← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

لم يركعْ دونَ الصَّفِّ، وإذا علم أنه لا يدركُ ركَعَ، واثنان أحَبُّ إليَّ أن يُكَبِّرا جميعًا، ويَدِبَّا إلى الصَّفّ (١). قال أبو حفص: ووَجْه هذه: ما روى عبد الله بن أحمد: حدثنا زكريا بنُ يحيى، حدثنا إبراهيمُ بن سعد الزُّهْرىُّ، عن قَبيصَةَ بن ذُؤَيْب، قال: رأيتُ زيدَ بن ثابت يدخلُ المسجدَ والقوم ركوعٌ فيركعُ ثم يَدِبُّ حتى يَصلَ إلى الصَّفِّ، وعن ابن مسعود مثله (٢). ابن جُرَيْج, عنْ عطاء، أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول للناس: إذا دخلَ أحدُكُم المسجد والناس ركوعٌ فليرْكَعْ حين يدخلُ، ثم لْيَدِبَّ راكعًا حتى يدخل في الصَّفِّ فإن ذلك من السّنة، قال عطاء: وقد رأيتُه هو يفعلُ ذلك (٣). قال أبو حفص البرمكيُّ: وقولُ النبي ﷺ لأبي بَكرَةَ: "لا تَعُد"، نهيٌ عن شدة السَّعْي (٤)، بدليل قول ابن الزبيرِ: فإنَّ (٥) ذلك من السُّنة. فائدة قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (٦) -في رجل مكفوف

стр. 1052

دخل في الصَّفِّ، فلما أراد أن يركَعَ الْتَزَقَ الذين كانوا معه في الصَّفِّ بصَفِّ آخر، وبقيَ هو وحدهَ-: يُعِيْدُ (١). وقال في رواية مهنَّأَ (٢) في رجل صلَّى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصَّفِّ، ثم زحموه فصلَّى الركعةَ الأخرى خلفَ الصفِّ وحده: يُعِيدُ الركعة التي صلَّى وحدَهُ. قال في رواية الحسن بن محمد (٣): إذا ركعَ ركعةً وسجدَ، ثم دخل في الصَّفِّ، يُعِيدُ الركعةَ التي صلَاّها، ولا يعيدُ الصَّلاةَ كُلَّها. وقال في رواية مهنأ -في رجل ركع ركعة وسجدتين دونَ الصَّفِّ، ثم جاء الناسُ فقاموا إلى جنبه في الثلاث (ظ/١٧١ ب) رَكَعات-: يعيدُ الصَّلاة كلَّها، ثم قال: لو ركع ركعةً وحدَها ولم يسجدِ السجدتينِ لم يكنْ عليه إعادة؛ لأن أبا بَكْرَةَ ركعَ دون الصَّفِّ ولم يسجدْ. قال أبو حفص: اختلف قولُ أبي عبد الله في رجل يصلِّي خلف الصَّفِّ ركعةً كاملةً، ثم يدخل الصفَّ أو ينضافُ إليه قومٌ، هل يُعيدُ تلك الركعةَ وحدَها أو الصَّلاة كلَّها؟. قال أبو حفص: والأصحُّ عندي أنه يعيدُ ما صلَّى خلْف الصَّفِّ

стр. 1053

حسْبُ، فيعيدُ الركعةَ (١) أو الركعتين، ولا يُعيد ما صلّى (ق/٢٣٩ ب) مع غيره. قال: لأنَّ تكبيرة الإحرام لم تَفْسُدْ؛ لأنة لا يختلفُ قولهْ أنه إذا كبَّر وحدَه أنها صحيحة. قال القاضي: وتحريرُ (٢) قول أبي حفص: أنه صلَّى بعضَ الصلاة منفردًا فلم تبطل جميعُها، كالتكبيرة والرُّكوع من غير سجود، ووجهُ: البُطلان: أن القياس يقتضي بُطلانَ الصلاة في التكبيرةِ والرُّكوع؛ لأن ما يفسدُ جميعَ الصَّلاة يُفسِدُ بعضَها كالحَدَث (٣)؛ وإنما أجار أحمد: ذلك القَدْر لحديث أبي بَكْرَة. قال أحمد: إذا صلَّى بين الصَّفَّين وحدَه يُعَيدها؛ لأنه فذٌّ، وإن كان بين الصَّفَّين. وقال في الرجل ينتهي إلى الصَّفِّ الأول وقد تمَّ: يدخلُ بين رجلين إذا علم أنه لا يَشُقُّ عليهم، وذلك أنهم قد أُمِروا أن لا يكون بينهم خَلَلٌ، ويكرهُ أن يَمُدَّ رجلاً من الصَّفِّ إليه، نصَّ عليه، قال: أما أنا فأستقبحُ أن يَمُدَّ رجلاً، يدخلُ مع القوم، أو يُنْتَزع (٤) رجلٌ من الصَّفِّ فيركع معه. قال بعض أصحابنا: ويقرُبُ من هذه المسألة أنه يُبَاحُ تَخَطِّي رقابِ النَّاسِ إذا تركوا قدَّامَه فرجةً في رواية. وقال في رواية المرُّوْذيِّ: إذا جاءَ وليس يُمكنُهُ الدخولُ في الصَّفِّ، هل يمَدُّ رجلاً

стр. 1054

يصلي معه؟ قال: لا، ولكن يزاحِمُ الصَّفَّ ويدخُلُ. قال أبو حفص: وقد ذكرنا عن أحمدَ جواز جَرِّ الرَّجُل في رواية المرُّوْذي، فإن صحَّ النقلُ كان في المسألة روايتان (١)، روي عن أبي أيوبَ قال: تحريكُ الرَّجُلِ من الصَّفِّ ظلمٌ. قلت: وفي "المُدَوَّنة" (٢) قال مالكٌ: هو خطأٌ منهما. وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة يُنْكِرُه أيضًا ويقول: يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ فذًّا، ولا يجذبُ غيرَه، قال: وتصحّ صلاتُه في هذه الحالة فذًّا، لأن غايةَ المُصَافَّةِ أن تكونَ واجبةً فتسقط بالعُذْر (٣). فائدة قال مهنَّاٌ: رأيتُ أحمدَ إذا قام إلى الصلاة يفرِّجُ بين قدميه، وإذا انحدرَ للسُّجود ضمَّ قَدَمَيْهِ. قال القاضي: إنما قلنا: يُفَرِّجُ بين قدميه، لما روى حَرْب: ثنا أبو حفص، ثنا أبو (٤) عاصم، عن ابن جُريْجٍ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تقاربَ ولا تباعُدَ (٥). وكيع، عن عُيَيْنةَ بن عبد الرحمن بن جَوْشن (٦)، قال: قال: كنت

стр. 1055

مع أبي في المسجد -يعني مسجدَ البصرة- فنظر إلى رجلٍ قائمًا يُصَلِّي، قد صفَّ بين قدميه، وأَلْزَقَ إحداهُما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركتُ في المسجد ثمانيةَ عَشَرَ من أصحاب رسول الله ﷺ ما رَأَيْتُ أحدًا منهم صنَعُ هكذا (١) قطُّ. ولأنه أمكنُ للقيام في الصَّلاة، وضَمُّ القدمين عند الانحدار للسُّجود أمكنُ للانحدار. قال في رواية (ق/ ٢٤٠ أ) حرب وقد سأله: الرجلُ يصُفَّنَّ بين قدميه أحبُّ إليك، أو يعتمدُ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مرّةً؟. قال: يُرَاوِحُ بين قدميه أحبُّ إليَّ، يعتمدُ على هذه مَرَّةً، وعلى هذه مَرَّةً؛ لما روى الأعمشُ، عن المِنهال، عن أبي عُبَيْدَةَ قال: رأى عبدُ الله رجلاً يُصَلي صافًّا بين قدميه، فقال: لو رَاوَحَ هذا بين قدمه كان أفضلَ (٢). ولأنه أَرْوَح للمُصَلِّي، وقد رفع النَّبِيُّ ﷺ المَشَقَّة عن المصلِّي بقوله: "أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ (٣)، وكان يتوقَّى بالثَّوب في الصَّلاة حرَّ الأرض وبَرْدَها (٤).

стр. 1056

وقال حنبل: رأيته يُرَاوحُ بين قدميه في الصلاة التَّطَوُّع؛ فإذا كانت المكتوبةُ قام منتصِبًا لا يتحرَّكُ منه شيء. * وقال أحمد بن الحسن الترمذي (١): رأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاةَ رفع يديهِ قريبًا من شَحْمة أذنيهَ ونشرَ أصابِعَهُ. وقال أبو داود (٢): سمعت أحمد بن حنبل سُئِلَ: تذهبُ إلى نشر الأصابع إذا كَبَّرْتَ؟ قال: لا. قال أبو حفص: لعلَّ أبا عبد الله أرادَ بالنَّشْرِ الذي لم يذهبْ إليه التَّفْرِيقَ الذي كان يقولُ به أوَّلاً، والنَّشْرُ الذي ذهبَ إليه آخرًا هو مَدُّ اليَدَيْنِ وقد قال صالح (٣): سألتُ أبي عن رفع اليدين في التَّكبيرة الأولى فقال: يا بنىَّ كنتُ أذهبُ إلى حديث أبي هريرة، كان النبي ﷺ إذا كَبَّرَ نشَرَ أصَابعَهُ (٤)، فظننتُ أنه التَّفريقُ، فكنت أفرِّقُ أصابعي، فسألت أهلَ العربية فقالوا: هو الضَّمُّ، وهذا النَّشْرُ: ومدَّ أبي أصابِعَهُ مدًّا مضمومةً، وهذا التَّفريقُ: وفرَّق بين أصابِعِه. قال أحمد (٥): حدثنا محمد بن عبد الله بن الزُّبير، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن (ظ/١٧٢ أ) عَمْرو بن عطاء، عن محمد بن

стр. 1057

عبد الرحمن بن ثَوْبانَ، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة رَفَعَ يَدَيْهِ مدًّا. وروى يحيى بن اليَمان، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن سَمْعانَ، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتحَ الصلاةَ فَرَّج بين أصابِعِهِ (١). وقد ضعَّفه أحمد فقال أحمد بن أَصْرمَ (٢): إن أبا عبد الله سُئِل عن ابن سمْعانَ الحديث فقال: ليس بشيء، والحديثُ عندَه حديثُ أبي هريرة أنه كان يرفع يديه مدًّا (٣). قال أحمد في رواية الفضل بن زياد (٤) -وقد سأله عن رجل بُلِيَ بأرض يُنْكِرُون فيها رفعَ اليدين في الصلاة، وينسبُونه إلى النَّقص-: يجوزُ له تركُ الرَّفع؛ قال: لا يتركُ ذلك، يُداريهم (٥). إنما قال: يُدارِيهم؛ لأنه لا طاقةَ (ق/٢٤٠ ب) له بهم، وأمر النبيُّ ﷺ عائشة بالرِّفق. قال: في رواية ابن مُشَيْش (٦): رفعُ اليدين في الصلاة من السُّنَّة. وهذا يدلُّ علي أنَّ الهيئاتِ في الصّلاة يُطلقُ عليها اسم السُّنَّة.

стр. 1058

قال أبو حفص: فأما حديث أحمد بن يونُسَ، عن أبي بكر بن عياش، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنه كان لا يرفعُ يديه، فإن أبا عبد الله قيل له: إن مجاهدًا قال: ما رأيتُ ابن عمر رفعَ يديه إلا في افتتاح الصَّلاة، قال: هذا خطأٌ نافعٌ وسالمٌ أعلمُ بحديث ابنِ عمر، وإن كان مجاهدٌ أقدمَ، فنافعٌ أعلمُ منه (١). قال بعضُ أصحابنا: وهذا من أحمد يدلُّ على أصلينِ؛ أحدهما: أن روايةَ الأعلم مقدَّمةٌ على رواية غيره. والثاني: أن رواية مَنْ يختصُّ بالصُّحبة أولى من غيره. فائدة اختلف قولُ أحمد في رفع اليدينِ فيما عدا المواضع الثلاثة؛ فأكثرُ الروايات عنه أنه لم يَرَ الرفعَ عند الانحدار إلى السجود، ولا بينَ السجدتين، ولا عند القيامِ من الرَّكعتين، ولا فيما عدا المواضع الثلاثةِ في حديث ابن عمر (٢). ونقل عنه ابنُ أصرم، وقد سئل عن رفع اليدين فقال: في كلِّ خفضٍ ورفعٍ. قال ابن أصرم: ورأيتُ أبا عبد الله يرفعُ يديهِ في الصَّلاة في كل خَفْض ورَفعْ. ونقل عنه جعفر بن محمد وقد سُئِلَ عن رفع اليدينِ فقال: يرفع يديه في كلِّ موضعٍ إلَاّ بينَ السَّجدتينِ.

стр. 1059

ونقل عنه المزُوْدْيُّ: لا يعجبُني أد يرفعَ يديه بين السّجدتين (١)، فإن فعلَ فهو جائزٌ. عَمْرو بن مرة (٢)، عن أبي البَخْتَرِي، عن عبد الرحمن اليَحْصُبي، عن وائل بن حُجْر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير (٣). وقد حكى أحمدُ لفظَ هذا الحديث في موضع آخَرَ أنه كان يرفعُ يديه كلما كبر (٤). قال أبو حفص: وظاهر هذا الحديث يأتي على جميع الصَّلاة في كل خَفْض ورفع. أحمد (٥)، عن ابن فُضَيْل، عن عاصم بن كُلَيْب، عن محارب بن دِثَار، عن ابن عُمَرَ عن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعتين رفع يديه.

стр. 1060

قال أحمد: لا بأس بحديثه، يعني عاصم بن كليب. رِفْدَةُ بن قُضَاعة، عن الأَوْزَاعي، عن عبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر اللَّيثي، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة (١). قال أحمد ويحيى بن معين: ليس بصحيح ولا يعرف عُبَيْد بن عُمَيْر يُحدِّث عن أبيه شيئًا ولا عن جده. وقال أحمد: لا أعرف رِفْدَةَ (٢). وجهُ (ق/ ١٤١ أ) الثالثة: حديث ابن عمر: "ولا يرفعُ بين السَّجدتين" بعد ذكر المواضع الثلاثة. * واختلف قولُه في حدِّ الرفع، فعنه: أنه اختار إلى منكبيه، وعنه: إلى فروع أذنيه. وجهُ الأولى: حديث ابن عمر. وَجْه الثانية: حديث مالك بن الحُوَيْرث: أن النبي ﷺ رفع يَدَيْه إلى فروع أذنيه (٣). وكيع، عن فِطْر، عن عبد الجبّار بن وائل، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ رفع يديه حين افتتح الصَّلاة حتى جاوزت إبهاماه شحمةَ أذنيه (٤).

стр. 1061

وكيع، في أبيه، عن يزيدَ بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البَرَاء بن عازِب، قال: كأني أنظر إلى إبهامَيْ رسول الله ﷺ قد حاذتا شحمةَ أُذُنَيْهِ في الصَّلاة (١). قال أبو حفص: الأمر عند أبي عبد الله واسعٌ إلى أيِّ موضع رَفَع، ما لم يُجاوزِ الأذنينِ ولم يُقَصِّر عن المَنْكِبَيْنِ. الحسن بن محمد الأنماطي (٢): رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسَهُ من الركوع لا يرفعُ يديه حتى يستتِمَّ قائمًا. والحُجَّة فيه: حديث أبي حُمَيْد فيقول: سمع الله لمن حَمِدَه، ثم يرفعُ يديه (٣). أبو داود (٤): قلت لأحمد: افتتح الصَّلاةَ ولم يرفعْ يديه أيعيدُ؟. قال: لا. حُجَّته (ظ/١٧٢ ب): أن النَّبِيَّ ﷺ لم يعَلِّمْهُ الأعرابي (٥)، ولا (٦) نعلمُ أحدًا قالَ بالإعادَةِ إلاّ محمد بن سيرين، فإن أحمد ذكر عنه أنه

стр. 1062

قال: يَقضي. * أختلف قوله في صفة وضع اليد على اليد ؛ فعنه أحمد بن أصرم المزني وغيرُه؛ أنه يقبضُ بيمينه على رُسْغ يساره. وعنه أبو طالب: يضعُ يَدَهُ اليُمنى وضعًا بعضُها على ظهر كفِّه اليسرى وبعضها على ذراعه الأيسر. للأولى: حديث وائل: "رأيت النبي ﷺ يضَعُ يده اليُمنى على اليُسْرى قريبًا من الرُّسْغ" (١). وفي حديث: "ثم ضرَب بيميِنهِ على شِماله فَأَمْسَكَها" (٢). وللثانية: ما روى أنس: أنه وَضَعَ يمينَه على شماله على هذا الوصف (٣). وفي حديث وائل من طريق زائدة، عن عاصم بن كُلَيب، قال: ثم وَضَع يَدَهُ اليُمنى على ظهر كفِّه والرُّسغ والساعد (٤). * واختلف في موضع الوضع؛ فعنه: فوقَ السُّرَّة، وعنه: تحتها، وعنه أبو طالب: سألت أحمد أين يضع يده إذا كان يصلي؟ قال: على السُّرَّة أو أسفل، وكلُّ ذلك واسعٌ عنده، إن وضعَ فَوْقَ السُّرَّةِ أو

стр. 1063

عَلَيْها أو تحتَها (١). علي ﵁: من السُّنَّة في الصَّلاة وضعُ الأَكُفِّ على الأَكُفِّ تحت السُّرَّة (٢). عمرو بن مالك، عن أبى الجَوْزاء، عن ابن عباس (٣) مثل تفسير علي، إلا أنه غيرُ صحيح، والصحيح حديث علي. قال في (ق/ ٢٤١ ب) رواية المُزَني (٤): أسفل السُّرَّة بقليل، ويكرهُ أن يجعلَها على الصَّدر (٥)، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن التكفير (٦)،

стр. 1064

وهو موضع اليد على الصدر (١). مؤمَّل، عن سفيان، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن وائل: أن النبي ﷺ وضع يَدَهُ على صدره (٢). فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد، عن سفيان، لم يذكر ذلك (٣)، ورواه شعبة وعبد الواحد (٤) لم يذكرا خَالَفا (٥) سفيان. * قال في رواية صالح (٦) والكَوْسج إذا التفت في الصلاة: قد أساءَ، وما علمتُ أني سمعت فيه حديثاً، أي: أنه يُعيدُ. وقال في رواية أبي طالب: الالتفاتُ في الصَّلاة لا يَقطعُ، إنما كُرِهَ ذلك لأنه يتركُ الخشوعَ والإقبالَ على صلاته، قال ﷺ : "هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ" (٧) الحديث، فلو كُلِّفَ الإعادةَ شَقَّ، إذ المُصلِّي لا يكادُ يسلمُ من اختلاسه. * قال في رواية حنبل: كان ابنُ مسعود وأصحابُه لا يعرفون

стр. 1065

الافتتاحَ، يُكَبِّرون، ولو فعل هذا رجلٌ أجزأَه، وأهلُ المدينة لا يعرفون الافتتاحَ. وحجَّتُهُ في سقوط وجوب الافتتاح ما رُوي عن ابن مسعود، ولأنَّ في الأخبار ضعفًا. قلتُ: ابنُ مسعود كان يذهب في الصَّلاة إلى أشياءَ خالَفَهُ فيها سائر الصحابة؛ فمنها: تركُ الرَّفع فيما عدا الافتتاح. ومنها: التَّطبيقُ في الرُّكوع. ومنها: قيامُ إمامِ الثلاثة في وَسَطِهِم. ومنها: تركُ الافتتاح. وأحمد لم يضعِّف أحاديث الافتتاح، ولا أسقطَ وجوبَه من أجل ضعفها، ولا من أجل ترك ابن مسعود له، وإنما لم يوجبْه لعدم الأمر به، فإن النبي ﷺ قال: "إذا قمْتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثم اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (١)، ولم يأْمُرْه بالاستفتاحِ. روى حنبل عنه: إذا أراد أن يبتدئَ الصلاةَ يُكَبِّرُ، ثم يستفتحُ استفتاحَ عمرَ (٢)، ثم يتعوَّذُ: "أعوذ بالله السَّميع العليم، من الشَّيطان الرجيم، إن الله هو السَّميع العليمُ"، ثم يقرأُ ويبدأُ ببسم الله الرحمن الرحيم، هذا كلُّه يخافِتُ به، فإن جَهَرَ بها فهو سهوٌ، يسجُدُ سجدتي السَّهو إذا جهر بها. قال أبو حفص: ليس السجودُ واجبًا. حَرْب عنه: لا يقرأُ الإمام إلا بعدَ سكتة، حتى يقرأَ مَنْ خَلْفَه فاتحةَ الكتاب.

стр. 1066

عبد الله عنه يقول: أعوذُ بالله من الشيطانِ الرجيم، إنَ الله هو السميعُ العليم، هذا أعجبُ إليَّ (١). وكذا نقل المرُّوْذي، ثم قال: والأمر سهلٌ. والأصل فيه قوله تعالى: (ق/ ٢٤٢ أ) ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ... ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وفي هذا جَمْع بين الأمرين. وعن النبيِّ ﷺ في قصة عائشة قال: "أعُوذُ باللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ " (٢). روى أحمد بن إبراهيم بن هشام (٣)، عن أبي عبد الله أنه سئل عن: "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب؟ فقال: نعم هي أحل آياتها. قال أبو حفص: ليستْ هذه الروايةُ في كتاب الخَلَاّل لكنها في سماعنا. * وروى عنه (ظ/١٧٣ أ) أبو طالب: إذا نسي أن يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" يسجدُ سجدتي السَّهْو؟ قال: لا (٤). قال أبو حفص: هذا على إحدى الروايتين إذا تَرَكَهَا عند قراءة السورة.

стр. 1067

* وروى عنه الفضل وأبو الحارث (١) وقد سئل عن الجهر بـ: (آمين)، قال: اجهَرْ بها فإنها سُنَّةٌ ذهبت من الناس، وهذا يدُلُّ على أن الهيئة (٢) سُنَّةٌ عند أحمد؛ لأن الجهرَ هيئةٌ في الكلام. وروى عنه إسحاق بن إبراهيم (٣): "آمينَ" أمرٌ من النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا أَمَّنَ القَارئُ فَأَمِّنُوا" (٤)، وهذا يدلُّ على أن المندوبَ مأمور به عند أحمد. وروى عنه حنبلٌ: يجهرُ بها في المكتوبة وغيرها لعموم الأخبار. ابن منصور (٥)، عن أحمد، وقد سأله عن قول أبي هريرة: "لا تسبقني بآمين" (٦) قال: يتَّئِد حتى يجيءَ المؤَذِّنُ، لفضل التأمين. وروى عنه الأثرمُ وقد سُئِل: إذا كان خلفَ الإمام فقرأ (٧) خلفَه فيما يجهرُ فيه أيقول: آمين؟ قال: لا أدري ولا أعلمُ به بأسًا (٨). * اختلف قوله، إذا لم يقرأْ أوَّلَ الصَّلاة هل يَقضي؛ فروى عنه

стр. 1068

عبدُ الله ابنُه: إنْ تركَ القراءةَ في الأُولَيَيْنِ قرأ في الآخرتين، وسجد سجدتي السهو بعد (١) السلام، وإن ترك القراءة في الثلاث، ثم ذكر وهو في الرابعة فسدت صلاتُه، واستأنفَ الصلاةَ. وروى عنه إسماعيل بن سعيد فيمن ترك القراءةَ في الركعة من صلاةِ الغداة، أو في ركعتين من الظُّهر عمدًا أو سهوًا لا يعتدُّ بتلك الركعة، التي لم يقرأ فيها، ويبني على صلاته ويقرأُ. وروى عنه ابن مُشَيْش في إمام صلَّى بقومٍ الظُّهْرَ، فلما فرغ ذكر أنه لم يقرأْ: يعيدُ ويعيدون. وهو الصحيح. وجه الأولة ما روى أحمد: حدثنا وكيعٌ، حدثنا عِكْرِمة بن عمّار، عن ضَمْضَمِ بن جَوْس الهِفَّاني عن عبد الله بن حَنْظَلة بن الرَّاهب قال: صلى بنا عمر المغرب، فنسي أن يقرأَ في الركعة الأولى، فلما قامَ في الثانية قرأَ بفاتحةِ الكتاب مرَّتينِ وسورتينِ، فلما قضى الصَّلاة سجد (ق/٢٤٢ ب) سجدتينِ (٢). ووجه الثانية: قوله ﷺ : "لا صَلاةَ إلَاّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" (٣)، والركعة الواحدةُ صلاة. وروى محمد بن أبي عَدِيّ، عن الشَّعْبيِ قال: قال الأشعري: صلَّى بنا عمرُ فدخلَ ولم يقرأْ شيئًا، قال: فابْتَغيت (٤) حتى

стр. 1069

أتيتُ الأطناب، فقلت: يا أميرَ المؤمنينَ إنكَ لم تقرأْ شيئًا، فقال: لقد رأيتني أجهز عِيرًا: بكذا وأفعل كذا، قال: فأمَرَ المُؤذِّنِينَ فأذّنوا. وأقاموا فأعاد بنا الصلاة (١). قال القاضي: إذا قلنا: يعيدُ فإنه يعيدُ الأذان، قال أحمد في رواية إسماعيلَ بن سعيد وقد سأله: هل يعيدونَ الأذان والإقامةَ إذا كانوا على ذلك؛ قال: نعم. ووجهه حديث عُمَرَ، ولأن فيه إعلامَ النَّاسِ ليجتمعوا للإعادة. * وروى عنه أحمد بن الحسن التِّرمذي، وقد سئل عن حديث عُمَرَ أنه صلّى بالناس وهو جُنُبٌ فأعاد ولم يُعيدوا (٢)، قال: هكذا نقول. قلت: فإن لم يقرأ الإمامُ الجُنُبُ والذي على غير طُهْر، ومن خَلْفه؟ قال: يُعيدُ ويُعيدونَ. انتهى. قلت: والفرقُ بين ترك القراءة وترك الطَّهارة أن القراءةَ يتحمَّلُها الإمامُ عن المأمون، (ظ/١٧٣ ب) فإذا لم يقرأْ لم يكنْ ثَمَّ تَحَمُّلٌ: والطَّهارةُ لا يتحمَّلُها الإمامُ عن المأموم، فلا يتعدَّى حكمُها إلى المأموم بخلاف القراءة، فإن حكمَها يتعدَّى إليه. فإن قيل: فكيف يحمِلُ الجُنُبُ القراءةَ عن المأموم، وليس من أهل التَحَمُّل؟. قيل: لما كان معذورًا بنِسيانه حَدَثَهُ نُزِّلَ في حقِّ المأموم منزلةَ الطَّاهر، فلا يُعيدُ المأمومُ، وفي حق نفسه تلزمُهُ الإعادةُ، وهذا

стр. 1070

بخلاف المتعمِّد للصَّلاة محدِثًا أو جُنُبًا، فإنه لما لم يكن معذورًا نُزِّلَ فعلُه بالنسبة إلى المأموم منزلةَ العَبَث الذي لا يُعْتَدُّ به. وأيضًا لما كان هذا يكثُرُ مع السهو، لم يتعدَّ بطلانُ صلاته إلى المأموم رفعًا (١) للمشقَّة والحَرَج. ولما كان يَنْدر مع التَّعَمُّد تعدَّى فسادُ صلاته إليهم. * و اختلف قوله في الصلاة بغير الفاتحة ، فروى حربٌ عنه فيمن نَسِي أن يقرأَ بفاتحة الكتاب، وقرأ قرآنًا قال: وما بأسٌ بذلك، أليس قد قرأ القرآن؟! قال: وسمعتهُ مرةً أخرى يقول: كلُّ ركعة لا يقرأُ فيها بفاتحة الكتاب فإنها ليست بجائزةٍ، وعلى صاحبِها أن يُعِيدَها. قال الخَلَاّلُ: الذي رواه حرب قد رجع عنه أبو عبد الله، وبيَّنَ عنه خَلْقٌ كثير أنه لا يجزئُهُ إلا أنْ يَقْرَأَ في كلِّ ركعة. للثانية: ما روى مالك، عن وهب بن كَيْسان، عن جابر قال: مَنْ صلَّى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصلِّ إلاّ وراء إمام (٢). وروى عنه أبو طالب: من نَسِيَ أوَّلَ ركعة، ثم ذكر في آخر ركعة أنه لم يقرأ، لا يعتدُّ بالركعة التي لم يقرأْ (ق/٢٤٣ أ) فيها، ويُصَلِّي ركعةً أخرى مكانَ تلك الرَّكعة، فإن ذكرها وقد سلَّم وتكلَّم أعاد الصَّلاةَ. * اختلفَ قولُه في قراءة القرآن في الفرائض على التَّأْليف على سبيل الدَّرْس، فروى عنه ابنُه عبد الله أنه قال: سألت أبي عن الرَّجُل

стр. 1071

يقرأُ القرآنَ كُلَّهُ في الصَّلاة الفريضة؟ قال: لا أعلمُ أحدًا فعلَ هذا. وقد رُوي عن عثمانَ بن عفَّان ﵁ أنه كان يقرأُ بعض القرآن سُوَرًا على التأليف (١). وروى عنه حربٌ في الرجل يقرأُ على التأليف في الصَّلاة اليومَ سورةَ الرَّعد وغدا التي تَلِيها، ونحو ذلك؟. قال: ليس في هذا شيءٌ، إلا أنه يُروى عن عثمان أنه فعلَ ذلك في المفصَّل وحدها. وروى عنه مهنَّأ أنة رخَّص أن يقرأ في الفرائض حيث يَنتهي. سَلْم بن قُتَيْبَةَ، عن سهيل بن أبي حزم (٢)، عن ثابت، عن أنس، قال: كانوا يقرأون في الفريضة من أول القرآن إلى آخره (٣). وروى المرُّوْذيُّ أن أحمد سُئِلَ عن حديث أنس هذا فقال: هذا. حديثٌ منكر (٤). * روى حنبل عنه: إذا كان المسجدُ على قارعَةِ الطَّريق، أو طريقًا يسلُكُ، فالتخفيف أعجبُ إليَّ، وإن كان مسجدًا معتزلاً أهلُهُ: فيه ويرضون بذلك فلا أرى به بأسًا، وأرجو إن شاءَ الله. * وروى عنه أبو الحارث: إذا قرأَ بفاتحة الكتاب وهو يحسِنُ غيرَها: إن كانْ عامدًا: فلا أُحِبُّ له ذلك، وإن كان سَاهِيًا فلا بأس، صلاتُهُ تَامَّةٌ.

стр. 1072

وعنه محمد بن الحكم: هو عندي مسيءٌ إذا عمل ذلك. قلت: يريدُ الاقتصارَ على الفاتحة، وكلامُهُ يدُلُّ على أَحَدِ أمرين: إما أن تكون السُّورَةُ واجبةً، وإما أن يكونَ تاركُ سُنَّةِ الصَّلاةِ مسيئًا. وروى الفضلُ بن زياد عنه وقد سُئِلَ: الرجلُ يقرأُ في المكتوبة في كلِّ ركعة بالحمد وسورة؟ قال: قد كان عمَرُ يفعلُ، قيل: فتراه أنتَ؟ قال: لا، قد فَعَل النبيُّ ﷺ غيرَ هذا، اقرأ في الأولَيَيْن. انتهى. وروي عن علي وجابر قالا: في الرَّكعتين الأُخْرَيين بفاتحة الكتاب. وروى أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرَّجُل يصلَّي بالنَّاس المكتوبةَ، فيقرأُ في الأربع كلِّها بالحمد وسورة؟ قال: لا ينبغي أن يفعلَ، قلت: سهى؛ قال: يسجدُ سجدتين. وروى عنه أحمد بن هاشم (١)، وقد سئل عن رجل قرأ في الرَّكعتين الأُخْرَيَيْنِ بالحمد وسورة ناسيًا هل عليه سجدَتا السَّهو؟ قال: لا، وكذلكَ قال مهنَّأ والميموني. وروى عنه أبو الحارث في إمام صلَّى بقوم، فقرأ بفاتحة الكتاب (ق/ ٢٤٣ ب)، ثم قرأَ بعضَ السورة ولم يُتِمَّها ثم ركع: لا بأس. ثم قال أحمد: ثنا عبد الله بن إدريسَ، ثنا يزيدُ بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أَبْزَى، قال: صلَّيْتُ خلف عُمَرَ فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ... ﴾ وقع عليه البكاءُ فَرَكَعَ، ثم قرأ سورة النجم فسَجَدَ فيها ثم قام فقرأ:

стр. 1073

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ (١). وروى عنه صالح (٢) وقد سأله عن رجل (٣) يصلِّي فيبدأ من أوسط (ظ/ ١٧٤ أ) السورة أو من آخرها، قال: أما آخر السورة فأرجو، وأما من وسطها فلا. وروى عنه أحمد بن هاشم (٤) الأَنْطَاكِيُّ: هل يُجْزِيءُ مع قراءة الحمد آيةٌ؛ قال: إن كانت مثلَ آية الدَّيْن وآية الكرسي. وروى عنه محمد بن حبيب (٥): يكرَهُ أن يقرأَ الرجلُ في صلاة الفجر بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ إلا أن يكون في سفر. محمدُ بن حَبيب (٦)، حدثنا عمرو الناقدُ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن مِسْعَر ومالك بن مِغْوَل، عن الحَكَم، عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنه صلى بهم الفجر فى طريق مكة: فقرأ بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٧).

стр. 1074

الميمونيُّ: صلَّى بنا أبو عبد الله الفجرَ فقرأ في الأولى بـ (المدثر) وفي الثانية بـ (الفجر)، وكنا نصلي خلف أبي عبد الله بغَلَس فيقرأ بنا في الأولى: (تبارك) ونحوها، ويقرأ في الثانية: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾. وروى عنه أحمد بن الحسين بن حسَّان في إمامٍ يقصِّر في الركعة الأولى ويطوِّلُ في الأخيرة: لا ينبغي هذا، يطوِّلُ في الأولى ويقصِّرُ في الآخرة. قال أبو حفص: وقد روى عن أنس أنه قرأ في الرَّكعة الأولى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وهذا يدلُّ على جواز الإطالة في الثانية، وليس ما ذكره بقَوِيٍّ. * * * ومن خط القاضي مما قال: انتقيتُه من "كتاب الصيام" لأبي حفص البرمكي، قال: ونقلته من خطه (١): نقل عبدُ الله (٢): سألت أبي عمن صامَ رمضانَ وهو ينوي به تطوعًا؛ قال: يفعلُ هذا إنسانٌ من أهل الإسلام؟! لا يُجْزِئُهُ حتى يَنْوِيَ، لو أن رجلاً قام يصلِّي أربعَ رَكَعَاتٍ، لا ينوي بها صلاةَ فريضةٍ أكان يُجْزِئُهُ؟! ثم قال: لا تُجْزِئُهُ صلاةُ فريضةٍ حتى ينْوِيَها. قال أبو حفص: وقد قال الشَّافعيُّ (٣): ولو عقد رجلٌ على أن

стр. 1075

غدًا عندَه من رمضان في يوم الشَّكِّ، ثم بان أنه مِنْ رمضان أجزأه. قال: وهذا موافقٌ لما قال أبو عبد الله في الغَيْم. قال عبدُ الله (١): قلت لأبي: إذا صام شعبانَ كُلَّه؟ قال: لا بأس أن (ق/ ٢٤٤ أ) يصومَ اليومَ الذي يشُكُّ فيه إذا لم يَنْوِ أنه من رمضانَ؛ لأن النبي ﷺ كان يَصِلُ شعبانَ برمضان (٢)، فقد دخل ذلك اليومُ في صومِهِ. قال أبو حفص: مرادُ أبي عبد الله في هذه المسألة: إذا كان الشَّكُّ في الصَّحو، لما تقدَّمَ من مذهبه في الغَيْم. * * * ومن خط القاضي أيضًا مما ذَكَر أنه انتقاه من كتاب "حكم الوالدين في مال ولدهما" جَمْع أبى حفص البرمكي (٣) قال: اختلف قولُ أبي عبد الله في عِتْق الأب جاريةَ ابِنهِ قبلَ قبضِها، فروى عنه بكر بن محمد (٤) أنه قال: ويعتقُ الأبُ في ملكِ الابنِ؟ هو في ملك الابنِ حتى يعتق الأبُ، أو يأخذُ فيكون للأبِ ما أَخَذَ. وعنه المرُّوْذيُّ: ولو أن لابنه جاريةً فأعتقها كان جائزًا، وعنه بكر بن محمد: إذا كانت للابنِ (٥) جاريةٌ فأراد عِتْقَها قبضَها ثم أعتقَها، ولا

стр. 1076

يعتقُ من مال ابنه إلا أن يقبِضَها، وكذا روى عنه عبد الله وغيره (١). قلت: الروايتانِ مأخذُهُما أن مَن مَلَكَ أن يملكَ فتصرَّفَ قبل تَمَلُّكه هل يَنْفُذ تَصَرُّفُهُ؛ فيه قولان، وعلى هذا يُخَرَّجُ تَصَرُّفُ الزَّوج في نصفِ الصَّدَاق، إذا طلَّق بعدَ الإقباض وقبلَ الدخول، وتصرُّف الموصى له، إذا تصرَّف بعد الموتِ، وقبلَ القبولِ، على أن الذي تقتضيه قواعدُ أحمد وأصولُه صحَّةُ التَّصَرُّفِ، ويجعلُ هذا قَبولاً واسترجاعًا للصَّداق قد قارن التّصرُّف. ومن منع صحَّتَهُ قال: إن غايةَ هذا التَّصَرُّف أن يكونَ دالاًّ على الرُّجوع والقَبول الذي هو سببُ الملك، ولم يتقدَّم على التَّصَرُّفِ، والملكُ لابدَّ أن يكونَ سابقًا للتَّصَرُّف، فكما لا يتأخرُ عنه لا يقارِنُهُ. ولمن نَصَرَ الأوَّلَ أن يجيبَ عن هذا بأن المحذورَ أن يرد العقدُ على ما لا يملكُه ولا يكون مأذونًا له في التَّصرُّفِ فيه، فإذا قارن العقدَ سببُ التَّمَلُّك لم يردَّ العقد إلا على مملوك، وقولكم: لابدَّ أن يتقدَّمَ المُلْكُ العقدَ، دعوى محل (٢) النِّزاع، فمنازعوكم يجَوِّزونَ مقارنةَ العقدِ لسبب التَّملك. وهذه المسألةُ تشبهُ مسألةَ حصول الرَّجعة بالوِطء، فإنه بشروعِه في الوطء تحصلُ الرَّجعة، وإن لم يتقدَّمْ على الوِطء، فما وَطِئَ إلا مَنِ ارتجعها، وإن كانت رجعتُه مقارنَةً لوِطئها، فتأمَّلْهُ فإنه من أسرار الفقه. ونظيرُ هذه المسألة مسألةُ الجارية الموهوبة للولد سواء، قال

стр. 1077

أحمد في رواية أبي طالب: إذا (ظ/ ١٧٤ ب) وهبَ لابنه جاريةً وقبضها الابنُ لم يَجُزْ للأب عِتْقُها حتى يرجعَ فيها ويَرُدَّها إليه. قال (ق/ ٢٤٤ ب) أبو حفص البرمكي: ويخرَّجُ في هذه المسألة روايةٌ أخرى بصحَّة العِتْقِ (١)، والأصح الأوَّل. قال إسحاق بن إبراهيم (٢): سألتُ أبا عبد الله عن جارية وَهَبَها رجلٌ لابنه، ثم قبضَها الابنُ من الأب، فأعتقها الأبُ بعدما قبضَها الابنُ؟ قال: الجاريةُ للابن، وأعتق الأبُ ما ليسَ له. قلت: فحديث النبي ﷺ : "أنْتَ ومَالكَ لأَبيكَ" (٣)؛ قال: مَنْ قال: إِن عِتْقَ الأب جائز يذهبُ إلى هذا، فأما الحسن وابن أبي ليلى فإنهما يقولان: عِتْقُهُ عليه جائزٌ، ولا أذهبُ إليه. قلتُ: أيْشٍ الحُجَّةُ في هذا؟ قال: لا يجوزُ عتقُه على ما وَهَبَهُ الابْنَ وحازه (٤). * اختلف في قبض الأب صداقَ ابنِتِه؛ فروى عنه مهنَّأ: لا يُبَرَّأُ الزوجُ بذلك، وروى: عنه المرُّوْذيُّ وأبو طالب: أنه يبرأ، وأصلُ

стр. 1078

الروايتين عند بعض أصحابنا: إبراءُ الأب عن الصَّداق، فإن فيه روايتين، فإن قلنا: يصح إبراؤُه صحَّ قبضُه وَإلَاّ فلا كالأجنبي. قلت: وعندي أن الروايتين في القبض غيرُ مبنيتين على روايتي (١) الإبراء، بل لما مَلَك الأبُ الولايةَ على ابنته في هذا العقد مَلَكَ قَبْضَ عِوَضِهِ، فلما مَلَك تزويجَها، وهو كإقباضِ البُضْع (٢) وتمكين الزوج منه، مَلَكَ قبضَ الصَّداق، وهذه هى العادةُ بين الناس. والرواية الأخرى: لا يقبض لها إلا بإذنها، فلا يبرأُ الزوجُ بإقباضِهِ، كما لا يتصرَّفُ في مالها إلا بإذنِها، والله أعلم. * روى المرُّوْذي عنه في الرجل يستقرض من مال أولاده، ثم يوصي بما أخد من ذلك، قال: ذلك إليه فإن فعل فلا بأس. وهذه الرواية تدلُّ على أن الدَّيْنَ يثبتُ في ذِمَّته، وإن لم يملكِ الابنُ المطالبة به؛ إذ لولا ثبوتُهُ في الذِّمَّة لم يملكِ الوصيةَ به، وكانت وصيَّتُه لوارث. وقد روى عنه أبو الحارث في رجلٍ له على أبيه دَيْن، فمات الأبُ، قال: يَبْطُلُ دَيْنُ الابنِ. قلت: وهذه الرواية عندي تحتملُ أمرينِ: أحدهما: بطلانُه وسقوطُه جملةً، وهو الظاهرُ. والثاني: بطلانُ المطالبةِ به، فلا يختصُّ به من التَّرِكة، ثم يقسما (٣) الباقي، فلو

стр. 1079

أوصى له به من غير مطالبة، فله أخذُه يقدم به من التَّرِكة. موافقًا لنَصِّه الآخر في رواية المرُّوْذي، والله أعلم. فإن قيل: لو اشتغلت الذِّمَّةُ به لوجبت الوصِيَّةُ به كسائر الديون. قلت: لما كان للأب من الاختصاص في مال ولده ما ليس لغيره، فيملكُ أن يتملَّكَ عليه عَيْنَ ماله، فلذلك يملك أن يُسْقِطَهُ من ذِمَّة (١) نفسِهِ، وأن يُوَفِّيَهُ إيَّاه، (ق/ ٢٤٥ أ) فتأمَّلْهُ. * اختلفتِ الروايةُ عن أحمد فيما أخذه الأبُ من مال الولد ومات ووجده الابنُ بعيِنهِ، هل يكون له أخذُه؛ على روايتين نقلهما أبو طالب في "مسائِلِهِ" واحتجَّ بجواز الأخذ بقول عمر. قال أبو حفص: ولأنّا قد بينَّا أن الحقَّ في ذمَّته، ولا يمتنعُ أن يسقطَ الرجوعُ إذا كان ديْنًا ويملكُ إذا كان عَيْنًا كالمفلس بثمن المبيع، ووجه الأخرى: أن الأبَ قد حازه، فسقط الرجوعُ كما لو أتلفه. روى عنه أبو الحارث: كلما أحرزه الأبُ من مال ولده فهو له رضِيَ أو كَرِهَ، يأخذُ ما شاء من قليل وكثير، والأمُّ لا تأخذُ إنما قال: "أنْتَ ومالُكَ لأَبِيكَ" (٢) ولم يقل: لأمِّك. * وروى عنه إسحاق بن إبراهيم (٣): لا يَحِلُّ لها، يعني الأم أن تَتَصَدَّق بشيء من غير: علمِهِ. قال أحمد: أما الذي سمعنا أن المرأة تتصدَّق من بيت زوجها

стр. 1080

ما كان من رطب والشيءَ الذي تَطْعَمُه، فأما الرجل فلا أحبُّ له أن يتصدق بشيءٍ إلا بإذنها. * وروى عنه حنبل في الرجل يقعُ على جارية أبيه أو ابنه أو أمِّه (١): لا أراهُ يلزقُ به الولدُ؛ لأنه عاهر، إلا أن يُحِلَّها له. قال أبو حفص: يحتملُ أن يريدُ يقوله: "يُحِلُّها له"، أي: بالهِبة، ويحتملُ أن يريدُ حِلَّ فرجِها؛ لأنه إذا أحلَّ فَرْجها فوَطِئَها لَحِقِةُ الولدُ لأجل الشُّبْهة، ألا ترى أنَّا ندرأُ عن المحصَنِ الرَّجْمَ في هذا لحديث النبي ﷺ . وقال في رواية بكر بن محمد في رجلٍ له جاريةٌ يطؤُها، فوثبَ عليها ابنُه فوطِئها، فحمَلَتْ منه، وولدَتْ: هي أَمَةٌ تُبَاعُ؛ لأنه بمنزلة الغريب، وهو أشدُّ عقوبةً من الغريب، لا يثبتُ له نَسَبٌ، ولكن لو أعتقه الأبُ. قولُه: "وهو أشدُّ عقوبة" لوجهين: أحدهما: وطؤه موطوءةَ أبيه، والثاني: أنها محرَّمةٌ عليه على التأبيد، وإنما اختارَ (٢) عتقَهُ؛ لأنه من ماء ولده مخلوق، ولم يوجِبْه لعدم ثبوت النَّسَبِ. * عبد الله ابنه (٣): إذا دَفَع إلى (ظ/ ١٧٥ أ) ابنه مالاً يعملُ به، فذهب الابنُ فاشترى جاريةً وأعتقها وتزوَّجِ بها: مضى عتقُها، وله أن يرجعَ على ابنه بالمُلْكِ (٤)، ويلحقَ به الوَلَدَ، وليس له الرُّجوعُ في الجارية.

стр. 1081

حنبل عنه: قال: أرى أن من تصدق على ابنه بصَدَقَةٍ، فقبضها الابن أو كان في حِجْر أبيه، فأشهد على صَدَقَتِهِ، فليس له أن ينقضَ (١) شيئًا من ذلك؛ لأنه لا يُرْجَعُ في شيءٍ من الصدقة. وعنه المرُّوْذيُّ: إذا وهب لابنه جاريةً فأراد أن يشترِيَها ، فإن كان وَهَبَها (ق/٢٤٥ ب) علي جهة المنفعة فلا بأسَ أن يأخذَها بما تَقَوَّمَ، وإذا جعلَ الجاريةَ لله، أو في السَّبيل، أو أعطاها ابنه (٢)، لم يعجبني أن يشترِيَها. أبو حفص: إذا وهبها على جهة المنفعة دونَ الصَّدقة جاز أن يشترِيَها؛ لأن النبيَّ ﷺ الرجوعَ في هبة الولد (٣)، وإن جَعَل الجاريةَ صدقةً على ابنته وقصد الدَّارَ الآخِرَةَ، لم يَجُزْ له الرجوع لا بثمن ولا بغيره؛ لقوله ﷺ لعمر: "لا تَعدْ في صَدَقَتِكَ" (٤). قال أبو حفص: وتحصيلُ المذهب أنه لا يجوزُ الرجوعُ فيما دفع إلى غير الولد هبةً كان أو صدقة، ويرجِعُ فيما وهبه لابنه، ولا يرجعُ فيما كان على جهة الصَّدَقة. وروى عه مهنَّأ: إذا تصدَّقَ الرجلُ بشيءٍ من ماله على بعض ولده ويدعُ بعضًا.

стр. 1082

قال أبو حفص: لا فرق بين العَطِيَّة للمنفعة وبين الصَّدَقة للأجْر؛ لأنَّ كلاهما عطيَّةٌ، وإنما يختلفُ حكمُهُما في رجوع الوالد. * اختلف قولُه في قِسْمَةِ الرجلِ مالَه بين ولده في حياته؛ فروى عنه حنبلٌ: إن شاء قَسَمَ، وإن شاء لم يقسمْ، إذا لم يُفَضِّلْ. وروى عنه محمد بن الحكم: أَحَبُّ إليَّ أن لا يقسمَ مالَه، يَدَعُهُ على فرائضِ الله لعلَّه يُولَدُ له. علي بن سعيد عن أحمد: إذا زوَّج بعض ولده وجهَّزه، وله ولدٌ سواهم، وهم عنده، يُنْفِقُ عليهم ويَكسوهم، فإن كان نفقتُهُ عليهم مما يُجْحِفُ بماله، ينبغي له أن يُوَاسِيَهُمْ، وإن لم يجحِفْ بماله، وإنما هي نفقةٌ فلا يكونُ عليه شيء. قال أبو حفص: قوله: "يُجحِفُ بماله"، يعني: يُنْفِقُ فوقَ الحاجةِ، ينبغي أن يُعطي الذين خرجوا من نفقتِه بإزاء ذلك؛ لأن ما زاد على النفقة يجري مجرى النَّحْل. وروى عنه أحمد بن الحسين في امرأةٍ جعلت مالها لأحدِ بنيها إن هو حَجَّ بها دونَ إخوته: تُعْطِيه أُجْرَتَهُ، وتسوِّي بين الوَلَد. وروى عنه إسحاق بن إبراهيم (١) في الأب يقول: وهبتُ جاريتي هذه لابنتي: إذا كان ذلك في صحَّةٍ منه، وأشهَدَ عليه، كان قبضُهُ لها قَبْضًا. وهذه الرواية تدلُّ على أن هبةَ الأب لابِنهِ الصَّغير يجزي فيها الإيجابُ؛ لأنه اعتبر في ذلك القبضَ.

стр. 1083

وروى عنه يوسف بن موسى (١) في الرجل يكون له الولدُ البارُّ الصالحُ، وآخرُ غيرُ بارٍّ: لا يُنِيلُ البَارَّ دون الآخر. قال أبو حفص: لأن النَّبِيَّ ﷺ لم يُفَرِّقْ، ولأنه كالبَارِّ الميراث. وروى عنه حنبلٌ: للشَّاهد أن لا يشهد إذا جاء مثل هذا، وعَرَف فيه (٢) الحَيْف في الوصية، وروى عنه الحكم: (ق/ ٢٤٦ أ) لا يشهدُ إذا فَضَّل بين وَلَدِهِ. وروى عنه الفضل بن زياد في رجل كانت له بنتٌ وأخٌ وله عشرة آلاف درهم: لم يُجِزْ له أن يصالِحَ الأخ منها على ألفي درهم، ليس هذا بشيء. قال أبو حفص: لأنه هضمٌ للحقِّ فبَطَلَ، ولأنه إنما يستحقُّ بعد الموت، فهو كإجازة الشَّريك لشَرِيكه بيعَ نصيِبهِ، ثم له المطالبة بالشُّفْعة. قلت: هذا القياسُ غيرُ صحيح؛ لأن النبي ﷺ حرَّم على الشَّرِيك البيع قبل استئذان شريكه، فقال: "لا يَحِلُّ له أن يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَة، فإن بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بالشُّفْعَةِ" (٣)، فدلَّ على أنه إذا أذِنَ في البيع ولم يُرِدْ أخذ الشِّقْص (٤) سقطت شُفْعَتُهُ، وعلى موجبِ

стр. 1084

النَّصِّ، فسببُ الشُّفعة إرادةُ البيع واستئذانُ الشريك، فإذا طلبه الشَّريك وجب على شريكه بيعُهُ إيَّاه، هذا مقتضى النَّصِّ خالفه من خَالَفَهُ. وأما إسقاطُ الميراث فإسقاطُ أمر موهومٍ لا يُدْرَى أيحصلُ أم لا؟ ولعلَّه أن يموتَ هو قبلَه فهو جارٍ مجرى إسقاط حقِّه من الغنيمة (١) قبل الجهاد وتحرُّك العدوِّ ألْبَتَّةَ، وإسقاطُ حقِّهِ بما لعلَّ المُوصِي أن يوصيَ له به، وأمثالُ ذلك مما لا عبرةَ به، والله أعلم. فصلٌ (٢) إذا مات ولم يُسَوِّ، فهل يُرَدُّ؟ فيه روايتانِ منصوصتانِ؛ رواية ابنه عبد الله و [ابن] عمه حنبل وأبي طالبْ أنه يُرَدُّ، وأصحابُنا إنما نسبوا ذلك إلى أنه قول أبي حفص، ولا ريبَ أنه اختيارُه في هذا الكتاب، ونقله نصًّا عن أحمد مِن رواية من سمَّينا، وهو الأقيسُ. (ظ/ ١٧٥ ب) نقل عنه حَرْبٌ في مجوسيٍّ كان له ولدٌ فنَحَل بعضَ ولده مالاً دونَ بعض (٣)، وكان للمنحولِ ابنٌ فماتَ، وترك ابنَهُ، كيف حالُهُ في هذا المال الذي ورِثَ عن أبيه، وكان الجدُّ نَحَلَهُ؟ قال: لا بأس يأكلُهُ؛ لأنَّ هذا كله في الشِّرك. قال أبو حفص: هذا يجِيءُ على القولينِ جميعًا، أما على القول الذي يمضيه بالموت فهو مثله، وأما على القول بالرَّدِّ بعد الموت فَلأَنَّهُ نَحَلَهُ في حال الشِّرْك وهو مقبوضٌ فيه، فهو كما يثبت قبضَ

стр. 1085

المهر إذا كان خمرًا أو خِريرًا وإن كان مردودًا في الإسلام. آخرُ ما انتقاه القاضي من الكتاب المذكور. * * * ومما انتقاه من كتاب "أحكام أهل الملل" لأبى حفص أيضًا (١): * أبو طالب عنه وسأله: أَيُستعمل (٢) اليهوديُّ والنَّصرانيُّ في أعمال المسلمين مثل الخَرَاج؟ قال: لا يُستعانُ بهم في شيءٍ. وذكَرَ أبو حفص الحديث إلى قول النبي ﷺ : "ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِيْنَ بِمُشْرِكٍ" (٣). قال: (ق/٢٤٦ ب) وروى أبو معاوية: حدثنا أبو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عن الزِّنْباع، عن أبي الدِّهقانة قال: قيل لعُمَرَ إن هاهنا رجلاً من أهل الحِيرةِ له علمٌ بالدِّيوانِ، أفتتخِذَه كاتبًا؟ فقال عمرُ: لقد اتَّخَذْتُ إذًا بطانةً مِنْ دونِ المؤمنينَ (٤). وكيع: حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك بن حرب، عن عِيَاض الأشعري، عن أبي موسى، قال: قلت لعُمَرَ: إن لي كاتبًا نصرانيًا، فقال: ما لَكَ قاتلَكَ اللهُ أما سمعتَ اللهَ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] وذكر الحديث (٥).

стр. 1086

* قال أبو حفص: احتجَّ أبو عبد الله في جَبْر الكافر على الإسلام بذكر الشهادتين، وإن لم يقلْ: أنا بريءٌ من الكفر الذي كنتُ فيه = بقوله لعمه: "أدْعُوكَ إِلَى كَلِمَةٍ أَشْهدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، لا إِلهَ إلَاّ اللهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللهِ" (١). وقال رسول الله ﷺ للغلام اليهودي: "يَا غُلامُ قُلْ: لا إلهَ إلاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ" (٢). وقال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُو لا إلهَ إِلَاّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصِمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ" (٣). فإن قال: لم أُرِدِ الإسلام، فهل تُضْرَبُ عنقُهُ أم لا؟ اختلفَ قولُه في ذلك، فروى عنه حرب: تُضْرَبُ عنقُه. وروى عنه مهنَّأ في يهوديٍ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسول الله، وقال: لم أنوِ الإسلامَ = يُجْبَرُ على الإسلام، فإن أبى يُحْبَسُ، فقلت: يقتلُ؟ قال: لا، ولكن يُحْبَسُ. وجه الأولى (٤): أنه قد أتى بصريح الإسلام، والاعتبار في الإسلام بالظَّاهر. ووجه الثانية: أنه يحتملُ ما قاله وإن لم يقصدِ الإيمانَ،

стр. 1087

فجاز أن يُجعلَ ذلك شبهةً في سقوط القتلِ، والقتلُ يسقطَ بالشبهة، بدليل ما لو أُعطِيَ الأمانُ لواحد من أهلِ الحِصْنِ واشتَبَهَ علينا. * * * ومما انتقاه من خط أبي حفص البرمكي بإسناده إلى أنس ابن مالك: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجد على كُوْر العِمَامَة (١). وبإسناده إليه يرفَعُه: "إذا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، فَأجِبْ وعَلَيْكَ السَّكِينَةَ، فإنْ أَصَبْتَ فُرْجةً، وإلاّ فَلا تُضَيِّقْ على أخِيكَ، واقْرَأْ ما تُسْمعُ أُذُنَيْكَ، ولا تُؤْذِ جَارَكَ، وصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ" (٢). وبإسناده إلى ابن عمر يرفعه: "لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ في المَسْجِدِ الَّذي يَلِيهِ ولا يَتَّبَعِ المَسَاجِدَ" (٣). وبإسناده عن أبي هريرة يرفعه: "إذا دَخَلَ أحدُكُمُ المَسْجِدَ فَوَجَدَ

стр. 1088

النَّاسَ سُجُودًا فَلْيَسْجُدْ، ولا يَقِفْ كما يَقِفُ اليَهُودُ" (١). وروى ابن بطَّة بإسناده إلى أبي أُمامَةَ: أن رسولَ الله ﷺ شهد جنازةً وهو سابع سبعة، فأمرهم رسول الله (ق/٢٤٧ أ) ﷺ أن يصفُّوا ثلاثة صفوفٍ خلْفَه، فصف ثلاثة واثنين وواحدًا صفًّا خلفَ صفٍّ، فصلى على الميت ثم انصرف (٢). وبإسناده عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب يرفعه: "مَنْ كَتَمَ على غَالٍّ فَهُو غَالٌّ مِثْلُهُ" (٣). وبإسناده عن عائشة: سئل النبي ﷺ عن الشعر فقال: "هو كَلامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وقَبِيحُهُ قَبِيحٌ" (٤). وبإسناده عن جابر بن سَمُرَةَ يرفعه: "لأَن يُؤَدِّبَ أَحَدُكُمْ وَلَدَهُ خَيْرٌ له مِنْ أنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ كُلِّ يَوْمٍ على مِسْكِينٍ" (٥).

стр. 1089

وبإسناده عن عائشة ترفعه: "أَعْلِنوا النِّكَاحَ واجْعَلُوه في المَسَاجِدِ، ولْيُولِمْ أَحَدُكُمْ ولَوْ بِشَاةٍ" (١). وبإسناده عن (٢) إبراهيم الحربي قال: الناسُ كلهم عندي عدولٌ إلا منْ عَدَّلَه القاضي. قلت: ويروى عن ابن المبارك أنه قال: النَّاسُ كلُّهم عدولٌ إلا العدولَ، سمعته من شيخنا (٣). وبإسناده عن يحيى القطان: لم يكن يشهدُ عند الحكَّام إلا القَسَّامُ والذَّرَّاعُ، (ظ/ ١٧٦ أ) فأما المستورونُ وأهل العِلم فلم يكونوا يشهدون. وبإسناده: قال رجلٌ لابن المبارك: يا أبا عبدَ الرحمن، مَن السَّفَلُ؟ قال: الذين يَلْبَسُون القَلَانِسَ ويأتونَ مجالسَ الحُكَّامِ. وبإسناده عن أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ : "يأتِي على النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعو فيه المُؤمنُ للعَامَّةِ فَيَقُولُ اللهُ : ادْعُ لِخاصَّةِ نَفْسِكَ أسْتَجِبْ لَكَ، فأمَّا العَامَّةُ فإنِّي عَلَيْهِمْ سَاخِطٌ" (٤).

стр. 1090

وبإسناده عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصَّيْداوي قال: قال أحمد بن حنبل: إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه، قال النبي ﷺ : "ألا أدُلُّكُمْ على ما إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ" (١). وبإسناده عن همَّام أنَّ ابن مسعود كان يقول: لأَنْ أَحْلِفَ باللهِ كَاذِبًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بغيرِهِ صادِقًا (٢). وليتَ القاضيَ ذكَرَ (٣) أسانيدَ هذه الأحاديثِ، وكتبْتُها لأكشِفَ حالَها (٤). * * *
следующие страницы →