← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقت، بخلاف إسقاط الحقوق الثابتة دفعة؛ كالشفعة، والخيار، ونحوهما، فإنها قد توطن النفس على إسقاطها، وأسبابُها (١) تتجدد، فافهمه. فائدة (٢) الفرق بين الشهادة: والرواية: أنَّ الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله، ولا يتعداهما إلَّا بطريق التبعيّة المحضة. فإلزام المعين يتوقع منه: العداوة، وحق (٣) المنفعة، والتهمة الموجبة للرد، فاحْتِيط لها بالعدد والذكورية. ورُدَّت بالقرابة، والعداوة، وتطرق التهم. ولم يفعل (٤) مثل هذا في الرواية التي يعمُّ حكمها ولا يَخُصُّ، فلم يُشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبًا على الظن صدق المخبر، وهو العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السّهو (٥) والتخليط. ولما كان النساء ناقصات عقلٍ ودين لم يكنَّ من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك، قُوِّيَت (٦) المرأة بمثلها، لأنَّه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها (٧).

стр. 107

وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع (١)، وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك، أنَّه قال: "ما علمتُ أحدًا رد شهادة العبد" (٢)، والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة، فكيف لا يقبل شهادته على نظيره من المكلفين! ويقبل شهادته على الرسول ﷺ في الرواية، فكيف لا يقبل شهادته (٣) على رجل في درهم! ولا ينتقض هذا بالمرأة، لأنَّها تقبل (٤) شهادتها مع مثلها لما ذكرناه، والمانع من قبول شهادتها وحدها منتفٍ في العبد. وعلى هذه القاعدة مسائل: أحدها: الإخبار عن رؤية هلال رمضان، من اكتفى فيه بالواحد؛ جعله روايةً لعمومه للمكلفين، فهو كالأذان، ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة، لأنَّه لا يعمّ الأعصار ولا الأمصار، بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين، وهذا ينتقض بالأذان نقضًا لا محيص منه. وثانيهما: الإخبار بالنسب بالقافة (٥)، فمن حيث إنَّه خبر جزئي عن شخص جزئي، يخص (٦) ولا يعم، جري مجري الشهادة، ومن

стр. 108

جعله كالرواية غَلِط، فلا مدخل لها هنا، بل الصواب أن يقال: من حيث: هو منتصب للناس انتصابًا عامًّا، يستند قوله إلى أمرٍ يختص به دونهم من الأدلة والعلامات؛ جرى مجرى الحاكم، فقوله حُكم لا رواية (١). ومن هذا الجرح للمحدِّث والشاهد؛ هل يُكتفى فيه بواحد، إجراءً له مجرى الحكم، أو لابد فيه (٢) من اثنين، إجراءً له مجرى الشهادة؟ على الخلاف، وأما أن يجري مجرى الرواية؛ فغير صحيح، وما للروايةِ والجرحِ! وإنَّما هو (٣) يجرحُه باجتهادِه لا بما يرويه عن غيره. ومنها: الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها (٤)، هل يشترط فيها التعدد؟ مبنيٌّ علي هذا، ولكن بناؤه علي الرواية والشهادة صحيح، ولا مَدْخَل للحكم هنا. ومنها: التقويم للسِّلَع، من اشترط فيه (٥) العدد رآه شهادة، ومن لم يشترطه؛ أجراه مجرى الحكم لا الرواية. ومنها: القاسم، هل يُشترط تعدّده على هذه القاعدة؟ والصحيح الاكتفاء بالواحد؛ لقصة عبد الله بن روّاحة (٦).

стр. 109

ومنها: تسبيح المصلّي بالإمام هل يُشترط أن يكون المسبِّح اثنين؟ فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة. ومنها: الخبر عن نجاسة الماء، هل يُشترط تعدده؟ فيه قولان. ومنها: الخارص، والصحيح في هذ كلِّه الاكتفاء بالواحد، كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة. وأما تسبيح المأموم بإمامه؛ ففيه نظر. ومنها: المفتي يقبل واحد (١) اتفاقًا. ومنها: الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع، والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد، كالتقويم والقائف. وقالت المالكية: لابد من اثنين، ثم تناقضوا فقالوا: إذا لم يوجد مسلم قُبل من أهل الذمة. فائدة إذا كان المؤذن يُقبل قوله وحده، مع أن لكل قوم فجرًا وزوالًا وعروبًا يخصهم؛ فأن (٢) يقبل قول الواحد في هلال رمضان أولى وأحرى. فائدة يُقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان، وعليه عمل الأمة قديمًا وحديثًا، وذلك لِمَا احتفَّ بأخبارهم من القرائن التي تكاد تصل إلى حد القطع في كثير من الصور، مع عموم

стр. 110

البلوى بذلك، وعموم الحاجة إليه. فلو أن الرجل لا يدخل بيت الرجل، ولا يقبل هديته إلا بشاهدين عدلين يشهدان بذلك، حَرِجت الأمةُ، وهذا تقرير صحيح، لكن ينبغي طَرْدُه وإلا وقع التناقض، كما إذا اختلفا في متاع البيت؛ فإن القرائن التي تكاد تبلغ القطع، تشهد بصحة دعوى الرجل لما هو من شأنه، والمرأة لما يليق بها، ولهذا قبله الأكثرون، وعليه تُخَرَّج حكومة سليمان بين المرأتين في الولد (١)، وهي محض الفقه. وقد حكى ابنُ حزم في "مراتب الإجماع" (٢): إجماعَ الأمة على قبول قول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العوس، وهو كما ذَكَر، وقد اجتمع في هذه الصورة من قرائن الأحوال؛ من اجتماع الأهل والقرابات، ونُدْرة التدليس والغلط في ذلك، مع شهرته وعدم المسامحة فيه، ودعوى ضرورات الناس إلى ذلك، ما أوجب قبول قولها. فائدة (٣) قبول قول القَصَّاب (٤) في الذكاة ليس من هذا الباب بشيءٍ، بل هو من قاعدة أخرى، وهي أن الإنسان مؤتمن على ما بيده، وعلى ما يخبر به عنه (٥).

стр. 111

فإذا قال الكافر: هذه ابنتي، جاز للمسلم أن يتزوجها، وكذا إذا قال: هذا مالي، جاز شراؤه وأكله. فإذا قال: هذا ذكَّيته جازَ أكله. فكل أَحدٍ مؤتمن على ما يخبر به مما هو في يده، فلا يُشترط هنا عدالة ولا عدد. فائدة الخبر إن كان عن حكم عام يتعلق بالأُمة؛ فإما أن يكون مستنده السماع؛ فهو الرواية، وإن كان مستنده الفهم من المسموع، فهو الفتوى، وإن كان خبرًا جزئيًا يتعلَّق بمعيَّن (١)، مستندُه المشاهدة أو العلم؛ فهو الشهادة، وإن كان خبرًا عن حقٍّ يتعلق بالمخبِر عنه، والمخبَرُ به هو مستمعه (٢) أو نائبه؛ فهو الدعوى؛ وإن كان خبرًا عن تصديق هذا الخبر؛ فهو الإقرار، وإن كان خبرًا عن كذبه؛ فهو الإنكار، وإن كان خبرًا نشأ عن دليل؛ فهو النتيجة، وتسمى قبل أن يحصل عليها (٣) الدليل: مطلوبًا، وإن كان خبرًا عن شيءٍ يقصد منه نتيجته؛ فهو دليل، وجزؤه مقدِّمة. فائدة (٤) "شهد" في لسانهم لها معانٍ: أحدها: الحضور ومنه قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة ١٨٥] وفيه قولان: أحدهما: من شهد المصر في الشهر.

стр. 112

والثانى: من شهد الشهر في المصر، وهما متلازمان: والثاني: الخبر، ومنه: "شهد عندي رجال مَرْضيُّون، وأرضاهم عندي عمر: "أَنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن الصلاةِ بَعْد العصرِ وبَعْد الصُّبْح"" (١). والثالث: الاطلاع على الشيء. ومنه: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٌ﴾ [المجادلة: ٦]. وإذا كان كل خبرٍ شهادة، فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل على كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح (٢). وعن أحمد فيها ثلاث روايات: إحداهن: اشتراط لفظ الشهادة، والثانية: الاكتفاء بمجرد الإخبار، اختارها شيخنا (٣) -والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة على الأفعال.

стр. 113

فالشهادة على الأقوال لا يُشترط فيها لفظ الشهادة، وعلى الأفعال يُشترط؛ لأنَّه إذا قال: سمعته يقول، فهو بمنزلة الشاهد على رسول الله ﷺ فيما يخبر عنه. فائدة (١) اختلف أبو المعالي (٢) وابن الباقلاني (٣) في قولهم في حدِّ الخبر: إنه الَّذي يحتمل التصديق والتكذيب. فقال أبو المعالي: يتعين أن يقال: يحتمل الصدق أو الكذب لأنهما ضدان، فلا يقبل إلا أحدهما. وقال القاضي: بل يقال: يحتمل الصدق والكذب (٤)، وقوله أرجح، إذ التنافي إنما هو بين المقبولين، لا بين القبولين، ولا يلزم من تنافي المقبولات تنافي القبولات (٥).

стр. 114

ولهذا يقال: الممكن يقبل الوجود والعدم، وهما متناقضان، والقبولان يجب اجتماعهما له لذاته؛ لأنَّه لو وُجد أحد القبولين دون الآخر لم يكن ممكنًا، فإنه لو لم يقبل الوجود كان مستحيلًا، ولو لم يقبل العدم كان واجبًا، فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين، وإن تنافى المقبولان، وكذلك نقول: الجسم يقبل الأضداد، فقبولاتها مجتمعة، والمقبولات متنافية. فائدة اختلف في الإنشاءات التي صِيَغها أخبار: كـ "بِعْتُ وأَعْتَقت"، فقالت الحنفية: هي أخبار، وقالت الحنابلة والشافعية: هي إنشاءات لا أخبار لوجوه: أحدها: لو كانت خبرًا لكانت كذبًا؛ لأنَّه لم يتقدم منه مخبره من البيع والعتق، وليست خبرًا عن مستقبل، وفي هذا الدليل شيء؛ لأنَّ

стр. 115

لهم أن يقولوا: إنها إخبارات عن الحال، فخبرها مقارن للتكلم بها. الثاني: لو كانت خبرًا فإما صدقًا وإما كذبًا، وكلاهما ممتنع، أما الثاني؛ فظاهر، وأما الأول؛ فلأنّ صدقها متوقّف على تقدم أحكامها، فأحكامها إما أن تتوقف عليها، فيلزم (١) الدور، أو لا يتوقف، وذلك محال؛ لأنَّه لا توجد أحكامها بدونها. ولقائل أن يقول: هو دور مَعِيَّةٍ لا تَقَدُّم، فليس بممتنع. وثالثها: أَنَّها لو كانت إخبارات؛ فإما عن الماضي أو الحال، ويمتنع مع ذلك تعليقها بالشرط؛ لأنَّه لا يعمل إلا في مستقبل. وإما عن مستقبل، وهي محال؛ لأنَّه يلزم تجردها عن أحكامها في الحال، كما لو صرح بذلك، وقال: ستصيرين طالقًا. ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون خبرًا عن الحال قولكم: يمتنعُ تعليقها بالشرط؟ قلنا: إذا عُلِّقت بالشرط لم (٢) تبق إخبارًا عن الحال، بل إخبارًا عن المستقبل، فالخبر عن الحال الإنشاء المطلق، وأما المعلق فلا. ورابعها: أنَّه لو قال لمطلقةٍ رجعيَّة: أنت طالق، لزمه طلقة أخرى؛ مع أن خبره صدق. فلما لزمه أخرى دل على أنهما إنشاء. ولقائل أن يقول: لما قلنا: هي خبر عن الحال، بَطل هذا الإلزام. وخامسها: أنّ امتثال قوله تعالى ﴿فَطَلَقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]

стр. 116

أن يقول: "أنت طالق"، وليس هذا تحريمًا، فإنّ التحريم والتحليل ليس إلى المكلف، وإنَّما إليه أسبابهما، وليس المراد بالأمر: أخبروا عن طلاقهنَّ، وإنما المراد إنشاء أمر يترتب عليه تحريمهن، ولا نعني بالإنشاء إلا ذلك. ولقائل أن يقول: المأمور به هو السبب الَّذي يترتب عليه الطلاق. فهنا ثلاثة أمور: الأمر بالتطليق، وفعل المأمور به وهو: التطليق. والطلاق وهو: التحريم الناشئ عن السبب. فإذا أتى بالخبر عما في نفسه من التطليق فقد وفَّى الأمرَ حقه وطلقت. وسادسها: أنَّ الإنشاء هو المتبادر إلى الفهم عرفًا. وهو دليل الحقيقة، ولهذا لا يحسن أن يقال فيه: صدقى أو كذب، ولو كان خبرًا لحسن (١) فيه أحدهما. وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة أُخَر: فأجيب عن الأول: بأنَّ الشرع قدَّر تقدم مدلولات هذه الأخبار قبل التكلم بها بالزمن الفرد، ضرورة الصدق (٢)، والتقديرُ أولى من النقل. وعن الثاني: أن الدور غير لازم، فإنّ هنا ثلاثة أمور مترتبة (٣): فالنطق باللفظ لا يتوقف علي شيء، وبَعْده تقدير تقدم المدلول على اللفظ، وهو غير متوقف عليه في التقدير، وإن توقف عليه في الوجود،

стр. 117

وبَعْده لزوم الحكم، ولا يتوقف اللفظ عليه، وإن توقَّف هو على اللفظ. وعن الثالث: أنا نلتزم (١) أنها إخبارات عن الماضى، ولا يتعذر التعليق؛ فإنّ الماضي نوعان: ماضٍ تقدم مدلوله عليه قبل النطق به من غير تقدير، فهذا يتعذر تعليقه. والثانى: ماض بالتقدير لا التحقيق، فهذا يصح تعليقه. وبيانُه: أنَّه (٢) إذا قال: "أنت طالق إن دخلتِ الدار"، فقد أخبر عن طلاق امرأته بدخول الدار، فقدرنا هذا الارتباط قبل نطقه بالزمن (٣) الفرد ضرورة الصدق، وإذا قُدر الارتباط قبل النطق، صار الخبر عن الارتباط ماضيًّا. إذ حقيقة الماضي هو الَّذي تقدم مُخبَرُه خَبَرَه؛ إما تحقيقًا وإما تقديرًا، وعلى هذا فقد اجتمع المضِيّ والتعليق ولم يتنافيا. وعن الرابع: أن المطلقة الرجعيَّة إن أراد بقوله لها: "أنت طالق"؛ الخبر عن طلقةٍ ماضية؛ لم يلزمه ثانية، وإن أراد الخبر عن طلقة ثانية؛ فهو كذب، لعدم وقوع الخبر (٤)، فيحتاج إلى التقدير ضرورة التصديق، فيقدر تقدم طلقة قبل طلاقه بالزمن الفرد، يصح معها الكلام فيلزمه. وعن الخامس: أنّ الأمر متعلق بإيجاد خبر يقدر الشارع قبله الطلاق، فيلزم به، لا أنَّه متعلق بإنشاء الطلاق حتَّى يكون اللفظ سببًا كما ذكرتموه، بل هو علامة ودليل علي الوقوع، وإنّما ينتفي الطلاق

стр. 118

عند انتفائه، كانتفاع المدلول لانتفاء دليله وعلاماته، ولا يقال: لا يلزم من نفي الدليل نفي المدلول، فإنّ هذا لازم في الشرعيات، لأنَّها إنّما ثبتت بأدلتها، فأدلتها أسباب ثبوتها. وأما السادس: فهو أقواها، وقد قيل: إنه لا يمكن الجواب عنه إلا بالمكابرة، فإنا نعلم بالضرورة أن من قال لامرأته: "أنت طالق"، لا يحسن أن يقال له: صدقت ولا كذبت، فهذه نهاية أقدام الطائفتين في هذا المقام. وفصل الخطاب في ذلك: أنّ لهذه الصِّيَغ [نسبتين] (١)؛ نسبة إلى متعلقاتها الخارجية، فهي من هذه الجهة إنشاءات محضة كما قالت الحنابلة والشافعية، ونسبة إلى قصد المتكلم وإرادته، وهي من هذه الجهة خبر عما قصد إنشاءه كما قالت الحنفية، فهي إخبارات بالنظر إلى معانيها الذهنية، إنشاءات بالنظر إلى متعلقاتها الخارجية، وعلى هذا فإنّما لم يحسن أن يقال (٢) بالتصديق والتكذيب، -وإن كانت أخبارًا-؛ لأنّ متعلِّق التصديق والتكذيب النفي والإثبات، ومعناهما مطابقة الخبر لمخْبَره، أو عدم مطابقته، وهنا المخبر حصل بالخبر حصول المسبب بسببه، فلا يتصور فيه تصديق ولا تكذيب، وإنّما يتصور التصديق والتكذيب في خبر لم يحصل مخْبَره ولم يقع به كقولك: "قام زيد"، فتأمَّلْه. فإن قيل: فما تقولون في قول المظاهر: "أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمي"، هل هو إنشاء أو إخبار؟

стр. 119

فإن قلتم: إنشاء، كان باطلًا من وجوه: أحدها: أنّ الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب، والله سبحانه قد كذَّبهم هنا في ثلاثة مواضع: أحدها: في قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] فنفى ما أثبتوه، وهذا حقيقة التكذيب، ومن طلق امرأته لا يحسن أن يقال: ما هى مطلقة. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنِّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] والإنشاء لا يكون منكرًا، وإنما يكون المنكر هو الخبر. والثالث: أنَّه سماه زورًا، والزور هو الكذب، وإذا كذبهم الله تعالى دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء. الثاني: أَنَّ الظِّهَار محرَّم، وليس جهة تحريمه إلَّا كونه كذبًا. والدليل على تحريمه خمسة أشياء: أحدها: وصفه (١) بالمنكر. والثاني: وصفه (٢) بالزور. والثالث: أنَّه شرع فيه الكفارة، ولو كان مباحًا لم يكن فيه كفارة. والرَّابع: أن الله قال: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ [المجادلة: ٣]، والوعظ إنّما يكون في غير المباحات. والخامس: قوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ لعَفْوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٣]، والعفو

стр. 120

والمغفرة إنّما يكونان عن الذنب. وإن قلتم: هو إخبار؛ فهو باطل من وجوه: أحدها: أنّ الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، فجعله الله في الإسلام تحريمًا تُزيله الكفارة، وهذا متفق عليه بين أهل العلم، ولو كان خبرًا لم يوجب التحريم، فإنه إن كان صدقًا؛ فظاهر، وإن كان كذبًا؛ فأبعد له من أن (١) يترتب عليه التحريم. والثاني: أنَّه لفظ يوجب حكمه الشرعي بنفسه، وهو التحريم، وهذا حقيقة الإنشاء، بخلاف الخبر، فإنه لا يوجب حكمه بنفسه؛ فَسَلْب كونه إنشاءً مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه؛ جمعٌ بين النقيضين. وثالثها: أَنَّ إفادة قوله: "أنت عَلَيَّ كظهر أمي" للتحريم، كإفادة قوله: أنت حرة"، "وأنت طالق"، و"بعتك"، و"وهبتك"، و"تزوجتك" (٢)، ونحوها لأحكامها، فكيف يقولون هذه إنشاءات دون الظهار؟ وما الفرق؟. قيل: أما الفقهاء فيقولون: الظهار إنشاء، ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك، وقال: الصواب أنَّه إخبار، وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء. قال: أما قولهم: كان طلاقًا في الجاهلية (٣)؛ فهذا لا يقتضى أنهم كانوا يثبتون به الطلاق، بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون به العصمة عند النطق به، فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء كما زعمتم، أو لكونه

стр. 121

كذبًا، وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه، وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد ونحو ذلك. قال: وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت وهذا حقيقة الإنشاء لا الإخبار، فلا نسلِّم أنَّ ثَمَّ تحريمًا ألبتة، والذي دل عليه القرآن: وجوب تقديم الكفارة على الوطء، كتقديم الطهارة على الصلاة، فإذا قال الشارع: لا تصلِّ حتَّى تتطهر، لا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه، بل ذلك نوع ترتيب. سلَّمنا أن الظهار ترتَّب عليه تحريم، لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، ودلالته عليه، وهذا هو الإنشاء. وقد يكون عقوبة مَحْضة، كترتيب حرمان الإرث على القتل، وليس القتل إنشاء للتحريم، وكترتيب التعزير على الكذب وإسقاط العدالة به، فهذا ترتيب بالوضع الشرعي لا بدلالة اللفظ. وحقيقة الإنشاء: أن يكون ذلك اللفظ وُضِع لذلك الحكم، ويدل عليه، كصِيَغ العقود، فسببية القول أعم من كونه سببًا بالإنشاء أو بغيره. فكل إنشاء سبب، وليس كل سبب إنشاء. فالسببيَّة أعم، فلا يُستدل بمطلقها على الإنشاء، فإن الأعمّ لا يستلزم الأخص، فظهر الفرق بين تَرَتُّب التحريم على الطلاق، وترتُّبه على الظهار. قال: وأما قولكم: إنه كالتكلُّم بالطلاق والعِتَاق والبيع ونحوها؛ فقياس في الأسباب. فلا نقبله ولو سلمناه، فخصُّ القرآن يدفعه. وهذه الاعتراضات عليهم باطلة: أَمَّا قوله: "إن كونه طلاقًا في الجاهلية، لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق" إلى أَخره؛ فكلامٌ باطل قطعًا؛ فإنهم لم يكونوا

стр. 122

يقصدون الإخبار الكذب، ليترتب عليه التحريم، بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادةً للطلاق؛ ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين في ذلك (١)، ولا مخبرين، وإنّما كانوا منشئين للطلاق به. ولهذا كان هذا (٢) ثابتًا في أول الإسلام حتَّى نسخه الله بالكفارة في قصة خولة (٣) بنت ثعلبة، كانت تحت عُبادة بن الصامت (٤)، فقال لها: "أنت عليَّ كظهر أُمي"، فأتت رسولَ الله ﷺ ، فسألته عن ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : "حَرُمُت عَلَيْهِ"، فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب، ما ذكر الطلاقَ، وإنه أبو ولدي، وأحب الناس إليَّ فقال: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، فقالت: أشكو إلى الله فاقتى وَوَحْدتي، فقال رسول الله ﷺ : "مَا أُرَاكِ إلِّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ، وَلَمْ أُؤْمَرُ فِي شَأْنِكِ بِشَيءٍ"، فجَعَلَتْ تراجعُ رسول الله ﷺ : وإذا قال لها: حَرُمْتِ عَلَيْهِ" هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وأن لي صِبْيَة صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إنِّي أشكو إليك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام، فنزل الوحي على رسول الله ﷺ فلما قُضي الوحي قال: "ادْعِي زَوْجَكِ" فتلا عليه رسول الله ﷺ ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ [المجادلة: ١] الآيات (٥).

стр. 123

فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول الإسلام؛ ثم نسخ ذلك بالكفارة. وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند وِلادِها عشرةَ أبطن، ونحوه، فإنه ليس هناك لفظ إنشاء يقتضي التحريم، بل هو شارع منهم لهذا التحريم، عند هذا السبب. وأما قوله: "إنا لا نسلِّم أنَّه يوجب تحريمًا"؛ فكلام باطل، فإنه لا نزاع بين الفقهاء: أَنَّ الظِّهار يقتضي تحريمًا تزيله الكفارة، فلو وطئها قبل التكفير (١)؛ أَثِمَ بالإجماع المعلوم (٢) من الدين، والتحريم المؤقت هنا كالتحريم بالإحرام وبالصيام وبالحيض. وأمَّا تنظيره بالصلاة مع الطهر؛ ففاسد، فإن الله أوجب عليه صلاة بطهر، فإذا لم يأت بالطهر فقد (٣) ترك ما أوجب الله عليه، فاستحقَّ الإثم، وأما المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته، وشبَّهها بمن تحرُم عليه، فمنعه الله من قربانها، حتَّى يُكفِّر، فهنا تحريم مُستند إلى ظِهَارِه، وفي الصلاة لا تُجزئ منه بغير طُهر؛ لأنَّها غير مشروعة أصلًا. قوله: "التحريم عَقِب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، وقد يكون عقوبة ... "، إلى آخره، جوابه أنهما غير متنافيين في الظِّهار، فإنه حرام وتحرم به تحريمًا مؤقتًا حتَّى يكفِّر، وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء كجمع الثلاث عند من يوقعها، والطلاق في الحيض فإنه

стр. 124

محرَّم، ويتعقبه التحريم، وقد قلتم: إن طلاق السكران يصح عقوبةً له، مع أنَّه لو لم يأت بإنشاء السبب لم تَطْلُق امرأته اتفاقًا، فكون التحريم عقوبةً، لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها. قوله: "السببية أعمُّ من الإنشاء .... " إلى آخره؛ جوابه: أنّ السبب نوعان: فعل وقول، فمتى كان قولًا لم يكن إلّا إنشاء، فإن أردتم بالعموم: أنّ سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارًا؛ فممنوع، وإن أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل والقول: فمُسَلَّم، ولا يفيدكم شيئًا. وفَصْل الخطاب: أن قوله: "أنتِ عليَّ كظهر أمي"، يتضمن إنشاءً وإخبارًا، فهو إنشاءٌ من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ، وإخبار من حيث تشبيهها (١) بظهر أمه، ولهذا جعله الله منكرًا وزورًا، فهو منكر باعتبار الإنشاء، زوّر باعتبار الإخبار. وأما قوله: "إن المنكر هو الخبر الكاذب"؛ فالخبر الكاذب من المنكر، والمنكر أعم منه، فالإنكار في الإنشاء والإخبار، فإنه ضد المعروف، فما لم يُؤذَن فيه من الإنشاء؛ فهو منكر، وما لم يكن صداقًا من الإخبار؛ فهو زور. فائدة المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص ، وإنما يدخل في (٢) الظاهر المحتمل له، وهنا نُكْتة ينبغي التفطن لها، وهي: أن كون اللفظ نصًّا يُعْرف بشيئين:

стр. 125

أحدهما: بعدم احتماله (١) لغير معناه وضعًا، كالعشرة. والثاني: ما اطرد استعماله علي طريقة واحدة في جميع موارده؛ فإنه نصٌّ في معناه، لا يقبل تأويلًا ولا مجازًا، وإن قُدِّر تطرُّق ذلك إلى بعض أفراده، وصار هذا بمنزلة خبر التواتر، لا يتطرَّق احتمال الكذب إليه، وإن تطرَّق إلى كل واحد من أفراده بمفرده وهذه عصمة (٢) نافعة، تدلك على خطأ كثير من التأويلات في السمعيات التي اطرد استعمالها في ظاهرها، وتأويلُها والحالة هذه غلط، فإن التأويل إنّما يكون لظاهر قد ورد شاذًّا مخالفًا لغيره من (٣) السمعيات، فيحتاج إلى تأويله ليوافقها، فأما إذا اطردت كلها على وتيرة واحدة؛ صارت بمنزلة النص وأقوى، فتأويلها ممتنع، فتأمل هذا. فائدة (٤) أضافوا الموصوف إلى الصفة وإن اتّحدا؛ لأنَّ الصفة تضمنت معنى ليس في الموصوف، فصحَّت الإضافة للمغايرة (٥). وهنا نكتة لطيفة، وهي: أن العرب إنّما تفعل ذلك في الوصف المغرفة اللازم للموصوف لزوم اللقب للأعلام؛ كما قالوا: "زيد بطَّة" أي: صاحب هذا اللقب. وأما الوصف الَّذي لا يثبت كالقائم والقاعد ونحوه؛ فلا يضاف

стр. 126

الموصوف إليه، لعدم الفائدة [المخصِّصة] (١) التي لأجلها أضيف الاسم إلى اللقب، فإنه لما تخصص به، كأنك قلتَ: صاحب هذا اللقب، وهكذا في "مسجد الجامع" و"صلاة الأُولى". فإنه لما تخصص الجامع بالمسجد ولزمه، كأنك قلتَ: صاحب هذا الوصف، فلو قلت: "زيد الضاحك"، و"عمرو القائم"، لم يجز، وكذا إن كان لازمًا غير معرفة فلا (٢) تقول: "مسجد جامع" و"صلاة أولى". فائدة (٣) اللفظ المؤلف من "الزاي والياء والدال" -مثلًا- له حقيقة متميزة متحصِّلة، فاستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه؛ لأنَّه شيء موجود في اللسان، مسموع بالآذان فاللفظ المؤلف من (همزة الوصل والسين والميم) عبارة عن اللفظ المؤلف من (الزاي والياء والدال) مثلًا، واللفظ المؤلف من (الزاي والياء والدال) عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان، وهو المسمى والمعنى، واللفظ الدال عليه الَّذي هو (الزاي والياء والدال) هو الاسم، وهذا اللفظ أيضًا قد صار مسمًّي، من حيث كان لفظ (الهمزة والسين والميم) عبارة عنه، فقد بان لك أنّ الاسم في أصل الوضع ليس هو المسمى، ولهذا تقول: سميت

стр. 127

هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول: حليته بهذه الحلية، والحلية غير المحلَّى، فكذلك الاسم غير المسمى. وقد صرح بدلك سيبويه، وأخطأَ من نَسَبَ إليه غير هذا، وادَّعى أن مذهبه (١) اتحادهما، والذي غرَّ من ادعى ذلك قوله: "الأفعال أمثلة أُخذت من لفظِ أَحداث الأسماء" (٢)، وهذا لا يعارض نصه قبل هذا بسطر (٣)، فإنه نصَّ على أنّ الاسم غير المسمَّى، فقال: "الكلم اسم وفعل وحرف" (٤)، فقد صرح بأنّ الاسم كلمة؛ فكيف تكون الكلمة هي المسمى، والمسمى [إنّما هو] شخص؟. ثم قال بعد هذا: "تقول: سميت زيدًا بهذا الاسم، كما تقول: علمته بهذه العلامة". وفي كتابه قريب من ألف موضع؛ أنَّ الاسم هو اللفظ الدال على المسمّى، ومتى ذكر الخفض أو النصب أو التنوين أو اللام أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ونقصان وتصغير وتكسير ذلك بالمسمى أصلًا، وما قال نحويٌّ قط ولا عربيّ: إن الاسم هو المسمَّى ويقولون: أَجَل مسمًّى، ولا يقولون: أَجَل اسم، ويقولون: مسمًّى هذا الاسم كذا، ولا يقول أحد: اسم هذا الاسم كذا، ويقولون: هذا الرجل مسمًّى بزيد، ولا يقولون: هذا الرجل اسم زيد، ويقولون: "بسم الله"، ولا يقولون: بمسمًّى الله.

стр. 128

وقال رسول الله ﷺ : "لي خَمُسَةُ أَسْمَاءٍ" (١) ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات، و"تَسَمّوا باسْمي (٢) ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي، و"للهِ تسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا" (٣) ولا يصح أن يقال: تسعة. وتسعون مسمًّي. وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمَّى، فبقي هاهنا "التسمية"، وهي التي اعتبرها من قال باتحاد الاسم والمسمى، و"التسمية ": عبارة عن فعل المسمِّي، ووضعه الاسم للمسمَّى، كما أنَّ "التحلية" عبارة عن فعلي المحَلِّي، ووضعه الحلية على المحلَّى، فهنا ثلاث حقائق: اسم ومسمى وتسمية، كحِلْية ومحلَّي وتحلية، وعلامة ومُعلِّم وتعليم، ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين علي معنًي واحد؛ لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمى بطل واحد من هذه الحقائق الثلاثة ولابُد. فإن قيل: فحُلُّوا لنا شُبَه من قال باتحادهما ليتم الدليل، فإنكم أقمتم الدليل؛ فعليكم الجواب عن المعارِض. فمنها: أن الله وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق، فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة، وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة، لأنَّ أسماءه صفات، وهذا هو السؤال الأعظم الَّذي

стр. 129

قاد متكلِّمي الإثبات إلى أن يقولوا: الاسم هو المسمَّى، فما عندكم في دفعه؟. والجواب (١): أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة، محتملة لمعنيين حق (٢) وباطل، فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها، ولا ريبَ أن الله ﵎ لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها. فلم يزل بأسمائه وصفاته وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمَّى اسمه، وإن كان لا يُطلق على الصفة أنها الله يخلق ويرزق، فليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله. وبَلاءُ القومِ من لفظة "الغير"، فإنها يُراد بها معنيان: أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة "بالله"، وكل ما غاير "الله" مغايرةً مَحْضَة بهذا الاعتبار، فلا يكون إلا مخلوقًا. ويُراد به: مغايرة الصِّفة للذات، إذا جُرِّدَت (٣) عنها. فإذا قيل: عِلْمُ الله وكلامُ الله غيرُه، بمعنى: أنَّه غير الذات المجردة عن العلم والكلام؛ كان المعنى صحيحًا، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أُريد أن العلم والكلام مُغاير لحقيقته المختصَّة التي امتاز بها عن غيره؛ كان باطلًا لفظ ومعنًي.

стр. 130

وبهذا أجاب أهلُ السنة المعتزلةَ القائلين بخلق القرآن، وقالوا: كلامه تعالى داخل في مسمَّى اسمه. فالله تعالى اسم للذات (١) الموصوفة بصفات الكمال، ومن تلك الصفات: صفة الكلام، كما أن علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره غير مخلوقة. وإذا كان القرآنُ كلامه، وهو صفة من صفاته؛ فهو متضمن لأسمائه الحسنى، فإذا كان القرآن غير مخلوق (٢)، ولا يقال: إنه غير الله، فكيف يقال: إن بعض ما تضمنه، وهو أسماؤه: مخلوقة، وهي غيره؟! فقد حَصْحَصَ الحق بحمد الله، وانحسم الإشكال، وأن أسماءه الحسني التي في القرآن من كلامها، وكلامه غير مخلوق، ولا يقال: هو غيره، ولا هو هو، وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون: أسماؤه تعالى غيره، وهي مخلوقة. ولمذهب من ردِّ عليهم ممن يقول: اسمه نفس ذاته لا غيره. وبالتفصيل تزول الشُّبَه، ويتبين الصواب، والحمد لله. حجة ثانية لهم (٣)، قالوا: قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ﴿وَاذكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨]، ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١]. وهذه الحجة عليهم في الحقيقة؛ لأنّ النبي ﷺ امتثل هذا (٤) الأمر، وقال: "سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم"، ولو كان "الأمر كما زعموا؛ لقال: "سبحان اسم ربي العظيم"

стр. 131

ثم إن الأمة كلهم لا يجوِّز أحد منهم أن يقول: "عبدت اسم ربي"، ولا "سجدت لاسم ربي"، ولا "ركعت لاسم ربي"، ولا "باسم ربي ارحمني"، وهذا يدل على أن هذه (١) الأشياء متعلقة بالمسمَّى لا بالاسم. وأما الجواب عن تعلق الذكرِ والتسبيحِ المأمور به بالاسم، فقد قيل فيه: إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم، فقد تُعَظم ما هو من سببه (٢) ومتعلق به، كما يقال: "سلامُ على الحضرة العالية، والباب السَّامي والمجلس الكريم" ونحوه. وهذا جواب غير مَرْضيٍّ (٣) لوجهين: أحدهما: أن رسول الله ﷺ لم يفهم هذا المعنى، وإنّما قال: "سبحان ربي"، فلم يعرِّج على ما ذكرتموه. الثاني: أنَّه (٤) يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل، وسائر ما يطلق على المسمَّى، فيقال: "الحمد لاسم الله، ولا إله إلا اسم الله"، ونحوه، وهذا مما لم يقله (٥) أحد. بل الجواب الصحيح: أنَّ الذكر الحقيقي محلُّه القلب، لأنَّه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر والتسبيح، لما فُهِم منه إلا ذلك، دون اللفظ باللسان، والله تعالى أراد من عباده

стр. 132

الأمرين جميعًا، ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما، فصار معني الاثنين: سبِّح ربك بقلبك ولسانك، واذكر ربك بقلبك ولسانك، فأقحم الاسمَ تنبيهًا على هذا المعنى، حتَّى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ بالألسان؛ لأن ذكر القلب متعلَّقه اللفظ مع مدلوله، لأنَّ اللفظ لا يُراد لنفسه، فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبَّح دون ما يدل عليه من المعنى. وعبَّر لي شيخُنا أبو العباس ابن تيمية -قدّس الله روحه- عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة، فقال: المعنى: سبِّح ناطقًا باسم ربك متكلِّمًا به، وكذا سبح اسم ربك، المعني: سبِّح ربَّك ذاكرًا اسمه، وهذه الفائدة تساوي رحلة، لكن لمن يعرف قدرها. فالحمد لله المنان بفضله، ونسأله تمام نعمته. حجة ثالثة لهم (١)، قالوا: قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] وإنّما عبدوا مُسمَّياتها. والجواب: أنَّه كما قلتم: إنّما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة، كاللات والعزى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة، لا مسمَّى لها: في الحقيقة. فإنهم سموها: آلهة، وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها، وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء؛ لا حقيقة المسمى، فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها، وهذا كمن سمي قشور البصل: لحمًا، وأكلَها، فيقال: ما أكلت من اللحم إلَّا اسمه لا مسماه، وكمن سمّى التراب: خبزًا، وأكله، فيقال:

стр. 133

ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم؛ فإنه لا حقيقةَ لإلهيتها بوجهٍ، وما الحكمة (١) ثَمَّ إلا مجرد الاسم، فتأمَّل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. فإن قيل (٢): فما الفائدة (٣) في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاْسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤]، ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحْ اسْمِ رَبِّكَ الْأَعَلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]. قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد دون معنى آخر، ويراد به ذلك مع الصلاة، وهو ذكر وتنزيه مع عمل، ولهذا تسمَّي الصلاة: تسبيحًا، فإذا أُريد التسبيح المجرد (٤)؛ فلا معنى للباء؛ لأنَّه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: سبحت بالله، وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة، أدخلت الباء تنبيهًا على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحًا باسم ربك، أو ناطقًا باسم ربك، كما تقول: صل مفتتحًا أو ناطقًا باسمه، ولهذا السر -والله أعلم- دخلت اللام في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلِّهِ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١] والمراد التسبيح الَّذي هو السجود، والخضوع، والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح الله ما في السموات والأرض (٥)، كما قال: ﴿وَلِلِّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السِّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فكيف

стр. 134

قال: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ لما ذكر السجود باسمه الخاص، فصار التسبيح ذكرهم له، وتنزيههم إيّاه. شبهة رابعة (١)، قالوا: قد قال الشاعر: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلام عَلَيْكُما ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ (٢) وكذلك قول الأعشى (٣): * دَاعٍ يُنَادِيْه بِاسْمِ الماءِ مَبْغُوْمِ * هذه حجة عليهم لا لهم، وأما قوله: "ثم اسم السلام عليكما"، فالسلام: هو الله تعالى، والسلام أيضًا: التحية، فإن أراد الأول؛ فلا إشكال، فكأنه قال: ثم اسم الله (٤) عليكما، أي: بركة اسمه، وإن أراد التحية؛ فيكون المراد بالسلام المعنى المدلول، وباسمه لفظه الدال عليه، والمعنى: ثمّ اسم هذا المسمى عليكما، فيراد بالأول: اللفظ، وبالثاني: المعني، كما تقول: "زيد بطة"، ونحوه مما يراد بأحدهما اللفظ وبالآخر المدلول فيه (٥)، وفيه نُكتة حسنة، كأنه أراد: ثم هذا اللفظ باقٍ عليكما، جارٍ لا ينقطع منِّي، بل أنا مراعيه دائمًا.

стр. 135

وقد أجاب السُّهيلى (١) عن البيت بجواب آخر، وهذا حكاية لفظه، فقال: "لبيدٌ لم يُرِدْ إيقاع التسليم عليهم لحينه، وإنّما أراد بعد الحول، ولو قال: "السلام عليكم"؛ كان مسلِّمًا لوقته الَّذي نطق فيه بالبيت، فلذلك ذكر الاسم الَّذي هو عبارة عن اللفظ، أي: إنّما اللفظ بالتسليم بعد الحول، وذلك أن السلام دعاء، فلا يتقيَّد بالزمان المستقبل، وإنّما هو لحينه، ألا ترى أنَّه لا يقال: "بعد الجمعة اللهم ارحم زيدًا"، ولا: "بعد الموت اللهم اغفر لي"، إنّما يقال: "اللهم اغفر لي بعد الموت"، فيكون "بعد" ظرفًا للمغفرة، والدعاء واقع لحينه، فإن أردت أن تجعل الوقت ظرفًا للدعاء صرَّحت بلفظ الفعل، فقلت: "بعد الجمعة أدعو بكذا، أو أسلم، أو أَلْفِظ بكذا"؛ لأنَّ الظروف إنّما تُقيد (٢) بها الأحداث الواقعة فيها خبرًا، أو أمرًا، أو نهيًا. وأما غيرها من المعانى، كالطلاق، واليمين، والدعاء، والتمني، والاستفهام، وغيرها من المعاني، فإنّما هي واقعة لحين النطق بها، ولذلك (٣) يقع الطلاق ممن قال: "بعد يوم الجمعة. أنت طالق"، وهو مُطلق لحينه، ولو قال: "بعد الحول. والله لأخرجنَّ"، انعقدت اليمين في الحال، ولا ينفعه أن يقول: أردت أن لا أوقع اليمين، إلّا بعد الحول؛ فإنه لو أراد ذلك، لقال: "بعد الحول

стр. 136

أحلف"، أو "بعد الجمعة أطلقك". فأما الأمر، والنهى، والخبر، فإنّما تقيَّدت بالظروف؛ لأنَّ الظروف في الحقيقة إنّما يقع فيها الفعل المأمور به، والمخْبَر به، دون الأمر والخبر، فإنهما واقعان لحين النطق بهما. فإذا قلت: "أضرب زيدًا يوم الجمعة"، فالضرب هو المقيد بيوم الجمعة، وأما الأمر، فأنت في الحال آمرُ به، وكذلك إذا قلت: "سافر زيد يوم الجمعة"، فالمتقيِّد باليوم المخبر به لا الخبر، كما أن في قوله: "اضربه يوم الجمعة"، المقيد بالظرف المأمور به، لا أمرك أنت، فلا تعلق للظروف إلا بالأحداث، فقد رجع البابُ كلُّه بابًا واحدًا، فلو أن لبيدًا قال: "إلى الحول ثم السلام عليكما"؛ لكان مسلِّمًا لحينه، ولكنه أراد أن لا يوقع اللفظ بالتسليم والوداع إلا بعد الحول، ولذلك ذكر الاسم الَّذي هو بمعنى اللفظ بالتسليم؛ ليكون ما بعد الحول ظَرْفًا له". وهذا الجواب من أحد أعاجيبه وبدائعه ﵀. وأما قوله: "باسم الماء" والماء المعروف هنا هو الحقيقة المشروبة، ولهذا عرَّفه تعريف الحقيقة الذهنية، والبيت لذي الرُّمَّة (١)، وصدره: * لا يَنْعَشُ الطَّرْفَ إِلَّا ما تَخَوَّنَهُ * ثم قال: "دَاعٍ يُنَادِيْه باسْمِ الماء ... "، فظن الغالط أنَّه أراد حكاية صوت الظبية، وأنها دعت ولدها بهذا الصوت، وهو "مِآمِآ"، وليس هذا مراده؛ وإنّما الشاعر أَلْغَزَ لما وقع الاشتراك بين لفظ "الماء" المشروب، وصوتها به، فصار صوتها كأنه هو اللفظ المعبِّر

стр. 137

عن الماء المشروب، فكأنها تُصوِّت باسم هذا الماء المشروب، وهذا لأنَّ صوتها "مِآمِآ"، وهذا في غاية الوضوح، والحمد لله (١). فائدة زعم السهيلي (٢) وشيخه أبو بكر بن العربي (٣): أنّ اسم الله غير مشتق؛ لأنّ الاشتقاق يستلزم مادةً يُشْتقَّ منها، واسمه -تعالى- قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق. ولا ريب أنَّه إن أُريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمدٌّ من أصل آخر، فهو باطل. ولكن الذين قالوا بالاشتقاق، لم يريدوا هذا المعنى، ولا أَلَمَّ بقلوبهم، وإنّما أرادوا: أنَّه دال على صفةٍ له -تعالى-، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم (٤) والقدير، والغفور والرحيم، والسميع والبصير. فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له. فما كان جوابكم عن هذه الأسماء؛ فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه: "الله". ثم الجواب عن الجميع: أنَّا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منها تولُّد الفرع من أصله. وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه: "أصلًا وفرعًا" ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنّما هو باعتبار أن أحدهما

стр. 138

يتضمن الآخر وزيادة. وقول سيبويه: "إن الفعل أمثلة أُخِذَت من لفظ أحداث الأسماء" (١)؛ هو بهذا الاعتبار، لا أنّ العرب تكلموا بالأسماء أولًا، ثم اشتقوا منها الأفعال، فإن التخاطب بالأفعال ضروري، كالتخاطب بالأسماء، لا فرق بينهما، فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي (٢)، وإنّما هو اشتقاق تلازم، سُمِّي المتضمِّن (٣) -بالكسر-: مشتقًا، والمتضمّن. -بالفتح-: مشتقًّا منه، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله -تعالى- بهذا المعني. فائدة (٤) استبعد قوم أن يكون الرحمن، نعتًا لله، من قولنا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة: ١]، وقالوا: "الرحمن، عَلَم، والأعلام لا ينعت بها، ثم قالوا: هو بدل من اسم الله. قالوا: ويدل على هذا أن "الرحمن" علم مختص بالله لا يشاركه فيه غيره، فليس هي" كالصفات التي هي: العليم والقدير، والسميع والبصير، ولهذا تجري على غيره تعالى. قالوا: ويدل عليه -أيضًا- وروده في القرآن. غير تابع لما قبله، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن ١ - ٢]، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠]، وهذا شأن الأسماء

стр. 139

المحْضَة؛ لأنَّ الصفات لا يقتصر على ذكرها دون الموصوف. قال السُّهيلي: "والبدل عندي فيه ممتنع، وكذلك عطف البيان؛ لأنَّ الاسم الأول لا يفتقر إلى تبيين، فإنه أعرف المعارف كلها، وأبينها (١)، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ولم يقولوا: وما الله؟ ولكنه -وإن جرى مجرى الأعلام- فهو وصف، يُراد به الثناء، وكذلك "الرحيم"، إلَّا أنّ "الرحمن" من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه، وإنّما دخله معنى المبالغة من حيث كان في آخره ألف ونون كالتثنية، فإن التثنية في الحقيقة تضعيف؛ وكذلك هذه الصفة، فكأن "غضبان" و"سكران" حامل (٢) لِضِعْفَين من الغضب والسُّكْر، فكان اللفظ مضارعًا للفظ التثنية؛ لأنّ التثنية ضعفان في الحقيقة، ألا ترى أنهم -أيضًا- قد شبهوا التثنية بهذا البناء، إذا كانت لشيئين متلازمين فقالوا: الحَكَمان والعَلَمان، وأعربوا "النون" كأنه اسم لشيءٍ واحد، فقد (٣) اشترك باب "فَعْلان" وباب التثنية، ومنه قول فاطمة: "يا حَسَنانُ يا حُسَينانُ" برفع النون لابْنَيها، ولمضارعة التثنية امتنع جمعُه، فلا يقال: غضابين، وامتنع تأنيثه، فلا يقال: غضبانة، وامتنع تنوينه كمالا ينون نون المثنى (٤)، فجرت عليه كثير من أحكام التثنية لمضارعته إياها لفظًا ومعنى. وفائدة الجمع بين الصفتين؛ "الرحمن والرحيم": الإنباء عن رحمةٍ عاجلةٍ وآجلةٍ، أو (٥) خاصة وعامة" تمَّ كلامه.

стр. 140

قلت: أسماء الرب -تعالى- هي أسماء ونعوت، فإنها دالة على صفات كماله، فلا تَنافيَ فيها بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه -تعالى- ووصفه، لا تُنافي اسميتُه وصفيته، فمن حيث هو صفة؛ جرى تابعًا علي اسم: الله -تعالى-، ومن حيث هو أسم: ورد في القرآن غير تابع، بل ورودَ الاسم العَلَم. ولما كان هذا الاسم مختصًا به -تعالى-، حَسُن مجيئه مفردًا غير تابع، كمجيء اسمه "الله" كذلك، وهذا لا ينافي دلالته على صفة "الرحمة" كاسمه "الله" فإنه دالٌّ على صفة الألوهية، ولم يجئ قط تابعًا لغيره، بل متبوعًا، وهذا بخلاف العليم والقدير، والسميع والبصير، ونحوها، ولهذا لا تجيء هذه مفردة، بل تابعة (١). فتأمل هذه النكتةَ البديعةَ؛ يظهرْ لك بها أنّ "الرحمن" اسمٌ وصِفَة، لا ينافي أحدهما الآخر، وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعًا. وأما الجمع بين "الرحمن الرحيم"؛ ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما، وهو: أنّ الرحمن دالُّ على الصفة القائمة به -سبحانه-، والرحيم دالة على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثانى للفعل، فالأول دال على أنّ الرحمة صفته، والثانى دال على أنَّه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فَهْمَ هذا؛ فتأمل قوله ﴿وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيْمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]. ولم يجيء قط: "رحمن بهم" فَعُلِم أن "رحمن" هو الموصوف بالرحمة، و"رحيم" هو الراحم برحمته، وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب، وإن تنفست عندها مرآةُ قلبك، لم تنجل لك صورتها.

стр. 141

فائدة (١) لحذف العامل في "بسم الله" فوائد عديدة . منها: أنَّه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله (٢)، فلو ذكرت الفعل، وهو لا يستغني عن فاعله؛ كان ذلك مناقضًا للمقصود، وكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعني، ليكون المبدوع به اسم الله، كما تقول في الصلاة: "الله أكبر"، ومعناه: من كل شيءٍ، ولكن لا تقول هذا المقَدَّر، ليكون اللفظ في اللسان (٣) مطابقًا لمقصود الجنان، وهو: أن لا يكون في القلب ذِكْر إلا الله وحده، فكما تجرَّد ذكره في قلب المصلِّي، تجرَّدَ ذكره في لسانه. ومنها: أن الفعل إذا حُذف صح الابتداء بالتسمية (٤) في كل عمل وقول وحركة، وليس فِعْل أولى بها من فِعْل؛ فكان الحذف أعم من الذِّكر، فإنّ أي فعل ذكرته؛ كان المحذوف أعم منه. ومنها: أنَّ الحذف أبلغ؛ لأنَّ المتكلم بهذه الكلمة كأنه يدّعي الاستغناء بالمشاهدة عن النطق بالفعل، فكأنه لا حاجة إلى النطق به، لأنّ المشاهدة والحال دالة على أن هذا الفعل وكُلُّ فعل فإنّما هو باسمه ﵎، والحَوَالة على شاهد الحال أبلغ من الحَوَالة على شاهد النطق، كما قيل: ومن عَجِبٍ قول العَوَاذِل مَنْ بِهِ ... وهَلْ غيرْ مَنْ أهْوي يُحبُّ ويُعْشَقُ

стр. 142

فائدة (١) استشكل طائفةٌ قول المصنفين: "بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله"، وقالوا: الفعل بعد الواو دعاء بالصلاة، والتسمية قبله خبر، والدعاء لا يحسن عطفه على الخبر، لو قلت: "مررت بزيد، وغفر الله لك"؛ لكان غثًا من الكلام، والتسمية في معنى الخبر؛ لأنَّ المعنى: أفعل كذا باسم الله. وحجة من أثبتها: الاقتداء بالسلف، والجواب عما قاله هؤلاء: أنّ الواو لم تَعْطِف دعاءً على خبر؛ وإنّما عطفت الجملة على كلامٍ مَحْكِيٍّ، كأنك تقول: قلت (٢): بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد"، أو "أقول هذا وهذا"، أو "أكتب هذا وهذا". فائدة (٣) قولهم: "الصلاة من الله بمعنى الرحمة"، باطل من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله تعالى غايَرَ بينهما في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. الثاني: أن سؤال الرحمة يُشْرع لكلِّ مسلم، والصلاة تختص النبيَّ ﷺ وآله (٤)، وهي حق له ولآله، ولهذا منع كثير من العلماء من الصلاة على مُعَيَّنٍ غيره، ولم يمنع أحد من الترحُّم على مُعيِّن.

стр. 143

الثالث: أنّ رحمة الله عامة وسِعَت كلَّ شيء، وصلاته خاصة بخواص عباده. وقولهم: "الصلاةُ من العباد بمعنى الدعاء"، مُشْكِل من وجوه: أحدها: أنّ الدعاء يكون بالخير والشر، والصلاة لا تكون إلَّا في الخير. الثاني: أنّ "دعوت" تعدّى باللام، و"صلّيت" لا تعدّي إِلَّا بعلي، و"دعاء" المعدّى بعلى ليس بمعنى صلّى، وهذا يدل على أنّ الصلاة ليست بمعني الدعاء. الثالث: أنّ فِعْل (١) الدعاء يقتضى مدعوا ومدعوًّا له، تقول: دعوت الله لك بخير، وفِعْل الصلاة لا يقتضي ذلك، لا تقول: صليت الله عليك، ولا لك، فدل على أنَّه ليس بمعناه، فأيُّ تباين أظهر من هذا، ولكن التقليد يُعْمي عن إدراك الحقائق، فإياك والإخلاد إلى أرضه. ورأيت لأبي القاسم السهيلي كلامًا حسنًا في اشتقاق الصلاة، وهذا لفظه، قال: "معنى (٢) اللفظة حيث تصرَّفت ترجع إلى الحُنُو والعَطْف، إلا أنّ (٣) الحنو والعطف يكون محسوسًا ومعقولًا، فيُضاف إلى الله منه ما يليق بجلاله، ويُنفى عنه ما يتقدَّس عنه، كما أن العلو محسوس ومعقول، فالمحسوس منه صفات الأجسام، والمعقول منه صفة ذي الجلال والإكرام وهذا المعنى كثير موجود في الصفات،

стр. 144

و"الكبير" (١) يكون صفة للمحسوسات، وصفة للمعقولات، وهو من أسماء الرب -تعالى-، وقد تقدس عن مشابهة الأجسام، ومضاهاة الأنام، فالمضاف (٢) إليه من هذه المعاني معقولة غير محسوسة. وإذا ثبت هذا فالصلاة -كما قلناه-، حنوّ وعطف، من قولك: "صليت" أي: حنيت [صَلَاك] (٣): وعطفته، فأخلِق بأن تكون الرحمة صلاة، كما (٤) تُسمَّى عطفًا وحنوًّا، تقول: "اللهم اعطف علينا"، أي: ارحمنا، قال الشاعر (٥): وَمَا زِلْتُ في لِيْني لَهُ وَتَعَطُّفي ... عَلَيه كما تَحْنُو على الوَلَدِ الأُمُّ ورحمة العباد: رقة في القلب، إذا وجدها الراحم من نفسه انعطفَ على المرحوم وانثنى عليه، ورحمة الله للعباد جود وفضل، فإذا صلى عليه فقد أفْضَل عليه وأنعَم. وهذه الأفعال إذا كانت من الله، أو من العبد؛ فهي متعدية بعلى، مخصوصة بالخير، لا تخرج عنه إلى غيره، فقد رجعت كلها إلى معنى واحد، إلّا أنها في معنى الدعاء والرحمة صلاة معقولة، أي: انحناء معقول غير محسوس، ثمرته من العبد الدعاء؛ لأنَّه لا يقدر على أكثر منه، وثمرته من الله الإحسان والإنعام، فلم تختلف الصلاة

стр. 145

في معناها، إنّما اختلفت ثمرتها الصادرة عنها. والصلاة التي هي الركوع والسجود انحناءٌ محسوس، فلم يختلف المعنى فيها إلّا من جهة المعقول والمحسوس، وليس ذلك باختلاف في الحقيقة، ولذلك تعدَّت كلُّها بعلى، واتفقت في اللفظ المشتق من الصلاة، ولم يَجُز "صلَّيتُ على العدوّ"، أي: دعوت عليه؛ فقد صار معنى الصلاة أرق (١) وأبلغ من معنى الرحمة، وإن كان راجعًا إليه، إذ ليس كل راحم ينحني على المرحوم، ولا ينعطف عليه من شدة الرحمة (٢). فائدة (٣) رأيت للسهيلي فصلًا حسنًا في اشتقاق الفعل من المصدر هذا لفظه، قال: " فائدة اشتقاقِ الفعل من المصدر ؛ أنّ المصدر أسم كسائر الأسماء، يخبر عنه كما يخبر عتها، كقولك: "أعجبني خروج زيد"، فإذا ذكر المصدر وأخبر عنه كان الاسم الذي هو فاعل (٤) له مجرورًا بالإضافة، والمضاف إليه تابع للمضاف. فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للمصدر، لم يكن الإخبار عنه وهو مخفوض تابع في اللفظ لغيره، وحق المخْبَر عنه أن يكون مرفوعًا مبدوءًا به، فلم يبق إلا أن يدخلوا عليه حرفًا يدل على أنَّه مُخبر عنه، كما تدل الحروف على معانٍ في الأسماء، وهذا لو فعلوه
следующие страницы →