← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

والنهي، فكيف يعرفه على صفةٍ يريدُ منه طاعةً فيستحقُّ عليها ثوابًا، أو يكره منه معصيةً يستحقُّ عليها عقابًا. وإذ لا أمرَ ولا نهيَ يُعْقَلُ فلا طاعة ولا معصية؛ إذ هما فرعُ الأمر والنهي، فلا ثوابَ ولا عقاب إذَن؛ إذ هما فرعُ الطَّاعة والمعصية. وغايةُ ما يقولون: إنه يخلُق في الهواء أو في شجرةٍ (١): «افعَل» أو: «لا تفعل»، بشرط أن لا يدلَّ الأمرُ والنهيُ المخلوقُ على صفةٍ في ذاته غيرَ كونه عالمًا قادرًا. ومعلومٌ أنَّ هذا لا يدلُّ إلا على كونِ الفاعلِ قادرًا عالمًا حيًّا، مريدًا لفعلِه، وأمَّا دلالتُه على حقيقة الأمر والنهي المستلزمة للطَّاعة والمعصية المستلزمَيْن للثَّواب والعقاب فلا. فلْيُعْرَف (٢) من ذلك أنَّ من نفى قيام الكلام والأمر والنهي (٣) بذات الله لم يمكنه إثباتُ التكليف على العبد أبدًا، ولا إثباتُ حُكمٍ للفعل بحُسْنٍ ولا قُبح، وفي ذلك إبطالُ الشَّرائع جملةً، مع استنادها إلى قول من قامت البراهينُ على صدقه، ودلَّت المعجزةُ على نبوَّته، فضلًا عن الأحكام العقلية المتعارضة المستندة إلى عادات النَّاس المختلفة؛ بالإضافة والنِّسَب والأزمنة والأمكنة والأقوال.

стр. 1087

وقد عُرِفَ بهذا أنَّ من نفى قول الله وكلامه فقد نفى التكليفَ جملةً، وصار مِنْ أخبث القدريَّة وشرِّهم مقالةً؛ حيث أثبتَ تكليفًا وإيجابًا وتحريمًا بلا أمرٍ ولا نهيٍ ولا اقتضاءٍ ولا طلب، وهذه قَدَرِيةٌ (١) في حقِّ الربِّ تعالى، وأثبتَ فعلًا وطاعةً ومعصيةً بلا فاعلٍ ولا مُحْدِث، وهذه قَدَرِيةٌ في حقِّ العبد؛ فليتنبَّه لهذه الدَّقيقة (٢). قالوا: وأيضًا، فما مِنْ معنًى يُستنبطُ من قولٍ أو فعلٍ ليُربَط به حكمٌ مناسبٌ له إلا ومن حيث (٣) العقل يعارضُه آخرُ يساويه في الدَّرجة، أو يَفْضُل عليه في المرتبة، فيتحيَّر العقلُ في الاختيار، إلى أن يَرِدَ شرعٌ يختارُ أحدَهما، أو يرجِّحه من تلقائه، فيجبُ على العاقل اعتبارُه واختيارُه لترجيح الشَّرع له، لا لرُجْحانه في نفسه. ونضربُ لذلك مثالًا، فنقول: إذا قتل إنسانٌ إنسانًا مثله، عَرَض للعقل الصَّريح هاهنا آراءُ متعارضةٌ مختلفة، منها: أنه يجبُ أن يُقتَل قصاصًا؛ ردعًا

стр. 1088

للجُناة، وزجرًا للطُّغاة، وحفظًا للحياة، وشفاءً للغَيظ، وتبريدًا لحَرِّ المصيبة اللاحقة لأولياء القتيل. ويعارضه معنًى آخر: أنه إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان، ولا يحيا الأوَّلُ بقتل الثَّاني؛ ففيه تكثيرُ المفسدة بإعدام النَّفسَيْن، وأمَّا مصلحةُ الرَّدع والزَّجر واستبقاء النَّوع فأمرٌ متوهَّم، وفي القصاصِ استهلاكٌ محقَّق. فقد تعارض الأمران، وربَّما يعارضه أيضًا معنًى ثالثٌ وراءهما، فيفكِّر العقلُ: أيراعي شرائطَ أُخَر وراء مجرَّد الإنسانية، من العقل والبلوغ، والعلم والجهل، والكمال والنقص، والقرابة والأجنبية؟ فيتحيَّر العقلُ كلَّ التَّحيُّر، فلا بدَّ إذَن من شارعٍ يفصِّلُ هذه الخطَّة، ويعيِّنُ قانونًا (١) يطَّردُ عليه أمرُ الأمَّة، وتستقيمُ عليه مصالحهم. وظهَر بهذا أنَّ المعاني المستنبطة راجعةٌ إلى مجرَّد استنباط العقل، [ووضع الذِّهن، من غير أن يكون الفعلُ مشتملًا عليها؛ فإنها لو كانت صفاتٍ نفسيةً للفعل] (٢) لَزِمَ من ذلك أن تكون الحركةُ الواحدةُ مشتملةً على صفاتٍ متناقضةٍ وأحوالٍ متنافرة. وليس معنى قولنا: «إنَّ العقل استنبط منها» أنها كانت موجودةً في الشيء فاستخرجَها العقلُ، بل العقلُ تردَّد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض، ونِسَبِ الأشخاص والحركات نوعًا إلى نوع، وشخصًا إلى شخص،

стр. 1089

فيطرأ عليه من تلك المعاني ما حكيناه وأحصيناه، وربَّما يبلغُ مبلغًا يَشِذُّ عن الإحصاء. فعُرِف بذلك أنَّ المعاني لم ترجع إلى الذَّات، بل إلى مجرَّد الخواطر الطَّارئة على العقل (١)، وهي متعارضة (٢). قالوا: وأيضًا، لو ثبتَ الحُسْن والقُبح العقليَّين (٣) لتعلَّق بهما الإيجابُ والتَّحريمُ شاهدًا وغائبًا على العبد والربِّ، واللازمُ محال، فالملزومُ كذلك. أمَّا الملازمة؛ فقد كفانا أهلُ الإثبات (٤) تقريرَها بالتزامهم أنه يجبُ على العبد عقلًا بعضُ الأفعال الحسنة، ويحرُم عليه القبيح، ويستحقُّ الثَّوابَ والعقابَ على ذلك، وأنه يجبُ على الربِّ تعالى فعلُ الحسن ورعايةُ الصَّلاح والأصلح، ويحرُم عليه فعلُ القبيح والشرِّ وما لا فائدة فيه كالعبَث، ووضعوا بعقولهم شريعةً أوجبوا بها على الربِّ تعالى، وحرَّموا عليه، وهذا عندهم ثمرةُ المسألة وفائدتها. وأمَّا انتفاءُ اللازم؛ فإنَّ الوجوبَ والتَّحريمَ بدون الشرع ممتنع؛ إذ لو ثبت بدونه لقامت الحجَّةُ بدون الرُّسل، والله سبحانه إنما أثبتَ الحجَّة بالرُّسل خاصَّة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 1090

وأيضًا؛ فلو ثبت بدون الشَّرع لاستُحِقَّ الثَّوابُ والعقابُ عليه، وقد نفى الله سبحانه العقابَ قبل البعثة، فقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]؛ فإنما احتجَّ عليهم بالنَّذير. وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨]؛ والحقُّ هاهنا هو ما بُعِثَ به المرسَلون (١)، باتفاق المفسِّرين. وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]؛ فلا يسألهم ﵎ عن مُوجِبات عقولهم، بل عمَّا أجابوا به رسلَه، فعليه يقعُ الثَّوابُ والعقاب. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]؛ فاحتجَّ عليهم ﵎ بما عَهِدَ إليهم على ألسنة رسله خاصَّة؛ فإنَّ عهدَه هو أمرُه ونهيُه الذي بلَّغته رسلُه.

стр. 1091

وقال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]؛ فهذا في حكم الوجوب والتَّحريم على العباد قبل البعثة. وأمَّا انتفاءُ الوجوب والتحريم على من له الخلقُ والأمرُ ولا يُسألُ عمَّا يفعَل؛ فمن وجوهٍ متعدِّدة: أحدها: أنَّ الوجوبَ والتَّحريمَ في حقِّه سبحانه غيرُ معقولٍ على الإطلاق، وكيف يُعْلَمُ أنه سبحانه يجبُ عليه أن يَمْدَحَ ويَذُمَّ ويثيبَ ويعاقِب على الفعل بمجرَّد العقل؟ وهل ذلك إلا مغيَّبٌ (١) عنَّا؟ فبم نَعْرِفُ (٢) أنه رَضِيَ عن فاعلٍ وسَخِط على فاعل، وأنه يثيبُ هذا ويعاقِبُ هذا، ولم يخبر عنه بذلك مخبرٌ صادق، ولا دلَّ على مواقع رضاه وسخطه عقل، ولا أخبَر عن محكومه ومَعْلُومه مخبر؟! فلم يَبْق إلا قياسُ أفعاله على أفعال عبادِه، وهو مِنْ أفسد القياس وأعظمه بطلانًا؛ فإنه تعالى كما أنه ليس كمثله شيءٌ في ذاته ولا في صفاته، فكذلك ليس كمثله شيءٌ في أفعاله، وكيف يقاسُ على خلقه في أفعاله فيحسُن منه ما يحسُن منهم، ويقبُح منه ما يقبُح منهم، ونحن نرى كثيرًا من الأفعال تقبُح منَّا وهي حسنةٌ منه تعالى، كإيلام الأطفال والحيوان، وإهلاك من لو أهلكناه نحن لقبُح منَّا من الأموال والأنفس، وهو منه تعالى مستحسنٌ غيرُ مستقبَح، وقد سئل بعض العلماء عن ذلك (٣)، فأنشَد السَّائلَ:

стр. 1092

ويقبُح مِنْ سِواكَ الفعلُ عندي ... فتفعلُه فيحسُن منك ذاكا (١) ونحن نرى تركَ إنقاذ الغرقى والهلكى قبيحًا منَّا، وهو سبحانه إذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحًا منه، ونرى تركَ أحدنا عبيدَه وإماءه يقتلُ بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، ويفسدُ بعضهم بعضًا، وهو متمكِّنٌ من منعهم= قبيحًا، وهو سبحانه قد ترك عبادَه كذلك، وهو قادرٌ على منعهم، وهو منه حسنٌ غيرُ قبيح. وإذا كان هذا شأنه سبحانه وشأننا، فكيف يصحُّ قياسُ أفعاله على أفعالنا؟! فلا يُدْرَكُ إذَن الوجوبُ والتَّحريمُ عليه بوجه، كيف والإيجابُ والتَّحريمُ يقتضي مُوجِبًا محرِّمًا، آمرًا ناهيًا، وبينه فرقٌ وبين الذي يجبُ عليه ويحرُم. وهذا محالٌ في حقِّ الواحد القهَّار، فالإيجابُ والتَّحريمُ طلبٌ للفعل والتَّرك على سبيل الاستعلاء، فكيف يُتصَوَّرُ غائبًا؟! قالوا: وأيضًا، فلهذا الإيجاب والتَّحريم اللذَيْن زعمتم على الله لوازمُ فاسدة (٢)، يدلُّ فسادُها على فساد الملزوم: اللازم الأوَّل: إذا أوجبتم على الله تعالى رعايةَ الصَّلاح والأصلح في أفعاله، فيجبُ أن توجبوا على العبد رعايةَ الصَّلاح والأصلح أيضًا في أفعاله، حتى يصحَّ اعتبارُ الغائب بالشَّاهد، وإذا لم يجب علينا رعايتُهما بالاتفاق ــ بحسب المقدور ــ بَطَل ذلك في الغائب. ولا يصحُّ تفريقُكم بين الغائب والشَّاهد بالتَّعب والنَّصَب الذي يلحقُ

стр. 1093

الشَّاهدَ دون الغائب؛ لأنَّ ذلك لو كان فارقًا في محلِّ الإلزام لكان فارقًا في أصل الصَّلاح، فإن ثبتَ الفرقُ في صفته ومقداره ثبتَ في أصله، وإن بَطَل الفرقُ ثبتَ الإلزام المذكور. اللازم الثَّاني: أنَّ القُربات من النَّوافل صلاح، فلو كان الصَّلاحُ واجبًا وجبَ وجوبَ الفرائض. اللازم الثَّالث: أنَّ خلودَ أهل النَّار في النَّار يجبُ أن يكون صلاحًا لهم دون أن يُرَدُّوا فيُعْتِبوا ربَّهم (١) ويتوبوا إليه. ولا ينفعكم اعتذاركم عن هذا الإلزام بأنهم لو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه؛ فإنَّ هذا حقٌّ، ولكن لو أماتهم وأعدَمهم فقطع عِتابهم كان أصلحَ لهم، ولو غَفَر لهم ورحمهم وأخرجهم من النَّار كان أصلحَ لهم من إماتتهم وإعدامهم ولم يتضرَّر سبحانه بذلك. اللازم الرابع: أنَّ ما فَعَله الربُّ تعالى من الصَّلاح والأصلح، وتَرَكه من الفساد والعبَث، لو كان واجبًا عليه لما استَوجب بفعله له حمدًا وثناءً، فإنه في فعله ذلك قد قضى ما وَجَبَ عليه، وما استَوجبه العبدُ بطاعته من ثوابه؛ فإنه عندكم حقُّه الواجبُ له على ربِّه، ومن قضى دينَه لم يستوجب بقضائه شيئًا آخر. اللازم الخامس: أنَّ خلقَ إبليسَ وجنوده أصلحُ للخلق وأنفعُ لهم من أن لم يُخْلَق، مع أنَّ إقطاعَه من العباد من كلِّ ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون. اللازم السَّادس: أنه مع كون خَلْقه أصلحَ لهم وأنفعَ أن يكونَ إنظارُه إلى

стр. 1094

يوم القيامة أصلحَ لهم وأنفعَ من إهلاكه وإماتته. اللازم السَّابع: أن يكونَ تمكينُه من إغوائهم وجَرَيانه منهم مجرى الدَّم في أبشارهم أنفعَ لهم وأصلحَ لهم من أنْ يحال بينهم وبينه. اللازم الثَّامن: أن يكون إماتةُ الرُّسل (١) أصلحَ للعباد من بقائهم بين أظهرهم، مع هدايتهم لهم، وأصلحَ من أن يحال بينهم وبينها (٢). اللازم العاشر (٣): ما ألزَمه أبو الحسن الأشعريُّ للجُبَّائيِّ وقد سأله عن ثلاثة إخوةٍ أمات الله أحدَهم صغيرًا وأحيا الآخرَين، فاختار أحدُهما الإيمان والآخرُ الكفر، فرفَع درجةَ المؤمن البالغ على أخيه الصَّغير في الجنَّة لعمله، فقال أخوه: يا ربِّ لم لا تبلِّغُني منزلة أخي؟ فقال: إنه عاش وعمل أعمالًا استحقَّ بها هذه المنزلة، فقال: يا ربِّ فهلَّا أحييتني حتى أعمل مثلَ عمله! فقال: كان الأصلحُ لك أن توفَّيتُك صغيرًا؛ لأني علمتُ أنك إن بلغتَ اخترتَ الكفر، فكان الأصلحُ في حقِّك أن أمتُّك صغيرًا، فنادى أخوهما الثَّالثُ من أطباق النَّار: يا ربِّ فهلَّا عملتَ معي هذا الأصلح، واختَرمْتَني صغيرًا كما عملتَه مع أخي واخترمتَه صغيرًا؟ فأُسكِتَ الجُبَّائيُّ ولم يُجِبه بشيء (٤).

стр. 1095

فإذا عَلِمَ الله سبحانه أنه لو اختَرم العبدَ قبل البلوغ وكمال العقل لكان ناجيًا، ولو أمهَله وسهَّل له النَّظر لعَنَد وكَفَر وجَحَد، فكيف يقال: إنَّ الأصلحَ في حقِّه إبقاؤه حتى يبلُغ، والمقصودُ عندكم بالتكليف الاستصلاحُ والتَّعريض لأسنى الدَّرجات (١) التي لا تُنالُ إلا بالأعمال؟! أوليس الواحدُ منَّا إذا عَلِمَ من حال ولده أنه إذا أُعطِيَ مالًا يتَّجرُ به فهلكَ وخَسِر بسبب ذلك فإنه لا يعرِّضه لذلك، ويقبُح منه تعريضه له، وهو مِنْ ربِّ العالمين حسنٌ غيرُ قبيح؟! وكذلك من عَلِمَ من حال ولده أنه لو أعطاه سيفًا أو سلاحًا يقاتِلُ به العدوَّ، فقتل به نفسَه وأعطى السِّلاحَ لعدوِّه، فإنه يقبُح منه إعطاؤه ذلك السِّلاح، والرَّبُّ تعالى قد عَلِمَ من أكثر عباده ذلك، ولم يقبُح منه سبحانه تمكينُهم وإعطاؤهم الآلات، بل هو حسنٌ منه. كيف وقد ساعدوا على نفوسِهم بأنَّ الله سبحانه لو عَلِمَ أنه لو أرسل رسولًا إلى خلقه وكلَّفه الأداءَ عنه، مع علمه بأنه لا يؤدِّي، فإنَّ علمَه سبحانه بذلك يَصْرِفُه عن إرادة الخير والصَّلاح (٢)، وهذا بمثابة من أدلى حبلًا إلى غريقٍ ليخلِّصَ نفسَه من الغرق، مع علمه بأنه يخنُق نفسَه به. وقد ساعدوا أيضًا على نفوسِهم بأنَّ الله سبحانه إذا عَلِمَ أنَّ في تكليفه عبدًا من عباده فسادَ الجماعة فإنه يقبُح تكليفُه، لأنه استفسادٌ لمن يَعْلَمُ أنه

стр. 1096

يكفُر عند تكليفه. الإلزام الحادي عشر (١): أنهم قالوا ــ وصدَقوا ــ: إنَّ الرَّبَّ تعالى قادرٌ على التفضُّل بمثل الثَّواب ابتداءً بلا واسطة عمل، فأيُّ غَرَضٍ له في تعريض العباد للبلوى والمشاقِّ؟! ثمَّ قالوا - وكذَبوا ــ: الغرض في التكليف أنَّ استيفاء المستحِقِّ حقَّه أهنأ له وألذُّ من قبول التفضُّل واحتمال المِنَّة. وهذا كلامُ أجهل الخلق بالرَّبِّ تعالى وبحقِّه وبعظمته، ومُساوٍ بينه وبين آحاد النَّاس، وهو من أقبح التشبيه (٢) وأخبثه، تعالى الله عن ضلالهم علوًّا كبيرًا. فكيف يستنكفُ العبدُ المخلوقُ المربوبُ من قبول فضل الله تعالى ومِنَّته؟! وهل المِنَّةُ في الحقيقة إلا لله المانِّ بفضله؟! قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ولما قال النَّبيُّ ﷺ للأنصار: «ألم أجِدْكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟» أجابوه بقولِهم: الله ورسولُه أمَنُّ (٣).

стр. 1097

ويا للعقول التي قد خُسِف بها! أيُّ حقٍّ للعبد على الرَّبِّ حتى يمتنع من قبول مِنَّته عليه؟! فبأيِّ حقٍّ استحقَّ الإنعامَ عليه بالإيجاد، وكمال الخِلقة، وحُسْن الصُّورة، وقوام البِنية، وإعطائه القُوى والمنافع والآلات والأعضاء، وتسخير ما في السَّموات وما في الأرض له؟! ومِنْ أقلِّ ما له عليه من النِّعم التنفُّسُ في الهواء الذي لا يكادُ يخطُر بباله أنه من النِّعم، وهو في اليوم والليلة أربعةٌ وعشرون ألف نفَس، فإذا كانت أقلَّ نِعَمه عليهم ــ ولا أقلَّ منها ــ أربعةٌ وعشرون ألف نعمةٍ كلَّ يومٍ وليلة، فما الظَّنُّ بما هو أجلُّ منها من النِّعم؟! فيا للعقول السَّخيفة المخسوف بها! أيُّ علمٍ لكم (١) وأيُّ سعيٍ يقابلُ القليلَ من نِعَمه الدُّنيويَّة حتى لا يبقى لله عليكم منَّةٌ إذا أثابكم، لأنكم استوفيتم ديونكم قِبَله ولا نعمة له عليكم فيها؟! فأيُّ أمَّةٍ من الأمم بلغ جهلُها بالله هذا المبلغ، واستنكفَت عن قبول مِنَّته، وزعمَت أنَّ لها الحقَّ على ربها، وأنَّ تفضُّلَه عليها ومِنَّتَه مكدِّرٌ لالتذاذها بعطائه؟! ولو أنَّ العبدَ استعمل هذا الأدبَ مع ملكٍ من ملوك الدُّنيا لمَقَته وأبعَده وسَقط من عينِه، مع أنه لا نعمة له عليه في الحقيقة، إنما المنعِمُ في الحقيقة هو الله وليُّ النِّعم ومُولِيها. ولقد كشَف القومُ عن أقبح عورةٍ من عورات الجهل بهذا الرَّأي السَّخيف والمذهب القبيح، والحمدُ لله الذي عافانا مما ابتلى به أربابَ هذا المذهب، المستنكِفين من قبول مِنَّة الله، الزَّاعمين أنَّ ما أنعم الله به عليهم

стр. 1098

حقُّهم عليه وحقُّهم قِبَله، وأنه لا يستحقُّ الحمدَ والثَّناء على أداء ما عليه من الدَّين والخروج مما عليه من الحقِّ؛ لأنَّ أداء الواجب يقتضي غيره (١). تعالى الله عن إفكهم وكذبهم علوًّا كبيرًا. الإلزام الثَّاني عشر: أنه يلزمهم أن يوجبوا على الله أن يميتَ كلَّ من عَلِمَ من الأطفال أنه لو بلَغ لكفَر وعاند، فإنَّ اخترامَه هو الأصلحُ له بلا ريب. أو أن يجحَدوا علمَه سبحانه بما سيكونُ قبل كونه، كما التزمه سلفُهم الخبيث الذين اتفق سلفُ الأمَّة الطيِّبُ على تكفيرهم، ولا خلاصَ لهم عن أحد هذين الإلزامَيْن إلا بالتزام مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ أفعال الله تعالى (٢) لا تقاسُ بأفعال عباده، ولا تدخُل (٣) تحت شرائع عقولهم القاصرة، بل أفعالُه لا تُشْبِهُ أفعالَ خلقه، ولا صفاتُه صفاتِهم؛ ولا ذاتُه ذواتِهم؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. الإلزام الثَّالث عشر: أنه سبحانه لا يُؤْلِم أحدًا من خلقه أبدًا؛ لعدم المنفعة في ذلك بالنسبة إليه وإلى العبد. ولا ينفعكم اعتذارُكم بأنَّ الإيلام سببُ مضاعفة الثَّواب ونيل الدَّرجات العُلى؛ فإنَّ هذا (٤) ينتقض بالحيوان البهيم، وينتقض بالأطفال الذين لا يستحقُّون ثوابًا ولا عقابًا (٥).

стр. 1099

ولا ينفعكم اعتذارُكم بأنَّ الطِّفل ينتفعُ به بالآخرة في زيادة ثوابه؛ لانتقاضه عليكم بالطِّفل الذي عَلِمَ الله أنه يبلُغ ويختارُ الكفرَ والجحود، فأيُّ مصلحةٍ له في إيلامه؟! وأيُّ معنًى ذكرتُموه على أصولكم الفاسدة فهو منتقضٌ عليكم بما لا جوابَ لكم عنه. الإلزام الرَّابع عشر: أنَّ من عَلِمَ الله سبحانه [أنه] إذا بَلَغ [من] الأطفال يختارُ الإيمانَ والعمل الصَّالح (١)، فإنَّ الأصلحَ في حقِّه أن يُحْيِيَه حتى يبلُغ ويؤمِن، فينال بذلك الدَّرجة العالية، وأن لا يخترمه صغيرًا. وهذا مما لا جوابَ لكم عنه. الإلزام الخامس عشر: وهو مِنْ أعظم الإلزامات وأصحِّها إلزامًا؛ وقد التزمه القدريَّة، وهو أنه ليس في مقدور الله تعالى لطفٌ لو فَعَله الله تعالى بالكفَّار لآمنوا، وقد التزم المعتزلةُ القدريَّةُ هذا اللَّازم، وبنَوه على أصلهم الفاسد: أنه يجبُ على الله تعالى أن يفعل في حقِّ كلِّ عبد ما هو الأصلحُ له، فلو كان في مقدوره فعلٌ يؤمِنُ العبدُ عنده لوَجَب عليه أن يفعله به. والقرآنُ من أوَّله إلى آخره يردُّ هذا القول ويكذِّبه، ويخبرُ تعالى أنه لو شاء لهدى النَّاسَ جميعًا، ولو شاء لآمنَ من في الأرض كلُّهم جميعًا، ولو شاء لآتى كلَّ نفسٍ هُداها. الإلزام السَّادس عشر: وهو مما التزمه القومُ أيضًا؛ أنَّ لطفَه ونعمته وتوفيقَه بالمؤمن كلُطفه بالكافر، وأنَّ نعمتَه عليهما سواءٌ لم يخُصَّ المؤمنَ بفضلٍ عن الكافر!

стр. 1100

وكفى بالوحي وصريح المعقول وفطرة الله والاعتبار الصَّحيح وإجماع الأمَّة ردًّا لهذا القول وتكذيبًا له. الإلزام السَّابع عشر: أنَّ ما مِنْ أصلحَ إلا وفوقه ما هو أصلحُ منه، والاقتصار على رتبةٍ واحدةٍ (١) كالاقتصار على الصَّلاح، فلا معنى لقولكم: يجبُ مراعاة الأصلح، إذ لا نهاية له، فلا يمكنُ في العقل (٢) رعايتُه. الإلزام الثَّامن عشر: أنَّ الإيجابَ والتَّحريمَ يقتضي سؤال الموجِب المحرِّم لمن أوجَب عليه وحرَّم: هل فَعَل مقتضى ذلك أم لا؟ وهذا محالٌ في حقِّ من لا يُسْألُ عمَّا يفعل، وإنَّما يُعْقَلُ في حقِّ المخلوقين وأنهم يُسْألون. وبالجملة؛ فتحتُم بهذه المسألة طريقًا للاستغناء عن النُّبوَّات (٣)، وسلَّطتم بها الفلاسفةَ والصَّابئةَ والبَراهِمة وكُلَّ منكِرٍ للنُّبوَّات، فهذه المسألةُ بابٌ بيننا وبينهم (٤)؛ فإنكم إذا زعمتم أنَّ في العقل حاكمًا يحسِّن ويقبِّح، ويوجبُ ويحرِّم، ويتقاضى الثَّوابَ والعقاب، لم تكن الحاجةُ إلى البعثة ضروريَّة، لإمكان الاستغناء عنها بهذا الحاكم. ولهذا قالت الفلاسفةُ ــ وزادت عليكم حجَّةً وتقريرًا ــ: قد اشتمل الوجودُ على خيرٍ مطلق، وشرٍّ مطلق، وخيرٍ وشرٍّ ممتزجَيْن (٥)، والخيرُ

стр. 1101

المطلقُ مطلوبٌ في العقل لذاته، والشرُّ المطلقُ مرفوضٌ في العقل لذاته (١)، والممتزجُ مطلوبٌ من وجهٍ ومرفوضٌ من وجه، وهو بحسب الغالب من جهته. ولا يشكُّ العاقلُ أنَّ العلمَ بجنسه ونوعه خيرٌ ومحمودٌ ومطلوب، والجهلَ بجنسه ونوعه شرٌّ في العقل (٢)، فهو مستقبَحٌ عند الجمهور، والفِطرُ السَّليمةُ داعيةٌ إلى تحصيل المستحسَن ورفض المستقبَح، سواءٌ حَمَله عليه شارعٌ أو لم يحمله. ثمَّ الأخلاقُ الحميدةُ والخِصالُ الرَّشيدةُ من العِفَّة والجود والسَّخاء (٣) والنَّجدة مستحسَناتٌ فعليَّة، وأضدادُها مستقبَحاتٌ فعليَّة (٤)، وكمالُ حال الإنسان أن تستكمِل النَّفسُ قُوى العلم الحقِّ والعمل الخير. والشرائعُ إنما تَرِدُ بتمهيد ما تقرَّر في العقل لا بتغييره، لكنَّ العقول الجزئيَّة (٥) لما كانت قاصرةً عن اكتساب المعقولات بأسْرِها، عاجزةً (٦)

стр. 1102

عن الاهتداء إلى المصلحة الكليَّة الشاملة لنوع الإنسان= وَجَبَ مِنْ حيث الحكمة أن يكونَ بين النَّاس شرعٌ يفرضُه شارعٌ يحمِلُهم على الإيمان بالغيب جملة (١)، ويهديهم إلى مصالح معاشهم ومعادهم تفصيلًا؛ فيكونُ قد جمَع لهم بين حظَّي العلم والعمل (٢) على مقتضى العقل، وحمَلهم على التَّوجُّه إلى الخير المحض، والإعراض عن الشرِّ المحض؛ استبقاءً لنوعِهم، واستدامةً لنظام العالم. ثمَّ ذاك الشارع (٣) يجبُ أن يكون مميَّزًا من بينِهم بآياتٍ تدلُّ على أنها من عند ربِّه سبحانه، راجحًا عليهم بعقله الرَّزين، ورأيه المتين، وحَدْسِه النَّافذ (٤)، وخلقه الحسن، وسَمْته وهَدْيه، يَلِينُ لهم في القول، ويشاورُهم في الأمر، ويكلِّمهم على قَدر عقولهم، ويكلِّفهم بحسب وُسْعِهم وطاقتهم. قالوا (٥): وقد أخطأت المعتزلةُ حين ردُّوا الحُسْنَ والقُبحَ إلى الصِّفات الذَّاتية للأفعال، وكان من حقِّهم تقريرُ ذلك في العلم والجهل، إذ الأفعالُ تختلفُ بالأشخاص والأزمان وسائر الإضافات، وليست هي على صفاتٍ نفسيَّةٍ لازمةٍ لها بحيث لا تفارقها البتَّة.

стр. 1103

ثمَّ زادت الصَّابئةُ (١) في ذلك على الفلاسفة، وقالوا: لما كانت الموجوداتُ في العالم السُّفليِّ مركَّبةً (٢) على تأثير الكواكب والرُّوحانيَّات (٣) التي هي مدبِّراتُ الكواكب، وكان في اتصالاتها نظرُ سعدٍ (٤) ونَحْس، وَجَبَ أن يكونَ في آثارها حُسْنٌ وقُبحٌ في الأخلاق والخَلق والأفعال. والعقولُ الإنسانيةُ متساويةٌ في النَّوع، فوَجَبَ أن يدركها كلُّ عقلٍ سليمٍ وطبعٍ قَوِيم، ولا تتوقَّفُ معرفةُ المعقولات على من هو مثلُ ذلك العاقل في النَّوع، فنحن لا نحتاجُ إلى من يُعَرِّفُنا حُسْنَ الأشياء وقُبحَها، وخيرَها وشرَّها، ونفعَها وضرَّها، وكما أنَّا نستخرجُ بالعقول من طبائع الأشياء منافعَها ومضارَّها، كذلك نستنبطُ من أفعال نوع الإنسان (٥) حَسَنَها وقبيحَها، فنُلابِسُ ما هو حَسَنٌ منها (٦) بحسب الاستطاعة، ونجتنبُ ما هو قبيحٌ منها بحسب الطَّاقة، فأيُّ حاجةٍ بنا إلى شارعٍ يتحكَّمُ على عقولنا؟!

стр. 1104

وزادت التَّناسُخيَّةُ (١) على الصَّابئة بأن قالوا: نوعُ الإنسان لمَّا كان موصوفًا بنوع اختيارٍ في أفعاله، مخصوصًا بنُطقٍ وعقلٍ في علومه وأحواله؛ ارتفَع عن الدَّرجة الحيوانية ارتفاعَ اسْتِسْخارٍ لها (٢)، فإن كانت أعمالُه على مناهج الدَّرجة الإنسانية ارتفعَت إلى الملائكة (٣)، وإن كانت على مناهج الدَّرجة الحيوانية انخفضت إليها أو إلى أسفل، وهو أبدًا في أحد أمرين: إمَّا فعلٍ يقتضي جزاءً (٤)، أو مجازاةٍ على فِعل، فما باله يحتاجُ في أفعاله وأحواله إلى شخصٍ مثله يحسِّنُ أو يقبِّح؟! فلا العقلُ يحسِّنُ ويقبِّحُ، ولا الشَّرع، ولكنْ حُسْنُ أفعاله جزاءٌ على حُسْن أفعال غيره، وقُبح أفعاله كذلك، وربَّما يَظْهَرُ (٥) حُسْنُها وقبحُها صُورًا حيوانيةً روحانية (٦)، وربَّما يصيرُ (٧) الحُسْن والقُبح في الحيوانات أفعالًا إنسانية، وليس بعد هذا العالم عالمٌ آخر (٨) يُحْكَمُ فيه ويحاسَبُ ويثابُ ويعاقَب.

стр. 1105

وزادت البَراهِمَةُ (١) على التَّناسُخية بأن قالوا: نحن لا نحتاجُ إلى شريعةٍ وشارعٍ أصلًا؛ فإنَّ ما يأمرُ به النَّبيُّ لا يخلو إمَّا أن يكون معقولًا أو غيرَ معقول، فإن كان معقولًا فقد استُغْنِي بالعقل عن النَّبيِّ، وإن لم يكن معقولًا لم يكن مقبولًا (٢). فهذه الطَّوائفُ كلُّها لما جعلت في العقل حاكمًا بالحُسْن والقُبح أدَّاها إلى هذه الآراء الباطلة والنِّحَل الكافرة، وأنتم يا معاشِرَ المُثْبِتة (٣) يصعُب عليكم الرَّدُّ عليهم وقد وافقتموهم على هذا الأصل، وأمَّا نحنُ فأخَذنا عليهم رأسَ الطَّريق، وسَدَدنا عليهم الأبواب، فمَن طرَّق لهم الطَّريق، وفتح لهم الأبواب، ثمَّ رام مُناجَزة القوم، فقد رام مرتقًى صعبًا. فهذه مَجامعُ جيوش النُّفاة قد وافَتك بعَدَدها وعُدَدها، وأقبلَت إليك بحَدِّها وحَدِيدها، فإن كنتَ من أبناء الطَّعن والضَّرب فقد التقى الزَّحفان، وتقابَل الصَّفَّان، وإن كنتَ من أصحاب التُّلول (٤) فالزَم مقامَك، ولا تَدْنُ من الوطيس فإنه قد حَمِي، وإن كنتَ من أهل الأسراب (٥) الذين يسألونَ عن الأنباء ولا يثبُتون عند اللقاء:

стр. 1106

فَدَع الحُروبَ لأقوامٍ لها خُلِقوا ... وما لها مِنْ سوى أجسامِهم جُنَنُ ولا تَلُمْهُم على ما فيكَ مِنْ جُبُنٍ ... فبِئسَتِ الخَلَّتانِ اللُّؤمُ والجُبُنُ (١) قال المتوسِّطون من أهل الإثبات: ما منكم أيها الفريقان إلا من معه حقٌّ وباطل، ونحن نُساعِدُ كلَّ فريقٍ على حقِّه ونصيرُ له، ونُبْطِلُ ما معه من الباطل ونردُّه عليه؛ فنجعلُ حقَّ الطَّائفتين مذهبًا ثالثًا يخرُج من بين فَرْثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، من غير أن ننتسبَ (٢) إلى ذي مقالةٍ وطائفةٍ معيَّنةٍ انتسابًا يحمِلُنا على قبول جميع أقوالها (٣)، والانتصار لها بكلِّ غثٍّ وسمين، وردِّ جميع أقوال خصومها ومكابرتها (٤) على ما معها من الحقِّ، حتى لو كانت تلك الأقوالُ منسوبةً إلى رئيسِها وطائفتِها لبالغَت في نصرتها وتقريرها، وهذه آفةٌ ما نجا منها إلا من أنعَم الله عليه وأهَّله لمتابعة الحقِّ أين كان ومع من كان، وأمَّا من يرى أنَّ الحقَّ وقفٌ مؤبَّدٌ على طائفته وأهل مذهبه، وحِجْرٌ محجورٌ على من سواهم ممَّن لعلَّه أقربُ إلى الحقِّ والصَّواب منه، فقد حُرِم خيرًا كثيرًا، وفاته هدًى عظيم. قالوا: وها نحن (٥) نجلسُ مجلسَ الحكومة بين هاتين المقالتين، فمن أدلى بحجَّته في موضعٍ كان المحكومَ له في ذلك الموضع، وإن كان المحكومَ عليه حيث يُدْلي خصمُه بحجَّته.

стр. 1107

والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ (١) والعدل بين الطَّوائف المختلفة، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٥]. فأخبَر تعالى أنه شَرع لنا دينَه الذي وصَّى به نوحًا والنَّبيِّين من بعده، وهو دينٌ واحد، ونهانا عن التفرُّق فيه (٢)، ثمَّ أخبَرنا أنه ما تفرَّق مَنْ قبلنا في الدِّين إلا بعد العلم الموجِب للاتفاق (٣) وعدم التفرُّق، وأنَّ الحامل على ذلك التفرُّق البغيُ من بعضهم على بعض، وإرادةُ كلِّ طائفةٍ أن يكون العلوُّ والظُّهورُ لها ولقولها دون غيرها. وإذا تأمَّلتَ تفرُّق أهل البدع والضَّلال رأيتَه صادرًا عن هذا بعَيْنه. ثمَّ أمر سبحانه نبيَّه أن يدعو إلى دينه الذي شرعَه لأنبيائه، وأن يستقيمَ كما أمره ربُّه، وحذَّره من اتِّباع أهواء المتفرِّقين، وأمره أن يؤمنَ بكلِّ ما أنزله

стр. 1108

الله من الكتب. وهذه حالُ المُحِقِّ؛ أن يؤمنَ بكلِّ ما جاءه من الحقِّ على لسان أيِّ طائفةٍ كانت. ثمَّ أمره أن يخبرهم بأنه أُمِرَ بالعدل بينهم، وهذا يَعُمُّ العدلَ في الأقوال والأفعال والآراء والمحاكمات، فنَصَبَه ربُّه ومُرْسِلُه للعدل بين الأمم. فهكذا وارثُه ينتصبُ للعدل بين المقالات والآراء والمذاهب، ونسبته (١) منها إلى القَدْر المشتَرك بينها من الحقِّ فهو أولى به وبتقريره والحُكم لمن خاصمَ به. ثمَّ أمره أن يخبرهم بأنَّ الرَّبَّ المعبود واحد، فما الحاملُ للتفرُّق والاختلاف، وهو ربُّنا وربُّكم، والدِّينُ واحد، ولكلِّ عاملٍ عملُه لا يَعْدُوه إلى غيره؟! ثمَّ قال: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ والحجَّةُ هاهنا هي الخصومة، أي: لا خصومة، ولا وجه لخصومةٍ بيننا وبينكم بعد ما ظهرَ الحقُّ وأسفَر صبحُه، وبانت أعلامُه، وانكشفت الغمَّةُ عنه. وليس المرادُ نفيَ الاحتجاج من الطَّرفين، كما يظنُّه بعض من لا يدري ما يقول، وأنَّ الدِّين لا احتجاجَ فيه. كيف، والقرآنُ من أوَّله إلى آخره حُجَجٌ وبراهينُ على أهل الباطل قطعيَّةٌ يقينيَّة، وأجوبةٌ لمعارضاتهم وإفسادٌ لأقوالهم بأنواع الحُجَج والبراهين، وإخبارٌ (٢) عن أنبيائه ورسله بإقامة

стр. 1109

الحُجَج والبراهين، وأمرٌ لرسوله بمجادلة المخالفين بالتي هي أحسن، وهل تكونُ المجادلةُ إلا بالاحتجاج وإفساد حُجَج الخصم؟! وكذلك أمَر المسلمينَ بمجادلة أهل الكتابِ بالتي هي أحسن، وقد ناظر النَّبيُّ ﷺ جميعَ طوائف الكفر أتمَّ مُناظرة، وأقام عليهم ما أفحَم به (١) من الحُجَج، حتى عَدَل بعضهم إلى محاربته بعد أن عجَز عن ردِّ قوله وكَسْر حجَّته، واختار بعضُهم مسالمَته ومتاركَته، وبعضُهم بذَل الجزيةَ عن يدٍ وهو صاغر، كلُّ ذلك بعد إقامة الحُجَج عليهم، وأخْذِها بكَظَمِهم (٢)، وأسْرِها لنفوسهم، وما استجاب له من استجاب إلا بعد أن وضحَت له الحجَّة، ولم يجد إلى ردِّها سبيلًا، وما خالفه أعداؤه إلا عنادًا منهم وميلًا إلى المكابرة، بعد اعترافهم بصحَّة حُجَجه، وأنها لا تُدْفَع؛ فما قام الدِّينُ إلا على ساق الحجَّة (٣). فقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي: لا خصومة؛ فإنَّ الرَّبَّ واحد، فلا وجه للخصومة فيه، ودينُه واحد، وقد قامت الحجَّةُ وتحقَّق البرهان، فلم يَبْق للاحتجاج والمخاصَمة فائدة، فإنَّ فائدة الاحتجاج ظهورُ الحقِّ ليتَّبع، فإذا ظهر وعانده المخالفُ وترَكه جحودًا وعنادًا لم يَبْق للاحتجاج فائدة، فلا حجَّة بيننا وبينكم أيها الكفَّار، فقد وضحَ الحقُّ واستبان، ولم يَبْق إلا الإقرارُ به أو العناد، والله يجمعُ بيننا يوم القيامة فيقضي للمُحِقِّ على المُبْطِل، وإليه المصير.

стр. 1110

قالوا: وها نحنُ نتحرَّى القِسْط بين الفريقين، عملًا بقوله ﷺ : «المُقْسِطون عند الله يوم القيامة على منابرَ مِنْ نور، عن يمين الرَّحمن، الذين يَعْدِلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا» (١). ويكفي في هذا قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. قالوا: قد أصاب أهلُ الإثبات من المعتزلة في قولهم: إنَّ الحُسْن والقُبحَ صفاتٌ ثبوتيةٌ للأفعال، معلومةٌ بالعقل والشَّرع، وأنَّ الشَّرع جاء بتقرير ما هو مستقرٌّ في الفِطر والعقول، مِنْ تحسين الحسَن والأمر به، وتقبيح القبيح والنهي عنه، وأنه لم يجِاء بما يخالفُ العقلَ والفطرة، وإن جاء بما تَعْجَزُ العقولُ عن إدراكه (٢) والاستقلال به؛ فالشرائعُ جاءت بمَحَارات العقول لا مُحَالاتها (٣)، وفرقٌ بين ما لا تُدْرِكُ العقولُ حُسْنَه وبينَ ما تَشْهَدُ بقُبْحِه، فالأوَّلُ مما يأتي به الرُّسلُ دون الثَّاني. وأخطؤوا في ترتيب العقاب على هذا القبيح عقلًا، كما تقدَّم. وأصابوا في إثبات الحكمة لله تعالى، وأنه سبحانه لا يفعلُ فعلًا خاليًا

стр. 1111

عن الحكمة، بل كلُّ أفعاله مقصودةٌ لعواقبها الحميدة، وغاياتها المحبوبة له. وأخطؤوا في موضعين: أحدهما: أنهم أعادوا تلك الحكمة إلى المخلوق، ولم يعيدوها إلى الخالق سبحانه، على فاسد أصولهم في نفي قيام الصِّفات به، فنفَوا الحكمةَ من حيث أثبتوها، وجَحَدوها من حيث أقرُّوا بها. الموضع الثَّاني: أنهم وضعوا لتلك الحكمة شريعةً بعقولهم، وأوجبوا على الرَّبِّ تعالى بها وحرَّموا، وشبَّهوه بخلقه في أفعاله، بحيث ما حَسُنَ منهم حَسُنَ منه، وما قَبُحَ منهم قَبُحَ منه، فلَزِمَتْهم بذلك (١) اللوازمُ الشَّنيعة، وضاق عليهم المجال، وعَجَزوا عن التَّخلُّص عن تلك الإلزامات (٢)، ولو أنهم أثبتوا له حكمةً تليقُ به لا يُشْبِهُ خلقَه فيها، بل نسبتُها إليه كنسبة صفاته إلى ذاته، فكما أنه لا يُشْبِهُ خلقَه في صفاته فكذلك في أفعاله (٣)، ولا يصحُّ الاستدلالُ بقُبح القبيحِ وحُسْن الحسَن منهم على ثبوت ذلك في حقِّه تعالى. ومِنْ هاهنا استطال عليهم النُّفاة، وصاحوا عليهم مِنْ كلِّ قُطر، وأقاموا عليهم ثائرةَ الشناعة (٤).

стр. 1112

وأصابوا ــ أيضًا ــ في قولهم بأنَّ الربَّ تعالى لا يمتنعُ في نفسه الوجوبُ والتَّحريم. وأخطؤوا في جَعْل ذلك تابعًا لمقتضى عقولهم وآرائهم، بل يجبُ عليه ما أوجبه على نفسه، ويحرُم عليه ما حرَّمه هو على نفسه، فهو الذي كتبَ على نفسه الرَّحمة، وأحقَّ على نفسه نصرَ المؤمنين، وأحقَّ على نفسه ثوابَ المطيعين، وحرَّم على نفسه الظُّلم، كما جعله محرَّمًا بين عباده. وأصابوا في قولهم: إنه سبحانه لا يحبُّ الشرَّ والكفرَ وأنواع الفساد، بل يكرهها، وأنه يحبُّ الإيمانَ والخير والبرَّ والطَّاعة. ولكن أخطؤوا في تفسير هذه المحبة والكراهة بمجرَّدِ معانٍ مفهومةٍ من ألفاظٍ خَلَقها في الهواء أو في الشَّجرة، ولم يجعلوها صفاتٍ قائمةً (١) به تعالى، على فاسد أصولهم في التَّعطيل ونفي الصِّفات، فنفَوا المحبةَ والكراهةَ من حيث أثبتوها، وأعادوها إلى مجرَّد الشَّرع، ولم يثبتوا لها حقيقةً قائمةً بذاته؛ فإنَّ شرع الله هو أمرُه ونهيُه، ولم يقُم به عندهم أمرٌ ولا نهي؛ فحقيقةُ قولهم أنه لا شَرْع ولا محبة ولا كراهة، وإن زخرفوا القول (٢) وتحيَّلوا لإثبات ما سَدُّوا على نفوسهم طريقَ إثباته. وأصابوا ــ أيضًا ــ في قولهم: إنَّ مصلحة المأمور تنشأ من الفعل تارةً، ومن الأمر أخرى، فرُبَّ فعلٍ لم يكن مَنْشَأً لمصلحة المكلَّف، فلما أُمِرَ به صار مَنْشَأً لمصلحته بالأمر.

стр. 1113

ولو توسَّطوا هذا التَّوسُّط، وسلكوا هذا المسلك، وقالوا: إنَّ المصلحة تنشأ من الفعل المأمور به تارةً، ومن الأمر تارةً، ومنهما تارةً، ومن العزم المجرَّد تارةً؛ لانتصَفوا مِنْ خصومهم. فمثال الأوَّل: الصِّدق، والعِفَّة، والإحسان، والعدل؛ فإنَّ مصالحها ناشئةٌ منها. ومثال الثَّاني: التَّجرُّد في الإحرام، والتَّطهُّر بالتُّراب، والسَّعيُ بين الصَّفا والمروة، ورميُ الجمار، ونحو ذلك؛ فإنَّ هذه الأفعال لو تجرَّدت عن الأمر لم تكن مَنْشَأً لمصلحة، فلما أُمِرَ بها نشأت مصلحتُها من نفس الأمر. ومثال الثَّالث: الصَّوم، والصَّلاة، والحجُّ، وإقامةُ الحدود، وأكثر الأحكام الشرعيَّة؛ فإنَّ مصلحتَها ناشئةٌ من الفعل والأمر معًا، فالفعلُ يتضمَّنُ مصلحةً والأمرُ به يتضمَّنُ مصلحةً أخرى، فالمصلحةُ فيها مِنْ وجهين. ومثال الرَّابع: أمرُ الله تعالى خليلَه إبراهيمَ بذبح ولده؛ فإنَّ المصلحة إنما نَشَأت مِنْ عزمِه على المأمور به، لا من نفس الفعل، وكذلك أمرُه نبيَّه ﷺ ليلة الإسراء بخمسين صلاة (١). فلما حَصَرتم المصلحة في الفعل وحده تسلَّط عليكم خصومُكم بأنواع المناقَضات والإلزامات. قالوا: وقد أصابَ النُّفاةُ حيث قالوا: إنَّ الحجَّة إنما تقوم على العباد بالرِّسالة، وأنَّ الله لا يعذِّبهم قبل البعثة، ولكنهم نَقَضوا الأصل ولم يَطْرُدوه،

стр. 1114

حيث جوَّزوا تعذيبَ من لم تقُم عليه الحجَّةُ أصلًا من الأطفال والمجانين ومن لم تبلُغه الدَّعوة. وأخطؤوا في تسويتهم بين الأفعال التي خالفَ الله بينها فجَعَل بعضها حسنًا وبعضها قبيحًا، وركَّب في العقول والفِطر التَّفرِقة بينهما كما ركَّب في الحواسِّ التَّفرِقة بين الحُلو والحامض، والمُرِّ والعَذْب، والسُّخن والبارد، والضَّارِّ والنَّافع. فزَعَمَ النُّفاةُ أنه لا فرق في نفس الأمر أصلًا بين فعلٍ وفعلٍ في الحُسْن والقُبح، وإنما يعودُ الفرقُ (١) إلى عادةٍ مجرَّدةٍ أو وَهمٍ أو خيالٍ أو مجرَّد الأمر والنهي، وسَلَبوا الأفعالَ خواصَّها التي جعلها الله عليها من الحُسْن والقُبْح. فخالفوا الفِطر والعقول، وسلَّطوا عليهم خصومَهم بأنواع الإلزامات والمناقَضات الشنيعة جدًّا، ولم يجدُوا إلى ردِّها سبيلًا إلا بالعناد وجَحْدِ الضرورة. وأصابوا في نفيهم الإيجابَ والتَّحريمَ على الله الذي أثبتته القَدَرِيَّةُ من المعتزلة، ووضعوا على الله شريعةً بعقولهم قادتْهم إلى ما لا قِبَل لهم به من اللوازم الباطلة. وأخطؤوا في نفيهم عنه إيجابَ ما أوجبه على نفسه، وتحريمَ ما حرَّمه على نفسه بمقتضى حكمته وعدله وعزَّته وعلمه. وأخطؤوا ــ أيضًا ــ في نفيهم حكمتَه تعالى في خلقه وأمره، وأنه لا

стр. 1115

يفعلُ شيئًا لشيء (١)، ولا يأمرُ بشيءٍ لشيء، وفي إنكارهم الأسبابَ والقُوى التي أودعها اللهُ في الأعيان والأعمال، وجَعْلِهم كلَّ لامٍ دَخَلت في القرآن لتعليل أفعاله وأوامره لامَ عاقبة، وكلَّ باءٍ دَخَلت لرَبْطِ المسبَّب بسببه باءَ مصاحَبة. فنفَوا الحِكَم والغايات المطلوبة في أوامره وأفعاله، وردُّوها إلى العلم والقدرة، فجَعَلوا مطابقةَ المعلوم للعلم ووقوعَ المقدور على وَفْقِ القدرة هو الحكمة، ومعلومٌ أنَّ وقوعَ المقدور بالقدرة ومطابقةَ المعلوم للعلم غيرُ الحكمة (٢) والغايات المطلوبة من الفعل، وتعلُّقُ القدرة بمقدورها والعلم بمعلومه أعمُّ من كون المعلوم والمقدور مشتملًا على حكمةٍ ومصلحةٍ أو مجرَّدًا عن ذلك، والأعمُّ لا يُشْعِرُ بالأخصِّ ولا يستلزمه، وهل هذا في الحقيقة إلا نفيٌ للحكمة وإثباتٌ لأمرٍ آخر؟! وأخطؤوا ــ أيضًا ــ في تسويتهم بين المحبة والمشيئة، وأنَّ كلَّ ما شاءه الله من الأفعال والأعيان فقد أحبَّه ورَضِيَه، وما لم يَشَأه فقد كَرِهَه وأبغضه، فمحبتُه مشيئتُه وإرادتُه العامة، وكراهتُه وبغضه عدمُ مشيئته وإرادته. فلَزِمَهم من ذلك أن يكون إبليسُ محبوبًا له، وفرعونُ وهامانُ وجميعُ الشياطين والكفَّار، بل أن يكون الكفرُ والفسوقُ والظُّلمُ والعدوانُ الواقعةُ في العالم محبوبةً له مَرْضِيَّة، وأن يكون الإيمانُ والهدى ووفاءُ العهد (٣) والبِرُّ ــ التي لم توجد من النَّاس ــ مكروهةً مسخوطةً له، ممقوتةً عنده!

стр. 1116

فسوَّوا بين الأفعال التي فاوَتَ الله بينها، وسوَّوا بين [المشيئة] المتعلِّقة بتكوينها وإيجادها والمحبة المتعلِّقة بالرِّضا بها واختيارها، وهذا مما استطال به عليهم خصومُهم، كما استطالوا هم عليهم حيث أخرجوها عن مشيئة الله وإرادته العامَّة، ونفَوا تعلُّق قدرته وخَلْقِه بها. فاستطال كلٌّ من الفريقين على الآخر بسبب ما معهم من الباطل، وهدى الله أهلَ السُّنَّة الذين هم وَسَطٌ في المقالات والنِّحَل لما اختلف الفريقان فيه من الحقِّ بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. فالقَدَرِيَّةُ حَجَرُوا على الله وألزموه شريعةً حرَّموا عليه الخروجَ عنها، وخصومُهم من الجبريَّة جوَّزوا عليه كلَّ فعلٍ ممكنٍ يتنزَّه عنه سبحانه، إذ لا يَلِيقُ بغِناهُ وحمدِه (١) وكماله ما نزَّه نفسَه عنه وحَمِدَ نفسَه بأنه لا يفعلُه. فالطَّائفتان متقابلتان غايةَ التقابل. والقَدَريَّةُ أثبتوا له حكمةً وغايةً مطلوبةً من أفعاله على حسب ما أثبتوه لخلقه، والجبريَّةُ نفَوا حكمتَه اللائقةَ به التي لا يشابهه فيها أحد. والقَدَرِيَّةُ قالت: إنه لا يريدُ من عباده طاعتَهم وإيمانهم، وإنه لا يشاء (٢) ذلك منهم، والجبريَّةُ قالت: إنه يحبُّ الكفرَ والفسوق والعصيان ويرضاه مِنْ فاعله. والقَدَرِيَّةُ قالت: إنه يجبُ عليه سبحانه أن يفعل بكلِّ شخصٍ ما هو الأصلحُ له، والجبريَّةُ قالت: إنه يجوزُ أن يعذِّب أولياءه وأهلَ طاعته ومن لم

стр. 1117

يَعْصِه قطُّ، وينعِّمَ أعداءه ومن كفَر به وأشرَك، ولا فرق عنده بين هذا وهذا (١)! فلْيَعْجَب العاقلُ من هذا التَّقابل والتَّباعُد الذي يزعُم كلُّ فريقٍ أنَّ قولهم هو محض العقل (٢)، وما خالفه باطلٌ بصريح العقل! وكذلك القَدَرِيَّةُ قالت: إنه ألقى إلى عباده زمام الاختيار، وفوَّض إليهم المشيئة والإرادة، وإنه لم يخُصَّ أحدًا منهم دون أحدٍ بتوفيقٍ ولا لُطفٍ ولا هداية، بل ساوى بينهم في مقدوره، ولو قَدَرَ أن يهدي أحدًا ولم يهده كان بُخْلًا، وإنه لا يهدي أحدًا ولا يضلُّه إلا بمعنى البيان والإرشاد، وأمَّا خَلْقُ الهدى والضَّلال فهو إليهم ليس إليه. وقالت الجبريَّة: إنه سبحانه أجبَر عبادَه على أفعالهم. بل قالوا: إنَّ أفعالهم هي نفسُ أفعاله، ولا فِعْلَ لهم في الحقيقة ولا قدرة ولا اختيار ولا مشيئة، وإنما يعذِّبهم على ما فَعَلَه هو لا على ما فعلوه، ونسبةُ أفعالهم إليه كنسبة حركات الأشجار (٣) والمياه والجمادات. فالقَدَريَّةُ سَلَبوه قدرتَه على أفعال العباد ومشيئته لها، والجبريَّةُ جعلوا أفعالَ العباد نفسَ أفعاله، وأنهم ليسوا فاعلينَ لها في الحقيقة، ولا قادرين عليها. فالقَدَرِيَّةُ سَلَبَته كمالَ مُلكِه، والجبريَّةُ سَلَبَته كمالَ حكمته، والطَّائفتان سَلَبَته كمالَ حمدِه.

стр. 1118

وأهلُ السُّنَّة الوسطُ أثبتوا كمالَ الملك والحمد والحكمة؛ فوصفوه بالقدرة التَّامَّة على كلِّ شيءٍ من الأعيان وأفعال العباد وغيرهم، وأثبتوا له الحكمةَ التَّامَّة في جميع خلقه وأمره، وأثبتوا له الحمدَ كلَّه في جميع ما خلقه وأمر به، ونزَّهوه عن دخوله تحت شريعةٍ يضعُها العبادُ بآرائهم، كما نزَّهوه عمَّا نزَّه نفسَه عنه مما لا يليقُ به؛ فاستولوا على محاسن المذاهب، وتجنَّبوا أردأها، ففازوا بالقِدْح المُعَلَّى، وغيرُهم طافَ على أبواب المذاهب ففاز بأخسِّ المطالب، والهدى هدى الله (١) يختصُّ به من يشاء من عباده. فصل إذا عرفتَ هذه المقدِّمة، فالكلام على كلمات النُّفاة من وجوه: أحدها: قولكم: «لو قدَّر الإنسانُ نفسَه وقد خُلِقَ تامَّ الخِلقة، تامَّ العقل، دفعةً [واحدةً]، مِنْ غير تأدُّبٍ بتأديب الأبوين ولا تعلُّمٍ من معلِّم، ثمَّ عُرِض عليه أمران: أحدهما: أنَّ الواحدَ أكثرُ من الاثنين، والآخر: أنَّ الكذبَ قبيح، لم يتوقَّف في الأوَّل، ويتوقَّفُ في الثَّاني» (٢) = تقديرٌ مستحيل (٣)، ركَّبتم عليه غيرَ معلوم الصحَّة؛ فإنَّ تقديرَ الإنسان كذلك محال. الوجه الثَّاني: سلَّمنا إمكانَ التَّقدير، لكن لِمَ قلتم بأنه لا يتوقَّفُ في كون الواحد نصفَ الاثنين، ويتوقَّفُ في كون الكذب قبيحًا بعد تصوُّر حقيقته؟ فلا نسلِّم أنه إذا تصوَّر ماهيَّةَ الكذب توقَّف في الجزم بقُبْحِه، وهل هذا إلا دعوى مجرَّدة؟!

стр. 1119

الوجه الثَّالث: سلَّمنا أنه قد يتوقَّفُ في الحكم بقُبْحِه، ولكن لا يلزمُ من ذلك أن لا يكونَ قبيحًا لذاته، وقُبْحُه معلومٌ للعقل، وتوقُّفُ الذِّهن في الحكم العقليِّ لا يخرجُه عن كونه عقليًّا، ولا يجبُ التَّساوي في العقليَّات؛ إذ بعضها أجلى من بعض. فإن قلتم: فهذا التَّوقُّفُ ينفي أن يكونَ الحكمُ بقُبْحِه ضروريًّا، وهو يُبْطِلُ قولَكم. قلنا: هذا إنما لَزِم من التقدير المستحيل في الواقع، والمحالُ قد يَلْزَمه محالٌ آخر. سلَّمنا أنه ينفي كونَ الحكم بقُبْحِه ضروريًّا ابتداءً، فلِمَ قلتم: إنه لا يكونُ ضروريًّا بعدَ التأمُّل والنَّظر؟ والضروريُّ أعمُّ من كونه ضروريًّا ابتداءً بلا واسطةٍ أو ضروريًّا بواسطة، ونفيُ الأخصِّ لا يستلزمُ نفيَ الأعمِّ، ومن ادَّعى سَلْبَ الوسائط عن الضروريَّات فقد كابَر، أو اصطَلحَ مع نفسه على تسمية الضروريَّات بما لا يتوقَّفُ على واسطة! الوجه الرَّابع: أن تصوُّر ماهيَّة الكذب يقتضي جَزْمَ العقل بقُبْحِه، ونسبةُ الكذب إلى العقل (١) كنسبة المتنافرات الحِسِّيَّة إلى الحِسِّ، فكما أنَّ إدراك الحواسِّ المتنافرات يقتضي نُفْرَتها عنها، فكذلك إدراكُ العقل لحقيقة الكذب، ولا فرق بينهما إلا فرقُ ما بين إدراك الحِسِّ وإدراك العقل، فإن جاز القدحُ في مُدْرَكات العقول وحُكمها فيها بالحُسْن والقُبْح جاز القدحُ في مُدْرَكات الحواسِّ.

стр. 1120

الوجه الخامس: أنكم فتحتم بابَ السَّفْسَطة (١)؛ فإنَّ القدحَ في معلومات العقول ومُوجَباتها كالقدح في مُدْرَكات الحواسِّ ومُوجَباتها، فمن لجأ إلى المكابرة في المعقولات فقد فَتَحَ بابَ المكابرة في المحسوسات. ولهذا كانت السَّفْسَطةُ حالًا تَعْرِض في هذا وهذا، وليست مذهبًا لأمَّةٍ من النَّاس يعيشون عليه كما يظنُّه بعض أهل المقالات (٢)، ولا يمكنُ أن تعيش أمَّةٌ ولا أحدٌ على ذلك، ولا تتمُّ له مصلحة، وإنما هي حالٌ عارضةٌ لكثيرٍ من النَّاس، وهي تكثُر وتقلُّ، وما مِنْ صاحب مذهبٍ باطلٍ إلا وهو مرتكبٌ للسَّفْسَطة شاء أم أبى، وسنذكرُ إن شاء الله فصلًا فيما بعدُ نبيِّن فيه أنَّ جميعَ أرباب المذاهب الباطلة سُوفسطائيَّة؛ صريحًا ولزومًا، قريبًا وبعيدًا (٣). الوجه السَّادس: قولكم: «من حكمَ بأنَّ هذين الأمرين سِيَّان بالنسبة إلى عقله خَرَجَ عن قضايا العقول» (٤). جوابه: أنكم إن أردتم بالتَّسوية كونَهما معقولان (٥) في الجملة، فمِنْ

стр. 1121

أين يخرُج عن قضايا العقول من حَكَمَ بذلك؟ وهل الخارجُ في الحقيقة عنها إلا من مَنَعَ هذا الحكم؟ وإن أردتم بالتَّسوية الاستواءَ في الإدراك، وأنَّ كليهما على رتبةٍ واحدةٍ من الضرورة، فلا يلزمُ مِنْ عَدَم هذا الاستواء أن لا يكون العلمُ بقُبْح الكذب عقليًّا. الوجه السَّابع: قولكم: «لو تقرَّر عند المُثْبِت أنَّ الله تعالى لا يتضرَّر بكذبٍ ولا ينتفعُ بصدقٍ كان الأمران في حُكم التكليف على وتيرةٍ واحدة» (١) كلامٌ لا يرتضيه عاقل؛ فإنَّ من المتقرِّر أنَّ الله تعالى لا يتضرَّرُ بكذبٍ ولا ينتفعُ بصدق، وإنما يعودُ نفعُ الصِّدق وضررُ الكذب على المكلَّف، ولكن ليتَ شعري مِنْ أين يلزمُ أن يكون هذان الضِّدَّان بالنسبة إلى التكليف على وتيرةٍ واحدة؟ وهل هذا إلا مجرَّدُ تحكُّمٍ ودعوى باطلة؟! الوجه الثَّامن: أنه لا يَلْزَمُ من كَون الحكيم لا يتضرَّرُ بالقُبْح ولا ينتفعُ بالحُسْن أن لا يحبَّ هذا ولا (٢) يبغض هذا، بل تكون نسبتُهما إليه نسبةً واحدة. بل الأمرُ بالعكس، وهو أنَّ حكمتَه تقتضي بُغْضَه للقبيح وإن لم يتضرَّر به، ومحبَّته للحَسَن وإن لم ينتفع به. وحينئذٍ فيُقْلَبُ هذا الكلامُ عليكم، ونكونُ أسعَد به منكم، فنقول: لو تقرَّر عند النَّافي أنَّ الله تعالى حكيمٌ عليمٌ يضعُ الأشياء مواضعَها، ويُنْزِلها منازلها، لعَلِمَ أنَّ الأمرين ــ أعني: الصِّدق والكذب ــ بالنسبة إلى شرعه

стр. 1122

وتكليفه متباينان غايةَ التَّباين، متضادَّان، وأنه يستحيلُ في حكمته التَّسويةُ بينهما، وأن يكونا على وتيرةٍ واحدة، ومعلومٌ أنَّ هذا هو المعقول، وما ذكرتموه خارجٌ عن المعقول. الوجه التَّاسع: قولكم: «إنَّ الصِّدق والكذبَ على حقيقةٍ ذاتيَّة، وإنَّ الحُسْن والقُبحَ غيرُ داخلَيْن في صفاتهما الذَّاتيَّة، ولا يلزمهما في الوهم بالبديهة ولا في الوجود ضرورةً» (١). جوابه: أنكم إن أردتم أنَّ الحُسْن والقُبحَ لا يدخُل في مسمَّى الصِّدق والكذب، فمُسَلَّم، ولكن لا يفيدكُم شيئًا؛ فإنَّ غايتَه إنما يدلُّ على تغايُر المفهومَيْن، فكان ماذا؟! وإن أردتم أنَّ ذاتَ الصِّدق والكذب لا تقتضي الحُسْن والقُبْح ولا تستلزمهما، فهل هذا إلا مجرَّدُ المذهب ونفسُ الدَّعوى؟! وهو مُصَادَرةٌ على المطلوب. وخصومكم يقولون: إنَّ معنى كونهما ذاتيَّين للصِّدق والكذب: أنَّ ذاتَ الصِّدق والكذب تقتضي الحُسْن والقُبْح، وليس مرادهم أنَّ الحُسْن والقُبْح صفةٌ داخلةٌ في مسمَّى الصِّدق والكذب، وأنتم لم تُبْطِلوا عليهم هذا. الوجه العاشر: قولكم: «ولا يَلْزمهما في الوهم بالبديهة ولا في الوجود» دعوى مجرَّدة، كيف وقد عُلِمَ بطلانها بالبرهان والضرورة؟! الوجه الحادي عشر: قولكم: «إنَّ من الأخبار التي هي صادقةٌ ما يلامُ عليه؛ مثل الدَّلالة على من هَرَبَ من ظالم، ومن الأخبار التي هي كاذبةٌ ما

стр. 1123

يثابُ عليها؛ مثل إنكار الدلالة عليه، فلم يدخل كونُ الكذب قبيحًا في حدِّ الكذب، ولا لَزِمه في الوهم ولا في الوجود، ولا يجوز أن يُعَدَّ من الصِّفات الذَّاتية التي تَلْزَمُ النَّفسَ وجودًا وعَدمًا» (١). جوابه مِنْ وجوه: أحدها: أنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّدق يقبُح في حال، ولا أنَّ الكذبَ يحسُن في حالٍ أبدًا، ولا تنقلبُ ذاتُه، وإنما يحسُن اللَّومُ على الخبر الصَّادق من حيثُ (٢) لم يُعَرِّض المُخْبِرُ ولم يُوَرِّ بما يقتضي سلامةَ النَّبيِّ أو الوليِّ. الوجه الثَّاني: أنه أخبَر بما لا يجوز له الإخبارُ به؛ لاستلزامه مفسدةً راجحة، ولا يقتضي هذا كونَ الصِّدق قبيحًا، بل الإخبار بالصِّدق هو القبيح، وفرقٌ بين النسبة المطابِقة التي هي صدقٌ وبين الإعلام بها، فالقُبح إنما نشَأ من الإعلام لا من النسبة الصَّادقة، والإعلامُ غيرُ ذاتيٍّ للخبر، ولا داخلٍ في حدِّه، إذ الخبرُ غيرُ الإخبار، ولا يَلْزَمُ من كون الإخبار قبيحًا أن يكون الخبرُ قبيحًا، وهذه الدَّقيقةُ غَفَل عنها الطَّائفتان كلاهما. الوجه الثالث: أنَّ قُبحَ الصِّدق وحُسْنَ الكذب المذكورَيْن في بعض المواضع لمعارضة مصلحةٍ أو مفسدةٍ راجحة= لا يقتضي عدمَ اتصافِ ذات كلٍّ منهما بحُكمه (٣) عقلًا؛ فإنَّ العِلَل العقلية والأوصافَ الذَّاتية المقتضية لأحكامها قد تتخلَّف عنها لِفَوَات شرطٍ أو قيام مانع، ولا يوجبُ ذلك سلبَ

стр. 1124

اقتضائها لأحكامها عند عدم المانع وقيام الشَّرط، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك. الوجه الثَّاني عشر: قولكم: «إنه لم يَبْق للمُثْبِتين إلا الاسترواحُ إلى عادات النَّاس، مِنْ تسمية ما يضرُّهم قبيحًا، وما ينفعُهم حسنًا» (١) كلامٌ باطل؛ فإنَّ استرواحَهم إلى ما ركَّبه الله تعالى في عقولهم وفِطرهم، وبعَث رسلَه بتقريره وتكميلِه، مِنْ استحسان الحسَن واستقباح القبيح. الوجه الثَّالث عشر: قولكم: «إنها تختلفُ بعادة قومٍ دون قوم، وزمانٍ دون زمان، ومكانٍ دون مكان، وإضافةٍ دون إضافة» (٢). فقد تقدَّم أنَّ هذا الاختلافَ لا يخرِجُ هذه القبائحَ والمستحسَنات عن كون الحُسْن والقُبْح ناشئًا من ذواتها (٣)، وأنَّ الزَّمانَ المعيَّن، والمكانَ المخصوص، والشَّخصَ القابِلَ (٤)، والإضافةَ= شروطٌ لهذا الاقتضاء، على حدِّ اقتضاء الأغذية والأدوية والمساكن والملابس آثارَها؛ فإنَّ اختلافها بالأزمنة والأمكنة والأشخاص والإضافات لا يخرجها عن الاقتضاء الذَّاتيِّ، ونحن لا نعني بكون الحُسْن والقُبْح ذاتيَّين إلا هذا. والمشاحَّةُ (٥) في الاصطلاحات لا تنفعُ طالبَ الحقِّ، ولا تُجْدِي عليه إلا المُناكَدة والتعنُّت، فكم تُعِيدوا وتُبْدوا في الذَّاتيِّ وغير الذَّاتيِّ! سَمُّوا هذا

стр. 1125

المعنى بما شئتم، ثمَّ إن أمكنكم إبطالُه فأبطِلوه! الوجه الرَّابع عشر: قولكم: «نحن لا ننكرُ اشتهارَ القضايا الحسنة والقبيحة بين الخلق، وكونها محمودةً مشكورة (١)، مُثنًى على فاعلها أو مذمومًا، ولكنَّ سببَ ذكرها إمَّا التَّديُّن بالشرائع وإمَّا الأغراض، ونحن إنما ننكرها في حقِّ الله لانتفاء الأغراض عنه» (٢). فهذا مُعْتَركُ القول بين الفِرَق في هذه المسألة وغيرها؛ فنقول لكم: ما تَعنُون ــ معاشرَ النُّفاة ــ بالأغراض التي نفيتموها عن الله ، ونفيتم لأجلها حُسْنَ أوامره الذَّاتية وقُبحَ نواهيه الذَّاتية، وزعمتم لأجلها أنه لا فرق عنده بين مذمومها ومحمودها، وأنها بالنسبة إليه سواء؟ فأخبرونا عن مرادكم بهذه اللفظة البدعيَّة المحتَملة: أتعنُون بها الحِكَم والمصالحَ والعواقبَ الحميدة والغاياتِ المحبوبة التي يفعل ويأمرُ لأجلها؟ أم تعنُون بها أمرًا وراء ذلك يجبُ تنزيهُ الرَّبِّ عنه ــ كما يُشْعِرُ به لفظُ «الأغراض» ــ من الإرادات الفاسدة والأمور التي يكون الفاعلُ محتاجًا إليها، مستفيدًا لها من غيره؟ أم ماذا تعنُون بالأغراض؟ فإن أردتم المعنى الأوَّل، فنفيُكم إياه عن أحكم الحاكمين مذهبٌ لكم خالفتم به صريحَ المنقول وصريحَ المعقول، وأتيتم ما لا تُقِرُّ به العقولُ مِن فِعْل فاعلٍ حكيمٍ مختارٍ لا لحكمةٍ ولا لمصلحةٍ ولا لغايةٍ محمودةٍ ولا عاقبةٍ
следующие страницы →