وعلى من هي في أول حملها ومبادئه، فإذا قيل: "ذات حَمل" (١)، لم يكنْ إلَّا لمن قد ظهر حملُها وصلح للوضع كاملًا أو سقطًا، كما (٢) يقال: "ذات وَلَد"، فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرَّضاعة دونَ التَّهيُّؤِ لها، وأتى في الحامل بالنسب (٣) الذي يحقِّقُ وجود الحَمْل وقبوله للوضع، والله أعلم.
فائدة
قال الشَّيخُ تاجُ الدين (٤): سُئل الشَّيخ عز الدين بن عبد السَّلام عن معنى قول الفقهاء للمطلِّق الطَّلاقَ الرَّجعِيَّ: قلْ: "راجعتُ زوجتي إلى نكاحي" (٥) ما معناه؟ وهي لم تخرجْ من النِّكاح، فإنَّها زوجة في جميع الأحكام؟.
فقلت له: معناه أنَّها رجعتْ إلى النِّكاح الكامل الذي لم تكنْ فيه صائرةً إلى بينونة بانقضاء زمان، وبالطَّلاق صارت جارية (٦) إلى بينونة بانقضاء العِدَّة، فقال: أحسنت.
стр. 1402
فائدة
القاضي والمفتي مشتركان في أنَّ كلاًّ منهما يجبُ عليه إظهارُ حكم الشَّرع فْي الواقعة، ويتميَّزُ الحاكم بالإلزام به وإمضائه، فشروط الحاكم ترجِع إلى شروط الشَّاهد والمفتي والوالي، فهو مخبر عن حكم الشَّارع (ق / ٣٢١ أ). بعلمه، مقبولٌ بعدالته، منفذٌ بقدرته.
فائدة (١)
كان الشَّيخ عزُّ الدين يستشكِل مذهبَ الشَّافعي في أن حَجْر الصَّبِي يستمرُّ بمجرَّد (٢) الفِسق والسَّفَهِ في الدين، وقال: قد اتَّفق النّاسُ على: أن المجهول يسمعُ الحاكمُ دعواه والدعوى عليه، فالغالب في الناس وجودًا عدمُ الرُّشد في الدين، فلو كان الصلاحُ في الدين شرطًا في فكِّ (٣) الحجر، لزم أن لا يسمعَ دعوى المجهول ولا إقراره، وذلك خلاف الإجماع المستمرّ عليه العمل.
فائدة
اختلف النَّاس: هل السَّماءُ أشرفُ من الأرض، أم الأرض أشرف؟
فالأكثرون على الأوَّل، واحتجَّ من فضَّل الأرض: بأن الله أنشأ منها أنبياءَه وَرُسله وعبادَهُ المؤمنينَ، وبأنها مساكنهم ومحلُّهم أحياءً وأمواتًا، وبأنَّ الله لما أرادَ إظهار فضلِ آدَمَ للملائكة قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فأظهرَ فضله عليهم
стр. 1403
بعلمه واستخلافه في الأرض، وبأن الله -سبحانه- وصفَها بأن جعلها محلَّ بركاته عمومًا وخصوصًا، فقال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠]، ووصف الشامَ بالبَرَكة في ستِّ آيات، ووصف بعضَها بأنَّها مقدَّسة، ففيها الأرضُ المباركة والمقدسة والوادي المقدَّس، وفيها بيته الحرام ومشاعرُ الحجِّ والمساجد التي هي بيوته سبحانه، والطور الذي كلَّم عليه كليمَه ونجيَّه. وإقسامه سبحانه بالأرض عمومًا وخصوصًا أكثر من إقسامه بالسماء، فإنَّه أقسَم بالطُور والبلدِ الأمينِ والتينِ والزيتونِ، ولما أقسم بالسَّماء أقسَمَ بالأرض معها، وبأنه سبحانه خَلَقَها قبل خلق السماء (١) كما دلَّت عليه سورة (حم السجدة) وبأنها مهبِطُ وحيه ومستقرُّ كتبه ورسله، ومحلُّ أحبِ الأعمال إليه، وهو الجهادُ والصَّدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومُغايظة أعدائه ونصر أوليائه، وليس في السماء من ذلك شيءٌ، وبأنَّ ساكنيها من الرسل والأنبياء والمتَّقين أفضلُ من سكَّان السماء من الملائكة، كما هو مذهبُ أهل السنة، فمسكنُهم أشرف من مسكن الملائكة، وبأن ما أودع فيها من المنافع والأنهار والثمار والمعادن والأقوات والحيوان والنبات مما هو من بركاتها لم يودَع في السَّماء مثلُه، وبأن الله سبحانه قال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ٢٠] ثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] فجعل الأرضَ محلَّ آياته والسماءَ محلَّ رزقه، فلو لم يكن فيها إلَّا بيتُهُ وبيتُ (٢) خاتَم أنبيائه ورسله حيًا وميتًا، وبأن الأرض جعلها الله قرارًا وبساطًا ومهادًا وفراشًا، وكِفاتًا، ومادَّة للسَّاكن؛ لملابسه
стр. 1404
وطعامه وشرابه ومراكبه وجميع آلائه (١)، ولا سيَّما إذا أخرجتْ بَرَكَتَها وازَّيّنتْ وأنبتتْ من كلِّ زوجٍ بهيج.
قال المفضلون للسَّماء: يكفي في فضلها (ظ/٢٢٣ ب) أن ربَّ العالمين سبحانه (٢) فيها. وأن عرشَهُ وكُرسِيَّهُ فيها، وأن الرفيقَ الأعلى الذي أُنعِم عليهم فيها، وأن دارَ كرامته فيها، وأنها مستقرُّ أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يوم الحشر، وأنها مُطَهَّرةٌ مُبرَّأَة من كلِّ شرٍّ (٣) وخَبَثٍ ودَنَس يكونُ في الأرض، ولهذا لا تُفتح أبوابها للأرواح الخبيثة، ولا تلجُ ملكوتَها، وبأنها مسكنُ من لا يَعْصُون اللهَ طرفةَ عين، فليس فيها موضعُ أربعٌ أصابعَ إلا ومَلَكٌ ساجدٌ أو قائمٌ، وبأنها أشرفُ مادَّة من الأرض، وأوسعُ وأنْوَر وأصفى وأحسنُ خِلْقَةً وأعظمُ آياتٍ، وبأن الأرض محتاجةٌ في كمالها إليها، ولا تحتاجُ هي إلى الأرض، ولهذا جاءت في كتاب الله في غالب المواضع مقدَّمَة على الأرض، وجُمِعت وأُفْرِدت الأرض فلشرفها وفضلها أتي بها مجموعة، وأمَّا الأرض فلم تأْتِ إلَّا مفردة، وحيث أريد تعدادُها قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
فائدة
فرق النِّكاح عشرون فرقة؛ الأولى: فرقة الطلاق. الثانية: الفسخ للعُسْرة بالمهر. الثالثة: الفسخ للعسرة عن النفقة. الرابعة: فرقة الإيلاء. الخامسة: فرقة الخُلع السادسة: تفريق الحَكمين. السابعة: فرقة العِنِّين.
стр. 1405
الثامنة: فرق اللعان. التاسعة: فرقة العتق تحت العبد. العاشرة: فرقة الغرور. الحادية عشرة: فرقة العيوب. الثَّانية عشرة: فرقة الرضاع. الثالثة عشرة: فرقة وطءِ الشبهة حيث تحرم الزوجة. الرابعة عشرة: فرقة إسلام أحد الزوجين. الخامسة عشرة: فرقة ارتداد أحدهما. السادسة عشرة: فرقة إسلام الزوج وعنده أختان أو أكثر من أربع، أو امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها. السابعة عشرة: فرقة السِّبَاء. الثامنة عشرة: فرقة ملك أحد الزوجين صاحبه. التاسعة عشرة: فرقة الجهل بسبق أحد النِّكاحين. العشرون: فرقة الموت.
فهذه الفرقُ منها إلى المرأة وحدَها: فرقة الحُرِّيّة والغرور والعيب. ومنها إلى الزوج وحده: الطَّلاق والغرور والعيب أيضًا. ومنها ما للحاكم فيه مدخل وهو: فرقة العِنين والحَكَمَينْ والإيلاء والعجز عن النفقة والمهر ونِكاح الوَليَّين. ومنها ما لا يتوقَّف على أحد الزوجين ولا الحاكم وهو: اللِّعان والرِّدة والوطء بالشُّبهة وإسلام أحدهما وملك أحد الزوجين صاحِبهُ والرضاع.
وهذه الفرق منها ما لا يتلافى (١) إلَّا بعد زوجِ وإصابة وهو: استيفاء الثلاث، ومنها مالا يتلافى أبدًا وهو: فرقة اللعان والرَّضاع والوطء بشُبهة، ومنها ما يتلافى (٢) في العِدَّة خاصة وهي فرقة الرِّدَّة وإسلام أحد الزَّوجينِ (٣) والطَلاق الرَّجعي، ومنها ما يتلافى (٤) بعقد جديد وهي: فرقة الخلْع والإعسار بالمهر والنَّفقة وفرقة الإيلاء والعيوب
стр. 1406
والغرور، وكلها فسخ إلَّا الطلاقُ، وفرقة الإيلاء وفرقة الحكمين.
فائدة (١)
حيث أطلق الفقهاءُ لفظ الشَّكِّ فمرادُهم به التَّرَدُّدُ بين وجودِ الشيءِ وعدمِهِ، سواءٌ تساوى الاحتمالان أو ترجَّح أحدُهما، كقوله: إذا شَكَّ في نجاسة الماء أو طهارته، أو انتقاض الطهارة أو حصولها، (ظ/ ٢٢٤ أ) أو فعل ركن في الصَّلاة، أو شك هل طلق واحدة أو أكثر، أو شك هل غرَبَتِ الشمسُ أم لا، ونحو ذلك = بنى على اليقين، ويدل على صحَّة قولهم قوله ﷺ (٢): "وَلْيَطْرَح الشكَّ وَلْيَبْن عَلَىْ مَا اسْتَيْقنَ" (٣).
وقال أهل اللُّغة: الشَّك خلاف اليقين (٤)، وهذا ينتقِض بصُوَر:
منها: أن الإمامَ متى تردَّدَ في عدد الرَّكَعَات بنى على الأغلب من الاحتمالين.
ومنها: أنَّه إذا شك في الأواني بني على الأغلب في ظنِّهْ عند من يُجَوِّز له التَّحَري.
ومنها: أنه إذا شك في القِبْلة بني على غالب ظنِّه في الجهات.
ومنها: أنَّه إذا شكَّ في دخول وقت الصَّلاة، جاز له أن يصَلِّيَ إذا غلب على ظنه دخولُ الوقت.
стр. 1407
ومنها: أنَّه إذا (١) غلبَ على ظنِّه عدالةُ الراوي والشاهد عمل بها ولم يقفْ على اليقين.
ومنها: إذا شكَّ في المال هل هو نِصَابٌ أم لا، وغلب على ظنّه أنَّه نصاب فإنَّه يزكَيه، كما لو أخبره خارصٌ واحدٌ بأنه نِصابٌ.
ومنها: لو وَجَد في بيته طعامًا وغلب على ظنّه أنَّه أهدي له، جاز له الأكل وإن لم يَتيقَّن، كما لو أخبره به ولده أو امرأتُه.
ومنها: أنَّه لو شكَّ في مال زيد هل هو (٢) حلال وحرامٌ؟ وغلب على ظنه أنَّه حرام، فإنَّه لا يجوز له الأكلُ منه، ونظائر ذلك كثيرةٌ جدًّا، فما ذكر من القاعدة ليس بمطَّرِد.
قاعدة (٣)
إذا تزاحم حقَّان في محلٍّ، أحدهما متعلِّقٌ بذمَّة مَن هو عليه، والآخَرُ متعلِّق بعين من هي (٤) له، قُدِّم الحق المتعلق (ق/٣٢١ ب) بالعين على الآخر؛ لأنَّه يفوتُ بفواتِها بخلاف الحق الآخر. وعلى ذلك مسائل:
أحدها: إذا جنى العبدُ المرهون؛ فَدَمُ المجني عليه -بموجب جِنايَته- على المرْتَهنِ، لاختصاص حقِّه بالعين بخلاف المُرْتَهِنِ.
الثانية: إذا جنى عبدُ المَدين، فَدَم المجني عليه على الغرماء كذلك.
стр. 1408
الثَّالثة: إذا تَشَاحَّ البائعُ والمشتري في المبتدي بالتّسليم، فإن كانا عَيْنَينِ، جعل بينهما عدْل، وإن كان الثمنُ في الذِّمة، أجبر البائع على تسليم المَبيع أولًا، لتعلُّق حقِّه بعين المَبيع، بخلاف المشتري فإن حقَّه متعلِّق بذمة البائع.
قاعدة (١).
فرقٌ بين ما يثبتُ ضِمْنًا وما يثبتُ أصالةً: فيُغْتفرُ (٢) في الثّبُوت الضِّمني ما لا يُغفرُ في (٣) الأصلي، وعلى ذلك مسائل:
منها: لو أقرَّ المريضُ بمال لوارثٍ لم يقبلْ إقرارُه، ولو أقر بوارث قُبِلَ إقرارُه، واستحقَّ ذلك المالَ وغيره.
ومنها: لو اشترى منه سلعة فخرجت مستحقَّة، رجع عليه بدرك المبيع، وقد تضمَّن شراؤه منه إقرارَه له بالملك، ولو (٤) أقرَّ له بالمُلك صريحًا ثم اشتراها فخرجت مستحقَّة، لا يرجع عليه بالدرك.
ومنها: لو قال الكافرُ لمسلم: أعتِقْ عبدَكَ المسلمَ عنّي وعلى ثَمَنُه، فإنَّه يصِحُّ في أحد الوجهين، ونظيره: إذا أعتق الكافر الموسرُ شِرْكًا له في عبد مسلم، عَتَق عليه جميعُه في أحد الوجهين -أيضًا-، ولو قال لمسلم: بعني عبدَكَ المسلمَ حتَّى أُعْتِقَهُ، لم يَصِحَّ بيعُه.
قاعدة
ما تُبِيحُهُ الضَّرورةُ يجوز الاجتهادُ فيه حالَ الاشتباهِ، وما لا تبيحُهُ
стр. 1409
الضَّرورةُ فلا. وعلى هذا مسائل:
أحدها: إذا اشتبهت أختُه بأجنبية، لم يَجُزْ له الاجتهادُ في أحدهما.
الثَّانية: طلق إحدى امرأتيه واشتبهت عليه، لم يَجُزْ له أن يجتهد في إحداهما.
الثَّالثة: اشتبه عليه الطَّاهر بالنَّجس، لم يَحزْ (١) له أن يتحرَّى في أحدهما.
وهذا بخلاف ما لو اشتبهت ميتَةٌ بمذكَّاة، أو طاهر بنَجس للشُّرب عند الضَّرورة، أو اشتبهت جهة القِبلة، فإنَّه يتحرَّى في ذلكَ كلِّه؛ لأن الضَّرورة تُبيحُهُ (٢)، وتُبيحُ تركَ القِبلة في حالة المسَابقة (٣) وغيرها.
قاعدة
ما بطل حكمه من الأبدال بحصول مبدَلِه ولم يبقَ معتدًّا به بحال، فإن وجودَ المبدَل يعد الشروع فيه كوجوده قبلَ الشروع فيه. وما لم يَبطل حكمُهُ رأسًا بل بقي معتبرًا في الجملة لم يُبْطِلْهُ وجود المبدل بعد الشُّروع فيه، وعلى هذا مسائل:
أحدها: المعتدَّةُ بالأشهر إذا صارت من ذوات القُرء، قبل انقضاء عِدَّتِها، انتقلتْ إليها لبطلان اعتبار الأشهر (ق/ ٣٢٢ أ) حالَ الحيْض.
الثانية: المتيمِّم إذا قدَرَ على الماء بعد التَّيَمُّم، سواء شَرَعَ في الصَّلاة أو لم يشرعْ فيها بَطَلَ تَيَمُّمه.
стр. 1410
الثالثة (١): إذا شرع في صوم الكفارة ثم قَدَرَ على الإطعام: أو العِتق، لم يلزمْهُ الانتقال عنه إليهما؛ لأنَّ الصومَ لم يبطل اعتبارُه بالقُدْرة على الطَّعام، بل هو معتبرٌ في كونه عبادة وقُرْبَة، وقد شرعَ فيه كذلك، ولم يبطلْ تقرُّبُهُ وتعبُّدُهُ به.
الرابعة: المتمتِّعُ إذا شَرع في الصَّوم ثم قَدَر على الهَدي، لم يلزمْهُ الانتقالُ لذلك.
وفرقٌ ثانٍ: أن الاعتبار في الكَفَّارات بحالِ وجوبها على المُكَلَّف لأنَّه حال استقرار الواجب في ذمَّته، فالواجب عليه أداؤها كما وجبت في ذمَّته، ولهذا لو قدر على الطَّعام بعد الحِنث وقل الصوم لم يلزمْهُ الانتقالُ إليه كذلك، بخلافه العِدَّة والصَّلاة فإن الواجبَ عليه أداءُ الصَّلاة على أكمل الأحوال، وإنما أبيحَ له تركُ ذلك للضَّرورة، وما: أُبيحَ بشرط الضَّرورة فهو عَدَمٌ عند عدمِها، وكذلك العِدَّة سواء.
قاعدة
المُكلَّفُ بالنِّسبة إلى القُدرة في الشيء المأمور به، والآلات المأمور بمباشرتها من البَدَن؛ له أربعة أحوال:
أحدها: قدرتُه بهما، فحكمُه ظاهرٌ، كالصحيح القادر على الماء، والحُرِّ القادر على الرَّقَبَة الكاملة.
الثانية: عجزُهُ عنهما، كالمريض العادم للماء، والرَّقيق العادم للرَّقَبَة، فحكمُه أيضًا ظاهرٌ.
стр. 1411
الثَّالثة: قدرتُه ببدنِهِ وعجزه عن المأمور به، كالصحيح العادم للماء، والحُرِّ العاجز عن الرَّقبة في الكفَّارة، فحكمهُ الانتقالُ إلى بدله إن كان له بدلٌ يقدر عليه، كالتَّيَمُّم أو الصِّيام في الكفارة، ونحو ذلك، فإن لم يكنْ له بَدَلٌ سقط عنه وجوبُه، كالعُريان العاجز عن سَتر عورته في الصَّلاة فإنَّه يُصَلِّي ولا يُعيدُ.
الرابعة: عجزه ببدنه وقدرته على المأمور به أو بَدَله.
فهو موردُ الإشكال في هذه الأقسام وله صُوَر:
أحدها: المعْضُوبُ الذي لا يستمسكُ على الرَّاحلة وله مال يقدرُ أن يُحَجَّ به عنه، فالصحيح وجوب الحجِّ عليه بماله لقدرته على المأمور به، كان عَجَز عن مباشرته هو بنفسه، وهذا قول الأكثرين.
ونظيرهُ (١): القادرُ على الجهاد مسألة العاجزُ ببَدَنه، يجبُ عليه الجهادُ بماله في أصحِّ قوله العلماء، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد.
الصورة الثَّالثة: الشَّيخُ الكبيرُ العاجز عن الصَّوم القادرُ على الإطعام، فهذا يجبُ عليه الإطعام عن كل يومٍ مسكينًا في أصَحِّ أقوال العلماء.
الرابعة: المريض العاجز عن استعمال الماء، فهذا حكمُه حكمُ العادم، وينتقل إلى بَدَله، كالشيخ العاجز عن الصيام ينتقلُ إلى الإطعام.
وضابط هذا: أن (ق / ٣٢٢ ب) المعجوزَ عنه في ذلك كلِّه إن كان له بَدَلٌ انتقل إلى بَدَله، وإن لم يكن له بَدَلٌ سقط عنه وجوبُهُ.
فإذا تَمهَّدت هذه القاعدة ففرقٌ (٢) بين العَجْز ببعض البَدَن والعجز
стр. 1412
عن بعض الواجب، فليسا سواءً، بل متى عَجَز ببعض البَدَن لم يسقطْ عنه حكم البعض الآخر، وعلى هذا إذا كان بعض بَدَنِهِ جريحًا وبعضُهُ صحيحًا، غسل الصحيحَ وتَيَمَّمَ للجريح على المذهب الصَّحيح، كما دلَّ عليه حديث الجريح (١).
ونظيره: إذا مَلَكَ المعتَقُ بعضَه (٢) ما يَتَمَكَّنُ به من عتق واجب، لزمه الإعتاقُ.
ونظيره: إذا (ظ / ٢٢٥ أ) ذهب بعض أعضاء وضوئه وجب عليه غسْلُ الباقي، وأمَّا إذا عَجَزَ عن بعض الواجب، فهذا معتركُ الإشكال حيث يلزمهُ به مَرَّةً ولا يلزمه به مرَّة، ويخرج الخلافُ مرَّة، فمن قَدَرَ على إمساك بعض اليوم دون إتمامه؛ أيلْزَمْهُ اتفاقًا، ومن قدر (٣) على بعض مناسك الحَجَّ وعجَزَ عن بعضها، لزمه فعل ما يقدرُ عليه، ويُستنابُ عنه فيما عَجَزَ عنه، ولو: قدر على بعض رقبة، وعَجَزَ عن كاملةٍ؛ أيلزمْه عتقُ البعض، ولو قدر على بعض ما يَكفيه لوضوئه أو غسله، لزمه استعمالُه في الغسلِ، وفي الوضوء وجهاد؛ أحدهما: يلزمُهُ، والثَّاني: له أن ينتقلَ إلى التَّيمُّم، ولا يستعمل الماء.
وضابطُ الباب: أن ما لم يكنْ جزؤُه عبادةً مشروعة لا يلزمُهُ الإتيان به، كإمساك بعض اليوم، وما كان جزؤُه عبادة مشروعةً لزمه الإتيان به (٤)، كتطهير الجُنُب بعض أعضائه، فإنَّه يشرعُ كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوءُ تخفيفًا للجنَابَة.
وعلى هذا جَوَّز الإمام أحمدُ للجُنُب أن يتوضَّأَ ويلبثَ في المسجد،
стр. 1413
كما كان الصَّحابةُ يفعلونه. وإذا ثبت تخفيفُ الحَدَث الأكبر في بعض البَدَن فكذلك الأصغر (١).
يبقى أن يقالَ: فهذا ينتقض عليكم بالقُدْرة على عتق بعض العبد، فإنَّه مشروعٌ، ومع هذا فلا يُلزِمُونَهُ به؟.
قيل: الفرقُ بينه وبين القدرة على بعض ماء الطَّهارة أن الله سبحانه إنما نَقَل المُكلَّفَ إلى البَدَل عند عدم ما يسمَّى ماء، فقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وبعض ماء الطهارة ماء فلا يتيَمَّم مع وجوده.
وأمَّا في العتق فإن الله سبحانه نقله إلى الإطعام والصيام، عند عدم استطاعته (٢) إعتاقَ الرَّقبة، فقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، ولا رَيْبَ أن المعنى: فمن لم يستطعْ تحرير رقبة (٣)، ولا يحتمل الكلامُ غيرَ هذا ألبَتَّةَ، والقادرُ على بعض الرقبة غير مستطيع تحريرَ رقبة -والله أعلم- فهذا ما ظهر لي في هذه القاعدة.
فائدة
من وجب عليه شيءٌ وأمِر بإنشائه فامتنعَ، فهل يفعلُهُ الحاكم عنه أو يُجبرُهُ عليه؟
فيه خلافٌ، مأخذُهُ أن الحاكمَ نُصِبَ نائبًا ووكيلًا من جهة الشَّارع لصاحب الحق، حتَّى يستوفيَهُ له، أو مجبِرًا ومُلْزِمًا لمن هو عليه حتَّى يؤَدِّيَهُ.
стр. 1414
فإذا اجتمع الأمران في حكم، فهل يغلَّبُ وصف الإلزام والإجبار أو وصف الوكالة والنيابة؟ هذا سرُّ المسألة، وعلى هذا مسائل:
أحدها: المُوْلي إذا امتنع من الفَيْئَة والطَّلاق فهل يطلِّق الحاكمُ عليه أو يُجبرُه على الطلاق؟ فيه خلاف.
الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على رَقيقه أو بهيمتِهِ لإعساره، كلِّف بيعَ البعض للإنفاق على الباقي، فإذا امتنعَ من البيع فهل يجبَرُ عليه أو يبيع الحاكم عليه؟ فيه خلافٌ أيضًا.
الثالثة: إذا اشترى عبدًا بشرط العتق وامتنع من عِتقه، وقلنا: لا يُخَيَّر البائع بين الفسخ والإمضاء، فهل يُجْبَر علىْ العِتق أو يُعتِق الحاكم عليه؟ فيه خلاف.
فائدة
الشافعيُّ يُبالغُ في ردِّ الاستحسان (١)، وقد قال به في مسائل (٢):
الأولى: أنَّه استحسن في المتعة في حق الغَنيِّ أن يكون خادمًا، وفي حقِّ الفقير مقنعة، وفي المتوسط ثلاثين درهمًا.
الثانية: أنَّه استحسنَ التَّحليفَ بالمصحف.
الثالثة: أنَّه استحسن في خيار الشُّفعة أن تكون ثلاثةَ أيَّام.
الرابعة: أنَّه نصَّ في أحد أقواله إنَّه يبدأ في النِّضال بمخرج السبق
стр. 1415
اتباعًا لعادة الرُّماة: قال أصحابه: وهو استحسان.
فائدة (١)
من أصول مالك: اتِّباعُ عمل أهل المدينة -وإن خالفَ الحديث- وسدُّ الذَّرائع، وإبطالُ الحِيَلِ، ومراعاةُ القُصود والنِّيَّات في العقود، واعتبار القرائن وشواهد الحال في الدَّعاوى والحُكومات، والقولُ بالمصالح، والسِّياسة الشَّرعية.
ومن أصول أبي حنيفة: الاستحسان، وتقديمُ القِياس، وتركُ القول بالمفهوم، ونسخُ الخاصَ المتقدم بالعامِّ المُتَأَخِّر، والقولُ بالحِيَل.
ومن أصول الشافعيِّ: "مراعاةُ الألفاظ، والوقوفُ معها، وتقديم الحديث على غيره.
ومن أصول أحمد: الأخذُ بالحديث ما وَجَدَ إليه سبيلًا، فإن تعذَّرَ فقولُ الصحابي ما لم يُخالفْ، فإن اختلف الصحابة أخذ من أقوالهم بأقواها دليلًا، وكثيرًا ما يختلفُ قولهُ عند اختلاف أقوال الصَّحابة، فإن تعَذَّر عليه ذلك كلُّه أخذ بالقياس عند الضَّرورة، وهذا قريبٌ من أصل الشَّافعي بل هما عليه متَّفِقان.
فائدة
شرط العمل بالظَّنِّيات التَّرجيحُ عند التعارض، فإن وقع التَّساوي ففيه قولان: التَّخيير والتوقف. فإن كان طريق العمل التَّقليد فهل يشترطُ التَّرجيحُ في أعيان من يُقَلِّده؟ فيه وجهان.
فإن كان طريقَ العمل اليقينُ، فلا مدخلَ للتَّرجيح هناك، إذ
стр. 1416
التَّرجيحُ إنما يكون بين متعارضينِ، ولا تعارضُ في اليَقينيَّات.
وهل تسمعُ (١) المعارضة فيها؟
فيه لأهل الجَدَل قولان: منهم من يسمعها (٢)، ومنهم من لم يسمَعْها، والحقُّ التفصيل: أنَّها إن كانت معارضة في مقدمة قطعيَّة لم تُسمعْ بحال، وإن كانت معارضة في غيرها سمعت.
فائدة
الحقوق المالية الواجبة لله تعالى أربعة أقسام:
أحدها: حقوق المال كالزَّكاة، فهذا يثبتُ في الذمة بعد التَّمكُّن من أدائه، فلو عَجَزَ عنه بعد ذلك لم يسقطْ، ولا يثبتُ في الذِّمة إذا عَجَزَ عنه وقتَ الوجوب، وأُلْحِق بهذا زكاة الفطر.
القسم الثاني: ما يجبُ بسبب الكفَّارة، ككفارة الأيْمان والظِّهار والوِطء في رمضان وكفارة القتل، فإذا عَجَزَ عنها وقتَ انعقاد أسبابها، ففي ثُبوتها في ذمَّته إلى الميسرَةِ أو سقوطها قولان مشهوران في مذهب الشَّافعي وأحمد.
القسم الثالث: ما فيه معنى ضمان المتْلَف، كجزاء الصيدْ، وألحقَ به فدية الحَلْق (٣) والطيب واللِّباس في الإحرام، فإذا عَجَز عنه وقتَ وجوبه ثبتَ في ذِمَّته تغليبًا لمعنى الغرامة وجزاء المتلف، وهذا في الصيد ظاهرٌ، وأما في الطِّيب وبابه فليس كذلك؛ لأنه تَرَفُّهٌ لا
стр. 1417
إتلافٌ، إذ الشَّعَر والظُّفُرُ ليسا بمتلَفَيْن، ولم تجب الفديةُ في إزالتهما في مقابلة الإتلاف؛ لأنَّها لو وجبتْ لكونها إتلافًا لتقيّدت بالقيمة، ولا قيمةَ لهما (١) وإنما هي من باب التَّرفُّهِ المحض كتغطية الرأس واللُّبس، فأي إتلاف هاهنا؟! وعلى هذا فالرَّاجح من الأقوال أن الفدية في ذلك لا تجبُ مع النسيان والجهل.
القسم الرابع: دم النُّسُك كالمتعة والقران، فهذه إذا عَجَز عنها وجبَ عليه بدلُها من الصيام، فإن عَجَزَ عنها ترتَّبَ في ذمَّته أحدُهُما، فمتى قَدَرَ عليه لَزِمَه، وهل الاعتبارُ بحال الوجوب أو بأغلظ الأحوال؟ فيه خلاف.
وأمَّا حقوق الآدميين؛ فإنَّه لا تسقطُ بالعجْز عنها، لكن إن كان عجزُه بتفريط منه في أدائها طُولبَ بها في الآخرة، وأُخِذَ لصاحبها من حسناته.
وإن كان عَجْزهُ بغير تفريط كمن احترق ماله، أو غرق، أو كان الإتلاف خطأ مع عجزه عن ضمانِهِ، ففي إشغال ذمَّتِهِ به وأخذ أصحابها من حسناته نظرٌ، ولم أقفْ على كلام شافٍ للنَّاس في ذلك، والله أعلم.
فائدة
قولهم: "من مَلَكَ الإنشاءَ لعقدِ مَلَك الإقرارَ به، ومن عَجَزَ عن إنشائه عَجَزَ عن الإقرار به"، غير مطَّرِدٍ ولا منعكس . فأما اختلال طَرْدِه ففي (٢) مسائل:
стр. 1418
أحدها: ولىُّ المرأة غير المُجبرة يملكُ إنشاءَ العقد عليها دون الإقرار به.
الثانية: الوكيلُ في الشِّراء إذا ادَّعى أنَّه اشترى ما وكِّل فيه وأنكره الموكِلُ، لم يقبلْ إقراره عليه مع ملكه لإنشائه (١).
الثالثة: الوكيلُ بالبيع إذا أقرَّ به، وأنكر المُوكِلُ، فالقولُ قولٌ الموكِل.
وأما اختلالُ عكسه ففي مسائل:
أحدها: أن العاقل لا يملك (٢) إنشاءَ إرقاق نفسه، ولو أقرَّ به قُبِلَ، فهذا عاجزٌ عن الإنشاء قادرٌ على الإقرار.
الثَّانية: المرأةُ عاجزة عن إنشاء النكاح، ولو أقرَّتْ به قبِل إقرارُها.
الثَّالثة: لو أقرَّ العبدُ المرهون (٣) بعد الحَجر عليه بِدَيْن، قبِلَ إقرارُه ولم يملكِ الإنشاء.
الرابعة: لو أقر المريضُ لأجنبي أنَّه كان وهبه في الصِّحَّة ما يزيد على الثلثِ، قُبِلَ إقرارهُ في أصحِّ الرِّوايتين ولم يملكِ الإنشاءَ.
الخامسة: الحاكم إذا قال بعد العزل: كنتُ حكمتُ في ولايتي لفلان عن فلان بكذا، قُبلَ قولُهُ وحده، وإن لم يملكِ الإنشاءَ، وكذلك لو قال القاضي المعزول عن مالٍ في يد أمين: أُقِرُّ أنَّه تسلَّمَهُ منه هو لفلان، وقال الأمين: بل هو لفلان، قُبِلَ قول القاضي دون الأمين.
стр. 1419
وهذه المسألةُ مما يُعَايا بها وهي: رجلان في يد أحدهما مالٌ وهو أمين عليه، والآخرُ ليس الحال في يده، ولا له عليه حكْمٌ، ولا هو أمين عليه، يقبل إقرار هذا الثاني بالمال دون الأمين.
* * *
стр. 1420
فائدة (١)
من كان يعلمُ أن الموت مدركُه ... والقبرُ مسكنه والبعث مخرجهُ
وأنَّه بين جناتٍ ستُبهِجُهُ ... يومَ القيامةِ أو نار ستنضِجُهُ
فكلُّ شيءٍ سوى التَّقوى به سَمِجٌ ... وما أقام عليه منه أسمجُهُ
ترى الذي اتَّخذ الدُّنيا له وطنًا ... لم يدرِ أن المنايا سوف تزعِجُهُ (٢)
* * *
تظلُّ على أكتاف أبطالها القنا ... وهابَتْكَ في أغمادِهِنَّ المناصلُ
تحَامَى الرَّزَايا كُلَّ خُفِّ ومَنسمٍ ... وتَلْقَى رَدَاهُنَّ الذُّرَى والكَاهِلُ
وترجِعُ أعقابُ الرِّماح سَلِيمة ... وقد حُطِّمتْ في الدَّارِعِينَ العَواملُ
فإن كنتَ تبغي العَيْشَ فابغ توسُّطًا ... فعند التناهي يقصُرُ المتطاوِلُ (٣)
* * **
стр. 1421
من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني (١)
* هل للذِّمِّي أن يُصلِّي بإذن المسلم؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يجوز له، أذِنَ المسلم أو لم يأذَن؛ لأنَّه حقٌّ لله تعالى. أجاب ابنُ عَقِيل مثلَه.
* هل يصحُّ أن يَقِفَ على المسجد ستورًا؟
أجاب أبو الخطَّاب: يصحُّ وقفُها على المسجد، ويبيعها وتنفَقُ أثمانها على عمارته، ولا تُسْتَر حيطانُه (٢) بخلاف الكعبة، فإنَّها خصَّت بذلك كما خُصَّت بالطواف حولَها.
وأجاب ابنُ عقيل: لا ينعقدُ هذا الوقف رأسًا، لأنَّه بدعةٌ، وهو على حكم الميراث.
* إذا وجد لُقَطَة فخاف إذا عَرَّفها أن ينتَزِعَها ظالم؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يكونُ معذورًا في ترك التعريف ولا يملكها إلَّا بعد تعريفها.
أجاب ابنُ عَقيل: التَّعريفُ يُرادُ لحِفْظِها على مالكها، وهذا التَّعريف يُفضي إلى تضييعها، فيدعُها أبدًا في يده، إلى أن يجدَ فُسْحة وأمنًا، فَيعَرِّفها حولًا.
стр. 1422
* إذا وجد في البَرِّيَّة شاةً .. ؟
أَخَدها فذبحها ووجَبَ عليه ضمانُها إذا جاء مالكُها، وفي المصر يُعَرِّفُها؛ لأن الظاهر أنَّها خرجتْ من دار أهل المحلَّة بحلاف البَرِّيَّة، هذا جواب أبي الخطاب.
وجواب ابنِ عقيل: لا يجوز له ذبحُها، وإن ذبحَها أثِمَ، ولَزِمَهُ ضمان قيمتها.
* إذا صادر السلطانُ إنسانًا وعنده وديعةٌ هل يضمنُ؟
أجاب أبو الخطاب: عليه الإثمُ والضَّمان إذا فرَّط فيها، فإن تحقَّقَ أنَّه يتأذَّى في نفسه كان عليه الضَّمان من غير إثم، فإن استدعى السلطانُ المُودِعَ إذا لم يَدُلَّه عليها، وأُخِذت بغير اختيار فلا ضمان عليه.
جوابُ ابن عَقِيل: إذا غلب على ظنِّه أنَّه يأخذها منه بإقراره، كان ذلك دلالة عليها وعليه الضَّمان.
* إذا كان عنده وديعةٌ فاعترض السلطان لها ظلمًا؟
أجاب أبو الخطّاب: إن حَلَفَ وروَّى عنها وتأوَّلَ كان مثابًا، مثل (١) أن يحلفَ إنَّه لم يودعْني في المسجد الحرام، أو بموضع لم يَسْلكاه، أو في زمان كرمضان ونحوه، فإن لم يحلفْ وأخذها السلطانُ من حِرْزهِ لم يضمِنْ، فإن طلب منه أن يحلفَ بالطَّلاق فدفعها إليه أو دلَّه على مكانها ضمنَ.
стр. 1423
وأجابَ ابنُ عقيل: لا يسقطُ الضَّمان بخوف من وقوع الطلاق، بل يضمنُ دفعها إليه؛ لأنَّه افتدى بها عن ضَررِهِ بوقوع الطلاق.
* إذا كان كلبُ المسلمِ قد علَّمه مجوسِيٌّ؟
أجاب أبو الخطَّاب وابنُ عَقِيل: لا يُكره للمسلم أن يصطادَ به.
* هل يجوز للحاكم أن يسمع شهادة أبيه وأبنه ويحكم بها؟
أجاب أبو الخطَّاب: تجوز له سماع شهادتهما لغيره ويحكم بها.
جواب ابن عقيل: يجوز إذا لم يتعلق عليهما من ذلك تهمة، ولم يوجب لهما بقبول شهادتهما ريبة لم تثبت بطريق التزكية.
* إذا سأل الحاكم الشهود عن مستند شهادتهم، فقالوا: أخبرنا جماعة؟
أجاب أبو الخطَّاب: تقبل شهادتهم في ذلك ويحكم فيه بشهادة الاستفاضة.
جواب ابن عقيل: إن صرَّحا بالاستفاضة أو استفاض بين النَّاس، قبِل في الوفاة والنسب جميعًا.
* هل يجوزُ كتابةُ المصحف بالذّهب؟ وهل تجبُ فيه الزكاة؟ فإن وجبتْ فهل يجوزُ حَكُّهُ لمعرفة قدره؟
أجاب أبو الخطَّاب: تجِبُ فيه الزَّكاة إن كان نِصابًا ويجوز له حَكَّهُ وأخذه.
وسُئل عنها ابنُ الزَّغواني فأجاب: كَتْب القرآن بالذهب حرامٌ؛
стр. 1424
لأنَّه من جملة زخرفة (١) المصاحف، ويؤمرُ بحكه وردعه، وإن كان مما إذا حُكَّ اجتمع منه شيء يتموَّلُ، وجبت فيه الزكاةُ، ولأنَّه ينزَّلُ منزلةَ الأواني المحرَّمة: وإن كان إذا حُكَّ لا يجتمع منه شيء (٢) كان بمنزلة التَّالف فلا شيء فيه.
* إذا أجَّرت امرأةٌ نفْسَها للرَّضاع، فكان الصَّومُ يُنْقِصُ من لبنها أو يُغَيِّرُه، فطالبها أهل الصَّبيِّ بالفطر في رمضان لأجل ذلك، هل يجوز لها الفطر؟ فإن لم يَجُزْ هل يثبت لأهل الصَّبيِّ الخيار؟ وما المانع من جوازه وقد قلنا: يجوز للأم أن تفطرَ؟
أجاب أبو الخطَّاب: إذا كانت قد أجَّرتْ نفسها إجارةً صحيحةً جاز لها الإفطار إذا نقص لبنُها أو تغيَّرَ، بحيث يتأذَّى بذلك المرتضعُ، وإذا امتنعت لزمَها ذلك، فإن لم تفعلْ كان لأهل الصبيِّ الخيارُ في الفسخ.
وأجاب ابن الزغواني -وقد سئل عنها-: يجوز لها أن تُؤجَر نفسَها للرَّضاع لولدها ولغير ولدِها، سواء وُجد غيرها أم لم يوجد، فإذا أدركها الصومُ الفرضُ فإن كان لا يلحَقُها المشقَّةُ ولا يلحقُ الصَّبِيَّ الضَّرَرُ لم يَجُزْ لها الفطرُ، وإن لحقها المشقَّة في خاصَّتها دون الصَّبيَّ جاز لها الفطرُ، وتقضي ولا فديةَ عليها، وإن لحقها ولحق الصَّبيَّ المشَقَّة والضَّرر جاز لها الفطرُ، ووجب عليها مع القضاء الفدية، وإن أبتْ الفطر مع تغيير اللَّبن ونقصانه بالصّوم، فمستأجرها لرَضاع الصَّبِيِّ بالخِيار في المُقام على العقد وفي الفسخ، فإن قصدت
стр. 1425
بالصّوم الإضرار بالصَّبِيِّ أثِمتْ وعَصَتْ، وكان للحاكم إلزامُها الفطرَ إذا طلب ذلك.
* إذا علَّم أحدُ النَّاس قردًا أن يدخل دور النَّاس ويخرِجَ (١) المتاع، فهل يُقطعُ بذلك صاحبةُ؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يلزمه القطعُ.
وأجاب ابنُ عَقِيلٍ: لا حكمَ لفعل القرد في نفسه ولا قطعَ على صاحبِهِ، وإنَّما عليه الرَّدّ لما أخَذهُ، والغُرْمُ لما أتلفه.
وسئل ابنُ الزغوانيِّ عن هذه المسألة بعينها وقيل له: ما الفرقُ بينبها وبين ما لو أمر صَبيًا لا يعقل بالقتل، فإنَّه يجب القَوَد على الآمِرِ؟ فأجاب: بأنه لا قطعَ ويجبُ الرَّدُّ والضَّمان. وأمَّا إذا أمر صبيًّا (٢) أو أعجميًّا فإنَّه يتعلق به الضَّمان؛ لأن فعل الصَّبِيِّ أو الأعجميِّ مضمون في الخطأ على عاقِلَتِهِ. وقد قال قومٌ من الفقهاء: للصَّبِيِّ عملٌ في القتل، ولم يقلْ أحدٌ في فعل القرد مثلَ ذلك.
قلتُ: لو قيل بالقطع لكان أولى؛ لأن القردَ آلتهُ فهو ككُلَّابِهِ وخطَّافَتِهِ، وكما لو رمى حبلًا فيه دبقٌ (٣) فَعلِقَ به المتاعُ، ولا يَقْوَى الفرق بين هذه الصُّورة ومسألة القرد، وقد قالوا: لو أرسَلَ عليه حيَّة أو سبُعًا فقتله أُقِيْدَ به فنزَّلوا الحيَّة والسَّبُعَ منزلةَ سلاحِهِ، فتنزيل القرد هنا منزلةَ آلتهِ وعُدَّتِهِ التي يتناولُ بها المتاعَ منه أولى؛ لأن (٤) الأسبابُ
стр. 1426
التي يُخرَجُ بها المسروق (١) من الحِرز لا يمكنُ الاحترازُ منها غالبًا، وأسباب القتل يمكنُ الاحتراز منها غالبًا. وأيضًا فجناية القرد حصلت بتعليم صاحبه، وجنايةُ الحيَّة والسَّبُع لم يحصل بتعليم من أنهشهما، والله أعلم.
* إذا رأى إنسانًا يغرق ولا يمكنه تخليصه إلَّا بأن يُفْطِرَ، فهل يجوز له الفطرُ؟
أجاب أبو الخطَّاب: يجوزُ له الفطر إذا تيَقَّنَ تخليصَهُ من الغرق ولم يمكنه الصَّوم مع التخليص.
وأجاب ابن الزاغوني عنها: إذا كان يقدر على تخليصه وغلب على ظنِّه ذلك، لزمه الإفطارُ وتخليصه، ولا فرق بين أن يُفطِرَ (٢) بدخول الماء في حلقه وقتَ السِّباحة، أو كان يجدُ من نفسِه ضعفًا عن تخليصِه لأجل الجوع حتَّى يأكلَ؛ لأنَّه يُفطر للسفر المُباح فَلأَن يُفْطِرَ للواجب أولى.
قلت: أسباب الفِطر أربعة: السَّفرُ، والمرضُ، والحيض (٣)، والخوفُ على هلاك: من يُخشى عليه بصومه كالمُرضع والحامل إذا خافتا على ولديهما، ومثله مسألة الغريق.
وأجاز شيخُنا ابنُ تيمية الفطرَ للتَّقَوِّيّ على الجهاد وفَعَلهُ، وأفتى به لما نازلَ العدوُّ دمشق في رمضان (٤)، فأنكر عليه بعضُ المتَفَقِّهة،
стр. 1427
وقال: ليس هذا بسفر طويل، فقال الشَّيخ: هذا فطرٌ للتَّقَوِّي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر لسفر يومين سفرًا مُباحًا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوَّهُم وهم صيامٌ لم يُمْكِنْهمُ النكايةُ فيهم، وربما أضعفهم الصَّومُ عن القتال، فاستباح العدوُّ بيضةَ الإسلام، وهل يشكُّ فقيه أن الفطر هاهنا أولى من فطر المسافر، وقد أمرهم النَّبيّ ﷺ في غَزَاة الفتح بالإفطار لِيَتَقَوَّوْا على عدوُّهم (١)، فعلَّل ذلك للقُوَّة على العدو لا للسَّفَر، والله أعلم.
قلت: إذا جار فطرُ الحامل والمُرْضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يُخَلِّص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقط غلط، بل هذا أمرٌ من باب قياس الأوْلى (٢)، ومن باب دلالة النَّصِّ وإيمائه.
* إذا وطئ ميتةً هل يجبُ إعادةُ غسلها؟
أجاب ابن الزاغوني: ينظرُ فيه فإن كان صُلِّيَ عليها فلا غسل عليها؛ لأن الغسلَ طهارتُها لأجل الصَّلاة عليها، وقد سقط فرض الصَّلاة عنها بالأولى، غير أنه يمنعُ من إعادة الصَّلاة عليها بعد ذلك، وإن لم يكنْ صلَّى عليها أعيدَ غسلها.
وقد اختلف أصحابُنا في وطء الميتة هل يوجب الحَدَّ وينشرُ الحرمةَ؟ على وجهين: أحدهما: يوجب الحَدَّ وينشرُ الحُرْمَةَ، فعلى
стр. 1428
هذا إيجابُ الغسل أولى، والثَّاني: لا يوجبُ الحَدَّ ولا ينشر الحرمة، فعلى هذا (١) يكون الأمر على التفصيل المتقدِّم.
وأجاب أبو الخطَّاب عن هذه المسألة بأن قال: يجبُ غسلُها بعدَ الوِطء، كذا الظاهرُ عندي، ولا أعرف فيه رواية.
* إذا تيمم الصبي ثمّ بلغ، هل يبطل تيممه (٢)؟
أجاب أبو الخطاب: يجوز له الصَّلاة بذلك التَّيمم في رواية، وكذلك إذا تيمم البالغ: قبل الوقت؛ ففيه روايتان:
إحداهما: يصح تيممه.
والأخرى: لا يصح، فالصبي مثله.
وأجاب ابنُ عقيل: هذا قد تيمم لنافلة؛ لأنه لا تجب عليه الصَّلاة (٣)، وإذا تيمم لنافلة لم يجز أن يصلَّي بها فريضة.
وأجاب ابنُ الزاغواني: اختلف أصحابنا في الصبي إذا بلغ عشر سنين؛ هل يكون مكلَّفًا بالصلاة أم لا؟.
أحدهما: لا تجب عليه، وهو اختيار الخِرَقي، فعلى هذا إذا بلغ بعد التَّيمم وجب عليه إعادته؛ لأنَّه فَعَل التَّيمم لصلاة نافلة، فلا يصلِّي به الفرض.
والثاني: أنَّه مكلَّف بالصلاة، وهو اختيار أبي بكر
стр. 1429
عبد العزيز، فعلى هذا لا يُعيد التَّيمم؛ لأنَّه تيمم واجب عليه لصلاة مفروضة.
قلت: لا وجه لبطلان تيممه، نعم إذا قلنا: التَّيمم لا يرفع الحدث، ولا يتيمم لفرضٍ قبل وقته (١) صَلَّى بهذا التيمم بعد بلوغه ما شاء من النوافل، والصَّواب أنَّه يصلِّي به الفرضَ -أيضًا-.
* إذا امتنع من صلاة الجمعة، وقال: أنا أصلِّي الظُّهْرَ هل يُقْتَلُ أم لا؟
أجاب أبو الخطَّاب: يُستتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل.
زاد ابنُ عَقِيل في جوابه: إذا لم يكن على وجهٍ قد اعتقد اعتقادَ بعض المجتهدين في أنَّها لا تنعقدُ في القرايا.
جوابُ ابنِ الزَّغواني: الجمعةُ تُفعلُ في موضعينِ:
أحدهما: متَّفقٌ على وجوبه فيه، وهو البلدُ الكبير الواسع مع إذن الإمام في إقامتها، فهذا متى ترك الجمعةَ في هذه الحالة قُتِلَ كما يُقتَلُ في سائر الصَّلوات.
والموضعُ الثَّاني: ما اختلف الفقهاءُ في وجوبها معه كالأرباض والقرايا، وإذا لم يأذَنِ الإمامُ، وأمثال ذلك، فهذا إن تركَ الجمعةَ متأوِّلًا قولَ أحد من الفقهاء، فإنَّه يكونُ معذورًا بذلك ولا يُعتَرَضُ عليه.
* إذا كان للأخرسِ إشارةٌ مفهومة فأشار بها في صلاته هل تَبْطُل؟
أجاب ابنُ الزّاغوني: أما الإشارة بردِّ السَّلام فلا تُبْطِلُ الصَّلاةَ من
стр. 1430
الأخرس والمتكلِّم، وأمَّا غيرُ ذلك فإنه يجري منهما مجرى العمل في (١) الصَّلاة، إن كان يسيرًا عُفِيَ عنه، وإن كان كثيرًا أبطلَ الصَّلاةَ.
وجواب أبي الخطَّاب: إذا كَثرُ ذلك منه بَطَلَتْ صلاتُهُ.
وجواب ابن عَقِيل: إشارتُه المفهومةُ تجري مجرى الكلام، فإن كانت بردِّ السَّلام خاصَّة لم تَبْطُلْ صلاتُهُ، وما سوى ذلك تَبْطُل.
قلت: إشارةُ الأخرس مُنَزَّلة منزلةَ كلامه مطلقًا، وأمَّا تنزيلها منزلةَ الكلام في غير ردِّ السَّلام خاصة فلا وجهَ له، وإنَّما كان ردُّ السَّلام من النَّاطقِ بالإشارةِ غيرَ مُبْطل في أصحِّ قولي العلماء، كما دلَّ عليه النص؛ لأنَّ إشارته لم تُنزَّل منزِلةَ كلامِهِ، بخلاف الأخرسِ فإن إشارتَهُ المفهمةَ ككلام الناطق في سائر الأحكام.
* إذا توضأ بماء زمزم هل يجوز أم لا؟
أجاب ابنُ الزاغوني: لا يختلف المذهب أنَّه منهيٌّ عن الوضوء به، والأصل في النَّهي قول العباس: "لا أُحلِّها لمغتسل، وهي لشارب حِلٌّ وَبِلٌّ" (٢)، واختُلِف في السبب الذي لأجله ثبتَ النَّهي، وفيه طريقان:
أحدهما: أنَّه اختيارُ الواقف وشرطُه، وهو قول العباس.
وقد اختلف أصحابُنا في مسألةٍ مثل هذه، وهي: أن رجلًا لو سَبَّلَ ماءً للشُّرْب، فهل يجوزُ لأحد أن يأخذ منها ما يَتَوضَّأ به؟ قال
стр. 1431
بعضُهم: يجوز ويُكرَهُ، فعلى هذا يكون النّهيُ عنها كراهية تنزيه لا تحريم.
وقال آخرون من أصحابنا: لا يجوز له الوضوءُ به؛ لأنَّه خالف مرادَ الواقفِ، فعلى هذا لا يجوز الوضوءُ بماء زمزم.
فأمَّا الطريقُ الآخرُ: أن سببَهُ الكرامةُ والتعظيمُ.
فإن قلنا: ما يتحدَّرُ من أعضاء المُتَوضِّئ طاهرٌ غير مُطَهِّر، كأَشْهَر الرِّوايات كُرِهَ الوضوءُ بماء زمزم.
وإن قلنَا بالرواية الثَّانية: إنَّه يحكم بنجاسة ما ينفصل من أعضاء الوضوء حرمَ الوضوءُ به (١).
وإن قلنا بالرِّواية الثالثة: إنَّ المنفصلَ طاهرٌ مطهِّرٌ لم يَحْرُمِ الوضوء به ولم يُكْرَهُ؛ لأنَّه لم يؤثر الوضوء فيه بما يوجب رفع التعظيم عنه، فأمَّا إن أزال به نجاسة وتغير كان فعله محرمًا، وإن لم يتغيَّر وكان في الغسلة السابعة؛ فهل يحرم أو يكره؟ على روايتين.
وإن قلنا: إن الماءَ لا ينجس إلَّا بالتَّغَيُّر، فمتى انفصل غيرَ مُتَغَيِّر في أيِّ الغَسْلاتِ كان، كُرِهَ ولم يحرُمْ.
قلت: وطريقةُ شيخِنا شيخِ الإسلام ابن تيْميَّةَ كراهة الغُسل به دود الوضوء، وفرَّقَ بأن غُسْلَ الجَنابة يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه، ولهذا عمَّ البَدَن كلَّه لما صار كلّه جُنُبًا، ولأن حَدَثها أغلظُ، ولأن العباس إنما حَجَرها على المغتسل خاصَّة (٢).
стр. 1432
وجواب أبي الخطَّاب وابن عَقِيل: يصحُّ الوضوءُ به رواية واحدة، وهل تُكْرَهُ؟ على روايتين.
* إذا صَلَّى سهوًا خلف المرأة؟
أجاب أبو الخطاب: تلزمه الإعادة إذا علم، وتجوز إمامة المرأة بالنساء، ويجوز على رواية عن أحمد أن تصلي بالرجال نافلة، وتكون وراءهم وهي بعيدة.
قلت: إن كان أميًّا وهي قارئة لم تلزمه الإعادة، وإن كان قارئًا مثلها، ففي وجوب الإعادة نظر؛ إذ غاية ذلك أن يكون كمن (١) صلى خلف محدِث لا يعلم حدثه، فإنه لا تلزمه الإعادة، وهاهنا أولى؛ لأنَّ صلاة المرأة في نفسها صحيحة، بخلاف المحدِث.
وأجاب ابنُ الزاغواني: إذا علم بذلك حُكِم ببطلان صلاته وعليه الإعادة، ولم يجوّر إمامنا أحمد أن يتابع رجلٌ امرأة في الصلاة مفترضًا، فأمَّا في النفل فإنَّه أجازه في موضع واحد، وهو إذا كانت امرأة تحفظ القرآن، فإنَّه يجوز للأمي أن يتابعها في النافلة كصلاة التراويح، وتكون صفوف الرجال بين يديها، والنساء (٢) خلفهم.
* إذا قال: بعتك هذه السِّلعة، ولم يسمِّ الثَّمن؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يصح البيع، وإذا قبض السِّلعة فهي مضمونة عليه.
وجواب ابن الزاعوني: أما البيع من غير ذكر العِوَض فباطل،
стр. 1433
وإذا قبض (١) السلعة عند هذا العقد فعليه ردُّها، فإن تلفت تحت يده وجب عليه ضمانها في المشهور من المذهب؛ لأنَّها تجرىِ مجرى المقبوضة على وجه السوْم، وقد روي عن أحمد في المقبوض على وجه السَّوْم إذا تلِفَ من غير تفريط فلا ضمان فيه ومثله هاهنا.
وجوابُ (ق/٣٣٢ ب) شيخنا ابن تيميّة (٢): صحَّةُ البيع بدونِ تسمية الثمن؛ لانصرافه إلى ثمن المِثلِ كالنكاح والإجارة، كَما في دخول الحمام ودفع الثوب إلى القصَّار والغسال، واللَّحم إلى الطبَّاخ، ونظائره، قال: فالمُعاوضة بثمن المثل ثابتةٌ بالنَّصَ والإجماع في النكاح، وبالنص في إجارة المرْضِع، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وعمل النَّاس قديمًا وحديثًا عليه في كثير من عقود الإجارة، وكذلك البيع بما ينقطعُ به السعر، هو بيع بثمن المثل، وقد نص أحمد على جوازه، وعملُ الأمَّة عليه.
قلت: والمحرِّمونَ له لا يكادون يخلُصون منه، فإنَّ الرجلَ يعاملُ اللَّحَّامَ والخبازَ والبقَّالَ وغيرهم، ويأخذُ كُلَّ يوم ما يحتاجُ إليه من أحدِهم من غير تقدير ثمن بل بثمن المثْل الذي ينقطع به السعر (٣)، وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها، فحاجة النَّاس إلى هذه المسألة تجري مجرى الضَّرورة، وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه ألبتَهَّ، كيف وقد جاء بجوازه في العقد الذي الوفاء بموجبه آكد من غيره من العقود، وهو النِّكاح؟! وتفريقُهم بينه وبين البيع بأن الصَّداق دخل (٤) فيه لا يَصِحُّ،
стр. 1434
بل هو ركنٌ فيه بطل (١) العقدُ بنفيه، كما نص عليه صاحبُ الشرع في الشِّغار، وجاء بجوازه أيضًا في عقد الإجارة الذي تقدير العِوَض فيها آكَدُ من تقديره في البيع؛ لأنَّ قيمة العَينِ في البيع أقلُّ اختلافًا من قيمة المنفعة؛ لأنَّها تتجَدَّدُ بتَجَدّدِ الأوقاتِ وتختلفُ باختلافها غالبًا، فإذا جازتِ الإجارةُ بِعوض المِثْل، فالبيعُ بثمن المثل (٢) وما ينقطعُ به السعر أولى، ولو فرعنا على بُطلان العَقد؛ فالمقبوض به يضمَن بنظيره، وهو إمَّا مثْلُه وإما قيمتُهُ، ولا يصِحُّ إلحاقُهُ بالمقبوض على وجه السَّوم، فإنّ القابض هناك لم يدخلْ على أنَّه ضامن، بل مختبر مُقَلِّب للمقبوض، والقابض هنا دخل على أنَّه ضامِن بثمن المِثلِ لمْ يقبضه على أنَّهُ مستام مقلب، بل مالكٍ له بِعِوَضِهِ فإذا تلف ضَمِنَهُ.
فإن قيل: هو لم يملكْهُ بهذا العَقد الفاسد، قلنا: دخل على أنَّه مالكٌ ضامنٌ، فلا وجهَ لإسقاط الضَّمان عنه، وكونه لم يملكْهُ في نفس الأمر لا يوجب سقوطَ الضمان عنه كالمستعار والمقبوض بالعقود الفاسدة والمغصوب، وأمَّا إذا فرَّعنا على صحة العَقد؛ فالضمان يكون بثمن المثل وهو القيمة لا بالمثل نفسه، والله أعلم.
* (ظ/٢٣٠ أ) كم قدرُ الترابِ المعتبرِ في الوُلوغ؟
جواب أبي الخطَّاب: ليس له حَدّ، وإنما هو بحيث تمر أجزاءُ التُّرابِ مع الماء على جميع الإناء.
وأجابَ ابن عقيل: يكونُ بحيث تظهرُ صفتُهُ ويُغيِّرُ صفة الماء.
وأجاب ابنُ الزاغوني فقال: النَّجاسات على ضربين:
стр. 1435
نجاسةٌ لا تزول عن مَحَلِّها إلَّا بالحَتِّ والفَركِ والتُّراب الذي يظهر أثرُه، فهذا الحتُّ والقَرْص والتُّراب في إزالتها واجبٌ.
الثَّاني: ما يكفي فيها إفراغُ الماء، ففي وجوب التُّراب فيها لأصحابنا وجهان؛ أحدُهما: وجوبُه عينًا، وهو اختيار أبي بكر، والثَّاني: مستحبٌّ غير واجب، والقائلون بوجوبه إذا كان المغسولُ مما لا يضرُّهُ التُّراب الكثير فلابُدَّ أن يطرحَ (١) في الغسل ما يؤثِّرُ، وإن كان ممن يضرّهُ التُّرابُ كالثوب ونحوه، فهل يجزيه ما يقعُ عليه اسمُ التُّراب وإن لم يظهرْ أثرهُ؛ فيه من أصحابنا وجهان؛ أحدهما: لا يجْزِئُهُ إلَّا ما يظهر أثره، الثَّاني: يجزئُه ما يقعُ على الاسم، وإن لم يظهرْ أثره.
وهل ينوب عنه الصابونُ والأُشنانُ وأمثالُ ذلك، مما يضرُّه التُّراب؟ فيه أيضًا عن أصحابنا وجهان.
* إذا قلنا: الواجبُ التَّوَجُّهُ إلى عَيْنِ القِبْلَةِ وكان الصَّفُّ طويلًا يزيد على سَمْتِ الكعبة؟
اختلف كلامُ أحمد في ذلك على روايتين:
إحداهما: أن طولَ الصَّفِّ مع البعدِ الكثير لا يُؤَثِّرُ ذلك مَيْلًا عن الكعبة إلّا قدْرًا يَخْفى أَمرُهُ ويعسُرُ اعتبارُه، لا سيَّما فيما هو مأخوذٌ بالاجتهاد فعُفي عنه.
والرِّواية الثَّانية: أنَّه إذا طال الصَّفُ من جانبي الإمام انحرفَ الطَّرَفانِ إلى ما يلي الإمامَ انحرافًا يسيرًا، يجمعُ به توجيهَ الجميع إلى العين،
стр. 1436
ولا يشبهُ هذا اختلاف المجتهدين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المجتهدين يعتقدُ خطأَ صاحِبهِ في اجتهاده، وفي مسألتنا قد اتَّفقا في الاجتهاد.
قلت: الصَّوابُ أنَّه مع كثرة البُعد يكثُرُ المحاذي للعين.
فإن قيل: هذا إنَّما يكون مع التَّقوُّس كالدَّائرة حول النُّقطة، قلنا: تعم، ولكن الدَّائرة إذا عظُمتْ واتَّسعتْ جدًّا، فإن التَّقَوُّسَ لا يظهرُ في جوانب محيطها إلّا خفيًّا، فيكون الخَطُّ الطَّويلُ مُتَقَوسًا نحو شَعَرَةٍ، وهَذا لا يظهرُ للحِسِّ.
* إذا وطئَ الصَّبِيِّ هل يَجبُ عليه الغُسْلُ؟
أجابَ ابنُ الزاغوني: هذا لا نُسَمِّيه جُنُبًا؛ لأنَّ الجُنُبَ اسمٌ لمن أنزل الماءَ، والصَّبيُّ لا ماء له، وهل يجبُ عليه الغسلُ لالتقاء الخِتَانين؟ ينظر فيه، فإن كان مراهقًا وهو أن يجدَ الشَّهوةَ في ذلك وجبَ عليه الاغتسالُ، وإن لم يجِد ذلك فلا غسل عَليه، لكن يؤمَرُ به تمرينًا وعادَة.
وهكذا أجابَ ابنُ عقيل عن هذه المسألة في صَبِيٍّ وطئَ مثلَهُ، قال: إذ كان له شهوة لَزِمَهُ الغُسلُ، وإن كان ذلك على سبيل اللَّعِب بغير شهوة فلا غُسلَ عليه (١).
* إذا سجدَ على شيء مرتفع لعُذر فهل يجوزُ؟
أجاب ابن الزَّاغوني: إذا كانت الأرضُ ذاتَ صعودٍ وهبوط فلا يَضُرُّ إن سجد على الأعلى، ويجلسُ في المنهبط، فأمَّا إذا كان متَّخِذًا كالدَّرجة والصُّفَّةِ، وأمثال ذلك ولا حاجةَ تدعوه إلى السُّجود عليها، فإنه لا يجوز له ذلك.
стр. 1437
وإن كان مريضًا لم يَجُزْ له أن يتعَمَّدَ مثل ذلك، بل يومئُ بركوعِهِ وسجوده، ولا يترُك تحتَ جبهتِه شيئًا دون الأرض يسجدُ عليه، فأمَّا إذا زُحِم ولم يقْدِرْ إلَّا أن يسجدَ على ظهر أخيه سجدَ على ظهر أخيه وأجزأَهُ.
وأجاب أبو الخطَّاب: إن كان ارتفاعُه بحيثُ يخرجُ به عن صِفَةِ السُّجود لم يجزِئْهُ، وإن فعل ذلك لعذر جاز.
* هل يجوزُ أن يُحْدِثَ مدارًا أو حمَّامًا يتأذَّى به الجيران؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يجوز له فعل ما يتأذَّى به عقار الجيران وأبنيتهم ويؤذيهم في أجسامهم.
وأجاب ابن عَقِيل: إذا كان ذلك في خاصَّة مُلكِهِ بحيث لا تَتَزلزلُ حيطانهم بالرَّحا، ولا يتعدَّى دخان نار حمّامِهِ ولا ينزو ماؤُه إلى جدار جارِهِ = جاز.
وأجاب ابن الزاغوني: لا يجوز له أن يَتَصرَّفَ في ملكه على وجه يضُرُّ بجيرانِهِ بزلزال حائط أو حَرٌ (١) نار أو ماءٍ ينزلُ إلى بالوعة، أو غير ذلك مما فيه ضَرَرٌ عليهم إلَّا بإذنهم.
* إذا قال القاضي للشاهدين: أعلمُكما أني حكمتُ بكذا وكذا، هل يجوز أن يقولا: أشهدنا على نفسه أنَّه حَكَم (٢) بكذا وكذا؟
أجاب ابنُ الزاغوني: الشَّهادةُ على الحاكم (٣) تكونُ في وقت حكمه،
стр. 1438
فأمَّا بعد ذلك فإنَّه مخْبِرٌ لكما بحكمه، فيقول الشاهد: أَخبَرني أو أَعْلَمني أنَّه حكم بكذا في وقت كذا.
وأجاب أبو الخطَّاب وابن عَقِيل (١): بأنه لا يجوز أن يقولا: "أشهدنا" (٢)، وإنَّما يقولان: أخبرنا أو أعلمنا.
قلت: الصَّوابُ المقطوع به أنَّه يجوز أن يقولا: "أشهدنا" كما يقولان: "أعلمنا وأخبرنا" (٣)؛ لأنَّ الخبر شهادةٌ فكلُّ مخبرِ شاهدٌ. قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] ثم ذكر شهادته فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦].
وقال ابن عباس: "شَهِدَ عندي رِجَالٌ مَرْضيُّونَ أنَّ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الصَّلاة بعد العصر" (٤) الحديث.
وقال علي بن المديني: أقول: إنَّ العَشرَةَ في الجنَّة، ولا أشهد بذلك، فقال الإمام أحمد: متى قلت: "هم في الجنَّة" فقد شهدتَ (٥).
قالْ شيخُنا: وهذا صريحٌ من أحمد أن لفظ الشَّهادة ليس بشرط، قال: وهو الصَّحيح (٦).
стр. 1439
قلت: على أحمد ثلاثُ رواياتِ منصوصات حكاها أبو عبد الله بن تيميَّة (١) في "ترغيبه" (٢).
أحدها: الاشتراط وهي المعروفة عند متأخِّري أصحابنا.
الثَّانية: عدم الاشتراط، اختارها شيخُنا.
الثَّالثة: الفرقُ بين الأقوال والأفعال، فإن شهدَ على الفعل؛ لم يشترط لفظ الشهادة، بل يكفيه أن يقولَ: "رأيتُ وشاهدتُ وتيقَّنتُ"، ونحوه، وإن شهود على القول؛ فلابُدَّ من لفظ الشهادة.
إذا عُرِفَ هذا، فإذا قال الحاكم: "أُعْلِمكما أو أُخْبِركما"، أو قال شاهدا الأصل لشاهدي الفرع: نُعلمُكُما أو نخبِرُكما بأنا نشهدُ بكذا وكذا، ساغ أن يقولا: "أشْهدَنا" كما يسوغ أن يقولا: "أخْبَرَنا وأَعْلَمَنَا"، ولا فرقَ بينهما ألبتةَ لا في اللفظ ولا في المعنى، ولا في الشرع ولا في الحقيقة، فالتَّفريقُ بينهما تفريق بين المتماثلين والشريعةُ تأباهُ، وقد كان رسول الله ﷺ يدفعُ كُتُبهُ إلى رُسُلِهِ يُنْفِذونها إلى المكتوب إليه، ولم يقل لأحدِ منهم: أُشْهِدُك أن هذا كتابي، وكان الرسولُ يدفَع كتابَه إلى المرسَل إليه، ولا يقول: أشهدُ أن هذا كتابُ رسول الله ﷺ ، ولا يقول: أَشْهدَنِي على ما فيه، ولو سُئِلَ الشهادةَ لشَهِدَ قطعًا وقال: أشهد أَنَّه كتابُهُ.
стр. 1440
ومما يدلُّ على أن لفظَ الشهادة غيرُ مُشْتَرط قولُهُ تعالى ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ومعلومٌ قطعًا أنَّه لم ينكرْ عليهم إلّا مُجَرَّدَ قولهم: إن الله حَرَّمَ هذا، لم يخصَّ الإنكار بقول من قال: نشهدُ أن الله حَرَّمَه (١)، ولا نهى رسوله أن يتلفَّظَ بالشَّهادةِ على التَّحريم، بل هو نهيٌ له أن يقولَ (٢): إن الله حَرَّمَه.
* رجلٌ قال لعبده: إذا فرغت من هذا العمل فأنت حُرٌّ، وقال: أردتُ أنَّك حرٌّ من العمل؟
أجاب ابن عَقِيل وأبو الخطَّاب وابن الزاغوني: لا يُقبل قولُه في ظاهر الحكم، وأمَّا ما بيْنهُ وبَيْنَ الله فيُحتَمَلُ.
قلت: أما التَّوقُّفْ لكونه يُدَيَّن (٣) فلا وجه له، فإنَّه إذا أراد بلفظِه ما يحتملُهُ ولم يخطرْ بقلبه العِتْق، وليس هناك قرينةٌ ظاهرةٌ تكذبُهُ فهو أعلم بنيَّتِهِ ومرادِهِ، وقد قال أحمد في رواية بشر بن موسى في الرجل يكتبُ إلى أخيه: أعتقْ جاريتي فلانة، ويريد أن يتهدَّدها بذلك، وينوي التَّصْحِيف: أكره ذلك ولا يُخبِرُه (٤) وهو عَبَثٌ، فيهدِّدها ويَسَعُه في ما بينه وبينَ الله أن يبيعَها والقاضي يفرِّقُ بينهما.
قلت: مرادُهُ بالتَّصحيفِ التعريض، وكأنه تصحيفٌ للمعنى، وهو العدول باللفظ عن معناه الموضوع له، وقد قال في رواية أبي الحارث إذا