← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

من لا يرجو إمكان القضاءِ، فإن رجا ذلك فلا فديةَ عليه، والواجبُ انتظارُ القضاء وفعله إذا قَدَر عليه، لقول ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، وإنما يُصار إلى الفدية عند اليأسِ من القضاءِ، فإن أطعمَ مع يأسِهِ، ثم قَدَر على الصِّيام، احْتَمَل أن لا يلزمَهُ؛ لأن ذمَّتَه قد برِئَتْ بأداءِ الفِدْية التي كانت هي الواجبَ، فلم تَعُدْ إلى الشغل بما برئَتْ منه، واحتمَل أن يلزمَهُ القضاء؛ لأنَّ الإطعامَ بدلُ إياس، وقد تبينَّا ذهابَهُ، فأشبَهَ المعتدَّةَ بالشهورِ لليأس إذا حاضتْ في أثنائها" (١). وفي "الفصول" (٢): روي عن أحمد في رجل خاف أن تنشقَ مثانَتُه من الشَّبق، أو تنشقَّ أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان: يَسْتَخرج الماء. ولم يَذْكر بأي شيء يستخرجُه، قال: وعندي أنه يستخرجُه بما لا يفسد صومَ غيره؛ كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمَةٌ (٣) طفلة أو صغيرة استمنى بيدها، وكذلك الكافرة، ويجوز وطْئُها فيما دون الفَرج، فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره، فعندي أنه لا يجوزُ؛ لأن الضرورة إذا رُفِعت حَرُم ما وراءها، كالشبع من الميتة (٤)، بل هاهنا آكد، لأن بابَ الفروج آكدُ في الحَظْر من الأكل (٥). قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء (٦)؛ لأنه أباح له الفطر

стр. 1542

والإطعام، فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولًا واحدًا، فلو اتفق ذلك: لمحْرِم أخرجَ ماءَهُ ولم يجز له الوطء. (ظ/٢٤٣ ب) فصل فإن كان شبَق الصائم مستدامًا جميعَ الزمان سقطَ القضاءُ وعَدَلَ إلى الفدية كالشيخ والشيخة، وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قَضى في الزمن الآخر ولا فديةَ هنا؛ لأنه عذرٌ غير مستدام فهو كالمريض، ذكر ذلك في "الفصول". فائدة قوله في "المقنع" (١): "وإن جاءت وهو جالس، لم يقم لها -يعني الجنازة-". لم أرَ هذا في كلام أحمد، وقد قال "إن قام لم أعِبْه، وإن قعدَ فلا بأس (٢). وقال الميموني في "مسائله": سمعته يقول. إذا تَبعَ الجنازةَ فلا يجلس حتى توضعَ، كذا قال أبو هريرة وأبو سعيد، وإذا رآها قام، قال: كأن هذا أكثر في الخبر (٣)، عَشرةٌ من أصحابِ رسول الله ﷺ يروونه. ثم قال الميموني: تسميةُ من يَرْوِي عن النبي ﷺ أنه كان إذا رأى جنازة قام لها: عثمان بن عفانَ. سعيدُ بن زيد. عامر بن ربيعةَ. قيسُ ابن سعد. سهلُ بن حنيْف. يزيد بن ثابتٍ أحْو زيد بن ثابت .. أبو سعيد

стр. 1543

الخدْري. أبو هريرة. أبو موسى الأشعريُّ. ابنُ عباس. حسن وحسين، فهؤلاء اثنا عشر من الصحابة، ثم ساق الميمونيُّ أحاديثَهم كلَّها بإسناده. وقال حربٌ في "مسائله": قلت لأحمد: الرجلُ يرىَ الجنازةَ أيقوم لها؟ فقال: قد رُويَ عن علي أن النبيَّ ﷺ قام ثم قعد (١)، وكان ابنُ عُمر يقوم، وسَهَّلَ أبو عبد الله فيه. وقال أبو داود في "مسائله" (٢): سمعت أحمد بن حنبل سُئلَ عن القيام إذا رأى الجنازةَ، قال: إن لم يقمْ أرجو، وإن قامَ أرجو. قيلَ: القيامُ أفضلُ عندَكَ؟ قال: لا. وقال في رواية ابن هانئ (٣): إذا رأى الجنازةَ فقام فلا بأس، وإن لم يقمْ فلا بأس. قال ابن هانئ (٤): وسُئِلَ -يعني: أحمد- عن الرجل يموتُ فيُوصي أن يدفنَ في داره؟ قال: يُدْفَن في مقابر المسلمينَ، وإِنْ دُفِنَ في داره أضَرَّ بالوَرثةِ، والمقابرُ مع المسلمينَ أعجب إليَّ. وقال في روايتِهِ (٥): أكرهُ أن يجعلَ على القبرِ ترابًا من غيرِهِ. قال (٦): وسئل عن الحائض تغسِلُ المرأة المَيتةَ؟ قال: لا يعجبُني أن

стр. 1544

تغسلَ الحائض شيئًا من المَيِّتِ، والجنابَةُ أيسرُ من الحَيْض. قال (١): وسئل عمَّن غسَّلَ المَيِّتَ، أعليه غسلٌ أم وضوءٌ؟ قال: يتوضَأُ، وقد أجزأَهُ. قال (٢): وسألته: هل على من غسل الميت غُسْلٌ، قال. عليه الوضوءُ فقط. واتَّبَع أحمد في ذلك آثارَ الصحابةِ، فإنه صحَّ عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة الأمرُ بالوضوء منه، ولا يُحفظُ عن صحَابِى خلافهم، وهو قولُ حذيفةَ وعليٍّ أيضًا. وقال الجُوزْجَانِىُّ: حدثنا يزيدُ بن هارونَ، أنبأنا مباركُ بن فَضَالَة، عن بكر بن عبد الله المزَنِيِّ، عن علقمة بن عبد الله المُزنيِّ، قال: غسَّل أباك -يعني: أبا بكر: بن عبد الله- أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ممن بايع نبيَّ الله تحت الشجرة، فما زادوا على أن شمَّروا أكِمَّتهم، وجعلوا قُمُصَهم تحت حُجُزهم، وتوضَّأوا ولم يغتسِلوا (٣). وفي "الموطأ" (٤): مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أن أسماءَ بنتَ عميْس امرأة أبي بكر غَسَلَتْ أبا بكر الصِّدِّيقَ حين تُوُفِّيَ، ثم خرجتْ، فسألت من حضرها من المهاجرينَ والأنصار، فقالت: إني صائمة، وإن هذا اليوم شديدُ البرد فهل عليَّ مِنْ غسْل؟ قالوا: لا.

стр. 1545

قال إسماعيلُ بن سعيد: قلت لأحمد بن حنبل: أرأيتَ إن كان الميت كافرًا، قال: عليه الغسلُ لحديث عليٍّ (١) -يعني: على غاسِلِهِ الغُسْلُ- وهو قول أبى أيوب، قال الجوزجانيّ: وأقول: إن هذا وهم منهما، وذلك أنه ليس في حديث عَليٍّ أنه غسل أبا طالب (٢). فصل قال أحمدُ في الرجل يعملُ الخيرَ، ويجعل النِّصْف لأبيه أو لأمِّه (٣): أرجو. وقال: الميِّتُ يصِلُ إليه كل شيء من الخير، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ مِنَ البِرّ بَعْدَ البِرِّ أن تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلاتِكَ، وأنْ تَصُومَ (ظ/٢٤٤ أ) لهما مَعَ صَومكَ، وأنْ تَتَصَدّقَ لَهُما مَعَ (ق/٣٥٥ ب) صَدَقَتِك" (٤). انتهى. ولا يشترطُ تسمية المهْدَى إليه باسمه، بل يكفي النِّيَّةُ، نصَّ عليه في رواية أبيه عبد الله (٥): لا بأسَ أن يَحجَّ عن الرجل ولا يُسَميِه (٦).

стр. 1546

فصل قال إسحاقُ الكوسج: قلت لأحمد: قال الحسنُ في الرجل يقول لامرأته: "أنت طالقٌ إن شاء الله" كان يلزمُه؟ فقال أحمد: أما أنا فلا أقول فيه شيئًا. قلت: لم؟ قال الطلاق ليس هو يمين. قلت: وكذلك العِتقُ؟ قال: نعم. * * *

стр. 1547

فصول في أحكام الوطء في الدُّبُر فمنها: أنه من الكبائر. ومنها: أنه يُوجبُ القتلَ إذا كان من كلامٍ، نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين. والثانية: حدُّه حدُّ الزاني؛ كقول مالك والشافعي، فإن كان من زوجة أو أَمَةٍ أوجبَ التعزيرَ، وفي الكفّارة وجهان؛ أحدُهما: عليه كفَّارة من وَطِئَ حائضًا، اختارَه ابن عقيل. والثاني: لا كفَّارة فيه، وهو قولُ أكثر الأصحاب. ومنها: أن للزوجةِ أن تفسخَ النكاحَ به، ذكره غير واحد من أصحابنا. وإن كان من امرأة أجنبيةِ فاختلف أصحابُنا في حدِّه، فالذي قاله أبو البركات وأبو محمدَ (١) وغيرهما: إن حدِّه حدُّ الزَّاني. وقال ابن عَقِيل في "فصوله": فإنْ كان الوطءُ في الدُّبُرِ في حقِّ أجنبيَّةٍ وجَبَ الحدُّ الذي أوجبناه في اللِّوَاطِ، وعلى هذا فحدُّه القتل بكلِّ حال، وإن كان في مملوكِهِ: فذهب بعض أصحابنا إلى أنه يُعتقُ عليه، وأجراه مجرى المثلَةِ الظاهرة، وهو قولُ بعض السلف. قال النسائي في "سننه الكبير" (٢): "الإباحةُ للحاكم أن يقول للمدَّعَى عليه: "احلف" قبل أن يسأله المدَّعِي. أبنا هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عن أبي معاويةَ، عن الأعمش، على شَقيق (٣)،

стр. 1548

عن عبد الله، قال: "قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيقتَطعَ بِهَا مَال امْرِئٍ مسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبان" (١) فقال الأشعث: فيَّ واللهِ كان ذلك، كان بينى وبينَ رجل من اليهود دارٌ فجَحَدني فقدمته إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ألك بينة؟ فقلت: لا، فقال لليهوديِّ: "احْلِفْ" فقلت: واللهِ إذا يحلفَ فيذهبَ حقِّي، فأنزل: الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] " الآية. قال النَّسائِيُّ: لا نعلم أحدًا تابَعَ أبا معاويةَ على قوله: فقال لليهودي: "أحلف"". انتهى. ويسوغُ للحاكم أن يقولَ له: "احلفْ" إذا قصد به الزَّجرَ والتَّخويف، أو كان يعلم أن المُدَّعِي قاصد لتحليفِه، أو كان يعلمُ أن المُدَّعَى عليه (٢) بريءٌ من الدَّعوى، فإنه في قصده (٣) الصّورَ الثلاثَ قد أعان على البِرِّ والتقْوى، وظهورِ الحقِّ، وأكثرُ أوضاعِ الحكامِ. ورسومِهم لا أصلَ لها في الشريعة، والله المستعانُ. (ق/٣٥٦ أ) فصل إذا كانت دَايَةٌ ترضعُ ولدَ غيرها، هل يجوز لها الإفطارُ كما لو كان ولدَها؟. قال أبو عَقِيل في "فصوله": جاريةٌ جاءت إلى الشيخ أبي نصر

стр. 1549

ابن الصباغ (١) وأنا حاضرٌ، فتحَصّل من الجواب أنها تستبيحُ الإفطار؛ لأن أكثرَ ما فيه أنه نوعُ ضَرَرٍ لأجل المشاقُ، فهو كإفطار المسافر في المُضَارَبَةِ، فيستبيح كالمسافر بمال نفسِه، وفارق العمل في الصَّنائع الشَّاقَّةِ؛ لأنها إذا بلغ منها الجَهْدُ إلى حَدَّ يبيحُ في حقِّ نفسِه أباحَتْ في عملِ غيرِه، وإن لم تبلغِ المشقَّةُ إلى حدّ إباحةِ الإفطارِ، لم يبَحْ في حَقِّه، ولا حق غيره. قال أحمد في رواية ابن ماهان (٢): لا بأس للعبد أن يَتسَرَّى، إذا أذِنَ له سيِّده، فإن رجَعَ السَّيَدُ، فليس له أن يرجعَ إذا أذِن له مَرَّة وتَسَرَّى، فتأوَّله القاضي، وقال: يحتمل أنه أراد بالتَّسَوِّي هاهنا التزويجَ، وسماه تَسَرِّيًا مجازًا، ويكون للسيِّدِ الرجوعُ فيما مَلَّكه" عبدَهُ (٣). وهذا نظيرُ تأويل الشيخ أبي محمد (٤) النِّكاحَ بالتَّسَرِّي في مسألة تزويج عبده بأمَتِهِ، وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد وحرب (٥): ليس للسَّيِّد أن يأخذَ سريةَ العبد إذا أذِن له في التَّسَرِّي، فإنْ تَسَرَّى (ظ/ ٢٤٤ ب) بغير إذنِهِ أخذها منه، وإذا باع العبد وله سُرِّيَّة فهي لسَيِّدِه، ولا يُفَرَّق بينهما؛ لأنها بمنزلةِ المرأةِ، انتهى كلامه. وهذا يردُّ قولَ الأصحاب: إن التَّسَرِّيَ مبنىٌّ على الملك، وأنه إذا لم يملك لم يَتَسَرَّ، ويرد قولَهم: إن للسيد انتزاعَ سُرِّيتهِ منه، ويردُّ

стр. 1550

قولهم: إنه إذا باعه رجعت السُّرِّيَّةُ إلى سيدِه، ولا يطؤها العبدُ. [قال أحمد في رواية ابن هانئ (١) وحرب ويعقوب بن بختان: "إذا زوَّج عبدَهُ من أَمَتِهِ، ثم أعتقهما (٢) لا يجوزُ أن يجتمِعا حتى يجدِّدَ النِّكاحَ"، فاستشكَلَ في "المغني" (٣) هذه الرواية؛ فقال: وعن أحمد: إن عَتقا معًا انفسخ النكاحُ. ومعناه -والله أعلم-: أنه إذا وهب لعبده: سُرِّيَّةً أو اشترى له سُرِّيَّةً، وأذن له في التَّسَرِّي بها، ثم اعتقهما جميعًا صارا (ظ/٢٤٥ أ)، حُرَّيْن، وخرجت من ملك العبدِ، فلم يكنْ له إصابَتُها إلَّا بنكاحٍ جديد، هكذا روى جماعةٌ من أصحابه، فيمن وهب لعبدِهِ سُرِّيَّةً، أو اشترى له سريةً، ثم أعتقهما، لا يقربُها إلا بنكاحٍ جديد، واحتجَّ على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر: أن عبدًا له كان له سُرِّيَّتان فأعتقهما وأعتقه، فنهاه أن يقربَهما إلّا بنكاحٍ جديدٍ (٤). قلت: وهذا التأويل بعيدٌ جدًّا من لفظ أحمد، فإن هؤلاء الثلاثة إنما رَوَوا المسألةَ عنه بلفظ واحد، وهو أنه زوَّجَ عبدَه أمَتَهُ، ثم قوله: "حتى يجدِّدَ النِّكاحَ" مع قوله "روَّجَ"، صريحٌ في أنه نكاحٌ لا تَسَرٍّ، وعنه في هذه المسألة ثلاثُ رواياتٍ؛ هذه إحداهنَّ، والثانية: لهما الخيارُ، نصَّ عليه في رواية الأثرم، والثالثة: أنهما على نكاحِهما، نصَّ عليه في رواية مجمد بن حبيب، وحكاها أبو بكر في "زاد المسافر" (٥) ثلاث

стр. 1551

روايات منصوصاتٍ في مسألة التزويج، وللبطلان وجهٌ دقيقٌ، وهو أنه إنما زوَّجها بحكم مُلْكِهِ لهما وقد زال ملْكُه (١) عنهما بخلاف تزويجِها بعبدِ غيره، وبين المسألتينِ فَرْقٌ، ولهذا في وجوب المَهْرِ في هذه المسألةِ نِزَاعٌ، فقيل: لا يجبُ بحال، وقيل: يجبُ ويسَقطُ، والمنصوصُ أنه يجِبُ ويتّبَعُ به بعد العِتْقِ بخلاف تزويجِها بعبَدِ الغير، والله أعلم] (٢). قوله في "المقنع" (٣): "وإن باعه السلعةَ برقمها أو بألفِ دينار ذهبًا وفضة، أو بما ينقطعُ به السعر، أو بما باع به فلانٌ، أو بدينار مطلقٍ، وفي البلد نقودٌ لم يَصِحَّ". أما الرقمُ؛ فقد نصَّ على صحَّة البيع به، فقال حرب: سألت أحمد عن بيع الرَّقم؟ فلم يَرَ به بأسًا. وأما البيعُ بالسعر؛ فقد اختلفت الروايةُ عنه فيه، فقال في رواية ابن منصور (٤) في الرجلِ يأخذُ من الرجل السِّلْعَةَ يقول: أخذتُها منك على سعر ما تبيع: لم يجزْ ذلك، (ق/ ٣٥٧ أ) وحكى شيخُنا عنه الجواز نصًا (٥). وأما البيع بدينار مطلق وفي البلدِ نقودٌ؛ فقال في رواية الأثرم: في رجل باع ثوبًا بكذا وكذا درهمًا، أو اكترى دابَّة بكذا وكذا، واختلفا

стр. 1552

في النقد؟ فقال: له نقْدُ الناسِ بينهم، قيل له: نقدُ الناس بينهم مختلفٌ؟ قال: له البيع (١) بثمن مطلق، مع كونِ النقودِ مختلفةً، وإنما يكونُ له أدناها. وقال الأثرمُ: بابٌ الرجلُ يأخذ من الرجل المتاعَ، ولا يقاطِعُه على سعره، سئل أبو عبد الله عن الرجل يأخذُ من البقال الأُوْقِيَّةَ من كدا، والرطلَ من كذا، ثم يحاسبُهُ، أيجوزُ له أن يقولَ: اكتبْ ثَمَنَهُ عليَّ ولا يعطِيه على (٢) المكان؟ قال: أرجو أن يجوزَ؛ لأنه ساعةَ أخذه إنما أخذه على معنى الشراء، ليس على معنى السَّلَفِ، إنما يُكْرَهُ إذا كان على معنى السَّلَفِ، فإذا قاطعه بقيمتِه يومَ أخذه (٣). قيل له: فإن لم يدْرِ كم (٤): قيمته يومَ أخذهُ؟ قال: يتحَرَّى ذلك. وسألته (٥) مرة أخرى فقلت: رجل أخذ من رجلٍ رطلًا من كذا ومَنًا من كذا، ولم يقاطعْه على سعرِهِ، ولم يُعْطِهِ ثمنَهُ، أيجوزُ هذا؟ قال: ألَيس على معنى البيع أخَذَهُ؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس، ولكنه إذا حاسبه أعطاه على السِّعر يوم أَخَذَهُ لا يوم حَاسَبَهُ. قال إسحاق بن: هانئ (٦): سألتُ أبا عبد الله عن الرجل يفجُرُ بالمرأة ثم يَتزوَّجُها، قال، لا يَتَزَوَّجْها حتى يعلمَ أنها قد تابتْ؛ لأنه

стр. 1553

لا يدري لعلها تعلقُ عليه ولدًا من غيره. قلت: وما علمُهُ أنها قد تابت؟ قال: يريدُها على ما كان أرادها عليه، فإن امتنعت فهي تائبةٌ. قلت: وهذا التفات من أحمد إلى القرائن ودلائلِ الحال، وجواز إيهام غير الحقِّ، قولًا وفعلًا، ليعلم به الحق، وهذه اقتداءٌ بنبي الله سليمان بن داود حيث قال في الحكومةِ بين المرأتين في الصبي: "ائتوني بالسِّكِّينِ أشُقَّهُ بينكما" (١). ومن تراجم النسائى (٢) على حديثه هذا: "التَّوسِعةُ للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعلُه: "افعل" ليستبينَ به الحَقَّ". وهذا الذي قاله أحمدُ اتَّبَعَ فيه ابن عمر فإنه قال: يريدُها على نفسِها، فإن طاوعَتْهُ لم تَتُبْ، وإن أبَتْ فقد تابَتْ. وأنكر الشيخ في "المغني" (٣) هذا جدًّا، وقال: "لا ينبغي لمسلم أن يدعوَ امرأة إلى الزنى، ويطلبَهُ منها، ولأنّ طلبه ذلك إنما يكونُ في خَلْوَةٍ، ولا تحلُّ الخَلْوَةُ بأجنبيَّةٍ، ولو كان في تعليمها القرآنَ، فكيف يحِلُّ في مراودِتها على الزِّنا! ثم لا يأمن إن أجابَتْه إلى ذلك أن يعودَ (٤) إلى المعصية، فلا يحِلُّ التَّعَرُّضُ لمثل هذا، ولأنَّ التَّوْبَةَ من سائر الذُّنوبِ، بالنسبة إلى سائِر الأحكامِ، وفي حقِّ سائر الناس، على غيرِ هذا الوجهِ، فكذا هذا".

стр. 1554

وقولُ ابنِ عمر: وأحمدَ أفقهُ؛ فإنَّ التوبةَ لمَّا (ق/ ٣٥٧ ب) كانت شرطًا في صحَّة النِّكاح، لم يكن بُدٌّ من تحقُّقِهَا، ولا سبيلَ له إلى العلم بها إلَّا بذلك، أو بأن يأمرَ غَيْرَهُ بمراودتِها، ولا رَيْبَ أن المفاسد. المذكورة أقربُ إلى الغير، إذ لا غرضَ له في نكاحِها، بخلافِ الخاطِب، فإن إرادتَهُ لنكاحِها، وعزمَهُ عليه، يمنعُهُ من معاوَدَة ما يعودُ عَلى مقصودِه بالإبطالِ. فائدة. الذي وقعَ في "صحيح البخاريِّ" (١) وأكثر كتبِ الحديثِ: "وابعَثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعدْتَه" (٢)، ووقع في "صحيح ابن خزيمة" والنَّسائيِّ بإسنادِ "الصحيحين": من رواية جابر: "وابعثه المقامَ المحمُوْدَ" (٣)، رواه ابنُ خُزيمة عن موسى بن سهل الرَّمْليِّ، وصَدَّقه أبو حاتمٍ الرَّازيُّ (٤)، وباقي الإسنادِ شرطهما، ورواه النسائي عن عَمْرو بن منصور، عن علي بن عيَّاش. والصَّحِيحُ ما في البخاري لوجوه: أحدها: اتِّفاق أكثرِ الرُّواة عليه (٥).

стр. 1555

الثاني: موافقتُهُ للفظ القرآن. الثالث: أن لفظ التنكير فيه مقصودٌ به التعظيم كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، وقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ (ق/ ٣٥٨ أ) ﴿مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ [الأحقاف: ١٢]، ونظائره. الرابع: أن دخولَ اللام يُعَيِّنُهُ ويخصُّه بمقام معيَّن، وحذفُها يقتضي إطلاقًا وتعدُّدًا، كما في قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ومقاماتُهُ المحمودة في الموقِفِ متعدِّدَةٌ، كما دلَّتْ عليه الأحاديثُ، فكان في التنكيرِ من الإطلاقِ والإشاعَةِ ما ليسَ في التَّعريفِ. الخامس: أن النبيَّ ﷺ كان يحافِظُ على ألفاظ القرآن تقديمًا وتأخيرًا، وتعريفًا وتنكيرًا، كما يحافظُ على معانِيه، ومنه: قولُه وقد بدأ بالصَّفا: "ابْدَأُوا بما بَدَأَ اللهُ به" (١)، ومنه: بداءته في الوضوء بالوجهِ ثم باليدينِ اتَباعًا للفظ القرآن، ومنه: قولُه في حديث البَرَاء ابن عازب: "آمنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، ونَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" (٢)

стр. 1556

موافقةً لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب: ٤٥] وعلى هذا فـ "الذي وعدته" إما بدَلٌ، وإما حْبرُ مبتدأ محذوف، وإما مفعولُ فعلٍ محذوف، وإما صفةٌ لكون "مقامًا محمودًا" قريبًا من المعرفة لفظًا ومعنى، فتأمله. * * * قال أحمدُ في رواية ابن هانئ (١): لا تجور شهادةُ من أيسر ولم يَحُجَّ، وليس به زَمَانَةٌ، ولا أمرٌ يحْبِسُهُ عنه. وقال (٢): لا تجوزُ شهادةُ الوَلَد لوالدِه، ولا الوالدُ لوَلَدِه، إذا كانوا يَجُرُّون الشيءَ لأنفسِهم. وقال (٣): تجوزُ شهادةُ الغلامِ إذا كان ابنَ اثنتي عشرة سنة أو عشرَ سنين، وأقامَ شهادَتَهُ، جازت شهادَتُهُ. وقال ابن هانئ: سمعتُ أبا عبد الله يقول: لا يُعْجِبُني أن يُعَدِّلَ القاضي؛ لأنَّ الناس يتغيَّرون، ولا يدري ما يحدُثُ. وسئل عن الرجل يُعَدِّلُ الرجلَ؟ فقال: ما يُعْجِبُني يعدله؛ لأنه لا يدري ما يحدثُ، والناسُ يتغيرون. وسُئِلَ: متى يُعَدَّلُ الرجلُ؟ فقال: قال إبراهيم: إذا لم تظهرْ منه ريبةٌ يعدَّلُ. ولأصحابه فيما إذا سُئِلَ عن مسألةٍ فأجاب فيها بحكايةِ قول من

стр. 1557

بعد الصَّحابَةِ وجهانِ؛ (ظ/٢٤٥ ب) أحدهما: أنه يكون مذهبًا له، والثاني: لا. فائدة الفرق بين الشك والريب من وجوه: أحدها: أنه يُقَالُ: شكٌّ مريبٌ، ولا يقال رَيْبٌ مُشَكِّكٌ. الثاني: أنه يقال: رَابني أمْرُ كذا، ولا يقال شكَّكَني. الثالث: أنه يقال: رَابَه يَرِيبهُ إذا أزعجَهُ وأقلقَهُ، ومنه قول النبي ﷺ وقد مَرَّ بظبي حاقِف في أصل شجرة": "لا يَرِيبُهُ أحدٌ" (١)، ولا يحسُنُ هنا: لا يُشَكِّكُه أحدٌ. الرابع: أنه لا يقالُ للشَّاكِّ في طلوع الشمس أو في غروبها أو دخول الشهرِ أو وقت الصلاة: هو مرتابٌ في ذلك، وإن كان شاكًّا فيه. الخامس: إن الرَّيْبَ ضدُّ الطُّمَأْنِينَةِ واليقينِ، فهو قلقٌ واضطرابٌ وانزعاجٌ، كما أن اليقينَ والطُّمَأْنِيَنةَ ثباتٌ واستقرارٌ. السادس: أنه يُقالُ: رَابَني مجيئُهُ وذهابُهُ وفعلُهُ، ولا يقال: شكَّكَني، فالشَّكُّ سببُ الرَّيْبِ، فإنه يَشُكُّ أولًا (٢)، فيوقعُهُ شَكُّهُ في الرَّيْبِ، (ق/٣٥٨ ب) فالشَّكُّ مَبدأُ الرَّيْبِ، كما أن العِلْمَ مَبْدأُ اليقينِ

стр. 1558

ومما انتقاه القاضي من "شرح أبي حفصٍ لمبسوطِ أبى بكرٍ الخلال " (١) * أحمد في رواية أحمد بن الحسين: يغسلُ يَدَهُ ثلاثًا ثم يستنجِي ثم يغسلُ يَدَهُ ثم (٢) يَتَوَضَّأُ. قال أبو حفص: قد بينَّا عن أبى عبد الله غسلَ اليدِ في الطَّهارة في ثلاثةِ مواضِعَ؛ أحدها: قبل الاستنجاء، والثاني: غسل اليد اليسري بعد الاستنجاء، والثالث: عند ابتداء الوضوء. وقال في الرجل يستجمرُ ويعرقُ في سراويله: "إذا استجمرَ ثلاثةً فلا بأسَ". يحتملُ أن يحملَ على ظاهرِها، فيَكونُ الموضِعُ قد طَهُرَ بالاستجمار فلا يَضُرُّ العَرَقُ، ويحتملُ أن يتأولَ (٣) على أنه عَرَقُ غيرِ موضِع الحَدَث، أو عَرِقَ فلم يُصِبْ ذلك الموضعُ سراويلَهُ، وهذا القولُ أولى؛ لأن الموضعَ عُفِيَ عنه تخفيفًا، فإذا نال الموضعَ رطوبةٌ، وَجَبَ إزالةُ الأَثَرِ، كما تجِبُ إزالةُ العين ونَجَسِ ما لاقاها كالعين. * قلت: اختلف أصحابُنا في أثر الاستجمارِ؛ هل هو نَجَسٌ معفوٌّ عنه أو طاهرٌ؟ على وجهين، وعلى ما اختاره أبو حفص تصيرُ المسألةُ على ثلاثةِ أوجهٍ، وقولُه الذي اختارَه ضعيفٌ جدًّا، مذهبًا ودليلًا وعملًا، فإنَّ الصَّحابَةَ لم يكنْ أكثرُهم يستنجي بالماء، وإنما كانوا يستجمِرون صَيْفًا وشتاءً، والعادةُ (ق/ ٣٤٨ أ) جاريةٌ بالعَرَق في الإزارِ،

стр. 1559

ولم يأمُرْهم النبي ﷺ بغسلِه، وهو يعلمُ موضِعَهُ، ولا كانوا هم يفعلونَهُ (١)، مع أنهم خيرُ القرونِ وأتقاهم لله، ولا أعلمُ أحدًا من أصحابنا اختارَ ما اختاره أبو حفصٍ، وهو خلاف نصِّ أحمد، والله أعلم. * واختلف قولُه إذا لم يجمع المستنْجِي بينَ الأحجارِ والماء أيُّهما أولى بالاستعمال؟ فنقل الشَّالَنجيُّ أنه قال: إن لم يكن مع الأحجار ماءٌ، فالأحجار أحبُّ إليَّ، والوجهُ فيه: أن ابنَ عُمر كان لا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بالماء. وروى أبو عبد الله عن إسماعيل بن أميَّة عن نافع قال: "كان ابنُ عُمر لا يغسلُ أثرَ المَبَالِ" (٢)، واستعمالُ الحِجارة أتت في الأخبارِ (٣). وروى حربٌ الكرماني والحسن بن ثَوَاب تضعيفَ الأخبار في الاستنجاءِ بالماءِ، وقال في حديث مُعَاذَةَ، عن عائشة، عنه: قَتَادَةُ لم يرفَعْه، ولأن المستجمِرَ لا تُلاقي يَدُهُ النجاسَةَ، وعنه: هما سواءٌ، وعنه: الماء أفضلُ، جاء في البول من التغليظ ما لم يأتِ في الكلبِ. * اختلف قوله إذا لم يقدروا أن يُصَلُّوا في السفينة قيامًا جماعةً وأمكنهم الصلاةُ فُرَادَى قيامًا، هل يُصَلُّون جُلوسًا جماعة؟ فعنه في رواية حرب: يُصَلِّي كُلُّ إنسان على حِدَتِهِ. وقال في رواية الفضل بن زياد: تُصَلِّي وحدَك قائمًا. ووجهُهُ: أن القيامَ آكَدُ؛ لأنه لو صلَّى قاعدًا مع قدرتِه على القيام لِم يجزئْهُ،

стр. 1560

ولو صلَّى منفردًا مع قدرتِه على الجماعةِ أَجْزَأَ. والقولُ الآخرُ تخريجًا على قوله: إن الإِمامَ إذا صلَّى جالسًا يُصَلِّي مَنْ خَلْفَهُ جلوسًا، فقد أجاز للمأمومِ الصلاة جالسًا لأجل الجماعة. قال القاضي: قلت أنا: ولأنا أسقطنا القيامَ لعدم السِّتارة (١) فكذا الجماعةُ. * واختلف (ظ/ ٢٤٦ أ)، قولُه في صفة جلوس العَرْيان في صلاتِه. فعنه: يَجْعَلُ قيامَهُ تَرَبُّعًا. قال القاضي: قلت أنا: كالمريض والمُتنفِّل. وعنه: يَتَضَامُّون؛ لأنهم إذا تَضَامُّوا كان أسترَ لعوِراتِهم، والمُتَرَبِّعُ يُفْضِي بفرجِه إلى السَّماء، ولا يمكنُهُ وضعُ يَدِهِ على فَرْجِهِ لئلا تنتقضَ طهارَتُهُ. * واختلف قوله: إذا توارى بعضُهم عن بعض، فصلُّوا قيامًا. فعنه: لا بأس. وعنه: أنه قال: يُصَلِّي العُريانُ قاعدًا يجعل قيامَهُ متَربعًا (٢)، فقد ذكر عريانًا واحدًا أنه يُصَلِّيَ قاعدًا، وهذا أصحُّ في مذهبه؛ لأن سترَ العورة آكَدُ عندَه من القيام، لأن مذهبَهُ في العراة يصَلُّون جلوسًا، ولأن سترَ العورةِ يُرَادُ للصلاة، ألا ترى أنه لا يجوزُ للخالي أن يصَلِّيَ مكشوفَ العورة، ولا إذا كان جيبُهُ واسعًا ينظر: إلى عورتهِ، ولحيتُهُ كبيرةٌ تحولُ بينَه وبين النظرِ.

стр. 1561

فائدة (١) حديث: يا رسولَ الله عندي دينارٌ، قال: "أنفِقْهُ على نَفْسِكَ ... " إلى الخامس (٢)، قال: "أنتَ أَبْصَرُ" (٣). قيل: لعله أشارَ إلى أنه قبل الخامس في حكم (ق/ ٣٤٨ ب) الفقير، فلما أخبره أن معه خامسًا -والدينار كان عندهم اثنا عَشَرَ دِرْهَمًا- فقد مَلَكَ قيمةَ خمسينَ درهمًا من الذهب، وزادَ عليها، ففوَّضَ الأمرَ إليه في الصَّدَقَة في الخامس دونَ ما قَبْلَه، فَهذا يُؤَيِّد حديث: "مَنْ سَأَلَ وله ما يُغْنِيه" قيل: وما يغْنِيه؟ قال: "خمسون درهمًا" (٤) الحديث، والله أعلم (٥).

стр. 1562

* قال أبو حفص: واختلف قولُه في الاستدارة في المحمل. فروى محمد بن الحكم عنه: من صلَّى في مَحْمَل فإنه لا يُجْزِئُهُ إلَّا أنْ يستقبلَ القِبْلَةَ؛ لأنه يمكنُهُ أن يدورَ، وصاحبُ الراحلة والدَّابَّة لا يمكنه، والحجةُ أمر الله تعالى باستقبال القبلة حيث كان المصلي، وذلك ممكن في المحمل كما في السفينة، بخلاف الدَّابَّة فتسقطُ لعدم: الإمكان. وروى عنه أبو طالب أنه قال: الاستدارةُ في المحمل شديدةٌ، يصلِّي حيثُ كان وجههُ؛ لأن الاستدارةَ في المحمَل شديدٌ على الجَمَل فجاز تَرْكُها، كما جاز في الرَّاحِلَةِ لأجل المَشَقَّةِ على الرَّاكِبِ (١). * واختلف قولُه في السُّجود في المَحْمَل. فروى عنه عبد الله (٢) ابنه أنه قال: وإن كان مَحْمَلًا فَقدَر أن يسجدَ في المحمل سَجَدَ. وروى عنه الميمونيُّ: إذا صلى على محمل أحبُّ إليَّ أن يسجدَ لأنه يمكنُهُ. وعنه الفضل بن زياد: يسجدُ في المحمَلِ إذا أمكنه. ووجهه: أنه تعالى أَمَرَ بالسُّجود، وإنما سقط عن المُصَلِّي على الرَّاحِلَةِ لعدمِ الإمكانِ. وروى عنه جعفر بن محمد: السُّجودُ على المِرْفَقَةِ، إذا كان في المحملِ، ربما اشتدَّ على البعير، ولكن يومئُ، ويجعل السجودَ

стр. 1563

أخفض الرُّكوعِ، وكذا روى عنه أبو داود (١)، ووجْهُه: المشقَّةُ على البعير. قلت: الذي أوجب هذا: أن الصحابَةَ لم يكن سفرُهم ولا حَجُّهم في المحامل، وإنما حدث (٢) في زمن الحَجَّاج، فالصّلاةُ فيها دائرةُ الشَّبَهِ بين الصلاةِ في السَّفينة والصلاةِ على الرَّاحلة، فمن راعى شبهها بالسفينة أوجبَ الاستقبال؛ لأن المحملَ بيتٌ سائرٌ في البَرِّ، كما أن السفينةَ بيتٌ سائرٌ في البحر، ومن راعى مَشَقَّةَ الاستدارةِ على المصَلِّي والبعيرِ أسقطَ الاستقبالَ، وهو الأَقْيَسُ، والله أعلم. مسألة قال المرُّوْذيُّ: كان أبو عبد الله إذا سَلَّم من المكتوبةِ ركَعَ ركعتينِ قبلَ التَّراويح. وجْهُه: ما رَوى عليٌّ (٣): "كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي على إِثْر كلِّ صلاة مكتوبة ركعتين، إلا الفجر والعصر، (٤)، ظاهرُهُ العمومُ في رمضان وغيره، ولا يُتْركُ (٥) ذلك لأجل التَّراويحِ؛ لأن كُلاًّ منهما مقصودٌ. وروى أحمد بن الحسين: صَلَّيْتُ مع أبي عبد الله في شهر رمضانَ

стр. 1564

التَّرَاوِيحَ، فكان إذا صَلَّى العَتَمَةَ لا يُصَلِّي حتى يقومَ إلى التَّرَاوِيح. قال الخلَّال: لم يضبط هذا، فإن كان قد ضبط ما رواه، (ق/ ٣٤٩ أ) فوجهُهُ أنه فعل (١) التَّراويحَ أو الركعتينِ قبل ركعةِ الوترِ، موضعَ الركعتينِ بعدَ المكتوبَةِ. قال حنبلٌ: كان أبو عبد الله يُصَلِّي معنا، فإذا فرغنا من التَّرْويحة: جَلَسَ وجلسنا، وربما يُحدِّث ويُسألُ عن الشيء فيُجيبُ، ثم يقومُ فيُصَلِّي، ثم يدعو بعد الصلوات بدَعَوَاتٍ، ثم يوتِرُ، ثم ينصرفُ. وقال الفضل: رأيتُ أحمدَ يقعدُ بين التَّراويحِ ويُرَدِّدُ هذا الكلامَ: "لا إله إلَّا الله وحدَه، لا شريكَ له، أستغفرُ الله الذي لا إله إلَّا هو". وجلوسُ أبي عبد الله (ظ/ ٢٤٦ ب)، للاستراحَةِ؛ لأن القيام إنما سمي تراويحَ لما يَخَلَّلُه من الاستراحَةِ بعد كلِّ ترويحة. * واختلف قولُه في تأخيرِ التَّراويحِ إلى آخرِ اللَّيلِ. فعنه: إن أخَّروا القيامَ إلى آخرِ اللَّيل فلا بأسَ به، كما قال عمرُ: "فإنَّ الساعَةَ التي تنَامون عنها أفضلُ" (٢)، ولأنه يحصل قيامٌ بعدَ رَقْدَةٍ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ ... ﴾ [المزمل: ٦]، الآية. وروى عنه أبو داود (٣): لا يؤخَّرُ القيامُ إلى آخر اللَّيْلِ، سنة المسلمين أحبُّ إليَّ. ووجهه: فعلُ الصحابة، ويُحْمَلُ قول عمر على التَّرغيبِ في

стр. 1565

الصَّلاة آخرَ الليل، ليواصِلوا قيامَهم إلى آخرِ الليل، لا أنهم يُؤَخِّرونها، ولهذا أمَرَ عمرُ من يُصَلِّي بهم أوَّلَ الليل. قال القاضي: قلت: ولأن في التأخير تعريضًا بأن يفوتَ كثيرًا من الناسِ هذه الصلاةُ لغَلَبَةِ النومِ. * واختلف قوله في القيام ليلة العيد في الجماعة. فروى عنه حنبلٌ: أما قيَامُ ليلةِ الفطرِ فما يُعْجِبُني ما سمعنا أحدًا فعل ذلك إلَّا عبدُ الرحمن (١)، وما أراه؛ لأنَّ رمضَانَ قد مضى، وهذه ليلةٌ ليست منه، وما أُحِبُّ أن أفعلَه، وما بَلَغَنا من سَلَفِنا أنهم فعلوه. وكان أبو عبد الله يصَلِّي ليلةَ الفطرِ المكتوبَةَ، ثم ينصرفُ، ولم يُصَلِّها معه قطُّ، وكان يكرهُهُ للجماعةِ. الفضل بن زياد: شهدت أحمدَ ليلةَ الفطرِ وقد اختلفَ الناسُ في الهلال، فصلَّى المكتوبةَ، وركع أربع ركعات، وجلسَ يستخبرُ خبرَ الهلال، فبعث رسولًا فقال: اذهبْ نحو أبي إسحاق (٢) فاستخبرْ خَبَر الهلال، فلم يَزَلَ جالسًا ونحن معه حتى رَجَعَ (٣) الرسولُ فقال: قد رُؤِيَ الهلالُ، فانتعَلَ (٤) أحمد، ثم قام فدخل منزلَه. وعنه أبو طالب: أنه قال في الجماعةِ يقومون ليلةَ العيدِ إلى الصَّبَاحِ يجمِّعونَ، قال: من فعلَ ذلك هو زيادةُ خير، كان عبدُ الرحمنِ بن الأسودِ

стр. 1566

يعتكِفُ فيقومُ ليلةَ العيدِ إلى الصَّباحِ، مَنْ فَعَلَهُ فحسنٌ، ومنْ لم يفعَلْه فليس عليه شيءٌ انتهى. لما روى مالك بن دينار، عن سالم، عن ابنْ عمر كان يُحْيِي ليلةَ العيدِ (١). عبد الرحمن بن الأسود (ق/ ٣٤٩ ب)، كان يُصَلِّي بقومِه في شهر رمضان وكان يقرأُ بهم القرآن في كلِّ ليلةٍ (٢): قال أبو عبد الله -في الرجل يُصَلِّي شهرَ رمضان، يقومُ فيُوتِرُ بهم، وهو يريدُ يصلِّي بقومٍ آخرينَ-: يشتغلُ بينَهم بشيءٍ يأكلُ أو يشرب أو يجلِسُ، رواه المرُّوْذيُّ. وذلك لأنه يكرَهُ: أن يوصلَ بوتِرِهِ صلاةً، فيشتغلُ بينَهم بشيءٍ ليكونَ فصلًا بين وتْرِهِ وبينَ الصلاةِ الثانيةِ، وهذا إذا كان يصلِّي بهم في موضعِه، أما في موضِعٍ آخَرَ فذهابُهُ فصلٌ، ولا يُعيد الوتْرَ ثانيةً، "لا وِتْرَانِ في لَيْلَةٍ" (٣). وقال أبو عبد الله -في الرجل يجيءُ والإمامُ يوتِرُ في شهر رمضان،

стр. 1567

فيلحق معه ركعةً-: إن كان الإمام يفصلُ بينهم بسلام أجرأتْهُ الركعةُ التي لحِقَ، وإذا كان لا يسلِّمُ في الثنتينِ، يقضي مثلَ ما صلَّى ثلاثًا إذا فَرَغَ قام يقضي ولا يقنُتُ. قوله: "ولا يقنُتُ"، يحتملُ لأنه قد قنَتَ مع الإمام فلا يقنتُ، كما لو سَجَدَ للسهو معه لا يسجدُ آخر صلاته. ويحتملُ لأنه أدرك آخرَ صلاتِهِ فلا يقنُتُ في أوَّلها. محمد بن بحر (١): رأيتُ أبا عبدِ الله في شهر رمضانَ، وقد جاء فضلُ بن زياد القَطَّانُ فصلَّى بأبي عبد الله التَّرَاويحَ -وكان حسَنَ القراءةِ- فاجتمعَ المشايخُ وبعضُ الجيران حتى امتلأَ المسجدُ، فخرج أبو عبد الله فصعِد درجةَ المسجدِ، فنظر إلى الجَمْع فقال: ما هذا تَدَعُونَ مساجدَكم وتجيئونَ إلى غيرها؟! فصلَّى بهم لياليَ، ثم صَرَفَة كراهيَةً لما فيه -يعني: من إخلاء المساجدِ- وعلى جارِ المسجد أن يصليَ في مسجدِه. قال أحمدُ -في الرجل يتركُ الوِترَ متعمدًا-: هذا رجل سوءٍ، يتركُ سُنَّةً سنَّها رسولُ الله ﷺ ؟!، هذا ساقط العدالة إذا تَرَكَ الوِتْرَ مُتَعَمِّدًا. روى هذه المسألة هارون بن عبد الله البزَّاز (٢)، (ظ/ ٢٤٧ أ) ونقل أبو طالب وصالحٌ (٣): من تَرَكَ الوِتْرَ متعمدًا هذا رجلُ سوءٍ، وذلك

стр. 1568

لقول الله (١): ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، وقد أمر به النبيُّ ﷺ . * واختلف قوله إذا أوتَرَ بعد طلوعِ الفجرِ؛ هل يوتِرُ بواحدةٍ أو بثلاث؟. فعنه الميمونيُّ قال: إذا استيقظ وقد طَلَعَ الفجرُ، ولم يكن تَطَوَّعَ ركعَ ركعتين، ثم يُوتِرُ بواحدةٍ، لأن الركعتينِ من وِتْرِهِ. ونحوه الأثرم وأبو داودَ (٢). ووجهه: أن الوِتْرَ اسمٌ للثلاث؛ لأن النبيَّ ﷺ كان يُوتِرُ بها، ولأنه وقتٌ لفعل الوتر، وكان وقتًا للثلاث. ونقل يوسفُ بن موسى (٣): يُوتِرُ بواحدةٍ. وكذلك (٤) نقل أحمد بن الحسين في الرجلِ يَفْجَؤُه الصُّبْحُ، ولم يكنْ صلَّىَ قبل العَتَمَةِ، ولا بعدَها شيئًا: يوتِرُ بواحدةٍ (٥)، ولا يُصَلِّي قبلها (ق/ ٣٥٠ أ) شيئًا. ووجهه: قوله ﷺ : "صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ" (٦) فجعل ما قبلَها من صلاة الليل (٧)، وأمرَه بالمبادرة

стр. 1569

بواحدة، ولأن ما بعد طلوع الفجر لا يجوز فيه إلا ركعتا الفجر، وإنما أجزنا الوتر لتأكُّده. * واختلف قولُه في اختيارِه الوترَ. فروى عنه أبو بكر بن حمَّاد (١) أنه قال: أذهبُ إلى حديث أبي هريرة: "أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاثٍ ... " (٢) الحديث. وعنه الميمونيُّ: لست أنامُ إلَّا على وِتْر. وعنه الفضلُ بن زياد قال: آخره أفضل، فإن خافَ رجلٌ أن ينامَ أوْتَرَ أوَّلَ الليلِ. قال أبو حفص: وإنما يكونُ الوِتْرُ آخِرَ الليل أفضلَ (٣) في غير شهرِ رمضانَ، فأمَّا في شهر رمضانَ، فالوترُ أول الليلِ تَبَعٌ للإمام أفضلُ، لقول النبيِّ ﷺ : "مَنْ صَلَّى مَعَ إمَامِه حَتَى يَنْصَرِفَ كُتِبَ له قِيامُ لَيْلَةٍ" (٤). قال أحمد: إذا كان يقْنُتُ قبلَ الرُّكوعِ، افتتحَ القنوتَ بتكبيرةٍ، رواه أبو داود (٥) والفضل بن زياد، ودليلُه: ابنُ مسعود: كان يقنُتُ

стр. 1570

في الوِتر، إذا فَرَغَ من القراءة كَبَّرَ (١) ورفع يديه، ثم قَنتَ (٢). * واختلف قولُه في قَدْر القيام في القنوت. فعنه بِقَدْر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الإنشقاق: ١]، أو نحو ذلك. وقد روى (٣) أبو داود (٤): سمعتُ أحمد سُئل عن قول إبراهيم: القُنُوتُ قَدْرُ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾؟ قال: هذا قليلٌ يعجبُني أن يزيدَ. وعنه: كقُنوت عُمَرَ (٥)، وعنه: كيف شاءَ. وجْهُ الأولى: أنه وَسَطٌ من القيام. والثانية: فعل عمر. والثالثة: أن طَرِيقَهُ الاستحبابُ، فسقط التوقيتُ فيه. نَقَل يوسفُ بن موسى عنه: لا بأس أن يدعوَ الرجلُ في الوِتْر لحاجتِهِ. وروى عنه علي بن أحمد الأنماطي (٦) أنه قال: يُصَلِّي على النبيِّ ﷺ في دعاء القُنُوتِ. قال أحمد: يدعو الإمامُ ويؤمِّنُ من خَلْفَهُ (٧). وعنه أبو داود (٨): إذا لم يسْمَعْ صوتُ الإمام يدعو.

стр. 1571

أبو حفص: لأن التأمين لما يسمعونَ، قال النبي ﷺ : "إِذَا أمَّنَ الإمَامُ فَأَمنُوا" (١). وعنه: إذا (٢) دعا وأمَّنُوا فجيدٌ، وإد دعا ودَعَوْا فلا بأسَ كلٌّ موسَّعٌ. وجْهُه: أن المؤَمِّنَ داع قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وكان هارونُ مُؤَمِّنًّا. قال: يجهر الإمامُ بالقنوتِ، ولم يَرَ أن يخافِتَ إذا قَنَت ألبتة، لما رُوِي أن النبيَّ ﷺ جَهَر بالقُنوت، بِدَليل أن أصحابَه كانوا يُؤَمِّنُونَ. وروى أبو عبد الله: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن جعفر، عن أبي عثمان: صَلَّيْتُ خلف عمر بن الخطاب فَقَنَتَ بعد الرُّكوع، ورفع يديه في قُنُوته، ورفع صوتَهُ بالدُّعاء، (ق/ ٣٥٠ ب) حتى سَمَّعَ مَنْ وراء الحائطِ (٣). وعن أُبَيٍّ أنه جَهَرَ بالقُنوتِ. وعن معاذٍ القارئ أنه جَهَرَ. المرُّوْذيُّ: كان أبو عبد الله في دعاء الوِتر لم يكن يسمَعُ دعاءَهُ مَنْ يليه. هذا يدلُّ (٤) على أنه كان مأمومًا والمأموم لا يجْهَرُ. مهنَّا: سُئل أحمد عن الرجل يقنتُ في بيتِه، أيعجِبُكَ يجهرُ بالدعاء في القنوتِ أو يُسِرُّهُ؟ قال: يُسِرُّهُ، وذلك أن الإمام إنما يجهرُ لِيُؤَمِّنَ المأمومُ.

стр. 1572

عبد الله (١): قلت لأبي: يمسح بهما وجهَه؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ. وكان الحسنُ إذا دعا مسح وجْهَهُ. وقال (٢): سئل أبي عن رفع الأيدي في القُنوت، يمسحُ بهما وجهه؟ قال: لا بأس يمسح بهما وجهَه، قال عبد الله: ولم أرَ أبي يمسحُ بهما وجْهَهُ (٣). فقد سهَّلَ أبو عبد الله في ذلك وجعَلَه بمنزلة مسحِ الوجهِ في غيرِ الصَّلاةِ؛ لأنه عملٌ قليل ومنسوب إلى الطَّاعة، واختيارُ أبي عبد الله تَرْكُهُ. * قال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ما أحبُّ إليك ما يَتَقَرَّبُ به العبدُ من العمل إلى الله؟ قال: كثرةُ الصلاةِ والسجودِ، أقربُ ما يكون العبدُ من الله، إذا عَمر وجْهَه له ساجدًا. يعني بهذا: إذا سجدَ لله على التراب، وفى هذا بيان أن الصَّلاة أفضلُ أعمال الخير. وروى عنه المرُّوْذيُّ أنه قال: كلُّ تسبيحٍ في القرآن صلاةٌ (٤) إلَّا موضع واحد. قال: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤١)﴾ الطور: ٤٩]، ركعتينِ قبلَ الفجر، ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ [ق: ٤٠]، ركعتين بعد المغرب.

стр. 1573

قال أبو حفص: والحجَّةُ في تفضيله الصلاةَ على سائِر أعمال القرَب قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. و [قال] (١) حذيفةُ: إذا حَزَبَهُ أمرٌ صَلَّى (٢). وقال: "أعِني عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ" (٣)، وقال: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِها" (٤) وقالَ: "جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ" (٥)، ولأنها تختصُّ بجمع الهمِّ، وحضورِ القلبِ، والانقطاع عن كلِّ شيء سواها، بخلاف غيرِها من الطَّاعات، ولهذا كانتَ ثقيلةً على النَّفْس. * نقل عنه محمد بن الحكم (٦) (ظ/ ٢٤٧ ب) في الرجل يفوتُهُ وِرْدُه من اللَّيل: لا يقرأ به في ركعتي الفجرِ، كان النبيُّ ﷺ يُخَفِّفُهما، لكن

стр. 1574

يقرأُ إذا أصبحَ، أرجو أن يُحتسبَ له بقيامِ اللَّيلِ. * اختلفت الرِّوَايةُ في الرَّكعتين بعد الظهر. فعنه الأثرم: يُصَلِّيهما في المسجد. ووجْهُه، حديث: أم سَلَمَةَ في الركعتين بعد العصر (١)، ظاهرُهُ: أنهم شغلوه عن صلاة: الرَّكعتينِ في المسجد. الفضل بن زياد: رأيتُ أحمدَ لا يُصَلِّي بعدَ المكتوبة شيئًا في المسجد إلَّا مَرَّةً بعدَ الظهر، كان يومًا نادرًا. ووجْهُه: حديثُ عائشة: "كان يُصَلِّي قبلَ الظهر أربعًا في بيتي، ثم يخرج فَيُصَلِّي بالناس، ثم يرجِعُ إلى بيتي فيُصَلِّي ركعتين" (٢)، والله أعلم. مسألة أبو (ق/٣٥١ أ) الصقر عنه: لا بأسَ أن يجهرَ الرجلُ بالقراءَةِ بالليلِ، ولا يجهرُ بالنهارِ في التَّطَوُّع وقال في الرجل يُصَلِّي بقومٍ صلاةَ الفريضةِ، فمرَّتْ به آياتُ العذابِ، فقال: "أستجيرُ بالله من النار": مَضَتْ صلاتُهُ ولا يعيدُ الصلاةَ. وقال في الرجل يُصَلِّي ويأتي على ذكر النبيِّ ﷺ وهو في الصَّلاة، قال: إن كان تَطَوُّعًا صلَّى عليه، وإن كانَ في الفريضَةِ فلا. * واختلف قولُه في المداومة على صلاة الضُّحى.

стр. 1575

فعنه قال: ما أُحِبُّ أن أداومَ عليها، وقد صلاها رسول الله ﷺ يوم الفَتح (١). وقال: ربَّما صلَّيْتُ وربما لم أُصَلِّ. ووجْهُه: ما روى أبو هريرة قال: "ما صَلَّى النبيُّ ﷺ الضُّحَى قَطُّ إلاّ مرَّةً" (٢)، قال الميمونيُّ: قال أحمد: ما سمعناه إلَّا من وكيع وإسنادُه جيد. وروى عنه موسى بن هارون [الحمَّال] (٣) قال: مَرَّ بي أحمد بن حنبل ومعه المرُّوْذيُّ، وأنا في المسجد قبلَ الزوالِ أُصَلَي الضحى -لأني كنت شُغلتُ عنها- فوقف عَلَيَّ، فقال: ما هذه الصلاةُ، وليس هذا وقتَ الظهر؟! قال: قلت يا أبا عبد الله هذه ركَعَاتٌ كنت أُصَلِّيها ضحىً فشُغِلْتُ عنها إلى هذا الوقت، قال: لا تَتْرُكْها ولو ذكرتَها بعدَ العَتَمَةِ. ووجهُة: قولُه ﷺ : "أَحَبُّ العَمَلِ إلى اللهِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ" (٤).

стр. 1576

وقال في رواية مهنَّا وعبدُ الله (١): صلاةُ التسبيح لم تثبُتْ عندي، فيها حديثٌ سيئٌ. وقال في رواية أبي الحارث: صلاةُ التسبيح حديثٌ ليس لها أصل، ما يعجبُني أن يصَلِّيَها، يصلِّي غيرها. وقال علي بن سعيد النسائي: ذكرتُ لأبى عبد الله حديثَ عبد الله ابن مُرَّة من رواية المستمر بن الرَّيَّان (٢)؟ فقال: "المستمرُّ شيخ ثقة" (٣)، وكأنه أعْجَبَهُ. الأثرمُ عنه في الركعتين قبل المغرب، قال: أحاديثُ جيادٌ، أو قال صحاحٌ عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعينَ (٤)، فمن شاء صلَّى بينَ الأذان والإقامة. وعنه الفضل بن زياد: ما فَعَلْتُهُ قطُّ إلَّا مَرَّةً، فلم أرَ الناسَ عليه فتركتُها (٥). وقال في رواية حنبل: السُّنَّةُ أن يُصَلِّيَ الرجلُ الركعتينِ بعدَ المغرب في بيتِه، كذا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أصحابه.

стр. 1577

قال السائب بن زيد: لقد رأيتُ الناسَ في زمانِ عمر بن الخطَّاب إذا انصرفوا من المغربِ انصرفوا جميعًا حتى لا يبقى في المسجدِ أحدٌ، كأنه لا يصلُّونَ بعدَ المغربِ حتى (١) يصيروا إلى أهليهم (٢). فإن صلَّى الركعتينِ في المسجدِ فهل يُجْزئُهُ؟ اختلف قوله. روى عبد الله (٣) عنه أنه قال: بلغني عن رجلٍ سمَّاه، أنه قال: لو أن رجلًا صلَّى الرَّكعتينِ في المسجدِ بعدَ المغرب ما أجزأَهُ (٤)، (ق/ ٣٥١ ب) وقال: ما أحسنَ ما قالَ هذا الرجلُ، وما أجودَ ما انتزَعَ. ووَجْهه (٥): أمرُ النبيِّ ﷺ بالصَّلاة في البيوتِ. وقال له المرُّوْذي: من صلَّى الركعتينِ بعد المغرب في المسجدِ يكونُ عاصيًا؟ قال: ما أعرفُ هذا. قلت له: يُحكى عن أبي ثَوْر أنه قال: هو عاصٍ؟ قال: لعله ذَهَبَ إلى قول النبي ﷺ : "اجْعَلُوهَا في بُيوتكُمْ" (٦). ووَجْهه: أنه لو صلَّى الفرضَ في البيت، وتَرَكَ المسجدَ أجزأه،

стр. 1578

فكذا السُّنَّة في المسجد. قلت: ليس هذا وجهَهُ عند أحمد، وإنما وَجْهُهُ أن السُّنَنَ لا يُشترطُ لها مكانٌ مُعَيَّنٌ ولا جماعة، فتُفْعَل في المسجد والبيت، والله أعلم. * قال في روايةِ الميموني والمرُّوْذيِّ: يستحبُّ أن لا يكونَ قبلَ الرَّكعتينِ بعدَ المغربِ إلى أن تُصَلِّيَهما كلام. وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمدَ سلَّم الإمام من صلاةِ المغربِ، قام ولم يَتَكَلَّم ولم يركعْ في المسجدِ، وتكلَّمَ قبل أن يدخُلَ الدَّار. وَجْه الكراهَةِ: قولُ مكحول: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، يعني: قَبْلَ أَنْ يَتكَلَّم -رُفِعَتْ صَلاتُهُ في عِلِّيِّينَ" (١) ولأنه يَصِلُ النفلَ بالفرضِ (٢). قال أحمد في رواية حرب، ويعقوبَ، وإبراهيمَ بن هانئ (٣): إن تَرَكَ ركعتي المغربِ لا يُعيدُهما، إنما هما تَطَوُّعٌ. المرُّوْذي: رأيت أبا عبد الله يركعُ فيما بينَ المغرب والعشاء. * المرُّوْدْيُّ عنه: في رجل يريدُ سفرًا فيقصرُ يومًا ثم يبدو له، فيرجعُ: يتمُّ (٤)، وجاءه رسولُ الخليفة ردَّهُ من بعضِ الطريق في اللَّيلِ فأتم الصلاةَ، فقيل له: أليسن نجن مسافرونَ؟ قال: أما السَّاعةُ فلا، وكان نحوًا من سبع فراسِح.

стр. 1579

محمد بن الحكم عنه: في الرجلِ يخرجُ إلى بعض البلدان يَتَنَزَّهُ أو إلى بلد يَتَلَذَّذُ فيه، ليس بطَلبِ حجٍّ ولا عُمْرَةٍ ولا تجارةٍ: ما يُعْجِبُني أن يقصرَ الصلاةَ (١). والوجْهُ فيه: أن الأصلَ الإتمامُ، فلا يجوزُ أن يجوزُ الفرضَ لطلبِ النزهة. مسألة إن لم يكن مع الملَّاحِ أهلُه، وكان يسافرُ ويرجِعُ إلى أهلِهِ، قَصَرَ الصلاةَ. قال في رواية حرب: إن لم يُقم المكاري في أهلِه ما يقضي رمضانَ يقضي في السفر، وذلك أن هذه حالُ ضرورة، والقضاءُ عليه فرضٌ. اختلف قولُهُ في المسافر يَرِدُ على أهله لا يريدُ المقامَ. فروى عنه عبد الله (٢): لو أن مسافرًا وَرَدَ على أهلِهِ أمسكَ عن الطَّعام وأتمَّ الصلاةَ، إلَّا أن يكون مارًّا. وكذا نقل إسحاقُ الكوسجُ (٣): في رجل خرج مسافرًا فبدا له، فرجَع في حاجةٍ إلى بيتِه ليأخذَها، فأدركته الصلاةُ: هو (٤) مسافرٌ يقصرُ إذا لم يكن له أهلٌ، وهو (ق/ ٣٥٢ أ) أهونُ لأنه على نِيَّةِ السفرِ. فورودُهُ على أهلِهِ لم يخرجْهُ عن حكم السفر.

стр. 1580

وعنه صالحٌ (١) فى رجل خرجَ مُسافرًا فبدأ له، فرجَعَ في حاجة إلى بيته فأدركتْهُ الصلاةُ: يتمُّ؛ لأن ابن عباس قال: إذا قدمتَ على أهلٍ أو ماشية فأتِمَّ (٢). والوجْهُ فيه: حديثُ ابن عباس، ولا يَصِحُّ حملُه على إذا نوى المُقَامَ؛ لأنه إذا نوى المقامَ في غير أهلِه لزمه الإتمامُ؛ ولأنه لو أنشأ السفرَ من بلدِهِ لم يَجُزْ له القصرُ حتى يفارقَ منزلَهُ، كذا بعد رجوعِهِ لحاجة. عنه المرُّوْذيُّ: ركعتا الفجر والمغرب لا يَدَعُهُما في السفر (٣). عنه صالح والكوسج (٤): إذا نوى المسافرُ المقامَ وهو في الصلاة: يُتِمُّ، وإن قعد في الركعتينِ حتى يخرجَ بتسليمٍ. ووَجْهه: أنه قد صارَ مقيمًا. مسألة الأثرمُ عنه (٥): إذا أجمعَ أن يقيمَ إحدى وعشرين صلاةً مكتوبةً قَصَر، فإذا عَزَم على أن يُقِيمَ أكثر من ذلك أتمَّ، واحتجَّ بحديث جابر وابن عباس: "قَدِمَ النبيُّ ﷺ لصبحِ رابِعَةٍ" (٦) وكذا نقل ابنُ الحَكَم.
следующие страницы →