← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته = لا يدخل في أفعاله، فالشرُّ ليس إليه، لا يُضَاف إليه فعلًا ولا وصفًا وإنما يدخل في مفعولاته. وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأمل هذا فإنه خفيَ (١) على كثير من المتكلِّمين، وزلَّت فيه أقدام، وضَلَّت فيه أفهام، وهدى الله أهلَ الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. الثانى عشر: في بيان (٢) مراتب إحصاء أسمائه ﵎ التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قُطْب السعادة (٣) ومدار النجاة والفلاح. المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها (٤). المرتبة الثالثة: دعاؤه بها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (ق/٦٦ أ) [الأعراف: ١٨٠]. وهو مرتبتان: أحدهما: دعاء ثناء وعبادة. والثاني: دعاء طلبٍ ومسألة. فلا يُثْنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى، ولذلك لا يُسئل إلا بها، فلا يقال: يا موجود، أو يا شيء، أو يا ذات اغفر لي

стр. 387

وارحمني!! بل يُسئل في كلِّ مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسِّلًا إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية (ظ/٤٩ أ) الرُّسُل، ولا سيما خاتمهم وإمامهم -صلوات الله وسلامه عليهم- وجدَها مطابقةً لهذا. وهذه العبارة أولى من عبارة من قال: يتخلق (١) بأسماء الله؟؛ فإنها ليست بعبارة سديدة، وهي مُنْتَزعة من قول الفلاسفة بالتشبُّه بالإله (٢) على قَدْر الطاقة. وأحسنُ منها عبارة أبى الحكم بن بَرَّجان، وهي: التعبد (٣)، وأحسن منها: العبارةُ المطابقة للقرآن، وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال. فمراتبها أربعة: أشدها إنكارًا عبارة الفلاسفة، وهي: التشبُّه. وأحسن منها عبارة من قال: التخلُّق، وأحسن منها عبارة من قال: التعبُّد، وأحسن من الجميع: الدعاء، وهي لفظ القرآن. الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تُطْلق على الله وعلى العباد، كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير (٤) والملك ونحوها.

стр. 388

فقالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقة في العبد، مَجاز في الرب، وهذا قول غُلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادًا. الثاني مقابله وهو: أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، وهذا قول أبي العباس النَّاشِئ (١). الثالث: أنها حقيقة فيهما. وهذا قول الأكثرين (٢)، وهو الصواب. واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما. وللرَّب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق يه. وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال، وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها، فإن الغرض الإشارة: إلى أمور ينبغي معرفتها فى هذا الباب، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سِفْرين أو أكثر. الرابع عشر: أنَّ الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات: اعتبار من حيث هو، مع قَطْع النظر عن تقييده بالرَّبِّ أو العبد. الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به. الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مُقَيدًا به، فما لزم الاسم لذاته وحقيقته، كان ثابتًا للرب والعبد، وللربِّ منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.

стр. 389

وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير (ق/ ٦٦ ب) الذي يلزمه رؤية المُبْصَرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها: حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها. فما لزم هذه الأسماء لِذَاتها، فإثباته للرب -تعالى- لا محذورَ فيه بوجهٍ، بل تثبتُ له على وجه لا يماثل (١) فيه خلقَه ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق أَلْحد في أسمائه وجَحَدَ صفات كماله. ومن أثبته له على وجهٍ يماثل فيه خلْقَه فقد شبَّهَه بخلقه، ومن شبَّه اللهَ بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجهٍ لا يماثل فيه خلقه، بل كما يليقُ بجلاله وعظمته؛ فقد بَرِئ من فَرْث التشبيه ودَمِ التعطيل (٢)، وهذا طريق أهل السنة. وما لزم الصفةَ لإضافتها إلى العبدِ وجبَ نفيه عن الله، كما يلزم حياة العبد من النوم والسِّنَةِ والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك. وكذلك ما يلزم إرادته من حركةِ نفسه في جلبِ ما ينتفع به ودفع ما يتضرَّر به. وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى مَا هو عال عليه، وكونه محمولًا به مفتقرًا إليه محاطًا به، كلُّ هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎. وما لزم الصفة من جهة اختصاصه -تعالى- بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب (ظ/ ٤٩ ب) والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها (٣) لا

стр. 390

يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبْرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي خَلَصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أثبتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلَى حقيقة، فخلصت من التعطيل، ونفيتَ عنها خصائصَ المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبَّر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب. الخامس عشر: أنَّ الصفة متى قامت بموصوفٍ لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان وأمران معنويان. فاللفظيان: ثُبُوتي وسَلْبي، فالثبوتي: أن يُشتق للموصوف منها اسم، والسَّلْبي: أن يمتنع لاشتقاق لغيره. والمعنويان: ثبوتي وسلبي، فالثبوتي: أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه (١)، والسلبي: أنه لا يعود حكمُها إلى غيره، ولا يكون خَبَرًا عنه. وهذه قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات، فلنذكر من ذلك مثالًا واحدًا وهى: صفة الكلام، فإنها إذا قامت بمحلٍّ كان هو المتكلِّم دون من لم تقم به، وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره، (ق/ ٦٧ أ) فيقال: قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخير وخاطب وتكلم وكلَّم، ونحو ذلك، وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره وعلى عدم قيامِها به، وهذا هو أصل السنة الذي ردُّوا به على المعتزلة والجهميةَ، وهو

стр. 391

من أصح الأصول طَرْدًا وعَكْسًا. السادس عشر: أنَّ الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تُحَد بعدد (١)، فإن لله -تعالى- أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ به نَفْسَكَ، أو أَنزَلْتَه في كتَابِكَ، أو أسْتأْثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ" (٢) فجعل أسماءَه ثلاثة أقسَام: قِسْم: سَمَّى به نفسَه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه. وقسم: أنزل به كتابه فتعرَّفَ به إلى عباده. وقسم: استأثرَ به في علمِ غيبه، فلم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه، ولهدا قال: "استأثرْتَ بهِ" أي: انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه.

стр. 392

ومن هذا قول النبي ﷺ في حديث الشفاعة: "فيفتحُ عليَّ من مَحامِدِه بما لا أُحْسِنُه الآن" (١) وتلك المحامد هي (٢) بأسمائه وصفاته ﵎. ومنه قوله ﷺ : "لا أُحْصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثْنيْتَ على نَفْسِك" (٣). وأما قوله ﷺ : "إنَّ لله تسعةً وتسعينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجنةَ" (٤) فالكلامُ جملة واحدة. وقوله: "مَن أَحْصَاها دَخَلَ الجنْةَ" صفةٌ لا خبر مستقبل. والمعنى: له أسماء متعددة، مِن شأنها أن من أحصاها دخل الجنة. وهذا لا ينفي أن يكون له تعالى أسماء غيرها. وهذا كما تقول: لفلان مئة مملوكٍ. قد أعدهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون الغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه. السَّابع عشر: أن أسماءه -تعالى- منها ما يُطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره وهو غالب الأسماء، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا يسوغ (ظ/ ٥٠ أ) أن يدعى به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز يا حكيم، يا غفور يا رحيم، وأن يفرد كلُّ اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه به (٥) يسوغ لك الإفراد والجمع. ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله؛ كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يُفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرونٌ بالمعطي

стр. 393

والنافع (١) والعفوِّ، فهو المعطي المانع، الضار النافع، العفوُّ المنتقم، المعزُّ المذلُّ؛ لأن (ق/ ٦٧ ب) الكمال في اقتران كلِّ اسم من هذه بما يُقابله؛ لأنه يُرَاد به: أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم: عطاء ومنعًا، ونفعًا وضرًّا، وعَفْوًا وانتقامًا. وأما [أن] يُثْنى عليه بمجرَّد المنع والانتقام والإضرار؛ فلا يسوغ. فهذه الأسماء المزدوجة تجري الاسمان (٢) منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فَصْل بعض (٣) حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه. فلو قلت: يا مُذِل يا ضار يا مانع، أو أخبرتَ بذلك؛ لم تكن مُثنيًا عليه ولا حامدًا حتى تذكر مقابله. الثَّامن عشر: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال، وصفات نقص، وصفات لا تقتضي كمالًا ولا نقصًا، وإن كانت [القِسْمة] (٤) التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا وهو: ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين. والربُّ -تعالى- مُنزَّه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، فصفاته كلها صفات كمالٍ مَحْض، فهو موصوف من الصفات بأكملها وله من الكمال أكمله. وهكذا أسماؤه الدالة: على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدِّي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا

стр. 394

بمرادفٍ مَحْض بل هو على سبيل التقريب والتفهيم. وإذا عرفت هذا؛ فله سبحانه من كلِّ صفةِ كمالٍ أحسنُ اسمٍ وأكمله وأتمه معنًى، في أبعده وأنزهه عن شائبة عيبٍ أو نقص، فله من صفة الإدراكات: الحليم الخبير، دون: العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون: السامع والباصر والناظر. ومن صفات الإحسان: البَرُّ الرحيم الودود، دون: الرقيق والشفوق (١) ونحوهما. وكذلك: العَلِي العظيم، دون: الرفيع الشريف. وكذلك: الكريم، دون: السخى، والخالق البارئ المصوِّر، دون: الفاعل: الصانع المُشَكِّل، والغفور العفوُّ (٢)، دون: الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم. غيرُه مقامَه، فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدل عما سمَّى به نفسَه إلى غيره، كما لا تتجاوز. ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، إلى ما وصفه به المبطلون والمعطِّلون. التاسع عشر: أن من أسمائه الحسنى ما (٣) يكون دالًّا على عِدَّة صفات، ويكون ذلك الاسم متناولًا لجميعها تناولَ الاسم الدال على الصفة الواحدة لها كما تقدم بيانه، كاسْمِه: العظيم والمجيد والصمد، كما قال ابن عباس -فيما رواه عنه ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٤) -: "الصمد: السيد الذي (ق/ ٦٨ أ) قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد

стр. 395

كَمُل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عَظَمْته، (ظ/ ٥٠ ب) والحليم الذي قد كَمُل في حلمه، والعليم الذي قد كَمُل في عِلْمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حِكْمته، وهو الذي قد كَمُل في أنواع شرفه وسؤدده، وهو الله . هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوًا أحد، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار" هذا لفظه. وهذا مما خَفِيَ على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحُسْنى، ففسَّر الاسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يعلم، فمن لم يُحِط بهذا علمًا بخَسَ الاسمَ الأعظم حقَّه وهضمَه معناه، فتدبَّرْهُ. العشرون: وهي الجامعة لما تقدَّم من الوجوه، وهو معرفة الإلحاد قي أسمائه حتى يقع فيه. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠] والإلحاد في أسمائه هو: العدولُ بها وبحقائقه (١) ومعانيها عن الحقِّ الثابتِ لها، وهو مأخوذ من الميل كما يدلُّ عليه مادته (ل ح د). فمنه: اللَّحْد، وهو الشَّقُّ في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط. ومنه: المُلْحِد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل. قال ابن السِّكِّيْت (٢): الملحد المائل عن الحق المُدْخِل فيه ما ليس منه. ومنه الملتَحَد، وهو مفتعل من ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧] أي: مَن تَعْدِل إليه وتهرب إليه وتلتجئ إليه وتميل (٣) إليه عن غيره. تقول العرب: التحد فلان إلى فلان إذا عَدَلَ إليه.

стр. 396

إذا عُرِف هذا؛ فالإلحاد في أسمائه ﵎ أنواع: أحدها (١): أن يسمى الأصنام بها كتسميتهمِ اللات من الإِلهية، والعُزَّى من العزيز. وتسميتهم الصنمَ إلهًا، وهذا إلحاد حقيقةً فإنهم عَدَلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة. الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له: أبًا، وتسمية الفلاسفة له: موجبًا بذاته، أو عِلَّة فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك. وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائض، كقول أخبث اليهود: إنه فقير. وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه. وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته ... ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية. وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة (٢) لا تتضمَّن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم: السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد (٣)، ويقولون: لا حياةَ له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها (ق/٦٨ ب) عقلًا وشرعًا ولغة وفِطْرَة، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله (٤) وجحدوها وعطلوها، فكلاهما مُلْحِد في أسمائه.

стр. 397

ثم الجهميةُ وفروخُهم متفاوتون في هذا الإلحاد؛ فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب. وكل من جحد شيئًا مما وصف اللهُ به نفسَه أو وصفَه به رسولُه ﷺ ؛ فقد أَلحد في ذلك، فليستقلّ أو ليستكثر. وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبهون علوًّا كبيرًا. فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطِّلة، فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبَّهوها بصفات خلقه، فجَمَعَهم الإلحادُ وتفرَّقت بهم طرقُه، وبرَّأ اللهُ أتباعَ رسوله ﷺ وورثته القائمين بسنته عن ذلك كلِّه، فلم يصفوه إلا بما وصفَ به نفسَه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أُنزلت (ظ/ ٥١ أ) عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه (١)، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كمن شبَّه حتى كأنه يعبدُ صنمًا، أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عَدَمًا. وأهلُ السنة وسطٌ في النِّحَل، كما أن أهل الإسلام وسط في المِلَل، تُوْقَد مصابيحُ معارفهم من: ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، فتسأل الله -تعالى- أن يهدينا لنوره ويسَهِّل لنا السبيل إلى الوصول إلى (٢) مرضاته ومتابعة رسوله، إنه قريب مجيب. فهذه عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به [الرب] (٣) ﵎، فعليكَ بمعرفتها ومراعاتها،

стр. 398

ثمَّ اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبًا عاقلًا ولسانًا قائلًا ومحلًّا قابلًا؛ وإلَّا فالسكوت أولى بك، فجنابُ الربوبية أجلُّ وأعزُّ مما يخطر بالبال أو يعبِّر عنه المقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا. وعسى الله أن يُعين بفضله على تعليق "شرح الأسماء الحسنى"، مراعيًا فيه أحكام هذه القواعد بريئًا من الإلحاد في أسمائه وتعطيل صفاته، فهو المانُ بفضله، والله ذو الفضل العظيم (١).

стр. 399

فائدة (١) المعنى المفرد لا يكون نعتًا ، ونعني بالمفرد ما دَلَّ لفظُه على معنى واحد، نحو: عِلْم وقُدْرَة؛ لأنه لا (٢) رابط بينه وبين المنعوت؛ لأنه اسم جنس على حاله. فإذا قلت: "ذو علم، وذو قدرة" كان الرابط: ذو. فإذا قلت: "عالم وقادر" كان الرابط: الضمير (٣)، فكل نعت وإن كان مفردًا في لفظه فهو دال على مَعْلوْمَين (٤): حاملٍ ومحمولٍ، فالحامل هو: الاسم المضمر، والمحمول هو: الصفة. وإنما أضْمِر في الصفة ولم يُضْمَر في المصدر وهو الصفة في الحقيقة؛ لأن هذا الوصف مشتق من الفعل، والفعل هو الذي يُضْمَر فيه دون المصدر؛ لأنه إنما صِيغْ من المصدر، ليُخْبَر به عن فاعل، فلابد له مما صِيغْ لأجله إما ظاهرًا وإما مضمرًا، ولا كذلك المصدر؛ لأنه اسم جنس فحكمه حكم سائر الأجناس، ولذلك يُنعت الاسم بالفعل لتحمله الضمير. فإن قلت: فأيهما هو الأصل في باب النعت؟. قلت: الاسم أصل للفعل في باب النعت، والفعل أصل لذلك الاسم في غير باب النعت. وإنما قلنا ذلك؛ لأن حكم النعت (ق/٦٩ أ) أن

стр. 400

يكون جاريًا على المنعوت في إعرابه؛ لأنه هو مع زيادة معنى، ولأن الفعل أصله أن يكون له صدر الكلام؛ لعمله في الاسم، وحقُّ العامل التقدُّم لاسيما إن قلنا: إن العامل في النعت هو العامل في المنعوت. وعلى هذا؛ لا يُتَصوَّر أن يكون الفعل أصلًا باب النعت (١)؛ لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال. فعلى هذا؛ لا ينبغي أن يُنْعت النعت، فتقول: "مررتُ برجل عاقل كريم"، على أن يكون "كريم" صفة لعاقل بل لرجل؛ لأن النعت يُنبئ عن الاسم المضمر وعن الصفة، والمضمر: لا يُنعَت، ولأنه قد صار بمنزلة الجملة من حيث دلَّ على الفعل والفاعل، والجملة لا تُنعَت، ولأنه يجري مجرى الفعل في رفعه الأسماء، والفعل لا يُنْعت. قاله ابنُ جني. وبَعْدُ! فلا يمتنع أن يُنْعت النعت إذا جَرَى النعت الأول مجرى الاسم الجامد، ولم يُرد له ما هو جارٍ على الفعل. (ظ/٥١ ب) فصل (٢) ولمَا عُلِم من افتقاره إلى الضمير [فإنه] (٣) لا يجوز إقامة النعت مقام (٤) المنعوت لوجهين: أحدهما: احتماله الضمير؛ فإذا حذفت المنعوت لم يبق للضمير ما يعود عليه.

стр. 401

الثاني: عموم الصفة، فلا بد من بيان الموصوف بها ما هو؟. فإن أجريتَ الصفة مجرى الاسم مثل: "جاءني الفقيه، و: جالست العالم "، خرج عن الأصل الممتنع وصار كسائر الأسماء. وإن جئت بفعل يختص بنوع من الأسماء وأعملته في نوعٍ يختص بذلك النوع، كان حذفُ المنعوت حسنًا، كقولك: "أكلت طيِّبًا، ولبست ليِّنًا، وركبتُ فارهًا"، ونحوه: "أقمتُ طويلًا، وسِرت سريعًا"؛ لأن الفعل لدل على المصدر والزمان (١)، فجاز حذف المنعوت هاهنا لدلالة الفعل عليه. وقريبٌ منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] لدلالة الذرية على الموصوف بالصفة. وإن كان في كلامك حكمٌ منوطٌ بصفة [اعتمدَ] (٢) الكلامُ على تلك واستغنى عن ذكر (٣) الموصوف، كقولك: مؤمن خير من كافر، و: غني أحْظَى من فقير، و: المؤمن لا يفعل كذا، و: ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، "والمؤمنُ يَأكُلُ في مِعًى وَاحِدٍ والكَافِرُ يَأكُلُ في سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ" (٤)، وقولهم: وَأَبْيَضَ كالمِخْرَاق .... البيت (٥).

стр. 402

وقول الآخر: وأسْمَرَ خَطِّيٍّ ... (١). لأن الفخر والمدح إنما يتعلق بالصفة دون الموصوف، فمضمون هذا الفصل ينقسم خمسة أقسام: * نعتٌ لا يجوز حذف منعوته، كقولك: لقيت سريعًا (٢)، و: ركبت خفيفًا. * ونعت يجوز حذف منعوته (٣) على قُبْحٍ، نحو: لقيتُ ضاحكًا، و: رأيتُ جاهلاً، فجوازه لاختصاص الصفة بنوع واحد من الأسماء. * وقسم يستوي فيه الأمران، نحو: أكلتُ طيبًا، و: ركبت فارهًا، و: لبست ليِّنًا، و: شربت عذبًا؛ لاختصاصِ الفعلِ بنوع من المفعولات. * وقسم يقبح فيه ذكر (ق/٦٩ ب) الموصوف؛ لكونه حشوًا في الكلام، نحو: أكرم الشيخ، ووقِّر العالم، وأرفق بالضعيف، وارحم المسكين، وأعط الفقير، وأكرم البر، وجانب الفاجر، ونظائره؛ لتعليق الأحكام بالصفات واعتمادها عليها بالذكر. * وقسم لا يجوز فيه ألبتة ذكر الموصوف، كقولك: "دابة، وأبطح: وأجرع، وأبرق -للمكان- وأسود -للحية- وأدهم -للقيد- وأخيل. -للطائر-". فهذه في الأصول نعوتٌ، ولكنهم لا يجرونها (٤) نعتًا على

стр. 403

منعوت، فَنَقِفُ عندما وقفوا، ونترك القياسَ إذا تركوا. فائدة بديعة (١) إذا نُعِتَ الاسم بصفة هي لسببه (٢)، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: -وهو الأصل- أن تقول: "مررتُ برجلِ حسنٌ أبوه" بالرفع (٣)؛ لأن الحُسْن ليس صفة له فيجري عليه، وإنما ذُكِرَت الجملة ليُمَيَّز بها بين الرجل وبين من ليس عنده أبٌ كأبيه، فلما تميز بالجملة من غيره صارت في موضع النعت. وتدرَّجوا من ذلك إلى أن قالوا: "حسنٍ أبوه"، بالجر (٤)، وأجْرَوه نعتًا على الأول، وإن كان للأب (٥)، من حيثُ تميز به وتخصص كما يتخصص بصفة نفسه. والوجه الثالث: "مررت برجل حسنِ الأب"، فيصير نعتًا للأول، ويضمر فيه ما يعود عليه، حتى كأن الحُسْنَ له، وإنما فعلوا ذلك مبالغة وتقريبًا للسبب، وحذفًا للمضاف وهو الأب، وإقامة المضاف إليه مُقامه وهو الهاء، فلما قام الضمير مَقامَ الاسم المرفوع صار ضميرًا مرفوعًا، فاستتر في الفعل، فقلت: "برجل حسن"، ثم أضفته إلى السبب (ظ/ ٥٢ أ) الذي من أجله صار (٦) حسنًا وهو الأب، ودخول الألف واللام على السبب إنما هي لبيان الجِنس.

стр. 404

وهذا الوجه لا يجوز إلا في الموضع الذي يجوز (١) فيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وذلك غير مُطَّرد الجواز، وإنما يجوزُ حيث يقصدون المبالغة وتفخيم الأمر، وإن بَعُد السبب كان الجواز أبعدَ، كقولك: "نابح [كلب الجار] (٢)، وصاهل فرس العبد". وما امتنع في هذا الفصل، فإنه يجوز في الفصل الذي قبله، من حيث لم يقيموا فيه مضافًا مقام المضاف إليه (٣). وإنما حكمنا باختلاف المعاني في هذه الوجوه الثلاثة، من حيثُ اختلفَ اللفظ فيها؛ لأن الأصل أن يختلف لفظان إلا لاختلاف معنًى، ولا يُحْكَم باتحادِ المعنى مع اختلاف اللفظ إلا بدليل. فمعنى الوجه الأول: تمييز الاسم من غيره بالجملة التي بعده. ومعنى الوجه الثاني: تمييز الاسم من غيره مع انجرار الوصف إليه بمدح أو ذم. ومعنى الوجه الثالث: نقل الصفة (ق/ ٧٠ أ) كلِّها إلى الأول على حذف المضاف مع تبيين السبب الذي صيره كذلك. وأكثر ما يكون هذا الوجه فيما قرب سببُه جدًّا، نحو: "عظيم القَدْر، وشريف الأب"؛ لأن شَرَف الأب شرفٌ له، وكذلك القَدْر والوجه، وهاهنا يَحْسُن حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. فائدة (٤) إن قيل: لِمَ اكتسبَ المضاف التعريفَ من المضاف إليه، ولم

стр. 405

يكتسب المضافُ إليه التنكيرَ من المضاف؟ وهو مقدَّم عليه في اللفظ، لاسيما والتنكير أصل في الأسماء، والتعريف فرعٌ عليه؟. قِيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنهم قد غَلَّبوا حكم المعرفة على النكرة في غير هذا الموطن (١)، نحو: "هذا زيدٌ ورجلٌ ضاحِكَيْن"، على الحال. ولا يجوز: ضاحكان، على النعت، تغليبًا لحكم المعرفة؛ لأنهم رأوا الاسم المعرفة يدل على معنيين: الرجل وتعيينه، والشيء وتخصيصه من غيره، والنكرة لا تدل إلا على معنًى مفرد، فكان ما يدل على معنيين (٢) أقوى مما يدل على معنًى واحد. وهذا أصل نافع (٣) فَحَصِّلْهُ. الثاني: أن المضاف إليه بمنزلة آلة التعريف، فصار كالألف واللام. ألا ترى أنك إذا قلتَ: غلام زيد، فهو بمنزلة قولك: الغلام، لمن تعرفه بذلك. وكذلك إذا قلتَ: كتاب سيبويه، فهو بمنزلة قولك: الكتاب، وكذلك إذا قلتَ: سلطان المسلمين، بمنزلة قولك: السلطان، فتعريفه باللام في أَوَّله، وتعريفه بالإضافة من آخره. فإن قيل: فإذا اكتسب التعريفَ من المضاف إليه، فكان ينبغي أن يُعْطَى حكمه. قيل: وإن استفاد منه التعريف، لم يستفد منه خصوصية تعريفه، وإنما اكتسب منه تحريفًا آخر كما اكتسب من لام التعريف. ألا ترى أنه إذا أُضِيْف إلى المُضْمَر لم يكتسب منه الإضمار، وإذا أُضِيْف إلى

стр. 406

المبهم لم يكتسب منه الإبهام، فلا الأولُ اقتبسَ من الثاني خصوصية تعريفه، ولا الثاني اقتبسَ من الأول تنكيْرَه، والمضاف إليه في ذلك كالآلة الدَّاخلة على الاسم. فائدة من كلام السهيلي (١) ﵀: "الكلام هو تعبير عما في نفس المتكلِّم من المعاني، فإذا أَضمر ذلك المعنى في نفسه -أي: أخفاه- ودل (ظ/٥٢ ب) المخاطبَ عليه بلفظ خاص، سُمِّي ذلك اللفظ: ضميرًا، تسمية له باسم مدلوله. ولا يقال: فكان ينبغي أن يسمَّى كل لفظ ضميرًا على ما ذكرتم؛ لأن هنا مراتب ثلاثة: أحدها: المعنى المضمر، وهو (٢) حقيقة الرجل مثلاً. والثاني: اللفظ المميز له عن غيره، وهو زيد وعَمْرو. والثالث: اللفظ المعبِّر عن هذا الاسم الذي إذا أُطْلِق كان المراد به ذلك الاسم، بخلاف قولك: زيد وعَمْرو (٣)، فإنه ليس ثَمَّ إلا لفظ ومعنى، فخصُّوا (ق/ ٧٠ ب) اسم الضمير (٤) بما ذكرناه. والمضمرات في كلامهم نحو ستين ضميرًا وأحوالها معلومة، لكن ننبه على أسرارها من أحكام المضمرات. أعلم أن المتكلم لما استغنى عن اسمه الظاهر في حال الإخبار، لدلالة المشاهدة عليه، جعل مكانه لفظًا يومئ به إليه، وذلك اللفظ

стр. 407

مؤلف من "همزة ونون"؟ أما الهمزة؛ فلأن مخرجها من الصدر، وهو أقرب مواضع الصوت إلى المتكلِّم، إذ المتكلم في الحقيقة محله وراء حبل الوريد. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ (١) [ق: ١٦]، ألا تراه يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨] يعني: ما يلفظ المتكلِّم، فدل على أن المتكلم أقرب شيءٍ إلى حبل الوريد، فإذا كان المتكلم على الحقيقة محله هناك، وأردت من الحروف ما يكون عبارة عنه، فأولاها بدلك ما كان مَخْرَجه من جهته، وأقرب المواضع إلى مَحَلِّه، وليس إلا "الهمزة أو الهاء"، والهمزة (٢) أحق بالمتكلم لقوَّتها بالجهر والشدة وضعف الهاء بالخفاء، فكان ما هو أجهر وأَقْوى أَوْلى بالتعبير عن اسم المتكلِّم الذي الكلام صفة له، وهو أحقُّ بالاتصاف به. وأما تآلفها مع النون؛ فلما كانت الهمزة بانفرادها لا تكون اسمًا منفصلاً، كان أولى ما وصلت به "النون" أو حروف المد واللين، إذ هي أمهات الزوائد، ولم تكن حروف المد مع "الهمزة" لذهابها عند التقاء الساكنين، نحو: أنا الرجل، فلو حُذِف الحرف الثاني لبقيت "الهمزة" في أكثر الكلام منفردة مع لام التعريف، فتلتبس بالألف التي هي أخت اللام، فيختل أكثرُ الكلام، فكان أولى ما قرن به "النون"؛ لقربها من حروف المد واللين، ثم بيَّنوا النون -لخفائها- بالألف في حال السكت، أو بـ "ها" في لغة من قال: إنه. ثم لما كان المخاطب مشاركًا للمتكلم في معنى (٣) الكلام؛ إذ

стр. 408

الكلام مبدؤه من المتكلم ومنتهاه عند المخاطَب، ولولا المخاطَب ما كان كلام المتكلم لفظًا مسموعًا، ولا احتاج إلى التعبير عنه، فلما اشتركا في المقصود بالكلام وفائدته، اشتركا في اللفظ الدالِّ على الاسم الظاهر، وهو الألف والنون، وفُرِّقَ بينهما بالتاء خاصة. وخُصَّت "التاء" بالمخاطب لثبوتها علامة لضميره في: "قمت"، إلا أنها هنا اسم، وفي "أنت" حرف. فإن قلت: فهي علامةٌ لضمير المتكلم في "قمت" (١)، فلِمَ كان المخاطَب أَوْلى بها؟. قلت: الأصل في التاء للمخاطب، وإنما المتكلم دخيل عليه، ولما كان دخيلاً عليه خَصُّوه (٢) بالضم؛ لأن فيه من الجمع والإشارة (ق/ ٧١ أ) إلى نفسه ما ليس في الفتحة، وخَصُّوا المخاطَب بالفتح؛ لأن في الفتحة من الإشارة إليه ما ليس في الضمة، وهذا معلوم في الحسِّ. وأما ضمير المتكلم المخفوض فإنما كان "ياءً"؛ لأن الاسم: الظاهر لما تُرِكَ لفظُه استغناءً، ولم يكن بُدٌّ من علامةٍ دالَّة عليه، كان أولى الحروف بذلك حرفًا من حروف الاسم المضمر (٣)، وذلك: لا يمكن لاختلاف أسماءِ المتكلِّمين، وإنما أرادوا علامة تختص بكلِّ متكلِّم (ظ/٥٣ أ) في حال الخفض، والأسماء مختلفة الألفاظ متفقة: في حال الإضافة إليها (٤) في الكسرة التي هي علامة الخفض، إلا أن الكسرة لا تستقل بنفسها حتى تُمَكَّن فتكون "ياء"، فجعلوا "الياء".

стр. 409

علامة لكل متكلِّم مخفوض، ثم شركوا النصب مع الخَفْض في علامة الإضمار، لاستوائهما في المعنى، إلا أنهم زادوا نونًا في ضمير المنصوب، وقاية للفعل من الكسر. وأما ضمير المتكلم المتصل، فعلامتُه "التاء" المضمومة، وأما المتكلمون فعلامتهم "نا" في الأحوال كلِّها. وسِرُّه: أنهم لما تركوا الاسم الظاهر وأرادوا من الحروف ما يكون علامة [للمخاطَب] (١) عليه أخذوا من الاسم الظاهر ما يشترك جميع المتكلمين فيه في حال الجمع والتثنية، وهي "النون" التي في آخر اللفظ، وهي موجودة في التثنية والجمع رفعًا ونصبًا وجرًّا، فجعلوها علامة للمتكلمين جمعًا كانوا أو اثنين، وزادوا بعدها ألفًا كيلا تشبه التنوين أو النون الخفيفة، ولحكمة أخرى وهي القرب من لفظ "أنا"؛ لأنها ضمير (٢) المتكلمين، "وأنا" ضمير متكلمٍ، فلم يسقط (٣) من لفظ "أنا" إلا الهمزة التي هي أصل في المتكلِّم الواحد، وأما جمع المتكلِّم وتثنيته ففرع طارئ على الأصل، فلم تمكن (٤) فيه الهمزة التي تقدم اختصاصها بالمتكلم، حتى خُصَّت به في "أفعل"، وخص المخاطب بالتاء في "تفعل"، لما ذكرناه. وأما ضمير المرفوع المتصل؛ فإنما خص بـ "التاء"؛ لأنهم حين

стр. 410

أرادوا حرفًا يكون علامة على الاسم الظاهر المستغنى عن ذكره، كان أولى الحروف بذلك: حرفًا من الاسم، وهو يختلف كما تقدم، فأخذوا من الاسم ما لا تختلف الأسماء فيه في حال الرفع، وهى الضمة، وهي لا تستقلُّ بنفسها ما لم تكن واوًا، ثم رأوا الواو لا يمكن تَعَاقُب الحركات عليها؛ لثقلها وهم يحتاجون إلى الحركات في هذا الضمير، فرقًا بين المتكلِّم، والمخاطَب المؤنث، والمخاطَب المذكر، فجعلوا "التاء" مكان "الواو"؛ لقربها من مخرجها، ولأنها قد تبدل منها في كثير من الكلام؛ كـ "تُرَاث وتُخَمة". فاشترك ضمير المتكلم والمخاطب في "التاء"، كما اشتركا فى "الألف والنون" من "أنا" و"أنت"؛ لأنهما شريكان في الكلام، لأن الكلام من حيث: كان للمخاطَب (ق/ ٧١ ب) كان لفظًا، ومن حيث كان للمتكلِّم كان معنًى. ثم وقع الفرق بين ضميريهما بالحركة دون الحروف، لما تقدم. وأما ضمير المخاطَب نصبًا وجرًّا؛ فكان "كافًا" دون "الياء"؛ لأن الياء قد اختص بها المتكلِّم نصبًا وخفضًا، فلو أمكنت فيه الحركات أو وُجد ما يقوم مقامها في البدل كما كانت التاء مع الواو، لاشترك المخاطَب مع المتكلم في حال الخفض، كما اشترك معه في التاء في حال الرفع، فلما لم يكن ذلك ولم يكن بُدٌّ من حرف يكون علامةً إضمار كانت الكاف أحق بهذا الموطن؛ لأن المخاطبين وإن اختلفت أسماؤهم الظاهرة فكل واحدٍ منهم مُكَلَّم ومقصود بالكلام الذي هو اللفظ، ومن أجله احتيج إلى التعبير بالألفاظ عما في النفس، فجعلت الكاف (١) المبدوء بها في لفظ الكلام علامة إضمار المخاطب، ألا تراها لا تقع علامة إضمار له إلا بعد كلام كالفعل والفاعل، نحو:

стр. 411

أكرمتك؛ لأنها كلام، والفعل وحده ليس كلامًا، فلذلك لم تكن علامة المضمر "كافًا" إلا بعد كلام من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر. فإن قيل: (ظ/٥٣ ب) فالمتكلم أيضًا هو صاحب الكلام، فهو أحق بأن تكون الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة لاسمه (١)؟. قيل: "الكاف" لفظ فهي أحق بالمخاطب؛ لأن الكلام إنما لُفِظَ به من أَجْلِه. وأما ضمير الغائب المنفصِل (٢) فـ "هاء" بعدها "واو"؛ لأن الغائب لما كان مذكورًا بالقلب، واستغنى عن اسمه الظاهِر بتقدمه، كانت الهاء التي مخرَجُها من الصَّدْر قريبًا من مَحلِّ الذكر، أولى بأن تكون عبارةً على مذكور بالقلب (٣)، ولم تكن "الهمزة"؛ لأنها مجهورة شديدة، فكانت أولى بالمتكلم الذي هو أظهر، والهاء -لخفائها- أولى بالغائب الذي هو أخْفَى وأبطن. ثم وُصِلَت بالواو؛ لأنه لفظ يُرْمَز به إلى المخاطَب، ليُعْلَم ما في النفس من مذكور، والرمز بالشفتين، والواو مخرجها من هناك، فخُصَّت بذلك. ثم طردوا أصلهم في ضمير الغائب المنفرد فجعلوه في جميع أحواله "هاءً"؛ إلا في الرفع، وإنما فعلوا ذلك لأنهم رأوا الفرقَ بين الحالات واقعًا باختلاف حال الضمير؛ لأنه إذا دخل عليها حرف الجر كسرت "الهاء" وانقلبت واوه ياءً، وإذا لم يدخل عليه بقيَ مضمومًا على أصله، وإذا كان في حال الرفع لم يكن له علامة في

стр. 412

اللفظ؛ لأن الاسم الظاهر قبل الفعل عَلَم ظاهر يغني المخاطَب عن علامة إضمار في الفعل، بخلاف المتكلم والمخاطب؛ لأنك تقول في الغائب: زيدٌ قائم، فتجد الاسم الذي يعود عليه الضمير موجودًا ظاهرًا في اللفظ، ولا تقول في المتكلم: زيدٌ قمتُ، ولا في المخاطب: زيد (ق/ ٧٢ أ) قمتَ، فلما اختلفت أحوال الضمير الغائب لسقوط علامته في الرفع، وتغير الهاء بدخول حروف الخفض، قام ذلك عندهم مقامَ علامات الإعراب في الظاهر، أو ما هو بمنزلتها في المضمر، كالتاء المبدلة من الواو، والياء [المنْبِئَة عن] (١) الكسرة، والكاف المختصة بالمفعول والمجرور الواقعين بعد الكلام التام، ولا يقع بعد: الكلام إلا منصوب أو مجرور، فكانت الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة على المنصوب والمجرور إذا كان مخاطبًا. وأما "نحن" فضمير منفصل للمتكلمين تثنيةً وجمعًا، وخصَّت بذلك لما لم يمكنهم التثنية والجمع في المتكلم المضمر؛ لأن حقيقةً التثنية ضمُّ شيءٍ إلى مثله في اللفظ، والجمع ضم شيء إلى أكثر منه مما يماثله في اللفظ؛ فإذا قلت: زيدان، فمعناه. زيد وزيد، و"أنتم"، معناه: أنت وأنت وأنت، والمتكلم لا يمكنه أن يأتى باسم مثنى أو مجموع في معناه؛ لأنه لا يمكنه أن يقول: "أنا أنا (٢) " فيضم إلى نفسه مثله في اللفظ، فلما عدم ذلك، ولم يكن بُدٌّ من لفظ يشير إلى ذلك المعنى، وإن لم يكنه في الحقيقة، جاءوا بكلمة تقع على الاثنين والجَمْع [لاشتراك التثنية والجمع] في هذا الموطن. ثم كانت.

стр. 413

الكلمة آخرها نونًا وفي أولها، إشارةً إلى الأصل المتقدم الذي لم يمكنهم الإتيان به، وهو تثنية "أنا"، التي هى بمنزلة عطف اللفظ على مثله، فإذا لم يُمكنهم ذلك في (١) اللفظ مثنًّى، كانت النون المكررة تنبيهًا عليه وتلويحًا عليه. وخُصَّت النونُ بذلك دون الهمزة؛ لما تقدم من اختصاص ضمير [الجمع] بالنون، وضمير المتكلِّم بالهمزة، ثم جعلوا بين النونين "حاءً" ساكنة لقربها من مخرج الألف الموجودة في ضمير المتكلم قبل النون وبعدها، ثم بنوها على الضم -دون الفتح والكسر- إشارةً إلى أنه ضمير مرفوع. وشاهِدُه ما قلناه في الباب (٢) -من دلالة الحروف [لمقطعة] (٣) على المعاني والرمز بها إليها- وقوعُ ذلك فى منثور كلامهم ومنظومه. فمنه: * قلتُ لها: قِفِي قالت: قاف (٤) * ومنه: ألاتا؟ فيقول الآخر: ألافا. يعني: ألا ترتحل، فيقول: ألا فارتحل. ومنه: بالخيرِ خيرات وإن شرًّا فا ... ولا أريدُ الشرَّ إلا أن تا (٥)

стр. 414

وكقولهم: "مَهْيَم" في: ما هذا يا امرؤ؟ و"أَيْشٍ" في: أيُّ شيءٍ؟ و"م الله" في: أيمن اللهْ. ومن هذا الباب: خروف التهجِّي في أوائل السور. وقد رأيتُ لابن فْوْرَك (١) نحوًا من هذا في اسم الله، قال: الحكمة في وجود الألف في أوله: أَنها من أقصى مخارج الصوت قريبًا من القلب الذي هو محل المعرفة إليه، ثم الهاء في آخره مخرجها من هناك أيضًا؛ لأن المبتدأ منه والمعاد إليه (ق / ٧٢ ب)، والإعادة أهونُ من الابتداء، وكذلك لفظ الهاء أهون (٢) من لفظ الهمزة. هذا معنى كلامه، فلم نقُل ما قلناه في المضمرات إلا اقتضابًا من أصول أئمة النحاة (٣) واستنباطًا من قواعد اللغة. فتأمَّل هذه الأسرار ولا يُزَهِّدَنَّك فيها نُبُوُّ (٤) طباع أكثر الناس عنها، واشتغالهم (٥) بظاهرٍ من الحياة الدنيا عن الفِكْرَ فيها والتنبيه عليها؛ فإني لم أفحص عن هذه الأسرارِ وخَفِيِّ التعليل في الظواهر والإضمار، إلا قصدًا للتفكُّر والاعتبار في حكمة من خَلَقْ الإنسانَ وعلَّمه البيان. فمتى لاحَ لكَ من هذه الأسرار سِرٌّ، وكَشَفَ لك عن

стр. 415

مكنونها فِكْرٌ؛ فاشكر الواهبَ للنُّعْمَى، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فائدة بديعة (١) الاسم من "هذا" الذال وحدها دون الألف على أصح القولين، بدليل سقوط الألف في التثنية والمؤنث، وخُصَّت الذال بهذا الاسم؛ لأنها من طرف اللسان، والمبهم مشارٌ إليه، فالمتكلم يشير نحوه بلَفْظِه أو بيده، ويُشير مع ذلك بلسانه، فإن الجوارحَ خَدَمُ القلب، فإذا ذهبَ القلبُ (٢) إلى شيءٍ ذهابًا معقولاً ذهبت الجوارحُ نحوه ذهابًا محسوسًا. والعمدة في الإشارة في مواطن التخاطب على اللسان، ولا يمكن إشارته إلا بحرف يكون مخرجه من عَذَبَةِ اللسان (٣) التي هي آلة الإشارة دون سائر أجزائه، فأما "الذال" أو "الثاء"؛ فالثاء مهموسة رخوة، فالجمهور أو الشديد من الحروف أولى منها للبيان، والذال مجهوره فخُصَّت بالإشارة إلى الذكور (٤)، وخُصَّت التاء بالإشارة إلى المؤنث؛ لأجل الفرق، وكانت "التاء" به أولى لهمسها وضعف المؤنث؛ ولأنها قد ثَبَتَت (٥) علامة التأنيث في غير هذا الباب، ثم بَيَّنُوا حركةَ الذَّالِ بالألف (٦)، كما فعلوا فى النون من "أنا"، وربما

стр. 416

شَرَّكوا المؤنث مع المذكر في الذال فاكتفوا بالكسرة [والياء] (١) فرقًا بينهما، وربما اكتفوا بمجرَّد لفظ التاء في الفرق [بينهما] (٢)، وربما جمعوا بين لفظ التاء والكسرة (ظ/ ٥٤ أ)، حرصًا على البيان. وأما في المؤنث الغائب؛ فلابد من لفظ التاء مع الكسرة؛ لأنه أحوج إلى البيان، لدلالة المشاهدة على الحاضر، فتقول: "تيك"، وربما زادوا اللام توكيدًا -كما زادوها في المذكر الغائب- إلا أنهم سكنوها في المؤنث لئلا تتوالى الكَسَرات مع التاء، وذلك ثقيل عليهم، وكانت اللام أولى بهذا الموطن حين أرادوا الإشارة إلى البعيد، فكثرت الحروف حين كثرت مسافة هذه الإشارة، وقلَّلوها حين قَلَّت؛ لأن اللام قد وُجِدَت في كلامهم (ق/ ٧٣ أ) توكيدًا، وهذا الموطن موطن توكيد، وقد وُجدت بمعنى الإضافة للشيء، وهذا الموطن شبيه بها؛ لأنك إذا أومأتَ إلى الغائب بالاسم المبهم، فأنت مُشيرٌ إلى من تخاطب ومقبل عليه لينظر إلى: من تشير، إما (٣) بالعين وإما بالقلب؛ ولذلك جئتَ بكاف الخطاب فكأنك تقول له: لك أقول، ولك أرمز بهذا الاسم. ففي اللام طَرَف من هذا المعنى، كما كان ذلك في الكاف، وكما لم تكن الكاف هاهنا اسمًا مضمرًا، لم تكن اللام حرفِ جرٍّ، وإنما في كلِّ منهما طَرَف من المعنى دون جميعه؛ فلذلك خَلَعوا من الكاف (٤) معنى الاسمية وأبقوا فيها معنى الخطاب، واللام كذلك إنما اجْتلبَت لطرفٍ من معناها الذي وُضِعَتْ له في باب الإضافة.

стр. 417

وأما دخول "ها" التنبيه؛ فلأن المخاطب يحتاج إلى تنبيهِهِ على الاسم الذي يُشير به إليه؛ لأن للإشارة قرائن حالٍ يحتاج إلى أن ينظر إليها، فالمتكلِّم كأنه آمر له بالالتفات إلى المشار إليه أو مُنَبِّهٌ له، فلذلك اختص هذا الموطن بالتنبيه، وقلما يتكلَّمون به في المبهم الغائب؛ لأن كاف الخطاب تُغني عنها، مع أن المخاطَب مأمورٌ بالالتفات بلحظِهِ إلى المبهم الحاضر، فكان التنبيه في أول الكلام أولى بهذا الموطن؛ لأنه بمنزلة الآمر الذي له صدر الكلام. وعندي أن حرف التنبيه بمنزلة حرف النداء وسائر حروف المعاني، لا يجوز أن تعمل معانيها في الأحوال ولا في الظروف، كما لا يعمل معنى الاستفهام والنفي في "هل" و"ما" في ذلك، ولا نعلمُ حرفًا يعمل معناه في الحال والظرف إلا "كأنَّ" وحدَها علامة (١) على أَنه فعل، فدع عنك ما شَغَبُوا به في مسائل الحال في هذا الباب، من قولهم: "هذا قائمًا زيد، وقائمًا هذا زيد"؛ فإنه لا يصلح من ذلك إلا تأخير الحال عن الاسم الذي هو "ذا"؛ لأن العامل فيها معنى الإشارة دون معنى التنبيه، وكلاهما معنوي. فإن قيل: لم جاز أن يعمل فيه معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي (٢)؟. قيل: معنى الإشارة يدل عليه قرائن الأحوال؛ من الإيماء باللحظ واللفظ الخارج من طرف اللسان وهيئة المتكلِّم، فقامت تلك الدلالة مقام التصريح بلفظ الإشارة؛ لأن (٣) الدال على المعنى؛ إما لفظ وإما

стр. 418

إشارة وإما خَطٌّ، فقد جَرَت الإشارة مجرى اللفظ فلتعمل فيما عمل فيه اللفظ -وإن لم تقو قُوَّته- في جميع أحكام العمل. وأصح من هذا أن يقال: معنى الإشارة ليس هو العامل؛ إذ الاسم الذي هو "هذا" ليس بمشتق من أشار يشير، ولو جاز أن تعمل أسماء الإشارة لجاز أن تعمل علامات الإضمار؛ لأنها -أيضًا (١) - إيماءٌ وإشارةٌ إلى مذكور، وإنما العامل فعلٌ مُضْمَر تقديره: "انظر"؛ [وأُضْمِرَ] (٢) لدلالة الحال عليه من التوجُّه واللفظ، (ق/ ٧٣ ب) وقد (ظ/٥٤ ب) قالوا: "لمن الدارُ مفتوحًا بابُها"، فأَعْمَلوا في الحال معنى "انظر" و "ابصر"، ودلَّ عليه التوجُّه من المتكلِّم بوجهه نحوها، وكذلك: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وهو قوي في الدلالة لاجتماع اللفظ مع التوجه. وإذا ثبتَ هذا؛ فلا سبيل لتقديم الحال؛ لأن العامل المعنوي [لا يعمل] حتى (٣) يدل عليه الدليلُ اللفظيُّ، أو التوجُّه، أو ما شاكَلَه. فائدة (٤) العامل في النعت اهو العامل في المنعوت، وكأن سيبويه (٥) إلى هذا ذهب حين مَنَع أن يجمع بين نعتي الاسمين إذا اتفق إعرابهما واختلف (٦) عاملاهما، نحو: "جاء زيد وهذا عَمْرو العاقلان". وذهب قوم إلى أن العاملَ في النعت معنوي، وهو كونه في معنى

стр. 419

الاسم المنعوت، فإنما ارتفع أو انتصب من حيث كان هو الأول في المعنى، لا من حيثُ كان الفعل عاملاً فيه؛ وكيف يعمل فيه وهو لا يدل عليه، إنما يدلُّ على فاعل أو مفعول أو مصدر دلالةً واحدةً من جهة اللفظ. وأما الظروف فمن دليل آخر. قال السُّهَيْلي: "وإلى هذا أذهب، وليس فيه نقض لما منعه سيبويه من الجمع بين نعتي الاسمين المتفقين في الإعراب إذا اختلف العامل فيهما؛ لأن العاملَ في النعت -وإن كان معنويًّا (١) - فلولا العامل في المنعوت لما صحَّ رفع النعت ولا نصبه، فكأنَّ الفعل هو العامل في النعت، فامتنع اشتراك عاملين في معمولٍ واحد، وإن لم يكونا عاملين فيه في الحقيقة ولكنهما عاملان فيما هو هو في المعنى. وإنما قوي عندنا هذا القول الثاني لوجوه، منها: امتناع تقديم النعت على المنعوت، ولو كان الفعلُ عاملاً فيه لما امتنع أن يليه معموله، كما يليه المفعول تارة والفاعل أخرى، وكما يليه الحال والظرف، ولا يصح أن يليه ما عمل فيه غيره، لو قلت: "قام زيدًا ضارب"، تريدُ: ضارب زيدًا، أو: "ضربتُ عمرًا رجلاً ضاربًا"، تريد: ضربت رجلاً ضاربًا (٢) عمرًا، لم يَجُز، فلا يلي العامل إلا ما عمل فيه، فلذلك لا يلي "كان" إلا ما عملت فيه، وكذلك نقول: خبر "إن" المرفوع ليس بمعمول لـ "إن"، وإنما هو على أصله في باب المبتدأ، ولولا ذلك لجاز أن يليها، وإنما وليها إذا كان مجرورًا؛ لأنها ممنوعة من العمل فيه بدخول حرف الجر، مع أن المجرور

стр. 420

رتبته التأخير، فلم يبالوا بتقديمه في اللفظ إذ كان موضعه التأخير؛ ولأنَّ المجرورَ ليس هو بخبر على الحقيقة، وإنما هو متعلق بالخبر، والخبر مَنْويٌّ في موضعه، أعني بعد الاسم المنصوب بـ "إن". فإن قيل: ولعل (١) امتناع النعت من التقديم على المنعوت إنما هو من أجل الضمير الذي فيه، والضمير (ق/٧٤ أ) حقه أن يترتَّب بعد الاسمِ الظاهر؟. قلنا: هذا ليس بمانع؛ لأن خبر المبتدأ حاملٌ للضمير، ويجوز تقديمه، ورب مضمرٍ يجوز تقديمه على الظاهر إذا كان موضعه التأخير. فإن قيل: ولعل امتناع تقديم النعت إنما وجبَ من أجلِ أنه تبيين للمنعوت وتكملة لفائدته، فصار كالصِّلة مع (٢) الموصول. قلنا: هذا باطل، لأنَّ الاسم المنعوت يستقل به الكلام، ولا يَفْتقر إلى النعت افتقار الموصول إلى الصِّلة (٣). ومما يبين لك أن الفعل العامل في الاسم لا يعمل في نعته: أنَّ (٤) النعت صفة للمنعوت لازمة له قبل وجود الفعل وبعده، فلا تأثير للفعل. فيه، ولا تسلُّطَ له عليه، وإنما التأثير فيه للاسم المنعوت؛ إذ بسببه يُرْفَع ويُنْصَب، وإن لم يَجُز أن تكون الأسماءُ عواملَ في الحقيقة. وهذا بخلاف الحال (ظ/ ٥٥ أ)؛ لأنها وإن كانت صفةً كالنعت، وفيها ضمير يعود إلى الاسم، فإنها ليست بصفةٍ لازمة للاسم كالنعت،

стр. 421

وإنما هي صفة للاسم في حِيْن وجود الفعل خاصة، فالفعل بها أولى من الاسم، فعمل فيها دونه، فلما عمل فيها جاز تقديمها عليه، نحو: "ضاحكًا جاءَ زيدٌ"، و [تقديمها إليه، نحو] (١): "جاء ضاحكًا زيد"، وتأخيرها بعد الفاعل (٢)؛ لأنها كالمفعول لعمل الفعل فيها. والنعت بخلاف هذا كله. وسنبين بعد هذا -إن شاء الله- فصلاً عجيبًا في أن الفعل لا يعمل بنفسه إلا بثلاثة أشياء: الفاعل، والمفعول به، والمصدر (٣)، أو ما هو صفة لأحد هذه الثلاثة في حين وقوع الفعل، ويخرج من هذا الفصل ظرفا المكان والزمان، والنعوت، والأبدال والتوكيدات، وجميع الأسماء المعمول فيها، ونقيم هنالك البرهان القاطع على صِحَّة هذه الدَّعْوى. فائدة بديعة (٤) حق النكرة إذا جاءت بعدها الصفةُ أن تكون جاريةً عليها ، ليتفق اللفظ. وأما نصب الصفة (٥) على الحال فيضعف عندهم، لاختلاف اللفظ من غير ضرورة. ورد بعضُ محقِّقي النحاة (٦) هذا القول بالقياس والسماع. قال: أما القياس؛ فكما جاز أن يختلف المعنى في نعت المعرفة

стр. 422

والحال، كما إذا قلت: "جاءني زيدُ الكاتب، وكاتبًا"، وبينهما من الفرق ما تراه، فما المانع من الاختلاف كذلك في النكرة إذا قلت: "مررت برجلٍ كاتب، أو كاتبًا"؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى الحال من النكرة كما تدعو إلى الحال من المعرفة ولا فرق. وأما السماع؛ فأكثر من أن يُحْصَر، فمنه: "وصلَّى خَلْفَه رجالٌ قِيامًا" (١)، وأما نحو: "وقع أمرٌ فَجْأة"، فحال من مصدرِ "وقعَ" لا من "أمر"، وكذلك: "أقبل رجلٌ مَشْيًا" حال من "الإقبال". وهذا صحيحٌ؛ ولكن الأكثر ما قاله النحاة، إيثارًا لاتفاق اللفظ، ولتقارب ما بين المعنيين في النكرة، ولتباعد ما بينهما في المعرفة؛ (ق / ٧٤ ب) لأن الصفة في النكرة مجهولة عند المخاطب حالاً كانت أو نعتًا، وهي في المعرفة بخلاف ذلك. ولو كانت الحال من النكرة ممتنعة لأجل تنكيرها لما اتفقت العرب على صحتها حالاً إذا تقدمت عليها كما أنشده سيبويه (٢): * لميَّةَ مُوْحِشًا طَلَلُ (٣) * وقوله: وتَحت العوالي والقَنَا مسْتكِنَّةً ... ظباءٌ أعارتها العيون الجَاذرُ (٤)

стр. 423

فإن قيل: فما حمل سيبويه وغيره على أن جعلوا "موحشًا" حالاً من "طلل"، و"قائمًا" حالاً من قولك: فيها قائمًا رجل، وهو لا يقول بقول الأخفش: إن رجلاً وطللاً فاعل بالاستقرار الذي تعلق به الجار (١)، فلو قال بهذا القول كان عذرًا له في جعلها حالاً منه، ولكن الاسم النكرة عنده مبتدأ وخبره في المجرور قبله، ولابد في خبر المبتدأ من ضمير يعود على المبتدأ تقدم الخبر أو تأخر، فلم لا تكون هذه الحال من ذلك الضمير ولا تكون من النكرة وما الذي دعاهم إلى هذا؟. قيل: هذا سؤال حسن جدًّا يجب التقصِّي عنه والاعتناء به، فقد كعَّ عنه أكثرُ الشارحين لـ "الكتاب" والمؤلفين في هذا الباب، وما رأيت أحدًا منهم أشار فيه إلى جواب مقنع وأكثرهم لم يتنبَّه للسؤال ولا تعرَّض له. والذي أقوله -وبالله التوفيق-: إن هذه المسألة في النحو (ظ/ ٥٥ ب) بمنزلة مسائل الدَّور في الفقه، ونضرب فيه مثالاً فنقول: رجل شهد مع آخر في عبدٍ أنه حُر فَعَتَق العبد وقُبلت شهادته، ثم شهد ذلك الرجل مرةً أخرى فأريد تجريحه، فشهد العبد المُعْتق فيه بالجُرْحَة، فإن قبلت شهادته ثبتَ جرح الشاهد وبطل العتق، وإذا بطل العتق سقطت الشهادة، وإن سقطت شهادته لم يصح جرح الشاهد (٢)، ودارت المسألة هكذا، وكلُّ فرعٍ يؤول إلى إسقاط أصله فهو أولى أن يسقطَ في نفسه، وكذلك مسألةَ هذا الفصل؛ فإنك إن جعلت الحال من قولك: "فيها قائمًا [رجل" من الضمير، لم يصح تقدير المضمر إلا مع تقدير فِعْل يتضمنه، ولا يصح تقدير فعل بعدَهُ مبتدأ؛ لأن

стр. 424

معنى الابتداء يبطل ويصير المبتدأُ فاعلاً، وإذا صار فاعلاً بطل أن يكون في الفعل ضمير لتقدُّم الفعل على الفاعل، وإذا بطل وجود الضمير بطل وجود الحال منه، وهذا بديعٌ في النظر. فإن قيل: إن المجرور يُنْوَى به التأخير؛ لأن خبر المبتدأ حقه أن يكون مؤخَّرًا. قيل: وإذا نويت به التأخير لم يصح وجود الحال مقدمة على المبتدأ؛ لأنها لا تتقدم على عاملها إذا كان معنويًّا، فبطل كون الحال من شيءٍ غير الاسم النكرة الذي هو مبتدأ عند سيبويه وفاعل عند الأخفش، وهذا السؤال لا يلزم الإخفش على مذهبه، وإنما يلزم سيبويه ومن قال بقوله، ولولا الوَحْشَة من مخالفة الإمام أبي بشر لنصرتُ قولَ الأخفش نصرًا مؤزرًا وجلوتُ مَذْهَبَه في [مِنَصَّة] (١) التحقيق مُفَسَّرًا، ولكن النفس إلى مذهب سيبويه أَمْيَل". هذا كلام الفاضل (٢)؛ وهو كما ترى كأنه سَيْل ينحطُّ من صَبَبٍ. قلت: والكلام معه في ثلاثة مقامات: أحدها: تحقيق مذهب الأخفش في أن قولك: "في الدار رجل"، ارتفاع رجل بالظرف لا بالابتداء (٣). والمقام الثاني: أنَّ الحال من النكرة يمتنع أن يكون حالاً من الضمير في الظرف. والمقام الثالث: الكلام فيما ذكره من الدَّور في المسألة النحوية، وأنه ليس مطابقًا للدور في المسألة الفقهية. فأما المقام الأول: فاعلم أنَّ الأخفش مذهبه إذا تقدَّم الظرف على

стр. 425

الاسم المرفوع نحو: "في الدار زيد" كان مرفوعًا ارتفاعَ الفاعلِ بفعله، ومذهبه -أيضًا-: أن المبتدأ إذا كان نكرة لا يسوغ الابتداء به إلا بتقديم الخبر عليه، وجبَ تقديمه عليه، نحو: "في الدار رجل"، فإنه (١) نصَّ على هذا وهذا، فلا ينبغي أن يبطل أحد كلاميه بالآخر، فـ "في الدار رجل" تقديم الظرف عنده واجبٌ وجوبَ تقديم الخبر على المبتدأ به، وعلى هذا فلا ضمير في الظرف بحال لو كان مذهبه أن المسألتين سواء في أن (٢) الاسم مرفوع بالظرف، لم يلزم سيبويه أن يقول بقوله حتى يجعل الحال من النكرة، وذلك أن قولك: "في الدار رجل" ليس في الظرف ضمير، فإنه ليس بمشتق ولا يتحمل ضميرًا بوجه، أقصى ما يقال: إن عامله وهو الاستقرار يتضمن الضمير، وهذا لا يقتضي رجوع حكم الضمير إلى الظرف حتى ينصب عنه الحال، فإنه ليس واقعًا موقعه ولا بدلاً من اللفظ به. ألا ترى أنك لو صرحت بالعامل لم تستغنِ عن الظرف، فلو قلتَ: "زيد مستقر"، لم تستغن عن قولك: في الدار، فعلم أنه إنما حذف حذفًا مستقرًّا لمكان العلم به، وليس الظرف نائبًا عنه ولا واقعًا موقعه ليصح تحمله الضمير، فتأمله فإنه من بديع النحو، وإذا كان كذلك فلا (ظ/٥٦ أ) ضمير في الظرف فينصب عنه الحال بوجه، فلم يبق معك ما يصح أن يكون صاحب الحال إلا تلك (٣) النكرة الموجودة، فلهذا جعل الإمام أبو بشر وأئمة أصحابه الحال منها لا من غيرها. وأما المقام الثاني: فاعلم أن الظرفَ إذا تقدم وقدرتَ فيه الضمير
следующие страницы →