← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أين يخرُج عن قضايا العقول من حَكَمَ بذلك؟ وهل الخارجُ في الحقيقة عنها إلا من مَنَعَ هذا الحكم؟ وإن أردتم بالتَّسوية الاستواءَ في الإدراك، وأنَّ كليهما على رتبةٍ واحدةٍ من الضرورة، فلا يلزمُ مِنْ عَدَم هذا الاستواء أن لا يكون العلمُ بقُبْح الكذب عقليًّا. الوجه السَّابع: قولكم: «لو تقرَّر عند المُثْبِت أنَّ الله تعالى لا يتضرَّر بكذبٍ ولا ينتفعُ بصدقٍ كان الأمران في حُكم التكليف على وتيرةٍ واحدة» (١) كلامٌ لا يرتضيه عاقل؛ فإنَّ من المتقرِّر أنَّ الله تعالى لا يتضرَّرُ بكذبٍ ولا ينتفعُ بصدق، وإنما يعودُ نفعُ الصِّدق وضررُ الكذب على المكلَّف، ولكن ليتَ شعري مِنْ أين يلزمُ أن يكون هذان الضِّدَّان بالنسبة إلى التكليف على وتيرةٍ واحدة؟ وهل هذا إلا مجرَّدُ تحكُّمٍ ودعوى باطلة؟! الوجه الثَّامن: أنه لا يَلْزَمُ من كَون الحكيم لا يتضرَّرُ بالقُبْح ولا ينتفعُ بالحُسْن أن لا يحبَّ هذا ولا (٢) يبغض هذا، بل تكون نسبتُهما إليه نسبةً واحدة. بل الأمرُ بالعكس، وهو أنَّ حكمتَه تقتضي بُغْضَه للقبيح وإن لم يتضرَّر به، ومحبَّته للحَسَن وإن لم ينتفع به. وحينئذٍ فيُقْلَبُ هذا الكلامُ عليكم، ونكونُ أسعَد به منكم، فنقول: لو تقرَّر عند النَّافي أنَّ الله تعالى حكيمٌ عليمٌ يضعُ الأشياء مواضعَها، ويُنْزِلها منازلها، لعَلِمَ أنَّ الأمرين ــ أعني: الصِّدق والكذب ــ بالنسبة إلى شرعه

стр. 1122

وتكليفه متباينان غايةَ التَّباين، متضادَّان، وأنه يستحيلُ في حكمته التَّسويةُ بينهما، وأن يكونا على وتيرةٍ واحدة، ومعلومٌ أنَّ هذا هو المعقول، وما ذكرتموه خارجٌ عن المعقول. الوجه التَّاسع: قولكم: «إنَّ الصِّدق والكذبَ على حقيقةٍ ذاتيَّة، وإنَّ الحُسْن والقُبحَ غيرُ داخلَيْن في صفاتهما الذَّاتيَّة، ولا يلزمهما في الوهم بالبديهة ولا في الوجود ضرورةً» (١). جوابه: أنكم إن أردتم أنَّ الحُسْن والقُبحَ لا يدخُل في مسمَّى الصِّدق والكذب، فمُسَلَّم، ولكن لا يفيدكُم شيئًا؛ فإنَّ غايتَه إنما يدلُّ على تغايُر المفهومَيْن، فكان ماذا؟! وإن أردتم أنَّ ذاتَ الصِّدق والكذب لا تقتضي الحُسْن والقُبْح ولا تستلزمهما، فهل هذا إلا مجرَّدُ المذهب ونفسُ الدَّعوى؟! وهو مُصَادَرةٌ على المطلوب. وخصومكم يقولون: إنَّ معنى كونهما ذاتيَّين للصِّدق والكذب: أنَّ ذاتَ الصِّدق والكذب تقتضي الحُسْن والقُبْح، وليس مرادهم أنَّ الحُسْن والقُبْح صفةٌ داخلةٌ في مسمَّى الصِّدق والكذب، وأنتم لم تُبْطِلوا عليهم هذا. الوجه العاشر: قولكم: «ولا يَلْزمهما في الوهم بالبديهة ولا في الوجود» دعوى مجرَّدة، كيف وقد عُلِمَ بطلانها بالبرهان والضرورة؟! الوجه الحادي عشر: قولكم: «إنَّ من الأخبار التي هي صادقةٌ ما يلامُ عليه؛ مثل الدَّلالة على من هَرَبَ من ظالم، ومن الأخبار التي هي كاذبةٌ ما

стр. 1123

يثابُ عليها؛ مثل إنكار الدلالة عليه، فلم يدخل كونُ الكذب قبيحًا في حدِّ الكذب، ولا لَزِمه في الوهم ولا في الوجود، ولا يجوز أن يُعَدَّ من الصِّفات الذَّاتية التي تَلْزَمُ النَّفسَ وجودًا وعَدمًا» (١). جوابه مِنْ وجوه: أحدها: أنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّدق يقبُح في حال، ولا أنَّ الكذبَ يحسُن في حالٍ أبدًا، ولا تنقلبُ ذاتُه، وإنما يحسُن اللَّومُ على الخبر الصَّادق من حيثُ (٢) لم يُعَرِّض المُخْبِرُ ولم يُوَرِّ بما يقتضي سلامةَ النَّبيِّ أو الوليِّ. الوجه الثَّاني: أنه أخبَر بما لا يجوز له الإخبارُ به؛ لاستلزامه مفسدةً راجحة، ولا يقتضي هذا كونَ الصِّدق قبيحًا، بل الإخبار بالصِّدق هو القبيح، وفرقٌ بين النسبة المطابِقة التي هي صدقٌ وبين الإعلام بها، فالقُبح إنما نشَأ من الإعلام لا من النسبة الصَّادقة، والإعلامُ غيرُ ذاتيٍّ للخبر، ولا داخلٍ في حدِّه، إذ الخبرُ غيرُ الإخبار، ولا يَلْزَمُ من كون الإخبار قبيحًا أن يكون الخبرُ قبيحًا، وهذه الدَّقيقةُ غَفَل عنها الطَّائفتان كلاهما. الوجه الثالث: أنَّ قُبحَ الصِّدق وحُسْنَ الكذب المذكورَيْن في بعض المواضع لمعارضة مصلحةٍ أو مفسدةٍ راجحة= لا يقتضي عدمَ اتصافِ ذات كلٍّ منهما بحُكمه (٣) عقلًا؛ فإنَّ العِلَل العقلية والأوصافَ الذَّاتية المقتضية لأحكامها قد تتخلَّف عنها لِفَوَات شرطٍ أو قيام مانع، ولا يوجبُ ذلك سلبَ

стр. 1124

اقتضائها لأحكامها عند عدم المانع وقيام الشَّرط، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك. الوجه الثَّاني عشر: قولكم: «إنه لم يَبْق للمُثْبِتين إلا الاسترواحُ إلى عادات النَّاس، مِنْ تسمية ما يضرُّهم قبيحًا، وما ينفعُهم حسنًا» (١) كلامٌ باطل؛ فإنَّ استرواحَهم إلى ما ركَّبه الله تعالى في عقولهم وفِطرهم، وبعَث رسلَه بتقريره وتكميلِه، مِنْ استحسان الحسَن واستقباح القبيح. الوجه الثَّالث عشر: قولكم: «إنها تختلفُ بعادة قومٍ دون قوم، وزمانٍ دون زمان، ومكانٍ دون مكان، وإضافةٍ دون إضافة» (٢). فقد تقدَّم أنَّ هذا الاختلافَ لا يخرِجُ هذه القبائحَ والمستحسَنات عن كون الحُسْن والقُبْح ناشئًا من ذواتها (٣)، وأنَّ الزَّمانَ المعيَّن، والمكانَ المخصوص، والشَّخصَ القابِلَ (٤)، والإضافةَ= شروطٌ لهذا الاقتضاء، على حدِّ اقتضاء الأغذية والأدوية والمساكن والملابس آثارَها؛ فإنَّ اختلافها بالأزمنة والأمكنة والأشخاص والإضافات لا يخرجها عن الاقتضاء الذَّاتيِّ، ونحن لا نعني بكون الحُسْن والقُبْح ذاتيَّين إلا هذا. والمشاحَّةُ (٥) في الاصطلاحات لا تنفعُ طالبَ الحقِّ، ولا تُجْدِي عليه إلا المُناكَدة والتعنُّت، فكم تُعِيدوا وتُبْدوا في الذَّاتيِّ وغير الذَّاتيِّ! سَمُّوا هذا

стр. 1125

المعنى بما شئتم، ثمَّ إن أمكنكم إبطالُه فأبطِلوه! الوجه الرَّابع عشر: قولكم: «نحن لا ننكرُ اشتهارَ القضايا الحسنة والقبيحة بين الخلق، وكونها محمودةً مشكورة (١)، مُثنًى على فاعلها أو مذمومًا، ولكنَّ سببَ ذكرها إمَّا التَّديُّن بالشرائع وإمَّا الأغراض، ونحن إنما ننكرها في حقِّ الله لانتفاء الأغراض عنه» (٢). فهذا مُعْتَركُ القول بين الفِرَق في هذه المسألة وغيرها؛ فنقول لكم: ما تَعنُون ــ معاشرَ النُّفاة ــ بالأغراض التي نفيتموها عن الله ، ونفيتم لأجلها حُسْنَ أوامره الذَّاتية وقُبحَ نواهيه الذَّاتية، وزعمتم لأجلها أنه لا فرق عنده بين مذمومها ومحمودها، وأنها بالنسبة إليه سواء؟ فأخبرونا عن مرادكم بهذه اللفظة البدعيَّة المحتَملة: أتعنُون بها الحِكَم والمصالحَ والعواقبَ الحميدة والغاياتِ المحبوبة التي يفعل ويأمرُ لأجلها؟ أم تعنُون بها أمرًا وراء ذلك يجبُ تنزيهُ الرَّبِّ عنه ــ كما يُشْعِرُ به لفظُ «الأغراض» ــ من الإرادات الفاسدة والأمور التي يكون الفاعلُ محتاجًا إليها، مستفيدًا لها من غيره؟ أم ماذا تعنُون بالأغراض؟ فإن أردتم المعنى الأوَّل، فنفيُكم إياه عن أحكم الحاكمين مذهبٌ لكم خالفتم به صريحَ المنقول وصريحَ المعقول، وأتيتم ما لا تُقِرُّ به العقولُ مِن فِعْل فاعلٍ حكيمٍ مختارٍ لا لحكمةٍ ولا لمصلحةٍ ولا لغايةٍ محمودةٍ ولا عاقبةٍ

стр. 1126

مطلوبة، بل الفعلُ وعَدمُه بالنسبة إليه سِيَّان، وقلتم ما تنكره الفِطرُ والعقول، ويردُّه التَّنزيلُ (١) والاعتبار. وقد قرَّرنا مِنْ ذِكر الحِكَم الباهرة في الخلق والأمر ما تقَرُّ به عينُ كلِّ طالبٍ للحقِّ، وهاهنا من أدلَّة إثبات الحِكَم المقصودة بالخلق والأمر أضعافُ أضعاف ما ذكرنا، بل لا نسبة لما ذكرناه إلى ما تركناه. وكيف يمكنُ إنكارُ ذلك والحكمةُ في خَلْق العالم وأجزائه ظاهرةٌ لمن تأمَّلها، باديةٌ لمن أبصَرها، وقد رُقِمَت سطورُها على صفحات المخلوقات، يقرؤها كلُّ عاقلٍ كاتبٍ وغير كاتب؟! نُصِبَت شاهدةً لله بالوحدانيَّة والرُّبوبيَّة، والعلم والحكمة، واللُّطف والخِبْرة. تأمَّل سُطورَ الكائنات فإنها ... من الملأ الأعلى إليكَ رسائلُ وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلتَ خطَّها ... ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ (٢) وأمَّا النُّصوصُ على ذلك؛ فمن طلبها بَهَرَته كثرتُها وتطابقها، ولعلَّها أن تزيدَ على المِئين. وما يخيِّلُه (٣) النُّفاة لحكمة الله تعالى: أنَّ إثباتها يستلزمُ افتقارًا منه، واستكمالًا بغيره؛ فهَوَسٌ ووساوس؛ فإنَّ هذا بعَيْنه واردٌ عليهم في أصل الفعل.

стр. 1127

وأيضًا؛ فهذا إنما هو إكمالٌ للصُّنع (١)، لا استكمالٌ بالصُّنع. وأيضًا؛ فإنه سبحانه فِعالُه عن كماله، فإنه كَمُلَ ففَعَل، لا أنَّ كماله عن فِعاله، فلا يقال: فَعَلَ فكَمُل، كما يقال للمخلوق (٢). وأيضًا؛ فإنَّ مَصْدرَ الحكمة ومتعلَّقها وأسبابها عنه سبحانه؛ فهو الخالق، وهو الحكيم، وهو الغنيُّ من كلِّ وجهٍ أكملَ الغِنى وأتمَّه، وكمالُ الغِنى والحمد في كمال القدرة والحكمة، والمحالُ أن يكون فقيرًا إلى غيره، فأمَّا إذا كان كلُّ شيءٍ فهو فقيرٌ إليه من كلِّ وجه، وهو الغنيُّ المطلقُ عن كلِّ شيء= فأيُّ محذورٍ في إثبات حكمته مع احتياج مجموع العالم وكلِّ ما يقدَّرُ معه إليه [دون] غيره؟! وهل الغِنى إلا ذلك؟! ولله سبحانه في كلِّ صُنعٍ من صنائعه وأمرٍ من شرائعه حكمةٌ باهرة، وآيةٌ ظاهرة، تدلُّ على وحدانيَّته وحكمته وعلمه، وغِناهُ وقيُّوميَّته ومُلكِه، لا تنكرُها إلا العقولُ السَّخيفة، ولا تنبُو عنها إلا الفِطرُ المنكوسة. وللهِ في كلِّ تسكينةٍ ... وتحريكةٍ أبدًا شاهدُ وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ (٣) وبالجملة؛ فنحن لا ننكرُ حكمةَ الله ولا نُساعِدُكم على جحدها لتسميتكم إياها: «أغراضًا» وإخراجِكم لها في هذا القالب، فالحقُّ لا يُنْكَرُ لسوء التَّعبير عنه، وهذا اللفظُ بدعيٌّ لم يَرِد به كتابٌ ولا سُنَّة، ولا أطلقَه أحدٌ

стр. 1128

من أئمَّة الإسلام وأتباعهم على الله، وقد قال الإمام أحمد: «لا نُزِيلُ عن الله صفةً من صفاته لأجل شناعةٍ شُنِّعَت» (١)، فهل ننكرُ (٢) صفات كماله سبحانه لأجل تسمية المعطِّلة والجهميَّة لها: «أعراضًا» (٣)؟! ولأرباب المقالات أغراضٌ في سوء التَّعبير عن مقالات خصومهم وتخيُّرهم لها أقبحَ الألفاظ، وحُسْن التَّعبير عن مقالات أصحابهم وتخيُّرهم لها أحسنَ الألفاظ، وأتباعُهم محبوسون في قيود تلك العبارات (٤)، ليس معهم في الحقيقة سواها، بل ليس مع المتبوعين غيرها. وصاحبُ البصيرة لا تَهُولُه تلك العباراتُ الهائلة، بل يجرِّدُ المعنى عنها، ولا يكسُوه عبارةً منها، ثمَّ يَحْمِلُه على محلِّ الدَّليل السَّالم عن المعارِض، فحينئذٍ يتبيَّنُ له الحقُّ من الباطل، والحالي من العاطِل. الوجه الخامس عشر: قولكم: «مستندُ الاستحسان والاستقباح التَّديُّنُ بالشرائع». فيقال: لا ريب أنَّ التَّديُّن بالشرائع يقتضي الاستحسانَ والاستقباح، ولكنَّ الشرائعَ إنما جاءت بتكميل الفِطر وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها، فما كان في الفطرة مستحسَنًا جاءت الشريعةُ باستحسانه، فكَسَتْهُ حُسْنًا إلى حُسْنه، فصار حسَنًا من الجهتين، وما كان في الفطرة مستقبَحًا جاءت

стр. 1129

الشريعةُ باستقباحه، فكَسَتْهُ قُبحًا إلى قُبحه، فصار قبيحًا من الجهتين. وأيضًا؛ فهذه القضايا مستحسَنةٌ ومستقبَحةٌ عند من لم تبلُغه الدَّعوة، ولم يقرَّ بنبوَّة. وأيضًا؛ فمجيء الرَّسول بالأمر بحسَنها، والنهي عن قبيحها دليلٌ على نبوَّته، وعَلَمٌ على رسالته، كما قال بعض الصَّحابة وقد سئل عمَّا أوجبَ إسلامَه؛ فقال: «ما أمَر بشيءٍ فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيءٍ فقال العقل: ليته أمَر به» (١). فلو كان الحُسْنُ والقُبْح لم يكن مركوزًا في الفِطر والعقول لم يكن ما أمَر به الرسولُ ونهى عنه عَلَمًا من أعلام صِدقه، ومعلومٌ أنَّ شرعَه ودينَه عند الخاصَّة من أكبر أعلام صِدقه وشواهد نبوَّته، كما تقدَّم. الوجه السَّادس عشر: قولكم في مَثارات الغَلط التي يَغْلَطُ الوهمُ فيها: إنها ثلاثُ مثارات: الأولى: أنَّ الإنسان يُطْلِقُ اسمَ القبيح على ما يخالفُ غرضَه، وإن كان يوافقُ غرضَ غيره، من حيث إنه لا يلتفتُ إلى الغير، فإنَّ كلَّ طبعٍ مشغوفٌ بنفسه، فيقضي بالقُبح مطلقًا؛ [فأصاب في أصل الاستقباح] (٢)، وأخطأ في إضافة القُبح إلى ذات الشيء، وغَفَل عن كونه قبيحًا لمخالفة غَرَضِه، وأخطأ في حكمه بالقُبح مطلقًا، ومنشؤه عدمُ الالتفات إلى غيره (٣).

стр. 1130

فحاصلُه أمران: أحدهما: أنه إنما قضى بالحُسْن والقُبح لموافقته غَرَضَه ومخالفته. الثَّاني: أنَّ هذه الموافقة والمخالفة ليست عامَّةً في حقِّ كلِّ شخصٍ وزمانٍ ومكان، بل ولا في جميع أحوال الشَّخص. هذا حاصلُ ما طوَّلتم به. فيقال: لا ريب أنَّ الحُسْن يوافقُ الغَرَض، والقُبحَ يخالفه، لكنَّ موافقة هذا ومخالفة هذا هي لِمَا قام بكلِّ واحدٍ من الصِّفات التي أوجبَت الموافقةَ والمخالفة؛ إذ لو كانا سواءً في نفس الأمر وذواتُهما (١) لا تقتضي حُسْنًا ولا قُبحًا لم يختَصَّ أحدُهما بالموافقة والآخرُ بالمخالفة، ولم يكن أحدُهما بما اختَصَّ به أولى من العكس. فما لجأتم إليه من موافقة الغَرض ومخالفته من أكبر الأدلَّة على أنَّ ذاتَ الفعل متَّصفةٌ بما لأجله وافق الغَرض وخالفه، وهذا كموافقة الغَرض ومخالفته في الطُّعوم والأغذية والرَّوائح؛ فإنَّ ما لاءم منها الإنسانَ ووافقه مخالفٌ بالذَّات والوصف لما نافَره منها وخالفَه، ولم تكن تلك الملاءمةُ والمنافرةُ لمجرَّد العادة، بل لِمَا قام بالمُلائم والمُنافِر من الصِّفات؛ ففي الخبز والماء واللَّحم والفاكهة من الصِّفات التي اقتضت ملاءمتها الإنسانَ ما ليس في التُّراب والحجر والقَصَب والعَصْف وغيرها، ومن ساوى بين الأمرين فقد كابر حِسَّه وعقله. فهكذا ما لاءم العقولَ والفِطر من الأعمال والأحوال وما خالفها هو لِمَا

стр. 1131

قام بكلٍّ منها من الصِّفات التي اختصَّت به، فأوجبَ الملاءمةَ والمنافرة؛ فملاءمةُ العدل والإحسان والبِرِّ للعقول والفِطر والحيوان [هي] لِمَا اختصَّت به ذواتُ هذه الأفعال من أمورٍ ليست في الظُّلم والإساءة (١)، وليست هذه الملاءمةُ والمنافَرةُ لمجرَّد العادة والتَّديُّن بالشرائع، بل هي أمورٌ ذاتيةٌ لهذه الأفعال، وهذا مما لا ينكرُه العقلُ بعد تصوُّره. الوجه السَّابع عشر (٢): أنَّا لا ننكِرُ أنَّ للعادة واختلاف الزَّمان والمكان والإضافة والحال تأثيرًا في الملاءمة والمنافَرة، ولا ننكرُ أنَّ الإنسان يلائمُه ما اعتاده من الأغذية والمساكن والملابس، وينافِرُه ما لم يَعْتَدْه منها وإن كان أشرفَ منها وأفضل، ومن هذا إلفُ الأوطان، وحبُّ المساكن والحنينُ إليها. ولكن هل يلزمُ من هذا أن تكون الملاءمةُ والمنافَرةُ كلُّها ترجعُ إلى الإلف والعادة المجرَّدة؟ ومعلومٌ أنَّ هذا مما لا سبيل إليه؛ إذ الحكمُ على فردٍ جزئيٍّ من أفراد النَّوع لا يقتضي الحكمَ على جميع النَّوع، واستلزامُ الفرد المعيَّن من النَّوع للازمٍ معيَّنٍ لا يقتضي استلزامَ النَّوع له، وثبوتُ خاصَّةٍ معيَّنةٍ للفرد الجزئيِّ لا يقتضي ثبوتها للنَّوع الكليِّ. الوجه الثَّامن عشر: أنَّ غاية ما ذكرتم من خطأ الوهم في اعتقاده إضافةَ القُبح إلى ذات الفعل، وحُكمه بالاستقباح مطلقًا، مما قد يَعْرِض في بعض الأفعال، فهل يلزمُ من ذلك أنه (٣) حيث قضى بهاتين القضيَّتين يكونُ غالطًا بالنسبة إلى كلِّ فعل؟ ونحن إنما عَلِمنا غلطَه فيما غَلِط فيه لقيام الدَّليل

стр. 1132

العقليِّ على غلطه، فأمَّا إذا كان الدَّليلُ العقليُّ مطابقًا لحكمه فمِن أين لكم الحكمُ بغَلَطِه؟! فإن قلتم: إذا ثبتَ أنه يغلطُ في حكمٍ ما لم يكن حكمُه مقبولًا؛ إذ لا ثقةَ بحكمه. قلنا: إذا جوَّزتم أن يكون في الفطرة حاكمان: حاكمُ الوهم، وحاكمُ العقل، ونسبتم حُكمَ العقل إلى حُكم الوهم (١)، وقلتم في بعض القضايا التي يجزم العقلُ بها: هي مِنْ حُكم الوهم= لم يَبْق لكم وثوقٌ بالقضايا التي يجزم بها العقلُ ويحكمُ بها؛ لاحتمال أن يكونَ مستندُها حُكمَ الوهم لا حُكمَ العقل، فلا بدَّ لكم من التفريق بينهما، ولا بدَّ للتفريق أن تكونَ قضاياه ضروريَّةً ابتداءً وانتهاءً، وإذا جوَّزتم أن يكونَ بعض القضايا الضروريَّة وهميَّةً لم يَبْق لكم طريقٌ إلى التفريق! الوجه التَّاسع عشر: أنَّ هذا الذي فرضتموه فيمن يستقبِحُ شيئًا لمخالفة غَرضِه ويستحسِنُه لموافقة غَرضِه، أو بالعكس؛ إنما مَوْرِدُه الحِسِّيَّاتُ غالبًا، كالمآكل والملابس والمساكن والمناكِح؛ فإنها بحسب الدَّواعي والميول والعوائد والمناسبات، فهو إنما يكونُ في الجزئيَّات (٢) وأمَّا الكلِّيَّاتُ العقليةُ فلا يكاد يَعْرِضُ فيها ذلك (٣)، فلا يكون العدلُ والصِّدقُ والإحسانُ حَسَنًا عند بعض العقول قبيحًا عند بعضها، كما يكون اللونُ الأسودُ مُشْتهًى حَسَنًا موافقًا لبعض النَّاس مبغوضًا لبعضهم، ومن اعتَبر هذا بهذا فقد خَرَجَ واعتَبر

стр. 1133

الشيءَ بما لا يصحُّ اعتبارُه به. ويؤيِّد هذا الوجه العشرون: أنَّ العقل إذا حكم بقُبح الكذب والظُّلم والفواحش، فإنه لا يختلفُ حكمُه بذلك في حقِّ نفسه ولا غيره، بل يعلمُ أنَّ كلَّ عقلٍ يستقبحُها وإن كان يرتكبُها لحاجته أو جهلِه، فكما أصابَ في استقباحها أصابَ في نسبة القُبح إلى ذاتها، وأصابَ في حُكمه بقُبحها مطلقًا، ومن غلَّطه في بعض هذه الأحكام فهو الغالطُ عليه. وهذا بخلاف ما إذا حَكَمَ باستحسان مطعمٍ أو ملبسٍ أو مسكنٍ أو لونٍ فإنه يعلمُ أنَّ غيرَه يحكمُ باستحسان غيره، وأن هذا مما يختلفُ باختلاف العوائد والأمم والأشخاص، فلا يحكمُ به حكمًا كلِّيًّا إلا حيث يعلمُ أنه لا يختلف، كما يحكمُ حكمًا كلِّيًّا بأنَّ كلَّ ظمآنٍ يستحسنُ شربَ الماء ما لم يَمْنَع منه مانع، وكلَّ مَقْرورٍ يستحسنُ لباسَ ما فيه دِفؤه ما لم يَمْنَع منه مانع، وكذلك كلُّ جائعٍ يستحسنُ ما يَدْفعُ به سَوْرَة الجوع. فهذا حكمٌ كلِّيٌّ (١) في هذه الأمور المحسوسة لا غَلَط فيه، مع كون المحسوسات عُرضةً لاختلاف النَّاس في استحسانها واستقباحها بحسب الأغراض والعوائد والإلف، فما الظَّنُّ بالأمور الكلِّيَّة العقليَّة التي لا تختلف، إنما هي نفيٌ وإثبات؟! الوجه الحادي والعشرون: قولكم: «مِنْ مَثارات الغَلَط: أنَّ ما هو مخالفٌ للغَرض في جميع الأحوال إلا في حالةٍ نادرة، قد لا يَلْتَفِتُ (٢)

стр. 1134

الوهمُ إلى تلك الحالة النَّادرة، بل لا يخطُر بالبال، فيقضي بالقُبح مطلقًا؛ لاستيلاء قُبحِه على قلبه، وذهاب الحالة النَّادرة عن ذِكره، كحُكمِه (١) على الكذب بأنه قبيحٌ مطلقًا، وغفلته عن الكذب [الذي] يستفادُ به عصمةُ دم نبيٍّ أو وليٍّ. وإذا قضى بالقُبح مطلقًا واستمرَّ عليه مدَّةً، وتكرَّر ذلك على سمعه ولسانه، انغَرس في قلبه استقباحٌ منفِّرٌ (٢) ... » إلى آخره (٣). فمضمونه ــ بعد الإطالة ــ أنه لو كان الكذبُ قبيحًا لذاته لما تخلَّف عنه القُبح، ولكنه يتخلَّف إذا تضمَّن عصمةَ دم نبيٍّ أو وليٍّ، ففي هذه الحالة ونحوها لا يكونُ قبيحًا، وهي حالةٌ نادرةٌ لا تكاد تخطُر بالبال، فيقضي العقلُ بقُبح الكذب مطلقًا، ويغفلُ عن هذه الحالة، وهي تنافي حكمَه بقُبحه مطلقًا، ثمَّ يترك (٤) ويَنْشَأ على ذلك الاعتقاد، فيَظنُّ أنَّ قُبحَه لذاته مطلقًا. وليس كذلك. وهذا ــ بعد تسليمه ــ لا يمنعُ كونَه قبيحًا لذاته وإن تخلَّف القبحُ عنه لمعارضٍ راجح، كما أنَّ الاغتذاء بالميتة والدَّم ولحم الخنزير يوجبُ نباتًا خبيثًا وإن تخلَّف عنه ذلك عند المَخْمَصة. كيف، وقد بيَّنَّا أنَّ القُبحَ لا يتخلَّف عن الكذب أصلًا، وأمَّا إذا تضمَّن عصمةَ وليٍّ فالحسَنُ إنما هو التَّعريض، والصِّدقُ لا يقبُح أبدًا، وإنما القبيحُ

стр. 1135

الإعلامُ به، وفرقٌ بين الخبر والإخبار، فالقُبح إنما وقعَ في الإخبار لا في الخبر. ولو سلَّمنا ذلك كلَّه؛ فتخلُّف الحُكم العقليِّ لقيام مانعٍ أو لفوات شرطٍ غيرُ مستنكَر. فهذه الشُّبهة مِنْ أضعف الشُّبه (١)، وحَسْبك ضعفًا بحكمٍ إنما يستندُ إليها وإلى أمثالها! الوجه الثَّاني والعشرون: أنَّ الوهمَ قد سبق إلى العكس (٢)، كمن يرى شيئًا مقرونًا بشيءٍ فيَظنُّ الشيءَ لا محالة مقرونًا به مطلقًا، ولا يدري أنَّ الأخصَّ أبدًا مقرونٌ بالأعمِّ، مِنْ غير عكس. وتمثيلكم ذلك بنُفرة السَّليم من الحَبل المرقَّش، ونفور الطَّبع عن العسل إذا شُبِّه بالعَذِرَة، إلى آخر ما ذكرتم من الأمثال (٣)، كنُفرة الطَّبع عن الحسناء ذات الاسم القبيح، ونُفرة الرَّجُل عن البيت الذي فيه الميِّت، ونُفرة كثيرٍ من النَّاس عن الأقوال الصَّحيحة التي تضافُ إلى من يسيئون الظَّنَّ بهم. فنحن لا ننكرُ أنَّ للوهم تأثيرًا في النُّفوس وفي الحبِّ والبُغض، بل هو غالبٌ على أكثر النُّفوس في كثيرٍ من الأحوال، ولكن إذا سُلِّط عليه العقلُ الصَّريحُ تبيَّن غلطُه، وأنَّ ما حَكَم به إنما هو موهومٌ لا معقول. كما إذا سُلِّط العقلُ الصَّريحُ (٤) والحِسُّ على الحَبل المرقَّش تبيَّن أنَّ نُفرة الطَّبع عنه مستندُها الوهمُ الباطل.

стр. 1136

وكذلك إذا سُلِّط الذَّوقُ والعقلُ على العسل تبيَّن أنَّ نُفرة الطَّبع عنه مستندُها الوهمُ الكاذب. وإذا تأمَّل الطَّرفُ محاسنَ الجميلة البديعة الجمال تبيَّن أنَّ نُفرتَه عنها لقُبح اسمها وهمٌ فاسد. وإذا سُلِّط العقلُ الصَّريحُ على الميِّت تبيَّن أنَّ نُفرة الرَّجل عنه لتَوهُّم حركته وثَوَرانه خيالٌ باطلٌ ووهمٌ فاسد. وهكذا نظائر ذلك. أفترى يَلْزَمُ من هذا أنَّا إذا سلَّطنا العقلَ الصَّريحَ على الكذب، والظُّلم، والفواحش، والإساءة إلى النَّاس، وكُفران النِّعم، وضَرْب الوالدين، والمبالغة في إهانتهما وسبِّهما، وأمثال ذلك= تبيَّن أنَّ حُكمَه بقُبحِها وهمٌ منه، ليكون نظيرَ ما ذكرتم من الأمثلة؟! وهل في الاعتبار أفسدُ من اعتباركم هذا؟! فإنَّ الحُكمَ فيما ذكرتم قد تبيَّن بالعقل الصَّريح والحِسِّ أنه حكمٌ وهميٌّ، ونحن لا ننازعُ فيه ولا عاقل؛ لأنَّا لمَّا سلَّطنا عليه العقلَ والحِسَّ ظهر أنَّ مستندَه الوهم، وأمَّا في القضايا التي رُكِّبَ في العقول والفِطر حُسْنُها وقُبحها فإنَّا إذا سلَّطنا العقلَ الصَّريحَ عليها لم يحكُم لها بخلاف ما هي عليه أبدًا، إلا أن يَلْجَؤوا إلى دبُّوس الشِّلاق (١)؛ وهو الصِّدقُ المتضمِّنُ هلاكَ

стр. 1137

وليٍّ والكذبُ المتضمِّنُ عِصْمَته، وليس معكم ما تصُولون به سواه، وقد بيَّنَّا حقيقةَ الأمر فيه بما فيه كفاية (١)، وحتى لو كان الأمرُ فيهما كما ذكرتم قطعًا لم يجُز أن يُبْطَل بهما ما ركَّبه الله في العقول والفِطر وألزَمها إياه التزامًا لا انفكاك لها عنه، مِنْ استحسان الحسَن، واستقباح القبيح والحكم بقُبحه، والتَّفرِقة العقلية ــ التَّابعة لذواتهما وأوصافهما ــ بينهما. وقد أنكر الله سبحانه على العقول التي جوَّزت أن يجعل اللهُ فاعلَ القبيح وفاعلَ الحسَن سواءً، ونزَّه نفسَه عن هذا الظَّنِّ وعن نسبة هذا الحكم الباطل إليه، ولولا أنَّ ذلك قبيحٌ عقلًا لما أنكره على العقول التي جوَّزته؛ فإنَّ الإنكار إنما كان يتوجَّه عليهم بمجرَّد الشَّرع والخبر لا بإفساد ما ظنُّوه عقلًا. ولا يقال: «فلو كان هذا الحكمُ باطلًا قطعًا لما جوَّزه أولئك العقلاء»؛

стр. 1138

لأنَّ هذا احتجاجٌ بعقول أهل الشرك الفاسدة التي عابها اللهُ وشَهِدَ عليهم بأنهم لا يعقلون، وشَهِدُوا على أنفسهم بأنهم لو كانوا يسمعون أو يعقلون ما كانوا في أصحاب السَّعير. وهل يقال: إنَّ استحسانَ عبادة الأصنام بعقولهم، واستحسانَ التَّثليث والسُّجود للقمر وعبادة النَّار وتعظيم الصَّليب، يدلُّ على حُسْنها؛ لاستحسان بعض العقلاء لها؟! فإن قيل: فهذا حجَّةٌ عليكم؛ فإنَّ عقول هؤلاء قد قضت بحُسنها، وهي أقبحُ القبائح. قيل: ما مثَلنا ومثَلكم في ذلك إلا كمثَل من قال: إذا كان الأحولُ يرى القمرَ اثنين لم يَبْق لنا وثوقٌ برؤية الصحيح العينَين له واحدًا، وإن كان المَحرورُ (١) يجدُ طعمَ الماء العَذب والعسل مُرًّا لم يَبْق لنا وثوقٌ (٢) بكون صحيح الفم يذوقُه عذبًا وحُلوًا، وإذا كان صاحبُ الفهم السَّقيم يعيبُ القولَ الصَّحيح ويشهدُ ببطلانه لم يَبْق لنا وثوقٌ بشهادة صاحب الفهم المستقيم بصحَّته، إلى أمثال ذلك. فإذا كانت فطرةُ أمَّةٍ من الأمم وشِرذمةٍ من النَّاس وعقولُهم قد فَسَدَت، فهل يلزمُ من هذا إبطالُ شهادة العقول السَّليمة والفِطر المستقيمة؟! ولو صحَّ لكم هذا الاعتراض لبَطَل استدلالكم على كلِّ منازعٍ لكم في كلِّ مسألة؛ فإنه عاقلٌ وقد شَهِد عقلُه بها بخلاف قولكم!

стр. 1139

وكفى بهذا فسادًا وبطلانًا، وكفى بردِّ العقول وسائر العقلاء له، والحمدُ لله ربِّ العالمين. الوجه الثَّالث والعشرون: قولكم: «إنَّ المَلِك العظيمَ إذا رأى مسكينًا مُشْرِفًا على الهلاك اسْتَحْسَنَ إنقاذَه، والسَّببُ في ذلك دفعُ الأذى الذي يَلْحَقُ الإنسانَ مِنْ رِقِّة الجنسية، وهو طبعٌ يستحيلُ الانفكاكُ عنه ... » (١) إلى آخره= كلامٌ في غاية الفساد. فإنَّ مضمونه أنَّ هذا الإحسانَ العظيمَ والتَّنزُّل مِنْ مثل هذا الملك القادر إلى الإحسان إلى مجهُودٍ مَضرورٍ قد مسَّه الضُّرُّ، وتقطَّعت به الأسباب، وانقطعت به الحِيَل= ليس فعلًا حسنًا في نفسه، ولا فرق عند العقل بين ذلك وبين أن يُلقِي عليه حجرًا يُغْرِقُه، وإنما مال إليه طبعُه لرقَّة الجنسيَّة، ولتصويره نفسَه في تلك الحال واحتياجه إلى من يُنْقِذُه، وإلا فلو جرَّدنا النَّظرَ إلى ذات الفعل، وضَرَبنا صفحًا عن لوازمه وما يقترنُ به ويبعثُ عليه، لم يَقْضِ العقلُ بحُسنه، ولم يفرِّق بينه وبين إلقاء حجرٍ عليه حتى يُغْرِقَه!! فهذا قولٌ يكفي في فساده مجرَّدُ تصوُّره، وليس في المقدِّمات البديهيَّة ما هو أجلى وأوضحُ من كون مثل هذا الفعل حسنًا لذاته حتى يُحْتَجَّ بها عليه؛ فإنَّ الاحتجاج إنما يكونُ بالأوضح على الأخفى، فإذا كان المطلوبُ المستَدلُّ عليه أوضحَ من الدَّليل كان الاستدلالُ عناءً وكُلْفَة، ولكنْ تُصَوَّرُ الدَّعوى ومُقابِلتُها تصويرًا مجرَّدًا، ويُعْرَضان على العقول التي لم يَسْبِق إليها تقليدُ الآراء، ولم يتواطأ عليها ويتلقَّاها صاغرٌ عن كابر، وولدٌ عن والد، حتى نَشَأت معها بنشوئها، فهي تسعى في نُصرتها بما دَبَّ ودَرَجَ من الأدلَّة؛

стр. 1140

لاعتقادها ــ أوَّلًا ــ أنها حقٌّ في نفسها؛ لإحسانها الظَّنَّ بأربابها، فلو تجرَّدَت من حبِّ من والَتْهُ وبُغض من خالفَته، وجرَّدَت النَّظر، وصابرَت العلمَ، وتابعَت المسيرَ في المسألة إلى آخرها= لأوشَك أن تعلَم الحقَّ من الباطل، ولكن حبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ (١)، والنَّاظرُ بعَيْن البُغض يَرى المحاسنَ مساواء، هذا في إدراك البصر مع ظهوره ووضوحه، فكيف في إدراك البصيرة، لا سيَّما إذا صادفَ مُشْكِلًا، فهذه بليَّةُ أكثر العالَم. فإن تَنْجُ منها تَنْجُ مِنْ ذي عَظِيمةٍ ... وإلا فإني لا إخالُكَ ناجِيا (٢) الوجه الرَّابع والعشرون: أنَّ اقتران هذه الأمور التي ذكرتموها، مِنْ رِقَّة الجنسيَّة، وتَصَوُّر نفسِه بصورة (٣) من يريدُ إنقاذَه، ونحوها، هي أمورٌ تقترنُ بهذا الإحسان، فيقوى الباعثُ على فعله، ولا يوجبُ تجرُّدَه عن وصفٍ يقتضي حُسْنَه، وأن لا تكون ذاتُه مقتضيةً لحُسْنه، وإن اقتَرن بفاعله (٤) هذه الأمور.

стр. 1141

وما مثَلكم في ذلك إلا كمثَل من قال: إنَّ تناول الأطعمة والأغذية والأدوية ليس حَسَنًا لذاته، فإنه يقترنُ بتناولها مِنْ لَذْعَة المِرَّة لفم المعدة (١) ما يوجبُ نزوعَها إلى طلب الغذاء لقيام البِنية، وكذلك الأدويةُ وغيرها. ومعلومٌ أنَّ هذه البواعثَ والدَّواعي وأسبابَ الميول لا تنافي الاقتضاءَ الذَّاتيَّ وقيامَ الصِّفات التي تقتضي الانتفاعَ بها، فكذلك تلك البواعثُ والدَّواعي وأسبابُ الميول التي تحصُل لفاعل الإحسان، ومُنْقِذ الغريق والحريق، ومُنْجِي الهالك، لا تنافي ما عليه هذه الأفعالُ في ذواتها من الصِّفات التي تقتضي حُسْنَها وقُبْحَ أضدادها. الوجه الخامس والعشرون: قولكم: «إنه يقدِّرُ نفسَه في تلك الحال، ويقدِّرُ غيرَه مُعْرِضًا عن الإنقاذ، فيستقبحُه منه، لمخالفته غرضَه، فيَدْفَعُ عن نفسه ذلك القُبْحَ المتوهَّم» (٢). فيقال: هذا القُبح المتوهَّمُ إنما نَشَأ عن القُبح المتحقِّق في ترك الإحسان إليه مع قدرته عليه وعدم تضرُّره به، فالقُبح محقَّقٌ في ترك إنقاذه، ومتوهَّمٌ في تصويره نفسَه بتلك الحال وعدم إنقاذ غيره له، فلولا تلك الحقيقةُ لم يحكُم العقلُ بهذا القُبح الموهوم، وكونُ الإنقاذ موافقًا للغَرض وتركُه مخالفًا له لا ينفي أن يكون في ذاته حَسَنًا وقبيحًا، وإنما (٣) وافقَ الغَرض

стр. 1142

وخالفه لما اتصفت به ذاتُه من الصِّفات المقتضية لهذه الموافقة والمخالفة. الوجه السَّادس والعشرون: قولكم: «فلو فُرِض هذا في بهيمةٍ أو شخصٍ لا رِقَّة فيه، فيبقى أمرٌ آخر، وهو طلبُ الثَّناء على إحسانه» (١). فيقال: طلبُ الثَّناء يقتضي أنَّ هذا الفعلَ مما يتعلَّقُ الثَّناء به، وما ذاك إلا لأنه في نفسه على صفةٍ تقتضي الثَّناءَ على فاعله، ولو كان هذا الفعلُ مساويًا لضدِّه في نفس الأمر لم يتعلَّق الثَّناءُ به والذَّمُّ بضدِّه، وفِعْلُه لتوقُّع الثَّناء لا ينفي أن يكون على صفةٍ لأجلها استحقَّ فاعلُه الثَّناء، بل هو باقتضاء ذلك أولى مِنْ نفيه. الوجه السَّابع والعشرون: قولكم: «فإن فُرِض في موضعٍ يستحيلُ أن يُعْلَم، فيبقى ميلٌ وترجيحٌ يضاهي نُفرة طبع السَّليم عن الحَبل، وذلك أنه رأى هذه الصُّورة مقرونةً بالثَّناء، فيظُنُّ أنَّ الثَّناء مقرونٌ بها بكلِّ حال، كما أنه لما رأى الأذى مقرونًا بصورة الحَبل، وطبعُه ينفرُ عن الأذى، فينفِرُ عن المقرون به؛ فالمقرونُ باللذيذ لذيذ، والمقرونُ بالمكروه مكروه» (٢). فيقال: يا عجبًا، كيف يُرَدُّ أعظمُ الإحسان الذي فَطر اللهُ عقولَ عباده وفِطَرهم على استحسانه (٣)، حتى لو تُصُوِّر نُطْقُ الحيوان البهيم لشَهِد باستحسانه= إلى مجرَّد وهمٍ وخيالٍ فاسدٍ يُشْبه نُفرةَ طبع الرَّجل السَّليم (٤) عن حَبلٍ مرقَّش؟!

стр. 1143

فتأمَّل كيف تحمِلُ نُصْرَةُ (١) الآراء المتقلَّدة وبُغض مخالفيها (٢) على أمثال هذه الشُّنَع (٣). وهل سوَّى اللهُ سبحانه في العقول والفِطر بين إنقاذ الغريق والحريق، وتخليص الأسير من عدوِّه، وإحياء النُّفوس، وبين نُفْرَة طبع السَّليم عن حبلٍ مرقَّشٍ لتوهُّمه أنه حَيَّة؟! وقد كان مجرَّدُ تصوُّر هذه الشُّبهة (٤) كافيًا في العلم ببطلانها، ولكنَّنا زِدنا الأمرَ إيضاحًا وبيانًا. الوجه الثَّامن والعشرون: قولكم: «الإنسانُ إذا جالَس من عَشِقَه في مكان، فإذا انتهى إليه أحسَّ في نفسه تَفرِقَةً بين ذلك المكان وغيره»، واستشهادكم على ذلك بقول الشاعر: * أمُرُّ على الدِّيار ديارِ ليلى * وقوله: * وحَبَّبَ أوطانَ الرِّجال إليهمُ * (٥) فيقال: لا ريب أنَّ الأمرَ هكذا، ولكن هل يلزمُ من هذا استواءُ الصِّدق والكذب في نفس الأمر، واستواءُ العدل والظُّلم والبرِّ والفُجور والإحسان

стр. 1144

والإساءة؟! بل هذا المثال نفسُه حجَّةٌ عليكم، فإنه لم يَمِل طبعُه إلى ذلك المكان مع مساواته لجميع الأمكنة عنده، وكذلك حنينُه إلى وطنه ومحبتُه له، وكذلك حنينُه إلى إلْفِه من النَّاس وغيرهم؛ فإنَّ هذا لا يقعُ منه مع تساوي تلك الأماكن والأشخاص عنده، بل لظنِّه اختصاصَها بأمورٍ لا توجدُ في سواها، فتَرتَّبَ ذلك الحبُّ والميلُ على هذا الظَّنِّ. ثمَّ له حالان: أحدهما: أن لا يكون كما ظنَّه (١)، بل ذلك المكانُ أو الشخصُ مُساوٍ لغيره، وربَّما يكون غيرُه أكملَ منه في الأوصاف التي تقتضي حبَّه والميلَ إليه، فهذا إذا سُلِّط العقلُ والحسُّ (٢) على سبب مَيْله وحبِّه عُلِمَ أنه مجرَّدُ إلفٍ أو عادةٍ أو تذكُّرٍ أو تخيُّل. وهذا الوهمُ مستنِدٌ إلى ما تقرَّر في العقل من أنَّ اختصاصَ الحبِّ والميل بالشيء دونَ غيره لِمَا اختصَّ به من الصِّفات التي اقتضت ذلك، وكذلك تعلُّق النُّفرة والبغض به، ثمَّ يَغْلِبُ الوهمُ حتى يتخيَّل تلك الصِّفات ثابتةً (٣) في المحلِّ، وليست فيه، بل يكونُ المحلُّ مقارِنًا تلك الصِّفات (٤)،

стр. 1145

فيُحِبُّ ويُبْغِضُ لأجل تلك المقارنة (١)، فمقارِنُ المحبوب محبوبٌ، ومقارنُ المكروه مكروه، كقوله: وما حُبُّ الدِّيار شَغَفْنَ قلبي ... ولكنْ حُبُّ من سَكَنَ الدِّيارا وقولِ الآخر: إذا ذَكَروا أوطانَهم ذَكَّرَتهمُ ... عُهودًا جَرَت فيها فَحَنُّوا لذلِكا الوجه التَّاسع والعشرون: قولكم: «إنَّ الصَّبرَ على السَّيف في ترك كلمة الكفر لا يستحسنُه العقلاءُ لولا الشرع، بل ربَّما استقبَحوه، إنَّما يُستَحسَنُ للثَّواب أو الثَّناء بالشجاعة، وكذلك بالصَّبر (٢) على حِفظ السرِّ والوفاء بالعهد، لِمَا في ذلك من المصالح، فإن فُرِض حيث لا ثناء فيه فقد وُجِدَ مقرونًا بالثَّناء، فيبقى ميلُ الوهم للمقرون» (٣). فيقال لكم: استحسانُ الشرع له مطابقٌ لاستحسان العقل لا مخالف، وكذلك انتظارُ الثَّواب به هو لحُسْنه في نفسه. وكذلك المصالحُ المترتِّبةُ على حِفظ السرِّ والوفاء بالعهد هي لِمَا قام بذوات هذه الأفعال من الصِّفات التي أوجبت المصالح؛ إذ لو ساوت غيرَها لم تكن باقتضاء المصلحة أولى منها. وقولكم: «إنه إذا فُرِض حيث لا ثناء، يبقى (٤) ميلُ الوهم للمقارنة»، فقد

стр. 1146

تقدَّم أنَّ هذا الميلَ تبعٌ للحقيقة، وأنه يستحيلُ وجودُه في فعلٍ لا تقتضي ذاتُه المصلحةَ والاستحسان، وأنَّ حصولَ الوهم المقارن تبعٌ للحقيقة الثَّابتة؛ لاستحالة حصول هذا الوهم في فعلٍ لا تكونُ ذاتُه مَنْشَأً للأمر الموهوم (١)، فيتوهَّمُ الذِّهنُ حيث تنتفي الحقيقة. الوجه الثَّلاثون: قولكم: «إنَّ من عَرَضت له حاجة، وأمكنَ قضاؤها بالصِّدق والكذب، فإنه يُؤثِرُ الصِّدقَ لأنه وَجَده مقرونًا بالثَّناء، فهو يُؤثِره لما يقترنُ به من الثَّناء» (٢). فجوابه أيضًا ما تقدَّم، وأنَّ اقترانَه بالثَّناء لِمَا اختُصَّ به من الصِّفاتِ التي اقتضت الثَّناءَ على فاعله. كيف، والكذبُ متضمِّنٌ لفساد نظام العالم، ولا يمكن قيامُ العالم عليه، لا في معاشهم ولا في معادهم، بل هو متضمِّنٌ لفساد المعاش والمعاد؟! ومفاسدُ الكذب اللازمةُ له معلومةٌ عند خاصَّة النَّاس وعامَّتهم. كيف، وهو منشأ كلِّ شرٍّ وفساد، وشرُّ الأعضاء لسانٌ كذوب (٣)؟! وكم قد أُزِيلت بالكذب مِنْ دُولٍ وممالِك، وخرِّبت به مِنْ بلاد، واستُلِبت به مِنْ نِعَم، وتعطَّلت به مِنْ معايش، وفَسَدَت به مِنْ مصالح، وغُرِسَت به مِنْ عداوات، وقُلِعَت به مِنْ مودَّات، وافتَقر به غنيٌّ، وذَلَّ به عزيزٌ، وهُتِكَت به مَصُونةٌ، ورُمِيَت به محصَنةٌ، وخَلَت به دُورٌ وقصور،

стр. 1147

وعمِّرت به قبور، وأُزيل به أُنس، واستُجلِبت به وَحْشَة، وأُفسِد به بين الابن وأبيه، وغاض بين الأخ وأخيه (١)، وأحال الصَّديقَ عدوًّا مبينًا، ورَدَّ الغنيَّ العزيزَ ذليلًا مسكينًا! وكم فرَّق بين الحبيب وحبيبه، فأفسَد عليه عِيشتَه ونغَّص عليه حياتَه! وكم جَلا عن الأوطان! وكم سوَّد مِنْ وجوه، وطمَس مِنْ نور، وأعمى مِنْ بصيرة، وأفسَد مِنْ عقل، وغيَّر مِنْ فِطرة، وجلَب مِن مَعَرَّة، وقطِّعت به [مِن] السُّبل، وعَفَت به [مِنْ] معالم الهداية، ودَرَسَت به مِنْ آثار النُّبوَّة، وخَفِيَت به مِنْ طرق الرَّشاد، وتعطَّلت به مِنْ مصالح العباد في المعاش والمعاد! وهذا وأضعافُه ذرَّةٌ من مفاسده وجناحُ بعوضةٍ من مضارِّه ومَقابِحه (٢)، وإلا فما يجلِبُه من غضب الرَّحمن، وحِرمان الجِنان، وحلول دار الهوان، أعظمُ من ذلك. وهل مُلِئت الجحيمُ إلا بأهل الكذب، الكاذبين على الله وعلى رسوله وعلى دينه وعلى أوليائه، المكذِّبين بالحقِّ حَمِيَّةً وعصبيَّةً جاهليَّة؟! وهل عُمِّرت الجِنانُ إلا بأهل الصِّدق، الصَّادقين المصدِّقين بالحقِّ؟! قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٢ - ٣٤].

стр. 1148

وإذا كانت هذه حال الكذب والصِّدق، أفليس مِنْ أبطل الباطل دعوى تساويهما، وأنَّ العقلَ إنما يُؤثِرُ الصِّدقَ لتوهُّم اقترانه بالثَّناء، وإنما يتجنَّبُ الكذبَ لتوهُّم اقترانه بالقُبح، كتوهُّم اقتران اللَّسْع في الحبل المرقَّش، وردُّ استقباح (١) هذه المفاسد والمَقابِح التي لا أقبَح منها إلى مجرَّد وهمٍ باطلٍ يُشْبِه نفرة الطَّبع عن الحبل المرقَّش؟! ونفسُ العلم بهذه المقالة كافٍ في الجزم ببطلانها. ولو ذهبنا نعدِّدُ قبائحَ الكذب النَّاشئة من ذاته وصفاته لزادت على الألف، وما مِنْ عاقلٍ إلا وعنده العلمُ ببعض ذلك علمًا ضروريًّا مركوزًا في فطرته، فما سوَّى اللهُ بينه وبين الصِّدق أبدًا، ودعوى استوائهما كدعوى استواء النُّور والظُّلمة، والكفر والإيمان، وخَراب العالم وإهلاك الحرث والنَّسل وعمارته، بل كدعوى استواء الجوع والشِّبَع، والرِّيِّ والظَّمأ، والفرح والغمِّ، ولا فرق عند العقل بين علمه بهذا وهذا. الوجه الحادي والثَّلاثون: قولكم: «الصِّدقُ والكذبُ متنافيان، ومن المحال تساوي المتنافيَين في جميع الصِّفات ... » (٢) إلى آخره= إقرارٌ منكم بالحقِّ، ونقضٌ لما أصَّلتموه. فإنهما إذا كانا متنافيَيْن ذاتًا وصفاتٍ لم يرجع الفرقُ بينهما استحسانًا واستقباحًا إلى مجرَّد العادة والمنشأ والمَرْبى أو مجرَّد التَّديُّن بالشرائع، بل يكون مرجعُ الفرق إلى ذاتيهما، وأنَّ ذاتَ هذا

стр. 1149

مقتضيةٌ (١) لحُسْنه وذاتَ هذا مقتضيةٌ لقُبحه، وهذا هو عينُ الصَّواب لولا أنكم لا تُثْبِتون علَّتَه (٢)، وتصرِّحون بأنَّ الفرق بينهما سببُه العادةُ والتَّربيةُ والمنشأُ والتَّديُّنُ بشرائع الأنبياء، حتى لو فُرِض انتفاءُ ذلك لم يُؤثِر الرَّجلُ الصِّدقَ على الكذب. وهل في التَّناقض أقبحُ من هذا؟! الوجه الثَّاني والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ غاية هذا أن يَدُلَّ على قُبح الكذب وحُسن الصِّدق شاهدًا، ولا يلزم منه حسنُه وقبحُه غائبًا إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد، وهو باطلٌ؛ لوضوح الفَرق»، واستنادكم في الفَرق إلى ما ذكرتم مِنْ تخلية الله بين عباده يموجُ بعضهم في بعضٍ ظلمًا وإفسادًا، وقُبح ذلك شاهدًا (٣). فيا لله العَجَب! كيف يجوِّزُ العقلُ التزامَ مذهبٍ يُلْتَزمُ معه (٤) جوازُ الكذب على ربِّ العالمين وأصدق الصَّادقين، وأنه لا فرق أصلًا بالنسبة إليه بين الصِّدق والكذب، بل جوازُ الكذب عليه ــ سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا ــ كجواز الصِّدق، وحُسْنُه كحُسْنِه؟! وهل هذا إلا مِنْ أعظم الإفك والباطل؟! ونِسبتُه إلى الله تعالى جوازًا كنسبة ما لا يليقُ بجلاله إليه من الولد والزَّوجة والشريك، بل كنسبة أنواع الظُّلم والشرِّ إليه جوازًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فمن أصدقُ من الله حديثًا؟! ومن أصدقُ من الله قِيلًا؟!

стр. 1150

وهل هذا الإفكُ المفترى إلا رافعٌ للوثوق بأخباره ووعده ووعيده، وتجويزٌ عليه وعلى كلامه ما هو من أقبح القبائح التي يتنزَّه عنها بعضُ عبيده، ولا تليقُ به، فضلًا عنه سبحانه؟! فلو التزمتم كلَّ إلزامٍ يَلْزَم مثبتي (١) الحُسْن والقُبح العقليَّين لكان أسهَل من التزام هذا الإدِّ التي تكادُ السَّمواتُ يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتَخِرُّ الجبالُ هدًّا. ولا نسبة في القُبح بين الولد والشَّريك والزَّوجة وبين الكذب، ولهذا فَطَر اللهُ عقولَ عباده على الإزارء والذَّمِّ والمَقْت للكاذب دون من له زوجةٌ وولدٌ وشريك؛ فتنزُّهُ أصدق الصَّادقين عن هذا القبيح كتنزُّهه عن الولد والزَّوجة والشريك، بل لا يُعْرَفُ أحدٌ من طوائف العالم جوَّز الكذبَ على الله؛ لِمَا فَطَر اللهُ عقولَ البشر وغيرهم على قُبحه ومَقْتِ فاعله وخِسَّته ودناءته، ونَسَبَت إليه طوائفُ المشركين الشريكَ والولدَ لَمَّا لم يكن قبحُه عندهم كقُبح الكذب. وكفى بمذهبٍ بطلانًا وفسادًا هذا القولُ العظيمُ والإفكُ المبينُ لازِمُه، ومع هذا فأهلُه لا يتحاشَون من التزامه!! فلو التَزم القائلُ أيَّ مذهبٍ أُلْزِم (٢) كان خيرًا له من هذا. ونحن نستغفرُ الله من التقصير في ردِّ هذا المذهب القبيح، ولكنَّ ظهورَ قُبحه للعقول والفِطر أقوى شاهدٍ على ردِّه وإبطاله، ولقد كان كافينا مِنْ ردِّه نفسُ تصويره وعَرْضِه على عقول النَّاسِ وفِطرهم.

стр. 1151

فليتأمَّل اللبيبُ الفاضلُ ماذا يعودُ إليه نصرُ المقالات، والتَّعصُّبُ لها، والتزامُ لوازمها، وإحسانُ الظَّنِّ بأربابها بحيث يَرى مساوئهم محاسنَ، وإساءةُ الظَّنِّ بخصومهم بحيث يَرى محاسنَهم مساواء، كم أفسَد هذا السُّلوكُ من فطرةٍ وصاحبُها من الذين يحسبون أنهم على شيءٍ، ألا إنهم هم الكاذبون! ولا تتعجَّب من هذا؛ فإنَّ مرآة القلب لا يزالُ يُتَنفَّسُ فيها (١) حتى يَسْتَحْكِمَ صدؤها، فليس ببِدْعٍ لها أن ترى الأشياء على خلاف ما هي عليها، فمبدأ الهدى والفلاح صِقالُ تلك المرآة، ومنعُ الهوى من التنفُّس فيها، وفتحُ عَيْن البصيرة في أقوال من تسيءُ الظَّنَّ بهم كما تفتحُها في أقوال من تحسنُ الظَّنَّ بهم، وقيامُك لله، وشهادتُك بالقِسط، وأن لا يحملك بغضُ منازعيك وخصومك على جَحْد زَيْنِهم (٢)، وتقبيح محاسنهم، وترك العدل فيهم، فإنَّ الله لا يعتدُّ بتعب مَنْ هذا شأنُه، ولا يُجْدِي علمُه نفعًا أحوجَ ما يكونُ إليه، والله يحبُّ المقسطين، ولا يحبُّ الظَّالمين. الوجه الثَّالث والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ مستندَ الحكم بقُبح الكذب غائبًا قياسُ الغائب على الشاهد، وهو فاسد». فيقال: الرَّبُّ تعالى لا يدخُل مع خلقه في قياس تمثيلٍ ولا قياس شمولٍ يستوي أفرادُه، فهذان النوعان من القياس يستحيلُ ثبوتُهما في حقِّه، وأمَّا قياسُ الأولى فهو غيرُ مستحيلٍ في حقِّه، بل هو واجبٌ له، وهو مستعملٌ في حقِّه عقلًا ونقلًا:

стр. 1152

* أمَّا العقل، فكاستدلالنا على أنَّ معطي الكمال أحقُّ بالكمال، فمن جعل غيرَه سميعًا بصيرًا عالمًا متكلِّمًا حيًّا حكيمًا قادرًا مريدًا رحيمًا محسنًا فهو أولى بذلك وأحقُّ منه، ويثبتُ له مِنْ هذه الصِّفات أكملُها وأتمُّها. وهذا مقتضى قولهم (١): «كمالُ المعلول مستفادٌ من كمال علَّته»، ولكن نحن ننزِّه الله عن إطلاق هذه العبارة في حقِّه، بل نقول: كلُّ كمالٍ ثبتَ للمخلوق غير مستلزمٍ للنَّقص فخالقُه ومُعْطِيه إياه أحقُّ بالاتصاف به، وكلُّ نقصٍ في المخلوق فالخالقُ أحقُّ بالتنزُّه عنه، كالكذب والظُّلم والسَّفَه والعبث (٢)، بل يجبُ تنزيهُ الربِّ تعالى عن النَّقائص والعيوب مطلقًا وإن لم يتنزَّه عنها (٣) بعض المخلوقين. وكذلك إذا استدللنا على حكمته تعالى بهذه الطَّريق، نحو أن يقال: إذا كان الفاعلُ الحكيمُ الذي لا يَفْعَلُ فعلًا إلا لحكمةٍ وغايةٍ مطلوبةٍ له مِنْ فعله أكملَ ممَّن يفعلُ لا لغايةٍ ولا لحكمةٍ ولا لأجل عاقبةٍ محمودةٍ وهي مطلوبةٌ مِنْ فعله في الشاهد= ففي حقِّه تعالى أولى وأحرى، فإذا كان الفعلُ للحكمة كمالًا فينا فالربُّ تعالى أولى به وأحقُّ، وكذلك إذا كان التنزُّه عن الظُّلم والكذب كمالًا في حقِّنا فالربُّ تعالى أولى وأحقُّ بالتنزُّه عنه. * وبهذا ونحوه ضرب اللهُ الأمثالَ في القرآن، وذكَّر العقولَ ونبَّهها وأرشدَها إلى ذلك:

стр. 1153

كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]، فهذا مثلٌ ضرَبه يتضمَّنُ قياسَ الأولى في حقِّه (١)، يعني: إذا كان المملوكُ فيكم له مُلَّاكٌ مشتركون فيه، وهم متنازعون، ومملوكٌ آخرُ له مالكٌ واحد، فهل يكونُ هذا وهذا سواءً؟! فإذا كان هذا ليس عندكم كمن له ربٌّ واحدٌ ومالكٌ واحد، فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهةً متعدِّدةً تجعلونها شركاءَ لله، تحبُّونها كما تحبُّونه، وتخافونها كما تخافونه، وترجونها كما ترجونه؟! وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧]، يعني: أنَّ أحدكم (٢) لا يرضى أن يكون له بنتٌ، فكيف تجعلون لله ما لا ترضونه لأنفسكم؟! وكقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦]، يعني: إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيءٍ وغنيٌّ مُوسَّعٌ عليه يُنْفِقُ مما رزقه الله، فكيف تجعلون الصَّنمَ الذي هو أسوأ حالًا من هذا العبد شريكًا لله؟!

стр. 1154

وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدُهما أبكمُ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِق، وهو مع ذلك عاجزٌ لا يَقْدِرُ على شيء، وآخرُ على طريقٍ مستقيمٍ في أقواله وأفعاله، وهو آمرٌ بالعدل عاملٌ به لأنه على صراطٍ مستقيم، فكيف تُسَوُّون بين الله وبين الصَّنم في العبادة؟! ونظائرُ ذلك كثيرةٌ في القرآن وفي الحديث، كقوله في حديث الحارث الأشعريِّ: «وإنَّ الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مثَل من أشرك كمثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله، وقال له: اعمَل وأدِّ إليَّ، فكان يعملُ ويؤدِّي إلى غيره، فأيكم يحبُّ أن يكون عبدُه كذلك؟!» (١). فالله سبحانه لا تُضرَبُ له الأمثالُ التي يشتركُ هو وخلقُه فيها شمولًا ولا تمثيلًا، وإنَّما يُستعمَلُ في حقِّه قياسُ الأولى كما تقدَّم. الوجه الرابع والثَّلاثون: أنَّ النُّفاة إنما ردُّوا على خصومهم من الجهمية والمعتزلة في إنكارهم الصِّفات (٢) بقياس الغائب على الشاهد (٣). فقالوا: العالِمُ شاهدًا من له العلم، والمتكلِّمُ من قام به الكلام، والحيُّ والمريدُ والقادرُ من قام به الحياةُ والإرادةُ والقدرة، ولا يُعْقَلُ إلا هذا.

стр. 1155

قالوا: ولأنَّ شرطَ إطلاق الاسم شاهدًا وجودُ هذه الصِّفات، ولا يستحقُّ الاسمَ في الشاهد إلا من قامت [به]، فكذلك في الغائب. قالوا: ولأنَّ شرطَ العلم والقدرة والإرادة في الشاهد الحياةُ، فكذلك في الغائب. قالوا: ولأنَّ علَّة (١) كون العالِم عالمًا شاهدًا وجودُ العلم وقيامُه به، فكذلك في الغائب. فقالوا بقياس الغائب على الشاهد في العلَّة والشرط والاسم والحدِّ؛ فقالوا: حدُّ العالِم شاهدًا من قام به العلم، فكذلك غائبًا، وشرطُ صحَّة إطلاق الاسم عليه شاهدًا قيامُ العلم به، فكذلك غائبًا، وعلَّةُ (٢) كونه عالمًا شاهدًا قيامُ العلم به، فكذلكَ غائبًا. فكيف تُنكِرون هنا قياسَ الغائب على الشاهد، وتحتجُّون به في مواضع أخرى؟! وأيُّ تناقضٍ أكثر من هذا؟! فإن كان قياسُ الغائب على الشاهد باطلًا بَطَل احتجاجُكم علينا به في هذه المواضع، وإن كان صحيحًا بَطَل ردُّكم في هذا الموضع، فأمَّا أن يكون صحيحًا إذا استدللتم به، باطلًا إذا استدلَّ به خصومكم، فهذا أقبحُ التَّطفيف، وقبحُه ثابتٌ بالعقل والشرع (٣).

стр. 1156

الوجه الخامس والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ الله خلَّى بين العباد وظُلم بعضهم بعضًا، وأنَّ ذلك ليس بقبيحٍ منه، فإنه قبيحٌ منَّا» (١). فذلك فاسدٌ على أصل التكليف؛ فإنَّ التكليفَ إنما يتمُّ بإعطاء القدرة والاختيار، والله تعالى قد أقدَرَ عبادَه على الطَّاعات والمعاصي، والصَّلاح والفساد، وهذا الإقدارُ هو مناطُ الشرع والأمر والنهي، فلولاه لم يكن شرعٌ ولا رسالة، ولا ثوابٌ ولا عقاب، وكان النَّاسُ بمنزلة الجمادات والأشجار والنَّبات. فلو حالَ سبحانه بين العباد وبين القدرة على المعاصي لارتفع الشرعُ والرِّسالةُ والتكليف، وانتفت فوائدُ البعثة، ولَزِم من ذلك لوازمُ لا يحبُّها الله، وتعطَّلت به غاياتٌ محمودةٌ محبوبةٌ لله وهي ملزومةٌ لإقدار العباد وتمكينهم من الطَّاعة والمعصية، ووجودُ الملزوم بدون اللازم محال، وقد نبَّهنا على شيءٍ يسيرٍ من الحِكَم المطلوبة والغايات المحمودة فيما سَلَف من هذا الفصل وفي أوَّل الكتاب (٢). فلو أنَّ الربَّ تعالى خلق خلقَه ممنوعين من المعاصي غيرَ قادرين عليها بوجهٍ (٣) لم يكن لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهي والثَّواب والعقاب سببٌ يقتضيه، ولا حكمةٌ تستدعيه، وفي ذلك تعطيلُ الأمر جملة، بل تعطيلُ المُلك والحمد، والربُّ تعالى له الخلقُ والأمر، وله الملكُ والحمد.

стр. 1157

والغاياتُ المطلوبةُ والعواقبُ المحمودةُ التي لأجلها أنزَل كتبَه، وأرسل رسلَه، وشرع شرائعَه، وخلَق الجنةَ والنَّار، ووضعَ الثَّوابَ والعقاب، لا تحصُل (١) إلا بإقدار العبادِ على الخير والشرِّ، وتمكينهم من ذلك، وإعطائهم (٢) الأسبابَ والآلات التي يتمكَّنون بها مِنْ فعل هذا وهذا. فلهذا حَسُنَ منه ﵎ التَّخلِيةُ بين عباده وبين ما هم فاعِلُوه، وقَبُحَ من أحدنا أن يخلِّيَ بين عبيده وبين الإفساد وهو قادرٌ على منعهم، هذا مع أنه سبحانه لم يخلِّ بينهم، بل مَنَعَهم منه، وحرَّمه عليهم، ونَصَبَ لهم العقوبات الدُّنيوية والأخروية على القبائح، وأحلَّ بهم مِنْ بأسه وعذابه وانتقامه (٣) ما لا يفعلُه السيِّدُ من المخلوقين بعبيده ليمنعَهم ويزجُرهم. فقولكم: «إنه خلَّى بين عباده وبين إفساد بعضهم بعضًا وظُلم بعضهم بعضًا» كذبٌ عليه، فإنه لم يخلِّ بينهم شرعًا ولا قَدَرًا، بل حالَ بينهم وبين ذلك شرعًا أتمَّ حَيْلُولة، ومَنَعَهم قَدَرًا بحسب ما تقتضيه حكمتُه الباهرةُ وعلمُه المحيط، وخلَّى بينهم وبين ذلك بحسب ما تقتضيه حكمتُه وشرعُه ودينُه. فمنعُه سبحانه لهم وحيلولتُه بينهم وبين الشرِّ أعظمُ من تخلِيَته، والقَدْرُ الذي خلَّاه بينهم في ذلك هو ملزومُ أمره وشرعه ودينه؛ فالذي فعَله في الطَّرفين غايةُ الحكمة والمصلحة، ولا نهاية فوقه لاقتراح عقل.

стр. 1158

ولو خلَّى بينهم ــ كما زعمتم ــ لكانوا بمنزلة الأنعام السَّائمة، بل لو تركهم ودواعي طباعهم لأهلَك بعضُهم بعضًا، ولخَرِبَ العالمُ ومن عليه، بل ألجمهم لجامَ العجز والمنع من كلِّ ما يريدون، فلو أنه خلَّى بينهم وبين ما يريدون لفسَدت الخليقة، كما ألجمهم بلجام الشرع والأمر، ولو منَعهم جملةً ولم يمكِّنهم ولم يُقْدِرهم لتعطَّل الأمرُ والشرعُ جملة، وانتفت (١) حكمةُ البعثة والإرسال والثَّواب والعقاب. فأيُّ حكمةٍ فوق هذه الحكمة؟! وأيُّ أمرٍ أحسنُ مما فعله بهم؟! ولو أعطى النَّاسُ هذا المقام بعض حقِّه لعلموا أنه مقتضى الحكمة البالغة، والقدرة التَّامَّة، والعلم المحيط، وأنه غايةُ الحكمة. ومن فُتِحَ له بفهمٍ في القرآن رآه من أوَّله إلى آخره، ينبِّه العقولَ على هذا، ويرشدُها إليه، ويدلُّها عليه، وأنه يتعالى ويتنزَّه أن يكون هذا منه عبثًا، أو سُدًى، أو باطلًا، أو بغير الحقِّ، أو لا لمعنًى ولا لداعٍ وباعث، وأنَّ مصدَر ذاك جميعه عن عزَّته وحكمته. ولهذا كثيرًا ما يَقْرِنُ تعالى بين هذين الاسمين (العزيز الحكيم) في آيات التَّشريع والتكوين والجزاء؛ ليَدُلَّ عبادَه على أنَّ مصدَر ذلك كلِّه عن حكمةٍ بالغة، وعزَّةٍ قاهرة (٢).

стр. 1159

ففَهِمَ الموفَّقون عن الله مرادَه وحكمتَه، وانتهَوا إلى ما وَقَفوا عليه ووصلت إليه أفهامُهم وعلومُهم، وردُّوا علمَ ما غاب عنهم من ذلك إلى أحكم الحاكمين ومن هو بكلِّ شيءٍ عليم، وتحقَّقوا بما عَلِمُوه من حكمته التي بَهَرت عقولهم أنَّ لله في كلِّ ما خلق وأمرَ وأثابَ وعاقبَ من الحِكَم البوالغ ما تقصُر عقولهم عن إدراكه، وأنه تعالى هو الغنيُّ الحميد، العليمُ الحكيم، فمصدَر خلقه وأمره وثوابه وعقابه غناهُ وحمدُه وعلمُه وحكمتُه، ليس مصدرُه مشيئةً مجرَّدةً وقدرةً خاليةً من الحكمة والرَّحمة والمصلحة والغايات المحمودة المطلوبة له خلقًا وأمرًا، وأنه سبحانه لا يُسْألُ عمَّا يفعل؛ لكمال حكمته وعلمه ووقوع أفعاله كلِّها على أحسن الوجوه وأتمِّها على الصَّواب والسَّداد ومطابقة الحِكَم، والعباد يُسْألون؛ إذ ليست أفعالهم كذلك. ولهذا قال خطيبُ الأنبياء شعيبٌ ﷺ (١): ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فأخبر عن عموم قدرته تعالى، وأنَّ الخلقَ كلَّهم تحت تسخيره وقدرته، وأنه آخذٌ بنواصيهم، فلا محيصَ لهم من نفوذ مشيئته وقدرته فيهم. ثمَّ عقَّبَ ذلك بالإخبار عن تصرُّفه فيهم، وأنه بالعدل لا بالظُّلم، وبالإحسان لا بالإساءة، وبالصَّلاح لا بالفساد، فهو يأمرُهم وينهاهم، إحسانًا إليهم وحمايةً وصيانةً لهم، لا حاجةً إليهم ولا بخلًا عليهم، بل جودًا وكرمًا ولطفًا وبرًّا، ويثيبُهم إحسانًا وتفضُّلًا ورحمة، لا لمعاوَضةٍ واستحقاقٍ منهم

стр. 1160

ودَيْنٍ واجبٍ لهم يستحقُّونه عليه، ويعاقبُهم عدلًا وحكمة، لا تشفِّيًا ولا مخافةً ولا ظلمًا كما يعاقبُ الملوكُ وغيرُهم، بل هو على الصِّراط المستقيم، وهو صراطُ العدل والإحسان في أمره ونهيه وثوابه وعقابه. فتأمَّل ألفاظ هذه الآية، وما جمعَته من عموم القدرة وكمال المُلك، ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان، وما تضمَّنته من الرَّدِّ على الطَّائفتين، فإنها من كنوز القرآن، ولقد كَفَت وشَفَت لمن فُتِحَ عليه بفهمها (١). فكونُه تعالى على صراطٍ مستقيمٍ ينفي ظلمَه للعباد وتكليفَه إياهم ما لا يطيقون، وينفي العبثَ (٢) من أفعاله وشرعه، ويُثْبِتُ لها غايةَ الحكمة والسَّداد؛ ردًّا على منكري ذلك. وكونُ كلِّ دابَّةٍ تحت قبضته وقدرته، وهو آخذٌ بناصيتها، ينفي أن يقعَ في مُلكه من أحدٍ من المخلوقات شيءٌ بغير مشيئته وقدرته، وأنَّ من ناصيتُه بيد الله وفي قبضته لا يمكِنُه أن يتحرَّك إلا بتحريكِه، ولا يفعل إلا بإقدارِه، ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى؛ ردًّا على مُنكري ذلكَ من القدريَّة. فالطَّائفتان ما وفَّوا الآيةَ معناها، ولا قَدَرُوها حقَّ قَدْرها، فهو سبحانه على صراطٍ مستقيمٍ في عطائه ومنعه، وهدايته وإضلاله، وفي نفعه وضرِّه، وعافيته وبلائه، وإغنائه وإفقاره، وإعزازه وإذلاله، وإنعامه وانتقامه، وثوابه وعقابه، وإحيائه وإماتته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، وفي كلِّ ما يخلُق وكلِّ ما يأمرُ به.
следующие страницы →