء على أصحابه، نقول هذا فهم الراوي وظنه، وقد أخبر أن النبي ﷺ نهى عن ذلك فالنهي كافٍ والنهي يقتضي التحريم، وأيضًا قد خالفه جمهور الصحابة، وقوله: «إبقاء على أصحابه» هذا متعلق بالنهي.
فالصحيح أنه لا يصح في أن الحجامة ناسخة أو لا تفطر سوى ما أخرجه البخاري في هذا «أنه احتجم وهو صائم» ولكن لا يتم الاستدلال لهذا الحديث على أن الحجامة غير مفطرة إلا بعد أربع مقدمات كما قال ابن القيم: وهي:
١ - أن يكون احتجم وهو صائم في فرض؛ لأنه إذا احتجم وهو نفل فالنفل يجوز الخروج منه.
٢ - أن يكون مقيمًا؛ لأن النبي ﷺ قد يكون احتجم وهو مسافر والمسافر يجوز له الفطر.
٣ - أن يكون النبي ﷺ سليمًا أما إذا كان مريضًا وقد احتاج إلى الحجامة فاحتجم فيكون كالمريض الذي احتاج إلى الفطر بالحجامة.
٤ - أن يكون متأخرًا عن حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم».
قال ابن القيم: ولا سبيل إلى إثبات واحدة فكيف بالأربعة مجتمعة فلا
стр. 110
يستطيع من قال أن الحجامة غير مفطرة أن يثبت هذه الأربعة.
فالخلاصة أن:
حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» هو حديث صحيح من حديث ثوبان وشداد بن أوس والصحيح العمل به وأن الحجامة مفطرة وهو أيضًا موافق للقياس؛ لأن الصائم منهي عن إخراج ما يقويه وإدخال ما يقويه فهو منهي عن إدخال الأكل والشرب منهي عن إخراج الدم بالحجامة وغيرها؛ لأنه فيه إضعاف له والسر في إفطار الحائض هو إخراج الدم لأنه يضعفها وقول أنس في البخاري: «إلا من أجل الضعف» فكفى به علة أن الإنسان لا يخرج ما يقويه ولا يدخل ما يقويه حتى يصمد للابتلاء بالتكليف الشرعي؛ لأنه إذا تعاطى ما يقويه انتفت الحكمة من الصيام وإذا أخرج ما يقويه فإن ذلك يؤدي إلى هلاكه والعبادات إنما هي لتمحيص الإنسان والابتلاء لا لإهلاكه وتعذيبه، وقد قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] فالصحيح في هذه المسألة أن الصوم يفسد بالحجامة.
مسألة: الحاجم والمحجوم سواء فإنهم يفطران سواء فالمحجوم ظاهر؛ لأن الدم يخرج منه وأما الحاجم فقال شيخ الإسلام: فإنه يمص الدم فربما خرج شيئًا إلى فيه فدخل فغلبه فنزلت المنظمة منزلة المئنة وهل يكون الحكم كذلك في الحجامة التي يتعاطاها الأطباء أو المحجمون من غير أن يمصوا الدم وذلك عن طريق الأجهزة هل نقول أن الحاجم يفطر؟
الجواب: شيخنا ابن باز يقول: يفطر حتى في هذه الحالة؛ لأنه معين على فطر أخيه فيفطر وأما شيخ الإسلام ومن وافقه من شيوخنا كابن عثيمين
следующие страницы →