← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وذكر أبو عمر (١) عن ابن عُيَيْنَةَ وسُحنون: "أجسرُ النَّاسِ على الفُتْيا أَقَلُّهم علمًا". وكان مالك يقول: من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيبَ فيها أن يعوضَ نفسه على الجنَّة أو النَّار، وكيف يكونُ خلاصُه في الآخرة. وسُئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألةٌ خفيفةٌ سهلةٌ، فغضب وقال: ليس في العلم شيءٌ خفيفٌ، ألم تسمعْ قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥] فالعلمُ كلُّه ثقيلٌ وخاصَّة ما يسأل عنه يومَ القيامة. وقال: كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعُبُ عليهم المسائلُ ولا يُجيبُ أحدُهم في مسألة حتى يأخذَ رأيَ أصحابه (٢)، مع ما رُزقوا من السَّداد والتوفيق مع الطهَّارة، فكيف بنا الذين غطَّتِ الخطايا والذنوبُ قلوبَنا؟!. وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجلٌ إلى مالك يسألُه عن شيء أيامًا ما يُجيبهُ، فقال: يا أبا عبد الله إني أريدُ الخروجَ، وقد طال التَّرَدُّدُ إليك، فأَطْرَق طويلًا، ثم رفع رأسه، وقال: ما شاء الله يا هذا، إني إنما أتكلمُ فيما أحتسبُ فيه الخيرَ، ولستُ أُحْسِنُ مسألتَك هذه (٣). وسُئِلَ الشافعيُّ عن مسألة فسكت، فقيل له: ألا تجيبُ يرحمُك اللهُ؟ فقال: حتى أدريَ الفضل في سكوتي أو في الجواب.

стр. 1367

وكان سعيد بن المُسَيِّب لا يكادُ يُفْتي فُتْيا، ولا يقولُ شيئًا، إلا قال: اللَّهُمَّ سَلِّمْني وسلِّم مني (١). وقال سُحْنون: أشقى النَّاس من باعْ آخِرَتَهُ بدُنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره، قال: ففَكَّرتُ فيه فوجدته المُفتي، يأتيه الرجل قد حَنث في امرأته ورقيقه، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانثُ فيستمتعُ بامرأته ورقيقِه وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا (٢). وجاء رجلٌ إلى سُحْنون فسألَه عن مسألة، فأقام يتردَّد إليه ثلاثةَ أيام فقال: مسألتي أصلحك اللهُ اليوم ثلاثةَ أيام؟ فقال له: وما أصنع؟ مسألة (٣) معضِلةٌ، وفيها أقاويلُ، وأنا متحيِّرٌ في ذلك، فقال: وأنْت أصلحك اللهُ لكلِّ مُعضِلة! فقال سحنونٌ: هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك هذا أبذُلُ لحمي ودمي للنَّار، ما أكثرَ ما لا أعرفُ. إن صبرْتَ رجوتُ أن تنقلبَ بمسألتك، وإن أردتَ أن تمضيَ إلى غيري فامْضِ تُجَابُ في مسألتِكَ في ساعةٍ، فقال: إنما جئْتُ إليكَ فلا أستفتي غيرَك، قال: فاصبِرْ، ثم أجابه بعدَ ذلك. وقيل له: إنك تسألُ عن المسألة، لو سئل عنها أحدٌ من أصحابك لأجاب فيها فتتوقَّفُ فيها، فقال: إن فتنة الجواب بالصَّواب أشدُّ من فتنة المال. وقال بعضُ العلماء: قَلَّ من حَرَصَ على الفتوى، وسابق إليها وثابر عليها، إلا قلَّ توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارهًا

стр. 1368

لذلك غَيْرَ مختار له ما وجد مندوحةً عنه، وقدر أن يُحِيلَ بالأمر فيه على غيره، كانت المعونَةُ له من الله أكثرَ، والصلاحُ في جوابه وفتاويه أغلبَ. وقال بِشرٌ الحافي: من أحبَّ أن يُسألَ فليس بأهل أن يسْأَلَ. وذكر أبو عمر (١)، عن مالك قال: أخبرني رجلٌ أنه دخل على ربيعةَ فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيكَ أمصيبةٌ دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا، ولكن اسْتُفْتِيَ من لا علمَ له، وظهر في الإسلام أمرٌ عظيمٌ. قال ربيعة: ولَبَعْضُ من يُفتي هاهنا أحقُّ بالسَّجن (٢) من السُّرَّاق. * * *

стр. 1369

و من مسائل إسحاق بن منصور الكوسج لأحمد (١) قلت: يتوضَّأ الرجل في المسجد؟ قال: قد فعل ذلك قومٌ، قال إسحاق: هو حسنٌ ما لم يَسْتَنْجِ فيه (٢). قلت: إذا عطس الرجل يوم الجمعة؟ قال: لا تُشَمِّتْه (٣). قلت: يُقَاتَلُ اللِّصُّ؟ قال: إذا كان مقبلًا فقاتِلْه، وإذا وَلَّى لا تُقَاتِلْ. قال إسحاق كما قال، ويناشدُه في الإقبال ثلاثًا، فإن أبى وإلا قاتله. قلت: الضالَّة المكتومة؟ قال: الذي يكتُمُها إذا أَزَلْتَ عنه القطعَ فغرامة مثلها عليه، قال إسحاق كما قال: سُنَّة مسنونة. قلت: سئل سفيان عن صبيٍّ افتضَّ صَبِيَّةً، قال: لها مَهْرُ مِثلها في مالِهِ، قال أحمد: يكون على عاقلته إذا بَلَغَ الثُّلُثُ، قال إسحاق كما قال سفيان: في ماله. قلت: قال سفيان: استفتى يوسفُ بن عُمَرَ (٤) ابنَ أبى ليلى في هذه، فقال: لها مهرُ مثلِها في ماله، قال أحمد: لا بل على عاقلته إذا بلغ الثلث، قال إسحاق، كما قال ابن أبي ليلى. قلت: كأنه أراد -واللهُ أعلمُ- أرْشَ البكارة، فسماه مهرًا، أو يقال: إن استيفاء هذه المنفعة منه تجري مجرى جنايته عليها، فإذا

стр. 1370

أوجبت مالًا كان على من يحملُ جنايَتهُ، ولا ريبَ أن الوطءَ يجري مجرى الجنَاية، إذ لا بُدَّ فيه من عفو أو عقوبة، وجنايةُ الصَّبِيِّ علىَ النفوس والأعضاء والمنافع على عاقلته، وهذه جنايةٌ على منفعة الصِّبِيَّة فتكونُ على عاقلته، وهذا أصوبُ الاحتمالين، ولم أر أصحابنا تعرَّضوا لهذا (١) النَّصِّ ولا وجهه. قلت: أيقطعُ في الطير؟ قال: لا يقطع في الطير، قال إسحاق كما قال. قلت: لعله أراد به الطيرَ إذا تفلَّتَ من قفصه فصاده، وهو خلافُ ظاهرِ كلامِهِ، إذ يقالُ: الطيرُ لا تستقرُّ عليه اليدُ ولا يثبتُ في الحِرْز، ولا سيَّما إذا اعتادَ الخروجَ والمجيء كالحمام، وأجودُ من هذين المأخذين أن يقالَ: إذا أخذه فهو بمنزلة من فتح القفصَ عنه حتى ذهب ثم صاده من الهواء، فإن مِلْك صاحبه عليه في الحالين واحد، وهو لو تَفَلَّت من قفصِه ثم جاء إلى دار إنسانٍ فأخذه لم يقطعْ، ولو صاده من الهواء لم يقطعْ، فكذلك إذا فتح قَفَصَه وأخذه منه، والقاضي تأوَّل هذا النَّصَّ على الطير غير المملوك، ولا يخفى فسادُ هذا التأويل، والذي عندي فيه: أن أحمدَ ذهب إلى قول أبي يوسف في ذلك، والله أعلم. قلت: رجلٌ زَوَّجَ جارِيَتَهُ ثم وقع عليها؟ قال أحمد: أما الرجم فأدرأُ عنه ولكن أَضْرِبُه الحَدَّ، محصنًا كان أو غير مُحْصَنٍ. قال إسحاق كما قال: يُجْلَدُ مئةً نكالًا كما قال عمر. قلت: لعله سمى التعزير حدًّا، وبلغ به مئة، أو لما سقط عنه

стр. 1371

الرجم حدَّه حدَّ الزاني غير المحصن. قلت: سُئِل سفيانُ عن رجل قال لرجل: ما كان فلان لِيَلِد مثلك، قال: ما أرى في هذا شيئًا. فقال أحمد: هو تعريضٌ شديدٌ فيه الحَدُّ. قلت: سُئِل سفيانُ عن رجل قال لرجل: أنت (١) أكثر زنًا من فلان، وقد ضُرِبَ فلانٌ في الزنا، قال: ما أرى الحَدَّ بَيِّنًا أرى أن يُعَزَّرَ، قال أحمد: هذا تعريضٌ يضرَبُ الحَدَّ. قال إسحاق كما قال. فقد نصَّ على وجوب الحَدِّ بالتعريض، وهو الصَّواب بلا ريب، فإنه أنكى وأوجع من التصريح، وهو ثابت عن عمر (٢). قلت: قال سفيان: رمى الجمرتين ولم يقمْ عندهما فليذبحْ شاة، أو ليتصدَّقْ بصاع، قال أحمد: لا أعلمُ عليه شيئًا، ويتقرَّبُ إلى الله تعالى بما شاء وقد أساء. قال إسحاق كما قال أحمد. قلت: الحائكُ يُدْفعُ إليه الثوب على الثُّلُث والرُّبُع؟ قال: كلُّ شيء من هذا، الغَزْل والدار والدَّابّة، وكلُّ شيءٍ يُدْفَعُ إلى الرَّجُل يعملُ فيه على الثُّلُث والرُّبُع، فعلى قصة خَيْبَرَ (٣)، قال إسحاق كما قال (٤). قلت: من بنى في حق (٥) قوم بإذنهم، أو بغير إذنهم؟ قال: إذا

стр. 1372

كان بإذنهم فله عليهم نفقتُه، وإذا كان بغير إذنهم، قُلِعَ بناؤه، وأحبُّ إليَّ إذا كان البناءُ يُنتفعُ به هنا أحب إليّ أنْ يعطيه النفقة ولا يقلعُ بناءَه، قال إسحاق: كما قال سواء (١). قلت: رجل ضَلَّ بعيرٌ له أعْجَفُ (٢) فوجده في يد رجل قد أنفقَ عليه حتى سَمِنَ؟ قال: هو بعيرُه يأخذه، مَنْ أمرَ هذا أن يأخذَه؟ قال النبيُّ ﷺ : "دَعْها فإنَّ مَعَها حِذَاءَها وسِقَاءَها" (٣). قال إسحاق: إذا كان أخذه في دار مَضْيَعَةٍ فأنفق عليه ليردَّه إلى الأوَّل ويأخُذَ النفقةَ كان له ذلك (٤). قلت: ولا يناقضُ هذا قاعدَتَه فيمن أدَّى عن غيره واجبًا بغير إذنه أنه يرجعُ عليه؛ لأن هذا متعدٍّ بأخذِ البعير، حيث نهاه الشارعُ عن أخذه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1373

فصول (١) في أصول الفقه والجدل وآدابه والإرشاد إلى النافع منه كما جاء (٢) في القرآن والسنة فصل النكرةُ في سياق النَّفي تعمُّ، مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الاستفهام من قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وفي الشرط من قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وفي النهي من قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ [هود: ٨]، وفي سياق الإثبات بعموم العلَّة والمُقتضي، كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، وإذا أضيف إليها (كلٌّ) نحو: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، ومن عمومها بعموم المقتضي: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس: ٧]. فصل ويستفادُ عمومُ المفرَدِ المُحَلَّى باللام من قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢]، وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكَافِرُ﴾ (٣) [الرعد: ٤٢]، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾ [النبأ: ٤٠]، وعمومُ المفرد المضاف من قوله:

стр. 1374

﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]، وقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، والمراد: جميعُ الكتبِ التي أحصيتْ فيها أعمالُهم. وعموم الجمع المحلى باللام من قوله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ [المرسلات: ١١]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. . إلى آخرها. والمضاف من قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وعموم أدوات الشرط الأسماء (١) من قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢﴾ [طه: ١١٢]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]. هذا إذا كان الجواب طلبًا مثل هاتين الآيتين فإن كان خبرًا ماضيًا لم يلزم العموم، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]. وإن كان مستقبلًا فأكثر موارد للعموم كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٥]، وقد لا تعُمُّ كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤].

стр. 1375

فصل ويستفادُ كونُ الأمر المطلَق للوجوب: مِنْ ذَمِّه لمن خالَفه، وتسميته إيَّاه عاصِيًا، وترتيبه عليه العقابَ العاجلَ أو (١) الآجلَ. ويستفادُ كونُ النهي للتحريم: من ذَمِّه لمن ارتكبه، وتسميتِه عاصيًا، وترتيبِه العقابَ على فعله. ويستفاد الوجوبُ: بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب والفَرْض والكَتْب، ولفظة "على"، ولفظة "حق" على العباد وعلى المؤمنين، وترتيب الدم والعقاب على الترك، وإحباط العمل بالترك، وغير ذلك. ويستفادُ التحريمُ: من النَّهي، والتَّصريح بالتحريم والحظر، والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة بالفعل. وقول: "لا ينبغي" فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلًا أو شرعًا، ولفظة: "ما كان لهم كذا" (٢)، "ولم يكنْ لهم"، وترتيب الحدِّ على الفعل، ولفظة: "لا يحل ولا يصلح"، ووَصْف الفعل بأنه فساد، وأنه من تزيين الشيطان وعمله، وأنّ الله لا يحبُّه، وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يُزَكِّي فاعِلَه، ولا يكلِّمه، ولا ينظرُ إليه، ونحو ذلك. وتستفادُ الإباحةُ من الإذن والتخيير، والأمر بعد الحظر، ونفي الجُنَاح والحَرَج والإثم والمؤاخذة، والإخبار بأنه معفوٌّ عنه، وبالإقرار على فعله في زمن الوحى، وبالإنكار على من حَرَّمَ الشيءَ، والإخبار بأنه خلق لنا كذا، وجعله لنا، وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل مَنْ

стр. 1376

قَبْلَنا لَهُ غَيْرَ ذامٍّ لهم عليه، فإن اقْتَرنَ بإخباره مدحٌ (١) دلَّ على رجحانه استحبابًا أو وجوبًا. فصل (٢) وكل فعل عظَّمه الله ورسوله، أو مدحه، أو مدح فاعلَه لأجله، أو فَرِحَ به، أو أحبَّه أو أحبَّ فاعِلَه، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالطِّيْب أو البَرَكة أو الحُسْن (٣)، أو نصبه سببًا لمحبته، أو لثواب عاجل أو آجل، أو نَصَبَهُ سببًا لذكره لعبده، أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنُصْرة فاعله، أو بشارة فاعله أو وَصَف فاعلَه بالطيب، أو وَصَف الفعل بكونه معروفًا، أو نفى الحزنَ والخوفَ عن فاعله، أو وعده بالأمن، أو نصبه سببًا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرُّسُل بحصوله، أو وصفه بكونه قُرْبةً، أو أقسم به أو بفاعله، كالقَسَم بخيل المجاهدين وإغارتها، أو ضحك الرَّبِّ ﷻ من فاعله أو عَجَبه به، فهو دليلٌ على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب. فصل (٤) وكلُّ فعل طلبَ الشرعُ تركَه أو ذمَّ فاعله، أو عتب عليه أو لعنه، أو مقته أو مَقَتَ فاعلَه (٥)، أو نفى محَبَّتَهُ إيَّاه أو محبَّة فاعله، أو نفى

стр. 1377

الرضى به أو الرضاء عن فاعله، أو شبَّه فاعله بالبهائم أو بالشياطين، أو جعله مانعًا من الهدى أو من القبول (١)، أو وصفه بسوء أو كراهة، أو استعاذ الأنبياءُ منه أو أبغضوه، أو جُعِلَ سببًا لنفي الفلاح، أو لعذابٍ عاجل أو آجل، أو لذمٍّ أو لوم، أو لضلالة أو معصية، أو وُصِفَ بخبث أو رجس أو نَجَس، أو بكونه فِسقًا، أو إثمًا أو سببًا لإثم أو رجس أو لعن أو غضب، أو زوال نعمة أو حلول نقمة، أو حدّ من الحدود، أو قسوة أو خِزْىِ أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله أو محاربته، أو للاستهزاء به وسُخْريته، أو جعله الربَّ سببًا لنسيانه لفاعله، أو وصف نفسه بالصبر عليه، أو بالحِلْم والصفح عنه، أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث أو احتقار، أو نَسَبه إلى عمل الشيطان وتزيينه، أو تولِّي الشيطان لفاعله، أو وُصِف بصحفة ذم؛ مثل كونه ظلمًا أو بغيًا أو عدوانًا أو إثمًا، أو تبرأ الأنبياءُ منه أو من فاعله، أو شَكَوا إلى الله من فاعله، أو جاهروا فاعِلَه بالعداوة، أو نُصِبَ سببًا لخيبة فاعله عاجلًا أو آجلًا، أو رُتِّبَ (٢) عليه حرمان الجنَّة، أو وُصِف فاعلُه بأنه عدُوٌّ لله أو أن الله عدُوُّه، أو أعلم فاعِلَهُ بحرب من الله ورسوله، أو حمَّل فاعلَهُ إثمَ غيره، أو قيل فيه: "لا ينبغي هذا ولا يصلحُ"، أو أمرَ بالتقوى عند السؤال عنه، أو أَمر بفعل يضادُّه، أو هَجْر فاعله، أو تلاعَنَ فاعلوه في الآخرة وتبرَّأ بعضُهم من بعض، أو وَصَف فاعله بالضَّلالة، أو أنه ليس من الله في شيءٍ، أو أنه ليس من الرَّسول وأصحابه، أو قُرِنَ بمحرم ظاهر التحريم في الحكم والخبرُ عنهما بخبر واحد، أو جَعَل اجتنابه سببًا

стр. 1378

للفلاح، أو فِعْله (١) سببًا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل لفاعله: "هل أنت منتهٍ"؟ أو نهى الأنبياءَ عن الدُّعاء لفاعله، أو رتَّبَ عليه إبعادًا وطردًا. ولفظة: "قُتِل من فَعَله"، أو: "قاتل اللهُ من فَعَله"، أو أخبر أن فاعله لا يكلِّمُه اللهُ يومَ القيامة ولا ينظرُ إليه ولا يُزَكِّيه، وأن الله لا يُصْلِحُ عملَهُ، ولا يهدي كيدَهُ، وأن فاعلَه لا يُفلحُ ولا يكونُ يوم القيامة من الشهداء ولا من الشُّفَعاء، أو أن اللهَ يغار من فعله (٢)، أو نبه على وجه المَفْسَدَة فيه، أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفًا ولا عَدْلًا، أو أخبر أن من فعله قُيِّضَ له شيطان (٣) فهو له قرينٌ، أو جَعَل الفعلَ سببًا لإزاغة الله قلبَ فاعله أو صرفه عن آياته وفهمِ كلامه، أو سؤال اللهِ سبحانه عن علَّة الفعل لمَ فَعَل؟ نحو: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾ [آل عمران: ٩٩]، ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، ما لم يقترنْ به جوابٌ من المسؤول، فإن اقترن به جوابٌ كان بحسب جوابه. فهذا ونحوُه يَدُلُّ على المنع من الفعل، ودلالتُه على التحريم أطرَدُ من دلالته على مجرد الكراهة. وأما لفظة: "يكرهُهُ اللهُ ورسولُه"، أو "مكروه"، فأكثر ما تُسْتَعملُ في المحرم، وقدْ يستعملُ في كراهة التنزيه. وأما لفظة: "أما أنا فلا

стр. 1379

افعلُ"، فالمتحقِّق منه الكراهة، كقوله: "أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَكِئًا" (١)، وأما لفظة: "ما يكون لك وما يكون لنا"، فاطَّرَدَ استعمالُها في المحرم نحو: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣]، ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. فصل وتستفادُ الإباحةُ: من لفظ الإحلال، ورفع الجُنَاح، والإذن، والعفو، وإن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعلْ، ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع، وما يتعلَّقُ بها من الأفعال، نحو: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾ [النحل: ٨٠] ونحو: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ومن السكوت عن التحريم، ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحى، وهو نوعان: إقرار الكتاب ﵎ وإقرار رسوله إذا علم الفعل. فمن إقرار الرَّبِّ تعالى قول جابر: "كنا نَعْزِلُ والقرآنُ يَنْزِل" (٢)، ومن إقرار رسوله قول حسَّان لعمر: "كنتُ أُنشد وفيه من هو خير منك" (٣). فائدة قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١] جمعت أصولَ أحكام (٤)

стр. 1380

الشريعة كلَّها، فجمعتِ الأمرَ والنهيَ والإباحةَ والخبر. فائدة تقديمُ العتاب على الفعل من الله تعالى لا يدُلُّ على تحريمه، وقد عاتب اللهُ تعالى نَبِيَّهُ في خمسة مواضعَ من كتابه في: (الأنفال وبراءة والأحزاب وسوَرة التحريم وسورة عبس) خلافًا لأبي محمد ابن عبد السلام حيث جعل العتبَ من أدلة النهي (١). فائدة لا يصحُّ الامتنانُ بممنوع منه خلافًا لمن زعم أنه يَصِحُّ، ويُصْرف الامتنانُ إلى خلقِه للصبر عنه (٢). فائدة (٣) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧] جمعت بين التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والحضِّ على فعل الخير، والزَّجر عن فعل الشَّرِّ، إذ قوله: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ يتضمَّنُ حَثَّهْمْ على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر. فائدة (٤) التعجُّبُ كما يدُلُّ على محبَّة الله للفعل نحو: "عَجِبَ ربُّكَ من

стр. 1381

شَابٍّ ليستْ له صَبْوةٌ" (١)، و: "يعجَبُ ربُّكَ من رجلٍ ثارَ من فِرَاشِهِ ووِطائِهِ إلى الصَّلاة" (٢) ونحو ذلك، فقد يدُلُّ على بُغْض الفعل كقوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠١]. وقد يدلُّ على امتناع الحكم وعدم حُسْنه، نحو: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧]، وقد يدلُّ على حسن المنع قدرًا، وأنه لا يليق به فِعْلُهُ، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]. فائدة (٣) نفي التَّسَاوي في كتاب الله قد يأتي بين الفعلين، كقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] وقد يأتي بين الفاعلين، نحو: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، وقد يأتي بينَ الجزاءينِ كقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]. وقد جمع اللهُ بين الثلاثةِ في آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾

стр. 1382

وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢] فالأعمى والبصيرُ: الجاهلُ والعالم، والظلمات والنُّور: الكفر والإيمان، الظل والحرور: الجنة والنار، الأحياء والأموات: المؤمنونَ والكفَّار (١). فائدة (٢) ضَرْبُ الأمثالِ في القرآن يُستفادُ منه أمورُ التَّذكير والوعظ، والحَثِّ والزَّجر، والاعتبار والتَّقرير، وتقريب المُراد للعقل، وتصويره في: صورة المحسوس، بحيث يكون نسبتُه للعقل كنسبته المحسوس إلى الحس. وقد تأتي أمثالُ القرآن مشتملةً على بيان تفاوُت الأجر، وعلى المدح والذَّمِّ، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر. فائدة (٣) السياق يرشدُ إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالَّة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته. فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، كيف تجدُ سياقَه يدُلُّ على أنه الذليلُ الحقيرُ.

стр. 1383

فائدة (١) إخبار الرب تعالى (٢) عن المحسوس الواقع له عدة فوائد: منها: أن يكونَ توطئةً وتَقْدِمةً لإبطال ما بعدَه. منها: أن يكونَ موعظةً وتذكيرًا. ومنها: أن يكونَ شاهدًا على ما أخبر به من توحيده وصدق رسوله وإحياء الموتى (٣). ومنها: أن يُذكَرَ في معرِض الامتنان. ومنها: أن يذكرَ في معرِض اللَّوم (٤) والتوبيخِ. ومنها: أن يذكرَ في معرِض المدح والذَّمِّ. ومنها: أن يذكرَ في معرِض الإخبار عن إطلاع الرَّبِّ عليه، وغير ذلك من الفوائد. فائدة قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ [يونس: ٨٧] هو من أحسنِ النَّظْم وأبدعِه، فإنه ثنَّى أولًا؛ إذ كان موسى وهرون هما الرسولان المطاعان، ويجبُ على بني إسرائيل طاعةُ كلٍّ منهما سواء،

стр. 1384

وإذا تَبَوَّءا البيوتَ لقومهما فهم تَبَعٌ لهما، ثم جَمَع الضميرَ فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ لأن إقامتها فرضٌ على الجميع، ثم وحَّده في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾؛ لأن موسى هو الأصل في الرسالة وأخوه رِدْءًا ووزيرًا، فكما كان الأصل في الرسالة فهو الأصلُ في البشارة، وأيضًا فإن موسى وأخاه لما أُرسلا برسالة واحدة كانا رسولًا واحدًا كقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] فهذا الرسول هو الذي قيل له: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾. فائدة الفقهاءُ يقولون: عَدَم المانع شرطٌ في ثبوتِ الحكمِ؛ لأن الحكمَ يَتَوَقَّفُ عليه، ولا يلزمُ من تحَقُق عدم المانع ثبوتُ الحكم، وهذا حقيقةُ الشرط، واعْتَرَضَ على هذا الشِّهابُ القَرَافِيُّ (١)، وزعم أنه غيرُ صحيح بأن قال: "المشكوكُ فيه ملغىً في الشريعة، فإذا شككنا في الشرط أو في السبب لم يترتَّبِ الحكمُ، وإذا شككنا في المانع رتبنا الحكمَ، كما إذا شككنا في رِدَّة زيد قبل وفاته، أو في طلاقه لامرأته لم يمنع ذلك تَرَتُّبَ الميراث". ثم قال: "فلو كان عدمُ المانع شرطًا لاجتمعَ النقيضانِ فيما إذا شَككْنا في طَرَيان المانع؛ لأن الشَّكَّ في أحد النقيضين يُوجِبُ الشَّكَّ فيِ النقيضِ الآخر، فإذا شَكَكْنا في وجودِ المائع شككنا في عدمه ضَرُورَة، فلو كان عدمُه شرطًا لكنَّا قد شككنا في الشرط، والشَّكُّ في الشرط يمنعُ تَرَتُّبَ الحُكم، والشَّكُّ في المانعِ لا يمنع تَرَتُّبَ الحُكم، فيجتمعُ النقيضان".

стр. 1385

قلت: وهذا الاعتراضُ في غايةِ الفساد، فإن الشَّكَّ في عدم المانع إنما لم (١) يؤثِّرْ إذا كان عدمُه مستصْحَبًا بالأصل، فيكونُ الشَّكُّ في وجودِه ملغىً بالأصلِ فلا يؤثِّرُ الشَّكُّ، ولا فرقَ بيَنه وبينَ الشَّرط في ذلك، فلو شكَكْنا في إسلام الكافِرِ وعِتْقِ العبد عندَ الموت، لم نُوَرِّثْ قريبَهُ المسلمَ منه، إذا الأَصل بقاءُ الكفر والرِّقِّ، وقد شككنا في ثُبوتِ شرطِ التَّوريثِ. وهكذا إذا شككنا في الرِّدَّة أو الطلاق لم يمنع الميراث؛ لأن الأصل عَدَمُهُما، ولا يمنعُ كون عدمهما شرطًا ترتُّب الحكم مع الشَّكِّ فيه؛ لأنه مستندٌ إلى الأصل، كما لم يمنع الشك في إسلام الميِّت الذي هو شرطُ التوريث منه؛ لأن بقاءَهُ مستَنِدٌ إلى الأصل، فلا يمنعُ الشك فيه من ترتب الحُكْم، فالضابطُ: أن الشَّكَّ في بقاء الوصف على أصله، أو خروجه عنه لا يؤثِّرُ في الحكم استنادًا إلى الأصل، سواءٌ كان شرطًا أو عدم مانع، فكما لا يمنعُ الشَّكُّ في بقاء الشرط من ترتب الحكم، فكذلك لا يمنعُ الشَّكُّ استمرارَ عدم المانع من ترتُّب الحُكم، فإذا شككنا هل وُجِد مانع الحكم أم لا؟ لم يمنع من تَرَتُّب الحكم ولا من كون عدمِهِ شرطًا؛ لأن استمرارَهُ على النفيِ الأصليِّ يجعلُه بمنزلة العَدَم المحقَّقِ في الشَّرْع، وإن أمكنَ خلافُه، كما أن استمرارَ الشرط على ثُبوته الأصلي يجعلُه بمنزلة الثابت المحقق شرعًا، وإن أمكن خلافُه (٢)، فعلم أن إطلاق الفقهاء صحيحٌ، واعتراض هذا المعترض فاسدٌ. ومما يُبيِّنُ لك الأمرَ اتِّفاقُ الناس على أنَّ الشرط ينقسمُ إلى

стр. 1386

وجودي وعدمى، يعني: أن وجود كذا شرط في الحكم، وعدم كذا شرط فيه، وهذا متَّفقٌ عليه بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين وسائر الطوائف، وما كان عَدَمُهُ شرطًا فوجودُهُ مانِعٌ، كما أن ما وجوده شرطٌ فعدمه مانعٌ. فعدمُ الشرطِ مانع من موانع الحكم، وعدم المانع شرط من شروطه، وبالله التوفيق. فائدة الحاكمُ محتاج إلى ثلاثة أشياءَ لا يَصِحُّ له الحكمُ إلا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات. فالأدلَّةُ، تُعَرِّفْهُ الحكمَ الشَّرعيَّ الكُلِّيَّ. والأسبابُ، تُعَرِّفُهُ ثبوتَه في هذا المحلِّ المُعيَّن أو انتفاءَه عنه. والبَيِّنات، تعرِّفْهُ طريقَ الحكم عند التَّنازعُ، ومتى أخطأ في واحدٍ من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم، وجميعُ خطأ الحكَّام مداره على الخطأ فيها، أو في بعضها. مثالُ ذلك: إذا تنازعَ عندَه اثنان في ردِّ سلعة مشتراة بعيب، فحكمُهُ موقوفٌ على العلم بالدَّليل الشَّرعي الذي يُسَلِّطُ المشتريَ على الرَّدِّ، وهو إجماعُ الأمةِ المستندُ إلى حديث المُصرَّاة وغيره. وعلى العلم بالسَّبب المثبتِ لحكم الشَّارع (١) في هذا البيع المعَيَّن، وهو كون هذا الوصف عيبًا يسلَّط على الرَّدِّ أم ليس بعيب، وهذا لا يتوقَّفُ العلمُ به على الشَّرع بل على الحِسِّ أو العادة أو العُرْف أو الخبر، ونحو ذلك. وعلى البيِّنة التي هي طريقُ الحكم بين

стр. 1387

المتنازعين، وهى كلُّ ما يُبيِّن له صدق أحدِهما يقينًا أو ظنًّا من إقرار أو شهادةِ أربعةِ عدول، أو ثلاثة في دعوى الإعسارِ بتَلَف مالِه على أصحِّ القولين، أو شاهدين أو شهادة رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو شهادة رجل واحد وهو الذي يُسَمِّيه بعضُهم الإخبار، ويُفَرَّق بينه وبين الشهادة بمجرَّدِ اللفظ، أو شهادة امرأة واحدة كالقابِلة والمُرْضعَة، أو شهادة النساء منفرداتٍ حيث لا رَجُلَ معهنَّ؛ كالحمَّامَات والأعراس على الصَّحيح الذي لا يجوزُ القولُ بغيره. أو شهادةُ الصبيان على الجِراح إذا لم يتفرَّقوا، أو شهادة الأربع من النِّسوة، أو المرأتين، أو القرائن الظاهرة عند الجمهور كمالك وأحمد وأبي حنيفة، وكتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما وكتُب العلم، ونحو ذلك، كتنازع النَّجَّار والخيَّاط في القَدُوم والجَلَم (١)، والإبرة والذِّراعِ، وكتنازع الورَّاق والحدَّاد في الدَّواة والمسطرة والقَلَم، والمِطْرقة والكَلْبَتَيْنِ والسَّنْدَان (٢)، ونحو ذلك مما يقضي فيه أكثرُ أهلِ العلم لكل واحد من المتنازعين بآلة صَنْعَتِهِ بمجرَّد دعواه. والشافعيُّ يقسم الخُفَّ بين الرَّجل والمرأة، ويقسِمُ الكتابَ الذي يُقرَأُ فيه (٣) بينهما، وكذلك طيلسانه وعِمامته. أو الشاهد واليمين، أو اليمين المردودة، أو النُّكول المجرد، أو القَسَامة، أو الْتِعان الزوج ونكول الزوجة، أو شهادة أهل الذِّمَّة في الوصِيَّة في السفر، أو شهادة بعضهم على بعض، أو الوصف للُقَطَةٍ،

стр. 1388

أو شهادة الدار (١)، أو الحَبَل في ثُبوت زنا التي لا زوج لها، أو رائحة المسكر أو قيئه، أو وجود المسروق عند من ادُّعِيَ عليه سَرِقَتُهُ على أصحِّ القولين، أو وجوه (٢) الآجُرِّ ومعاقد القُمُط وعقد الأَزَجَ (٣) عند من يقول به، فهذه كلها داخلة في اسم البيِّنة، فإنها اسم لما يُبَيِّنُ الحقَّ ويُوضِّحُهُ. وقد أرشد الله سبحانه إليها في كتابه، حيث حكى عن شاهد يوسفَ اعتبارَه لقدِّ القميص، وحكى عن يعقوب وبنيه أخذَهُمُ البضائعَ التي باعوا بها بمجرَّدِ وجودِهم لها في رِحالِهم اعتمادًا على القرائن الظاهرة، بأنها وُهِبَتْ لهم ممن يمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيها، وهم لم يشاهدوا ذلك، ولا أُعْلِموا به، ولكن اكتفوا بمجرد القرينة الظاهرة. وكذلك سليمانُ بن داود حَكَمَ للمرأةِ بالوَلَد بقرينةِ رحْمَتِها له لما قال: "ايتُوْنِي بالسِّكِّيْنِ أَشُقَّهُ بَيْنَكما، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ هو ابْنُها، فَقَضَى به لها" وهذا من أحسن القرائن وألطفها. وكذلك النبي ﷺ أَمَرَ بتعذيب أحد ابني الحُقَيق اليهودي ليَدُلَّهُ على كَنز حُيَيِّ بن أخطبَ وقد ادَّعى ذَهابَهُ، فقال: "هو أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالعَهْدُ قَرِيبٌ" (٤)، فاستدلَّ بهذه القرينة الظاهرة على كَذِبهِ في دعواه، فأمر الزُّبيرَ أن يُعَذِّبَهُ حتى يُقِرَّ به، فإذا عذَّبَ الوالي المتَّهّمَ إذا ظهر له كَذِبُهُ ليُقِرَّ بالسرقة لم يخرجْ عن الشريعة، إذا ظهرت له رِيبة (٥)، بل

стр. 1389

ضَرْبُهُ له في هذه الحال من الشَّرع. وقد حَبَسَ رسول الله ﷺ في تُهْمَةٍ، وقد عزم عليٌّ والزُّبَيْر على تجريد المرأة التي معها الكتاب وتفتيشها، لما تَيَقَّنا أن الكتابَ معها (١). فإذا غلب على ظنِّ الحاكم أن الحال المسروق أو غيره في بيت المُدَّعَى عليه أو معه، فأمر بتفتيشِهِ حتى يظهرَ المالُ، لم يكن بذلك خارجًا عن الشرع. وقد قال النعمانُ بن بشير للمُدَّعِي على قوم سَرِقةَ مالٍ لهم: إن شئتمْ أن أضربَهم فإن ظهرَ متاعُكُمْ عندَهم، وإلا أخذتُ من ظهورِكم مثلَه، يعني: مثلَ ضَرْبِهِمْ، فقالوا: هذا حكمُك؟ قال: بل هذا حكمُ رسول الله ﷺ (٢). رواه أحمد (٣). والرجوعُ إلى القرائن في الأحكام متَّفَقٌ عليه بين الفقهاء، بل بين المسلمين كلِّهم. وقد اعتمد الصحابةُ على القرائن في الحدود؛ فرجموا بالحَبَل وجَلَدوا في الخَمْرِ بالقَيْءِ والرَّائحة، وأمر النبيُّ ﷺ باستنكاه المُقِرِّ بالزِّنا (٤) وهو اعتمادٌ على الرَّائحة. والأمة مُجْمِعَةٌ على جواز وطء الزوج للمرأة التي تُهديها إليها النساء ليلة العُرْس، ورجوعه إلى دلالة الحال أنها هي التي وقع عليها العقدُ وإن لم يَرَها ولم يشهدْ بتعيينها رجلان.

стр. 1390

ومُجْمعةٌ على جواز أكل الهدية وإن كانت من (١) فاسق، أو كافر أو صبيٍّ (٢)، ومن نازع في ذلك لم يُمكنْه العملُ بخلافِهِ، وإِنْ قاله بلسانه. ومجمعةٌ على جواز شراء ما بيد الرجل اعتمادًا على قرينة كونه في يده، وإن جازَ أن يكونَ مغصوبًا، وكذلك يجوزُ إنفاقُ النقدِ إذا أخبر بأنه صحيحٌ رجلٌ واحدُ، ولو كان ذِمِّيًّا، فالعملُ بالقرائن ضروري في الشرع والعقل والعُرْف (٣). فائدة (٤) الفرق بين دليل مشروعية الحكم وبين دليل وقوع الحكم فالأولُ يتوقَّفُ على الشارع، والثاني يُعْلَم بالحِسِّ أو الخبر أو الشهادة (٥). فالأول: الكتابُ والسُّنَّة ليس إلا، وكلُّ دليل سواهما فمستنبطٌ منهما. والثاني: مثل العلم بسبب الحكم وشروطه وموانعه، فدليلُ مشروعيته يرجعُ فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث، ودليلُ وقوعه يرجعُ فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأسباب والشُّروط والموانع.

стр. 1391

ومن أمثلة ذلك: بيع المُغَيَّب في الأرض من السَّلْجم والجَزَر والقُلْقاس وغيره؛ فدليل المشروعية أو منعها موقوفٌ على الشارع لا يُعلمُ إلا من جهته، ودليلُ سبب الحكم أو شروطه أو مانعه يرجعُ فيه إلى أَهْله. فإذا قال المانِعُ من الصِّحَّة: هذا غَرَرٌ؛ لأنه مستورٌ تحت الأرض، قيل: كون هذا غَرَزًا أو ليس بغَرَر، يرجعُ إلى الواقع لا يتوقَّفُ على الشرع، فإنه من الأمور العاديَّة المعلومة بالحِسِّ أو العادة، مثل كونه صحيحًا أو سقيمًا، وكبارًا أو صغارًا، ونحو ذلك، فلا يُسْتدلُّ على وقوع أسباب الحكم بالأدلَّة الشرعية، كما لا يُسْتَدلُّ على شرعيته بالأدلة الحسية، فكود الشيء متردِّدًا بين السَّلامة والعَطَب، وكونه مما يجهلُ عاقبتُهُ وتطوى مغَبَّتُه أو ليس كذلك يُعْلمُ بالحِسِّ أو العادة لا يتوقَّفُ على الشَّرع، ومن استدلَّ على ذلك بالشرع، فهو كمن استدلَّ على أن هذا الشرابَ مثلًا مسكرٌ بالشَّرع، وهذا ممتنعٌ بل دليلُ إسكاره الحِسُّ، ودليل (١) تحريمه الشرعُ. فتأمَّلْ هذه الفائدةَ ونفعَها، ولهذه القاعدة عبارةٌ أخرى وهي: أن دليلَ سببية الوصف غيرُ دليل ثبوته، فيستدلُّ على سببيته بالشرع، وعلى ثبوته بالحِسِّ أو العقل أو العادة، فهذا شيءٌ وذاك شيءٌ. فائدة الأمر المطلق، والجرحُ المُطلق، والعلمُ المُطلق، والترتيبُ المُطلق، والبيعُ المُطلق، والماء المُطلق، والملكُ المُطلق، غيرُ مُطلقِ الأمرِ، والجرح، والعلم ... إلى آخرها، والفرق بينهما من وجوه:

стр. 1392

أحدها: أن الأمر المطلق لا ينقسمُ إلى أمر الندب وغيره، فلا يكون موردًا للتقسيم. ومطلق الأمر ينقسمُ إلى أمر إيجاب، وأمر نَدْب، فمطلقُ الأمر ينقسمُ، والأمر المطلقُ غيرُ منقسمٍ. الثاني: أن الأمرَ المطلقَ فردٌ من أفراد مطلق الأمر، ولا ينعكسُ. الثالث: أن نفيَ مطلَقِ الأمرِ يستلزمُ نفيَ الأمرِ المطلَق، دونَ العكس. الرابع: أن ثبوت مطلَقِ الأمرِ لا يستلزمُ ثبوتَ الأمرِ المطلَقِ، دون العكس. الخامس: أن الأمرَ المطلَقَ نوع لمطلق الأمر، ومطلَقُ الأمرِ (١) جنسٌ للأمر المطلق. السادس: أن الأمرَ المطلقَ مقيدٌ بالإطلاق لفظًا، مجرَّدٌ عن التقييد معنى، ومطلق الأمر مجرَّد عن التقييد لفظًا مستعملٌ في المقيَّد وغيره معنًى. السابع: أن الأمرَ المطلقَ لا يصلُحُ للمقيَّد، ومطلَقُ الأمرُ يصلُحُ للمطلَقِ والمُقيَّد. الثامن: أن الأمرَ المطلَقَ هو المُقَيَّدُ بقيْد (٢) الإطلاق، فهو متضمِّن للإطلاق والتَّقييد، ومطلق الأمر غير مقيَّد، وإن كان بعض أفراده مقيَّدًا. التاسع: أن من بعضِ أمثلةِ هذه القاعدة: الإيمان المُطلق ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق لا يطلقُ إلا على الكامل الكمالَ المأمور به،

стр. 1393

ومطلقُ الإيمان يطلقُ على النَّاقص والكامل، ولهذا نفى النبيُّ ﷺ الإيمانَ المُطلق عن الزَّاني وشارب الخمر والسَّارق ولم ينفِ عنه مطلق الإيمان، فلا (١) يدخل في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨]، ولا في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١]، ولا في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، إلى آخر الآيات، ويدخلُ في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وفي قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وفي قوله ﷺ : "لا يُقْتَل مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ" (٢)، وأمثال ذلك. ولهذا كان قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] نفيًا للإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان لوجوه. منها: أنَّه أَمرهم أو أَذِن لهم أن يقولوا: أسلمنا، والمنافق لا يقالُ له ذلك. ومنها: أنَّه قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ ولم يقل: قالَ المنافقونَ. ومنها: أن هؤلاء هم الجُفَاةُ الذين نَادوا رسولَ الله ﷺ من وراء الحجرات، ورفعوا أصواتَهم فوقَ صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقًا وكفرًا. ومنها: أنه قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ولم ينْفِ دخولَ الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلامَ كما نفى الإيمان. ومنها: أنه قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾

стр. 1394

أي: لا ينْقِصكم، والمنافق لا طاعةَ له (١). ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧]، فأثبت لهم إسلامًا ونهاهم أن يَمُنُّوا علي رسول الله ﷺ ، ولو لم يكنْ إسلامًا صحيحًا لقال: لم تُسْلِموا، بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] لما لم تطابقْ شهادتُهم اعتقادَهم. ومنها: أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كانوا منافقينَ لما منَّ عليهم. ومنها: أنه قال: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنه نفي (٢) الإيمان المطلق، ومنَّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمِّنٌ لمطلق الإيمان. ومنها: أن النبي ﷺ لما قَسَم القَسْمَ قال له سعد: أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمن، فقال: "أو مُسْلِمٌ" (٣) ثلاث مرات، فأثبت له الإسلامَ (٤) دونَ الإيمانِ. وفي الآية أسرارٌ بديعة ليس هذا موضِعَها. والمقصودُ: الفرقُ بين الإيمان المطلقِ ومطلق الإيمان. فالإيمانُ المُطلق يمنعُ دخولَ النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلودَ فيها (٥). العاشر: أنك إذا قلت: الأمرُ المطلقُ فقد أدخلت الَّلام على الأمرِ، وهي تُفيدُ العمومَ والشُّمولَ، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق،

стр. 1395

بمعنى: أنه لم يُقَيَّدْ بِقَيدٍ يُوجِبُ تخصيصَه من شرط أو صفة أو غيرهما، فهو عامٌّ في كلِّ فرد من الأفَراد التي هذا شأنُها. وأما مطلق الأمر؛ فالإضافة فيه ليست للعموم بل للتَّمييز، فهو قَدْرٌ مشتركٌ مطلقٌ (١) لا عامٌّ، فيصدق بفردٍ من أفراده، وعلى هذا فمطلقُ البيع جائزٌ والبيع المطلق ينقسمُ إلى جائز وغيره، والأمر المُطلق للوجوب، ومطلق الأمر ينقسمُ إلى الواجب والمندوب. والماء المطلقُ طَهور، ومطلقُ الماء ينقسم إلى طهور وغيره. والمُلك المطلق هو الذي يثبتُ للحُرِّ، ومطلقُ المُلك يُثبتُ للعبد. فإذا قيل: العبدُ هل يملكُ أم لا يملكُ؟ كان الصوابُ إثباتَ مطلق المُلك له دون الملك المُطلق. وإذا قيل: هل الفاسقُ مؤمنٌ أو غيرُ مؤمن؟ فهو على هذا التَّفصيل، والله تعالى أعلم. فبهذا التحقيق يزولُ الإشكال في مسألة المندوب: هل هو مأمورٌ به أم لا (٢)؟ وفي مسألة الفاسق المِلِّي: هل هو مؤمنٌ أم لا؟ (٣). فائدة (٤) نصَّ الشافعيُّ على أن البيعَ لا ينعقدُ إلا بالإيجاب والقبول (٥)،

стр. 1396

وخرَّج ابنُ سُرَيج (١) له قولًا إنه ينعقد بالمُعاطاة (٢)، واختلف أصحابُه من أين خرَّجه؟. فقال بعضُهم: خرَّجه من قوله في الهَديْ إذا عطب قبل المحل، فإنَّ المُهدي ينحرُهُ، ويغمس نعلَه في دمِهِ، ويخلِّي بينه وبين المساكين، ولا يحتاجُ إلى لفظ بل القرينة كافية. واعترض على هذا التخريج بأن ذلك من باب الإباحات وهي مبنيَّةٌ على المُسامحات، يغْتفَرُ فيها ما لا يُغْتَفَر في غيرها، كتقديم الطعام للضَّيف، والبيع من باب المعاوضات التي تعقدُ على المشاحَّة، ويطلب الشارعُ فيها قطع النزاع والخصومة بكلَّ طريق. وقال بعضُهم: هو مخرَّج عن مسألة الغَسَّال والطبَّاخ ونحوهما، فإنه يستحقُّ الأجرة مع أنه لم يسم شيئًا. واعتُرِض على ذلك بأنه لا نصَّ للشافعيِّ فيها إلا عدم الاستحقاق، وإنما قال بعض أصحابه: يستحقُّ الأجرة. وقال بعضُهِم: هو مخرَّج من مسألة الخلع إذا قال لها: أنْتِ طالِقٌ إن أَعْطَيْتِني ألفًا، فوَضَعَتْها بينَ يديه، فإنها تطلقُ ويملك الألف، مع أنه لم يصدرْ منها لفظٌ يدلُّ على التمليك. وحُكِي أنْ الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يرجِّحُ التَّخريجَ (٣) من هاهنا. واعْتُرِض عليه بأن في الخلع شائبةَ التَّعلُّق (٤) والمعاوضة،

стр. 1397

وأما البيع فمعاوضةٌ محضةٌ، ولهذا يصحُّ الخلعُ بالمجهول دون البيع. فائدة ما عُلق جوار البَدَل فيه على فقد المُبْدل، فإذا فُقِدا معًا فهل يجبُ عليه تحصيل المُبدل أو يتخير بينه وبين البَدَل؟. فيه خلافٌ، وعليه إذا وجبت عليه بنتُ مخاضٍ فعَدِمها فابنُ لَبُون. فإن عدمه فقولان: أحدهما: يتخيَّر بينهما في الشِّراء، والثاني: أنه يتعيَّنُ شراء الأصل. ومنها: أنه لو ملك مئتين من الإبل، وقلنا: يخرجُ أربعَ حِقاقٍ تعيينًا (١) فعدمها (٢)، فهل يجوز أن يشتريَ خمس بنات لَبون؛ فيه خلافٌ. فائدة ثلاثةٌ من الصحابة جمعوا بين كونهم أنصارًا مهاجرين، ذكرهم ابن إسحاق في "سيرته" (٣): أحدهم: ذَكوان بنُ عبد قيس من بني الخَزْرج، قال ابن إسحاق: كان خرج إلى رسول الله ﷺ وكان معه بمكة ثم هاجر منها إلى المدينة، وكان يقال له: مهاجري أنصاري شهد بدرًا (٤)، وقتل بأُحُد شهيدًا.

стр. 1398

والعباس بن عبَادةَ بن نَضْلَةَ من بني الخَزْرج أيضًا، قال ابن إسحاق: كان فيمن خَرَج إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة فأقام معه بها، قُتل يوم أُحُد شهيدًا. وعُقْبة بن وهب خرج إلى رسول الله ﷺ مهاجرًا من المدينة إلى مكة وكان يقالُ له: مهاجري أنصاري حليف لبني الخَزْرج. فائدة (١) إذا قال الحاكم المولَّى: "كنت حَكمْتُ بكذا" قُبِل قوله عند أحمد والشَّافعي والجمهور، وعند مالك لا يقبَل قولُه. قال الجمهور: هو يملكُ الإنشاء فيملكُ الإقرارَ كوليِّ المُجْبَرة إذا قال: زوَّجْتُها من فلان، قُبِلَ قولُه اتفاقًا. قال أصحابُ مالكٍ: الفرقُ يبنهما أن وَلِيَّ المجْبرة غيرُ متَّهَمْ عليها (٢) لكمال شفقته وكمال رعايته لمصالح ابنته، بخلاف الحاكم. قال أصحاب القول: وكذلك نحن إنما نقبلُ قولَ الحاكم: حكمت، حيث تنتفي التُّهمة، فإما إذا كان تهمةٌ لم يُقْبَلْ. قال أصحاب مالك: هذا نفسُه في مظنَّة التُّهمةِ فوجب ردُّه، كما يُرَدُّ حكمُه لنفسه، وحكمه بعلمه، فمظنَّةُ التُّهمة كافيةٌ، وأما الأبُ فهو في مظنَّةِ كمال الشفقة، ورِعَاية مصلحة ابنته فافترقا، وهذا فقهٌ ظاهرٌ، ومأْخَذٌ حسنٌ، والإنصافُ أولى من غيره.

стр. 1399

فائدة إذا حَلَفَ على شيءٍ بالطَّلاقِ الثَّلاث أنه لا يفعلُه، ثم خالَعَ ولم يفعلهُ، ثم تزوَّجها: فقال الشيخ عزُّ الدين بنُ عبد السلام: الصحيحُ أنه لا يعودُ الحِنْث، فَذُكِر له اختيار الشيخ أبي إسحاق في كتاب الطلاق (١)، فقال: ذلك غلطٌ، قال: ومأخذُنا في هذه المسألة أنه لو عاد الحنثُ في النكاح الثاني مَلَك بالعقد الواحد أكثر من ثلاث تطليقات، بيانُه: أن النِّكاح يملكُ به ثلاثًا، والتنجيزُ كالتَّعليق، فإنه يملكُ بالعقد الطلاق المنجَزَ والمعلَّقَ ولا يزيدُ ذلك على ثلاث، فلو عاد الحنث لمَلَكَ ثلاثًا بالعقد، لو نجزها لوقعت ومَلَك المعلَّق بتقدير عَوْد الحنث، وهو محالٌ. فائدة ربما يظنُّ بعضُ النَّاس أن عدَّة المُتَوَفَّى عنها زوجُها (٢) أربعةُ أشهر وعشر ليال، فإذا طَلَعَ فجرُ الليلة العاشرة انقضتِ العِدَّةُ. ووقع في "التنبيه" (٣): "وإن كانت أَمَةً اعتدت بشهرينِ وخمس ليال". ويقوِّي هذا الوهمَ: حذفُ التاء من العشر، وإنما يحذفُ مع المؤنث نحو: سبع ليال وثمانية أيام.

стр. 1400

وجوابُ هذا: أن المعدودَ إذا ذكِر مع عدده، فالأمرُ كما ذكر تحذف التاءُ مع المؤنث وتثبتُ مع المذكّر، وإذا ذكرَ العَدَدُ دون معدودِهِ المذكَّر جاز فيه الوجهان: حذف التاء وذكرها، حكاه الفَرَّاء وابنُ السِّكِّيت وغيرهما، وعلى هذا جاء قوله ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ بسِتِّ مِنْ شَوَّال" (١)، ولم يقل بستَّة. وقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ [طه: ١٠٣]، فهذه أيامٌ بدليل ما بعدها، وعلى هذا فلا تنقضي العِدَّةُ حتَّى تغيبَ شمسُ اليوم العاشر، وما وقع فى "التنبيه" فغلط، والله أعلم، ووقع له هذا فى باب العدد في باب الاستبراء (٢). فائدة المُرْضعُ: من لها وَلَدٌ تُرْضِعُهُ، والمُرْضِعَةُ: من ألقمتِ الثَّدْيَ للرَّضيع، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، أبلغُ من "مرْضع" في هذا المقام، فإن المرأةَ قد تذهلُ عن الرَّضيع إذا كان غيرَ مباشر للرَّضاعةِ، فإذا التقم الثَّدْيَ، واشتغلت برضاعِهِ (٣) تذهل عنه إلا لأمرٍ هو أعظمُ عندها (٤) من اشتغالها بالرَّضَاع. وتأمَّل السِّرَّ البديع فى عدوله -سبحانه- عن "كلِّ حامل" إلى قوله: "ذات حمل"، فإن العامل قد تطلق على المهيَّأةَ للحمل،

стр. 1401

وعلى من هي في أول حملها ومبادئه، فإذا قيل: "ذات حَمل" (١)، لم يكنْ إلَّا لمن قد ظهر حملُها وصلح للوضع كاملًا أو سقطًا، كما (٢) يقال: "ذات وَلَد"، فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرَّضاعة دونَ التَّهيُّؤِ لها، وأتى في الحامل بالنسب (٣) الذي يحقِّقُ وجود الحَمْل وقبوله للوضع، والله أعلم. فائدة قال الشَّيخُ تاجُ الدين (٤): سُئل الشَّيخ عز الدين بن عبد السَّلام عن معنى قول الفقهاء للمطلِّق الطَّلاقَ الرَّجعِيَّ: قلْ: "راجعتُ زوجتي إلى نكاحي" (٥) ما معناه؟ وهي لم تخرجْ من النِّكاح، فإنَّها زوجة في جميع الأحكام؟. فقلت له: معناه أنَّها رجعتْ إلى النِّكاح الكامل الذي لم تكنْ فيه صائرةً إلى بينونة بانقضاء زمان، وبالطَّلاق صارت جارية (٦) إلى بينونة بانقضاء العِدَّة، فقال: أحسنت.

стр. 1402

فائدة القاضي والمفتي مشتركان في أنَّ كلاًّ منهما يجبُ عليه إظهارُ حكم الشَّرع فْي الواقعة، ويتميَّزُ الحاكم بالإلزام به وإمضائه، فشروط الحاكم ترجِع إلى شروط الشَّاهد والمفتي والوالي، فهو مخبر عن حكم الشَّارع (ق / ٣٢١ أ). بعلمه، مقبولٌ بعدالته، منفذٌ بقدرته. فائدة (١) كان الشَّيخ عزُّ الدين يستشكِل مذهبَ الشَّافعي في أن حَجْر الصَّبِي يستمرُّ بمجرَّد (٢) الفِسق والسَّفَهِ في الدين، وقال: قد اتَّفق النّاسُ على: أن المجهول يسمعُ الحاكمُ دعواه والدعوى عليه، فالغالب في الناس وجودًا عدمُ الرُّشد في الدين، فلو كان الصلاحُ في الدين شرطًا في فكِّ (٣) الحجر، لزم أن لا يسمعَ دعوى المجهول ولا إقراره، وذلك خلاف الإجماع المستمرّ عليه العمل. فائدة اختلف النَّاس: هل السَّماءُ أشرفُ من الأرض، أم الأرض أشرف؟ فالأكثرون على الأوَّل، واحتجَّ من فضَّل الأرض: بأن الله أنشأ منها أنبياءَه وَرُسله وعبادَهُ المؤمنينَ، وبأنها مساكنهم ومحلُّهم أحياءً وأمواتًا، وبأنَّ الله لما أرادَ إظهار فضلِ آدَمَ للملائكة قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فأظهرَ فضله عليهم

стр. 1403

بعلمه واستخلافه في الأرض، وبأن الله -سبحانه- وصفَها بأن جعلها محلَّ بركاته عمومًا وخصوصًا، فقال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠]، ووصف الشامَ بالبَرَكة في ستِّ آيات، ووصف بعضَها بأنَّها مقدَّسة، ففيها الأرضُ المباركة والمقدسة والوادي المقدَّس، وفيها بيته الحرام ومشاعرُ الحجِّ والمساجد التي هي بيوته سبحانه، والطور الذي كلَّم عليه كليمَه ونجيَّه. وإقسامه سبحانه بالأرض عمومًا وخصوصًا أكثر من إقسامه بالسماء، فإنَّه أقسَم بالطُور والبلدِ الأمينِ والتينِ والزيتونِ، ولما أقسم بالسَّماء أقسَمَ بالأرض معها، وبأنه سبحانه خَلَقَها قبل خلق السماء (١) كما دلَّت عليه سورة (حم السجدة) وبأنها مهبِطُ وحيه ومستقرُّ كتبه ورسله، ومحلُّ أحبِ الأعمال إليه، وهو الجهادُ والصَّدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومُغايظة أعدائه ونصر أوليائه، وليس في السماء من ذلك شيءٌ، وبأنَّ ساكنيها من الرسل والأنبياء والمتَّقين أفضلُ من سكَّان السماء من الملائكة، كما هو مذهبُ أهل السنة، فمسكنُهم أشرف من مسكن الملائكة، وبأن ما أودع فيها من المنافع والأنهار والثمار والمعادن والأقوات والحيوان والنبات مما هو من بركاتها لم يودَع في السَّماء مثلُه، وبأن الله سبحانه قال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ٢٠] ثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] فجعل الأرضَ محلَّ آياته والسماءَ محلَّ رزقه، فلو لم يكن فيها إلَّا بيتُهُ وبيتُ (٢) خاتَم أنبيائه ورسله حيًا وميتًا، وبأن الأرض جعلها الله قرارًا وبساطًا ومهادًا وفراشًا، وكِفاتًا، ومادَّة للسَّاكن؛ لملابسه

стр. 1404

وطعامه وشرابه ومراكبه وجميع آلائه (١)، ولا سيَّما إذا أخرجتْ بَرَكَتَها وازَّيّنتْ وأنبتتْ من كلِّ زوجٍ بهيج. قال المفضلون للسَّماء: يكفي في فضلها (ظ/٢٢٣ ب) أن ربَّ العالمين سبحانه (٢) فيها. وأن عرشَهُ وكُرسِيَّهُ فيها، وأن الرفيقَ الأعلى الذي أُنعِم عليهم فيها، وأن دارَ كرامته فيها، وأنها مستقرُّ أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يوم الحشر، وأنها مُطَهَّرةٌ مُبرَّأَة من كلِّ شرٍّ (٣) وخَبَثٍ ودَنَس يكونُ في الأرض، ولهذا لا تُفتح أبوابها للأرواح الخبيثة، ولا تلجُ ملكوتَها، وبأنها مسكنُ من لا يَعْصُون اللهَ طرفةَ عين، فليس فيها موضعُ أربعٌ أصابعَ إلا ومَلَكٌ ساجدٌ أو قائمٌ، وبأنها أشرفُ مادَّة من الأرض، وأوسعُ وأنْوَر وأصفى وأحسنُ خِلْقَةً وأعظمُ آياتٍ، وبأن الأرض محتاجةٌ في كمالها إليها، ولا تحتاجُ هي إلى الأرض، ولهذا جاءت في كتاب الله في غالب المواضع مقدَّمَة على الأرض، وجُمِعت وأُفْرِدت الأرض فلشرفها وفضلها أتي بها مجموعة، وأمَّا الأرض فلم تأْتِ إلَّا مفردة، وحيث أريد تعدادُها قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. فائدة فرق النِّكاح عشرون فرقة؛ الأولى: فرقة الطلاق. الثانية: الفسخ للعُسْرة بالمهر. الثالثة: الفسخ للعسرة عن النفقة. الرابعة: فرقة الإيلاء. الخامسة: فرقة الخُلع السادسة: تفريق الحَكمين. السابعة: فرقة العِنِّين.

стр. 1405

الثامنة: فرق اللعان. التاسعة: فرقة العتق تحت العبد. العاشرة: فرقة الغرور. الحادية عشرة: فرقة العيوب. الثَّانية عشرة: فرقة الرضاع. الثالثة عشرة: فرقة وطءِ الشبهة حيث تحرم الزوجة. الرابعة عشرة: فرقة إسلام أحد الزوجين. الخامسة عشرة: فرقة ارتداد أحدهما. السادسة عشرة: فرقة إسلام الزوج وعنده أختان أو أكثر من أربع، أو امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها. السابعة عشرة: فرقة السِّبَاء. الثامنة عشرة: فرقة ملك أحد الزوجين صاحبه. التاسعة عشرة: فرقة الجهل بسبق أحد النِّكاحين. العشرون: فرقة الموت. فهذه الفرقُ منها إلى المرأة وحدَها: فرقة الحُرِّيّة والغرور والعيب. ومنها إلى الزوج وحده: الطَّلاق والغرور والعيب أيضًا. ومنها ما للحاكم فيه مدخل وهو: فرقة العِنين والحَكَمَينْ والإيلاء والعجز عن النفقة والمهر ونِكاح الوَليَّين. ومنها ما لا يتوقَّف على أحد الزوجين ولا الحاكم وهو: اللِّعان والرِّدة والوطء بالشُّبهة وإسلام أحدهما وملك أحد الزوجين صاحِبهُ والرضاع. وهذه الفرق منها ما لا يتلافى (١) إلَّا بعد زوجِ وإصابة وهو: استيفاء الثلاث، ومنها مالا يتلافى أبدًا وهو: فرقة اللعان والرَّضاع والوطء بشُبهة، ومنها ما يتلافى (٢) في العِدَّة خاصة وهي فرقة الرِّدَّة وإسلام أحد الزَّوجينِ (٣) والطَلاق الرَّجعي، ومنها ما يتلافى (٤) بعقد جديد وهي: فرقة الخلْع والإعسار بالمهر والنَّفقة وفرقة الإيلاء والعيوب
следующие страницы →