← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وقال في رواية مهنَّا وعبدُ الله (١): صلاةُ التسبيح لم تثبُتْ عندي، فيها حديثٌ سيئٌ. وقال في رواية أبي الحارث: صلاةُ التسبيح حديثٌ ليس لها أصل، ما يعجبُني أن يصَلِّيَها، يصلِّي غيرها. وقال علي بن سعيد النسائي: ذكرتُ لأبى عبد الله حديثَ عبد الله ابن مُرَّة من رواية المستمر بن الرَّيَّان (٢)؟ فقال: "المستمرُّ شيخ ثقة" (٣)، وكأنه أعْجَبَهُ. الأثرمُ عنه في الركعتين قبل المغرب، قال: أحاديثُ جيادٌ، أو قال صحاحٌ عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعينَ (٤)، فمن شاء صلَّى بينَ الأذان والإقامة. وعنه الفضل بن زياد: ما فَعَلْتُهُ قطُّ إلَّا مَرَّةً، فلم أرَ الناسَ عليه فتركتُها (٥). وقال في رواية حنبل: السُّنَّةُ أن يُصَلِّيَ الرجلُ الركعتينِ بعدَ المغرب في بيتِه، كذا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أصحابه.

стр. 1577

قال السائب بن زيد: لقد رأيتُ الناسَ في زمانِ عمر بن الخطَّاب إذا انصرفوا من المغربِ انصرفوا جميعًا حتى لا يبقى في المسجدِ أحدٌ، كأنه لا يصلُّونَ بعدَ المغربِ حتى (١) يصيروا إلى أهليهم (٢). فإن صلَّى الركعتينِ في المسجدِ فهل يُجْزئُهُ؟ اختلف قوله. روى عبد الله (٣) عنه أنه قال: بلغني عن رجلٍ سمَّاه، أنه قال: لو أن رجلًا صلَّى الرَّكعتينِ في المسجدِ بعدَ المغرب ما أجزأَهُ (٤)، (ق/ ٣٥١ ب) وقال: ما أحسنَ ما قالَ هذا الرجلُ، وما أجودَ ما انتزَعَ. ووَجْهه (٥): أمرُ النبيِّ ﷺ بالصَّلاة في البيوتِ. وقال له المرُّوْذي: من صلَّى الركعتينِ بعد المغرب في المسجدِ يكونُ عاصيًا؟ قال: ما أعرفُ هذا. قلت له: يُحكى عن أبي ثَوْر أنه قال: هو عاصٍ؟ قال: لعله ذَهَبَ إلى قول النبي ﷺ : "اجْعَلُوهَا في بُيوتكُمْ" (٦). ووَجْهه: أنه لو صلَّى الفرضَ في البيت، وتَرَكَ المسجدَ أجزأه،

стр. 1578

فكذا السُّنَّة في المسجد. قلت: ليس هذا وجهَهُ عند أحمد، وإنما وَجْهُهُ أن السُّنَنَ لا يُشترطُ لها مكانٌ مُعَيَّنٌ ولا جماعة، فتُفْعَل في المسجد والبيت، والله أعلم. * قال في روايةِ الميموني والمرُّوْذيِّ: يستحبُّ أن لا يكونَ قبلَ الرَّكعتينِ بعدَ المغربِ إلى أن تُصَلِّيَهما كلام. وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمدَ سلَّم الإمام من صلاةِ المغربِ، قام ولم يَتَكَلَّم ولم يركعْ في المسجدِ، وتكلَّمَ قبل أن يدخُلَ الدَّار. وَجْه الكراهَةِ: قولُ مكحول: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، يعني: قَبْلَ أَنْ يَتكَلَّم -رُفِعَتْ صَلاتُهُ في عِلِّيِّينَ" (١) ولأنه يَصِلُ النفلَ بالفرضِ (٢). قال أحمد في رواية حرب، ويعقوبَ، وإبراهيمَ بن هانئ (٣): إن تَرَكَ ركعتي المغربِ لا يُعيدُهما، إنما هما تَطَوُّعٌ. المرُّوْذي: رأيت أبا عبد الله يركعُ فيما بينَ المغرب والعشاء. * المرُّوْدْيُّ عنه: في رجل يريدُ سفرًا فيقصرُ يومًا ثم يبدو له، فيرجعُ: يتمُّ (٤)، وجاءه رسولُ الخليفة ردَّهُ من بعضِ الطريق في اللَّيلِ فأتم الصلاةَ، فقيل له: أليسن نجن مسافرونَ؟ قال: أما السَّاعةُ فلا، وكان نحوًا من سبع فراسِح.

стр. 1579

محمد بن الحكم عنه: في الرجلِ يخرجُ إلى بعض البلدان يَتَنَزَّهُ أو إلى بلد يَتَلَذَّذُ فيه، ليس بطَلبِ حجٍّ ولا عُمْرَةٍ ولا تجارةٍ: ما يُعْجِبُني أن يقصرَ الصلاةَ (١). والوجْهُ فيه: أن الأصلَ الإتمامُ، فلا يجوزُ أن يجوزُ الفرضَ لطلبِ النزهة. مسألة إن لم يكن مع الملَّاحِ أهلُه، وكان يسافرُ ويرجِعُ إلى أهلِهِ، قَصَرَ الصلاةَ. قال في رواية حرب: إن لم يُقم المكاري في أهلِه ما يقضي رمضانَ يقضي في السفر، وذلك أن هذه حالُ ضرورة، والقضاءُ عليه فرضٌ. اختلف قولُهُ في المسافر يَرِدُ على أهله لا يريدُ المقامَ. فروى عنه عبد الله (٢): لو أن مسافرًا وَرَدَ على أهلِهِ أمسكَ عن الطَّعام وأتمَّ الصلاةَ، إلَّا أن يكون مارًّا. وكذا نقل إسحاقُ الكوسجُ (٣): في رجل خرج مسافرًا فبدا له، فرجَع في حاجةٍ إلى بيتِه ليأخذَها، فأدركته الصلاةُ: هو (٤) مسافرٌ يقصرُ إذا لم يكن له أهلٌ، وهو (ق/ ٣٥٢ أ) أهونُ لأنه على نِيَّةِ السفرِ. فورودُهُ على أهلِهِ لم يخرجْهُ عن حكم السفر.

стр. 1580

وعنه صالحٌ (١) فى رجل خرجَ مُسافرًا فبدأ له، فرجَعَ في حاجة إلى بيته فأدركتْهُ الصلاةُ: يتمُّ؛ لأن ابن عباس قال: إذا قدمتَ على أهلٍ أو ماشية فأتِمَّ (٢). والوجْهُ فيه: حديثُ ابن عباس، ولا يَصِحُّ حملُه على إذا نوى المُقَامَ؛ لأنه إذا نوى المقامَ في غير أهلِه لزمه الإتمامُ؛ ولأنه لو أنشأ السفرَ من بلدِهِ لم يَجُزْ له القصرُ حتى يفارقَ منزلَهُ، كذا بعد رجوعِهِ لحاجة. عنه المرُّوْذيُّ: ركعتا الفجر والمغرب لا يَدَعُهُما في السفر (٣). عنه صالح والكوسج (٤): إذا نوى المسافرُ المقامَ وهو في الصلاة: يُتِمُّ، وإن قعد في الركعتينِ حتى يخرجَ بتسليمٍ. ووَجْهه: أنه قد صارَ مقيمًا. مسألة الأثرمُ عنه (٥): إذا أجمعَ أن يقيمَ إحدى وعشرين صلاةً مكتوبةً قَصَر، فإذا عَزَم على أن يُقِيمَ أكثر من ذلك أتمَّ، واحتجَّ بحديث جابر وابن عباس: "قَدِمَ النبيُّ ﷺ لصبحِ رابِعَةٍ" (٦) وكذا نقل ابنُ الحَكَم.

стр. 1581

ونقل المرُّوْذيُّ: إذا عزم على مُقام إحدى وعشرين صلاةً فَلْيُتِمَّ؛ لأن النبي ﷺ صلَّى الغَداةَ يوم التَّرْوِيةِ بمكة، وكذلك نقل حربٌ: إذا دخلَ إلى قربة نوى أن يُقِيمَ أربعةَ أيامٍ وزيادة صلاة أتمَّ، وكذا نقل ابن أصرمَ وصالحٌ والكوسَجُ (١): إذا أزمعَ على إقامَةِ أربعة أيام، وزيادة صلاة يُتِمُّ (٢) في أول يوم، واحتجَّ بحديث جابر. قال أبو حفص البَرْمَكيُّ: هذه الروايةُ ليست مُسْتقصاةً، والأولَّةُ مُسْتقصاةٌ (٣) أنه لا يلزمه الإتمامُ بالعزيمة على إقامة أربعةِ أيام وزيادة صلاة، حتى ينويَ أكثرَ من ذلك، فكيف يقول: "إذا أزمعَ على إقامَةِ أربعٍ وزيادةِ صلاة أتَمَّ". ويحتجُّ بحديث جابر في هذا المقدار! وقد كشف هذا في رواية الفضل بن عبد الصمد (٤)، قيل له: يا أبا عبد الله يحكون أنك تقولُ: إذا أجمع على إقامَةِ أكثرَ من أربعة وصلاة أتمَّ؟ فقال: لا يفهمون، النبيُّ ﷺ أجمعَ على إقامةِ أربع وصلاة فقَصرَ. ونقل عنه أيوبُ بن إسحاق بن سافري (٥) أنه قال: إن أزمعَ (٦) على إقامة خمسة أيام يَتِمُّ وما دون ذلك يقصُرُ. قال أبو حفص: ليس في هذا خلافٌ لذلك؛ لأنه إذا أوجبَ

стр. 1582

الإتمامَ بإقامَةِ أكثرَ من أربعة أيام وزيادة صلاة، فبخمسة أيام أولى أن يوجبَ الإتمامَ. وقولُهُ: "وما دون ذلك يقصُرُ"، يُحتملُ أن يكون أراد بهَ الأربَعَةَ أيام: وزيادة صلاة؛ لأنها دونَ الخمسةِ أيام، ويحتملُ أن يكون ذِكْره لليَوم الخامس؛ لأن الصلاة (١) بعدَ الأربعَةِ أيامٍ من اليومِ الخامسِ (ق/ ٣٥٢ ب) لا أنه أراد إكمالَ اليومِ الخامسِ (٢). وقد بيِّن ذلك في رواية طاهر بن محمد التَّميمِيِّ (٣) فقال: إذا نوى إقامَةَ أربعةِ أيام وأكثرَ من صلاة من اليوم الخامس أتمَّ، فقد بيَّنَ مرادَه من ذكر اليوم الخامس أنه، بعضُه؛ لأنه أكثرُ من مُقام النبي ﷺ الذي قَصَرَ فيه الصلاة. قال القاضي: وظاهر كلام أبي حمص هذا أن المسألة على رواية واحدة، وأن مدَّةَ الإقامة ما زاد على إحدى وعشرين صلاة، وتأوَّل بقية الرِّوايات. واحتجَّ في ذلك بحديث جابر: "أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَل مكةَ صُبْحَ رابعة، فصلَّى بها الغداةَ" وخامسة وسادسة وسابعة أربعةَ أيام كوامِلَ، وزاد صلاةً؛ لأنه صلى الغداةَ يوم التَّرْوِيَةِ بمكة بالأبطحِ، وخرج يوم الخامس إلى منى، فصلَّى الظهرَ بمِنى، وكان (ظ/٢٤٨ ب) يقصر الصلاةَ في هذه الأيامِ، وقد أجمعَ على إقامتها. ويجوزُ أن يُحْملَ كلامُ أحمد على ظاهرِهِ، فيكونُ في قَدْر الإقامة ثلاثُ رواياتٍ:

стр. 1583

إحداها: ما زاد على إحدى وعشرين، اختارها الخِرَقِيُّ وأبو حفص. الثانية. ما زاد على أربعة أيام ولو بصلاة؛ لأنها مدَّةٌ تزيدُ على الأربعة، فكان بها مُقِيمًا. دليلُه: إذا نوى زيادةً على إحدى وعشرين. الثالثة: ما نقصَ عن خمسةِ أيام ولو بوقتِ صلاةٍ؛ لأنها مدَّةٌ تنقصُ عن خمسة أيام، فكان في حكم السفر، دليلُه: مدة إحدى وعشرين أو عشرين (١). * واختلف قولُه في صلاة الكسوف بغير إذن الإمام. فروى عنه يعقوبُ بن بختان (٢): لا بأس به. وقال المرُّوْذيُّ: قلت لأبي عبد الله: ابن مهدي، عن حماد بن زيد قال: بلغَ أيوبَ (٣) أن سليمانَ التَّيْمِيَّ لما انكسفتِ الشمسُ صلَّى في مسجدِه، فبلغ أيوبَ فأنكرَ عليه، فقال: إنما هذا للأئمةِ. فقال أبو عبد الله: إلى هذا نذهبُ في كسوفِ الشّمس، الأئمةُ يفعلون ذلك. وعنه محمد بن الحكم: يستحَبُّ العَتَاقَةُ في صلاة الكسوفِ (٤). * واختلف قوله في خروجِ النَّاسِ للاستسقاءِ بغير إمام. فعنه أحمدُ بن القاسم: إن لم يخرجِ الإمام لا تخرجوا.

стр. 1584

وعنه الميمونيُّ: إن أخرجهم الإمامُ خرَجوا، وإلَّا فيخرجون لأنفسِهم يستسقونَ ما بأسٌ بذلك (١). فإن قلنا: يخرجون (٢) بغير إمامٍ؛ فهل يُصَلُّونَ جماعةً أو يستسقون وينصرفون؟. فعنه الميموني: يخرجون لأنفسِهم يستسقونَ، ما يُعجِبُني يُصَلِّي بهم بعضُهم. وعنه حربٌ: أنه قال في أهلِ قرية ليس فيها وَالٍ خَرَجوا يستسقونَ؛ يُصَلِّي بهم: إمامُهم جماعةً؟ قال: أرجو أن لا يضيقَ. هذا آخرُ ما وجدته من هذا: "المنتقى" (٣).

стр. 1585

فائدة لا يكون الجحدُ إلَّا بعد الاعترافِ بالقلبِ أو (١) اللِّسانِ، ومنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] ومنه: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣] عقيب (٢) قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، ومنه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت: ٤٩] ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾ (٣) [العنكبوت: ٤٧] وعلى هذا لا يحسنُ استعمالُ الفقهاءِ لفظَ الجحودِ في مطلقِ (٤) الإنكارِ، في باب الدَّعاوى وغيرها؛ لأن المُنْكِرَ قد يكون مُحِقًّا فلا يُسَمَّى جاحدًا. فائدة قال إسحاقُ بن هانئ (٥): تعشَّيْتُ مرَّةً أنا وأبو عبد الله وقرابةٌ لنا (٦)، فجعلنا نتكلَّمُ وهو يأكلُ، وجعل يمسحُ عند كلِّ لقمةٍ يدَه بالمنديلِ، وجعل يقولُ عند كل لقمة: الحمدُ لله وبسمِ الله، ثم قال لي: أكلٌ وحَمْدٌ خيرٌ من أكلٍ وصمتٍ. فائدة مَنَع كثيرٌ من النَّحاة أن يُقَالَ: (البعض، والكل)؛ لأنهما اسمانِ لا يُستعملان إلَّا مضافَيْنِ. ووقع في كلام الزَّجَّاجيِّ وغيرِه: "بدل

стр. 1586

البعض من الكُلِّ" (١). وجوَّز أبو عُبَيْدَةَ (٢) أن يكونَ بمعنى الكلِّ، كما جوَّزَ ذلك في الأكثر، فالأوَّلُ كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، والثاني كقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: [الشعراء: ٢٢٣]،، ولا دليلَ له في ذلك؛ لأن قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ من خطاب التلطُّف والقول اللَّيِّن، وأما: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ فلا يمنع أن يكون فيهم من يصدقُ في كثير من أقوالِه (٣). إذا عرف هذا فقالت طائفةٌ: "البعضُ" للجزء القليلِ والكثيرِ والمساوي، وفي هذا نظرٌ؛ إذ إطلاق لفظِ "بعض العشرة" على التسعة منها يحتاجُ إلى نقلٍ واستعمال، والظاهرُ: أنه قريبٌ من البضْع معنىً، كما هو قريبٌ منه لفظًا، وليس في عرفِ اللغة والتَّخاطب إَذا قال: "خذ بعض هذه الصبرة" أن يأخذها كُلَّها إلَّا حفنةً منها، ولا لمن يجيئُك في أيامِ الشهر كلِّها إلّا يومًا واحدًا: "هو يجيءُ في بعض أيام الشهر". * قال أحمدُ في: رواية حنبل: حديثُ عائشةَ ﵂: "لا طَلاقَ ولا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ" (٤) يريد: الغضبَ (٥).

стр. 1587

وقال في رواية أبي داود (١): حديث رُكُانَةَ لا يثبتُ أنه طلَّقَ امرأتَهُ ألبتَّةَ؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرمَةَ، عن ابن عباس: أن رُكَانَةَ طلَّق امرأتَه ثلاثًا (٢)، وأهل المدينة (٣) يسمُّون ثلاثًا ألبتة. وقال (ظ/ ٢٤٩ أ)، في رواية أحمد بن أصرم: أن أبا عبد الله سُئِلَ عن حديث رُكُانَةَ في ألبتَّةَ؟ فقال: ليس بشيء. وقال في رواية أبي الحارث في رجل غَصَب رجلًا على امرأتِهِ فأولدها، ثم رجعَتْ إلى زوجها وقد أولدَها: لا يلزْمُ زوجَها الأولادُ، وكيف يكون الولدُ للفراشِ في مثل هذا؟! وقد عُلم أنَّ هذه في منزلِ رجلٍ أجنبيٍّ، وقد أولدها في منزلِهِ، إنما يكون الولَدُ للفراشِ إذا ادَّعاه الزَّوْجُ، وهذا لا يَدَّعِي فلا يلزمُهُ. * قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور: إذا زوَّج السَّيِّدُ عبدَهُ من أَمَتِهِ ثم باعها: يكونُ بيعُها طلاقَها، كقول ابن عباس. وروايةِ أكثرِ أصحابهِ (ق/ ٣٥٩ ب) عنه: لا يكون طلاقًا. وقال أحمد في رواية أبي طالب: لا أعلمُ شيئًا يدفعُ قولَ ابنِ عباس وابن عُمَرَ (٤) وأحدَ عَشَرَ من التابعينَ، منهم (٥): عطاءٌ ومجاهدٌ

стр. 1588

وأهل المدينة على تَسَرِّي العبدِ، فمن أحتجَّ بهذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] وأيُّ ملك للعبد؟ فقد قال النبي ﷺ : "مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالمَالُ لِلسَّيِّدِ" (١)، جعل له مالًا هذا يُقَوِّي التَسَرِّيَ. وابن عباس وأبنُ عمر أعلمُ بكتاب الله ممن احْتَجَّ بهذه الآية؛ لأنهم أصحابُ رسول الله ﷺ ، وأُنْزلَ القرآنُ على رسَولِ الله، وهم يعلمون فيما أُنْزِل، قالوا: يَتَسَرَّى العبدُ. إذا ثَبَت هذا؟ فقد قال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢): يَتَسَرَّى العبدُ في مالِه، هو مالُه ما لم يأخُذْه سيِّدُهُ منه. (ق/٣٥٩ أ) وقال في رواية جعفر بن محمد وحرب: ليس للسَّيِّدِ أن يأخذ سُرِّيَّةَ العبدِ إذا أذِن له في التَّسَرِّي، فإن تَسَرَّى بغيرِ إذنه أخذَها منه، وإذا باع العَبْدَ وله سُرِّيَّة هي لسيِّدهِ ولا يُفَرَّقُ بينهما؛ لأنها بمنزلةِ المرأة. فقد فرَّق أحمدُ بين أن يبيعَ العبدَ فتكون السُّرِّيَّةُ للسَّيِّد، ولا يفرَّقُ بينَها وبين العيد، وعلَّل بأنها بمنزلةِ الزوجةِ، وبينَ أن يبقى العبدُ على ملكِه، فليس له أخذ السُّرِّيَّةِ منه إذا أذِن له، كما لو أذِن له في التّزويج، ليس له أن يفرِّقَ بينه وبين امرأتِه وكلا النَّصَّينِ مسكلٌ (٣)، وله فقهٌ دقيق (٤).

стр. 1589

* وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوَّجَ الحُرَّةَ على الأمَةِ يكونُ طلاقًا للأمَةِ، لحديث ابن عباس. قال أبو بكر: مسألة ابن منصور مفردةٌ. في وقال في رواية أبي الحارث: إذا تزوَّجَ امرأةً فشرطَ أن لا يبيتَ عندَها إلَّا ليلةَ الجُمُعَةِ، فإنْ طالَبَتْهُ، كان لها المقاسَمَةُ. وإنْ أعْطَتْهُ مالًا واشتَرَطَتْ عليه أن لا يَتَزَوَّجِ عليها، يَرُدُّ عليها المالَ إذا تَزَوَّجَ. ولو دفعَ إليها مالًا على أن لا تَتَزوَّجَ بعد موتِه فتزوَّجَتْ، ترُدُّ المالَ إلى وَرَثَتِهِ. * وقال في رواية أحمد بن القاسم: الأَمَةُ إذا كان زوجُها حرًّا فعَتَقَتْ، فلا خيارَ لها؛ لأن الحديث عندنا: أن زوجَ بَريرةَ كان عبدًا (١)، فأجعلُ الروايةَ هكذا ولا أزيلُ النكاح إلاّ في الموضِع الذي أزالته السُّنَّةُ، وهذا ابن عباس وعائشة يقولون: إنه عبدٌ وعليه أهلُ المدينة وعملُهم، وإذا روى أهلُ المدينة حديثًا وعَمِلوا به فهو أصحُّ ما يكونُ، وليس يصِخُ أن زوجَ بَرِيرَةَ كان حرًّا إلاّ عن الأسودِ وحدَه، وأما غيرُه فيقولُ: إنه عبدٌ (٢). * قال أحمد في رواية حنبل: لا يكنِّي ولدَه بأبي القاسم؛ لأنه يُرْوى عن النبي ﷺ أنه نهى عنه. وقال في رواية علي بن سعيد وقد سأله عن الحديث: "تَسَمَّوْا

стр. 1590

بِاسْمِي وَلا تَكَنَّوْا بكُنْيَتي" (١): هو أن يجمعَ بين اسمِهِ وكُنيتِهِ أو يُفْرِدَ أَحدَهما؟ فقال: أكَثر (٢) الحديث: "تَسَمَّوا باسْمِي وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي"، وهذا موافق لرواية حنبل. * وقال ابن منصور (٣): قلت لأحمدَ؛ تُكَنَّى المرأةُ؟ قال: نعم، عائشةُ كناها النبيُّ ﷺ أمَّ عبدِ الله (٤). وقال في روايته (٥) أيضًا: عُمَرُ كَرِهَ أن يُكْنَى بأبي عيسى. وقال في رواية حنبل: لا بأس أن يُكْنَى الصَّبِيُّ، قال النبي ﷺ : "يَا أَبا عُمَيْر" (٦)، وكان صغيرًا. * وقال في رواية (ظ/٢٤٩ ب) الأثرم وسُئِلَ عن الرجل يُعْرَفُ بلقبِه؟ قال: إذا لم يُعْرفْ إِلَّا به، قال أحمد: الأعمشُ إنما يعرفُهُ الناسُ هكذا، فسَهَّل في مثل هذا إذا كان قد شُهِر به (٧). * وقال ابن منصور: قلت لأحمد: رجلٌ نَذَرَ أن يذبحَ نفسَهُ؟ قال: يفدي نفسَهُ، إذا أحَنَثَ يذبَحُ كبشًا. قال إسحاق: كما قال:

стр. 1591

* وقال أيضًا (١): قلت لأحمد: من ماتَ ولم يَحُجَّ فهو من جميع المالِ؟ قال: إذا كان له مالٌ كثيرٌ، واجبٌ على الوَرثَةِ أن يُنْفِذوا ذاك، وأما إذا كان مالٌ قليلٌ فإنما هو شيءٌ ضيَّعه، ليس هذا مِثل الزكاةِ. وقال أيضًا: قلت له: طَوَاف المَكِّيِّ قبلَ المعَرَّف (٢)، قال أحمدُ: لا يخرجُ من مكّةَ حتى يُوَدِّعَ البيتَ. * وقال أحمد في رواية ابن منصور (٣): يكرهُ أن يقولَ للرجل: جعلني الله فِداك، ولا بأس أن يقول: فِدَاكَ أبي وأمي. * وقال مهنَّا (٤): سألت أبا عبد الله عن المرأةِ تنامُ على قفاها؟ فقال: يُكْرَهُ لها ذلك، قلت: فإذا ماتَتْ فكيف يصنعون في غسلِها؟ فقال: إنما كُرِهَ لها أن تَنَامَ على قَفاها (٥) في حياتِها، وليس ذلك في الموتِ. * وقال في رواية ابن منصور (٦): يكرهُ الجلوسُ بين الشمسِ والظِّلِّ أليس قد نهى عنه! وقال إسحاق ابن راهَوَيه: قد صحّ الخبرُ فيه عن النبي ﷺ (٧)، ولكن لو ابتدأ وجَلَسَ فيه كان أهونَ.

стр. 1592

* وقال في رواية أبي طالب (١)، وسألته يكَنِّي الرجلُ أهل الذِّمَّةِ؟ فقال: قد كنى النبيُّ ﷺ أُسْقُفَّ نجرانَ، وعمرُ قال: يا أبا حسَّان. لا بأسَ به. * وقال فى رواية: يعقوب بن بُخْتان وسأله عن النُّورة والحِجَامِةِ [يوم الأربعاء] (٢)؟ فكَرِهَها (٣)، قال: وبلغني عن رجلٍ أنه تنَوَّرَ واحتجمَ فأصابه المرضُ قلت: كأنه تَهَاوَنَ؟ قال: نعم. * وقال في رواية: مهنَّا في الرجلِ تأتيه المرأةُ المسحورةُ فيطلقُ عنها السِّحْرَ؟ قال: لا بأس. وحدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَةَ، قال: سألت سعيد بن المسَيِّب عن المرأة تأتي الرجلَ فيطلقُ عنها السِّحْرَ، فقال: لا بأس (٤). فقلت لأحمد: أُحَدِّثُ بهذا عنك؟ قال: نعم (٥). وقال في رواية المرُّوْذِيِّ (٦): حُمِمْتُ فكتب لي من الحُمَّى: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم اللهِ وباللهِ، ومحمدٌ رسولُ الله، ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠] اللَّهمَّ ربَّ جِبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ اشْفِ صاحِبَ

стр. 1593

هذا الكتابِ بحوْلِكَ وقُوَّتِكَ وجَبَريَّتِكَ (١) إلهَ الحقِّ آمينَ. وقال في رواية عبد الله (٢): يُكتبُ للمرأةِ إذا عَسُرَ عليها الولادةُ في جامٍ (٣) أو شيءٍ نظيفٍ (٤): لا إلهَ إلاّ اللهُ الحليمُ الكريمُ، سبحانَ اللهِ ربِّ العرشِ العظيمِ، الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ (٥) ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، ثم تُسْقَى ويُنْضحُ بما بَقِي دونَ سُرَّتِها (٦). وقال في رواية الكوسج: يُكْرَهُ التَّفْلُ في الرُّقْيَةِ ولا بأسَ بالنَّفْخ. وقال في رواية صالح (٧): الحُقْنَةُ إذا كانت لضَرورةٍ فلا بأس. وقال في رواية المرُّوْذيِّ: الحقنة إن اضْطُرَّ إليها فلا بأسَ، قال المرُّوْذي: ووُصِفَ لأبي عبد الله ففعل. * وقال إسحاق بن هانئ (٨): رأيتُ أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلِّي حتى يعلم أن الشمسَ قد قاربتْ أن تزوْلَ، فإذا قاربَتْ أمسكَ عن الصَّلاة (ق/٣٦٠ أ) حتى يؤذِّن المؤذِّنُ، فإذا أخذ في الأذانِ

стр. 1594

قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا، يفصِل بينهما بالسَّلام، فإذا صلَّى الفريضةَ انتظر في المسجدِ، ثم يخرجُ منه، فيأتي بعضَ المساجد التي بحضرةِ الجامعِ، فيصلِّي فيه في ركعتين، ثم يجلسُ، وربما صلَّى أربعًا، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيصلِّي ركعتينِ أُخَر، فتلك ستُّ رَكَعَاتٍ على حديث عليٍّ (١). فائدة (٢). ظنَّ بعضُ الفقهاء أن الوفاءَ إنما (ق/٣٥٣ أ) يحصلُ باستيفاء الدَّيْنِ، بسبب أن الغريمَ إذا قبضَ المالَ صار في ذمَّتِهِ للمَدِينِ مِثْلُهُ، ثم يقغ التَقاصُّ منهما (٣)، والذي أوجبَ لهم هذا. إيجابٌ المماثلةِ بينَ الواجبِ ووفائه ليكونَ قد وفى الدَّيْنَ بالدَّيْنِ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): وهذا تكلُّفٌ أنكره جمهورُ الفقهاء، وقالوا: بل نفسُ المال الذي قبضه يحصلُ به الوفاءُ، ولا حاجةَ إلى أن يقَدِّروا في ذمَّةِ المستوفي دينًا، والدَّيْنُ في الذِّمَّةِ من جنس المطلَقِ الكُلِّيِّ، والمعينُ من جنسِ المعينِ الجزئيِّ، فإذا ثبتَ في ذمَّتِهِ دَيْنٌ مطلَقٌ كلِّيٌّ، كان المقصودُ منه الأعيانَ الشخصيَّةَ الجزئيَّةَ، فأيُّ معيَّنٍ استوفاه حَصَلَ به مقصودُهُ لمطابَقَتِهِ للكُلِّي مطابقةَ الأفراد الجزئيَّةِ.

стр. 1595

فائدة (١) قال أحمدُ في رواية صالح (٢) في المُضَارِبِ إذا خالفَ فاشترى غَيْرَ ما أَمَرَ به صاحبُ المالِ: فالرِّبْحُ لصاحبَ المالِ، ولهذا أجرةُ مِثْلِهِ، إلَّا أن يكونَ الرِّبْحُ محيطًا بأجرةُ مِثلِهِ (ظ/ ٢٥٠ أ) فيذهبَ. قال: وكنت أذهبُ إلى أن الرِّبْحَ لصاحبِ المالِ، ثم استحسَنْتُ. وقال في رواية الميمونيِّ: استحسنُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لكلِّ صلاة، ولكن القياسَ أنه بمنزلةِ الماءِ حتى يُحْدِثَ، أو يَجِدَ الماءَ. وقال في رواية المرُّوْذيِّ: يجوزُ شراءُ أرض السَّوادِ، ولا يجوزُ بيعُها، فقيل له: كيف تشتري ممن لا يملكُ؟ فقال القياسُ كما تقولُ، ولكن هو استحسانٌ. وأحتجَّ بأن أصحابَ النبي ﷺ رخَّصوا في شراء المصاحفِ وكَرِهوا بَيْعَها، وهذا يشبِهُ ذاك. وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غَصَبَ أرضًا وزَرَعَها: الزَّرْعُ لرَبِّ الأرضِ وعليه النفقةُ، وليس هذا شيئًا يوافِقُ القياسَ، اسْتَحسِنُ أن يدفعَ إليه نَفَقَتَهُ. وقال في رواية أبي طالب: أصحابُ أبي حنيفة إذا قالوا شيئًا خلافَ القياسِ قالوا: نستحسنُ هذا وَنَدَعُ القياسَ، فَيَدَعُون الذي يزْعُمُونَ أنه الحقُّ بالاستحسانِ. قال: وأنا أذهبُ إلى كل حديث جاءَ، ولا أقيسُ عليه (٣).

стр. 1596

فقال القاضي (١): ظاهر هذا يقتضي إبطالَ القولِ بالاستحسانِ، وأنه لا يجوزُ قياسُ المنصوصِ عليه على المنصوص عليه. وجعل المسألة على روايتينِ، ونَصَرَ هو وأتباعُه روايَةَ القولِ بالاستحسان، ونازعهم شيْخُنا في مراد أحمد من كلامه، وقال (٢): "مُرَادُهُ أني أستعملُ النصوصَ كلَّها ولا أقيسُ على أحد النَّصَّيْنِ قياسًا يعارضُ النَّصَّ الآخَرَ، كما يفعلُ من ذكره، حيث يقيسونَ على أحد النَّصَّيْنِ، ثم يستثنونَ موضعَ الاستحسانِ إما لنصٍّ أو لغيره (٣)، والقياسُ عندَهم موجبُ العِلَّةِ (٤)، فينقضونَ العِلَّةَ التي يدَّعُونَ صِحَّتَها مع تساويها في مَحَالِّها. وهذا من (ق/٣٥٣ ب) أحمد بَيِّنٌ أنه يوجبُ طرد العلَّةِ الصحيحة، وأن انتقاضَها مع تساويها في محالَّها يوجبُ فسادَها، ولهذا قال: "لا أقيسُ على أحد النَّصَيْنِ قياسًا ينقضُهُ النَّصُّ الآخَرُ". وهذا مثلُ حديث أم سَلَمَة عنِ النبي ﷺ "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ وَدَخَلَ العَشْرُ، فلا يَأَخُذْ مِنْ شَعَرِهِ، وَلا مِنْ بَشَرَتهِ شَيْئًا" (٥)، مع حديث عائشةَ: "كنت أَفْتِلُ قلائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثم يَبْعثُ به وهو مقيمٌ، ثم لا يحرُمُ عليه شيءٌ مما يَحْرُمُ على المُحْرِم" (٦). والناسُ في هذا على ثلاثةِ أقوال:

стр. 1597

منهم: من يُسَوِّي بين الهَدْى والأُضْحِيَة في المنع، ويقول: إذا بعثَ الحلالُ هَدْيًا صارَ مُحْرِمًا، ولا يحلُّ حتى يَنْحَرَ، كما روي عن ابن عباس (١) وغيره. ومنهم: من يُسَوِّي بينهما في الإذْنِ، ويقول: بل المضحِّي لا يمنعُ عن شيء كما لا يُمْنَعُ باعثُ الهدي، فيقيسونَ على أحد النَّصَّينِ ما يعارضُ الآخَرَ. وفقهاء الحديثِ كيحيى بن سعيد (٢) وأحمد بن حنبل وغيرهما عملوا بالنَّصَّينِ، ولم يقيسوا أحدَهما على الآخَرِ. وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاءِ الحديثِ، لما أمَرَ النبيُّ ﷺ أن يُصَلِّيَ الناسُ قعودًا إذا صلَّى إمامُهم قاعدًا (٣)، ثم لما افتتحوا الصلاة قيامًا أتَمَّها بهم قيامًا (٤)، فعمِلَ بالحديثينِ، ولم يَقِسْ على أحدِهما قياسًا ينقضُ الآخَرَ ويجعلُهُ منسوخًا كما فعلَ غيرُهُ. قلت: وكذلك فَعَل في حديث الأمْرِ بالوضوءِ من لُحومِ الإبِلِ (٥)، وتركِ الوضوءِ مما مَسَّتِ النارُ (٦)، عمل بهما، ولم يقسْ على أحدِهما قياسًا يُبْطِلُ الآخَرِ ويجعلُه منسوخًا.

стр. 1598

وكذلك فَعَل في أحاديثِ المستحاضَةِ ونظائرها. ثم القائلون بالاستحسانِ، منهم من يقول. هو تركُ الحكم إلى حكمٍ أولى منه، ومنهم من يقولُ: هو أولى القياسَيْنِ. وقال القاضي (١): "الحُجَّةُ التي يُرجَعُ إليها في الاستحسانِ هي الكتاب تارةً ع والسُّنَّةُ تارةً، والإجماع تارةً، والاستدلالُ بترجُّحِ بعضِ (٢) الأصول على بعض. فالاستحسانُ لأجل الكتاب: كما في شهادة أهل الذِّمَّةِ على المسلمينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَر إذا لم نَجِدْ مسلمًا (٣). ومما قلنا فيه بالاستحسانِ للسُّنَّةُ: فيمن غصَبَ أرضًا وزَرَعَها: الزرعُ لرَبِّ الأرضِ، وعلى صاحبِ الأرضِ النفقةُ؟ لحديث رافع بن خَدِيجٍ (٤)، والقياس أن: يكونَ الزَّرْعُ لزارِعِهِ. ومما قلنا فيه بذلك للإجماعِ: جوازُ سَلَمِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ في الموزونات، والقياسُ أن لا يجوزَ ذلك؛ لوجود الصِّفَةِ المضمومة إلى

стр. 1599

الجنسِ، وهي الوَزْنُ، إلا أنهم استحسنوا فيه الإجماع". انتهى (١). (ظ/٢٥٠ ب) قال شيخُنا (٢): ومن ذلك أن نفقةَ الصغيرِ وأُجْرَةَ مُرْضِعَتِهِ على أبيه دونَ أمِّه (ق/٣٥٤ أ) بالنَّصِّ والإجماع. قلت: إلا خلافًا شاذًّا في مذهبِ أبي حنيفةَ وغيرِه، بإيجابِها على الأبوينِ كالجَدِّ والجَدَّةِ. وكذلك يقولون: إجارةُ الظِّئْرِ ثابتةٌ بالنَّصِّ والإجماعِ، على خلافِ القياسِ. والاستحسانُ يرجِعُ إلى تخصيص العِلَّة، بل هو نفسه، كما قاله أبو الحسينُ البصريُّ (٣)، والرازيُّ (٤)، وغيرهُما، والمشهور عن الشافعيَّةِ منع تخصيصِها، وعن الحنفيَّة القولُ بتخصيصِها، ولأصحابِ أحمد قولانِ، وحُكِيتا روايتينِ عن أحمد، وحُكِيَ تخصيصُ العِلَّةِ مذهبُ الأئمة الأربعة، وهو الصَّوابُ. والقاضي وابن عَقِيل يمنعون تخصيصَ العِلَّةِ، مع قولِهم بالاستحسانِ، وأبو الخطّاب يختارُ تخصيصَ العِلَّة مع قوله بالاستحسانِ (٥). وفرَّقَ القاضي بين التَّخصيص والاستحسانِ: بأن التَّخصيصَ منعُ العلَّة عملَها في حكم خاصٍّ، والاستحسانُ تركُ قياسِ الأصولِ للنُّصوصِ (٦)،

стр. 1600

أي: مخالفة القياس لأجل النَّص، كما فى شهادةِ أهلِ الذمَّةِ، وإجارة الظِّئرِ، وإعطاء الزَّرع: لمالك الأرض، ونظائره، كحملِ العاقلةِ دِيَةَ الخطأ. * * *

стр. 1601

فصولٌ عظيمة النفع جداً في إرشاد القرآن والسُّنّة إلى طريق المناظرة وتصحيحها ، وبيانِ العلل المؤثِّرة، والفروق المؤثرة، وإشارتهما (١) إلى إبطال الدَّوْر والتَّسلسل بأوجزِ لفظٍ وأبينِهِ (٢)، وذِكْر ما تضمَّناه من التَّسوية بينَ المتماثلين، والفَرق بين المختلفين، والأجوبة عن المعارضاتِ، وإلغاء ما يجبُ إلغاؤُه من المعاني التي لا تأثيرَ لها، واعتبار ما ينبغي اعتبارهُ، وإبداء تناقض المبطِلِينَ في دعاويهم وحُجَجِهم، وأمثال ذلك. وهذا من كنوزِ القرآن التي ضلَّ عنها أكثرُ المتأخرين، فوضعوا لهم شريعةً جَدَلِيَّةً، فيها حقٌ وباطلٌ، ولو أَعْطَوُا القرآنَ حَقَّهُ لرَأَوْهُ وافياً بهذا المقصودِ كافياً فيه، مُغْنِياً عن غيره. والعالِمُ عن الله (ق/ ٣٦٠ ب) مَنْ آتاه الله (٣) فَهماً في كتابهِ. والنبيُّ ﷺ أوَّلُ من بيَّنَ العللَ الشرعيَّةَ والمآخِذَ، والجمعَ والفَرْقَ، والأوصافَ المعتبرةَ والأوصافَ الملغاةَ، وبيَّنَ الدَّورَ والتَّسلسُلَ وقطعهما. فانظر إلى قوله ﷺ وقد سُئِل عن البعيرِ يجربُ، فتجربُ لأجلِهِ الإبلُ، فقال، "مَنْ أعْدَى الأوَّلَ" (٤)، كيف اشتملتْ هذه الكلمةُ الوجيزةُ المختصرةُ البينَةُ على إبطال الدَّوْر والتَّسلسل، وطالما تَفَيْهق

стр. 1602

الفيلسوف وتَشَدَّقَ المتكلِّمُ وقرَّر (١) ذلك -بعد اللَّتَيًّا والَّتي- في عدَّةِ ورقاتٍ، فقال مَنْ أوتي جوامِعَ الكَلِمِ: "فمَنْ أَعْدى الأوَّلَ"، ففَهِم السامِعُ من هذا: أن إعداءَ الأوَّلِ إن كان من إعداءِ غيرِه له، فإن لم ينتَهِ إلى غايَة فهو التَّسلسلُ في المؤثِّرات، وهو باطلٌ بصريحِ العقل، وإن انتهى إلى غايةٍ. وقد استفادَتِ الجَرَبَ من إعداءِ مَن جرب به له، فهو الدَّوْرُ الممتنعُ. وتأمل قوله في قصة ابن اللُّتْبيَّةِ: "أفَلا جَلَسَ في بيتِ أبيهِ وأمَّهِ، وَقالَ: هَذا أُهْدِيَ لِي" (٢)، كيفَ يجدُ تحتَ هذه الكلمةِ الشريفة أن الدَّوَرَانَ يُفيدُ العِلِّيَّةَ، والأصوليُّ ربما كدَّ خاطِرَهُ حتى قرَّر ذلك بعد الجهد، فدلَّت هذه الكلمةُ النبوية على أن الهديةَ لما دارَت مع العمل وجودًا وعدمًا كان العمل سَبَبَها وعِلَّتها؛ لأنه لو جلسَ في بيتِ أبيه وأُمِّه لانتفتِ الهديَّةُ، وإنما وُجِدت بالعملِ فهو عِلَّتها. وتأملْ قوله ﷺ في اللُّقَطَةِ، وقد سُئِل عن لُقَطَةِ الغنم فقال: "إنَّما هِى لَكَ أو لأخِيْكَ أو للذِّئْب"، فلما سئل عن (ظ /٢٥١ أ) لُقَطَةِ الإبلِ غْضبَ، وقال: "ما لَك ولَها، مَعَها حِذاؤُها وسِقاؤها، تَرِدُ الماءَ وتَرعَى الشَّجَرَ" (٣)، ففرَّق بين الحُكْمَينِ باستغناءِ الإبل واستِقلالها بنفسِها، دونَ أن يُخاف عليها الهَلَكَةُ في البرِّيَّة، واحتياج الغنم إلى راعٍ وحافظٍ، وأنه إن غابَ عنها، فهي عُرضَةٌ للسِّباع بخلاف الإبل،

стр. 1603

فهكذا تكون الفروقُ المؤثِّرَة في الأحكام لا الفروقُ المذهبيةُ التي إنما يفيدُ ضابط المذهب. وكذلك قوله في اللَّحم الذي تُصُدِّق به على بَرِيرَةَ: "هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ، ولنا هَدِيةٌ" (١)، ففرَّقَ في الذاتِ الواحدةِ، وجعل لها حكمينِ مختلفينِ باختلافِ الجهتين؛ إذ جهةُ الصَدَقةِ عليها غير جهة الهديَّة منها. وكذلك الرجلانِ اللذانِ عَطَسا عند النَّبِيِّ ﷺ ، فشمَّتَ أحَدَهما ولم (ق/ ٣٦١ أ)، يُشَمِّتِ الآخَر، فلما سُئِلَ عن الفرق أجاب: "بأن هذا حَمِدَ الله، والآخر لم يَحَمدْهُ" (٢)، فدلَّ على أن تفريقَهُ في الأحكام لافتراقها في العلل المؤثِّرَةِ فيها. وتأمَّلْ قوله ﷺ في المَيْتَةِ: "إنما حَرُمَ منها أَكْلها" (٣)، كيف تضمَنَ التَّفْرِقَةَ بينَ أكلِ اللَّحمِ واستعمال الجلدِ، وبيَّنَ أن النصَّ إنما تناولَ تحريمَ الأكلِ، وهدا تحتَهُ قاعدتانِ عظيمتانِ: إحداهما. بيانُ أنَّ التَّحليلَ والتحريمَ المضافانِ إلى الأعيانِ غيرُ مجمل، وأنه (٤) مُراد به من كل عينٍ ما هي مهيَّأة له. وفي ذلك الرَّدُ على من زَعَمَ أن ذلك مُتضمِّنٌ لمضمرٍ عامٍّ، وعلى من زعم أنه مجملٌ.

стр. 1604

والثانية: قَطْع إلحاق استعمال الجلدِ بأكلِ اللَّحمِ، وأنه لا يصحُّ قياسُه عليه، فلو أن قائلًا قاله: وإن دلَّتِ الآيةُ على تحريم الأكل وحدَه، فتحريم ملابَسَة الجلدِ قياسًا عليه، كان قياسُه باطلًا بالنَّصِّ؛ إذ لا يلزمُ من تحريمِ الملابسةِ الباطِنةِ بالتَعَدي تحريمُ ملابَسَةِ الجلدِ ظاهراً بعد الدِّباغِ. ففي هذا الحديثِ: بيان الموادِ من الآيةِ، وبيان: فسادِ إلحاقِ الجِلْد باللَّحم. وتأمَّلْ قوله ﷺ لأبي النعمان بن بَشِير وقد خصَّ ابنَهُ بالنُخل: "أَتحِبُّ أنْ يَكُونْوا في البِرِّ سَواءً" (١)؟ كيف تجدُهُ مُتَضَمِّنا لبيانِ الوصف الدَّاعي إلى شرع التَسْوِيَةِ بينَ الأولاد، وهو العَدلُ الذي قامتْ به السمواتُ والأرضُ، فكما أنك تحِبُّ أن يستووا في بِرِّكَ، وأنْ لا ينفردَ أحدُهم ببِرِّكَ وتُحرَمَهُ من الآخَرِ، فكيف ينبغي أن تُفرِدَ أَحَدَهما بالعَطِيَّة وتَحْرِمَها الآخرَ؟!. وتأمَّل قولَه ﷺ لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب، فقال: "وَمَا يُدرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ اطْلَعَ على أهْلَ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئتم، فَقَدْ غفرتُ لَكُمْ" (٢)، كيف تجدُهُ متضمِّنا لحكم القاعدةِ التي اختلفَ فيها أربابُ الجدَلِ والأصوليُّون، وهي: أن التعليلَ بالمانِع هل يفتقرُ إلى قيامِ المقتضي، فعلَّلَ النبيُّ ﷺ عصمةَ دمِهِ بشهودِه بَدراً دونَ الإِسلام العامَّ، فدلَّ على أن مُقْتضى قتلِهِ كان قد وُجِدَ وعارَض سببَ العصمةِ،

стр. 1605

وهو الجسُّ على رسول الله ﷺ ، لكنْ عارضَ هذا المقتضي مانعٌ (١) مَنَعَ من تأثيرِهِ وهو شهوده بدرًا، وقد سَبقَ من الله مغفرتهُ لمن شَهدَها. وعلى هذا؛ فالحديث حجَّةٌ لمن رأى قتلَ الجاسوسِ (٢)؛ لأنه ليس ممَّنْ شَهِدَ بدرًا، وإنما امتنعَ قتلُ حاطب لشهودِهِ بدراً. ومن ذلك: قولُه ﷺ لعُمَرَ وقد سأله عن القبْلة للصّائم، (ق/ ٣٦١ ب) فقال: "أرأيْت لو تَمضمَضتَ" (٣) ... الحديث، فتحتَ هذا إلغاءُ الأوصافِ التي لا تأثيرَ لها في الأحكام، وتحتهُ تشبيهُ الشيءِ بنظيرِهِ وإلحاقُهُ به، وكما أنَّ الممنوعَ منه الصائمُ إنما هو الشُّربُ لا مُقَدمَتهُ، وهو وضع الماء في الفمِ، فكذلك الذي مُنِعَ، إنما هو الجِماعُ لا مُقَدِّمَتُهَ وهي القُبْلَة، فتضمَّنَ الحديثُ قاعدتينِ عظيمتينِ كما ترى. (ظ/٢٥١ ب) ومن ذلك: قولُه ﷺ وقد سُئلَ عن الحج عن الميت؟ فقال للسائل: "أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أكنْتَ قاضِية؟ " قال: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقّ أنْ يُقْضَى" (٤) فتضمَّنَ هذا الحديثُ بيانَ قياس الأوْلى،

стр. 1606

وأن دَيْنَ المخلوقِ إذا كان يقبل الوفاءَ مع شحَهِ وضيقه، فدَيْنُ الواسع الكريم تعالى أحقُّ بأن يقبلَ الوفاء، ففي هذا أن الحكمَ إذا ثَبَتَ في محلُّ لأمرٍ، وثمَّ محلّ آخَر أولى بذلك الحكمِ، فهو أولى بثبُوته فيِه. ومقصودُ الشارِع في ذلك التنبيهُ على المعاني والأوصافِ المقتضيَةِ لشَرْعِ الحكْم والعِلل المؤثِّرة، وإلا فما الفائدةُ في ذكر ذلك؟ والحكم ثابتٌ بمجرَّد قوله؟! ومن ذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ أَلحقَ الولدَ في قصة وليدة زَمْعَةَ بعَبْدْ بن زمْعَةَ عملًا بالفِراش القائم، وأَمَر سَوْدَةَ أن تحتجبَ منه (١)، عملاً بالشَبَهِ المعارِض له، فرتَّبَ على الوصْفينِ حكميهما، وجعله أخاً من وجهٍ دونَ وجهٍ. وهذا من ألطفِ مسالكِ الفقهِ، ولا يهتدي إليه إلَّا خواصُّ أهلِ العلمِ والفهم عن الله ورسوله. وتأمل قولَه ﷺ في التشهد، وقد علَّمهم أن يقولوا: "السلامُ علينا وعلى عباد الله الصّالحين"، ثمَّ قال: "فَإذا قُلْتُمْ ذلِكَ أصابَتْ كُلَّ عبدٍ صالح للهِ في السماءِ والأرض" (٢)، كيف قرَّرَ بهذا عمومَ اسم الجمعِ المضاف، وأغنانا ﷺ عن طرق الأصوليين وتَعَسُّفها. وكذلك قوله ﷺ وقد سئلَ عن (٣) زكاة الحُمر، فقال: "لم يَنزلْ عَلَيَّ فيها إلَّا هذهِ الآية الجامِعَة الفاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ " (٤).

стр. 1607

فسمَّى الآية جامعة أي: عامَّة شاملةً (١)، باعتبار اسم الشرط، فدلَ على أن أدواتِ الشرط للعموم، وهذا في مخاطبتِهِ ﷺ ومحاورتِهِ أكثرُ من أن يذكرَ، وإنما يجهله من كلامه ﷺ من لم يُحِطْ به علماً. وتأملْ قوله ﷺ للرجل الذي استفتاه عن امرأته، وقد ولدَتْ غلامًا أسودَ، فأنكر ذلك، فقال له النبي ﷺ "ألَكَ إبِلٌ؟ " قال: نعم، قال: "فَما ألْوانُها"؟ قال: سُوْدٌ، قال: "هَلْ فِيها مِنْ أوْرقَ"؟ قال: نعم "قال: "فَأنَّى لهَ ذلِكَ"؟ قال: عسى أن يكونَ نَزْعَةَ عِرْقٍ، قال: "وهذا عَسَى أنْ (ق / ٣٦٢ أ)، يكُونَ نَزْعَةَ عِرْق" (٢)، كيف تضمَّنَ إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثيرَ له في الحكم، وهو مجرَّد اللَّون، ومخالفة الولد للأبوين فيه، وأنَّ مثل هذا لا يوجب ريبةً، وأنَّ نظيرَهُ في المخلوقات مشاهدٌ بالحسَّ، والله خالقُ الإبَلِ وخالقُ بني آدَمَ، وهو الخلَّاقُ العليمُ، فكما أن الجملَ الأورقَ قد يتولَّدُ من بين أبوينِ (٣) أسودينِ، فكذلك الولدُ الأسود قد يتولَّدُ من أبوينِ أبيضينِ، وأنَّ ما جوَّزَ به من سبب ذلك في الإبل، هو بعينِهِ قائمٌ في بني آدَمَ. فهذه من أصَحَ المناظرات، والإرشادِ إلى اعتبار ما يجبُ اعتبارُهُ من الأوصافِ، وإلغاءِ ما يجِبُ إِلغاؤُه منهما، وأنَّ حكمَ الشيءِ حكمُ نظيرِهِ، وأنَّ العللَ والمعانيَ حقٌّ شرْعًا وقَدَراً.

стр. 1608

فصل وإذا تأملتَ القرآنَ وتدبّرْتَهُ، وأَعَرتَهُ (١) فكرًا وافياً، اطَّلَعْتَ فيه من أسرار المناظرات، وتقرير الحُجَجِ الصحيحة، وإبطال الشُّبَهِ الفاسدَةِ، وذِكْر النقض والفَرْق، والمعارضة والمنع، على ما يَشفي ويَكفي لمن بصَّره اللهُ. وأنعمَ عليه بفهم كتابِهِ. * فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢] فهذه مناظرةٌ جرت بين المؤمنين والمنافقينَ، قال لهم المؤمنون: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، فكأن المناظرةَ انقطعت بين الفريقين، ومَنَعَ المنافقونَ ما ادَّعى عليهم أهلُ الإيمان من كونهم مُفْسِدِينَ، وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاحٌ لا فسادٌ، فحكَمَ العزيز الحكيمُ بينَ الفريقينِ، بأن أسْجَلَ على المنافقينَ أربع إسجالات: أحدها: تكذيبهم. والثاني: الإخبارُ: بأنهم مفسِدون. والثالث: حصرُ الفسادِ فيهم بقوله: ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. والرابع: وصفهم بغايةِ الجهلِ، وهو أنه لا شعورَ لهم ألبتةَ بكونهم مفسِدِينَ: وتأمَّلْ كيف نفى الشعورَ عنهم في هذا الموضِعِ (٢)، ثم نفى عنهم

стр. 1609

العلمَ في قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣]، فنفى علمَهم بسفَهِهم، وشعورَهم بفسادهم، وهذا أبلغُ ما يكون من الذَّمِّ والتَّجهيل: أن يكون الرجل مفسداً ولا شعورَ له بفساده ألبتَّة، مع أن أَثَرَ فساد مشهورٌ في الخارج مَرئيٌّ لعباد الله، وهو لا يشعرُ به، وهذا يدلُّ على استحكامِ الفسادِ في مدارِكِه وطرق علمِهِ. وكذلك كونه سفيهًا، والسَّفَهُ غاية الجهلِ، (ظ/٢٥٢ أ) وهو مركَّبٌ من عَدَم العلم بما يُصلحُ معاشَة ومعادَهُ، وإرادته بخلافه، فإذا كان بهذِه المنزلةِ، وهو لا يعلم بحالِهِ كان (ق/٣٦٢ ب) من أَشْقى النَّوْعِ الإنسانيِّ، فنَفْيُ العلمِ عنه بالسَّفَهِ الذي هو فيه، متضمِّن لإثباتِ جهلِهِ، ونفيُ الشعورِ عنه بالفسادِ الواقع منه، متضمنٌ لفساد آلاتِ إدراكِهِ، فتضمَّنتِ الآيتانِ الإسجالَ عليهم بالجهلِ، وفسادَ آلاتِ الإدراكِ، بحيثُ يعتقدونَ الفسادَ صلاحاً، والشَّرَّ خيرًا. وكذلك المناظرة الثانيةُ معهم -أيضًا- فإنَّ المؤمنينَ قالوا لهم: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، فأجابهم المنافقونَ بقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾. وتقريرُ المناظرة من الجانبينَ: أن المؤمنين دَعَوْهم إلى الإيمانِ الصادرِ من العقلاءِ بالله ورسوله، وأن العاقلَ يتعيَّنُ عليه الدخولُ فيما دخل فيه العقلاءُ الناصحونَ لأنفسِهم، ولا سيَّما إذا قامتْ أدِلَّتُهُ ووضحَتْ شواهدُهُ، فأجابهم المنافقون بما مضمونه: إنَّا إنما يجِبُ علينا موافَقَةُ العقلاءِ، وأما السفهاءُ الذين لا عقلَ لهم يُمَيِّزونَ به بين النّافعِ والضّارِّ؛ فلا يجبُ علينا موافقتُهم، فردَّ اللهُ تعالى عليهم، وحَكم للمؤمنينَ، وأسْجلَ على المنافقينَ بأربعةِ أنواع:

стр. 1610

أحدها: الحكمُ بسَفهِهم (١). الثاني: حَصْرُ السَّفَه فيهم. الثالث: نفْيُ العلمِ عنهم. الرابع: تكذيبهم فيما تضمَّنَهُ جوابُهم من الإخبارِ عن سَفهِ أهل الإيمانِ. وخامسٌ -أيضًا -وهو: تكذيبهم فيما تضمَّنَه جوابُهم من دعواهم التَّنزيه (٢) من السَّفَهِ. * ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] إلى قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]، فهذا استدلالٌ في غايةِ الظهور ونهايةِ البيان، على جميع مطالب أصولِ الدِّين؛ مِن إثبات الصَّانع، وصفات كمالِهِ؛ من قدرتهِ وعلمِهِ، وإرادته وحياته، وحكمته وأفعاله، وحدوث العالم، وإثبات نوعَيْ توحيدِهِ تعالى؛ توحيد الرُّبوبيَّة المتضمِّن أنه وحدَه الرَّبُّ الخالق الفاطرُ، وتوحيد الإلهية المتضمَنُ أنه وحده الإلهُ المعبودُ المحبوبُ الذي لا تصلحُ العبادةُ والذُّلُّ والخضوعُ والحُبُّ إلا له. ثم قرَّر تعالى بعد ذلك إثباتَ نبوَّة رسوله محمد ﷺ أبلغَ تقريرٍ

стр. 1611

وأحسنَهُ وأتَمَّهُ وأبعدَه عن المعارض، فثبتَ بذلك صدقُ رسولهِ في كلِّ ما يقوله، وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار، فثبتَ صحَّةُ ذلك ضرورةً، فقرَّرتْ هذه الآياتُ (ق/ ٣٦٣ أ)، هذه المطالبَ كلَّها على أحسن وجهٍ، فصدرها تعالى بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وهذا خطاب لجميع بني آدَمَ يشتركون كلُّهم في تعلّقِه بهم. ثم قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فأَمَرَهم بعبادة ربِّهم، وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعيُّ على وجوب عبادَتِهِ؛ لأنه إذا كان ربنا الذي يُرَبِّينا بنعمه (١) وإحسانه، وهو مالكُ ذواتِنا ورقابِنا وأنفسنا، وكل ذرَّةٍ من العبد فمملوكةٌ له ملكاً خالصًا (٢) حقيقياً، وقد ربَّاه بإحسانِهِ إليه وإنعامِهِ عليه، فعبادتُهُ له وشكرُهُ إياه وأجبٌ عليه، ولهذا قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولم يقل: إلهكم. والرّبُّ هو: السَّيِّدُ (٣) والمالكُ والمنعِم والمربي والمصلحُ، والله تعالى هو الربّ بهذه الاعتبارات كلِّها، فلا شيءَ أوجبُ في العقول والفِطَرِ من عبادةِ مَنْ هذا شأنُه وحدَه لا شريكَ له. ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فنبَّه بهذا -أيضًا- على وجوب عبادَتِهِ وحدَه، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجودِ، وأنشأَهم واخترعَهم وحدَه بلا شريك باعترافهم وإقرارهم كما قال في غيرِ موضِعِ من القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فإذا كان هو وحدَه الخالقَ، فكيف لا يكون وحدَه المعبودَ؟! وكيف يجعلونَ معه شريكاً في العبادَةِ! وأنتم مقرُّون بأنه لا شَريكَ له في الخَلْق، وهذه

стр. 1612

طريقةُ القرآن يستدل بتوحيد الرُّبوبية على توحيد الإلهيَّةِ. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فنبَّه بذلك على أنه وحدَه الخالق لكم ولآبائِكم ومَنْ تَقَدَّمَكم، وأنه لم يشركْهُ أحدٌ في خَلْقِ من قبلكم ولا في خلقِكم، وخلْقُهُ تعالى لهم متضمِّنٌ لكمال قدرتِه وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزمُ (١) لسائرِ صفاتِ كمالِهِ ونعوتِ جلالِهِ، فتضمَّنَ ذلك إثبات صفاتِهِ وأفعالِهِ، ووحدانيته في صفاته، فلا شبيهَ له فيها، ولا في أفعالِهِ فلا شرَيكَ له فيها. ثم ذكر المطلوبَ من خَلْقِهم، وهو: أن يَتقُوه فيطيعونه ولا يعصُونه، ويذكرونه فلا يَنْسَوْنه، ويشكرونه ولا يكفرونه، فهذه حقيقةُ تقواه. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ قيل: إنه تعليلٌ للأمر، وقيل: تعليلٌ للخَلْق، وقيل: المعنى أعبدوه لتتقوه بعبادَتِهِ. وقيل: المعنى خَلَقَكم لِتَتَّقُوه، وهو أظهَرُ لوجوهٍ: أحدها: أن التقوي هي العبادةُ، والشيءُ لا يكون عِلَّة (٢) لنفسهِ. الثاني: أن نظيرهُ قولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. والثالث: أن الخلْقَ أقربُ في اللفظ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ من الأمر. (ظ/ ٢٥٢ ب) ولمن نصر الأول أن يقول: لا يمتنع أن يكون قولُه:

стр. 1613

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ تعليلًا للأمر بالعبادةِ (١)، ونظيره قوله تعالى: (ق/٣٦٣ ب) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهذا تعليلٌ لِكَتْب الصِّيام، ولا يمتنعُ أن يكونَ تعليلا للأمرينِ معًا، وهذا هو الألْيَق بالآية، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، فذكر تعالى دليلًا آخَر متَضَمِّنا للاستدلالِ بحكمتهِ في مخلوقاتِه. فالأوَّل: متضمِّنٌ لأصلِ الخَلْق والإيجاد، ويسمى: "دليلَ الاختراعِ والإنشاء". والثاني: متضمنٌ (٢) للحِكم المشهودة في خلْقِه، ويسمَّى: "دليلَ العنايةِ والحكمةِ"، وهو تعالى كثيرًا ما يكرِّر هذينِ النوعينِ (٣) من الاستدلالِ في القرآن. ونظيرُه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣] فذكر خَلْق السموات والأرض، ثم ذكر منافعَ المخلوقات وحِكَمَها. ونظيره قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ

стр. 1614

بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦٠، ٦١] إلى آخر الآياتِ، على أنَّ في هذه الآياتِ من الأسرار والحِكمِ ما بحَسْب عقولِ العالمِينَ أن يفهموه ويُدْركوه، ولعلَّه أن يَمُرَّ بك إن شاء الله التنبيهُ على رائحة يسيرةٍ من ذلك. ونظيرُ ذلك -أيضًا- قولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وهذا كثير في القرآن لمن تأمَّلَه. وذكر -سبحانه-: في آية (البقرة) قرارَ العالم وهو: الأرض، وسقفه وهو: السماء، وأصولَ منافع العباد وهو: الماءُ الذي أنزله من السَماء، فذكر المسْكنَ والسّاكنَ وما يحتاجُ إليه من مصالحهِ، ونبه -تعالى- بجعله للأرض فراشاً على تمامِ حكمتهِ في أن هيّأها لاستقرار الحيوان عليها، فجعلها فراشاً ومهاداً وبِساطاً وقَرَارًا، وجعلَ سقفَها بناءً محكمًا مستوِيًا لا فُطُورَ فيه ولا تفاوُتَ ولا عَيْبَ. ثم قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، فتأملْ هذه النتيجةَ وشدَّةَ لزومها لتلك المقدماتِ قبلها، وظَفَر العقل بها بأوَّل وهلةٍ وخُلوصها من كل شبهةٍ وريبٍ وقادح، (ق/ ٣٦٤ أ) وأن كلَّ متكلّم ومستدل ومِحجاج إذا بالغ في تقريرِ ما يقرِّره وأطاله، وأَعْرض القول فيه فغايته -إن صحَّ ما يذكرُه- أن ينتهيَ إلى بعض (١) ما في القرآن

стр. 1615

فتأمَّلْ ما تحتَ هذه الألفاظِ من البرهان الشَّافِي في التوحيد، أي: إذا كان اللهُ وحدَه هو الذي فَعَلَ هذه الأفعالَ فكيف يجعلونَ له أنداداً!؟ وقد عَلِمتمْ أنَّه لا نِدَّ له يشاركهُ في فعلِهِ. فلما قرَّرَ نوعَى التوحيد أتم تقرير انتقل إلى تقرير النّبُوَّةِ فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]، إن حصل لكم رَيبٌ في القرآن وصِدْق من جاء به، وقلتم: إنه مفتعلٌ؛ فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهُهُ، وهذا خطابٌ لأهل الأرض أجمعهم، ومن المحالِ أن يأتيَ واحدٌ منهم بكلامِ يفتعلُه ويختلقه من تلقاء نفسِه، ثمَّ يطالب أهل الأرض بأجمعِهم أن يعارضوه في أيسرِ جزءٍ منه، يكون مقدارُهُ ثلاثَ آيات من عِدة ألوف، ثم تعجزُ الخلائِقُ كلّهم عن ذلك، (ظ/٢٥٣ أ) حتى إنَّ الذين راموا معارَضتهُ كان ما عارضوه من (١) أقوى الأدِلَّةِ على صِدْقِهِ، فإنهم أتَوْا بشيء يَسْتَحيِي العقلاءُ من سَمَاعِهِ، ويحكمونَ بسَماجَتِهِ، وقُبحِ ركاكَتِهِ وخِسَّتِهِ، فهو كمن أظهرَ طِيبًا لم يَشَمَّ أحدٌ مِثْلَ ريحِهِ قطُ، وتحدَّى الخلائقَ ملوكَهم وسوقَتَهم بأن يأتوا بذَرَّة طيب مثله، فاستَحى العقلاءُ وعَرَفوا عَجْزَهم، وجاء الحُمقَان بعَذِرَة منتنة خبيثةٍ، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئتَ به، فهل يزيدُ هذا ما جاء به إلا قوَّة وبرهانًا وعَظَمَة وجلالة؟!. وأكَّد تعالى هذا التوبيخَ والتقريعَ والتعجيزَ بأن قال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾، كما يقولُ المعجزُ لَمن يدَّعي مقاوَمَتَهُ: اجهد علَيَّ بكل من تقدرُ عليه من أصحابِكَ وَأعوانِكَ
следующие страницы →