وأما ادعاءُ إضافة شيءٍ محذوف إلى شيء محذوف، ثم يضافُ المُضاف إليه إلى شيءٍ آخر محذوف، من غير دلالة في اللَّفظ عليه، فهذا مما يُصَانُ عنه الكلام الفصيح فضلاً عن كلام ربِّ العالمينَ!.
وأما قولُه: "على أنه لا يمتنعُ إرادةُ الحقيقة والمجاز معًا" واستدلالُه على ذلك بقولهم: "القَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ "، فلا حُجَّةَ فيه! لأن اللَّسانينِ اسم مثنَّى، فهو قائمٌ مقامَ النُّطق باسمين أُريدَ بأحدهما الحقيقة وبالآخر المجاز، وكذلك: "الخَالُ أَحَدُ الأبَوَيْنِ" وكذلك "الأَيْدِي ثَلاثَةٌ".
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فالاستدلال به أبعدُ من هذا كلِّه، فإنَّ الصلاةَ على النبى ﷺ من الله وملائكته حقيقةٌ بلا رَيْب، والحقيقةُ المضافة إلى الله من ذلك لا تُماثِلُ الحقيقةَ المُضافةَ إلى الملائكة، كما إذا قيل: "الله ورسولُهُ والمؤمنونَ يعلمونَ أن القرآنَ كلامُ الله "، لم يَجُزْ أن يُقَالَ: إن هذا استعمالُ اللَّفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان العِلْمُ المضافُ إلى الله غيرَ مماثِل للعِلْم المُضافِ إلى الرسول والمؤمنين، فتأمَّلْ هذه النُّكَت البديعة. ولله الحمد والمنّة.
فصل
المعروفُ عند النُّحاة أن الاستثناءَ المنقطعَ هو: أن لا يكونَ المستثنى داخلاً في المُستثنى منه، وربما عبَّروا عنه بأن لا يكونَ المستثنى من جنس المستثنى منه، وهذا يحتمل شيئينِ:
أحدهما: أن لا يكون المستثنى فردًا من أفراد المستثنى منه.
والثاني: أن لا يكونَ داخلاً في ماهِيَّتِهِ ومُسَمَّاه، فنحو: "جَاءَ
стр. 1017
القَوْمُ إلَاّ فَرَسًا" منقطعٌ اتفاقًا، و"جَاءوا إلَاّ زَيْدًا" متَّصل، و"رأَيْتُ زَيدًا إلَاّ وَجْهَهُ" منقطعٌ على الاعتبار الأوَّل؛ لأن الوجهَ ليس فردًا من أفراد المستثنى منه، ولكن لا أعلمُ أحدًا من النُّحاة يقولُ ذلك، ويلزمُ من ذلك أن يكون استثناءُ كلِّ جزءٍ من كُلٍّ منقطعًا. ونحو قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ منقطع على التفسير الأول لعدم دخولِ الموتة الأولى في المستثنى منه، ومتَّصل على التفسير الثانى؛ لأنها من جنس الموت في الجملة.
وفي الاستثناء المنقطع عبارةٌ أخرى، وهي: أن يكون منقطعًا مما قبلَه، إما في العمل، وإما في تناوله له، فالمنقطع تناولاً: "جَاءَ القَوْمُ إلا حِمَارًا" والمنقطع عملاً نحو قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢٢ - ٢٤] فهذا استثناء منقطِعٌ بجملة، كذا قاله ابن خروف (١) وغيره، وجعلوا "مَنْ" مبتدأ و"يُعَذِّبُه" خبره، ودخلت الفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط.
وجعل الفرَّاء من هذا قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] على قراءة الرَّفع (٢)، وقدَّره: "إلا قليلٌ منهم لم يشربوا"، وقواه ابن خروف واستحسنه.
ومن هذا قولهم: "ما للشَّيَاطِين مِنْ سِلاحٍ أبْلَغَ في الصَّالحِينَ مِنَ ْالنِّسَاءِ إلَاّ المُتزوِّجون، أُولئكَ المطَهَّرُون المُبرَّؤونَ مِنَ الخَنَاء".
стр. 1018
وقيل: إنّ من هذا قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١] في قراءة الرفع (١)، ويكون "امرأتُك" مبتدأ وخبره ما بعده.
وهذا التوجيهُ أولى من أن يجعلَ الاستثناء في قراءة من نَصَبَ من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، وفي قراءة من رفع من قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ , ويكون الاستثناءُ على هذا من (٢): "فَأَسرِ بأهْلِكَ "، رفعًا ونصبًا، وإنما قلنا: إنه أوْلى؛ لأنَّ المعنى عليه، فإن الله تعالى أمرَه أن يَسْرِيَ بأهلِه إلا امرأته.
ولو كان الاستثناء من الالتفات؛ لكان قد نهى المُسْرَى بهم عن الالتفات وأذِنَ فيه لامرأته، وهذا ممتنعٌ لوجهين:
أحدُهما: أنه لم يأمرْه أن يَسْرِيَ بامرأتِهِ، ولا دخلت في أهله الذين وُعِد بنجاتهم.
والثاني: أنه لم يكَلِّفْهُمْ بعدم الالتفات، ويأذَنَ فيه للمرأة.
إذا عُرِفَ هذا؛ فاختلف النُّحاة: هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثنى منه بوجه أو ليس ذلك بشرط؟.
فكثيرٌ من النُّحاة لم يشترط فيه ذلك، واشترطه آخرون، قال ابن السَرَّاج (٣): "إذا كان الاستثناء منقطعًا فلابدَّ من أن يكونَ الكلامُ الذي قبل "إلَاّ" قد دلَّ على ما يُستثنى [منه] ". فعلى الأوَّل لا يُحتاج
стр. 1019
إلى تقدير، وعلى الثاني فلابُدَّ من تقدير الرَّدِّ، ولنذكر لذلك أمثلة:
المثال الأول: قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] فمَنْ لم يشترطِ التقديرَ أجراه مجرى المُفْرَّغ، والمعنى: "ما عندَهم، أو: ما لَهُمْ إلَاّ اتِّباع الظَّنِّ "، وليس اتِّباعُ الظَّنِّ متعلِّقًا بالعلم أصلاً.
ومن اشترطَ التقديرَ قال (١): المعنى: "ما لَهُمْ مِنْ شعورٍ إلَاّ إتِّباع الظَّنِّ "، والظن وإن لم يدخلْ في العلم تحقيقًا فهو داخل فيه تقديرًا، إذ هو مستحضرٌ بذكره، وقائمٌ مقامَهُ في كثير من المواضع، فكان في اللّفظ إشعار به صَحَّ به دخولُه وإخراجُه.
وهذا بعد تقريره (٢) فيه ما فيه، فإن المستثنى هو اتِّباع الظَّنِّ لا الظَّنُّ نفسُه، فهو غير داخل في المستثنى منه تحقيقًا ولا تقديرًا، فالأحسن فيه عندي أن يكونَ التقديرُ: "ما لَهمْ به مِنْ عِلْم فَيَتَّبعُونَهُ ويأتمُّون (٣) به، إن يتَّبعُونَ إلَاّ الظَّنَّ" فليس اتباع الظن مستثنى من العلم، وإنما هو مستثنى من المقصود بالعلم، والمراد به وهو اتِّباعه، فتأمله.
هذا على تقدير اشتراط التَّنَاول لفظًا أو تقديرًا، وأما إذا لم يشترط -وهو الأظهرُ- فتكونُ فائدةُ الاستثناء هاهنا كفائدة الاستدراك، ويكون الكلامُ قد تضمَّنَ نفيَ العلم عنهم وإثبات ضدِّه لهم، وهو الظَنُّ الذي لا يُغني من العلم شيئًا (٤).
стр. 1020
ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] ليس المُرَادُ به نفيَ الحكم الجازم وإثبات الحكم الرَّاجح، بل المرادُ نفيُ العلمِ وإثباتُ ضِدِّه، وهو الشَكُّ الذي لا يُغني عن صاحبه شيئًا، وستزيد الأمثلة هذا وضوحًا (١).
المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] فهذا استثناءٌ منقطعٌ؛ لأن أَتباعَهُ الغَاوِينَ لم يدخلوا في عبادِه المضافين إليه، وإن دخلوا في مُطلق العِباد، فإن الإضافةَ فيها معنى التَّخصيص والتَّشريف، كما لم تدخل الخانات والحمامات في بيوت الله، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخر الآيات، وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ فعبادُه المضافونَ إليه هم الذين آمنوا، وعلى ربَهم يتوكَّلون، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩] ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩].
ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فعباده هاهنا الذين يغفرُ ذنوبهم جميعًا هم المؤمنون التائبون، والانقطاع في هذا قول ابن خروف وهو الصَّوابُ.
وقال الزمخشريُّ (٢): هو مُتَّصِلٌ، وجعل لفظ العباد عامًّا، وقد عرفتَ غَلَطَهُ، وعلى تقدير الانقطاع فإن لم يُقَدَّرْ دخولُه في الأول
стр. 1021
فظاهر، وإن قدَّرْنا دخولَه فقالوا: تقديرُه: "إن عبَادِي ليسَ لك عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، ولا على غَيْرِهِمْ، إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ" ولا يخفى التَّكَلُّفُ الظاهرُ عليه، فالأحسن أن يُقال: لما ذكر العباد وأضافهم إليه، والإضافةُ يحتملُ أن تكونَ إلى ربوبيَّتِهِ العامَّة، فتكونُ إضافة ملك، وأن تكون إلى إلهيته فتكون إضافةَ اختصاص ومحبَّة. والغاوونَ داخلون فى العباد عند التعميم والإطلاق، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فالأوَّلُ متناوِلٌ له بوجه فصحَّ إخراجُه.
المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] على أصحِّ الوجوه في الآية، فإنه تعالى لما ذَكَر العاصمَ استدعى معصومًا مفهومًا من السياق، فكأنه قيل: لا مَعْصُومَ اليومَ مِن أَمْرِهِ إلا مَنْ رَحِمَهُ، فإنه لما قال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بقي الذهنُ طالبًا للمعصوم، فكأنه قيل: فمن الذي يُعصَمُ؛ فأجيب: "لا يُعصمُ إلا من ﵀"، ودلَّ هذا اللفظ باختصاره وجلالته وفصاحته على نفي كلِّ عاصمٍ سواه، وعلى نفي كلِّ معصوم سوى من ﵀، فدلّ الاستثناءُ على أمرين: على المَعصوم مَن هو، وعلى عاصمه (١) وهو ذو الرَّحمة، وهذا من أبلغِ الكلام وأفصحِه وأوجزِه، ولا يُلتفتُ إلى ما قيل فى الآية بعد ذلك، وقد قالوا فيها ثلاثةَ أقاويل أُخَر:
أحدها: أن "عاصمًا" بمعنى معصوم، كـ ﴿مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ والمعنى: "لا معصومَ إلا من ﵀".
وهذا فاسدٌ؛ لأن كلَّ واحد من اسم الفاعل واسم المفعول موضوعٌ لمعناه الخاصِّ به،
стр. 1022
فلا يشاركُهُ فيه المعنى الآخرُ، وليس الماءُ الدافقُ بمعنى المدفوق، بل هو فاعلٌ على بابه، كما يقال: "مَاءٌ جَارٍ" فـ"دافقٌ " كـ"جارٍ " فما الموجب للتكلُّف البارد؟! وأما "عيشة راضية"، فهي عند سيبويه على النسب، كـ" تامِرٍ ولابِنٍ" أي: ذات رضى، وعند غيره كـ "نهارٍ صَائِمٍ وليْلٍ قَائِمٍ" على المبالغة.
والقول الثاني: إنَّ: "مَنْ رَحِمَ" فاعلٌ لا مفعول، والمعنى: "لا يَعْصِمُ اليومَ مِنْ أمْرِ الله إلا الراحمُ، فهو (١) استثناءُ فاعل من فاعل، وهذا وإن كان أقلَّ تكلُّفًا، فهو أيضًا ضعيف جدًّا، وجزالة الكلام وبلاغتُه تأباه بأوّل نظر.
والقول الثالث: إن في الكلام مضافًا محذوفًا قام المضافُ إليه مقامَهُ، والتقدير: "لا معصومَ عاصمٍ اليومَ مِنْ أمر الله إلا مَنْ ﵀" وهذا من أنكر الأقوال وأشدِّها منافاة للفصاحة والبلاغة (٢)، ولو صرّح به لكان مستغثًّا!.
المثال الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] فهذا من الاستثناء السَّابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه، فهو غيرُ داخل فيه، فمن لم يشترطِ الدُّخولَ فلا يقدِّر شيئًا، ومن قال: لابُدَّ من دخوله قَدَّر دخولَهُ في مضمون الجملة الطَّلَبيَّة بالنَّهي، لأن مضمونَ قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] الإثم والمؤاخذة، أي أنَّ الناكِحَ ما نكحَ أبُوهُ آثِمٌ مُؤَاخَذٌ، إلا ما قد سَلَفَ قبلَ النَّهيِ وإقامَةِ الحُجَّة، فإنه لا
стр. 1023
تتعلَّقُ به المؤاخذةُ.
وأحسن من هذا -عندي- أن يقال: لما نهى -سبحانه- عن نِكاح مَنْكوحاتِ الآباءِ، أفادَ ذلك أن وَطْئَهنَّ بعد التحريم لا يكون نكاحًا أَلْبتة، بل لا يكون إلا سفاحًا, فلا يترتب عليه أحكامُ النكاح من ثُبوت الفراش ولحوق النسب، بل الوَلَدُ فيه يكونُ وَلَدَ زنْيَةٍ، وليس هذا حكمَ ما سلف قبل التحريم, فإن الفراشَ كان ثابتًا فيه، والنسب لاحق، فأفاد الاستثناءُ فائدةً جليلةً عظيمةً، وهي: أن وَلَدَ مَنْ نكَحَ ما نكح (١) أبُوه قبلَ التحريم ثابتُ النسبِ، وليس ولدَ زِنا، والله أعلم.
المثال الخامس: قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] ومعلوم أن التقاة ليستْ بموالاة، ولكن لما نهاهم عن مُوالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتَهم والبراءةَ منهم ومجاهَرَتَهُم بالعداوة في كلِّ حال، إلَاّ إذا خافوا من شرِّهم، فأباح لهم التَّقيَّةَ، وليست التَّقِيَّةُ موالاةً لهم.
والدخولُ هاهنا ظاهر، فهو إخراجٌ من مُتَوَهَّمٍ غيرِ مُرادٍ.
المثال السادس: قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ (٢) فهذا من المنقطع لا بالاعتبار الذي ذكره ابنُ خروف؛ من كون المستثنى جملةً مستقلةً، بل باعتبار آخر, وهو: أنه ليس المرادُ إثباتَ المسيطرية (٣) على الكفار, فإن اللهَ
стр. 1024
سبحانه بعثَهُ نذيرًا مبلغًا لرسالات ربِّهِ، فَمَنْ أطاعه فله الجَنَّة، ومن عصاه فله النَّارُ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ [يونس: ١٠٨] قال المفسِّرونَ: المعنى: أنك لم تُرْسَلْ مُسَلَّطًا (١) عليهم، قاهِرًا لهم جبَّارًا كالملوك، بل أنت عبدي ورسولي المُبِّلِّغُ رسالاتي، فمن أطاعَكَ فله الجنَّةُ، ومَنْ عصاك فله النَّارُ، ويوضحُ هذا أن المخاطبينَ بهذا الخطاب هم الكفَّارُ، فلا يَصِحُّ أن يكونوا هم المُسْتَثنيْنَ.
المثال السابع: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] وهذا فيه نفيٌ لسماع اللَّغو والتأثيم وإثبات لضده، وهو السَّلامُ المُنافي لهما، فالمقصودُ به نفيُ شيء وإثباتُ ضدِّه، وعلى هذا فلا حاجةَ إلى تكلُّفِ دخوله تحتَ المستثنى منه؛ لأنه يتضمَّنُ زوالَ هذه الفائدةِ من الكلام، ومن ردَّه (٢) إلى الأوَّل قال: لما نفى عنهم سماعَ اللَّغو والتأثيمِ وهما مما يقال، فكأن النفسَ تشوّفَتْ إلى أنه هل يسمعُ فيها شيء غيره، فقال: "إلا قيلاً سلامًا سلامًا" فعاد المعنى إلى: "لا يسمعونَ فيها شيئًا ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ "، وأنت إذا تأملتَ هذين التقديرينِ رأيتَ الأوّل أصوبَ، فإنه نَفَى سماعَ شيء وأثبتَ ضِدَّهُ، وعلى الثانى نفى سماعَ كلِّ شيء إلا السَّلام، وليس المعنى عليه، فإنهم يسمعون السَّلامَ وغيْرَهُ فتأمله.
стр. 1025
المثال الثامن: قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وهذا من الاستثناءِ السابق زمانُه زمان المستثنى منه، ولمّا كانت الموتَةُ الأولى من جنس الموت المنفي، زعم بعضُهم أنه مُتَّصِلٌ، وقال بعضهم: "إلَاّ" بمعنى: "بَعْدَ"، والمعنى: لا يَذُوقون بعدَ المَوْتَةِ الأولى مَوْتًا في الجَنَّةِ، وهذا معنى حسنٌ جدًّا يفتقرُ إلى مساعدة اللَّفظ عليه، ويُوضحُه أنه ليس المرادُ إخراج الموتةِ الأولى من الموتِ المنفي، ولا ثَمَّ شيءٌ مُتَوَهَّمٌ يُحتاجُ لأجله إلى الاستثناء، وإنما المُراد الإخبار بأنهم بعد موتَتِهم الأولى التي كَتبَها الله عليهم لا يذوقون غيْرَها.
وعلى هذا فيقالُ: لما كان ما بعدَ "إلَاّ" حكمه مخالفٌ لحكم ما قبلَها، والحياةُ الدائمة في الجنَّة إنّما تكونُ بعد الموتة الأولى، كانت أداةُ "إلَاّ" مفهمةً هذه البَعْدِيَّة، وقد أُمِن اللَّبْس لعدم دخولها في الموت المَنفي في الجنة، فتجرَّدَتْ لهذا المعنى، فهذا من أحسنِ ما يُقَالُ فْي الآية، فتأمله.
المثال التاسع: قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ: ٢٣ - ٢٥] فهذا على عَدَم تقدير التّنَاول يكونُ فيه نفى الشئ وإثباتُ ضِدِّه، وهو أظهرُ، وعلى تقدير التّناول لما نفى ذوْق البَرْد والشَّرَاب، فربما تُوهِّمَ أنهم لا يذوقون غيرهما فقال: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ فيكون الاستثناءُ من عامل (١) مقدَّرٍ.
المثال العاشر: قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] فعلى تقدير عدم الدُّخول، نفى
стр. 1026
الخوفَ عن المُرسلين وأثبته لمن ظَلَمَ ثم تاب، وعلى تقدير الدخول يكون المعنى: "ولا غيرهم إلا من ظلم".
وأما قول بعض الناس: إنَّ "إلاّ" بمعنى الواو، والمعنى: "ولا مَنْ ظلمَ " فَخَبْطٌ منه، فإن هذا يرفع الأمانَ عن اللُّغة ويُوقِعُ اللَّبْسَ في الخطاب، و"الواو"، و"إلاّ" متنافيان، فأحدُهُما يثبتُ للثاني نظيرَ حكم الَأول، والآخر (١) ينفي عن الثاني ذلك، فدعوى تَعاقبهما دعوى باطلة لغةً وعرفًا، والقاعدةُ: أن الحروف لا ينوبُ بعضُها عن بعض خوفًا من اللَّبْسِ وذهاب المعنى الذي قُصِدَ بالحرف، وإنما يُضَمَّنُ الفعل ويُشْرَبُ معنى فعلٍ آخَرَ يقتضي ذلك الحرفَ، فيكونُ ذكرُ الفعل مع الحرف الذي يقتضيه غيره قائمًا (٢) مقامَ ذكر الفعلين، وهذا من بديع اللغة وكمالها، ولو قُدِّر تعاقُب الحروف، ونيابة بعضها عن بعض، فإنما يكونُ ذلك إذا كان المعنى مكشوفًا واللَّبْسُ مأمونًا، فيكون من باب التفنّن في الخِطاب والتَّوَسّع فيه، فإما أن يُدَّعَى ذلك من غير قرينة في اللَّفظ فلا يَصِحُّ، وسنُشْبعُ الكلامَ على هذا في فصل مفرد إن شاء الله تعالى.
والذي حملَهم على دعوى ذلك أنهم لما رَأَوا الخوفَ مُنتفيًا عن المذكور بعد "إلاّ" ظنُّوا أنها بمعنى الواو لكون المعنى عليه، وغلِطوا في ذلك، فإن الخوفَ ثابت له حالَ ظلمِهِ وحالَ تبديلِهِ الحُسْنَ بعدَ السُّوءِ؛ أما حالُ ظلمِهِ فظاهِرٌ، وأما حالُ التَّبديل فلأَنَّه يخافُ أنه لم يَقُمْ بالواجب، وأنه لم يقبلْ منه ما أتى به، كما في التِّرمذي عن
стр. 1027
عائشةَ قالت: "قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] هو الرجلُ يزني ويسرقُ ويخافُ؟ قال: "لا يَا بِنتَ الصِّدِّيقِ هُوَ الرَّجُل يَصُومُ وَيُصَّلِّي وَيَخَافُ أنْ لا يُقْبلَ مِنْهُ" (١) فمن ظَلَمَ ثمَّ تابَ فهو أولى بالخَوْفِ، وإنْ لمْ يكنْ عليه خَوْف.
وقد يجيء الانقطاعُ في هذا الاستثناء من وجهٍ آخَرَ، وهو أن ما بعد "إلَاّ" جملة مستقلّةٌ بنفسها، فهي منقطعة مما قبلَها لانقطاع (٢) ألجُمَل بعضِها عن بعض، فيُسَمَّى منقطعًا بهذا الاعتبار كما تقدم نظيرُه، والله اعلم.
المثال الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ [الانشقاق: ٢٢ - ٢٥] فهذا يبعُدُ تقدير دخوله فيما تقدَّم قبلَه جدًّا، وإنما هو أخبارٌ عن مآل الفريقين (٣)، فلما بشَّر الكافرينَ بالعذاب بشَّر المؤمنينَ بالأجر غيرِ الممنون، فهذا من باب المثاني الذى يذكرُ فيه الشئ وضِدُّه , كقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] فليس هناك مقدَّرٌ يخرج منه هذا المستثنى, والله أعلم.
стр. 1028
المثال الثانى عشر: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] فمن آمنَ ليس داخلاً في الأموال والأولاد، ولكنَّه من الكلام المحمول على المعنى؛ لأنه تعالى أخبَرَ أن أموالَ العبادِ وأولادَهم لا تُقَرِّبُهمْ إليه، وذلك يتضمَّنُ أن أربابَها ليسوا هم القريبين (١) إليه، فاستثنى منهم من آمَنَ وعَمِل صالحًا، أي: لا قريبَ عندَه إلا مَنْ آمن وعَمِل صالحًا، سواء كان له مالٌ ووَلَدٌ، أو لم يكنْ له، والانقطاعُ فيه أظهرُ، فإنه تعالى نفى قرْبَ الناس إليه بأموالهم وأولادهم، وأثبتَ قُربَهُمْ عندَه بإِيمانهم وعملِهِم الصالح، فتقديرُ "لكِنْ" هاهنا أظهرُ من تقدير الاتصال في هذا الاستثناء.
وإذا تأمَّلْتَ الكلامَ العَرَبيَّ رأيت كثيرًا منه واردًا على المعنى لوضوحِهِ، فلو وَرَدَ على قياس اللَّفظ مع وضوح المعنى لكان عِيًّا، وبهذه القاعدة تزولُ عنك إشكالاتٌ كثيرةٌ، ولا تحتاجُ إلى تكلُّف التَّقديرات، التي إنما عَدَلَ عنها المتكلِّمُ لما في ذِكْرها من التكَلُّفِ، فقدَّر المُتكَلِّفون لنطقه ما فَرَّ منه، وألزموه بما رَغِبَ عنه، وهذا كثيرٌ في تقديرات النُّحاة التي لا تخطرُ ببال المتكلِّم أصلاً، ولا تقع في تراكيب الفصحاء، ولو سمعوها لاستهجنوها، وسنعقدُ -إن شاء الله- لهذا فصلاً مستقلاً (٢).
المثال الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] وتقديرُ الدُّخول في هذا أظهر؛ إذ المعنى: "لن يَنَالوا مِنْكمْ إلا أَذىً، وأما الضَّرَرُ فإنهم لن ينالوه منكم، وإن تَصْبِروا وَتتقوا
стр. 1029
لا يَصرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئًا"، فنفى لحوقَ ضَررِ كيدِهم بهم، مع أنهم لا يَسْلَمون من أذىً يلحقُهم بكيدهم، ولو أنه بالإرهاب والكلام وإلجائهم إلى محاربَتِهم وما ينالُهم بها من الأذى والتعب، ولكن ليس ذلك بضارٍّ لهم، ففرَّق بين الأذى والضَرَر.
المثال الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] المشهور "ظُلِمَ" مبني للمفعول، وعلى هذا ففي الاستثناء قولان:
أحدهما: أنه منقطعٌ، أي: "لكنْ مَنْ ظُلِمَ "، فإنه إذا شكا ظالمه وجهر بظلمه له لم يكنْ آثمًا، وتقدير الدُّخول في الأول على هذا القول ظاهر، فإنَّ مضمونَ "لا يُحِبُّ كذا" أنه يُبْغِضُهُ ويُبْغِضُ فاعلهُ، إلا من ظُلِمَ فإن جَهْرَهُ وشكايتهُ لظالمه حلالٌ له، كما قال النبي ﷺ : "ليُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقوبتهُ" (١).
فعِرْضُهُ: شِكَايَةُ صاحب الحق له، وقولُه: ظَلَمَني ومَطلنِي ومَنعَني حقِّي، وعقوبته: ضَرْبُ الإمامِ له حتى يؤدِّيَ ما عليه في أصحِّ القولين في مذهب أحمد، وهو مذهبُ (٢) مالك، وقيل: هو حبسه.
وقيل: هو استثناءٌ مُتَصِل، والجهرُ بالسوء هو جهره بالدُّعاء، أن يكشفَ اللهُ عنه ويأخذ له حَقَّهُ، أو يشكو ذلك إلى الإمام ليأخذ له بحقِّه.
стр. 1030
وعلى هذا التقدير فيجوزُ فيه الرَّفعُ بدلاً من "أَحَد" المدلول عليه بالجهر، أي: "لا يُحِبُّ الله أن يَجْهَرَ أحَدٌ بالسُّوء إلا المظْلومُ" ويجوزُ فيه النصبُ بَدَلاً من الجهر، والمعنى: "إلَاّ جَهْرَ مَنْ ظُلِمَ".
وقُرِئ: "مَنْ ظَلَمَ" (١) بالفتح، وعلى هذه القراءة فمنقطع ليس إلا، أي: "لكنِ الظالِمُ يَجْهَرُ بالسُّوءِ من القَوْل".
المثال الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فهذا استثناء منقطعٌ تضمَّنَ نفيَ الأكل بالباطل، وإباحةَ الأكل بالتِّجارة الحقِّ، ومن قدَّر دخولَه في الأوَّل قدَّر مستثنىً منه عامًّا، أي: "لا تأكلُوا أموالَكمْ بَيْنَكم بسبب من الأسباب، إلا أن تكونَ تِجَارةً" أو يقدَّرُ: بـ "البَاطلِ ولا بغيرِهِ إلا بالتجَارة"، ولا يخفى التكَلُّف على هذا التقدير بل هو فاسدٌ، إذ المُرادُ بالنهي الأكل (٢) بالباطل وحدَه، وقُرِئَ برفعِ التجارة ونصبها، فالرَّفعُ على التَّمام، والنَّصب على أنها خبرُ كان النَّاقصة، وفي اسمها على هذا وجهان:
أحدهما: التقدير: إلا أن يَكونَ سببُ الأكل أو المعاملة تجارةً (٣).
والثاني: إلا أن تكونَ الأموالُ (٤) تجارةً (٥).
стр. 1031
المثال السادس عشر: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وهذا من أشكل مواضع الاستثناء، لأنَّ مملوكَتَهُ إذا كانت محصَنَةً إحصانَ التَّزويجِ فهي حرامٌ عليه، والإحصان هنا إحصانُ التَّزويج بلا ريْب، إذ لا يَصِحُّ أن يُرادَ به: إحصانُ العِفَّة، ولا إحصان الحُرِيَّة, ولا إحصان الإسلام، فهو إحصانُ التَّزويج قطعًا، فكيف يُستثنى من المحرَّمات به المملوكة؟! فقال كثير من الناس: الاستثناء هاهنا منقطع، والمعنى: "لكنْ ما مَلَكَتْ أيمانكم فهو لَكم حَلالٌ".
ورُدَّ هذا بأنه استثناءٌ من مُوْجب، والانقطاعُ إنما يقع حيث يقعُ التفريغُ، ورُدَّ هذا الرَّد بأن الانقطَاعَ يقعُ في الموْجب وغيره، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الانشقاق: ٢٤ - ٢٥].
وقالت طائفةٌ: الاستثناءُ على بابه متَّصِل، وما مَلَكَتْ أيماننا مستثنى من المُزَوَّجات، ثم اختلفوا:
فقالت طائفة من الصَّحابة، منهم ابن عباس وغيره وبعض التابعين: إنه إذا زَوَّجَ أَمَتَهُ ثم باعَها، كان بيعُها طلاقًا، وتَحِلُّ للسَّيد لأنها ملكُ يمينه، واحتجَّ لهم بالآية، ورُدَّ هذا المذهب بأمور:
أحدها: أنه لو كان صحيحًا؛ لكان وطؤُها حلالاً لسيِّدها إذا زَوَّجها؛ لأنها ملك يمينه، فكما اجتمعَ ملكُ سيِّدها لها وحِلُّها للزوج، فكذلك يجتمعُ ملك مشتريها لها وحِلُّها للزَّوج، وتناول اللفظ لهما واحد.
الثاني: أن المشتريَ خليفَةُ البائعِ، فانتقل إليه بعقد الشِّراء ما كان
стр. 1032
يملكُه بائعُها, وهو كان يملك رقَبَتَها مسلوبة منفعةِ البُضع ما دامت مُزَوَّجَةً، ونُقِلَ إلى المشتري ما كان يملكهُ، فملكها (١) المشتري مسلوبةَ منفعةِ البُضع، فإذا فارقها زوجها رجع إليه البُضع، كما كان يرجِعُ إلى بائعها كذلك، فهذا مَحْض الفقه والقياس.
الثالث: أنه قد ثبت في "الصحيحين" (٢) أن عائشة ﵂ اشترت بَرِيرَةَ وكانت مُزَوَّجَةً فعتقَتْها وخَيَّرَها النبي ﷺ , ولو بَطلَ النكاح بالشِّراء لم يخيِّرْها، وهذا مما أَخذ الأئمة الأربعة وغيرهم فيه برواية ابن عباس وتركوا رأيَهُ، فإنه راوي الحديث، وهو ممن يقول: بيعُ الأمَةِ طَلاقُها.
وقالت طائفة أخرى: الآية مختصَّة بالسَّبايا، قال أبو سعيد الخُدْري: نزلت في سبايا أوْطَاس (٣). قالوا: فأباح الله تعالى للمسلمين وطءَ ما ملكوه من السَّبي، وإن كنَّ محصَنَاتٍ، ثم اختلف هؤلاء: متى يُبَاحُ وطءُ المَسْبيَّة؛ فقال الشافعي وأبو الخطَّاب (٤) وغيرُهما: يُبَاحُ وطؤُها إذا تم استبراؤها، سواء كان زوجُها موجودًا أو مفقودًا، واحتجُّوا بثلاث حُجَج:
أحدها: أن الله سبحانه أباح وَطْءَ المَسْبِيَّات بمُلك اليمين مستثنيا لهن من المحْصَنات.
الثانية: ما رواه مسلم في "صحيحه" (٥) من حديث أبي سعيد
стр. 1033
الخُدْري: أن رسول الله ﷺ يوم حُنَيْن بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقي عدُوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سَبَايا، فكأن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ تحرَّجوا من غِشْيانهنْ من أجل أزواجهنَّ من المُشركينَ، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضتْ عِدَّتُهُن.
وفي التِّرمْذي (١) عن أبي سعيد: أَصَبْنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواجٌ في قومهنَّ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ , فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهذا صريح في إباحتهنَّ، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ.
وفى التِّرمذي (٢) و"مسند أحمد" (٣) من حديث العِرْبَاض بن سَارِيَةَ: "أن النبي ﷺ حَرَّمَ وطْءَ السَّبايا حتى يضعنَ ما في بطونهن"، فهذا التحريمُ إلى غاية, وهي: وَضْعُ الحمل، فلابُدَّ أن يحصلَ الحِلُّ بعد الغاية، ولو كان وجودُ أزواجهنَّ مانعًا من الوطء لكان له غايتان؛ إحداهما: عدمُ الزوج. والثانية: وضعُ الحمْل، وهو خلاف ظاهر الحديث.
قالوا: ولأن ملك الكافر الحربي البُضْعَ، لم يبقِ له حُرْمَةٌ ولا عِصْمة؛ إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكُهُ، فملكوا رقبةَ زوجته، فكيف يقال ببقاء (٤) العِصمة فى ملك البُضع، لا سيَّما والمسلم يستحق
стр. 1034
ملك رقبته وأولاده وسائرَ أملاكه، فما بال ملكِ البُضع وحدَه باقيًا على العِصمة؟! فهذا لا نصَّ ولا قياس ولا معنى، قالوا: فقد أذِنَ النبي ﷺ فى وطء السَّبايا بعد انقضاءِ عِدَّتِهنَّ مُطْلقًا، ولو كان بقاءُ الزوج مانعًا لم يأذَنْ فى وطْئِهِنَّ إلا بعدَ العلم بموته، وهذا المذهبُ كما تراه قوَّة وصحَّة.
وقال أصحابنا -القاضي وغيره-: إنما يباح وطؤُها إذا سُبيت وحدَها، فلو سُبيتْ مع زوجها فهما على نكاحهما ولا يباح وطؤهَا، قالوا: لأنها إذا (١) سُبيتْ وحدَها فبقاء الزوج مجهولٌ، والمجهول كالمعدوم، فنُزِّلت منزلةَ من لا زوجَ لها، فحَلَّ وطؤُها، ولا كذلك إذا كان زوجُها معها.
ثم أوردوا على أنفسهم سؤالاً وهو: إذا سُبيتْ وحدَها وعُلِمَ بقاءُ زوجها فى دار الحرب؛ وهذا سؤال لا محيدَ لهَم عنه ولا يُنجيهم منه إلاّ قولُهم بالحِلّ، وإن عُلِمَ بقاء الزوج استنادًا إلى زوال عِصمة النكاح بالسِّباء، فإنهم إذا أجابوا بالتزام التحريم، خالفوا النصوص خلافًا بيِّنًا، وإن أجابوا بالحِل مع تحقيق بقاء الزوج نقضوا أصلَهم، حيث أسندوا الحِلَّ إلى كون المسبِية خالية من الأزواج تنزيلاً للمجهول منزلةَ المعدوم.
فقول أبي الخطاب أفقهُ وأصحُّ وعليه تتنزَّلُ الآية والأحاديث، ويظهرُ به أنَّ الاستثناءَ متَّصِلٌ، وأن الله تعالى أباحَ من المحصَناتِ مَنْ سباها المسلمون.
فإن قيل: فعلى ما قرَّرتموه يزول الإحصان بالسِّباء، فلا تدخلُ
стр. 1035
في المحصنات، فيجيء الانقطاعُ في الاستثناء.
قيل: لما كانت محصنة قبل السِّباء، صحَّ شمول الاسم: لها فأخرجت بالاستثناء.
فإن قيل: فما تقولون في الأمَة المزوَّجة إذا بيعتْ فإنها محصَنَةٌ قد ملكتْ نفسَها (١)، فهل هي مخصوصةٌ من هذا العموم أو غير داخلة فيه؟.
قيل: هاهنا مسلكان للناس:
أحدهما: أنها خُصَّت من العموم بالأدِلَّة الدَّالة على أن البيعَ لا يفسخُ النِّكاح، وأن الفرج لا يكون حلالاً لشخصين في وقت واحد.
والمسلك الثاني: أنها لم تدخلْ في المستثنى منه؛ لأن السَّيَد إذا زَوَّجَها فقد أخرج منفعة البُضْع عن ملكه، فإذا باعها فقد انتقلَ إلى المشتري ما كان للبائع، فملكها المشترى مسلوبةً منفعةَ البُضْع، فلم تدخل هذه المنفعةُ في ملكه بعقد البيع، فلم تتناوَلْها الآيةُ، وهذا المسلك ألطفُ وأدقُّ من الأول، والله أعلم.
* * **
стр. 1036
فوائد شتى منقولة من خط القاضى أبي يعلى -رحمه الله تعالى-
فائدة
إسماعيل بن سعيد (١) عن أحمد: لا يجهرُ بالقراءة في صلاة الاستسقاء، ويصلِّي صلاةَ النَّاس، ليس فيها تكبيرٌ مثل تكبير العيدين.
وعنه محمد بن الحكم (٢) والكَوْسج (٣) والمرُّوْذِي (٤): يجهر بالقراءة فيها لحديث عبد الله بن زيد (٥)، قال أبو حفص (٦): يحتملُ أن هذا القولَ هو المتأخرُ لأنه قد قيل: إن إسماعيل بن سعيد سماعه قديمٌ.
فائدة
قال أحمد: لا تعجبُني صلاةُ الخوفِ ركعةً لما روى أبو عياش
стр. 1037
الزُّرَقِيُّ عن النبي ﷺ أنه صلى بعُسْفان ويوم بنى سُلَيْم (١)، وكذا روى جابر (٢) وابن عباس (٣) وابن أبي حَثْمَة (٤) في ذات الرقاع، وكذلك أبو هريرة (٥) في عام نجد أنه صلى ركعتين، وكذا روت عائشة (٦) وابنُ عُمر (٧) وأبو موسى (٨)(٩).
فائدة
ابن بختان (١٠) عن أحمد في القوم إذا أرادوا الغارة فخشوا أن يُبادِرَهُم العدُوُّ يصلُّونَ على دوابِّهم، أو يؤخرون الصَّلاةَ إلى طلوع الشَّمس؟
قال: أيّ ذلك شاءوا فعلوا، والحجَّةُ فيه تأخير النبى ﷺ أربع صَلَوات يومَ الخندق (١١).
стр. 1038
وعنه أبو طالب (١): إن كانوا منهزمينَ يصلُّون رُكبانًا، يومِئُونَ ولا يُؤَخِّروُنَ الصَّلاةَ على ما صلَّى النبِي ﷺ ، هذه الآيةُ نزلتْ بعدما صلَّى النَّبِى ﷺ ، والحجَّةُ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٩].
فائدة
نقل محمد بن الحكم (٣) عن أحمد في رجل صلَّى ركعتينِ من فرض، ثم أقيمتِ الصَّلاةُ.
قال: إن شاءَ دَخَلَ مع الإمام، فإذا صلَّى معه ركعتينِ سَلَّم، وأَعْجَبُ إليَ أن يقطعَ الصَّلاةَ ويدخلَ مع الإمام، قال القاضي: وظاهرُ هذا: الدخولُ من غير تحريمة، غير أنه اختار القطعَ والدخولَ بتحريمةٍ.
فائدة
أبو طالب: سألتُ أحمد عن الرجل يدخلُ المسجدَ يظنُّ أنهم قد صلُّوا، فيصلِّي ركعتين، ثم تُقَامُ الصَّلاةُ. قال: قد اختلفوا فيها؛ بعضٌ قال: يمضِي لا يَدْخُلُ فرضٌ في فرضٍ، وبعضُهم قال: يُسَلِّمُ.
قلت: ما تقولُ؟ قال: ما يُبالي كيف، قلت: يُسَلِّمُ ويدخلُ معه؟ قال: نعم.
стр. 1039
قال القاضي: وظاهرُ هذا أنه منع من الدخول لأنه قال: يستأنفُ، فإذا قلنا: لا يدخل معه فهل يمضي في صلاتِهِ أو يقطعُ؟. على روايتين: محمد بن الحكم عنه: إن شاءَ دخلَ معه وأعجبُ إليَّ أن يَقْطَعَ، وأبو طالب: يُسَلَّمُ ويدخل معه، والثانية: يمضي.
فعنه أبو الحارث (١) -وقد سُئلَ عن رجل دخل في مسجد فافتتحَ صلاة مكتوبة، وهو يرى أن قد صلّوا، فلما صلَّى ركعة أو ركعَتينِ أقيمتِ الصَّلاةُ - قال: يُتم الصَّلاةَ التي افتتحها، ثم إن شاء صلَّى مع القوم، وإن شاء لم يدخلْ معهم.
قال أبو حفص: وكذا يقولُ فيمن افتتحَ تطوُّعًا ثم أقيمتِ الصَّلاةُ: إنه لا يقطعُها ولكن يتمُّها، ووجهه قوله ﷺ : "تَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ " (٢) فوجب أن لا يخرجَ منها بغير التَّسليم الذي بعد التَّمام.
ابن مسعود: من دَخلَ فى صلاة فلا يَقطَعْ حتى يَفْرُغَ.
ووجه الأخرى، وأنه يخرجُ منها: أن صلاة الجماعة واجبةٌ، فإن قلنا: يمضي في صلاتِه، فَفَرَغ، ثم أدركَ الجماعةَ في المسجد، فهل يدخلُ معهم، أو يكونُ مخيَّرًا فى الدُّخول والانصراف؟
على روايتين:
стр. 1040
إحداهما: يُخيَّرُ، وهو المنصوصُ في رواية أبي الحارث، والأخرى: يجبُ أن يُصَلِّيَ معهم إذا حضرَ في مسجدٍ أهلُه يصلُّون، وهو الأكثر في مذهبه، وبه وردت السّنَّةُ.
فإن أحرم بتَطَوّعُ، ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ، فهل يقطعُها ويدخل في الجماعة أو يتِمها؟
على روايتين، ولا فرقَ بين ركعتي الفجر وغيرها، كاختلاف قَوْليه فيمن انفردَ بصلاةِ فريضة، ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ.
فإنْ دخل في تطوُّعٍ ثم ذكر أن عليه فريضةً، فعنه: يُعجِبُني أن ينصرفَ عن شَفْع ثم يقضي الفريضة.
قال أبو حفص: ويُخَرَّجُ عنه في هذه المسألة رواية أخرى، كما ذكرنا فيمن دخلَ في تَطَوُّع ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ، ووجهُهُ قوله ﷺ : "فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكرَها" (١).
فائدة (٢)
قال أبو الحارث: سئل أحمدُ عن العَشاءِ إذا وُضِعَ وأقيمتِ الصَّلاةُ، قال: قد جاءت أحاديثُ، وكان القومُ في مجاعَةٍ، فأما اليومَ فلو قامَ رَجَوْت، وقال في روايةِ جماعةٍ: يبدأُ بالطَّعام.
فإن قلنا: يبدأُ بالطعام، فهل يتناولُ منه شيئًا أو يُتمُّ عشاءَه؟
حنبل (٣) عنه: إذا كان الرجل قد أكلَ من طعامه لقمة أو نحو
стр. 1041
ذلك، فلا بأس أن يقوم إلى الصَّلاة فيصلِّيَ ثم يرجعُ إلى العَشاء لأن النبىَّ ﷺ دُعِيَ إلى الصلاة، وقد كان يحتزُّ من كتِف الشَّاة فأَلقى السكينَ وقام (١).
أحمد بن الحسين (٢): سألت أحمد: إذا حضر العَشَاءُ، وأقيمتِ الصلاةُ، قال: ابدأ بالعَشَاء. قلت: أنالُ منه شيئًا ثم أخرجُ إلى الصَّلاةِ (٣)؛ قال: لا بل تَعَشَّ. قلت: أخافُ أن تفوتَني الصلاةُ جماعةً، قال: إن الرجلَ إذا تناولَ منه شيئًا ثم تركَه، فكان في نفسه شُغُلٌ من ترْكه الطَّعام إذا لم ينَلْ منه حاجَتَهُ، قلت: فيأتي على ما يُريد من الطعام ثم يُصَلِّي؛ قال: نعم، وإن خاف أن تفوتَه الصَّلاة ما دام في وقت.
حَرْب (٤): قلت لأحمد: الرجل يصلِّي بحضرة الطَّعام، قال: إن كان قد أكل بعضه فأُقيمتِ الصَّلاةُ، فإنه يُتمُّ أكلَهُ، وإن كان لم يأكُلْ فأحبُّ إلىَّ أن يُصلِّيَ، قال القاضي: وظاهرُ هذا الفرقُ بين أن يكون
стр. 1042
ابتدأ فيستوفي طعامَهُ، وبين أن لا يبدأ فيؤخِّرَهُ (١).
فائدة
إذا أقيمت الصَّلاةُ والإمامُ غيرُ حاضر، مثل أن يكون لم يخرجْ من بيته بعدُ، أو هو المؤذن، وهو في المنارة؛ فعلى روايتين: روى جماعة: لا يقوموا حتى يَرَوْهُ للحديث (٢).
وروى الأثرم (٣) وغيره: أنه جائزٌ للمأمومين أن يقوموا قبل أن يَرَوا الإمامَ لحديث أبي هريرة: أُقيمتِ الصلاةُ وصَفَّ النّاسُ صفوفَهم وخرجَ النَّبِيُّ ﷺ فقام مَقَامَهُ ثم أومَأ إليهم بيدِهِ: "أن مَكَانَكُم " (٤)، ولم يُنكرْ عليهم، فدلَّ على جوازه (٥).
وروى جعفر بن محمد (٦) والمرُّوْذيُ وغيرهما عنه: أنه وسَّع العملَ بالحديثين جميعًا، فإن شاءوا قاموا قبل أن يَرَوْهُ، وإن شاءوا لم يقوموا حتى يَرَوْه.
فائدة
قال أحمد في رواية أبي طالب: إن انتظرَ الإمام المؤذِّنَ، فلا بأس
стр. 1043
قد فعل ذلك عمر، وإن لم ينتظرْه فلا بأس. ووجهه: قول بلال للنبي ﷺ : "لا تَسْبِقْني بآمِين " (١)، فدلَّ على أنه لم يَنتظِرْه.
فائدة (٢)
عبد الله (٣) والكوْسَجُ قالا: كان أبو عبد الله يضَعُ نعليه بين يديه، ولا يجعلُهما بين رجليه، يعني: في الصَّلاة، إمامًا كان أو غيرَ إمام. قال عبد الله: قال (٤) أبي: يُصَلِّي الفريضةَ والتَّطَوُّع ونعلُه بين يديه.
ونقل حنبل وأحمد بن علي (٥): يجعلُهما عن يساره.
وجْهُ الأولى: أنه لا يؤذي بهما أحدًا، وقد أشار إلى ذلك فى الحديث (٦). ووجهُ الثانية: أنه ﷺ صلَّى يوم الفتح بمكَّةَ فوضَعَ نعليه عن يَساره (٧).
стр. 1044
فائدة
قال في رواية علي بن سعيد (١) -في الرجل الجاهل يقومُ خلفَ الإمام، فيجيءُ من هو أعلمُ بالسُّنَّة منه، فيؤخرُه أو يدفعُهُ ويقومُ في مقامِهِ-: لا أرى ذلك، فذُكر له حديثُ قيس بن عُبَادٍ حين أخَّرَهُ أُبَىُّ ابن كعب (٢)؛ فقال: إنما كان غلامًا (٣).
قال القاضي: إنما لم يَجُزْ تأخيرُه؛ لأنه كبيرٌ قد سبق إلى ذلك الموضِع. وأجاب أحمدُ عن حديث أُبىٍّ بأن قَيْسًا كان غلامًا.
قلت: وقد يؤخذُ من كلام أحمد جوازُ تأخير الصَّبِيِّ، وصلاةُ الرجل مكانَهُ، وقد قال أحمد في رواية الميمونى (٤): يلي الإمامَ الشيوخُ وأصحابُ القرآن ويؤخَّرُ الغلامُ والصِّبيانُ. وقال في رواية أبى طالب - في الصَّفِّ يكون طويلاً فيكون في آخره صَبِيٌّ، فيجيء رجلٌ فيقوم خلف الصبي-: لا بأسَ هو مُتَصِلٌ بالصَّفِّ.
قال بعض أصحابنا: وهذا يدُل على أنه إذا كان في الصَّفِّ خَلَلٌ
стр. 1045
مقامَ رجُلٍ لا يُبطِلُ الموقفَ؛ لأن الصبيَّ لا يصافُّ الرجلَ، وقد حكم باتصاله بالصَّفِّ، فإن كان قد امتلأ الصفُّ، وفيه صبيٌّ، فجاء رجلٌ، فللرجل إذا جاء أن يؤخِّرَهُ ويقومَ مقامَهُ لأنه أولى بالتَّقدِمَةِ.
فائدة
قال المرُّوْذي (١): كان أبو عبد الله يقومُ خلفَ الإمام، فجاء يومًا، وقد تجافَى النَّاسُ أن يُصَليَ أحدٌ فى ذلك الموضع، فاعتزل وقامَ في طرف الصَّفِّ، وقال: قد نهى أن يتَّخِذَ الرجل مُصَلاه مثل مَرْبَض البعيرِ (٢).
فائدة
قال أحمد فى رواية ابنه عبد الله (٣): لو أن جاهلاً صلَّى برجل فجعله عن يساره؛ كان مخالفًا للسُّنة، وردَّ إليها وجازتْ صلاتُه -في رواية جعفر بن محمد في الرجُل يقيمُ الصَّلاةَ وليس معه إلا غلامٌ: لا يَؤُمُّهُ في الفريضة، وإنما أمَّ النبيُّ ﷺ ابنَ عباس في تطوُّع صلاة الليل (٤). وكذلك حديث أنس إنما هو تطوّعٌ (٥). وروى هذه
стр. 1046
أيضًا عنه حَرْب وابن سِنْدي (١).
قال بعض أصحابنا: وَجْه ذلك أنه لا يصِحُّ أن يكونَ إمامًا في هذه الصلاة، فلم تنعقد به، كالمرأة والعبد في صلاة الجمعة، ولا يلزم إذا صلَّى بامرأة أن تنعقدَ الجماعة؛ لأنها تَصِحُّ أن تكونَ إمامةً فيها في حقّ النساء.
فائدة (٢)
اختلف أصحابنا في علَّة منع البالغ من مصَافَّة الصَّبيِّ؛ فقال أبو حفص: يُخشى أن لا يكونَ مُتَطَهرًا، يعني: فيصيرُ (٣) البالغ فذًّا. وقال غيرُه: لمَّا لم يَجُزْ أن يَؤُمَّهُ لم يَجُزْ أن يُصَافَّهُ كالمرأة، وعكسُه صلاة النافلة لما جاز أن يَؤمَّهُ, جاز أن يُصَافَّهُ.
وإذا ثبت ذلك؛ فالإمامُ مخيَّرٌ بين أن يقفَ في وسطهما، الرجلُ عن يمينهِ والصَّبيُّ عن يساره، وبين أن يقفا جميعًا عن يمينه إن كانت الصَّلاة فرضًا، وإن كانت نافلةً جاز أن يقفا خَلْفَهُ، نصَّ عليه، فقال: إذا كان رجل وغلام لم يُدْرِكْ في صلاة الفريضة فيقوم الرجل وسطهم بينهما كما فعل ابن مسعود في الفريضة، قيل له: حديث أنس: "أمَّنا رسولُ الله ﷺ واليتيم" (٤) قال: ذلك في التطوُّع.
قال أبو حفصٍ: واحتجَّ أبو عبد الله في أن الرجل يقفُ على يمين
стр. 1047
الإمام، والغلامُ عن يساره، بما رواه (١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: دخلت أنا وعمي عَلْقَمةُ على عبد الله بن مسعود بالهَاجرة، قال: فأقام الصَّلاةَ الظُّهْر، فَقمنا خلْفَهُ، فأخذ بيدي ويدِ عمي، ثم جعل أحدَنا عن يمينه والآخرَ عن يَساره، ثم قام بيننا، فصَفَّنا صفًا واحدًا، ثم قال: هكذا كان رسولُ الله ﷺ يصنَع إذا كانوا ثلاثة.
وحجَّتُهُ في التَّطَوع من أنهما يقفان خلفَ الإمام: ما رواه أحمد (٢): حدثنا عبد الرزَّاق، عن مالك، أخبرني إسحاق بن عبد الله ابن أبي طَلْحة، عن أنس، فذكر الحديث، وفيه: "فقمتُ أنا واليتيمُ وراءَه".
قال أبو حفص: على أن حديث أنس لم يقطعْ به أبو عبد الله، قال في رواية عبد الله (٣): كان قلبي لا يجسُرُ على حديث إسحاق؛ لأن حديث موسى -يعني خلافَهُ- ليس فيه ذكر اليتيم، إنما فيه أنَّ أنسًا قام عن يمين النَّبِيِّ ﷺ .
قال أحمد (٤)، حدثنا حجَّاج بن محمد، قال: حدثنا شعبةُ قال: سمعت عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، يحدث عن أنس: أنه كان هو ورسول الله ﷺ وأمُّهُ وخالَتُهُ [فصلّى بهم، فجعل أنسًا عن
стр. 1048
يمينه، وأمه وخالته] (١) خَلْفَهما.
قال شُعْبة: وكان عبد الله بن المختار أشَبَّ مني.
فائدة
الأفضلُ إذا كانا رجلينِ أن يُصَلِّيا خلْفَه، نصَّ عليه، لحديث جابر وجبَّار (٢). فأما ما ذهب إليه ابن مسعود إذا كانوا ثلاثة يقوم وسطَهُم، فإن أبا عبد الله قال: لم يبلغْ عبدَ الله هذه الأخبارُ.
وقدْ سَهَّل أبو عبد الله في ذلك قال: وأرجو أن يكون الإمام في الثلاثة واسعًا، وأحبّ إلىَّ أن يتقدَّمَ، كما فعل عمر.
وروى عنه المرُّوْذيّ في الرجل يجيءُ والإمام في التّشَهُّدِ وإلى لِزْقِه (٣) رجلٌ هل يقومُ معه أو يجذبه؛ قال: أعجبُ إلىَّ أن يتقدَّمَ الإمامُ ويجذبَ الرجلَ.
قال أبو حفص: قوله: "يتقدَّم الإمام" لِيَقِلَّ تأَخرُ المأموم، ويقرُبُ الإمامُ من السُّتْرَةِ، وقد أجاز جذب الرجلِ لِيُصِحَّ مقامَهُ معه خَلْفَ الإمام.
وأكثرُ الروايات عنه أنه كرِهَ أن يجذبَ رجلاً؛ لأنه يؤخِّرهُ عن موقفه، وإن (٤) اختار هو ذلك.
وقال في رواية أبي طالب: إذا صلَّى الإمام مع رجل، وجلسَ وجَاءَ رجلٌ، فلْيَجْلِسْ عن يساره حتى يقومَ؛ لأن تأخيرَ الجالس يثقُلُ
стр. 1049
عليه، وكون المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه رجلٌ موسع.
فائدة
اختلف قول أحمد في صلاة المأمومين على علُو؛ فنقل عنه صالحٌ أنه أجاز ذلك على الضَّرورة، إذا كان موضعًا ضيقًا.
وقال في الرجل يُصلّي فوق البيت بصلاة الإمام: إن كان في موضع ضيِّق يوم الجمعة، كما فعل أنس.
ونقل حَرب وحَنبل وأبو الحارث الجوازَ مطلقًا: أن يصلىَ المأمومُ وهو يسمعُ قراءةَ الإمام في دار أو فوق سطح أو فى الرَّحَبة، أو رجل منزلُه مع المسجد يُصَلي على سطحه بصلاة الإمام، أو على سطح المسجد بصلاة الإمامِ أسفلَ، وذكَر الآثارَ بذلك عن أبى هريرة ﵁ وابن عمرَ وابن عباس (١).
واختلف قوله إذا كان بينهم نَهرٌ أو طريقٌ أو حائطٌ، فنقل حربٌ عنه أنه أجاز للمرأة أن تُصَلِّي فوقَ بيتٍ بصلاة الإمامِ، وبينها وبين الإمام طريق، ولفظه: أرجو أن لا يكونَ به بأسٌ، وذَكر حديثَ أنس أنه كان يفعل ذلك (٢). فقيل: إذا كان وحدَه؟ قال: لا، مَن صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وحدَهُ أعادَ.
стр. 1050
ونقل أبو طالب المنعَ -فقال في الرجل يُصَلِّي فوق سطح بصلاة الإمام- قال: إذا كان بينهَما طريقٌ أو نَهَرٌ فلا، قيل: أنس صلَّى، قال: أنسٌ صلَّى يومَ الجمعة في غُرْفَةٍ بعدما كَبِرَ، ويوم الجمعة لا يكونُ طريقٌ، يمتلئُ من الناسِ.
ونقل ابنُ الحَكَم جواز ذلك للضرورة، قال: إذا كان موضِعَ ضَرورة أجزأَ عنه، يُروَى عن أنس، فأما التراويحُ فتجوز فوقَ سطحٍ، وإن كان بينَهما طريقٌ نصَّ عليه، وقال: ذلك تَطوُّع.
قال أبو حفص: ويومَ الجمعة جائز أن يُصَلِّيَ النَّاسُ في (ق/٣٩؛ أ) طاقاتِ باب خُرَاسانَ وخارج الطاقات، نصَّ عليه.
قال أبو حفص: إذا فعلَ الرجل مثل فعل أبي بَكْرَةَ (١) مع العلم بنهي النبي ﷺ لأبي بَكْرَةَ، فروايتان: إحداهما: يعيدُ، وعنه أنه أجاز للرجل أن يُكَبِّرَ ويركَعَ فيما دونَ الصَّفِّ، ثم يمشي حتى يدخلَ في الصف (٢)، إذا علم أنه لا يُدْرِكُ، فقال في رجل كَبَّر قبل أن يدخلَ في الصَّفِّ وركَعَ ثم مشى حتى دخل في الصَّفِّ فقال: يجوز له ذلك، قد رُوِيَ (٣) أن أبا بَكْرَةَ ركع دونَ الصَّفِّ، ولم يأمرْه أن يُعِيدَ. وقد رُوِيَ أيضًا عن ابن مسعود وزيد أنهما ركعا دون الصَّفِّ (٤).
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: أرى إذا عَلِمَ أنه يدركُ الركوع
стр. 1051
لم يركعْ دونَ الصَّفِّ، وإذا علم أنه لا يدركُ ركَعَ، واثنان أحَبُّ إليَّ أن يُكَبِّرا جميعًا، ويَدِبَّا إلى الصَّفّ (١).
قال أبو حفص: ووَجْه هذه: ما روى عبد الله بن أحمد: حدثنا زكريا بنُ يحيى، حدثنا إبراهيمُ بن سعد الزُّهْرىُّ، عن قَبيصَةَ بن ذُؤَيْب، قال: رأيتُ زيدَ بن ثابت يدخلُ المسجدَ والقوم ركوعٌ فيركعُ ثم يَدِبُّ حتى يَصلَ إلى الصَّفِّ، وعن ابن مسعود مثله (٢).
ابن جُرَيْج, عنْ عطاء، أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول للناس: إذا دخلَ أحدُكُم المسجد والناس ركوعٌ فليرْكَعْ حين يدخلُ، ثم لْيَدِبَّ راكعًا حتى يدخل في الصَّفِّ فإن ذلك من السّنة، قال عطاء: وقد رأيتُه هو يفعلُ ذلك (٣).
قال أبو حفص البرمكيُّ: وقولُ النبي ﷺ لأبي بَكرَةَ: "لا تَعُد"، نهيٌ عن شدة السَّعْي (٤)، بدليل قول ابن الزبيرِ: فإنَّ (٥) ذلك من السُّنة.
فائدة
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (٦) -في رجل مكفوف
стр. 1052
دخل في الصَّفِّ، فلما أراد أن يركَعَ الْتَزَقَ الذين كانوا معه في الصَّفِّ بصَفِّ آخر، وبقيَ هو وحدهَ-: يُعِيْدُ (١).
وقال في رواية مهنَّأَ (٢) في رجل صلَّى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصَّفِّ، ثم زحموه فصلَّى الركعةَ الأخرى خلفَ الصفِّ وحده: يُعِيدُ الركعة التي صلَّى وحدَهُ.
قال في رواية الحسن بن محمد (٣): إذا ركعَ ركعةً وسجدَ، ثم دخل في الصَّفِّ، يُعِيدُ الركعةَ التي صلَاّها، ولا يعيدُ الصَّلاةَ كُلَّها.
وقال في رواية مهنأ -في رجل ركع ركعة وسجدتين دونَ الصَّفِّ، ثم جاء الناسُ فقاموا إلى جنبه في الثلاث (ظ/١٧١ ب) رَكَعات-: يعيدُ الصَّلاة كلَّها، ثم قال: لو ركع ركعةً وحدَها ولم يسجدِ السجدتينِ لم يكنْ عليه إعادة؛ لأن أبا بَكْرَةَ ركعَ دون الصَّفِّ ولم يسجدْ.
قال أبو حفص: اختلف قولُ أبي عبد الله في رجل يصلِّي خلف الصَّفِّ ركعةً كاملةً، ثم يدخل الصفَّ أو ينضافُ إليه قومٌ، هل يُعيدُ تلك الركعةَ وحدَها أو الصَّلاة كلَّها؟.
قال أبو حفص: والأصحُّ عندي أنه يعيدُ ما صلَّى خلْف الصَّفِّ
стр. 1053
حسْبُ، فيعيدُ الركعةَ (١) أو الركعتين، ولا يُعيد ما صلّى (ق/٢٣٩ ب) مع غيره. قال: لأنَّ تكبيرة الإحرام لم تَفْسُدْ؛ لأنة لا يختلفُ قولهْ أنه إذا كبَّر وحدَه أنها صحيحة.
قال القاضي: وتحريرُ (٢) قول أبي حفص: أنه صلَّى بعضَ الصلاة منفردًا فلم تبطل جميعُها، كالتكبيرة والرُّكوع من غير سجود، ووجهُ: البُطلان: أن القياس يقتضي بُطلانَ الصلاة في التكبيرةِ والرُّكوع؛ لأن ما يفسدُ جميعَ الصَّلاة يُفسِدُ بعضَها كالحَدَث (٣)؛ وإنما أجار أحمد: ذلك القَدْر لحديث أبي بَكْرَة.
قال أحمد: إذا صلَّى بين الصَّفَّين وحدَه يُعَيدها؛ لأنه فذٌّ، وإن كان بين الصَّفَّين.
وقال في الرجل ينتهي إلى الصَّفِّ الأول وقد تمَّ: يدخلُ بين رجلين إذا علم أنه لا يَشُقُّ عليهم، وذلك أنهم قد أُمِروا أن لا يكون بينهم خَلَلٌ، ويكرهُ أن يَمُدَّ رجلاً من الصَّفِّ إليه، نصَّ عليه، قال: أما أنا فأستقبحُ أن يَمُدَّ رجلاً، يدخلُ مع القوم، أو يُنْتَزع (٤) رجلٌ من الصَّفِّ فيركع معه.
قال بعض أصحابنا: ويقرُبُ من هذه المسألة أنه يُبَاحُ تَخَطِّي رقابِ النَّاسِ إذا تركوا قدَّامَه فرجةً في رواية. وقال في رواية المرُّوْذيِّ: إذا جاءَ وليس يُمكنُهُ الدخولُ في الصَّفِّ، هل يمَدُّ رجلاً
стр. 1054
يصلي معه؟ قال: لا، ولكن يزاحِمُ الصَّفَّ ويدخُلُ.
قال أبو حفص: وقد ذكرنا عن أحمدَ جواز جَرِّ الرَّجُل في رواية المرُّوْذي، فإن صحَّ النقلُ كان في المسألة روايتان (١)، روي عن أبي أيوبَ قال: تحريكُ الرَّجُلِ من الصَّفِّ ظلمٌ.
قلت: وفي "المُدَوَّنة" (٢) قال مالكٌ: هو خطأٌ منهما.
وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة يُنْكِرُه أيضًا ويقول: يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ فذًّا، ولا يجذبُ غيرَه، قال: وتصحّ صلاتُه في هذه الحالة فذًّا، لأن غايةَ المُصَافَّةِ أن تكونَ واجبةً فتسقط بالعُذْر (٣).
فائدة
قال مهنَّاٌ: رأيتُ أحمدَ إذا قام إلى الصلاة يفرِّجُ بين قدميه، وإذا انحدرَ للسُّجود ضمَّ قَدَمَيْهِ.
قال القاضي: إنما قلنا: يُفَرِّجُ بين قدميه، لما روى حَرْب: ثنا أبو حفص، ثنا أبو (٤) عاصم، عن ابن جُريْجٍ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تقاربَ ولا تباعُدَ (٥).
وكيع، عن عُيَيْنةَ بن عبد الرحمن بن جَوْشن (٦)، قال: قال: كنت
стр. 1055
مع أبي في المسجد -يعني مسجدَ البصرة- فنظر إلى رجلٍ قائمًا يُصَلِّي، قد صفَّ بين قدميه، وأَلْزَقَ إحداهُما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركتُ في المسجد ثمانيةَ عَشَرَ من أصحاب رسول الله ﷺ ما رَأَيْتُ أحدًا منهم صنَعُ هكذا (١) قطُّ.
ولأنه أمكنُ للقيام في الصَّلاة، وضَمُّ القدمين عند الانحدار للسُّجود أمكنُ للانحدار.
قال في رواية (ق/ ٢٤٠ أ) حرب وقد سأله: الرجلُ يصُفَّنَّ بين قدميه أحبُّ إليك، أو يعتمدُ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مرّةً؟.
قال: يُرَاوِحُ بين قدميه أحبُّ إليَّ، يعتمدُ على هذه مَرَّةً، وعلى هذه مَرَّةً؛ لما روى الأعمشُ، عن المِنهال، عن أبي عُبَيْدَةَ قال: رأى عبدُ الله رجلاً يُصَلي صافًّا بين قدميه، فقال: لو رَاوَحَ هذا بين قدمه كان أفضلَ (٢).
ولأنه أَرْوَح للمُصَلِّي، وقد رفع النَّبِيُّ ﷺ المَشَقَّة عن المصلِّي بقوله: "أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ (٣)، وكان يتوقَّى بالثَّوب في الصَّلاة حرَّ الأرض وبَرْدَها (٤).