Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
- أ -
مقدمة المشرف على مشروع «آثار الإمام ابن قيم الجوزيَّة وما لحقها من أعمال»
فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة
الحمد لله على ما أولانا ووفقنا وهدانا إلى الاستنجاد بعدد من المحققين لِوَصْل جُهود المصلحين في إخراج «آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال». وقد تم بحمد الله تعالي طباعة جملة منها مع مقدمة لها في أحد عشر مجلدا، ويتبعها آثار أخرى إن شاء الله تعالي (١).
والآن نبدأ على هذا المنوال - مستعينين بالله عز شأنه - بأثر من وجهٍ آخر من آثار هذا العالم المجدد في مدرسته التجديدية الإصلاحية، وهو «آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال». فإن هذا الإمام الحافظ أبا عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية الزُّرعي ثم الدمشقي، المولود سنة ٦٩١ والمتوفى سنة ٧٥١ ﵀ تعالي - هو من أخص تلاميذ شيخ الإسلام به، بل هو أخصهم به، وأسبقهم مرتبة في نشر علمه وفضله، ومن أكثرهم تآليف، أسبغ اللهُ عليه فيها من النضارة وجمال العبارة ما بهر عقول العلماء.
_________
(١) منها: «تنبيه الرجل العاقل ... » في مجلدين، وترجمة شيخ الإسلام لابن عبد الهادي المطبوع باسم «العقود الدرية»، والمجموعة السادسة وما بعدها من جامع المسائل»، وغيرها.
стр. 2
- ب -
ولأن دأبه فيها: استقصاء أصول المسائل وآثارها، وإجراء مطية فكره في أنجادها وأغوارها، وإبراز مقاصد الشريعة وحِكَمها وأسرارها = صارَ لها من القبول والانتشار ما لا يبلغه الوصف؛ حتى اشتهر وعُرف بمؤلفاته، ولحِقَه الوصفُ بها على نَصِيبَة قبره. فإني لما دخلت دمشق الشام عام ١٤١٢ زُرت مقبرة الباب الصغير بالجابية، ووجدت قبره - رحمه الله تعالى - على يسار الداخل، مکتوبا على نَصِيبَة قبره - على عادة عامة أهل الشام المنكرة شرعا - ما نصُّه: «هذا قبر الإمام الحافظ صاحب التصانيف المفيدة ابن قيم الجوزية المتوفي سنة ٧٥١ رحمه الله تعالى».
وقد تنافس في نسخها واقتنائها أهلُ العلم من شتى المذاهب، وانتشرت مخطوطات الكثير منها في مكتبات العالمين على الرغم من عدوان المعتدين، وكانت محل الرضا والقبول والتسليم من المنصفين، وما هو بالمعصوم.
وبعد ظهور المطابع في العالم الإسلامي تزاحم المصلحون على طباعتها ونشرها، وكان السابقون في ذلك أهل الحديث في شبه القارة الهندية منذ عام ١٢٩٨ مثل «زاد المعاد» و «إعلام الموقعين» و «النونية». وغيرها، وعنها صدرت بعض الطبعات المصرية القديمة مثل: البولاقية، والأميرية، والسلفية. . .؛ ولهذا لم يَرِد ذِكْرٌ للمخطوط فيها.
ثم تتابع طبع ما شاء الله من آثار هذا الإمام في الشرق الإسلامي، وفي عصرنا توارد الطابعون، لكن شابَ هذه الأعمال ما انتشر في سوق
стр. 3
- جـ -
الكُتْبيين مما امتدت إليه أيدي بعض المرتزقة باسم التحقيق حينًا، والاختصار حينا آخر، واستلال بحث من أيٍّ منها وإيهام القارئين بأنه تأليف مستقل لابن القيم، وعامة هؤلاء من أصحاب الصنائع والحِرَف الذين لا عهد لهم بتلقي العلم الشرعي عن أهله، وإنما قعدت بهم حظوظهم، وضاقت بهم سُبل المعاش، ولو شئنا لسميناهم بذنوبهم، ولكن نصرف النظر حينًا عسى أن يكون لهم توبة من هذه الحوبة.
ومن العناء أن العلم الشرعي مستباح الحِمى فتسوروه، وعرفوا مطلب السوق الرائجة فأخذوا في العمل على طبعها ونشرها في واحد من هذه الطرق وغيرها بما نشير إلى بعض منه في الآتي:
١ - سرقة ما ناله قلم التحقيق، ولهم في ذلك عدة طرق منها:
أ- تجريده من الحواشي.
ب - التحوير فيها.
ج - القدح بالطبعة السابقة بتلمس الأخطاء فيها وأن طبعته هذه قابلها على نسخة كذا التي وجدها حين زار المحل الفلاني، فمدّ يده إلى رَفٍّ فإذا بمخطوطة نفيسة، فعاد بها غنيمة باردة، وهكذا من الكرامات؟!.
د - أنه بعد أن أمضى مدة غير قصيرة في التحقيق وأتمه اطلع عليه
محققا مطبوعا، أو في رفوف الرسائل الجامعية، ثم يأخذ في ثلبها.
ه- وإن حَسُنَت من بعضهم الحال - وما هو بالحسن - اتخذ فريقَ عمل من المُمْلِقِين - (وَرْشَة) كما يقوله بعضُ مَنْ كَرِهَ حالَهم -. ولهذا تراه في العام الواحد يخرج ما لم يخرجه عميد المحققين مدة
стр. 4
- د -
حياته في التحقيق: عبد السلام هارون ﵀
وهذه وأضعافها داء قديم للمتأكِّلين، ومن نظر في كتاب «نموذج من الأعمال الخيرية» للشيخ محمد منير آغا الدمشقي ﵀ تعالي - رأى أضعاف ذلك.
٢ - الاختصار، الغرض الذي يقصد منه حذف ما يخالف مشربه
الفاسد.
٣ - تنتيف الكتاب الواحد إلى عدة كتب موهمًا أنه تأليف مستقل
دون الإشارة على الغلاف بما يفيد الاستلال.
٤ - التعليق على الكتاب بما ينقض مقصده في مهمات مسائله.
هذه بعض أفاعيل العابثين بكتب هذا الإمام؛ ولمرارة هذا العملِ، وقذف المطابع به في المكتبات التجارية، وخطره على العِلم والعَالمين ألَّفْتُ رسالة باسم «الرِّقابة على التراث» عسى أن تحمل الفاعلين على توبة نصوح، وتحمل المصلحين على إجراء ضمانات الحماية التراث.
ونحن نرجو أن يكون العمل في هذا المشروع المبارك - إن شاء الله تعالى - على الأُسس التي رُسِمَت له، والامتيازات التي تحلى بها؛ من توفير أفضل النسخ الخطية من مكتبات العالم، والسير على طريقة سوية مقتصدة في التعليق والتحقيق، وخدمة كل كتاب بمقدمة موعبة، وفهارس مفصَّلة كاشفة، وذلك كله بواسطة عددٍ من طلبة العلم المحققين، بعد إخضاع العمل للمراجعة والتحكيم = فنحن نرجو أن يكون في ذلك كله إخراجٌ لمؤلفات هذا الإمام الحافظ القدوة بما يليق
стр. 5
- هـ -
بها، وحصانة تحول دون هذه الغثائيات. وأن تكون طبعاته أساسًا لما يَرِدُ من ملاحظات لتصَحَّح في طبعة لاحقة بإذن الله تعالي.
وفي خاتمة هذا التقديم أشير إلى الأمور الآتية:
الأول: في الجلسة الختامية للدورة الحادية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة في البحرين عام ١٤٢٠ تم إعلان تبنِّي «المَجْمع» لطبع ونشر کتب ابن القيم - رحمه الله تعالى - لما فيها من فقه الدليل وصفاء التوحيد، وهذه من أهداف «المجمع» التي أُسِّسَ من أجلها.
الثاني: من حسنات الشيخ سليمان بن عبد العزيز الراجحي موافقته على تمويل هذا المشروع بواسطة مؤسَّسته الخيرية. أجزل الله له الأجرَ والثوابَ.
الثالث: جري عمل ثَبَتٌ بمخطوطات ومطبوعات مؤلفات ابن القيم (١) - رحمه الله تعالى - فلم يحصل فيها حتى التاريخ إضافة للمطبوع (٢)، وإنما حصل بعض النسخ الصحاح التي فيها زيادة على المطبوع، وأنَّ بعض الكتب التي كان يشار إليها بأنها من تأليفه مثل «طب القلوب» الذي ذكره أحمد عبيد - رحمه الله تعالى - في مقدمة «روضة المحبين» نقلا عن معلوف، تبين بعد إحضار مصورته عن نسخة برلين أنه فصل من «زاد المعاد»، وكتاب «سر الصلاة» فصل من «زاد المعاد» و «مسألة السماع»، وكتاب «معاني الأدوات والحروف»
_________
(١) وستكون ضمن «المداخل إلى آثار الإمام ابن القيم وما لحقها من أعمال».
(٢) إلا رسالة «رفع اليدين في الصلاة»، وقطعة من رسالة «حكم صوم يوم الغيم.
стр. 6
- و -
الموجود في بعض المكتبات العراقية ليس له. . .
الرابع: يوجد عدد من مؤلفات ابن القيم حقق في رسائل جامعية، منها ما طبع ومنها ما لم يطبع، وهذه نكتفي بضم ما يصلح منها إلى المشروع باسم محققيها بعد التنسيق معهم.
الخامس: سبق أن أَلَّفْتُ كتابا باسم: «ابن قيم الجوزية/ حياته، آثاره، موارده» وقد اقتضى النظر تأخير ضمه إلى المشروع مطبوعًا؛ للإضافة والتصحيح.
السادس: جُمِعَت ترجمةُ ابن القيم من كتب التراجم العامة على نحو ما تمَّ في كتاب «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون»، وسيكون ضمن مقدمة المشروع المطوّلة: «المداخل إلى آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال». .
السابع: ابن القيم - رحمه الله تعالى - ليس له مؤلَّف على طريقة الماتنين في التأليف؛ ولهذا لم أقف على أيِّ شرح لأيٍّ من كتبه، وإنما تناولها العلماء بواحد من الأعمال الآتية:
١ - الاختصار: مثل «مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي. ومختصرات لزاد المعاد»، ومختصر کتاب «الروح» للبقاعي باسم «سر الروح»، ومختصر «مدارج السالكين»، ومختصرات لـ «بدائع الفوائد» لغير واحد، ذُكِرَت في مقدمة التحقيق. وغيرها.
٢ - النظم: وقفت على نظم واحد لـ «زاد المعاد» لأحد علماء
اليمن. وسَيُذكر ذلك بالتفصيل في «المداخل .. » المشار إليها آنفًا.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم
стр. 7
مقدمة المحقِّق
الحمد لله واهب الحمد ومُسْديه، وصلاةً وسلامًا على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد؛ فإن أغراض التأليف وألوانه لا تقف عند حدّ (١)، وهمم العلماء في ذلك لا تنقطع إلا بانقطاع العلم؛ وذلك لكثرة المطالب الباعثة عليه، وسعة المباغي الداعية إليه.
ومن جملة تلك المطالب التي ألِفَ العلماءُ الكتابةَ فيها: تقييدُ بها يمرُّ بهم من الفوائد، والشوارد، والبدائع؛ من نصٍّ عزيز، أو نقلٍ غريب، أو استدلالٍ محرَّر، أو ترتيبٍ مُبتكر، أو استنباطٍ دقيق، أو إشارةٍ لطيفة = يُقيِّدون تلك الفوائد وقتَ ارتياضهم في خزائن العلم ودواوين الإسلام، أو مما سمعوه من أفواه الشيوخ أو عند مناظرة الأقران، أو بما تُمليه خواطرهم وينقدح في الأذهان.
يجمعون تلك المقيَّدات في دواوين، لهم في تسميتها مسالك، فتُسَمَّى بـ "الفوائد" أو "التذكرة" أو "الزنبيل" أو "الكنَّاش" أو "المخلاة"
_________
(١) نعم، وإن حصرها بعض العلماء في أربعة أغراض كابن فارس في "الصاحبي" وأرسطو كما في "كشف الظنون"، أو بثمانية كما ذكر ابن حزم في "نقط العروس" ونقله عنه صاحب "الكشف" وأبو الطيب ابن الشركي في "إضاءة الراموس" وغيرهم، إلا أن هذا الحصر الجُمْلي يدخل تحته من التفاصيل والفروع ما لا يُحْصَى، والناظر في مدوّنات أسماء الكتب كـ "الكشف" ونظائره يعلم هذا حق العلم.
стр. 8
أو "الفنون" أو "السفينة" أو "الكشكول" (١) وغيرها.
وهم في تلك الضمائم والمقيَّدات يتفاوتون في جَوْدة الاختيار، وطرافة الترتيب، وعُمْق الفكرة = تفاوتَ علومهم وقرائحهم، وفهومهم ومشاربهم، فاختيار المرء -كما قيل وما أصدق ما قيل! - قطعةٌ من عقله، ويدلُّ على المرء حسنُ اختياره ونقله.
إلا أن تلك الكتب تجمعها -في الجملة- أمور مشتركة؛ كغلبة النقل، وعزة الفوائد، وعدم الترتيب، وتنوُّع المعارف.
ومن أحسن الكتب المؤلَّفة في هذا المضمار كتاب "بدائع الفوائد" (٢) للإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، المعروف بابن قيِّم الجوزية، المتوفى: سنة (٧٥١) رحمة الله عليه. وهو كتابٌ مشحونٌ بالفوائد النادرة، والقواعد الضابطة، والتحقيقات المحرَّرة،: والنقول العزيزة، والنِّكات الطريفة المُعْجبَة؛ في التفسير، والحديث، والأصلين، والفقه، وعلوم العربية. إضافة إلى أنواع من المعارف؛ من المناظرات، والفروق، والمواعظ والرِّقاق وغيرها، مقًلِّدًا أعناق هذه المعارف سِمطًا من لآلئ تعليقاته المبتكرة.
_________
(١) انظر "معجم الموضوعات المطروقة": (٢/ ٩٤٨ - ٩٤٩). وفي ضبط (الكناش).
انظر "تاج العروس": (٩/ ١٨٨ - ١٨٩)، و"قصد السبيل": (٢/ ٤٠٤)، و"كناشة النوادر": (ص/٩ - ١١).
(٢) وقد رأيت الشيخ الفقيه محمد العثيمين ﵀ قد قال: "وأحسن ما رأيتُ في مثل هذا -أي: في تقييد الفوائد المهمة والشوارد العلمية- كتاب "بدائع الفوائد" للعلامة ابن القيم، ففيه [من] بدائع العلوم مالا تكاد تجده في كتاب آخر، فهو جامع في كل فن، كلما طرأ على باله مسألة أو سمع فائدة قيَّد ذلك، ولهذا تجد فيه من علم الحقائد والفقه والحديث والتفسير والنحو والبلاغة .. " اهـ من كتاب "العلم": (ص/ ٢٣١).
стр. 9
ومع ما وصفنا من كثرة فوائد الكتاب، إلا أنه لم يَنَل من الشهرة والذُّيُوع -في عصرنا هذا على الأقل (١) - ما نالَ صنوه "الفوائد"! وهل يكون "الفوائد" إلا قطرةً في بحرٍ لُجِّيٍّ من فوائد "البدائع"؟! وسبب ذلك -عندي- أن فوائد الكتاب عالية الرتبة، تَوَلَّجَ المؤلفُ فيها إلى دقائق الفنون، خاصة العربية، وهذه الدقائق والمباحث لا يفهمها المبتدئ والمقلِّد، كما يقول المؤلِّف في كتابه هذا (٣/ ٨٨٩). فبقي الكتاب لا يستفيد منه إلا الخاصةُ وخاصتُهم.
وقد اتَّجَه العزمُ إلى تحقيق هذا الكتاب من بضع سنوات خلت، إلا أن العمل فيه كان متقطِّعًا، إلى أن صمدت له أخيراً ليكون باكورة هذا المشروع المبارك -إن شاء الله تعالى- "آثار الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال" تحتَ رعايةِ ونظر شيخنا العلامة أبي عبد الله بكر بن عبد الله أبو زيد، ناشرِ علومِ الإمام ابن القيم وفقهِهِ وتراثِهِ -أحسنَ الله إليه وبارك في عمره-.
وقد مهَّدْت بين يدي الكتاب بمباحث متعددة هي:
* اسم الكتاب.
* تاريخ تأليفه.
* إثبات نسبته للمؤلف.
* التعريف بالكتاب، فيه:.
أهميته، وميزاته، ومنزلته بين كتب المصنِّف.
_________
(١) ومن الغرائب أن نسخ "البدائع" كثيرة جدًّا، أما كتاب "الفوائد" فلم نعثر له إلا على نسخة فريدة -هي التي طبع عنها الكتاب أول ما طبع- فهل كان "البدائع" أكثر شهرة وتداولاً من "الفوائد"؟!.
стр. 10
• العلوم التي حواها، ومُجْمَل ترتيبه.
• علاقته بكتاب "الفوائد".
• سماتُ الكتاب ومعالم منهجه.
* إفادة العلماء منه ونقولهم عنه، وثناؤهم عليه.
* موارده فيه.
* بَيْن ابن القيم في (البدائع) والسُّهيلي في (النتائج).
* مختصراته والمباحث المستلَّة منه.
* طبعاته.
* نسخه الخطيَّة.
* منهج العمل فيه.
* نماذج من النسخ الخطيَّة.
وأنا أرجو -بعملي هذا- أن أكون قد أسهَمْتُ في توسيع دائرة الإفادة من الكتاب، بما أقمتُ من نصِّه؛ وبما أظهرتُ من مكنونات علومه وفوائده؛ وبما كشفتُ من خبايا زواياه؛ وبما قدَّمْتُ بين يدي الكتاب من مباحث بسطتُ القولَ فيها بما يُلاقىِ مكانةَ الكتاب ومكانةَ مؤلِّفِه، مع اعترافي قبل: ذلك وبعده بالعجز والتقصير، والله المستعان.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد.
وكتب
علي بن محمد العمران
٩/ ربيع الأول/ ١٤٢٤
في مكة المكرمة حرسها الله تعالى
стр. 11
* اسم الكتاب
لا يختلف الذين ذكروا هذا الكتاب أن اسمه: "بدائع الفوائد"، سواء الذين ترجموا للمؤلف؛ كالصفدي في "أعيان العصر": (٤/ ٣٧٠)، و"الوافي بالوفيات": (٢/ ٢٧١)، وتلميذه ابن رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة": (٢/ ٤٥٠)، والحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة": (٣/ ٤٠٢)، والسيوطي في "بغية الوعاة": (١/ ٦٣) وغيرهم.
= وسواء الذين نقلوا عن الكتاب واقتبسوا منه؛ كابن مفلح في "الفروع" والمرداوي في "الإنصاف"، والمناوي في "الفيض"، والشوكاني والقِنّوجي وغيرهم (كما سيأتي مشروحًا).
ثم وجدنا هذا الاسم "بدائع الفوائد" هو الثابت على النُّسَخ الخطية التي وقفنا عليها، أو الموصوفة في الفهارس.
فثبت أن هذا هو اسمه.
ولا يُعَكِّر على ذلك ما وقع في "كشف الظنون" -وتابعه عليه صاحبُ "هدية العارفين"- من الاختلاف.
فقد وقع فيهما على وجهين:
١ - وقع باسم (بدائع الفرائد) -بالراء- (الكشف: ١/ ٢٣٠، وهدية العارفين: ٦/ ١٥٨).
وهذا لا يعدو أن يكون أحد التحريفات الكثيرة في الكتابين.
٢ - ووقع -أيضًا- باسم (بديع الفوائد) (في الكشف: ١/ ٢٣٥ وحده).
стр. 12
وكان يمكن أن نعتبر هذا الوجه في التسمية أحد التحريفات، لكن يُعَكّر عليه أن الحاج خليفة قد ساقه بين كتبٍ كلُّها تُسمَّى بـ "بديع كذا وكذا. .
"، فلعلَّه وقف على نسخة بهذا الاسم وهو احتمال ضعيف، أو تصَحَّف عليه الاسم، أو غير ذلك.
ويبقى أن بعض العلماء قد يختصر اسمه عند النقل منه، فيسمِّيه "البدائع" كما وقع لجماعةٍ منهم.
ومما يُلاحظ هنا أن المصنِّف ﵀ لم يُسَمِّ كتابَه في أوله ولا في أثنائه، ولا في كتبه الأُخرى، ولا نقل عه أحدٌ أنه سمَّاه بهذا الاسم، ومن عادة ابن القيم الاعتناءُ بتسمية كتبه، واختيار العناوين المناسبة المسجوعة لها، فمن أين جِيء بهذا الاسم؟.
يُمكن القول: إن المؤلف إما أن يكون قد سمَّاه بذلك في صفحة العنوان من النسخة التي بخطه، فنُقِلت التسمية من هناك، كما نراه فى النسخ الفرعية التي وقفنا عليها أو وُصِفت. وهذا الموضع -أعني صفحة العنوان- من أَلْيَق المواضع بتسمية الكتاب ومعرفة عنوانه. فكم هي تلك الكتب التي إنَّما عُرِفت أسماؤها من صفحات عنواناتها، ولا أثر لتسميه الكتاب في مقدمته! -وهذا هو الأرجح-.
وإما أن يكون -الاسم- مأخوذًا من تسمية من بعده من التلاميذ أو النُّسَّاخ، مستلْهِمِين ذلك من عَنْوَنة المؤلف لكثير من فوائد الكتاب بقوله: "فائدة بديعة" (تبدأ هذه العنونة من: ١/ ١٦٠ فما بعدها).
ومع أن هذه العنونة ليست هي الغالبة، بل الغالب هو قوله "فائدة" فقط، إلا أن المؤلف رأى تخصيص هذا الكتاب بهذا الاسم (لفائدة بديعة) = ليَمِيْز بينه وبين كتابه الآخر "الفوائد"، ولعلّه من
стр. 13
أجل ذلك تعمَّد هناك ألا يعنون بـ"فائدة بديعة" -مع اشتراكهما في بعض الفوائد- ليَسْلم لهذا الأخير اختصاصُه بهذه الفوائد البدائع، والله أعلم.
* * *
стр. 14
* تاريخ تأليفه
لما كانت طبيعة الكتاب وموضوعه جمع الفوائد والشوارد والنِّكات وما شابهها، مما يُوْقَف على أكثره بالمطالعة، أو ينقدح بعد التأمل والتفكّر في الذهن = فإن تحديد وقت لبدء تأليف الكتاب ونهايته يُعد أمرًا عسيرًا ما لم يصرِّح به جامعه، أو تدلُّ عليه إشاراته وإيماءاته في تضاعيف كلامه وشأنُ هذه الكتب أن تُجْمع مع طول الأيام.
إذا تقرر ذلك، فلا بأس إذًا من تلمُّس إشارات في ثنايا الكتاب: ترشد إلى تاريخ تأليف الكتاب جملةً، أو تاريخ كتابة تلك الفائدة -التي وُجدت فيها تلك الإشارة- على الأقل، إذ قد يكون بين كل فائدة وأخرى زمنٌ ليس بالقليل، لما وصفناه سابقًا.
فمن تلك الإشارات: إحالاته على كتبه الأخرى لاستيفاء مبحث أو نحوه، فهذا دليل في الغالب -وإن كان يحتمل غير ذلك- على أن كتابنا أُلِّف بعد ذلك الكتاب المحال إليه.
وقد أحال ابن القيم على عددٍ من كتبه (انظر فهرس الكتب) كـ "التحفة المكية"، و"جِلاء الأفهام"، وكتبٍ أخرى لا نعرف عنها إلا أسمها، أما "الجِلاء" فَلم نعرف تاريخ تأليفه. وكتبه الأخرى لم نقف عليها.
لكن الإشارة التي نستفيد منها هي إحالته على كتاب "تهذيب سنن أبي داود"، فقد ذكره في: (٢/ ٦٦٨)، وقال: "وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة بما أمكننا في كتاب "تهذيب السنن" اهـ وهذا
стр. 15
الموضع موجود فيه: (٨/ ٧٥ - ٧٧).
وقد وقع في آخر "تهذيب السنن" التنضيص على سنة تأليفه وأنها سنة (٧٣٢) بمكة المكرمة -حرسها الله-.
وعلى هذا فكتاب (بدائع الفوائد) قد أُلِّف بعد سنة (٧٣٢).
ومما يؤيّد هذا -أيضًا-: كثرة نقل المؤلف عن شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، وذكره لاختياراته، وجوابه على سؤالاته، وذكر بعض أحواله -مع الدعاء له بالرحمة- وذلك وإن لم يكن صريحًا في النقل عنه بعد وفاته (أي بعد سنة ٧٢٨)؛ إذ يحتمل أن يكون الدعاء له من النُّساخ = فإنه قد ذكر في موضعٍ ما يقطعُ بأن تاريخ كتابة تلك الفائدة -على الأقل- إنما كان بعد وفاة شيخ الإسلام، ففي: (٣/ ١١١٣) ذكر ابن القيم محاورة بينه وبين شيخه، ثم ذكر إيرادًا وقال عقبه: "ولم أسأله عن ذلك، وكان يمنع ذلك، ويختار ... " اهـ. فلو كان حيًّا لسأله.
وهذا ظاهر فيما أشرنا إليه. والله أعلم.
* * *
стр. 16
* إثباتُ نسبة الكتاب إلى مؤلٌفه
دلائل صحة نسبة كتاب "بدائع الفوائد" إلى مؤلِّفه كثيرة، نذكُرُ هنا أهمها:
١ - ذَكَر عامَّةُ من ترجم للمؤلف أن له كتابًا بهذا الاسم، ووصفه بعضُهم بما يُطابق محتواه، من كونه كثير الفوائد، فيه كثير من المسائل النحوية (١)، وأنه كالتذكرة له (٢).
٢ - جاءت نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه في جميع النسخ الخطية التي وقفنا عليها أو وُصِفت في الفهارس.
٣ - إحالات المؤلف على كتبه (انظر فهارس الكتب)، فقد أحال على "تهذيب سنن أبي داود" ووجدنا النقل فيه (انظر ما تقدم ص/١٢)، وأحال على "جلاء الأفهام" في موضعين: (٢/ ٦٨٥ و ٦٨٨).
٤ - نقول العلماء عن الكتاب باسمه الخاص، مع وجود تلك النقول في أماكنها في الكتاب، من مثل ابن مفلح في "الفروع"، والمرداوي في "الإنصاف"، والسيوطى في "الإتقان"، والزركشي في "البرهان"، والشوكاني في "النيل" وغيرهم (كما سيأتيِ مفضَّلاً في بابه).
٥ - كثرة نقول المؤلِّف عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد نقل عنه في أكثر من أربعين موضعًا (انظر فهرس الأعلام) على
_________
(١) انظر: "بغية الوعاة": (١/ ٦٣) للسيوطي.
(٢) انظر: "نظم الدرر": (١/ ٧٣) للبقاعي.
стр. 17
طريقته المعهودة في النقل عنه؛ كقوله: "قال شيخ الإسلام. . . "، أو "سمعت شيخ الإسلام. . . "، أو "وأختار شيخنا"، و"قال لي" ونحوها.
٦ - كثيرًا ما نجد توافقًا بين مباحث الكتاب ومباحث ابن القيم في كتبه الأخرى، سواء في التقرير أو النقول أو الاختيارات، وذلك بالتوافق التام حينًا، وبالمعنى حينًا آخر، وبالاختصار تارةٌ، والتوسع والبسط تارةً أخرى، كما بيّنا بعضه في حواشي الكتاب.
٧ - طريقة المؤلف وأسلوبه المعروف ظاهر في الكتاب، لا يخفى على من أَلِفَ أُسلوبَه واعتادَ طريقته.
وهذه الدلائل كافية لإثبات نِسبة الكتاب إلى مُؤلِّفه.
* * *
стр. 18
* التعريف بالكتاب
وفيه مباحث:
• الأول: أهميَّته، وميزاته، ومنزلته بين كتب المصنِّف.
تتجلى أهمية الكتاب في نقاط عدة، نذكر هنا أهمها، وسيأتي ذكر بعضها عَرضًا في مباحث المقدمة، تظهر بالتأمل.
١) أنه أكبر آثار المصنِّف -وُجِد- فيما يتعلَّقُ بالعربية وعلومها.
ومباحثها، نعم للمؤلف عدة كتب في علوم العربية، مثل "معاني: الأدوات والحروف"، و"مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين" وغيرها، وله مباحث متفرقة في ثنايا كتبه، لكن كتبه المفردة لم يصلنا منها شيء، ومباحثه المضمَّنة قليلة مقارنة بمسائل هذا الكتاب. ونظرة إلى "فهرس مسائل النحو والصرف والبلاغة" تُفصح عما وصفناه.
٢) كما تظهر أهميته في أن المؤلف ﵀ لم يكن فيما يورده من مباحث العربية ناقلاً فحسب، بل كان ناقلاً ناقدًا. ولم يكن يستكثر من مشهور مسائل الفن، بل يغوص في أعماقه ويستجلي أسراره، ويُنقِّب عن كنوزه ومكنوناته، فأتى فيه بكل عجيبة مستحسنة، وكل بديعة مُستملحة. وما فتئ المؤلف يستحسن هذه المباحث ويُشيد بها، ويبين عِزَّتها، ولطفها، ودقتها. ولنضرب أمثلة:
قال في موضع: "فتأمل هذا النحو ما ألطفه وأغربه وأعزه في
стр. 19
الكتب والألسنة" (١).
وقال في موضع آخر: "فليُنزِّه الفَطِنُ بصيرته في هذه الرياضِ المونقة المعْجِبة، التي ترقص القلوب لها فرحًا، ويغتذي بها عن الطعام والشرابَ" (٢).
وقال أيضًا: "فهدا من أسرار الكلام وبديع الخطاب الذي لا يُدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها" (٣).
وقال في موضع: "ولا تستطل هذا الفصل، فإنه يحقق لك فصولاً لا تكاد تسمعها في خلال المذاكرات، ويُحصِّل لك قواعد وأصولاً لا تجدها في عامة المصنّفات" (٤).
وقال في مواضع عدة: إن هذا من لطيف العربية ودقيقها (٥).
وقال في مواضع: إن هذا البحث من فقه النحو (٦).
وفي موضع: من بديع النحو (٧).
(٣) اشتماله على تفسير كثير من الآيات الكريمة (وقد صنعنا لها فهرسًا خاصًا) وهو في تفسيره لتلك الآيات يغوص إلى ما تضمنه القرآن من الأسرار والحكم والعجائب والإعجاز.
_________
(١) (١/ ١٩٧).
(٢) (١/ ٢٠٨).
(٣) (١/ ٢٤٦).
(٤) (١/ ٢٦٨)، ومثله: (٢/ ٥٤٠، ٦١٠، ٤/ ١٦٠٣).
(٥) (١/ ٣٣٣)، ومثله: (١/ ٣٥٥، ٢/ ٦٠٧).
(٦) (١/ ٣٥٥) و (١/ ٣٥٨).
(٧) (١/ ٣٢٧).
стр. 20
والمؤلف يلفت نظر القارئ في أحيانٍ كثيرة إلى تلك المباحث، فتراه يقول في موضع: "واعرف قدر القرآن وما تضمنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاء عُشر معشارها" (١).
وقال في موضع آخر: "فتأمل هذا الشرّ العجيب ولا يَنْبُ عنه فهمك، فإنه من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتابه" (٢).
كما أنه قد فسَّر سورًا بكاملها بما لم يُسْبَق إليه، مثل سورة الكافرون: (١/ ٢٣٤ - ٢٤٩)، والمعوِّذتين: (٢/ ٦٩٩ - ٨٢٥)، كما فسّر آيات تفسيراً واسعًا يصلح أن يكون جزءاً مفردًا مثل قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾: (٢/ ٤٠٦ - ٤٥٣) فذكر فيها عشرين مسألة. وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ... إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]: (٣/ ٨٣٥ - ٨٨٩).
ومما تغرَّد به هذا الكتاب: "جزء في تفسير آيات من القرآن" عن الإمام أحمد رواية المرُّوْذي، نقله المصنف من خط القاضي أبي يعلى: (٣/ ١٠١٥ - ١٠٣٤) (٣).
(٤) ومن ميزات هذا الكتاب التي لا توجد مجتمعة في غيره، تلك التأصيلات والتحريرات والقواعد في مسائل الأسماء والصفات: (١/ ٢٨٠ - ٣٠٠) مما جعلها عمدة لكل كاتب في هذه المسائل ممن
_________
(١) (٢/ ٦٥٤).
(٢) (٢/ ٦٩٤).
(٣) كما بث المؤلف كثيرًا من القواعد فى التفسير وعلوم القرآن (صنعنا لها فهرسًا)، وأفردْتُ قواعده التفسيرية في بحث لي مستقلّ.
стр. 21
أتى بعد المؤلف. وقد صنعنا لهذه القواعد فهرسًا ضمن فهرس مسائل العقيدة في آخر الكتاب.
(٥) ومن ميزاته كثرة نقول المؤلف ﵀ عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية (انظر فهرس الأعلام)، وبعض هذه النقول لا توجد في غيره من الكتب مما يُكْسبه أهمية أخرى، وذلك مما جعل الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ يستلُّ منه بعض هذه النقول والفتاوى ويدرجها في "مجموع الفتاوى" كما في: (٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤) و (٢٥/ ٢٨٦ - ٢٨٧، ٢٨٨ - ٢٨٩) (١).
(٦) واشتمل الكتاب -أيضًا- على كثير من التحريرات والقواعد والضوابط الفقهية والأصولية، فضلاً عن اشتماله على كثير من مسائل الفقه والأصول.
(٧) كما اشتمل على كثير من مسائل الإمام أحمد ﵀ التي هي الآن في عداد المفقود، فصار مرجعًا مهمًّا لتوثيق كثير من الروايات المنقولة في الكتب. ولا يُخلي المصنف تلك الروايات من الشرح والتوجيه والجمع بين ما تعارض منها (وقد صنعنا فهرسًا لتلك الروايات في موارد المصنف وفي الفهارس).
(٨) وفي الكتاب كثير من المباحث التي تصلح أن تُفْرد بكتاب أو رسالة مستقلة -وقد كاد- كما سيأتى بيانُ بعضًها في مبحث الكتب المستلّة منه.
(٩) كما حفظ لنا نصوصًا كثيرة من كتب هي في عداد المفقود
_________
(١) وهذه النقول في "البدائع": (٣/ ١١٠٢ - ١١٠٦).
стр. 22
اليوم، يتبين ذلك بالنظر في (موارد المصنف).
<رمز>• المبحث الثاني: العلوم التى حواها، ومُجْمَل ترتيبه .</رمز>
كتاب "بدائع الفوائد" كتابٌ جامع كما ذكر جلال الدين السيوطي في "الإتقان" (١)، وهو الشأن في عامة الكتب المؤلفة على هذه الطريقة وذكر في كتابه الآخر "بغية الوعاة" (٢): أن أكثره مسائل نحوية.
وهذه الأكثرية التي ذكرها السيوطي تكون صحيحة إما باعتبار تتابع مباحث العربية بلا فاصل من فنون أخرى، كما هو شأن أكثر المجلد الأول. أو باعتبار تناسبها مع مادة الفنون الأخرى، فهي بالمقارنة مع كل فن على حدة تبدو الأكثر ظهوراً في الكتاب. لكن لو قورنت مباحثُ العربية ببقية الفنون لكانت تكُوْن نحو ثلث الكتاب، أي أكثر من خمسمئة صحيفة منه، ومن هاتين الجهتين يصدق كلام السيوطي: أما مسائل الكتاب من حيث كثرة العدد، فإن الفقه هو أكثرها، يليه العربية وعلومها، ثم التفسير، ثم العقيدة، فبقيَّة الفنون (انظر الفهارس الموضوعية).
هذا من جهة الأكثرية، أما العلوم التي تضمَّنها الكتاب فهي غالب العلوم الإسلامية، من التفسير وعلومه، والقرآن وعلومه، والحديث وشرحه والاستنباط منه، والفقه وأصوله وقواعدهما، والتاريخ والتراجم، والعربية وعلومها من: نحو وصرف وبلاغة،
_________
(١) (١/ ٢٤).
(٢) (١/ ٦٣).
стр. 23
والعقيدة وتقريرها والرد على المخالفين. كما اشتمل على ضروب من العلم، كالمناظرات، والفروق، والقواعد، والضوابط، والمواعظ، والحكم، والأشعار، واللطائف، والفوائد.
أما ترتيب الكتاب؛ فلم يكن للمؤلف نَهْج مُتَّبع يسير عليه -كما هو حال هذه الكتب- إلا ما كان من تسلسل مباحث النحو والعربية في أول الكتاب بعد استفتاحه بطائفة من مسائل الفقه، ثم صار ينتقل من فن إلى فنٍّ، ومن دوحةٍ إلى أخرى.
ولا بأس من عرضٍ موجزٍ لأهم أبحاث الكتاب وموضوعاته، التي تمثل وحدات موضوعية، أو مباحث متسلسلة، بحسب وضع الكتاب.
(١) المجلد الأول:
- بحوث فقهية: ١/ ٣ - ١٣
- مباحث نحوية (أكثرها من النتائج): ١/ ١٣ - ٢٣٣
- تفسير سورة الكافرون: ١/ ٢٣٤ - ٢٤٩
- مباحث نحوية: ١/ ٢٥٠ - ٢٨٠
- مباحث جليلة في الأسماء والصفات: ١/ ٢٨٠ - ٣٠٠
- مباحث نحوية: ١/ ٣٠١ - ٣٨٤
(٢) المجلد الثاني:
- عشرون مسألة في قوله تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾: ٢/ ٤٠٦ - ٤٥٣
стр. 24
- مسائل نحوية ولغوية: ٢/ ٤٥٢ - ٥٧٦
- عشر مسائل في قولهم (هذا بسرًا أطيب منه رطبًا): ٢/ ٥٧٧ - ٥٩٣
- ثمانية وعشرون سؤالاً في (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته): ٢/ ٥٩٤ - ٦٩٨
- تفسير المعوٍّذتين: ٢/ ٦٩٩ - ٨٢٥
(٣) المجلد الثالث:
- فصل في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ... إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾: ٣/ ٨٣٥ - ٨٨٩
- مسائل نحوية: ٣/ ٩٨٩ - ٩١٥
- واو الثمانية و (لولا): ٣/ ٩١٥ - ٩٢٢
- مباحث في الاستثناء: ٣/ ٩٢٢ - ٩٥٤
- فوائد من خط القاضي أبي يعلى: ٣/ ٩٥٥ - ٩٩٣
- منتقيات من خط القاضي أبي يعلى: ٣/ ٩٩٤ - ١٠١٥
- جزء في التفسير للإمام أحمد: ٣/ ١٠١٥ - ١٠٣٤
- فوائد في كلام ابن عقيل وفتاويه: ٣/ ١٠٣٥ - ١١٧٦
- مواعظ من "المدهش" لابن الجوزي: ٣/ ١١٧٦ - ١٢٣٣
стр. 25
- فوائد من "الفروق" للقوافي مع التعليق عليها ٣/ ١٢٣٦ - ١٢٥٢
- ثلاث قواعد في الشك والاشتباه: ٣/ ١٢٥٣ - ١٢٨٣
- فقهيات ومنتقيات: ٣/ ١٢٨٣ - ١٢٩١
(٤) المجلد الرابع:
- مباحث أُصولية وفقهية: ٤/ ١٣٠٥ - ١٣٥١ -
- من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني: ٤/ ١٣٥٣ - ١٣٧٧
- مباحث فقهية أصولية: ٤/ ١٣٧٨ - ١٣٨٧
- منتقيات من روايات الإمام أحمد: ٤/ ١٣٨٧ - ١٤٤٨
- منتقيات لبعض كتب الحنابلة من خط القاضي أبي يعلى: ٤/ ١٤٤٨ - ١٥٢٦
- فصول عظيمة في إرشاد القرآن والسنة إلى طرق المناظرة وتصحيحها: ٤/ ١٥٣٣ - ١٦١٠
- مباحث أصولية: ٤/ ١٦١١ - ١٦٢٩
- مباحث نحوية ولغوية: ٤/ ١٦٣٠ - ١٦٥٦
- مباحث أصولية: ٤/ ١٦٥٦ - ١٦٦٢
- فوائد متفرقة: ٤/ ١٦٦٤ - ١٦٦٧
стр. 26
وهذا العرض -على طوله- مفيد في إعطاء صورة شاملة سريعة لمحتوى الكتاب وطريقة ترتيبه، وتوزع الفنون فيه، وكم تستوعب من حجم الكتاب في الجملة، ولا يخفى أن هناك الكثير من الفوائد والمباحث والنِّكات لم نُشِر إليها؛ لأن الغرض هو الوصف الجُمْلي للكتاب حَسْب.
• المبحث الثالث: علاقته بكتاب "الفوائد ".
قد يظن الظانُّ -لأول وهلة- أن كتاب "الفوائد" مختصر أو منتقى من كتاب "بدائع الفوائد" بالنظر إلى حجم الكتابين، واتحاد موضوعهما، مع ما توحيه تسمية الكتابين من خلاف هذا الظن، إذ المظنون أن يكون "الفوائد" هو الأوسع، ثم تُنتقى بدائعها في كتاب مستقلّ.
لكن كل ذلك لم يكن، فليس "الفوائد" منتقًى منه، بل هو كتاب مستقلّ برأسه، ولنعقد بعض المقارنات بينهما، تظهر من خلالها سمات كل كتاب:
١ - "الفوائد" يكون في ربع حجم "البدائع".
٢ - لم يتبين أيهما المتقدم على الآخر في زمن التأليف.
٣ - يغلب على "البدائع" المسائل العلمية من عقيدة وفقه. . . مع تحقيق وإطالة نفس، بينما يغلب على "الفوائد" الوعظ والترقيق، والاختصار في العرض، مع سهولة عبارته وقرب مأْخَذِه.
٤ - "البدائع" يَكْثُر فيه النقل عن العلماء ومصنفاتهم مع تعليق المؤلف عليها، بينما "الفوائد" أكثره خواطرُ وتأملات، وفِكر وتجلِّيات،
стр. 27
ويقل فيه النقل جدًّا.
٥ - وَقَع اتفاق بين الكتابين في النقل عن "المدهش" لابن الجوزي بدون عزوٍ، "الفوائد": (ص/ ١٤٥ - ١٥١، ٣٥٧ - ٤٠٥)، و"البدائع": (٣/ ١١٧٦ - ١٢٣٣). وهو الموضع الوحيد الذي يتفق فيه الكتابان. وقد نقل المؤلف في "الفوائد" عن "المدهش" في مواضع أخرى كثيرة.
هذا أهم ما يمكن إبرازه في المقارنة بين الكتابين. وبالجملة فكتاب "البدائع" كتاب علم وتحقيق مع شيءٍ من المواعظ واللطائف، وكتاب "الفوائد" كتاب مواعظ وترقيق مع شيءٍ من العلم والتحقيق.
• المبحث الرابع: سمات الكتاب ومعالم منهجه .
هذه بعض السمات والمعالم التي تبدَّت لنا في الكتاب، وهي تكفي للخروج بتصور واضح جليٍّ عن الكتاب وطريقة مؤلفه فيه، وسنذكرها في النقاط الآتية:
(١) أن كثيرًا من فوائد الكتاب نقول عن مصادر أخرى، يُصرِّح المؤلف بها حينًا ويُغفلها أخرى، وقد يصرِّح بمؤلفيها وقد يُغفل الجميع (انظر مبحث موارد المصنف)، وهذا عائد إلى طبيعة الكتاب، فهو كالتذكرة.
(٢) لم يكن المؤلف متخيِّرًا فحسب، بل كانت له تعليقات ضافية، وإضافات سابغة على كثير من النصوص المنتخبة، وهذه التعليقات إما أن تكون تصحيحًا لوهم أو خطأ، أو تكميلاً لنقص، أو إضافة في البحث، أو تبيينًّا لمجمل، أو تنبيهًا على فائدة بديعة، ونكتة لطيفة.
стр. 28
ومن العلماء الذين ناقشهم في الكتاب: (السهيلي -وأكثر من ذلك- والقرافي وأبو يعلى، وابن عقيل، وشيخه ابن تيمية، وابن العربي، وسيبويه، وابن قدامة والعز بن عبد السلام وابن جني، وابن الطراوة، والزمخشري).
وكان في ذلك كله متأدّبًا بأدب العلماء؛ من أمانة النقل، والثناء على العلماء بما أحسنوا فيه، والانقياد للحجة والبرهان، وأدب المناظرة والاحتياج للخصم بكل دليل يصلح له (١). . . مع ما قد يعتريه -أحيانًا- من الشدة في الرد، كقوله: (١/ ٣٤٧): "وفي هذا من التعسُّف والبعد عن اللغة والمعنى ما لا يخفى"، ومثله (٢/ ٥٦٦). وقوله: (٢/ ٤١٤): "فهذا جواب فاسد جدًّا". وقوله: (٢/ ٥١٤): "والذي ذكره أبو الحسين -أي ابن الطراوة- غير حَسَن، بل باطل قطعًا".
وهو بعد هذا كله يعلن تواضعه وحسن قصده فيقول: (٢/ ٦٦٨): "فهذا ما ظهر في. . . فمن وجد شيئًا فليلحقه بالهامش، يَشكر الله وعبادُه له سعيَه، فإن المقصود الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وُضِعَ ما عداه تحت الأَرْجُل" اهـ.
(٣) الأمانة العلمية، فإنه قد صرَّح بالنقل عن غالب من نقل عنهم، وهذا المنهج هو الذي ارتضاه المصنف لنفسه -ويرتضيه كل منُصف- وقد صرّح المؤلف بهذا المعنى أتم تصريح إذ قال: (١/ ٢٤٩) -بعد تفسير سورة الكافرون-: "فهذا ما فتح الله العظيم. . . من غير استعانة بتفسير، ولا تتبّع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه. . . واللهُ
_________
(١) انظر (٣/ ١١٣٩).
стр. 29
يعلمُ أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها ولبالغت في استحسانها .. " اهـ.
وقال في موضع آخر (١/ ٣٦١): "فهذا ما في هذه المسألة، وكان قد وقع لي هذا بعينه أيام المقام بمكة، وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحًا؛ لأني لم أره في مباحث القوم، ثم رأيته بعدُ لفاضلين من النحاة؛ أحدهما: حام حوله وما ورَدَ، ولا أعرف اسمه. والثاني: أبو القاسم السُّهيلي ﵀ فإنه كشفه وصرَّح به. . . " اهـ.
وقال بعد أن قرر بعض المسائل: (٢/ ٤١٨): "ثم رأيتُ هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي، فوافق فيه الخاطرُ الخاطرَ" اهـ.
وقال في: (٢/ ٥٢٨): "فتأمل هذه المعاني. . . وقد ذكرنا من هذا وأمثاله. . . ما لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقه من الاستحسان المدح. . . " اهـ.
(٤) أن غالب هذه الفوائد قد كتبها المؤلف من الخاطر، دون مراجعة كتاب، مع بُعْده عن كتبه وعدم تمكنه من مراجعتها، فقال في (١/ ٢٤٩): "فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة النزرة. . . من غير استعانة بتفسير، ولا تتبع لهذه الكلمات من مظانَّ توجد فيه، بل هي استملاء مما علمه الله وألهمه بفضله وكرمه. . . " اهـ وتقدم نقل باقيه قبل قليل.
وقال في موضع آخر: (٢/ ٥٩٢): "فهذا ما في هذه المسألة المشكلة من الأسئلة والمباحث علّقتها صيدًا لسوائح الخاطر فيها خشية ألا يعود، فليسامح الناظر فيها، فإنها عُلِّقت على حين بُعدي
стр. 30
عن كتبي، وعدم تمكني من مراجعتها، وهكذا غالب هذا التعليق إنما هو صيد خاطر، والله: المستعان" اهـ.
فقوله: "هذا التعليق" يُفهم منه أن التعليقات والإضافات التي يضيفها على الفوائد المنقولة = إنما هي من رأس القلم دوَن مراجعة كتاب، أو حالَ السفر مع بعده عن كتبه، وهذا قريب. ويُفهم أيضًا أنَّه أراد جُملة الكتاب: بنقوله وتعليقاته، وهو ظاهر كلامه، وليس ذلك ببعيد، مع ما آتاه الله من قوَّة الحفظ وسَعَة الاطلاع والتبحُّر في العلم، ولا يبعد -أيضًا- وقد ألّف بعض كتبه في حال السفر وبعده عن الكتب، مثل "زاد المعاد" و"تهذيب السنن" و"مفتاح دار السعادة": و"روضة المحبين" و"الفروسية" (١) مع ما فيها من التوسّع والتحقيق والنقول!.
(٥) أما فوائده التي يسوقها، فكان يُصَدِّرها بعناوين مختلفة، فأكثر تلك الألفاظ استخدامًا هو لفظ (فائدة) مجردة، ثم لفظ (فصل)، ثم (فائدة بديعة) وقد ابتدأ هذا العنوان من: (١/ ١٦٠)، ثم تليها عبارات استخدمها المرة بعد المرة مثل (مسألة، وفوائد شتى، وفصول، وقاعدة).
(٦) الاستطراد (٢).
ونُدوِّن هنا بعض الملحوظات على استطرادات المؤلِّف.
(أ) يستطرد المؤلف في أحيانٍ كثيرة، ثم يطلب من القارئ عدم
_________
(١) "أبو قيِّم الجوزية: حياته، آثاره، موارده": (ص / ٦٠).
(٢) انظر "المصدر السابق": (ص / ١٠٣ - ١٠٩)، وهو مهم.
стр. 31
استطالته؛ لأنه -أي الاستطراد- يكون أحيانًا أهم مما سِيق الكلام من أجله (١)، وذلك في المواضع الآتية: (١/ ١٢٨، ٢٦٨ و ٢/ ٦٢٩، ٦٦٥، ٧٢٤ و ٤/ ١٥٩٨).
(ب) يستطرد في أحيانٍ قليلة، ثم يعتذر بأنه من باب تكميل الفائدة، كما في: (٢/ ٥٣٨، ٦٢٠).
(جـ) قد يكون مجال الاستطراد فسيحًا، إلا أن المؤلف يُحْجم عنه؛ لأن هذا ليس موضعه، كما في: (١/ ٣٤٣، ٣٧٥ و ٢/ ٥٨٥، ٦٤٣).
بل يقول: إنه لو استطرد لاحتاج إلى سِفْرين، كما في: (١/ ٢٩٠ و ٢/ ٦٩٧، ٧٧٤).
لأجل هذا تراه كثيرًا ما يحيل على كتبه الأخرى لاستيفاء مبحثٍ ما، خاصة "التحفة المكية"، وربما وعد بتأليف كتاب أو رسالة مستقلة في المسألة أو الآية التي يشرحها، كما في: (٣/ ٨٧٧ - ٨٧٨ و ٤/ ١٥٩١ و ١/ ٣٠٠ و ٢/ ٦٠٥) وغيرها.
(٧) التكرار (٢).
_________
(١) وقد ذكر المصنِّف ﵀ في "مدارج السالكين": (٢/ ٣٠٦) عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه (كان إذا سُئل عن مسألة حُكمية، ذكر فى جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قَدِر، ومأخْذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته) اهـ وذكر أن هذا من الجود بالعلم، وذكر أمثلة من أجوبة النبي ﷺ على هذه الطريقة.
(٢) انظر توجيه هذه الظاهرة فى كتاب "ابن قيم الجوزية": (ص/ ١٢٢ - ١٢٨) وإن كان التكرار الذي نعنيه هنا أخص؛ لأنه في كتاب واحد، لا عدة كتب.
стр. 32
وقع للمؤلف ﵀ تكرار بعض المباحث في الكتاب، فيعيد البحث في المسألة الواحدة في موضعين دون الإشارة إلى أنه قد تقدم بحثها أو سيأتي البحث فيها، لكن يلاحظ في هذه المواضع: أن كلاًّ منها يقدم جديداً إلى المسألة المطروقة من زيادة استدلال وتحقيق، أو بسط وتوسع، إلا في مواضع يسيرة حصل للمؤلف نقل بعض الروايات عن الإمام أحمد، ثم أعادها مرة أخرى! فهدا يدلّ أن المؤلف كان يكتب هذه الفوائد والتعاليق على فترات متباعدة، وإلا لضم النظير إلى نظيره (١) أو تكلَّم عنها في موضع واحد، أو أشار إلى تقدم البحث فيها. وهذا بيان المسائل التي أعاد المؤلِّف البحثَ فيها:
• التفضيل بين السمع والبصر: (١/ ١٢٣ - ١٣٠ و ٣/ ١١٠٦ - ١١٠٨).
• دخول الشرط على الشرط في الطلاق: (١/ ١٠١ - ١٠٦ و ٣/ ١٢٣٧ - ١٢٤١).
• العمل بالقرائن والفراسة: (٣/ ١٠٣٧، ١٠٨٩ - ١٠٩٦ و ٤/ ١٣١٩ - ١٣٢٢).
• مسائل في الشكِّ: (٣/ ١٢٧٦ - ١٢٨٣ و ٤/ ١٣٣٨ - ١٣٣٩).
• مسائل الفضل بن زياد القطان: (٣/ ٩٨٦، ٩٩١، ١٠٠٢ و ٤/ ١٤٠٦، ١٤١١).
_________
(١) قد يُحيل في موضع على كتابٍ آخر له، ثم هو يستوفي الكلام عليه في موضعٍ آخر من الكتاب -أعني البدائع- كما وقع له في: (٢/ ٦٦٤)، وقد استوفاه في (٣/ ٩١٥) وهذا يدل على تفاوت وقت تدوين الفائدتين.
стр. 33
• مسائل الميموني: (٣/ ٩٦٣، ٩٩١، ٩٩٣ و ٤/ ١٤٠٦).
• البحث في قولهم (في مستقر رحمتك): (٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨ و ٤/ ١٤١٨ - ١٤١٩).
• بيع المغيَّبات في الأرض: (٣/ ١٣٢٣ و ٤/ ١٤٢٣ - ١٤٢٤).
• إذا زوج السيدُ عبدَه: (٤/ ١٤٨١ - ١٤٨٣ و ٤/ ١٥١٩ - ١٥٢٠).
• طريقةُ القرآن في إضافة الخير إلى الله والشر إلى غيره: (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١ و ٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥).
• قول السيد لعبده: أنت حر. . .: (٤/ ١٣٧٢ و ١٣٩٩).
(٨) من الظواهر البارزة في كتب المصنف ﵀ كثرةُ ثنائه على مباحثها، وما تفردت به من البحوث العزيزة والتحقيقات النادرة، كما في "مفتاح دار السعادة" و"إعلام الموقعين" و"حادي الأرواح"، و"تحفة المودود" و"جلاء الأفهام"، وهي أظهر وأجلى في كتابنا هذا، وله في بيان ذلك والدلالة عليه طرائق: منها: قوله إن فيه ما لا يوجد في الكتب: (١/ ١٩٧، ٢٤٢، ٢٦٨ و ٢/ ٦١٠ و ٤/ ١٦٠٣).
ومنها: أن يحمد الله -تعالى- على ما فتح عليه من العلم والنعم: (١/ ٣٣٦ و ٢/ ٥٤٠، ٦٩٤، ٦٩٧).
وتارة: بالإشارة إلى ما تضمنته الفائدة من أسرار العلم: (١/ ٣٥٣، ٣٥٨ و ٢/ ٤٢٠، ٤٦٩، ٤٧٦، ٥٦١، ٦٠٨، ٦٧٤ وغيرها).
стр. 34
وتارة: بأن هذا البحث من النِّكات البديعة والمباحث العزيزة: (٢/ ٤٠٣، ٤١١، ٤٥٧، ٤٦٣، ٥٢٧، ٥٧٦، ٦٠٧ و ٤/ ١٦٠٣).
وتارةً: بأن هذه الفائدة تساوي رحلة، أو حصلت بعد سَهَر وتَعَب وفِكْر: (١/ ٣٤ و ٢/ ٥٤٠، ٦٤١).
وتارة: بأن هذا البحث لا يفهمه إلا من آتاه الله فهمًا، أو أنه يحتاج إلى تدقيق نظر، أو لا يفهمه إلا العلماء، أو أنه لا يفهمه إلا ذهن يناسبه لطافةً ورِقة: (٢/ ٤٢٣، ٥٢٧، ٦٩٤، ٤٨٠، ٦٤١ و ٤/ ١٥٦٨).
وتارة: بالشكوى من أهل الزمان وقلة المساعد منهم والمعاون، وأن أكثرهم نَقَلَه: (٢/ ٦٤١، ٦٤٢، ٦٧٢، ٦٩٧).
وهذا كله -في تقديري- خارج مخرج النصيحة لطالب العلم والشفقة عليه من أن تفوته هذه الفوائد والتقريرات والتحريرات دون أن يلتفتَ إليها، ويُنْعِمَ النظرَ فيها، ويُعطيَها بها يليق بها من الحفظ والإجلال (١). فكم من فائدةٍ ربما مرّ عليها الطالبُ دون شعور بقيمتها العلمية إلا بتنبيه أستاذ: أو إرشاد معلِّم، فابن القيّم هو ذلك المعلِّمُ الحَدِبُ الشفيقُ على تلميذه، فلا تمر فائدة عزيزة تستحق -الدلالة والإرشاد إليها إلا سارع إلى ذلك بأحدى هاتيك العبارات، نصيحة وإرشادًا.
والمصنِّف ﵀ إنما يخاطب بهذا الكلام طبقةً عالية من أهل العلم وطلابه، يَقْدُرون هذه الفوائد قدرَها، وينزلونها منزلتها، ويشكرون من يرشدهم وينبِّههم إلى مثلها، ولا يقفون عند رسم عبارةٍ
_________
(١) انظر (٤/ ١٦٢٣).
стр. 35
لم يكن الغرض من سياقها أكثر من الدلالة على الأمر المدلول عليه. أما المبتدئ والمقلِّد -كما يقول ابن القيم: (٣/ ٨٨٩) - فإنه لا يفهم كثيرًا من هذه الدقائق والمباحث.
وابن القيم ﵀ إمام من أئمة الدين والورع والزهد والعبادة، فلا يُظَنُّ به -إن شاء الله- إلا ما وصفتُه لك. وهو بعد ذلك إمامٌ متبحِّر في العلم، واسعُ الاطلاع، حافظ ضابط، فإذا أخبر عن عِزِّةِ بحث أو ندرة فائدة = فاركن إلى ذلك فعلى الخبير سقطت. واعتبرْ ذلك تجِدْه كذلك إن شاء الله (١).
(٩) قد يكتب المؤلف بعض الفوائد ليكشف عنها ويعلِّق عليها، فقد دوّن عدة أحاديث مما انتقاه القاضي أبو يعلى، ثم قال: "وليت القاضي ذكر أسانيد هذه الأحاديث، وكتبتُها لأكشف عن حالها" (٢).
(١٠) عنايته الظاهرة بالتفسير وعلومه (انظر ما سبق في أهمية الكتاب).
(١١) عنايته الظاهرة -أيضًا- بتدوين المسائل والروايات عن الإمام أحمد، إذ نقل عن أكثر من أثنين وثلاثين من كتب الرواية عن الإمام (وانظر ما سبق، وما سيأتي في الموارد).
(١٢) كما ظهر جليًّا عنايته بالنقل عن أفرادٍ من العلماء، وهم:
- الإمام أحمد بن حنبل (٢٤١)، فنقل عن كثير من رواياته.
- أبو حفص العُكْبَري (٣٨٧)، وكثير من النقول عنه بواسطة أبي يعلى.
_________
(١) وانظر: "ابن قيم الجوزية": (ص / ١٢٠ - ١٢٢).
(٢) (٣/ ١٠٠٦ - ١٠٠٩).
стр. 36
- القاضي أبو يعلى بن الفراء (٤٥٨)، أكثر النقول عنه من تعاليق له وفتاوي ومنتقيات.
- أبو الوفاء بن عقيل (٥١٠)، من "الفنون" وغيره.
- شيخ الإسلام: ابن تيميَّة (٧٢٨)، من فتاويه وكتبه. وذَكَر بعض أحواله.
- أبو القاسم السُّهيلي (٥٨١)، أكثرها من "النتائج"، ومواضع من "الروض الأنف".
- سيبويه (١٨٠)، من "الكتاب" وكثير منها بواسطة السُّهيلي.
- القرافي (٦٨٤)، من "الفروق".
* * *
стр. 37
* إفادة العلماء منه ونقولهم عنه، وثناؤهم عليه
عرف العلماء الذين وقفوا على الكتاب قيمتَه العلمية وما حواه من الفوائد والتحقيقات -فأثنوا عليه واقتبسوا منه واقتنوا نسخَه الخطيّة.
فأول من أثني عليه وأبدى محاسنه وأظهرها هو مؤلِّف الكتاب، وقد تقدم تفصيل ذلك بما يُغني عن إعادته (١).
ونقل منه البقاعي واستحسن مباحثه، وذكر بعض الأسرار التي حواها في كتابه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور".
وقال السيوطي في "بغية الوعاة" (٢): "بدائع الفوائد، مجلدان، وهو كثير الفوائد، أكثره مسائل نحوية" اهـ.
وقد كُتِب على طرة نسخة (ق) فوق عنوانه ما يلي: "هذا الكتاب جمع علومًا شتى، أصولاً وفروعًا ونحوًا وبديعًا، فليعرف الواقف عليه حقه ولا يجهل قدره" اهـ.
وهذه النسخة قد تملّكها جماعة من العلماء وأثبتوا ذلك على غلافها، فمنهم: علي القاري الهروى الحنفي سنة (٩٨٩) (ت ١٠١٤)، وابن علاّن الصديقي الشافعي ولمٌ يظهر تاريخ تملُّكِه (ت ١٠٥٧)،
_________
(١) انظر ص/ ٣١ - ٣٣.
(٢) (١/ ٦٣).
стр. 38
والأمير المتوكل على الله إسماعيل ين المنصور بالله (ت ١٠٨٧)، وعبد القادر بن محمد الحسيني الطبري إمام المقام الشريف سنة (١٠١٩)، ومحمد بن علي العَمْراني سنة (١٢٢٨)، ومحمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي صاحب "السحب الوابلة" سنة (١٢٦٥) وغيرهم (١). وهذا يدل على مزيد عنايتهم بالكتاب ومعرفتهم لقدره.
وهذا بيان ما وقفت عليه من نقول العلماء من الكتاب -لا على سبيل الاستقصاء- مرتبة على وفياتهم:
١ - ابن مفلح (٧٦٣)، وهو من أقرائه، نقل منه في "الفروع" (٤/ ٥١٣) (٢) روايةً من روايات الإمام أحمد. و (٦/ ٢٤٧) في مسألة إثبات "الواو" في (وعليكم).
٢ - الزركشي (٧٩٤)، نقل منه في "البرهان في علوم القرآن": (٢/ ٦ - ١٢) في الكلام على أصول الفقه، و (٣/ ٥٦) في أمثال القرآن، و (٤/ ١٦) في أسرار القرآن في المفرد والمثنى والجمع و (٢/ ٣٦٩، ٨٥ - ٨٧).
٣ - المرداوي (٨٨٥)، نقل منه في "الإنصاف": (١/ ٤٢٧) في (مقامًا محمودًا)، و (٤/ ٢٣٣) في إثبات "الواو" في (وعليكم)، و (٧/ ٢٢٣) رواية عن أحمد، و (٨/ ١٨٥) في تزويج السيد لعبده من أمته (٣)، و (٨/ ٤٦٤) في حادثة الطلاق التي وقعت في عهد ابن جرير، و (٨/ ٤٧٨) في قولهم: (الله قد طلقك)، و (٩/ ٤٧). في بيت
_________
(١) انظر بقية التملكات في الكلام على وصف نسخة (ق)، ص / ٧٣.
(٢) وحدَّد موضع النقل بقوله: "قبل آخره بقريب من كراسة".
(٣) ولم يصرِّح بالنقل عنه هنا.
стр. 39
شعر فيه ثمانية أوجه (١)، و (١١/ ٢٨٤) في أن غالب الناس على عدم العدالة (٢). ونقل عنه في "التحبير شرح التحرير": (١/ ٧٥ و ٢/ ٦٠٢ - ٦٠٥).
٤ - البقاعي (٨٨٥)، نقل منه في "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور": (١/ ٣٧)، نقل منه سر ابتداء القرآن بقوله (الم).
٥ - ابن المَبْرَد (٩٠٩)، نقل منه في "شرح غاية السول إلى علم الأصول": (ص/٧٥).
٦ - السيوطي (٩١١)، كان من مصادره الأساسية التي اعتمد عليها في بناء كتابه "الإتقان" فذكره في المقدمة: (١/ ٢٤) في الكتب الجامعة، ونقل عنه في "الأشباه والنظائر": (١/ ٣٢٠) في الوصلات في كلام العرب، و (١/ ٦١) في العامل في نصب المصادر، و (٤/ ٢٤١) المسألة المشهورة وهي قولهم: (هذا بسرًا أطيب منه رطبًا)، وفي هذا الموضع الأخير نسب الكلام لنفسه وسمَّى هذا البحث "تحفة النجبا في قولهم: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا"!.
٧ - المناوي (١٠٣٣)، نقل منه في "فيض القدير": (٤/ ٣٠٩) في انقطاع عذاب القبر، و (٦/ ٤٢٦) في التعدية بالباء.
٨ - البهوتي (١٠٥١)، نقل منه في "كشَّاف القِناع": (٥/ ٢٤٧، ٢٨٣).
٩ - المنقور (١١٢٥) نقل عنه عدة نصوص في كتابه "الفواكه
_________
(١) وحدد مكان النقل بقوله: "في آخره بقريب من كراسين".
(٢) وحدد مكان النقل بقوله: "في أواخر بدائع الفوائد".
стр. 40
العديدة" ينظر الفهرس (ص / ٤١٨ - فهرس الكتب).
١٠ - الشوكاني (١٢٥٠)، نقل منه في "نيل الأوطار": (٥/ ٢٥٤) في باب نهي المشتري عن بيع ما اشتراه.
١١ - القِنّوجي (١٣٠٧)، نقل منه في "أبجد العلوم": (٢/ ٥٨٧) في فائدة ما من يوم إلا وليلته قبله.
١٢ - ابن عيسى: (١٣٢٩)، نقل منه في "شرح النونية" في مواضع كثيرة (١/ ١١، ١٢، ١٣، ١٥، ٢٠، ٦٨، ١٣٠، ٣٠٨، ٤١٣ و ٢/ ٣٦، ٢١٦، ٢٤٩، ٢٥٢، ٤٥٠).
١٣ - القاسمي: (١٣٣٢)، نقل عنه في تفسيره "محاسن التأويل": (٢/ ٣٠٣ و ١٧/ ٦٠٩٧، ٦٣١١).
١٤ - الكتاني (١٣٨٢)، نقل منه في "التراتيب الإدارية": (١/ ٣٨٨، ٤٦٠ و ٢/ ٩٢).
هذا ما وصل إليه علمي الآن، ومزيد البحث والتنقيب كفيل بكشف مصادر أخرى لم أقف عليها (١).
_________
(١) وقد أفادني الشيخ سليمان العمير بعدد آخر من العلماء أفادوا من "البدائع" مثل: ابن البخاري في "معونة أولي النهى"، وابن البهاء البغدادي في "فتح الملك العزيز"، والسفاريني في "لوائح الأنوار السنية": (١/ ١٦١).
следующие страницы →