← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

* قال أبو حفص: احتجَّ أبو عبد الله في جَبْر الكافر على الإسلام بذكر الشهادتين، وإن لم يقلْ: أنا بريءٌ من الكفر الذي كنتُ فيه = بقوله لعمه: "أدْعُوكَ إِلَى كَلِمَةٍ أَشْهدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، لا إِلهَ إلَاّ اللهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللهِ" (١). وقال رسول الله ﷺ للغلام اليهودي: "يَا غُلامُ قُلْ: لا إلهَ إلاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ" (٢). وقال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُو لا إلهَ إِلَاّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصِمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ" (٣). فإن قال: لم أُرِدِ الإسلام، فهل تُضْرَبُ عنقُهُ أم لا؟ اختلفَ قولُه في ذلك، فروى عنه حرب: تُضْرَبُ عنقُه. وروى عنه مهنَّأ في يهوديٍ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسول الله، وقال: لم أنوِ الإسلامَ = يُجْبَرُ على الإسلام، فإن أبى يُحْبَسُ، فقلت: يقتلُ؟ قال: لا، ولكن يُحْبَسُ. وجه الأولى (٤): أنه قد أتى بصريح الإسلام، والاعتبار في الإسلام بالظَّاهر. ووجه الثانية: أنه يحتملُ ما قاله وإن لم يقصدِ الإيمانَ،

стр. 1087

فجاز أن يُجعلَ ذلك شبهةً في سقوط القتلِ، والقتلُ يسقطَ بالشبهة، بدليل ما لو أُعطِيَ الأمانُ لواحد من أهلِ الحِصْنِ واشتَبَهَ علينا. * * * ومما انتقاه من خط أبي حفص البرمكي بإسناده إلى أنس ابن مالك: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجد على كُوْر العِمَامَة (١). وبإسناده إليه يرفَعُه: "إذا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، فَأجِبْ وعَلَيْكَ السَّكِينَةَ، فإنْ أَصَبْتَ فُرْجةً، وإلاّ فَلا تُضَيِّقْ على أخِيكَ، واقْرَأْ ما تُسْمعُ أُذُنَيْكَ، ولا تُؤْذِ جَارَكَ، وصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ" (٢). وبإسناده إلى ابن عمر يرفعه: "لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ في المَسْجِدِ الَّذي يَلِيهِ ولا يَتَّبَعِ المَسَاجِدَ" (٣). وبإسناده عن أبي هريرة يرفعه: "إذا دَخَلَ أحدُكُمُ المَسْجِدَ فَوَجَدَ

стр. 1088

النَّاسَ سُجُودًا فَلْيَسْجُدْ، ولا يَقِفْ كما يَقِفُ اليَهُودُ" (١). وروى ابن بطَّة بإسناده إلى أبي أُمامَةَ: أن رسولَ الله ﷺ شهد جنازةً وهو سابع سبعة، فأمرهم رسول الله (ق/٢٤٧ أ) ﷺ أن يصفُّوا ثلاثة صفوفٍ خلْفَه، فصف ثلاثة واثنين وواحدًا صفًّا خلفَ صفٍّ، فصلى على الميت ثم انصرف (٢). وبإسناده عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب يرفعه: "مَنْ كَتَمَ على غَالٍّ فَهُو غَالٌّ مِثْلُهُ" (٣). وبإسناده عن عائشة: سئل النبي ﷺ عن الشعر فقال: "هو كَلامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وقَبِيحُهُ قَبِيحٌ" (٤). وبإسناده عن جابر بن سَمُرَةَ يرفعه: "لأَن يُؤَدِّبَ أَحَدُكُمْ وَلَدَهُ خَيْرٌ له مِنْ أنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ كُلِّ يَوْمٍ على مِسْكِينٍ" (٥).

стр. 1089

وبإسناده عن عائشة ترفعه: "أَعْلِنوا النِّكَاحَ واجْعَلُوه في المَسَاجِدِ، ولْيُولِمْ أَحَدُكُمْ ولَوْ بِشَاةٍ" (١). وبإسناده عن (٢) إبراهيم الحربي قال: الناسُ كلهم عندي عدولٌ إلا منْ عَدَّلَه القاضي. قلت: ويروى عن ابن المبارك أنه قال: النَّاسُ كلُّهم عدولٌ إلا العدولَ، سمعته من شيخنا (٣). وبإسناده عن يحيى القطان: لم يكن يشهدُ عند الحكَّام إلا القَسَّامُ والذَّرَّاعُ، (ظ/ ١٧٦ أ) فأما المستورونُ وأهل العِلم فلم يكونوا يشهدون. وبإسناده: قال رجلٌ لابن المبارك: يا أبا عبدَ الرحمن، مَن السَّفَلُ؟ قال: الذين يَلْبَسُون القَلَانِسَ ويأتونَ مجالسَ الحُكَّامِ. وبإسناده عن أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ : "يأتِي على النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعو فيه المُؤمنُ للعَامَّةِ فَيَقُولُ اللهُ : ادْعُ لِخاصَّةِ نَفْسِكَ أسْتَجِبْ لَكَ، فأمَّا العَامَّةُ فإنِّي عَلَيْهِمْ سَاخِطٌ" (٤).

стр. 1090

وبإسناده عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصَّيْداوي قال: قال أحمد بن حنبل: إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه، قال النبي ﷺ : "ألا أدُلُّكُمْ على ما إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ" (١). وبإسناده عن همَّام أنَّ ابن مسعود كان يقول: لأَنْ أَحْلِفَ باللهِ كَاذِبًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بغيرِهِ صادِقًا (٢). وليتَ القاضيَ ذكَرَ (٣) أسانيدَ هذه الأحاديثِ، وكتبْتُها لأكشِفَ حالَها (٤). * * *

стр. 1091

ومن خط القاضي أيضًا حكى على قدامة بن مظعون (١) وعَمْرو بن مَعْدي كَرِبَ (٢) أنهما كانا يقولان: الخمرُ مُبَاحَةٌ (٣)، ويحتجَّان بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قالا: قد آمنَّا وعملنا الصالحات فلا جناح علينا فيما طَعِمنا (٤). فلم تكفِّرْهما الصحابة بهذا القول، وبَيَّنوا لهما الحكمَ في ذلك؛ لأنه لم يكنْ قد ظهرتْ أحكامُ الشريعة في ذلك الوقت ظهورًا عامًّا، ولو قال بعض المسلمين في وقتنا هذا لكفَّرناه؛ لأنه قد ظهر تحريمُ ذلك (٥). (ق/ ٢٤٧ ب) وسببُ نزول هذه الآية ما قاله الحسنُ: لما: نَزَلَ تحريمُ الخمرِ، قالوا: كيف بإخوانِنا الذين ماتوا وهي في بطونِهم وقد

стр. 1092

أخبر اللهُ أنها رجسٌ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) [المائدة: ٩٣]. وكذلك قد قيل في مانعي الزكاة: إنهم على ضَرْبين؛ منهم من حُكِم بكفره، وهم من آمن بِمُسَيْلَمَةَ وطُلَيْحة والعَنْسي. ومنهم من لم يُحْكمْ بكفره وهم من لم يؤمنوا بهم لكن منعوا الزكاة، وتأوَّلوا أنها كانت واجبةً عليهم؛ لأن النبي ﷺ كان يُصلَّي عليهم، وكانت صلاتُه سكنًا لهم، قالوا: وليست صلاةُ ابنِ أبي قحافة سَكَنًا لنا، فلم يُحْكَمْ بكفرهم؛ لأنه لم يكنْ قد انتشرتْ أحكامُ الإسلام، ولو منعها مانعٌ في وقتنا حُكِم بكفره. * * * ومن خطه أيضًا من تعاليقه * عذاب القبر حق، وقد قيل: لابدَّ من انقطاعه لأنه من عذاب الدنيا، والدنيا وما فيها فانٍ (٢) منقطع، فلابُدَّ أن يلحقَهم الفناءُ والبلاءُ، ولا يُعْرَف مقدار مدَّة ذلك. * يجوز أن يحشُرَ اللهُ العبادَ يوم القيامة عُرَاة (٣) في وقت خروجهم من قبورهم يومَ البعثِ، ثم يكسو اللهُ المؤمنَ حُلَلَ الجنَانِ، ويجعل على الكافر والعصاةِ سرابيلَ القَطِران، والتَّعَبُّدُ فيَ الآخرة بترك التَّكَشُّفِ زائلٌ.

стр. 1093

* المحشر : هل هو في أرض من أراضي الجنة؟ أو في أرض من أراضي الدُّنيا؛ أوفي موضع لا من الجنَّة ولا من النَّار؟ فقد قيل: أوَّلُ حشر النَّاس عند قيامهم من قبورهم في هذه الأرض التي ماتوا ودفنوا فيها، ثم يُحَوَّلون إلى الأرض التي تسمى: السَّاهرة، فهذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٤]، والسَّاهرة: هي التي يحاسَبُون عليها (١)، فإذا فَرَغوا من الحساب، جازوا (٢) على الصراط، وتميز بين المُجرمينَ والمؤمنينَ، ضُرِبَ بينهم بسُور، فكان ما وراءَ السُّور مما يلي الجنة: من أرض الجنة، وصار ما دونَ السُّور مما يلي النَّار من أرض جهنم، وموضع الحساب يصير من جهنم. * قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦] المراد الأمر في الدنيا؛ لأن الآخرة ليس فيها أمرٌ ولا نهيٌ على: الملائكة ولا غيرهم؛ لأن التَّعَبُّدَ زائلٌ، وفي البخاري (٣) عن علي: "اليومَ عَمَلٌ ولا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ". قلت: هذا وهمٌ منه رحمه الله تعالى، فإنَّ الله تعالى يأمُر الملائكة يومَ القيامة بأخذ الكفار والمجرمينَ إلى النَّار وسَوْقهم إليها وتعذيبهم فيها، ويأمر عبادَهُ بالسُّجود له، فيَخرُّون (ق/٢٤٨ أ) سُجَّدًا، إلا من منعه الله من السُّجود، ويأمر المؤمنينَ فيعبرونَ الصَّراطَ، ويأمر خَزَنَةَ الجنَّة بفتحها لهم، ويأمر خَزَنَةَ النار بفتحها لأهلها، ويأمرُ ملائكةَ السموات بالنزول إلى الأرض، ويأمر بشأن البعث كلِّه وما بعده، فالأمر يومئذ لله ولا يُعصى الله في ذلك اليوم طَرْفَةَ عينٍ، وأوامرُه

стр. 1094

ذلك اليومِ للثَّوابِ والعقاب، والشفاعةُ للملائكة والأنبياء وغيرهم، لا تضبطُها قدرةُ الخَلْق، فكيف يُقالُ: ليس في الآخرة أمرٌ ولا نهيٌ حتى يقالَ: (لا يعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهم) في الدنيا؟! أَفترى اللهَ لا يأمرُهم يوم القيامةِ في أهل النَّار بشيءٍ فلا يَعْصُونه فيه، نعم ليست الآخرةُ فى دارَ حَرْثٍ وإنما هي دارُ حَصَادٍ، وأوامرُ الربِّ ونواهيه ثابتةٌ في الدَّارين، وكذلك أوامر التَّكليف ثابتةٌ في البرزخ ويوم القيامة، وحكاه أبو الحسن الأشعري في "مقالاته" (١) عن أهل السنّة في تكليف من لم تبلغْه الدعوةُ في الدنيا أنه يُكَلَّف يومَ القيامة. فقولُ القائل: الآخرةُ (ظ/١٧٦ ب) ليست دارَ تكليفٍ ولا دار أمرٍ ونهي قولٌ باطل، ودعوى فاسدة، والله الموفق. * قال: ذكر بعضهم أنه يجور أن يقول: أنا مؤمن، ولا يقول: أنا وَلِيٌّ. وفَرَّق بينهما، فإن الله تعالى أمرَ من ظهر منه الإيمان أن يسمَّى مؤمنًا، قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية، ولم يأمُرْ من ظهر منه ذلك أن يسمَّى وَلِيًّا. ولا فَرْقَ بينهما فإن الله قد وصف الوَليَّ بصفة المؤمن، فقال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وهذه صفة المؤمن؛ ثم لا يجوزُ أن يصفَ نقسَه بأنه وَلِيٌّ، كذلك (٢) المؤمن؛ ولأنه إنما يكونُ وليًّا بتولِّيه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن. قلت: هذا حجَّةُ من منع قول القائل: "أنا مؤمنٌ" بدون الاستثناء، كما لا يقولُ: "أنا وَلِيٌّ"، ومن فرَّق بينهما أجاب: بأنه لا يمكنُه العلمُ

стр. 1095

بأنه وليٌّ؛ لأن الولاية هي القربُ من الله ، فوليُّ الله هو القريبُ منه المختصُّ به، والولاءُ هو في اللغة القربُ، ولهذا القُرْب علاماتٌ وأدِلَّةٌ، وله أسبابٌ وشروط وموجبات، وله موانعُ وآفاتٌ وقواطعُ، فلا يعلمُ العبدُ هل هو وليٌّ لله أم لا. وأما الإيمانُ؛ فهو أن يؤمنَ بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ويلتزمُ أداء فرائضه، وترك محارمه، وهذا يمكنُ أن يعلمَه من نفسه، بل ويعلمُهُ غيرُه منه. والذي يظهرُ لي من ذلك أن ولايةَ الله تعالى نوعان: عامَّة وخاصَّة، فالعامَّة: ولايةُ كلِّ مؤمن، فمن كان مؤمنًا لله (١) تقيًّا (ق/ ٢٤٨ ب) كان وليًّا له، وفيه من الولاية بقدْر إيمانه وتقواه، ولا يمتنعُ في هذه الولاية أن يقول: "أنا وليٌّ لله إنْ شَاءَ اللهُ"، كما يقول: "أنا مؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ". والولايةُ الخاصَّةُ: إن علم من نفسِه أنه قائمٌ لله بجميع حقوقه، مؤْثِرٌ له على كلِّ ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابُّهُ هي همَّهُ ومتعلقَ خواطِرِهِ، يصبحُ ويمسي وهمُّه مرضاة ربِّه، وإن سخِطَ الخلقُ، فهذا إذا قال: "أنا وليُّ لله" كانَ صادِقًا. وقد ذهب المحققونَ في مسألة: "أنا مُؤْمِنٌ" إلى هذا التَّفصيل بعينه، فقالوا: له أن يقولَ: "آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه"، ولا يقولُ: "أنا مؤمنٌ"؛ لأن قوله: "أنا مؤمنٌ"، يُفيدُ الإيمانَ المطلَقَ الكاملَ الآتي صاحبُه: بالواجباتِ، التاركُ للمحرَّماتِ، بخلاف قوله: "آمنت باللهِ". فتأمَّلْه. * إذا دخل خارجيٌّ أو قاطعُ طريقٍ إلى بَلَد، وقد غصَبَ الأموالَ

стр. 1096

وسبى الذَّراريَ هل يجوز معاملتُه؟. نظرتَ فإن لم يكنْ معهم إلا ما أخذوه من النَّاس، لم يَجُزْ معامَلَتُهُم، وإن كان معهم حلالٌ وحرامٌ لم يَجُزْ أيضًا، إلا أن يُبَيِّنوه، كرجلٍ كان عنده أربعُ إماءٍ فأعتقَ واحدةً منهنَّ بعينها، وعرض واحدةً منهنَّ، وهو مدَّعٍ لرِقِّهِنَّ، لم يَجُزِ الشِّراءُ منه حتى يُبَيِّنَ التي أعتقَها، وكذلك إذا كاد عنده مَيْتةٌ ومذكَّاةٌ، لم يَجُزِ الشراءُ منه حتى يُبَيِّنَ، فأما الأموالُ التي في أيدي هؤلاء الغَصَبَةِ من الخوارج واللُّصوص الدين لا يُعرفُ لهم صناعةٌ غير هذه الأموال المحرَّمة عليهم، فالعلمُ قد أحاط بأن جميعَ ما معهم حرامٌ، فلا يجوزُ البيعُ والشِّراء منهم. ولكن يجوزُ للفقير أن يأخذَ منهم ما يُعطونه من جهة الفقر؛ لأن إمام المسلمين لو ظفر بهذا الفاسقِ وبما معه من الأموال المغصوبة لوجبَ أن يصرفَ هذه الأموالَ في الفقراء، وأما المستورُ فإنه يُحْكَمُ له بما في يده؛ لأنا لا نعلمُ أنه في دعواه مُبْطِلٌ. وكذلك لو أن رجلاً من فُسَّاق المُسلمينَ لا ينزِعُ عن الزِّنا والقذف ونحوه، وكان في يده مال حُكِم له به، ويفارقُ هذا من يُعْرف بالغَصْبِ والظلم؛ لأن الظاهرَ أن تلك الأموال حرامٌ غُصُوبٌ. * * * ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد رواية المرُّوْذي عنه، رواية أبي بكر أحمد بن عبد الخالق عنه (١)،

стр. 1097

رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن سَلْم الخُتَّلي (١)، رواية أبي الحسين أحمد بن عبد الّه السُّوْسنْجَرْدي (٢). قال المرُّوْذي: سمعت أبا عبد الله يقول لرجل: اقعدْ اقرأ، فجئتُه أنا بالمصحف فقعدَ،: فقرأ عليه، فكان يمُرُّ بالآية فيقفُ أبو عبد الله، فيقول (ق/ ٢٤٩ أ) له: ما تفسيرُها؟ فيقول: لا أدري، فَيُفَسِّرُها لنا، فربما خنقته العَبْرَةُ فيردُّها، وكان إذا مرَّ بالسَّجدِة سجدَ الذي يقرأُ وسجدنا معه، فقرأ مرّةً فلم يسجدْ، فقلت لأبي عبد الله: لأيِّ شيءٍ لم تسجد؛ قال: لو سجد سَجَدْنا معه، قد قال ابن مسعود ﵁ للذي قرأ: "أنت إمامُنا إن سجدْتَ سَجَدْنا" (٣)، وكان يعجبه أن يُسَلِّمَ فيها. وقال: ذهبت إلى ابنِ سَواء (٤) فكان يقرأ بنسخة لعبد الوهاب، فكان يقرأُ ويفسِّرُ، قال ابن سواء: كان سعيد (٥) يقرأ ويفسِّر، قال: وكان قَتَادَةُ يقرأُ ويفسِّرُ. وقال لرجل: لو قرأتَ فسَمِعْنا (ظ/١٧٧ أ) ونحن نسير من العسكر، فكان الرجلُ يقرأُ وأبو عبد الله يسمع، وربما زاد أبو عبد الله الحرفَ

стр. 1098

والآيةَ فتفيضُ عيناه، وسمعتُه يفسِّرُ القرآنَ، وقال: قال مجاهد: عرضتُ القرآنَ على ابن عباس ثلاثَ مرات، وقال: أَعْيَتْنِي الفرائضُ فما أُحْسِنُها. وقُرِئ عليه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال: لا سوَادَ فيها. ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] قال: لا كبيرة ولا صغيرة. ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾ [الواقعة: ٨٦] قال: مُحَاسَبِين. وكان (١) يقرأ: (السِّجْنُ): "السَّجْنُ أَحَبُّ إليَّ" (٢) [يوسف: ٣٣]. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٧٠] قال: حُمُرٌ تحملُ الطعام. ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ﴾ [النحل: ١١٢] قال: مكة (٣). ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] قال: هذه نَسَخَتْها التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: يفرِض لكل حاملٍ مطلقةً كانت أو متوفى عنها زوجُها لها النَّفَقَةُ حتى تَضَعَ. هكذا رأيت هذا التفسير، ولا يخلو من وهم، إما من المرُّوْذي أو من الناقل!. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] قال: عملك فأصلِحْه، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]، قال: الرجز عيادة الأوثان، ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦] قال: تمنّ بما أعطيتَ لتأخذَ أكثرَ (٤).

стр. 1099

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] قال: وادٍ في جهنم، الـ ﴿غَاسِقٍ﴾: القمر، وقال النبي ﷺ لعائشة: "هذا الغَاسِقُ قَدْ طَلَع" (١) يعني: القَمَر، ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾: السحر، و ﴿الْعُقَدِ (٤)﴾: الذين يعقدون السِّحْرَ، ﴿حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ قال: هو الحسدُ الذي يتحاسدُ الناسُ، قلت: أيْشٍ تفسير "إذا وقب"؟ قال: لا أدري. وقرئ عليه: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ [الفجر: ٧] قال: لم تزل، ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ (٢) [الفجر: ٩] قال: نقبوا الصخر (٣) وجاءوا عليهم جلود النِّمار، قد جابوها: قد نقبوها. ﴿عَسْعَسَ (١٧)﴾: أظلم. ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] قال: هذه مدينة ضَرَوان (٤) قد مررتُ بها (٥)، وهي قريبة من عبد الرزاق (٦)، رأيتها سوِداءَ حمراءَ، أثرُ النار يتبيّن فيها، ليس فيها أثرُ زرع ولا خضرة، إنما غَدَوا على أن يَصرِموها أو يجِذُّوها وفيها حَرْثٌ، وكانوا قد أقسَموا أن لا يَدْخلَها

стр. 1100

مسكين ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ٢٠]، قد أكلتها النارُ حتى تركَتْها سوداءَ. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]: أعدَلُهم. ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]: لا يظلِمْكم. ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ [المعارج: ٨]: قال: مثل دُرْدِي الزيت (١). ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾ [الطارق: ١١] قال: المطر، والصدع: النبات. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات: ٢٥]: يكفتون فيها. الأحياء: الشَّعَر والدَّم، (ق/ ٢٤٩ ب) وتدفنون (٢) فيها موتاكم. قال المرُّوْذي: وسمعته يقول: يُدْفَن فيها ثلاثة أشياء: الأظافر والشعر والدم. قال: ﴿وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾: تُدْفن فيها الأموات، ﴿مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾ [المرسلات: ٢٧]: عذبًا. ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة: ٤] قال: مثل الشَّرار (٣) الذي يطيرُ عند السِّراج فيحترقُ. ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: ١١] قال: مضاجعته (٤). ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] قال: كان ابن عباس يقول: تَرَوْنَ السّمواتِ ولا ترونَ العَمَدَ. ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦] قال: الشجر: ما كان إلى الطول قائم، والنجم: النبات الذي على وجه الأرض.

стр. 1101

وقرئ عليه: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] قال: مشددة مخالفة على الجهمية. ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ [ص: ٤٦] قال: أخلصوا بذكر الآخرة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ [ص: ٣٣] قال: ضَرَبَ أعناقها. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧] قال: الثناء، قال: يتولى إبراهيم المللَ كلها يتولَّونه. ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] قال: جاءت ريحٌ فقطعت أطناب الفساطيط فرجعوا. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال: الجنة. ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٦٨] قال: باعوها. قلت: يريد أبو عبد الله باعوا: الآخرة، لا أنه فسَّر الاشتراءَ بالبيع، فإنهم لم يبيعوا الحياةَ الدنيا وإنما باعوا الآخرةَ واشتروا الدنيا. ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]: برد. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]: حاضت. ﴿بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قال: بعشرين درهمًا. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] قال (١): قَصَرْن طرفهنَّ على أزواجهن فلا يُرِدْنَ (٢) غيرَهم.

стр. 1102

﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] قال: كثيرٌ بياضُ أعينِهن، شديدٌ سواد الحَدَق. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] قال: العجم. ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ [الواقعة: ٤٦] قال: الكفر. ﴿شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة: ٥٥]: الإبل. ﴿الأحقاف﴾: الرمل. ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] قال: السَّيْل هو السيل، والعرم: هو مُسَنَّاةُ البحر. قال المرُّوْذي [عن أحمد] (١) حدثنا محمد بن جعفر، حدثَنا شَرِيك، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرة في قوله: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال: المُسَنَّاة بلَحْن اليمن (٢). وقال: أيُّ شيء تفسيرُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ٦] قلت: لَكَفُورٌ، قال: نعم. ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] قال: الجَبَلين. ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢]: النحاس المذاب. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: لا تأخذه نعسة. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: ١٤] قال: مكث على عصاه سَنَةً فلما نُخِرَتِ العَصَا وقع، ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: ١٦] قال: الأراك.

стр. 1103

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]: ما لم يكن فيه سَرَف أو تقتير، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢] قال: التناول بالأيدي. ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] قال: القرآن. ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] قال: سَجْلٌ من العذاب. ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [الرحمن: ١١] قال: الطَّلْع. قُرئ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] قال: الذي قال سفيانُ: إذا اختلفتم في شيءٍ فانظروا ما عليه أهل الثَّغْر، يتأوَّل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١). ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]: أخَّر دعاءَهُ إلى السَّحَر. ﴿الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]: لم تُحْلَبْ ولم تُصَرَّ. ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: ٢] قال: ما كسب: ولدُهُ. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] قال: نعيم الدنيا. ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ﴾ [السجدة: ٢٧]: هي أبْيَن (٢) لا يأتيها المطرُ إنما يُساقُ إليها الماءُ، وقد مَرَرْتُ بها بليل. قلت: وكان شيخنا أبو العباس ابن تَيْمِيَّةَ يقول: هي أرض مصر، وهي أرض إِبْلِيز (٣) لا ينفعُها المطر، فلو أُمْطرَتْ مطرَ العادة لم ينفعها

стр. 1104

ولم يَرْوِها، ولو دام عليها المطرُ لهدم البيوتَ وقطع المعايشَ فأمطر اللهُ تعالى بلادَ الحبشة والنُّوبة ثم ساق الماءَ إليها (١) وعندي: أن الآيةَ عامةٌ في الماء الذي يسوقه اللهُ على متون الرياح في السحاب، وفي الماء الذي يسوقُهُ على وجه الأرض، فمن قال: هي أبْيَن أو مصر، إنما أراد التمثيلَ لا التخصيص. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] قال: أهل المدينة، ﴿قِنْوَانٌ﴾ [الأنعام: ٩٩]: نضيج. قلت: أهلُ المدينة أول من وُكِّلَ بها، ولمَنْ بعدَهم من الوَكالة بحسب قيامِهِ بها علمًا وعملًا ودعوة إلى الله تعالى (٢). قال: بُعِث شعيب إلى مدينتين، قال: عُذِّبوا ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾ [الأعراف: ٧٨]. قال: يُقْرأ ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وصَاع (٣)، و"صُواع" أصوب، قال: وكان من ذهبٍ. ﴿هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ [طه: ٣٠ - ٣١] قال: أَشْرِكه معي يا ربِّ قال: افعل بنا هذا، قال: هذا دعاء. قال: ومَن قَرَأ: "أَشْدُدْ به أزْرِي" (٤) قال: قال موسى: أنا أُشْرِكُه في أمري، قال: كِلا الوجهين حسن.

стр. 1105

﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧] قال: السِّرُّ ما كان في القلب يُسِرُّهُ وأخفى: الذي لم يكنْ بَعْدُ، يعلمُهُ هو. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] قال: هو الرجلُ يكون في القوم فتمرُّ به المرأةُ فيلحظُها بصره، وقد سئل النبي ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: "اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْها" (١). ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] قال: كان ابن مسعود يقرأ: "حيثُ ما وُجِدَ لا يأتِ بخير" قال: أحسن هذا الحرف، وقرأه هو. ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٦] قال: رجالًا. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] قال: إنما هو: قيمًا ولم يجعل له عوجًا. وقال: ليس أحدٌ من الأنبياء تمنى الموت غير يوسف، قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] الآية. ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩]: أحَلُّ. ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] قال: عيسى والعُزَيْر. قلت: هذا تفسيرٌ يحتاجُ إلى تفسير، فإن كان أحمدُ قالَ هذا، فلعله أراد الشياطين الذين عَبَدَهُم اليهودُ والنصارى، وزعموا أنهما عيسى والعُزَيْر.

стр. 1106

وقال: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] قلت: هو هارون أخو موسى؟ قال: نعم، كان المشركون قد اختصموا على عهد رسول الله ﷺ فقال: بين موسى وعيسى كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : "قَدْ كَانَ هَذَا يُدْعَى بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ" (١). قال أبو عبد الله: استعمَلَ عمرُ ﵁ رجلًا فأبى أن يدخلَ له في عملٍ، فقال: -يعني عمر-: يوسُفُ قد سأل العملَ فاستُعْمِلَ على خزائن الأرض. وقال: في المائدة ثمان عشرة فريضة: حلال وحرام يعمل بها، وليس فيها شيء لا يعمل به إلا آية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] قال: هذه منسوخة. وقال: آخر شيءٍ نزل من القرآن المائدةُ، وأوَّلُ شيء نزلَ من القرآن ﴿اقْرَأْ﴾ (٢). ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] قال: كان ابن عباس يأخذ بذنب الجَنينِ ويقول: هذا من بهيمةِ الأنعام (٣). وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (٤) قال:

стр. 1107

وأما أبو حنيفة فقال: لا يُؤكلُ، تُذْبحُ نفسٌ وتُؤكَلُ نفسٌ!!. ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠] قال: على أبي بكر، وكان النبيُّ ﷺ قد أنزلتْ عليه السكينةُ. قلت: وكان شيخُنا أبو العباس ابن تيميَّة يذهبُ إلى خلاف هذا ويقولُ: الضميرُ عائد إلى النبي ﷺ أصلًا، وإلى صاحبه تَبَعًا له، فهو الذي أُنزلتْ عليه السكينةُ، وهو الذي أيده: الله بالجنود، وسرى ذلك إلى صاحبِهِ، انتهى (١). وقال (٢): أربعُ سور أنزلت بالمدينة: البقرةُ وآل عمران والنساء والمائدة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: بالمدينة، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال: بمكة. قلت: لم يُرِدْ أحمد التخصيص، ولا خلاف بين الأمة في أن الأنفال وبراءة والنور والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقين نزلنَ بالمدينة في سور أُخَرَ. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالمدينة؛ صحيح، و ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ بمكة؛ فمنه ما هو بالمدينة ومنه ما هو بمكة، فالبقرة مدنية وفيها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] قال: كان ابن عباس يقول: لو ترك الناسُ الحَجَّ سنةً واحدة (٣) ماتُوا طُرًّا.

стр. 1108

﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] قال: على الأصنام، قال وكل شيء ذُبِحَ على الأصنام لا يؤكل، ﴿تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ قال: كِعَاب (١) فارس يقال لها: النرد وأشباه ذلك. ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] قال: لو أنّ رجلًا بـ "عَدَنِ أبين" همّ بقتل رجل وهو في الحرم هذا قول الله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥]، هكذا قال ابن مسعود. قال: وقد خرج جابر من المدينة إلى مكة (٢) مجاورًا. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: والعشر ليال أو أيام، ثم قال: لو كانت لياليَ كان يكونُ نقصان يوم؛ لكنها أيام وليال عشرة. قال: وأهل مصر يقولون: الشام باديتهم، قال يوسف: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢]: لا تعيير. ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ [يوسف: ٩٣]: قال: شَمَّ ريحَهُ من مسيرة سبعة أيام، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]: لا جزع فيه. قلت: وسمعت شيخَ الإسلام ابن تيميَّة -مرارًا- يقول: ذَكَرَ اللهُ الصَّبْرَ الجميلَ، والصَّفْحَ الجميلَ، والهَجْرَ الجميلَ. فالصبرُ الجميل الذي لا شكوى معه، والهجر الجميلُ الذي لا أذى معه، والصفحُ الجميلُ الذي لا عِتَابَ معه. انتهى (٣).

стр. 1109

﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] قال: قد قال قوم: حكيم من أهلها. وقال قوم: القميص الشاهدُ، وقال قوم: الصبرُ. ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤] قال: مُنْتصِبًا. قلت: وكأنَّ (١) القولَ الآخر أَظْهرُ، وهو: في مشقة وعناء يكابد أمرَ الدنيا والآخرة، قال الحسن: ما أجِدُ من خَلْق الله يكابِدُ ما يُكابِدُهُ ابنُ آدم. ﴿مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] قال: لا تنَالُهُ الرِّشَاءُ، ﴿بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ قال: على وجه الأرض. قلت: يحتملُ تفسير أحمد أمرين؛ أحدهما: أن يكون "معينًا" (٢) فَعِيلًا من أمْعَنَ في الأرض إذا ذهب فيها، ويحتمل أن يكون مفعُولًا من العين أي: مرئيًا بالعين وأصله مَعْيون، ثم أُعِلَّ إعلالَ مَبِيع وبابه. وقال: قرأ زيد بن ثابت (٣): "وانْظُرْ إلى العِظَامِ كيفَ نُنْشِرُها" [البقرة: ٢٥٩] وهو أشبه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] قال: يُعَزِّرُوه: النبي ﷺ ، ويسبحوه: الله تعالى. ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]: على نُقْصانٍ. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩]. قال: يحلبون. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور: ٦]: جهنم.

стр. 1110

قلت: لم يُرِدْ أحمد أن المراد بالآية جهنم، وإنما أراد (١) أنه يكون جهنم أو موضعها والله أعلم. ﴿الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ [الانفطار: ٣]: فاضت. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، قال: كانوا يؤخِّرونها حتى يخرج الوقتُ. ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]: هو العَبِيط، ولا يكادُ أن يكونَ في اللحم الصُّفْرة فيغسل (٢). ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]: البحرُ وحوتٌ في حوت، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قلت: هذا تفسير ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. وذِكْر ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ وهْمٌ؛ فإن تلك الظلمات هي التي يخلقُ فيها الجَنينُ، لا مدخل لظلمة البحر ولا لظلمة الحُوت فيها، بل ظُلمة الرَّحِم وظلمة المَشِيمةِ وظلمة البطن، والله أعلم. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧] قال: الزنا. ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج: ٣٣] قال: اشترى ابنُ المنكدر بجميع ما كان معه بَدَنَةً وتأوَّلَ هذه الآية. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ... ﴾ إلى: ﴿ .. عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٥] قال: هذه نزلت بمكة والباقي بالمدينة.

стр. 1111

﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤] قال: نفخ فيه الرُّوح. قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] قال: هو أن ينظرَ قبلَ أن يرجعَ طرْفُهُ إليه. قال: وإنما كان قد عَلم الاسم الذي يُستجاب فدعا به. ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ [ق: ٢١] قال: يسوقُ إلى أمر الله، والشهيد: يشهد عليه بما عمل. ﴿الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]: الفأس والقِدْر وأشباه ذلك. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ (١) وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] قال: قدَّمه على نوح، قال: هذه حُجَّةٌ على القَدَرية. قلت: لعلَّ أحمد أراد القدريَّة المنكرة للعلم بالأشياء قبلَ كونها، وهم غُلاتُهم الذين كفَّرَهم السَّلَفُ، وإلا فلا تَعَرُّض فيها لمسألة خلق الأعمال. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قال: هذه لها نصف الصَّدَاق، وإن مُتِّعَت فحَسَن، وإن لم تُمتَّعْ فحسن (٢)، قال ابن عباس: تُمتع بخادم ونحو ذا ابن عُمر: تمتع بدرعٍ وإزار، ونحو هذا ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية، قال: هذه ليس عليها عِدَّةٌ، وقال سعيد بن جُبير: لكلِّ مطلقةٍ

стр. 1112

متاعٌ، ابنُ المسيب: ليس لها متاعٌ، قال أبو عبد الله: من مَتَّع فحسن، ومن لم يمتِّع فحسن. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو: الزوج، وقد قال قوم: هو الولي، فإذا عفا الرجلُ أعطاها المهرَ كاملًا ﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال: تكونُ المرأة تترك للزوج ما عليه فتكون قد عفت. قلت: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأبُ، وهو مذهب مالك، واختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية (١)، وقد ذكرتُ على رُجحانه بضعةَ عشر دليلًا في موضع آخر (٢). ﴿الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] قال: جمعت، وقال قوم: ماتت. قال من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] قال: موسى وهارون، ومن قرأ: "سِحْرَان" قال: هذان كتابانِ واحد بعد واحد. قلت: هكذا رأيته، وهو وهْم! وإنما هذا تفسير الآية التي في القصص: "أوَ لَمْ يَكْفروا بما أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا: سَاحِرَانِ تَظَاهَرا" أراد: موسى ومحمدًا ﷺ ، ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾ [القصص: ٤٨]. وقرأ الكوفيون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أرادوا: التوراة والقرآن، وأما آية (طه) فليس فيها إلا قراءةٌ واحدةٌ، ومعنًى واحد ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ يريدون: موسى وهارون، فاشتبهت الآيتان على الناقل أو السامع. ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ [المعارج: ١٦]: تأكل لحم الساقين. قلت: في الآية تفسيران مشهوران: أحدهما: أن الشَّوَى: الأطراف

стр. 1113

التي ليست مقاتِلَ كاليَدين والرجلين تنزعُها عن أماكنها، ومنه قولهم: "رَمَى الصَّيْدَ فأشواهُ": إذا أصاب أطرافَهُ دونَ مقاتِلِهِ، فإن أصاب مقتلَهُ فماتَ موضِعَهُ، قيل: "رَمَاهُ فأصماهُ" فإن حمل السَّهمَ. وفرَّ به ثم مات في موضع آخر، قيل: رماه فأنْمَاهُ، قال الشاعر (١): فهو لا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ ... مالَهُ لا عُدَّ من نَفَرِهْ والتفسير الثاني: أن الشَّوَى: جمعُ شَوَاة، وهي جلدَة الرأس وفَرْوَتُهُ، وتفسير أحمد لا يناقضُ هذا، فلعله إنما ذكر لحم الساقين تمثيلًا، والله أعلم. ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ [النجم: ١٧]: لم ينصرف يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا طَغَى (١٧)﴾: لم ينظرْ إلى فوق. وقال: من قرأ "سَالَ سَائِلٌ" قال: سَالَ وادٍ، ومن قرأ ﴿سَأَلَ﴾ [المعارج: ١] قال: دعا. قلت: هذا أحد القولين. والثاني: أن ذا الألف (٢) من السؤال أيضًا، لكنه قلبت الهمزة فيه ألفًا. ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] قال: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر، والناشئةُ لا تكونُ إلا من بعد رَقْدة، ومن لم يرقُدْ لا يقال (٣) لها ناشئة. ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل: ٦] قال: هي أشدُّ تبينًا تَفْهم ما يقرأ وتَعي أذنك. ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] قال كان ابن مسعود لا يسجد فيها،

стр. 1114

يقول: هى توبة نبي. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] قال: قوَّينا. [﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾] قال: هي أنطاكية، ﴿وَجَاءَ﴾: الثالث. وقد اجتمع الناس على الاثنين، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠ - ١]. قال أبو عبد الله: قال ابن إدريس: ودِدْتُ أنى قرأتُ قراءة أهلِ المدينة. قال: وقال ابن عيينة: قال لي ابن جُرَيْج: اقرأ عليَّ حتى أفسِّرَ لك، قال: وكان ابن جريج قد كتبَ التفسير عن ابن عباس وعن مجاهد. وقال: رحم الله سفيان ما كان أفقَهَهُ في القرآن وكان له علمٌ. وقال: في (النجم): في آخرها يسجدُ ثم يقوم فيقرأ، هذا في الإمام. وقال: النفاقُ لم يكن في المهاجرين. وقال: في القرآن اثنان وثمانون موضعًا الصبرُ محمودٌ، وموضعانِ مذمومٌ، قال: المذموم ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] أو قال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] المرُّوْذيُّ شَكَّ. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] قال: بُلِيَ بالذبح، ذَبْحِ ابنه فَوَفَّى، وبُلِيَ بحرق النار فوَفَّى، وذكر الثالثة فوفَّى فلم أحفظه (١). قلت لأبي عبد الله: أيْشٍ تفسير: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم.

стр. 1115

قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: في الصلاة والخطبة. ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال: هو في التفسير بكتابها. قلت لأبي عبد الله: في القرآن المحراب ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] هو محرابٌ مثل محاريبنا هذه؟ قال: لا أدري أيَّ محرابٍ هو. وفي بعض التفسير ذكر محراب داود. وسئل عن قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [النساء: ١٥٥] قال: أوعية، قلت: هذا أحد القولين، والقول الثاني -وهو أرجَحُ-: غُلْفٌ، أي: في غِشَاوَة، لا نفقه (١) عنك ما تقول، نظيره قوله (٢): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يضعِّفُ قولَ من قال: "أوعيةٌ" جدًّا، وقال: إنما هي جَمْع أَغْلَفَ، ويقال للقلب الذي في الغِشَاء: أغْلَفُ، وجمعه: غُلْفٌ، كما يقال للرجل غيرِ المختون: أقلفُ، وجمعه قُلْفٌ (٣). وسئل عن صيام ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: كملت للهَدْي ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فأما أهل مكة فليس عليهم هَدْيٌ ولا لمن كان بأطراف ما تقصر فيه الصلاة. آخر ما وُجِد من خطِّ القاضي -رحمه الله تعالى-.

стр. 1116

فوائد شتى من كلام ابن عقيل وفتاويه * سئل عمن قال: "إنْ بَرِئَ مَرِيضي أو قَدِم غائبي صُمْتُ"، هل يكفي كونه نذرًا أو يفتقرُ إلى أن يقول: لله عَلَيَّ؟ فأجاب: يكفي نذرًا؛ لأنه ذكره على وجه المجازاة، لأن الله تعالى هو يُبْرِئُ المرضَى فاستغنى بدِلالة الحال. * وسُئِل عن رجل طعنَ بعضَ الناس، فظنه لصًّا في لصوص هربوا؟ فأجاب: عليه القَوَدُ؛ لأنه لو كان لصًّا فهرب لم يَجُزْ طعنُه، ووجب القَوَدُ، فكيف إذا لم يكنْ؟! * وسئل: "لو قال منجِّم: "إن الشمس تكسف تحت الأرض في وقت كذا" هل تُصَلَّى صلاة الكسوف (١)؟ فأجاب: لا؛ لأن خبرَهم لا يؤخذُ به كما لو قال: الهلال تحت الغيم. فإن قيل: فإذا قالوا: قد زالتِ الشمسُ، قلنا: ذاك موقوفٌ على تقدير، ولهذا نُقدِّرُه بالصَّنائع. انتهى كلامُه. ولا حاجةَ إلى هذا، فإن الشمس لو كَسَفَتْ ظاهرًا، ثم غابت كاسفةً، لم يُصَلَّ للكسوف بعد غَيْبتها، فكيف يُصَلَّى لها إذا لم يُعَايَنْ كسوفُها ألبتَّةَ. * وذُكِرَ له حاكم طعن (٢) عليه بأنه يحكُمُ بالفِراسة، وأنه ضرب

стр. 1117

بالجريد في إقرار بمال وأخذه منه، فقال ابنُ عقيل: ليس ذلك فراسةً بل حُكْمٌ بالأَمَاراتِ، وإذا تأمَّلْتُمُ الشرعَ وجدتموه يجوِّزُ التعويلَ على ذلك، وقد ذهب مالك بن أنس إلى التَّوَصُّل إلى الإقرار بما يراهُ الحاكم، وذلك يستندُ إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ومتى حكمنا بعقد الأَزَج (١)، وكثرة الخُشُب، ومعاقد القَمُط في الخُصِّ (٢)، وما يصلحُ للمرأة والرجل يعني في الدَّعاوى، والدَّبَّاغ والعَطَّار إذا تخاصما (٣) في جِلْدٍ، والقيافة، والنظر في الخُنْثى، والنَّظر في أمَارات القِبلة، وهل اللَّوْثُ في القسامة إلَّا نحو هذا؟!. انتهى. قلت: الحاكم إذا لم يكنْ فقيهَ النفسِ في الأَمارات ودلائل الحال، كفقهه في كُلِّيَّات الأحكام؛ ضيَّعَ الحقوقَ، فهاهنا فقهان لابُدَّ للحاكم منهما: فقهٌ في أحكام الحوادث الكلِّيَّة، وفقه في الواقع (٤) وأحوال الناس، يميِّزُ به بين الصادق والكاذب والمُحِقِّ والمُبْطِل، ثم يُطَبِّقُ بين هذا وهذا بين الواقع والواجب، فيعطي الواقع حُكْمَهُ من الواجب. ومن له ذَوْق في الشريعة، واطلاع على كمالها وعدْلِها، وسَعَتِها ومصلحتها، وأن الخَلْقَ لا صلاحَ لهم بدونِها ألبتَّةَ، عَلِمَ أن السياسة العادلة جزءٌ من أجزائها وفرعٌ من فروعها، وأن من أحاط علمًا بمقاصدها، ووضَعَها مَوَاضِعَها؛ لم يحتجْ معها إلى سياسةٍ غيرِها

стр. 1118

ألبتَّةَ، فإنَّ السياسةَ نوعانِ: سياسةٌ ظالمةٌ، فالشريعةُ تحرِّمُها، وسياسةٌ عادلةٌ تُخرِجُ الحقَّ من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة عَلِمَها من عَلِمَها، وخَفِيتْ على من خَفِيتْ عنه. ولا تْنسَ في هذا الموضع قولَ سليمانَ نبيِّ الله ﷺ للمرأتين اللتين ادَّعتا الوَلَدَ فحكم به داودُ للكبرى، فقال سليمانُ: "ايتونِي بالسِّكّينِ أشُقَّهَ بينهما، فقالت الصُّغرى: لا تَفعلْ هو ابْنُها، فقَضَى به للصُّغْرَى" (١)، لِمَا دلَّ عليه امتناعها من رحمة الأم، ودلَّ رضى الكبرى بذلك على الاسترواح إلى التأسِّي بمساواتها في فقد الولد. وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧] فذكر الله تعالى ذلك مقرِّرًا له غيرَ منكر على قائله، بل رتَّبَ عليه العلمَ ببراءة يوسف ﵇ وكذِب المرأة عليه. وقد أمر النبيُّ ﷺ الزُّبَيْر أن يُقَرِّرَ ابني أبي الحُقَيق بالتَّعذيب على إخراج الكنز، فعذَّبهما حتى أقرَّا به (٢). ومن ذلك قول عليٍّ للظَّعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرَتْهُ، فعال لها: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أو لَنُجَرِّدَنَّكِ (٣).

стр. 1119

وهل تقتضي محاسنُ هذه الشَّريعة الكاملة إلَّا هذا؟! وهل يَشُكُّ أحدٌ في أن كثيرًا من القرائن تُفيدُ علمًا أقوى من الظَّنِّ المستفاد من الشَّاهدين بمراتبَ عديدة؛ فالعلمُ المستفادُ من مشاهدة الرجل مكشوفَ الرأس وآخَرَ هارب قدَّامَه، وبيده عِمَامَهٌ، وعلى رأسه عِمَامَةٌ، فالعلم بأن هذه عمامة المكشوفِ رأسُهُ كالضَّروريّ، فكيف تقدّم عليه (١) اليَدُ التي إنما تُفيدُ ظنًّا ما عند عدم المعارضة؟! وأما مع هذه المعارضة فلا تُفيدُ شيئًا سوى العلم بأنها يدٌ عادِيَهٌ، فلا يجوزُ الحكم بها ألبتة، ولم تأتِ الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها ألبتَّةَ. وقد أمر النبيُّ ﷺ الملتقِطَ أن يدفعَ اللُّقَطَةَ إلى واصِفِها (٢)، وقد نصَّ أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأْجِر في الدَّفين في الدار، وهذه من محاسنِ مذهبه، ونصَّ على البلدَ يُفْتَحُ فيوجد فيه أبواب مكتوبٌ عليها بالكتابة القديمة أنها وقفٌ، أنه يحكم بذلك لقوَّة هذه القرينة، وهل الحكم بالقَافَة إلا حكم بقرينة الشَّبَه، وكذلك اللَّوْث في القَسَامة، حتى إنَّ مالكًا وأحمد في إحدى الروايتين يقيِّدانِ بها وهو الصَّوَابُ الذي لا رَيْبَ فيه، وكذلك الحكم بالنُّكول إنما هو مستنِدٌ إلى قوة القرينة الدَّالَّة على أن النَّاكل غيرُ محقٍّ. وبالجملة؛ فالبَيِّنَةُ: اسمٌ لكل ما يُبَيِّنُ الحق، ومن خصَّها بالشاهدين فلم يُوَفِّ مُسمَّاها حقَّهُ، ولم تأتِ البينةُ في القرآن قطُّ مرادًا بها الشاهدان،

стр. 1120

وإنما أتت مرادًا بها الحُجَّةُ والدليلُ والبرهانُ مفردةً ومجموعةً. وكذلك قول النبي ﷺ : "البَيِّنَةُ على المُدَّعِي" (١) المراد به: بيانُ ما يصحِّحُ دعواه، والشاهدانِ من البَيِّنَة، ولا ريبَ أن غيرَهما من أنواع البيِّنة قد تكون أقوى منهما، كدِلالة الحال على صِدْق المدَّعِي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهدِ. والبَيِّنَةُ والحُجَّةُ والدلالةُ والبرهانُ والآيةُ والتَّبْصِرةُ، كالمترادفة لتقارب معانيها. والمقصود أن الشرعَ لم يُلْغِ القرائنَ ولا دلالات الحال، بل من استقرأَ مصادرَ الشرع ومواردَه وجدَه شاهدًا لها بالاعتبار مرتِّبًا عليها الأحكام. وقولُ ابنِ عقيل: "ليس هذا فراسةً" يقال: ولا ضَيْر في تسميته فراسةً، فإنها فراسةٌ صادقةٌ، وقد مدح الله الفِراسةَ وأهلَها في مواضعَ من كتابه فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر: ٧٥] وهم المُتَفَرِّسون، الذين يأخذون بالسِّيما، وهي العلامة. ويقال: تَوَسَّمْتُ فيك كذا، أي: تَفَرَّستُهُ، كأنك أخذتَ من السِّيما، وهي فِعْلًا من السِّمَة، وهي العلامةُ. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ (٢) فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وفي الترمذي مرفوعًا: "اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي

стр. 1121

ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ (١) [الحجر: ٧٥] والله أعلم. * * * ذِكْر مناظرةٍ بين فقيهين في طهارة المنيِّ ونجاستِهِ (٢) قال مدِّعي الطَّهارة: المَنِيُّ مبدأُ خلقِ بشرٍ فكان طاهرًا كالتُّرَاب. قال الآخر: ما أبعدَ ما اعتَبَرْتَ، فالتُّرَاب وُضِعَ طَهورًا ومساعدًا (٣) لطهور في الوُلوغ، ويرفعُ حكمَ الحَدَثِ على رأي، والحَدَث نفسه على رأي، فأين ما يُتَطَهَّرُ به إلى ما يُتَطَهَّرُ منه، على أن الاستحالات تعملُ عملَها فأين الثَّواني من المبادئ؟ وهل الخمرُ إلا ابنةُ العنب؟ والمِنِيُّ إلا المُتَوَلِّدُ من الأغذية في المَعِدة ذات الإحالة لها. إلى النَّجاسة ثم لى الدَّم ثم إلى المَنِيّ؟ قال المُطَهِّرُ: ما ذكرتَهُ في التراب صحيح، وكونُ المني يُتَطَّهرُ منه لا يدلُّ على نجاسته، فالجماعُ الخالي من الإنزال يُتَطَّهرُ منه، ولو كان التَّطَهُّرُ منه لنجاسته لاختصَّتِ الطهارةُ بأعضاء الوضوء كالبول والدَّم، وأما كون التَّراب طَهورًا دون المَنِيِّ فلعدم تصوُّر التطهير (٤) بالمَنِيِّ، وكذلك مساعدته في الولوغ، فما أبعدَ ما اعتبرتَ من الفرْق وأغثَّهُ!!.

стр. 1122

وأما دعواكَ أن الاستحالة تعملُ عملَها فنعم، وهي تقلبُ الطيبَ إلى الخبيث، كالأغذية إلى البول والعَذِرَة والدَّم، والخبيث إلى الطيب، كدم الطمث ينقلب لَبَنًا، وكذلك خروج اللَّبن من بين الفَرْث والدَّم، فالاستحالة من أكبر حُجَّتنا عليك؛ لأن المَنِيَّ دم قصرته الشهوة وأحالته الحرارة من طبيعة الدَّم ولونه إلى طبيعة المَنِيِّ، وهل هذا إلا دليلٌ على مفارقته للأعيانِ (١) النَّجِسَةِ وانقلابِه عنها إلى عينٍ أخرى، فلو أَعطيتَ الاستحالةَ حقَّها لحكمتَ بطهارته. قال مُدَّعي النَّجاسة: المَذْي مبدأُ المَنِيِّ، وقد دلَّ الشرعُ على نجاسته حيث أمر بغسل الذَّكَر وما أصابه منه، وإذا كان مبدؤه نجسًا فكيف بنهايته؟! ومعلوم أن المبدأ موجودٌ في الحقيقة بالفعل. قال المطَهِّر: هذه دعوى لا دليلَ عليها، ومن أين لك أن المَذْي مبدأ المَنِيِّ، وهما حقيقتان مختلفتانِ في الماهِيَّة والصِّفات والعوارض والرَّائحة والطبيعة، فدعواك أن المَذْي مبدأُ المَنِيِّ، وأنه مَنِيٌّ لم يَسْتَحْكمْ طبخُه، دعوى مجردة عن دليلٍ نقليٍّ وعقليٍّ وحِسِّي فلا تكون مقبولة، ثم لو سلَّمتُ لك لم يُفِدْك شيئًا ألبتَّةَ، فإنَّ للمبادئ أحكامًا تخالفُها أحكامُ الثواني، فهذا الدَّمُ مبدأُ اللبن، وحكمهما مختلفٌ، بل هذا المَنِيِّ نفسُه مبدأ الآدمي والآدميُّ طاهر العين، ومبدؤه عندك نَجِسُ العين، فهذا من أظهر ما يُفْسِدُ دليلَكَ ويوضح تناقُضَك، وهذا مَما لا حيلةَ في دفعه، فإن المَنِيَّ لو كان نجِسَ العين لم يكن الآدميُّ طاهرًا؛ لأن النجاسةَ عندَك لا تَطْهُرُ بالاستحالة، فلابُدَّ من نقض أحد أصليك، فإما أن تقولَ بطهارة المَنِيِّ، أو تقولَ:

стр. 1123

النجاسةُ تطهرُ بالاستحالة، وأمَّا أن تقول: المَنِيُّ نجس، والنجاسةُ لا تطهر بالاستحالة ثم تقول مع ذلك بطهارة الآدمِيِّ، فتناقُضٌ مالَنا إلا النكيرُ له!!. قال المُنَجِّسُ: لا ريبَ أن المَنِيَّ فضلةٌ مستحيلةٌ عن الغذاء، يخرجُ من مخرج البول، فكانت نجِسة كهو، ولا يَرِد عَلَيَّ البصاق والمخاط والدمع والعَرَق؛ لأَنها لا تخرجُ من مخرج البول. قال المطهِّرُ: حكمُك بالنَّجاسة إما أن يكونَ للاستحالة عن الغذاء، أو للخروج من مخرج البول، أو لمجموع الأمرين، فالأول باطلٌ إذ مجرَّدُ استحالة الفَضْلة عن الغذاء لا يوجبُ الحكمَ بنجاستها، كالدمع والمُخَاط والبُصَاق، وإن كان لخروجه من مخرج البول؛ فهذا إنما يفيدُك أنه متنجِّسٌ لنجاسة مجراه، لا أنه نَجِسُ العين، كما هو أحد الأقوال فيه، وهو فاسدٌ، فإن المجرى والمقرّ الباطن لا يحكمُ عليه بالنجاسة، وإنما يحكمُ بالنَّجَاسة بعد الخروج والانفصال، ويحكم بنجاسة المنفصل لخُبثِه وعينِه لا لمجراهُ ومقرِّهِ، وقد عُلِم بهذا بطلانُ الاستناد إلى مجموع الأمرين. والذي يوضِّحُ هذا: أنَّا رأينا الفَضَلات المستحيلة عن الغذاء تنقسمُ إلى طاهر؛ كالبُصاق والعَرَق والمُخاط، ونجس كالبول والغائط، فدلَّ على أن جهة الاستحالة غيرُ مقتضيةٍ للنجاسة، ورأينا أن النَّجاسة دارتْ مع الخبث وجودًا وعدمًا، فالبولُ والغائط (١) ذاتان خبيثتان مُنْتنتانِ مؤذيتانِ، مُتَمَيِّزَتانِ عن سائر فضلات الآدمي بزيادة الخَبَث والنَّتْن والاستقذار، تنفرُ منهما النفوس، وتنأى عنهما وتباعدهما.

стр. 1124

عنها (١) أقصى ما يمكنُ، ولا كذلك هذه الفَضْلة الشريفة التي هي مبدأُ خيار عباد الله وساداتهم، وهي من أشرفِ جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه، ومعها من رُوح الحياة ما تميَّزت به عن سائر الفضلات، فقياسُها على العَذِرة أفسدُ قياس في العالم وأبعدُه عن الصواب!!. والله تعالى أحكمُ من أن يجعلَ مَحَالَّ وحيِه ورسالاته وقربِه مبادئهم نَجِسة، فهو أكرمُ من ذلك، وأيضًا: فإن الله تعالى أخبرَ عن هذا الماءَ وكرَّر الخبرَ عنه في القرآن، ووصفه مرَّة بعد مرَّة، وأخبر أنه دافق، وأنه ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾، وأنه استودعه في ﴿قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾، ولم يكنِ الله تعالى ليكرِّرَ ذكرَ شيءٍ كالعَذِرة والبول ويعيده ويبديه، ويخبر بحفظه في قرارٍ مكين، ويصفه بأحسن صفاته (٢) من الدفق وغيره، ولم يصِفْه بالمهانة إلا لإظهار قُدْرته البالغة أن خَلَقَ من هذا الماء الضعيف هذا البَشَرَ القوِيَّ السَّوِيَّ، فالمهينُ هاهنا: الضعيفُ، ليس هو النَّجِسَ الخبيث. وأيضًا فلو كان المَنِيُّ نجسًا -وكلُّ نجس خبيث- لما جعله الله مَبْدأَ خَلْقِ الطَّيِّبينَ من عباده والطَّيِّباتِ، ولهذا لا يتكوَّنُ من البول والغائط طيِّبُ، فلقد أبعد النَّجعةَ من جعل أصولَ بني آدم كالبول والغائط في الخُبث والنجاسة، والناسُ إذا سبُّوا الرجل قالوا: "أصلُه خبيث، وهو خبيث الأصل"، فلو كانت أصولُ الناس نَجِسَةً -وكلُّ نجسٍ خبيثٌ- لكان هذا السب بمنزلة أن يقالَ: أصله

стр. 1125

نطفةٌ أو أصلُه ماءٌ، ونحو ذلك، وإن كانوا إنما يريدون بخُبْث الأصل كون النُّطفة وُضِعتْ في غير حلها فذاك خَبَثٌ على خَبَث، ولم يجعل اللهُ تعالى في أصول خواصِّ عباده شيئًا من الخبث بوجهٍ ما. قال المنجِّسون: قد أكثرتم علينا من التَّشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القولَ، واعترضتم (١)، وتلك الشَّناعَةُ مشتركةُ الإلزام بينَنا وبينَكم، فإنه كما أن الله تعالى يجعلُ خواصَّ عباده ظروفًا وأوعية للنجاسة كالبول والغائط والدم والمَذْي، ولا يكونُ ذلك عائدًا عليهم بالعيب والذَّمِّ، فكذلك خلقُه لهم من المَنِي النَّجِس وما الفرق؟!. قال المطهِّرون: لقد تعلَّقتم بما لا متعلَّق لكم به، واستروحتم إلى خيال باطل، فليسوا ظروفًا للنجاسات ألبتَّةَ، وإنما تصيرُ الفضلةُ بولًا وغائطًا إذا فارقت محلَّها، فحينئذ يُحْكم عليها بالنجاسة، وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيِّبٌ غير خبيث، وإنما يصيرُ خبيثًا بعد قذفه وإخراجه، وكذلك الدم إنما هو نجسٌ إذا سُفِح وخرج، فأما إذا كان في بَدَن الحيوان وعروقه فليس بنجس، فالمؤمن لا ينجسُ (٢) ولا يكون ظرفًا للخبائث والنجاسات. قالوا: والذي يقطعُ دابرَ القول بالنَّجاسة: أن النبي ﷺ قد علم أن الأُمَّهَ شديدةُ البَلْوى في أبدانهم وثيابهم، وفُرُشهم ولُحفهم، ولم يأمرهم فيه يومًا ما بغسل ما أصابه لا من بَدَن ولا من ثوب ألبتة، ويستحيلُ أن يكونَ كالبول، ولم يتقدَّم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسْلِه، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه.
следующие страницы →