← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولدخول إحداهما على الأخرى ظنَّ كثيرٌ من الناس أن قولَه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] أنها مصدرية. واحتجوا بها على خلق الأعمال، وليست مصدرية وإنما هي موصولة، والمعنى: والله خلقكم وخلقَ الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام، فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله؟! ولو كانت مصدرية لكان الكلام آل (١) إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجةً عليهم؛ إذ (٢) يكون المعنى: أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها؟! فأي معنى في هذا وأي حجة عليهم؟!. والمقصود: أنه كثيرًا ما تدخل إحداهما على الأخرى، ويحتملهما الكلام سواء. وأنت لو قلت: أيعجبني الذي يجلس"؛ لكان غثًّا من المقال، إلا أن تأتي بموصوف يجرى هذا صفة له، فتقول: "يعجبني الجلوسُ الذي تَجْلس"، وكذلك إذا قلت: فيعجبني الذي ينطلق (ق/ ٥٧ ب) زيد"، كان غثًّا، فإذا قلت: "يعجبني الانطلاق الذي ينطلق زيد"؛ كان حسنًا، فمن هنا اسْتُغِثَّ: "يعجبني ما يَنْطَلِق وما تَجْلِس" إذا أردت به المصدر (٣). وأنت لو قلت: "آكل ما يأكل"؛ كانت موصولة، وكان الكلام حسنًا، فلو أردت بها المصدرية والمعنى: آكل أكلك؛ كان غثًّا حتى تأتي بضمِيْمَةٍ تدل على المصدر، فتقول: آكل كما يأكل، فعرفت أنه

стр. 352

لم يكن الاستكراه الذي أشار إليه من جهة الإبهام والتعيين؛ فتأمَّلْه. وأما: "طالما يقوم زيد، وقلَّما يأتي عَمْرو"، فـ "ما" هنا واقعة على الزمان، والفعلُ بعدها متعدٍّ إلى ضميره بحرف الجر، والتقدير: طالَ زمان يقوم فيه زيد، وقلَّ زمان يأتينا فيه عَمْرو، ثم (ظ/٤٢ ب) حُذِف الضميرُ فسقط الحرفُ، هذا تقدير طائفة من النحاة، منهم السُّهَيلي (١) وغيره. ويحتمل عندي تقديرين آخرين هما أحسنُ من هذا: أحدهما: أن تكون مصدرية وقتية، والتقدير: "طالَ قيامُ زيد، وقلَّ إتيان عَمْرو". وإنما كان هذا أحسن، لأن حذفَ العائد من الصفة (٢) قبيح، بخلاف حذفه إذا لم يكن عائدًا على شيءٍ فإنه أسهل، وإذا جُعِلَت مصدرية؛ كان حذف الضمير حذف فضلة غير عائد على موصوف. والتقدير الثالث: -وهو أحسنها- أن "ما" هاهنا مُهَيئة لدخول الفعل على الفعل ليست مصدرية ولا نكرة، وإنما أُتي بها لتكون مُهَيِّئة لدخول "طال " على الفعل، فإنك لو قلتَ: "طال يقوم زيد، وقلّ يجيء عَمْرو" لم يجز، فإذا أدخلت "ما" استقام الكلام، وهذا كما دخلت على "رُبَّ" مُهَيئة لدخولها على الفعل، نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر: ٢]، وكما دخلت على "إن" مُهَيئة لدخولها على الفعل نحو: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فإذا عرفتَ هذا؛ فقول النبيِّ ﷺ : "صَلُّوا كَمَاْ

стр. 353

رَأيْتُمُوْني أُصَلِّي" (١) هو من هذا الباب، ودخلَتْ "ما" بين كاف التشبيه وبين الفعل مُهَيئة لدخولها عليه، فهي كافة للخافض ومُهَيئة له أن تقع بعد الفعل، وهذا قد خَفِي على أكثر (٢) النحاة حتى ظن كثير منهم أن "ما" هاهنا مصدرية، وليس كما ظن؛ فإنه لم يقع التشبيه هنا بالرؤية، وأنت لو صرحت بالمصدر هنا؛ لم يكن كلامًا صحيحًا، فإنه لو قيل: صلوا كرؤيتكم صلاتي، لم يكن مطابقًا للمعنى المقصود، فلو قيل: إنها موصولة والعائد محذوف، والتقدير: صلوا كالتي رأيتموني أصلي، أي؛ كالصلوات التي رأيتموني أصليها؛ كان أقربَ من المصدرية على كراهته، فالصواب ما ذكرتُه لك. ونظير هذه المسألة قوله ﷺ (ق/ ٥٨ أ)، للصدِّيق: "كما أنت" (٣)، فأنت مبتدأ والخبر محذوف، فلا مصدر هنا إذ لا فعل، فمن قال: إنها مصدرية فقط غَلِط، وإنما هى مُهَيئة لدخول الكاف على ضمير الرفع، والمعنى: كما أنت صانع أو كما أنت مُصَلٍّ، فَدُم على حالتك. ونظير ذلك -أيضًا- وقوعها بين "بعد" والفعل، نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧]، ليست مصدرية كما زعم أكثر النحاة، بل هى مهيئة لدخول "بعد" على فعل "كاد"؛ إذ لا يُصَاغ من "كاد" و"ما" مصدر إلا أن يتجشم له فعلٌ بمعناه يُسْبَك منها، ومن ذلك الفعل مصدر، وعلى ما قررناه لا

стр. 354

يحتاج (١) إلى ذلك، ويؤيد هذا قول الشاعر (٢): أعَلاقَةً أمَّ الوُلَيِّدِ بَعْدَما ... أَفْنانُ رَأْسِك كالثَّغَامِ المُخْلِسِ أفلا تراها هاهنا حيث لا فعل ولا مصدر أصلًا (٣)، فهي كقوله: "كما أنت" مهيئة لدخول "بعد" على الجملة الابتدائية؛ ولكن الخبر في البيت مذكور، وهو قي قوله: "كما أنت" محذوف. فإن قلت: فما بالهم لم يدخلوه في "قبل" كافة لها مهيئة لدخولها على الفعل: والجملة، فيقولون: "قبلما يقومُ زيد، وقبلما زيدٌ قائم". قلت: لا تكون "ما" كافة لأسماء الإضافة، وإنما تكون كافة للحروف وما ضارعها (٤)، و"بعد" أَشدُّ مضارعة للحروف من "قبل"؛ لأن "قبل" كالمصدر في لفظها ومعناها، كما (٥) تقول: "جئتُ قبل الجمعة"، تريد: الوقتَ الذي تستقبل في الجمعة (٦)، فالجمعة بالإضافة إلى ذلك الوقت قابلة، كما قال الشاعر: * نَحُجُّ مَعًا قالت: أَعامًا وقابِله (٧) *

стр. 355

فإذا كان العامُ الذي بعد عامك يُسَمَّى: قابلًا، فعامك الذي أنت فيه (١) (ظ/٤٣ أ) قبل، ولفظه من لفظى قابل، فقد بان لك من جهةِ اللفظ والمعنى أن "قل" مصدر في الأصل، والمصدرُ كسائر الأسماء لا يكَفُّ به، ولا يُهَيأ لدخول الجمل بعده، وإنما ذلك في بعض الحروف العوامل، لا في شيءٍ من الأسماء. وأما "بعدُ"؛ فهي أبعد عن شبه المصدر، وإن كانت تقرب من لفظ [البُعد] ومن معناه، فليس قربها من لفظ المصدر كقرب "قبل"، ألا ترى أنهم لم يستعملوا من لفظها اسمَ فاعل، فيقولون للعام الماضي: الباعد، كما قالوا للمستقبل: القابل. فإن قلت (٢): فما تقول في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ﴾ [القصص: ٧٧]؛ فإنها لا يمتنع فيها تقدير المصدر في هذه المواضع كلِّها، فهل هي كافة (٣) مُهَيئة أو مصدرية؟. قلت: التحقيق أنها كافة لحرف التشبيه عن عمله، مُهَيئة لدخوله على الفعل، ومع هذا فالمصدر ملحوظ فيها وإن لم تكن مصدريةً مَحْضة، ويدل على أن "ما" لا تقع مصدرية على حَدِّ "أنْ": أنك تجدها لا تصلح في موضع تصلح فيه "أنْ"، فإذا قلتَ: "أريد أن تقوم" كان مستقيمًا، فلو قلتَ: "أريدُ ما تقوم" (ق/٥٨ ب) لم يستقِمْ، وكذلك: "أحب أن تأتيني"، لا تقول في (٤) موضعه: "أحب ما تأتيني ".

стр. 356

وسرُّ المسألة: أن المصدرية ملحوظٌ فيها معنى الذي، كما تقدَّم بخلاف "أن". فإن قلت فما تقول في: "كلما قمت أكرمتك" أمصدريَّة هنا، أو كافَّهٌ، أم نكرة؟. قلتُ: هي هاهنا نكرة، وهي ظرف زمان في المعنى، والتقدير: كلَّ وقتٍ تقوم فيه أُكرِمْك. فإن قلت: فهلَّا جعلتها كافة (١) لإضافة "كلٍّ" إلى الفعل، مُهَيئة لدخولها عليه؟. قلت: ما أحراها بذلك لولا ظهور الظرف (٢) والوقت وقصده من الكلام، فلا يُمكن إلغاؤه مع كونه هو المقصود، ألا ترى أنك تقول: "كل وقت يَفْعل كذا أفعل كذا"، فإذا قلت: "كلما فعلْت فعلْتُ"، وجدت معنى الكلامين واحدًا، وهذا قول أئمة العربية وهو الحق. فصل (٣) قال أبو القاسم السهيلي (٤): "اعلم أن "ما" إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه: "عَمل أو صَنَع فعل"، وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري -سبحانه- فلا يصح وقوعُها إلا على مصدر؛ لإجماع العقلاء من الأنام، في الجاهلية والإسلام، على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام، لا تقول: "عملت جملًا، ولا

стр. 357

صنعت جبلًا، ولا حديدًا ولا حجرًا ولا ترابًا"، فإذا قلت: "أعجبني ما عملت، وما فعل زيد"، فإنما تعني الحَدَثَ، فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] إلا قول أهل السنة: إن المعنى: والله خلقكم وأعمالَكُم، ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول؛ لأنهم زعموا: أن "ما" واقعة على الحجارة التي كانوا ينحتونها أصنامًا، وقالوا: تقدير الكلام: خلقكم والأصنام التي تعملون، إنكارًا منهم أن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه. واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوا؛ لأنه تقدم قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فـ "ما" واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى؛ أما النحو؛ فقد تقدَّم أن "ما" لا تكون مع الفعل الخاص (١) مصدرًا. وأما المعنى؛ فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإِنما كانوا يعبدون المنحوت. فلما ثبتَ هذا وجب أن تكون الآية -التي هي ردّ عليهم وتفنيد لهم (٢) - واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، فيكون التقدير: أتعبدون (ظ/٤٣ ب) حجارة منحوتة، والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون؟!. هذا كله معنى قول المعتزلة، وشرح ما شبَّهوا به، والنظمُ على تأويلِ أهلِ الحقِّ أبدعُ، والحجةُ أَقْطَع (٣). والذي ذهبوا إليه فاسد لا يصح بحال؛ لأنهم مجمعون معنا على أن أفعال العبادِ لا تقع (ق/٥٩ أ) على الجواهر والأجسام.

стр. 358

فإن قيل: فقد تقول: عملتُ الصحفةَ (١)، وصنعتُ الجَفْنة، وكذلك الأصنام (٢) معمولة على هذا؟. قلنا (٣): لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هي التأليف والتركيب، وهي نفس: العمل. وأما الجوهر المؤلَّف المركَّب فليس بمعمولٍ لنا، فقد رجعَ العملُ والفعل إلى الأحداث دون الجواهر. هذا إجماع مِنَّا ومنهم، فلا يصح (٤) حملهم على غير ذلك. وأما ما زعموا من حُسْن النظم وإعجاز الكلام؛ فهو ظاهر، وتأويلنا معدوم في تأويلهم؛ لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة؛ لانفراده بالخلق، وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يَخْلق وهم يُخْلَقون، فقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أي: من لا يخلق شيئًا وهم يُخْلقون، وتَدَعُون عبادةَ من خلقَكُم وأعمالَكُم التي تعملون، ولو لم يُضِفْ خلقَ الأعمال إليه في الآية، وقد نسبها بالمجاز إليهم لما قامت له حُجة [عليهم] من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق لأجناس أُخَر، فيشركهم معه في الخلق -تعالى الله عن قول الزائغين- ولا لعًا (٥) لعثرات المبطلين، فما أدحضَ حجَّتَهم! وما أوهى قواعد مذهبهم! وما أبين الحق لمن اتبعه! جعلنا الله من أتباعه وحزبه.

стр. 359

وهذا الذي ذكرناه هو الذي قاله أبو عبيد (١) في قول حذيفة: "إن الله يخلق صانع الخَزَم وصنعته" واستشهد بالآية، وخالفه القُتَبِي (٢) في "إصلاح الغلط" (٣)؛ فغلط أشدَّ الغلط ووافق المعتزلةَ في تأويلها، وإن لم يقل بِقِيلها" هذا آخر كلام أبي القاسم السهيلي ﵀. ولقد بالغ في رد مالا تحتمل الآية سواه، أو ما هو أولى بحملها وأَلْيقُه بها، ونحنُ وكلُّ محق مساعدوه على أن اللهَ خالق العباد وأعمالهم، وأن كلَّ حركة في الكون فالله خالقها، وعلى صِحَّة هذا المذهب أكثر من ألفِ دليلٍ من القرآن والسنة والمعقول والفطر (٤)؛ ولكن لا ينبغي أن تحمل الآية على غير معناها اللائق بها، حِرْصًا على جعلها حجة عليهم، ففي سائر الأدلة غنية عن ذلك، على أنها حجة عليهم من وجه آخر، مع كون "ما" بمعنى الذي سنبينه إن شاء الله تعالى. والكلام -إن شاء الله- في الآية في مقامين: أحدهما: في سَلْب دلالتها على مذهب القدرية. والثاني: في إثبات دلالتها على مذهبِ أهلِ الحق خلاف قولهم. فهاهنا مقامان (٥)؛ مقام إثبات ومقام سلب. فأما مقام السَّلْب: فزعمت القدرية أن الآية حجة لهم في كونهم خالقين لأعمالهم، قالوا: لأن الله -سبحانه- أضاف الأعمالَ إليهم،

стр. 360

وهذا يدل على أنهم هم المحْدِثون لها، وليس المراد هاهنا نفس الأعمال، بل الأصْنامَ المعمولة، فأخبر سبحانه أنه (ق/ ٥٩ ب) خالقهم وخالق تلك الأصنام التي عملوها، والمراد مادتها، وهي التي وقع الخلقُ عليها. وأما صورتها وهي التي صارت بها أصنامًا، فإنها بأعمالهم، وقد أضافها إليهم، فتكون بإحداثهم وخَلْقهم، فهذا وَجْهُ احتجاجهم بالآية. وقابلهم بعض المثبتين للقدر، وأن اللهَ هو خالق أفعال العباد، فقالوا: الآية صريحة في كون أعمالهم مخلوقة لله، فإن "ما" هاهنا مصدرية، والمعنى والله خلقَهُم وخلقَ أعمالهم، وقرروه (ظ/ ٤٤ أ) بما ذكره أبو القاسم السهيلي وغيره، ولما أورد عليهم القدريةُ: كيف تكون "ما" مصدرية هنا؛ وأيُّ وجهٍ يبقى الاحتجاجُ عليهم إذا كان المعنى: والله خلقكُم وخلقَ عبادتكم، وهل هذا إلا تلقين لهم الاحتجاجَ بأن يقولوا: فإذا كان اللهُ قد خلقَ عبادتنا للأصنام، فهي مرادة ٌله فكيف ينهانا عنها؟! وإذا كانت مخلوقة له مرادة فكيف يمكننا تركها؟! فهل (١) يسوغ أن يحتج على إنكار عبادتهم للأصنام بأن الله خالق عبادتهم (٢)؟. أجابهم المثبتون: بأن قالوا: لو تدبرتم سياق الآية ومقصودها لعرفتم صحةَ الاحتجاج، فإن اللهَ -سبحانه- أنكر عليهم عبادة من لا يخلق شيئًا أصلًا، وترك عبادة من هو خالقٌ لذواتهم وأعمالهم، فإذا كان الله خالقكم وخالق أعمالكم، فكيف تَدَعُون عبادته وتعبدون

стр. 361

من لا يخلق شيئًا! لا ذواتكم ولا أعمالكم؟! وهذا من أحسن الاحتجاج. وقد تكرَّر في القرآن الإنكار عليهم أن يعبدوا ما لا يخلق شيئًا ويسووا (١) بينه وبين الخالق كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، إلى أمثال ذلك، فصحَّ الاحتجاج وقامت الحجةُ بخلق الأعمال مع خَلْق الذوات، فهذا منتهى أقدام الطائفتين في الآية كما ترى. والصواب: أنها موصولة، وأنها لا تدلُّ على صحة مذهب القدرية، بل هي حجةٌ عليهم مع كونها موصولة، وهذا يتبين بمقدمة نذكرها قبل الخوض في التقرير، وهي: أن طريقةَ الحِجَاج والخطاب: أن يُجَرَّد القصد والعناية بحالِ ما يُحتج له وعليه، فإذا كان المستدل محتجًّا (٢) على بطلان ما قد أدُّعي في شيءٍ وهو يخالف ذلك، فإنه يجرِّد العنايةَ إلى بيانِ بطلان تلك الدعوى، وأن ما ادُّعي له ذلك الوصف هو متصف بضدِّه لا متصف (٣) به، فأما أن يُمْسك عنه ويَذْكر وصفَ غيره فلا. وإذا تقرَّر هذا؛ فالله -سبحانه- أنكر عليهم عبادتهم الأصنام، وبيَّن أنها لا تستحقُّ العبادةَ ولم يكن سياق الكلام (ق/ ٦٠ أ) في معرض

стр. 362

الإنكار عليهم تَرْكَ عبادته، وإنَّما هو في معرض الإنكار عبادةَ من لا يستحق العبادة، فلو أنه قال: ألا (١) تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون؛ لتعينت المصدريةُ قطعًا، ولم يحسن أن يكون بمعنى الذي؛ إذ يكون المعنى: كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدَكم وأوجدَ أعمالكم، فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق، فهذا وِزَان ما قرروه من كونها مصدرية، فأما سِيَاق الآية؛ فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادة من لا يستحق العبادة، فلابد أن يتبيَّن فيه معنًى ينافي كونه معبودًا، فبين هذا المعنى بكونه مخلوقًا له، ومن كان مخلوقًا من بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي له أن يُعْبَد ولا تليقُ به العبادة. وتأمل مطابقةَ هذا المعنى لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، كيف أنكر عليهم عبادةَ آلهة مخلوقة له -سبحانه- وهي غير خالقة. فهذا يبين المراد من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، ونظيره قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] أي: هم عباد مخلوقون، كما أنتم كذلك، فكيف تعبدون المخلوق!؟. وتأمل طريقة القرآن -لو أراد المعنى الذي ذكروه- من (ظ/ ٤٤ ب): حُسن تذكُّر (٢) صفاته وانفراده بالحق، كقول صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها، ذكَر الموجب لذلك، وهي: كونه خالقًا لعابده فاطرًا له، وهذا إنعامٌ منه عليه فكيف يترك عبادته؟! ولو كان هذا هو

стр. 363

المراد من قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾؛ كان يقتضي أن يُقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم، فتأمله فإنه واضح. وقول أبي القاسم ﵀ في تقرير حجة المعتزلة من الآية: إنه لا يصح أن تكون مصدرية وهو باطل من جهة النحو؛ ليس كذلك. أما قوله: إن "ما" لا تكون مع الفعل الخاص مصدرًا! فقد تقدَّم بطلانُه وأن (١) مصدريتها تقع مع الفعل الخاص المبهم، كقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٢) [آل عمران: ٧٩] وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] إلى أضعاف ذلك، فإن هذه كلها أفعال خاصة، وهي أخص من مطلق العمل، فإذا جاءت مصدرية مع هذه الأفعال؛ فمجيئها مصدرية مع العمل أولى. قولهم: إنهم لم يكونوا يعبدون النحتَ وإنما عبدوا المنحوت، حجة فاسدة؛ فإن الكلام في "ما" المصاحبة للفعل (٣)، دون المصاحبة لفعل النحت، فإنها لا تحتمل غير الموصولة، ولا يلزم من كون الثانية مصدرية كون الأولى كذلك، فهذا تقريرٌ فاسد. وأما (ق ٦٠/ ب) تقريره كونها مصدرية- أيضًا- بما ذكره فلا حجة له فيه. أما قوله: "أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام"، فيُقَال: ما معنى عدم وقوعها على الجواهر والأجسام؛ أتعني به: أن أفعالهم

стр. 364

لا تتعلق بإيجادها؟ أم تعني به: أنها لا تتعلق بتغييرها وتصويرها؟ أم تعني به أعم من ذلك، وهو المشترك بين القسمين؟ فإن عنيتَ الأول، فمسلَّم، لكن لا يفيدك شيئًا، فإن كونها موصولة لا يستلزم ذلك، فإن كون الأصنام معمولة لهم لا يقتضي أن تكون مادتها معمولة لهم، بل هو على حدِّ قولهم. "عملتُ بيتًا، وعملت بابًا، وعملت حائطًا، وعملت ثوبًا"، وهذا إطلاق حقيقي ثابت عقلًا ولغةً وشرعًا وعرفًا لا يتطرق إليه ردٌّ، فهذا ككون الأصنام معمولة سواء. وإن عنيتَ: أن أفعالهم لا تتعلق بتصويرها؛ فباطل قطعًا. وإن عنيتَ القدرَ المشتركَ؟ فباطل -أيضًا- فإنه مشتملٌ على نفي حقٍّ وباطل، فنفي الباطلِ صحيح، ونفي الحقِّ باطل. ثم يقال -أيضًا-: إيقاع العمل منهم على الجواهر والأجسام يجور أن يطلق فيه العمل الخاص، وشاهده في الآية: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ [الصافات: ٩٥] فـ "ما" هاهنا موصولة فقد أوقع (١) فعلهم، وهو النحت على الجسم، وحينئذٍ فأي فرق بين إيقاع أفعالهم الخاصة على الجوهر والجسم، وبين إيقاع أفعالهم العامة عليه، لا بمعنى أنَّ ذاته مفعولة له، بل بمعنى (٢) أن فعلهم هو الذي صار به صنمًا، واستحقَّ أن يُطلق عليه اسمه، كما أنه بفعلهم صار منحوتًا واستحق هذا الاسم، وهذا بَيِّن. وأما قوله بجواب النقض بـ: "عملتُ الصَّحْفةَ وصنعتُ الجفنةَ": أن الفعل متعلق بالصورة التي هي التأليف والتركيب وهي نفس

стр. 365

العمل؛ فكذلك هي -أيضًا- معلق بالتصوير الذي صار الحَجَر به صنمًا منحوتًا سواء. [وأما] قوله: الآية في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق؛ فقد (ظ/٤٥ أ) تقدَّم جوابُه وأن الآية (١) وردت لبيان عدمِ استحقاقِ معبوديهم للعبادة؛ لأنها مخلوقة لله، وذكرنا شواهده من القرآن. فإن قيل: كان يكفي في (٢) هذا أن يُقال: أتعبدون ما تنحتون والله خالقه، فلما عَدَل إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]؛ عُلم أنه أراد الاحتجاجَ عليهم في ترك عبادته -سبحانه- وهو خالقهم وخالق أفعالهم. قيل: في ذكر خلقه -سبحانه- لآلهتهم ولعابديها من بيانِ تقبيح حالهم، وفساد رأيهم وعقولهم في عبادتها دونه تعالى، ما ليس في الاقتصار على ذكر خلق الآلهة فقط، فإنه إذا كان الله -تعالى- هو الذي خلقكم وخلقَ معبوديكم فهي مخلوقة أمثالكم، فكيف يعبدُ العاقلُ من هو مثله ويتألهه ويفرده بغاية التعظيم والإجلال والمحبة!؟ (ق/ ٦١ أ) وهل هذا إلا أقبح الظلم في حق أنفسكم وفي حق ربكم!. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، ومن حق المعبود أن لا يكون مثل العابد، فإنه إذا كان مثله كان عبدًا مخلوقًا، والمعبود ينبغي أن يكون ربًّا خالقًا، فهذا من أحسن الاحتجاجِ وأبينه، فقد أسفر لك من

стр. 366

المعنى المقصود بالسياق (١) صُبْحُه، ووضح لك شرحُه، وانجلى بحمد الله الإشكال، وزال عن المعنى غطاءُ الإجمال، وبان أن ابنَ قتيبةَ في تفسير الآية وُفِّق للسداد، كما وُفِّق لموافقة أهل السنة في خلق أعمال العباد، ولا تستطِلْ هذا الفصل، فإنه يُحقق لك فصولًا لا تكاد تسمعها في خلال المذاكرات، ويُحصِّل لك قواعدَ وأصولًا لا تجدها فى عامة المصنفات. فإن قيل: فأين ما وعدتم به من الاستدلال بالآية على خلق الله لأعمال العباد على تقدير كون "ما" موصولة؟. قيل: نعم قد سبقَ الوعدُ بذلك، وقد حان (٢) إنجازُه وآن إبرازُه. ووجه الاستدلال بها أعلى هذا التقدير أن (٣) الله سبحانه أخبر: أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها، وهي إنما صارت أصنامًا بأعمالهم، فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم، فإذا كان سبحانه هو الخالق اقتضى صحة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها، أعني: مادَّتَها وصورَتَها، فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أن مادتها كذلك؟ لزم أن يكون خالقًا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة، لأنه متولِّد عن نفس حركاتهم. فإذا كان الله خالقهم كانت أعمالهم التي تولَّد عنها ما هو مخلوق لله مخلوقة له، وهذا أحسن استدلالًا وألطف من جعل "ما" مصدرية. ونظيره من الاستدلال سواء قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ

стр. 367

فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ [يس: ٤١، ٤٢] وأصحُّ القولين (١) أن المثلَ المخلوقَ هنا هو السفن، وقد أخبر أنها مخلوقة له (٢)، وهي إنما صارت سُفنًا بأعمال العباد. وأَبْعَدَ من قال: إن المثلَ هاهنا هو سفن البرِّ، وهي الإبل لوجهين: أحدهما: أنها لا تُسَمَّى مثلًا للسفن؛ لا لغةً ولا حقيقةً، فإن المَثَلَين: ما سدَّ أحدُهما مسدَّ الآخر، وحقيقة المماثلة: أن يكون بين فُلْك وفُلْك لا بين جَمَل وفُلْك. الثاني: أَنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ [يس: ٤٣] عَقِب ذلك دليلٌ على أن المراد الفلك التي إذا (٣) ركبوها قَدَرنا على إغراقهم، فذَكَّوهم بنِعَمِه عليهم من (٤) وجهين. أحدهما: ركوبهم إياها، والثاني: أن يُسَلِّمهم عند (ظ/ ٤٥ ب) ركوبها من الغرق. ونظير هذا الاستدلال -أيضًا- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ (ق/٦١ ب) ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] والسرابيل هي: الثياب التي يلبسونها، وهي مصنوعة لهم، وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها، وإنما صارت سرابيل بعملهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] والبيوت التي من جلود الأنعامِ هي: الخيام، وإنما صارت بيوتًا بعملهم.

стр. 368

فإن قلت: المراد من هذا كلِّه المادة لا الصورة. قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها، وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها، وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال، والله أعلم. فائدة (١) الذي يدلُّ على أن الضمير من: "يكرمني" ونحوه "الياء" دون "النون" (٢) معها وجوه: أحدها: القياس على ضمير المخاطب والغائب في: أكرمك وأكرمه. الثانى: أنَّ الضمير في قولك: "أني" وأخواته هو الياء وحدها؛ لسقوط النون اختيارًا في بعضها، وجوازًا في أكثرها، وسماعًا في بعضها، ولو كان الضمير هو الحرفين لم يسقطوا أحدهما. الثالث: إدخالهم هذه النون في بعض حروف الجر وهي: "مِن" و"عَن"، ولو كانت جزءًا من الضمير لا طردت في "إليّ" و"فيَّ" وسائر حروف الجر (٣). فإن قلتَ: فما وجه اختصاصها ببعض الحروف والأسماء؟ والجواب: أنهم أرادوا فصل الفعل والحروف المضارعة له من توهم الإضافة إلى "الياء"، فألحقوها علامة الانفصال، وهى في أكثر الكلام نون ساكنة، وهو التنوين، فإنه لا يوجد في الكلام إلا علامةً

стр. 369

لانفصال الاسم، ولذلك ألحقوها في القوافي المعرفة باللام إيذانًا بتمام البيت وانفصاله مما بعده، نحو: العِتَابَنْ (١) والذُّرَّفَنْ (٢)، ولذلك زادوها قبل علامة الإنكار حين أرادوا فصل الاسم من العلامة كقولهم: أزيدٌ إنيه! وقول الأنصارية: أجُلَيْبيْبٌ إِنيْه (٣). ووجه هذا: أنه أراد فصل الاسم عن العلامة (٤) كي، يتوهم أنها من (٥) تمام الاسم أو علامة جَمْع، ففصل بين الاسم وبينها بنون زائدة، وأدخل عليها ألفَ الوصل لسكونها، ثم حَرَّكها بالكسر لالتقاء الساكنين، فلما كان من أصلهم تخصيصُ النون بعلامةِ الانفصال (٦)، وأرادوا فصلَ الفعل وما ضارَعَه عن الإضافة إلى "الياء" جاءوا بهذه النون الساكنة، ولولا سكونُ الياء لكانت ساكنة كالتنوين، ولكنهم كسروها لالتقاء الساكنين. فائدة (٧) السرُّ في حذف الألف من "ما" الاستفهامية عند حرف الجر:

стр. 370

أنهم أرادوا مشاكَلَة اللفظ للمعنى، فحذفوا الألف؛ لأن معنى قولهم: "فيم ترغب"؟ في أي شيء، و"إلام تذهب"؟ إلى أيّ شيء، و"حتَّام لا ترجع"؟ حتى أيِّ غايةٍ تستمر، ونحوه، فحذفوا الألف مع الجار (ق/ ٦٢ أ) ولم يحذفوها: في حال النصب والرفع (١) كيلا تبقى الكلمة على حرفٍ واحد، فإذا اتصل بها حرف الجر أو اسم مضاف اعتمدَتْ عليه؛ لأن الخافضَ والمخفوضَ بمنزلة كلمةٍ واحدة. وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض، ولكن إذا حذفوا الخبر فيقولون: مه يا زيد؟ أي: ما الخبر؟ وما الأمر؟ فلما كثر الحذف في المعنى كثر في اللفظ، ولكن لابد من هاء السكت لتقف عليها. ومنه قولهم: "مَهْيَم" كان الأصل: ما هذا يا امرؤ؟ فاقتصروا من كلِّ كلمة على حرف، وهذا غاية الاختصار والحذف. والذي (ظ/١٤٦) شجعهم على ذلك: أَمْنهم من اللَّبْس لدلالة حال المسؤول والمسؤول عنه على المحذوف، فيفهم (٢) المخاطب من قوله: "مَهْيَم". ما يفهم من تلك الكلمات الأربع. ونظير هذا قولهم: "أَيْشٍ"، في "أيِّ شيءٍ"، و"م الله" في و "أيمن الله". فائدة بديعة (٣) قوله : ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ [مريم: ٦٩] الشيعة (٤): الفرقة التي شايعَ بعضها بعضًا، أي تابعه، ومنه

стр. 371

الأشياع، أي: الأتباع، فالفرق بين الشِّيْعَة والأشْياع: أن الأشياع هم التَّبَع، والشيعة القوم الذين تشايعوا، أي: تَبعَ بعضُهم بعضًا وغالب ما يُسْتَعمل في الذمّ، ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك، كهذه الآية وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤]. وذلك -والله أعلم- لما في لفظ "الشِّيْعة" من الشِّياع والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع؛ ولهذا لا يُطلق لفظ "الشِّيَع" إلا على فِرَق الضلال؛ لتفرقهم واختلافهم، والمعنى: لننزِعَنَّ من كلِّ فرقةٍ أشدهم عُتوًّا على الله وأعظمهم فسادًا فنلقيهم في النار، وفيه إشارة إلى أن العذاب يتوجه إلى السادات أولًا (١)، ثم تكون الأتباعُ تبعًا لهم فيه، كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا. و ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ للنحاة فيه أقوال: أحدها: قول الخليل: إنه مبتدأ، وأشد خبره ولم يعمل "لننزعن" فيه؛ لأنه محكي، والتقدير: الذي يقال فيه: أيهم أشدُّ على الرحمن عِتيًّا، وعلى هذا فأيّ استفهامية. الثانى: قول يونس: إنه رُفِعَ على جهة التعليق للفعل السابق، كما لو قلتَ: علمت أَيّهم أخوك، فعلَّق الفعلَ عن الفعل كما تعلق أفعال القلوب. الثالث: قول سيبويه: إن "أي" هنا موصولة مبنية على الضم، والمسوِّغِّ لبنائها حذفُ صَدْر صِلَتها، وعنده أصل الكلام: أَيّهم هو أشد، فلما حذف صدر الصلة بُنِيَت على الضَّم تشبيهًا لها بالغايات

стр. 372

التي قد حذفت (١) مضافاته كـ "قبل" و"بعد"، وعلى كلِّ واحد من الأقوال إشكالات نذكرها ثم (ق/٦٢ ب) نبين الصحيحَ إن شاءَ الله. فأما قول الخليل: فقيل يلزمه ستة أمور: أحدها: حَذْف الموصول. الثاني: حَذف الصلة. الثالث: حَذْف العائد؛ لأن تقديره: الذين يقال لهم: أيّهم (٢) أشد، وهذا لا عهد لنا فيه باللغة. وأما ما يحذف من القول فإنه إنما يكون قولًا مجردًا عن كونه صلة لموصول نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: يقولون أو قائلين. ومثله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. الرابع: أنه إدْا قُدِّر المحذوفُ هكذا لم يستقِم الكلام، فإنه يصير: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الذين يقال فيهم: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، وهذا فاسد، فإن ذلك المنزوع لا يقال فيه: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، بل هو نفسه أشدّ أو مِن أَشدِّ الشيعة على الرحمن، فلا يقع عليه الاستفهام بعد نزعه، فتأمَّلْه. الخامس: أن الاستفهامَ لا يقعُ إلا بعد أفعال العلم والقول على الحكاية، ولا يقع بعد: غيره من الأفعال، تقول: "علمتُ أزيد عندك أم عَمْرو"، ولو قلت: "ضربتُ أزيد أم عَمْرو"، لم يجز، و"ننزِعَنَّ" ليس من أفعال العلم.

стр. 373

فإذا قلت: "ضربتُ أيهم قام"، لم تكن إلا موصولة ولا يصح أن يقال: "ضربت الذي يقال فيه: أيهم قام"، وإنما توهم مثل ذلك لكون اللفظ صالحًا لجهة أخرى مستقيمة، فيتوهم مُتَوهِّم أن حَمْله على الجهة الأخرى (ظ/٤٦ ب) يستقيم. والذي يدل عليه: أنه لو قَدَّرت موضعه استفهامًا صريحًا ليس له جهةٌ أخرى لم يَجُز. فلو قلت: "ضربت أزيد عندك أم عَمْرو"، لم يجز، بخلاف: "ضربت أيهم عندك"، فلو كان "أيهم" استفهامًا" لجاز الكلام مع الاستفهام الذىِ بمعناهما، وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم والقول؛ أما القول؛ فلأنه يُحْكى به كلُّ جملةٍ خبرية كانت أو إنشائية، وأما أفعال العلم! فإنما وقع بعدها الاستفهام لكون الاستفهام مُسْتَعْلَمًا به، فكأنك إذا قلتَ: "أريد عندك أم عمرو"، كان معناه: أَعْلِمْني. وإذا قلت: "علمتُ أريد عندك أم عَمْرو"، كان معناه: أعْلِمْني ما تطلب استعلامه، فلهذا صحَّ وقوع الاستفهام بعد العلم! لأنه استعلام، ثم حمل الحسبان (١) والظن عليهما لكونهما من بابه. ووجه آخر وهو: كثرة استعمال أفعال العلم، فجُعِل لها شأن ليس لغيرها. السادس: أن هل الحذف الذي قَدَّره في الآية، حَذْف لا يدل عليه سياق، فهو مجهول الوضع، وكلُّ حذف كان بهذه المنزلة كان تقديره من باب عِلْم الغيب. وأما قول (ق/ ٦٣ أ) يونس، فإشكاله ظاهر، فإن التعليق إنما يكون في أفعال القلوب، نحو العلم والظن والحسبان (٢) دون غيرها. ولا

стр. 374

يجوز أن تقول: "ضربتُ أيهم قام"، على أن تكون "أيهم" استفهامًا، وقد عُلِّق الفعل عن العمل فيه. وأما قول سيبويه، فإشكاله أنه بناء خارجٌ عن النظائر، ولم يوجد في اللغة شاهد له. قال السهيلي (١): ما ذكره سيبويه لو استشهد عليه بشاهدٍ من نظمٍ أو نثر، أو وجدنا بعده في كلام فصيح شاهدًا له لم نعدل به قولًا، ولا رأينا لغيره عليه طَولًا؛ ولكنا لم نجدْ ما بُنيَ لمخالفته (٢) غيره، لاسيما مثل هذه المخالفة؛ فإنا لا نسلم أنه حُذِف من الكلام شيءٌ. وإن قال: إنه حذف ولا بُد، والتقدير: أيهم هو أخوك؟. فيقال: لِمَ (٣) لَمْ يبنوا في النكرة، فيقولوا: "مررتُ برجلُ أخوك، أو: رأيت رجلُ أبوك"، أي هو أخوك وأبوك، ولم خصوا "أيًّا" بهذا دون سائر الأسماء أن يحذف من صلته ثم يبني للحذف؟ ومتى وجدنا شيئًا من الجملة يُحْذف ثم يَبْنى الموصوف بالجملة من أجل ذلك الحذف؟ وذلك الحذف لا يجعله متضمنًا لمعنى الحرف ولا مضارعًا: له. وهذه علة البناء وقد عدمت في "أي". قال: والمختار قول الخليل، لكنه يحتاج إلى شرح، وذلك أنه لم يرد بالحكاية ما يسبق إلى الوهم (٤) من تقدير معنى القول؛ ولكنه

стр. 375

أراد حكاية لفظ الاستفهام الذي هو أصل في "أي" كما تحكيه بعد العلم إذا قلت: "قد علمتُ من أخوك"؟ و: "أقامَ زيد أم قَعَد"؟ فقد تركت الكلام على حاله قبل دخول الفعل، لبقاء معنى الاختصاص والتعيين في "أي" الذي كان موجودًا فيها وهي استفهام؛ لأن ذلك المعنى هو الذي وُضِعَت له استفهامًا كانت أو خبرًا، كما حكوا لفظ النداء في قولهم: "اللهم اغفر لي أيها الرجل" و"أرحمنا أيتها العصابة"، فنحكي لفظ هذا إشعارًا بالتعيين والاختصاص الموجود في حال النداء. وكذلك هذا، حكيت حاله في الاستفهام وإن ذهب الاستفهام، كما حكيتَ حاله في النداء وإن ذهبَ النداء (١)، لوجود معنى الاختصاص والتعيين فيه. قال: وقول يونس: "إن الفعل ملغًى" حق، وإن لم يكن من أفعال القلب، وعِلَّة إلغائه ما قدمناه من حكاية لفظ الاستفهام للاختصاص. فإذا أتممت لفظ الصِّلة (٢) وقلت: "ضربت أيهم هو (٣) أخوك"، زالت مضارعة الاستفهام، وغلبَ فيه معنى الخبر (ظ/ ٤٧ أ) لوجود الصِّلة التامة بعده. قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وإجماعهم على أنها منصوبة بـ "ينقلبون" لا بـ "سيعلم". وقد كان يتصوَّر فيها أن تكون منصوبة بـ "سيعلم" (ق/٦٣ ب) على جهة الاستفهام، ولكن تكون موصولة، والجملة صِلَتها، والعائد محذوف.

стр. 376

ولكن مَنَعَ من هذا أصلٌ أصَّلْناه، ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول إذا عُنِي به المصدر، ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر، لم يجز؛ لعدم الفائدة المطلوبة من الصلة، وهي: إيضاح الموصول وتبيينه، والمصدر لا يوضح فعله (١) المشتق من لفظه؛ لأنه كأنه هو لفظًا ومعنًى، إلا في المختلف الأنواع كما تقدم. قال: ووجه آخر أقوى من هذا، وهو: أن "أيًّا" لا تكون بمعنى "الذي" حتى تُضَاف إلى معرفة، فتقول: "لقيت أيهم في الدار"، إذ من المحال أن يكون بمعنى "الذي" وهو نكرة، و"الذي" لا يُنكَّر، وهذا أصل يُبْنَى عليه في "أَي". فائدة: فصلٌ في تحقيق معنى "أَي " (٢): وهو أن لفظ "ألف" و"ياء" مكرَّرة راجع في جميع الكلام إلى معنى التعيين والتمييز للشيء من غيره، فمنه: "إياة الشمس"، لضوئها؛ لأنه يبينها ويميزها من غيرها، ومنه: الآية: العلامة، ومنه: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم التي يتميَّزون بها عن غيرهم، ومنه: تأيَّيتَ بالمكان، أي: تَلَبَّثْتَ لتتبيَّنَ شيئًا أو تُميِّزه. ومنه قول امرئِ القيس: قِفْ بالدِّيَارِ وُقُوْفَ حَابِسْ ... وَتَأيَّ إِنَّكَ غَيْرُ يَائسْ (٣)

стр. 377

وقال الكُمَيْت: * وتأيَّ إِنَّكَ غَيْرُ صَاغِرْ (١) * ومنه "إياكَ" في المضمرات، لأنه في أكثر الكلام مفعول مقدم، والمفعول إنما يتقدم على فعله قصدًا إلى تعيينه، وحرصًا على تمييزه (٢) من غيره، وصرفًا للذِّهن عن الذهاب إلى غيره، ولذلك تقدم في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ إذ الكلام وارد في معرض الإخلاص وتحقيق الوحدانية ونفي عوارض الأوهام عن التعلق بغيره، ولهذا اختصت "أي" بنداء ما فيه "الألف واللام" تمييزًا له وتعيينًا، وكذلك (٣): أَي زيد، ومنه: إياك المراءَ والأسدَ (٤)، أي: مَيِّز نفسك وأَخْلصها عنه، ومنه: وقوع "أي" تفسيرًا، كقولك: "عندي عِهن"، أي: صُوْف. وأما وقوعها نعتًا لما قبلها، نحو: "مررت برجلٍ أَيُّ رجل"، فإنما تدرَّجْتَ إلى الصفةِ من (٥) الاستفهام، كأن الأصل: أيُّ رجل هو؟ على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل، وإنما دخله التفخيم؛ لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة لوصفه، فكأنه مما

стр. 378

يُسْتَفهم عنه إذ (١) يُجْهَلُ كُنْهُه. فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوعٌ لما يجْهَل. لذلك جاء: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ [القارعة: ١ - ٢] و ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة: ١ - ٢] أي: إنها لا يُحَاطُ بوصفها، فلما ثبتَ هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قَرُبَ من الوصف، حتى أَدْخلوه في باب النعت، وأَجْرَوه في باب الإعراب عن ما (ق/٦٤ أ) قبله. ومنه: * جَاءُوا بِمَذقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ * (٢) أي: فإنه في لون الذئب، إن كنتَ رأيتَ الذئب. ومنه: "مررت بفارس هل رأيتَ الأسد"، وهذا التقدير أحسن من قول بعض النحويين: إنه معمول وصف مقدر، وهو قول محذوف أي: مقول (٣) فيه: هل رأيتَ كذا، وما ذكرتُه لكَ أحسن وأَبْلَغ فتأمله. فائدة جليلة ما يجرى صفةً أو: خبرًا على الربِّ ﵎ أقسامٌ: أحدها: ما يرجع: إلى نفسِ الذات، كقولك: ذاتٌ، وموجودٌ، وشيءٌ.

стр. 379

الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية؛ كالعليم، والقدير، والسميع. الثالث: ما يرجع (ظ/ ٤٧ ب) إلى أفعاله، نحو: الخالق والرزاق (١). الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العَدَم المحض؛ كالقدوس السلام. الخامس: ولم يذكره أكثر الناس، وهو: الاسم الدالُّ على جملة أوصافٍ عديدة لا تختص بصفة معينة، بل هو (٢) دال على مَعَانٍ لا على معنًى مفرد، نحو: المجيد، العظيم، الصمد، فإنَّ المجيد: من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدلُّ على هذا، فإنه موضوع للسَّعَة والكثرة والزيادة، فمنه: "اسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ" (٣)، وأمجد الناقة علفًا. ومنه: رب العَرْشِ المَجِيدِ، صفة للعرش لِسَعَته وعِظَمه وشَرَفِه. وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنًا بطلب الصَّلاة من الله على رسوله كما علمناه ﷺ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرُّض لسَعَة العطاء وكثرته ودوامِهِ، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه، كما تقول: "اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم"، ولا يحسن: "إنك أنت السميع البصير"، فهو راجع إلى المتَوَسَّل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه.

стр. 380

ومنه الحديث الذي في "المسند" (١) والترمذي (٢): "أَلِظُّوا بيَاذَا الجَلالِ والإكْرَامِ" (٣) ومنه: "اللهم إِني أسْأَلُكَ بأنَّ لَكَ الحمد لا إِله إِلا أَنْتَ المنَّانُ بَدِيْعُ السَّمواتِ والأَرْضِ يَاذَا الجَلالِ والإِكرَامِ" (٤)، فهذا سؤالٌ له وتوسُّل إليه بحمده (٥) وأنه الذي (٦) لا إله إلا هو المنَّان، فهو توسُّل إليه بأسمائه وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعًا عند المسؤول، وهذا بابٌ عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة، وقد فتح لمن بَصَّرَهُ الله. ولنرجع إلى المقصود، وهو وصفه -تعالى- بالاسم المتضمِّن لصفات عديدة؛ فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال. وكذلك الصمد، قال ابن عباس (٧): هو السيِّد الذي كَمُل في سؤدده. وقال أبو وائل: هو (ق/ ٦٤ ب) السيد الذي انتهى سؤدده. وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد، وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السُّؤدد فقد صَمَد له كلُّ شيءٍ.

стр. 381

وقال ابن الأنباري (١): "لا خلاف بين أهل اللغة، أن الصَّمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يَصْمُد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم". واشتقاقه يدلُّ على هذا، فإنه من الجمع والقصد فهو الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفاتُ السؤدد، وهذا أصله في اللغة (٢) كما قال: ألا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرَي بَني أَسَدْ ... بعَمْروِ بنِ يَرْبوعٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (٣) والعرب تسمِّي أشرافَها: بالصمد؛ لاجتماع قَصْد القاصدين إليه، واجتماع صفات السِّيادة فيه. السادس: صفهَ تحصل من اقتران (٤) أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدرٌ زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو (٥) القدير، الحميد المجيد، وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنيَّ صفة كمالٍ، والحمد كذلك، واجتماع الغِنَى مع الحَمْد كمالٌ آخر، فله ثناءٌ من غِناه، وثناءٌ من حَمْده، وثناءٌ من اجتماعهما. وكذلك: العفو القدير، والحميد المجيد (٦)، والعزيز الحكيم؛ فتأمله فإنه من أشرف المعارف. وأما صفات السَّلْب المَحْض؛ فلا تدخل في أوصافه -تعالى- إلا أن تكون متضمِّنة لثبوتٍ؟؛ كـ "الأحد" المتضمن لانفراده بالرُّبوبية

стр. 382

والآلهية، و"السلام" المتضمن (ظ/ ٤٨ أ) لبراءته من كلِّ نقصٍ يُضاد كماله، وكذلك الإخبار عنه بالسُّلُوب؛ هو لتضمُّنها ثبوتًا كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فإنه متضمِّن لكمال حياته وقيُّوميَّته، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] متضمن لكمال قدرته. وكذلك قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١] متضمِّن لكمال علمه، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص: ٣] متضمِّن لكمال صَمَدِيته وغِناه، وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤] متضمن (١) لتفرده بكماله وأَنه لا نظيرَ له، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] متضمن لعظمته، وأنه جلَّ عن أن ُيُدْرَك بحيثُ يُحاط به، وهذا مُطَّرِد في كل ما وَصَفَ به نفسَه من السُّلُوب. ويجب أن يُعْلَم هنا أمور: أحدهما: أنَّ ما يدخل في باب الإخبار عنه -تعالى- أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء، والموجود، والقائم بنفسه، فإن هذا (٢) يُخْبر به عنه، ولا يَدْخل في أسمائه الحسنى وصفاته العُلى. الثاني: أنَّ الصِّفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص؛ لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطْلَقُ عليه منها كمالها، وهذا كالمريد، والفاعل، والصانع، (ق / ٦٥ أ) فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، ولهذا غَلِطَ من سمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعَّالُ لما يريدُ،

стр. 383

فإن الإرادة والفعل والصُّنْع منقسمة، ولهذا إنما أطلقَ على نفسِه من ذلك أَكْمَلَه فِعْلًا وخَبَرًا. الثالث: أَنَّه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يُشْتَق له منه اسم مطلق، كما غَلِط فيه بعضُ المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى: المُضِل الفاتن الماكر -تعالى الله عن قوله- فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه -سبحانه- منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة، والله أعلم. الرابع: أنَّ أسماءه الحسنى هى أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العَلَمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي عَلَميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فَنَافَتْها العَلَمية المختصة، بخلاف أوصافه -تعالى-. الخامس: أَنَّ الاسم من أسمائه له دلالات؛ دلالة على الذات والصفة بالمطابقة؛ ودلالة على أحدهما بالتضمُّن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم. السَّادس: أَنَّ أسماءه الحسنى لها اعتباران: اعتبارٌ (١) من حيث الذات (٢)، واعتبارٌ من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأول مترادفة وبالاعتبار الثاني متباينة. السابع: أنَّ ما يُطْلَق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفيٌّ، وما يُطلق عليه من الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيًا، كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه. فهذا فَصْل الخطاب في مسألة

стр. 384

أسمائه؛ هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض (١) ما لم يرد به السمع. الثامن: أنَّ الاسم أذا أُطلِق عليه؛ جاز أن يُشْتق منه المصدر والفعل، فيُخْبر به عنه فعلًا ومصدرًا، نحو: السميع البصير القدير، يطلق عليه منه اسم (٢) السمع والبصر والقدرة، ويُخْبر عنه بالأفعال، من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١]. ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٣] هذا إن كان الفعلُ متعديًا، فإن كان لازمًا لم يُخْبر عنه به، نحو: الحي، بل يُطْلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل (٣)، فلا يقال: حيي. التاسع: أنَّ أفعال الربِّ -تعالى- صادرة عن أسمائه وصفاته، وأسماء المخلوقين صادرة: عن أفعالهم، فالربُّ -تعالى- فِعَاله عن كماله. والمخلوق كمالُه عن فِعَاله، فاشْتُقَّت له الأسماء بعد (ظ/٤٨ ب) أن كَملَ بالفعل. فالربُّ -تعالى- لم يزل كاملًا، فحصلت أفعالُه عن كماله؛ لأنه كاملٌ بذاته وصفاته، فأفعاله صادرة عن كمالِهِ كَمُل فَفَعَل، والمخلوق فَعَل فكَمُلَ الكمال اللائق به. العاشر: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكلِّ معلوم، فإن المعلومات سواه: إما أن تكون خلقا له -تعالى- أو أمرًا، إما عِلْم بما كوَّنه، أو عِلْم بما شَرَعَه، ومصدرُ (ق/٦٥ ب) الخلقِ والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى

стр. 385

بمقتضيه، فالأمر كلُّه مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حَسَن (١)، لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كلُّه مصلحَة وحِكْمة ورحمة ولطفٌ وإحسان، إذ مصدره أسماؤه الحسنى، وفعله كله لا يخرج عن العَدْل والحكمة، والمصلحة والرحمة، إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خَلْقِه ولا عَبَث، ولم يخلق خلْقَه باطلًا ولا سدًى ولا عَبَثًا، وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود من سِواه تابعٌ لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم به -تعالى- أصل للعلم بكلِّ ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءَه كما ينبغي للمخلوق أحْصَى جميعَ العلوم؛ إذ إحصاءُ أسمائه أصل لإحصاء كلِّ معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى؛ ولهذا لا تجد فيها خللًا ولا تفاوتًا، لأن الخللَ الواقع فيما يأمر به العبدُ أو يفعله: إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته. وأما الرب -تعالى- فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خللٌ ولا تفاوت ولا تناقض. الحادي عشر: أن أسماءه كلَّها حُسْنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلًا، وقد تقدَّم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل، نحو: الخالق والرزَّاق والمحيي والمميت، وهذا يدلُّ على أن أفعاله كلَّها خيرات محضة لا شرَّ فيها، لأنه لو فعل الشر لا شْتُق له منه اسمٌ، ولم تكن أسماؤه كلُّها حسنى، وهذا باطل، فالشرُّ ليس إليه، فكما لا

стр. 386

يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته = لا يدخل في أفعاله، فالشرُّ ليس إليه، لا يُضَاف إليه فعلًا ولا وصفًا وإنما يدخل في مفعولاته. وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأمل هذا فإنه خفيَ (١) على كثير من المتكلِّمين، وزلَّت فيه أقدام، وضَلَّت فيه أفهام، وهدى الله أهلَ الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. الثانى عشر: في بيان (٢) مراتب إحصاء أسمائه ﵎ التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قُطْب السعادة (٣) ومدار النجاة والفلاح. المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها (٤). المرتبة الثالثة: دعاؤه بها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (ق/٦٦ أ) [الأعراف: ١٨٠]. وهو مرتبتان: أحدهما: دعاء ثناء وعبادة. والثاني: دعاء طلبٍ ومسألة. فلا يُثْنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى، ولذلك لا يُسئل إلا بها، فلا يقال: يا موجود، أو يا شيء، أو يا ذات اغفر لي

стр. 387

وارحمني!! بل يُسئل في كلِّ مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسِّلًا إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية (ظ/٤٩ أ) الرُّسُل، ولا سيما خاتمهم وإمامهم -صلوات الله وسلامه عليهم- وجدَها مطابقةً لهذا. وهذه العبارة أولى من عبارة من قال: يتخلق (١) بأسماء الله؟؛ فإنها ليست بعبارة سديدة، وهي مُنْتَزعة من قول الفلاسفة بالتشبُّه بالإله (٢) على قَدْر الطاقة. وأحسنُ منها عبارة أبى الحكم بن بَرَّجان، وهي: التعبد (٣)، وأحسن منها: العبارةُ المطابقة للقرآن، وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال. فمراتبها أربعة: أشدها إنكارًا عبارة الفلاسفة، وهي: التشبُّه. وأحسن منها عبارة من قال: التخلُّق، وأحسن منها عبارة من قال: التعبُّد، وأحسن من الجميع: الدعاء، وهي لفظ القرآن. الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تُطْلق على الله وعلى العباد، كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير (٤) والملك ونحوها.

стр. 388

فقالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقة في العبد، مَجاز في الرب، وهذا قول غُلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادًا. الثاني مقابله وهو: أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، وهذا قول أبي العباس النَّاشِئ (١). الثالث: أنها حقيقة فيهما. وهذا قول الأكثرين (٢)، وهو الصواب. واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما. وللرَّب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق يه. وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال، وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها، فإن الغرض الإشارة: إلى أمور ينبغي معرفتها فى هذا الباب، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سِفْرين أو أكثر. الرابع عشر: أنَّ الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات: اعتبار من حيث هو، مع قَطْع النظر عن تقييده بالرَّبِّ أو العبد. الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به. الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مُقَيدًا به، فما لزم الاسم لذاته وحقيقته، كان ثابتًا للرب والعبد، وللربِّ منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.

стр. 389

وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير (ق/ ٦٦ ب) الذي يلزمه رؤية المُبْصَرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها: حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها. فما لزم هذه الأسماء لِذَاتها، فإثباته للرب -تعالى- لا محذورَ فيه بوجهٍ، بل تثبتُ له على وجه لا يماثل (١) فيه خلقَه ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق أَلْحد في أسمائه وجَحَدَ صفات كماله. ومن أثبته له على وجهٍ يماثل فيه خلْقَه فقد شبَّهَه بخلقه، ومن شبَّه اللهَ بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجهٍ لا يماثل فيه خلقه، بل كما يليقُ بجلاله وعظمته؛ فقد بَرِئ من فَرْث التشبيه ودَمِ التعطيل (٢)، وهذا طريق أهل السنة. وما لزم الصفةَ لإضافتها إلى العبدِ وجبَ نفيه عن الله، كما يلزم حياة العبد من النوم والسِّنَةِ والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك. وكذلك ما يلزم إرادته من حركةِ نفسه في جلبِ ما ينتفع به ودفع ما يتضرَّر به. وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى مَا هو عال عليه، وكونه محمولًا به مفتقرًا إليه محاطًا به، كلُّ هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎. وما لزم الصفة من جهة اختصاصه -تعالى- بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب (ظ/ ٤٩ ب) والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها (٣) لا

стр. 390

يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبْرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي خَلَصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أثبتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلَى حقيقة، فخلصت من التعطيل، ونفيتَ عنها خصائصَ المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبَّر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب. الخامس عشر: أنَّ الصفة متى قامت بموصوفٍ لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان وأمران معنويان. فاللفظيان: ثُبُوتي وسَلْبي، فالثبوتي: أن يُشتق للموصوف منها اسم، والسَّلْبي: أن يمتنع لاشتقاق لغيره. والمعنويان: ثبوتي وسلبي، فالثبوتي: أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه (١)، والسلبي: أنه لا يعود حكمُها إلى غيره، ولا يكون خَبَرًا عنه. وهذه قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات، فلنذكر من ذلك مثالًا واحدًا وهى: صفة الكلام، فإنها إذا قامت بمحلٍّ كان هو المتكلِّم دون من لم تقم به، وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره، (ق/ ٦٧ أ) فيقال: قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخير وخاطب وتكلم وكلَّم، ونحو ذلك، وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره وعلى عدم قيامِها به، وهذا هو أصل السنة الذي ردُّوا به على المعتزلة والجهميةَ، وهو
следующие страницы →