← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

والإيمان ما حَرَمهم، وأوجبَ لهم سلوكَ تلك الطُّرق المسدودة، والله الفتَّاحُ العليم. الوجه الثَّامن والأربعون: قولكم: «فلا تكونُ نِعَمُه تعالى ثوابًا، بل ابتداءً» (١) = كلامٌ يحتملُ حقًّا وباطلًا. فإن أردتم به أنه لا يثيبُهم على أعمالهم بالجنَّة ونعيمها، ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون= فهو باطل، والقرآنُ أعظمُ شاهدٍ ببطلانه: قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ ــ ١٤]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 1192

خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]. وهذا في القرآن كثير، يبيِّن أنَّ الجنَّة ثوابُهم وجزاؤهم، فكيف يقال: لا تكونُ نِعَمُه ثوابًا على الإطلاق؟! بل لا تكونُ نِعَمُه تعالى في مقابلة الأعمال والأعمالُ ثَمَنًا لها؛ فإنه لن يُدْخِل أحدًا الجنَّةَ عملُه، ولا يدخُلها أحدٌ إلا بمجرَّد فضل الله ورحمته. وهذا لا ينافي ما تقدَّم من النُّصوص؛ فإنها إنما تدلُّ على أنَّ الأعمال أسبابٌ لا أعواضٌ وأثمان، والذي نفاه النبيُّ ﷺ من الدُّخول بالعمل هو نفيُ استحقاق العِوَض ببذل عِوَضِه؛ فالمثبَتُ باءُ السَّببيَّة، والمنفيُّ باءُ المعاوَضة والمقابَلة. وهذا فصلُ الخطاب في هذه المسألة (١). والقَدَرِيَّةُ الجبريَّةُ تنفي باءَ السَّببيَّة جملة، وتنكرُ أن تكون الأعمالُ سببًا في النَّجاة ودخول الجنَّة، وتلك النُّصوصُ وأضعافُها تُبْطِلُ قولَهم. والقَدَريَّةُ النُّفاةُ تثبتُ باءَ المعاوَضة والمقابَلة، وتزعمُ أنَّ الجنَّة عِوَضُ الأعمال، وأنها ثمنٌ لها، وأنَّ دخولها إنما هو بمحض الأعمال، والنُّصوصُ النَّافيةُ لذلك تُبْطِلُ قولَهم. والعقلُ والفِطرُ تُبْطِلُ قول الطَّائفتين، ولا يصحُّ في النُّصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التَّفصيل، وبه يتبيَّن أنَّ الحقَّ مع الوَسَط بين الفِرَق في جميع المسائل، لا يستثنى من ذلك شيء، فما اختلفت الفِرَقُ إلا كان الحقُّ مع الوَسَط (٢).

стр. 1193

وكلٌّ من الطَّائفتين معه حقٌّ وباطل: فأصاب الجبريَّةُ في نفي المعاوَضة، وأخطؤوا في نفي السَّببيَّة. وأصاب القَدَرِيَّةُ في إثبات السَّببيَّة، وأخطؤوا في إثبات المعاوَضة. فإذا ضممتَ أحد نفيَي الجبريَّة إلى أحد إثباتَي القَدَرِيَّة، ونفيتَ باطلَهما؛ كنتَ أسعدَ بالحقِّ منهما. فإن أردتم بأنَّ نِعَمه لا تكونُ ثوابًا هذا القَدْر، وأنها لا تكونُ عِوَضًا، بل هو المنعِمُ بالأعمال والثَّواب، وله المنَّةُ في هذا وهذا، ونعمتُه (١) بالثَّواب مِنْ غير استحقاقٍ ولا ثمنٍ يُعاوَضُ عليه، بل فضلٌ منه وإحسان= فهذا هو الحقُّ، فهو المانُّ بهدايته للإيمان، وتيسيره للأعمال، وإحسانه بالجزاء، كلُّ ذلك مجرَّدُ منَّته وفضله؛ قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. الوجه التاسع والأربعون: قولكم: «وإذا تعارض في العقول هذان الأمران، فكيف يهتدي العقلُ إلى اختيار أحدهما؟!» (٢). قلنا: قد تبيَّن ــ بحمد الله ــ أنه لا تعارض في العقول بين الأمرين أصلًا،

стр. 1194

وإنما يُقَدَّرُ التعارضُ بين العقل والهوى، وأمَّا أن يتعارض في العقول إرشادُ العباد إلى سعادتهم في المعاش والمعاد، وتركُهم همَلًا كالأنعام السَّائمة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا؛ فلم يتعارض هذان في عقلٍ صحيحٍ أبدًا. الوجه الخمسون: قولكم: «فكيف يُعَرِّفنا العقلُ وجوبًا على نفسِه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطَّاعة وعلى الرَّبِّ بالثَّواب والعقاب؟!» (١). فيقال: وأيُّ استبعادٍ في ذلك؟! وما الذي يُحِيلُه؟! فقد عرَّفنا العقلُ من الواجبات عليه ما يقبُح من العبد تركُها، كما عرَّفنا وعرَّف أهلَ العقول وذوي الفِطَر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة وجوبَ الإقرار بالله وربوبيَّته وشكر نعمته ومحبته، وعرَّفنا قُبحَ الإشراك به والإعراض عنه ونسبته إلى ما لا يليقُ به، وعرَّفنا قُبحَ الفواحش والظُّلم والإساءة والفجور والكذب والبَهْت والإثم والبغي والعدوان. فكيف يُسْتَبْعَدُ منه أن يعرِّفنا وجوبًا على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالشُّكر المقدور المسْتَحْسَن في العقول، التي جاءت الشرائعُ بتفصيل ما أدركه العقلُ منه جملةً، وبتقرير ما أدركه منه تفصيلًا؟! وأمَّا الوجوبُ على الله بالثَّواب والعقاب؛ فهذا مما تتباينُ فيه (٢) الطَّائفتان أعظمَ تبايُن: * فأثبتت القَدَرِيَّةُ من المعتزلة عليه تعالى وجوبًا عقليًّا وضعوه شريعةً

стр. 1195

له بعقولهم، وحرَّموا عليه الخروجَ عنه، وشبَّهوه في ذلك كلِّه (١). وبدَّعهم في ذلك سائرُ الطَّوائف، وسفَّهوا رأيهم فيه، وبيَّنوا مُناقَضتَهم، وألزموهم بما لا محيدَ لهم عنه. * ونفَت الجبريَّةُ أن يجبَ عليه ما أوجبه على نفسه ويحرُم عليه ما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه ما يتعالى ويتنزَّه عنه وما لا يليقُ بجلاله مما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه تركَ ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزَّه عن تركه وفعلِ ضدِّه. فتباينَ الطَّائفتان أعظمَ تبايُن. * وهدى الله الذين آمنوا ــ أهلَ السُّنَّة الوَسط ــ للطَّريقة المثلى التي جاء بها رسولُه، ونزل بها كتابُه، وهي أنَّ العقول البشريَّة ــ بل وسائر المخلوقات ــ لا توجبُ على ربِّها شيئًا ولا تحرِّمه، وأنه يتعالى ويتنزَّه عن ذلك، وأمَّا ما كَتَبه على نفسه وحرَّمه على نفسه فإنه لا يُخِلُّ به، ولا يقعُ منه خلافُه، فهو إيجابٌ منه على نفسه بنفسه، وتحريمٌ منه على نفسه بنفسه، فليس فوقه تعالى مُوجِبٌ ولا محرِّم. وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطُ ذلك وتقريرُه (٢). الوجه الحادي والخمسون: قولكم: «إنه على أصول المعتزلة يستحيلُ الأمرُ والنهيُ والتكليف» (٣)، وتقريرُكم ذلك= فكلامٌ لا مَطْعَن فيه، والأمرُ فيه كما ذكرتم، وأنَّ حقيقةَ قول القوم أنه لا أمرَ ولا نهيَ ولا شرعَ أصلًا؛ إذ

стр. 1196

ذلك إنما يصحُّ إذا ثبت قيامُ الكلام بالمُرْسِل الآمر النَّاهي وقيامُ الاقتضاء والطَّلب والحبِّ لما أمَر به والبغض لما نهى عنه. فأمَّا إذا لم يثبُت له كلامٌ ولا إرادةٌ ولا اقتضاءٌ ولا طلبٌ ولا حبٌّ ولا بغضٌ قائمٌ به، فإنه لا يُعْقَلُ أصلًا كونُه آمرًا ولا ناهيًا، ولا باعثًا للرُّسل، ولا محبًّا للطَّاعة باغضًا للمعصية. فأصولُ هذه الطَّائفة تعطلُ الصَّانع (١) عن صفات كماله، فإنها تستلزمُ إبطالَ الرِّسالة والنبوَّة جملةً، ولكن رُبَّ لازمٍ لا يلتزمُه صاحبُ المقالة، ويتناقضُ في القول بملزومه دونَ القول به، ولا ريبَ أنَّ فسادَ اللازم مستلزمٌ لفساد الملزوم. ولكن يقالُ لكم معاشرَ الجبريَّة: لا تكونوا ممَّن يرى القذاةَ في عين أخيه ولا يرى الجِذْعَ المُعْتَرِض في عينه، فقد ألزمَتكم القَدَرِيَّةُ ما لا محيدَ لكم عنه، وقالوا: من نفى فعلَ العبد جملةً فقد عطَّل الشرائعَ والأمرَ والنهي؛ فإنَّ الأمرَ والنهيَ لا يتعلَّقُ إلا بالفعل المأمور به، فهو الذي يُؤمَرُ به ويُنهى عنه، ويثابُ عليه ويعاقَب، فإذا نفيتم فعلَ العبد فقد رفعتم متعلَّقَ الأمر والنهي، وفي ذلك إبطالُ الأمر والنهي، فلا فرقَ بين رفع المأمور به المنهيِّ عنه ورفع المأمور المنهيِّ نفسِه؛ فإنَّ الأمرَ يستلزمُ آمرًا ومأمورًا به، ولا تصحُّ له حقيقةٌ إلا بهذه الثَّلاث.

стр. 1197

ومعلومٌ أنَّ أمرَ الآمِر [غيرَه] (١) بفعلِ نفسِه ونهيَه عن [فعلِ] (٢) نفسِه يُبْطِلُ التكليفَ جملةً؛ فإنَّ التكليف لا يُعْقَلُ معناه إلا إذا كان المكلَّفُ قد كُلِّفَ بفعله [الذي] هو المقدورُ له، التَّابعُ لإرادته ومشيئته. وأمَّا إذا رفعتم ذلك من البَيْن (٣)، وقلتم: بل هو مكلَّفٌ بفعل الله حقيقةً، لا يدخُل تحت قدرة العبد، ولا هو متمكِّنٌ من الإتيان به، ولا هو واقعٌ بإرادته ومشيئته؛ فقد نفيتم التكليف جملةً من حيث أثبتموه، وفي ذلك إبطالٌ للشرائع والرِّسالة جملة. قالوا: فليتأمَّل المنصفُ الفَطِنُ ــ لا البليدُ المتعصِّب ــ صحَّةَ هذا الإلزام، فلن يجد عنه محيدًا. قالوا: فأنتم معاشرَ الجبريَّة قَدَرِيَّةٌ من حيث نفيُكم (٤) الفعلَ المأمورَ به، فإن كان خصومكم قَدَرِيَّةً من حيث نفَوا تعلُّقَ القدرة القديمة، فأنتم أولى أن تكونوا قَدَرِيَّةً من حيث نفيتم فعلَ العبد له، وتأثيرَه فيه، وتعلُّقه بمشيئته، فأنتم أثبتُّم قَدَرًا على الله وقَدَرًا على العبد: * أمَّا القَدَرُ على الله، فحيث زعمتم أنه تعالى يأمرُ بفعلِ نفسِه، وينهى عن فعلِ نفسِه. ومعلومٌ أنَّ ذلك لا يصلُح أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه، فأثبتُّم أمرًا ولا مأمورَ به، ونهيًا ولا منهيَّ عنه. وهذه قَدَرِيَّةٌ محضةٌ في حقِّ الرَّبِّ.

стр. 1198

* وأمَّا في حقِّ العبد، فإنكم جعلتموه مأمورًا منهيًّا من غير أن يكون له فعلٌ يُؤمَرُ به ويُنهى عنه. فأيُّ قَدَرِيَّةٍ أبلغُ من هذه؟! فمن الذي تضمَّن قولُه إبطالَ الشَّرائع وتعطيلَ الأوامر؟! فليتنبَّه اللبيبُ لمَواقع (١) هذه المساجَلة، وسهام هذه المناضَلة، ثمَّ ليَخْتَر منهما إحدى خُطَّتين، ولا والله «ما فيهما حظٌّ لمختار» (٢). ولا ينجو من هذه الوَرَطاتِ إلا من أثبت كلامَ الله القائمَ به، المتضمِّنَ لأمره ونهيه ووعده ووعيده، وأثبت له ما أثبت لنفسه من صفات كماله، ومن الأمور الثُّبوتيَّة القائمة به، ثمَّ أثبت مع ذلك فعلَ العبد واختيارَه ومشيئتَه وإرادتَه التي هي مناطُ الشرائع ومتعلَّقُ الأمر والنهي، فلا جَبْريٌّ ولا جهميٌّ ولا قَدَريٌّ. وكيف يختارُ العاقلُ آراءً ومذاهبَ هذه بعض لوازمها؟! ولو صابَرها إلى آخرها لاستبانَ له من فسادها وبطلانها ما يتعجَّبُ معه من قائلها ومُنْتَحِلها، والله الموفِّق للصَّواب. الوجه الثَّاني والخمسون: قولكم: «إنه ما مِن معنًى يُستَنبطُ من قولٍ أو فعلٍ ليُربَط به معنًى مناسبٌ له إلا ومن حيث العقلُ يعارضُه معنًى آخرُ يساويه في الدَّرجة أو يفضُل عليه في المرتبة، فيتحيَّر العقلُ في الاختيار، إلى أن يَرِدَ شرعٌ يختارُ أحدَهما أو يرجِّحُه من تلقائه، فيجبُ على العاقل اعتبارُه

стр. 1199

واختيارُه لترجيح الشَّرع له، لا لرجحانه في نفسه» (١). فيقال: إن أردتم بهذه المعارضة أنها ثابتةٌ في جميع الأفعال والأقوال المشتملة على الأوصاف المناسبة التي رُبِطت بها الأحكام ــ كما يدلُّ عليه كلامكم ــ؛ فدعوى باطلةٌ بالضرورة، وهي كذبٌ محضٌ. وكذلك إن أردتم أنها ثابتةٌ في أكثرها. فأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح في الكذب والفجور، والظُّلم وإهلاك الحرث والنَّسل، والإساءة إلى المحسنين، وضرب الوالدَيْن واحتقارهما والمبالغة في إهانتهما بلا جُرْم؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للأوصاف القبيحة في الشِّرك بالله ومشيئته وكفران نِعَمه؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح (٢) في أنواع الفواحش التي فُطِرَت العقولُ والفِطرُ على استقباحها؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح في نكاح الأمَّهات واستفراشهنَّ كاستفراش الإماء والزَّوجات؟! إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما تَشْهَدُ العقول بقُبحه من غير مُعارِضٍ فيها. بل نحن لا ننكرُ أن يكونَ داعي الشهوة والهوى وداعي العقل يتعارضان؛ فإن أردتم هذا التعارض فمُسَلَّمٌ، ولكن لا يُجْدِي عليكم إلا عكسَ مطلوبكم. وكذلك أيُّ معارضةٍ في العقول للأوصاف المقتضية حُسْنَ عبادة الله وشكره، وتعظيمه وتمجيده، والثَّناء عليه بآلائه وإنعامه وصفات جلاله ونُعوت كماله، وإفراده بالمحبة والعبادة والتَّعظيم؟!

стр. 1200

وأيُّ معارضةٍ في العقول للأوصاف المقتضية حُسْنَ الصِّدق والبِرِّ، والإحسان والعدل، والإيثار، وكشف الكُربات وقضاء الحاجات وإغاثة الَّلهَفات، والأخذ على أيدي الظَّالمين، وقَمْع المفسدين، ومنع البُغاة والمعتدين، وحِفظ عقول العالمين وأموالهم ودمائهم وأعراضهم بحسب الإمكان، والأمر بما يُصْلِحُها ويكمِّلها، والنهي عمَّا يُفْسِدُها وينقُصها؟! وهذه حالُ جملة الشَّرائع وجمهورها، إذا تأمَّلها العقلُ جَزَم أنه يستحيلُ على أحكم الحاكمين أن يشرَع خلافَها لعباده. وأمَّا إن أردتم أنَّ في بعض ما يَدِقُّ منها مسائلَ تتعارض فيها الأوصافُ المستنبَطةُ في العقول، فيتحيَّر العقلُ بين المناسب منها وغير المناسب؛ فهذا وإن كان واقعًا فإنه لا ينفي (١) حُسْنَها الذَّاتيَّ وقُبحَ منهيِّها الذَّاتي، وكونُ الوصف خفيَّ المناسبة والتَّأثير في بعض المواضع مما لا يَدْفَعُه. وهذه حالُ كثيرٍ من الأمور العقليَّة المحضة، بل الحِسِّيَّة. وهذا الطِّبُّ مع أنه حِسِّيٌّ تجريبيٌّ تُدْرَكُ منافعُ الأغذية والأدوية وقُواها وحرارتُها وبرودتُها ورطوبتُها ويبوستُها فيه بالحِسِّ، ومع هذا فأنتم ترونَ اختلافَ أهله في كثيرٍ من مسائلهم في الشيء الواحد، هل هو نافعٌ كذا، ملائمٌ له أو منافرٌ مؤذٍ (٢)؟ وهل هو حارٌّ أو بارد؟ وهل هو رطبٌ أو يابس؟ وهل فيه قوَّةٌ تصلُح لأمرٍ من الأمور أو لا قوَّة فيه؟ ومع هذا فالاختلافُ المذكورُ لا ينفي عند العقلاء ما جُعِلَ في الأغذية والأدوية من القُوى والمنافع والمضارِّ والكيفيَّات؛ لأنَّ سببَ الاختلاف

стр. 1201

خفاءُ تلك الأوصاف على بعض العقلاء، ودِقَّتُها، وعجزُ الحِسِّ والعقل عن تمييزها ومعرفة مقاديرها والنِّسَب الواقعة بين كيفيَّاتها وطبائعها. ولم يكن هذا الاختلافُ بمُوجِبٍ عند أحدٍ من العقلاء إنكارَ جملة العلم وجمهور قواعده ومسائله، ودعوى أنه ما مِنْ وصفٍ يُستنبَطُ من دواءٍ مفرَدٍ أو مركَّبٍ أو من غذاءٍ إلا وفي العقل ما يعارضه فيتحيَّر العقل! ولو ادَّعى هذا مُدَّعٍ لضَحِك منه العقلاء، بما عَلِمُوه بالضرورة والحسِّ من ملاءمة الأوصاف ومنافرتها، واقتضاءِ تلك الذَّوات للمنافع والمضارِّ في الغالب، ولا يكون اختلافُ بعض العقلاء يُوجِبُ إنكارَ ما عُلِمَ بالضرورة والحسِّ. فهكذا الشرائع. الوجه الثالث والخمسون: إنَّ قولكم: «إذا قتَل إنسانٌ إنسانًا مثله عرَض للعقل هاهنا آراءٌ متعارضةٌ مختلفة ... » (١) إلى آخره. فيقال: إن أردتم أنَّ العقل يسوِّي بين ما شرَعه الله من القصاص وبين تركِه لمصلحة الجاني، فبَهْتٌ للعقل وكذبٌ عليه؛ فإنه لا يستوي عند عاقلٍ قطُّ حُسْنُ الاقتصاص من الجاني بمثل ما فَعَلَ وحُسْنُ تركِه والإعراض عنه، ولا يُعْلَمُ عقلٌ صحيحٌ يسوِّي بين الأمرين. وكيف يستوي أمران: أحدُهما يستلزمُ فسادَ النَّوع، وخرابَ العالم، وتركَ الانتصار للمظلوم، وتمكينَ الجُناة من البغي والعدوان. والثَّاني يستلزمُ صلاحَ النَّوع، وعمارةَ العالم، والانتصارَ للمظلوم، ورَدْعَ الجُناة والبُغاة والمعتدين؟!

стр. 1202

فكان في القِصاص حياةُ العالَم وصلاحُ الوجود. وقد نبَّه تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وفي ضِمْن هذا الخطاب ما هو كالجواب لسؤالٍ مقدَّر: أنَّ إعدام (١) هذه البِنْية الشريفة (٢)، وإيلامَ هذه النَّفس وإعدامَها، في مقابلة إعدام المقتول تكثيرٌ لمفسدة القتل، فلأيَّة حكمةٍ صَدَرَ هذا ممَّن وَسِعَت رحمتُه كلَّ شيء، وبَهَرت حكمتُه العقول؟! فتضمَّن الخطابُ جوابَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وذلك لأنَّ القاتلَ إذا توهَّم أنه يُقْتَلُ قِصاصًا بمن قَتَله كَفَّ عن القتل وارتَدَع، وآثَر حُبَّ حياته ونفسِه؛ فكان فيه حياةٌ له ولمن أراد قتلَه. ومن وجهٍ آخر؛ وهو أنهم كانوا إذا قُتِل الرَّجلُ من عشيرتهم وقبيلتهم قَتَلوا به كلَّ من وجدوه من عشيرة القاتل وحَيِّه وقبيلته، وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يَعُمُّ ضررُه، وتشتدُّ مُؤنتُه؛ فشرَع الله تعالى القِصاص، وأن لا يُقْتَل بالمقتول غيرُ قاتله، ففي ذلك حياةُ عشيرته وحَيِّه وأقاربه. ولم تكن الحياةُ في القِصاص مِنْ حيث إنه قتلٌ، بل مِنْ حيث كونُه قِصاصًا يُؤخَذُ القاتلُ وحده بالمقتول، لا غيرُه. فتضمَّن القِصاصُ الحياةَ في الوجهين جميعًا. وتأمَّل ما تحت هذه الألفاظ الشَّريفة من الجلالة والإيجاز، والبلاغة والفصاحة، والمعنى العظيم:

стр. 1203

* فصَدَّر الآيةَ بقوله: ﴿وَلَكُمْ﴾ المُؤْذِن بأنَّ منفعة القِصاص مختصَّةٌ بكم عائدةٌ إليكم، فشرعُه إنما كان رحمةً بكم وإحسانًا إليكم، فمنفعتُه ومصلحتُه لكم، لا لمن لا يبلغُ العبادُ ضرَّه ونفعَه. * ثمَّ عقَّبه بقوله: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ إيذانًا بأنَّ الحياة الحاصلة إنما هي في العدل، وهو أن يُفْعَل به كما فَعَل. والقصاصُ في اللغة: المماثلَة، وحقيقتُه راجعةٌ إلى الاتِّباع (١). ومنه قوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: اتَّبعي أثرَه. ومنه قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي: يقُصَّان الأثرَ ويتَّبعانه. ومنه: قَصُّ الحديث واقتصاصُه؛ لأنه يَتْبَعُ بعضُه بعضًا في الذِّكر. فسمِّي جزاءُ الجاني قِصاصًا لأنه يُتَّبعُ أثرُه فيُفْعَلُ به كما فَعَل. وهذا أحدُ ما يُسْتَدلُّ به على أن يُفْعَل بالجاني كما فَعَل، فيُقْتَل بمثل ما قَتَل به؛ لتحقيق معنى القِصاص. وقد ذكرنا أدلَّة المسألة من الطَّرفين، وترجيحَ القول الرَّاجح بالنَّصِّ والأثر والمعقول في كتاب «تهذيب السُّنن» (٢). * ونكَّر سبحانه الحياةَ تعظيمًا لها وتفخيمًا لشأنها، وليس المرادُ حياةً ما، بل المعنى أنَّ في القِصاص حصولَ هذه الحقيقة المحبوبة للنُّفوس، المُؤْثَرة عندها، المُسْتَحْسَنة في كلِّ عقل.

стр. 1204

والتَّنكيرُ كثيرًا ما يجيء للتَّعظيم والتَّفخيم، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. * ثمَّ خَصَّ أولي الألباب، وهم أولو العقول التي عَقَلَت عن الله أمرَه ونهيَه وحكمتَه؛ إذ هم المنتفعون بالخطاب. ووازِن بين هذه الكلمات وبين قولهم: «القتلُ أنفى للقتل»، تتبيَّنْ مقدارَ التَّفاوت وعظمةَ القرآن وجلالتَه (١). الوجه الرابع والخمسون: قولكم: «إنَّ القِصاصَ إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان، ولا يحيا الأوَّلُ بقتل الثَّاني، ففيه تكثيرُ المفسدة بإعدام النَّفْسَيْن، وأمَّا مصلحةُ الرَّدع والزَّجر واستبقاء النَّوع فأمرٌ متوهَّم، وفي القِصاص استهلاكٌ محقَّق» (٢). فيقال: هذا الكلامُ من أفسد الكلام وأبينه بطلانًا؛ فإنه يتضمَّنُ التَّسويةَ بين القبيح الذي اتفقت العقولُ والدياناتُ على قُبحه وفساده، وبين الحسَن (٣) الذي اتفقت العقولُ والدياناتُ على حُسْنه وصلاح الوجود به.

стр. 1205

وهل يستوي في عقلٍ أو دينٍ أو فطرةٍ القتلُ ظلمًا وعدوانًا بغير حقٍّ والقتلُ قِصاصًا وجزاءً بالحقِّ؟! ونظيرُ هذه التَّسوية (١): تسويةُ المشركين بين الرِّبا والبيع؛ لاستوائهما في صورة العقد. ومعلومٌ أنَّ استواء الفعلَين في الصُّورة لا يُوجِبُ استواءهما في الحقيقة، ومدَّعي ذلك في غاية المكابرة. وهل يدلُّ استواءُ السُّجود لله والسُّجود للصَّنم في الصُّورة الظَّاهرة ــ وهو وضعُ الجبهة على الأرض ــ على أنهما سواءٌ في الحقيقة، حتى يتحيَّر العقلُ بينهما، ويتعارضان فيه؟! ويكفي في فساد هذا إطباقُ العقلاء قاطبةً على قُبح القتل الذي هو ظلمٌ وبغيٌ وعُدوان، وحُسْن القتل الذي هو جزاءٌ وقِصاصٌ ورَدْعٌ وزَجْر، والفرقُ بين هذين مثلُ الفرق بين الزِّنا والنكاح، بل أعظمُ وأظهَر، بل الفرقُ بينهما من جنس الفرق بين الإصلاح في الأرض والإفساد فيها، فما تَعارض في عقلٍ صحيحٍ قطُّ هذان الأمران حتى يتحيَّر بينهما أيهما يُؤثِرُه ويختارُه. وقولكم: «إنه إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان»، فكذلك هو، لكن إتلافٌ حسَن، هو مصلحةٌ وحكمةٌ وصلاحٌ للعالم، في مقابلة إتلافٍ هو فسادٌ وسَفَهٌ وخرابٌ للعالم، فأنَّى يستويان؟! أم كيف يعتدلان، حتى يتحيَّر العقلُ بين الإتلاف الحسَن وتَرْكِه؟! وقولكم: «لا يحيا الأوَّلُ بقتل الثَّاني».

стр. 1206

قلنا: يحيا به عددٌ كثيرٌ من النَّاس؛ إذ لو تُرِك ولم يُؤْخَذ على يديه لأهلكَ النَّاسُ بعضُهم بعضًا، فإن لم يكن في قتل الثَّاني حياةٌ للأوَّل، ففيه حياةٌ للعالَم، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ولكنَّ هذا المعنى لا يُدْرِكه حقَّ الإدراك إلا أولو الألباب. فأين هذه الشريعةُ وهذه الحكمةُ وهذه المصلحةُ من هذا الهذيان الفاسد، وأن يقال: قتلُ الجاني إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان، فيكونُ قبيحًا لولا الشَّرع؟! فوازِن بين هذا وبين ما شرَعه الله وجَعَل مصالحَ عباده منُوطةً به. وقولكم: «فيه تكثيرُ المفسدة بإعدام النَّفْسَيْن». فيقال: لو أعطيتم رُتَبَ المصالح والمفاسد حقَّها لم ترتضوا بهذا الكلام الفاسد؛ فإنَّ الشرائعَ والفِطرَ والعقولَ متَّفقةٌ على تقديم المصلحة الراجحة، وعلى ذلك قام العالَم، وما نحن فيه كذلك؛ فإنه احتمالٌ لمفسدة إتلاف الجاني إلى هذه المفسدة العامَّة. فمن تحيَّر عقلُه بين هاتين المفسدتين فلِفَسادٍ فيه! والعقلاء قاطبةً متَّفقون على أنه يحسُن إتلافُ جزءٍ لسلامة كلٍّ؛ كقطع الإصبع أو اليد المتأكِّلة لسلامة سائر البدن، وكذلك يحسُن الإيلامُ لدفع إيلامٍ أعظمَ منه؛ كقطع العُروق وبَطِّ الخُرَاج (١) ونحوه، فلو طَرَد العقلاءُ قياسَكم هذا الفاسد، وقالوا: هذا إيلامٌ متحقِّقٌ لدفع إيلامٍ متوهَّم، لفَسَدَ البدنُ جملةً. ولا فرق عند العقول بين هذا وبين قياسكم في الفساد.

стр. 1207

الوجه الخامس والخمسون: قولكم: «إنَّ مصلحةَ الرَّدع والزَّجر وإحياء النَّوع أمرٌ متوهَّم» = كلامٌ بيِّنٌ فسادُه، بل هو أمرٌ متحقِّقٌ وقوعُه عادةً، ويدلُّ عليه ما نشاهدُه من الفساد العامِّ عند ترك الجُناة والمفسدين وإهمالهم وعدم الأخذ على أيديهم، والمتوهِّم من زَعَمَ أنَّ ذلك موهوم. وهو بمثابة من دَهَمه العدوُّ، فقال: لا نعرِّض أنفسَنا لمشقَّة قتالهم، فإنه مفسدةٌ متحقِّقة، وأمَّا استيلاؤهم على بلادنا وسَبْيُهم ذرارينا وقتلُ مقاتِلَتنا فموهومٌ! فياليت شِعْري .. من الموهومُ (١) المخطاء في وهمِه؟! ونظيرُه أيضًا: أنَّ الرَّجلَ إذا تبيَّغ به الدَّم (٢)، واضطُرَّ إلى إخراجه، أن لا يَعْرِض لشَقِّ جِلْده وقَطْع عُروقه؛ لأنه ألمٌ محقَّقٌ لأمرٍ موهوم! ولو طُرِدَ هذا القياسُ الفاسدُ لخَرِبَ العالم، وتعطَّلت الشرائع. والاعتمادُ في طلب مصالح الدَّارين ودفع مفاسدهما مبنيٌّ على هذا الذي سمَّيتموه أنتم موهومًا؛ فالعُمَّالُ في الدُّنيا إنما يتصرَّفون بناءً على الغالب المعتاد الذي اطَّردت به العادة، وإن لم يجزموا به؛ فإنَّ الغالبَ صِدقُ العادة واطِّرادُها عند قيام أسبابها: فالتَّاجرُ يحتمِلُ مشقَّةَ السَّفر في البرِّ والبحر بناءً على أنه يَسْلَمُ ويَغْنَم، فلو طَرَدَ هذا القياسَ الفاسد، وقال: «السَّفرُ مشقَّةٌ متحقِّقة، والكسبُ أمرٌ موهوم»، لتعطَّلت أسفارُ النَّاس بالكليَّة.

стр. 1208

وكذلك عُمَّالُ الآخرة، لو قالوا: «تعبُ العملِ ومشقَّتُه أمرٌ متحقِّق، وحُسْنُ الخاتمة أمرٌ موهوم»، لعطَّلوا الأعمالَ جملة. وكذلك الأُجَراءُ والصُّنَّاعُ والملوكُ والجندُ وكلُّ طالب أمرٍ من الأمور الدُّنيويَّة أو الأخرويَّة، لولا بناؤه على الغالب وما جرت به العادةُ لما احتَمل المشقَّة المتيقَّنة لأمرٍ منتَظر. ومِنْ هاهنا قيل: إنَّ إنكار هذه المسألة يستلزمُ تعطيلَ الدُّنيا والآخرة من وجوهٍ متعدِّدة. الوجه السادس والخمسون: قولكم: «ويعارضُه معنًى ثالثٌ وراءهما فيفكِّر العقلُ: أيراعِي شروطًا أخرى وراء مجرَّد الإنسانية، من العقل والبلوغ، والعلم والجهل، والكمال والنَّقص، والقَرابة والأجنبية، فيتحيَّر العقلُ كلَّ التحيُّر، فلا بدَّ إذَن من شارعٍ يفصِّلُ هذه الخُطَّة، ويعيِّنُ قانونًا يطَّردُ عليه أمرُ الأمَّة، وتستقيمُ عليه مصالحهم» (١). فيقال: لا ريبَ أنَّ الشرائعَ تأتي بما لا تستقلُّ العقولُ بإدراكه، فإذا جاءت به الشريعةُ اهتدى العقلُ (٢) حينئذٍ إلى وجه حُسْن مأموره وقُبح منهيِّه، فنبَّهَته (٣) الشريعةُ على وجه الحكمة والمصلحة الباعثَين لشرعه. فهذا مما لا يُنْكَر. وهذا الذي قلنا فيه: إنَّ الشرائعَ تأتي بمَحَارات العقول لا بمُحَالات

стр. 1209

العقول، ونحن لم ندَّع ــ ولا عاقلٌ قطُّ ــ أنَّ العقلَ يستقلُّ بجميع تفاصيل ما جاءت به الشَّريعة بحيث لو تُرِك وحده لاهتدى إلى كلِّ ما جاءت به. إذا عُرِفَ هذا، فغايةُ ما ذكرتم أنَّ الشريعةَ الكاملة اشترطت في وجوب القِصاص شروطًا لا يهتدي العقلُ إليها. وأيُّ شيءٍ يَلْزَمُ مِنْ هذا؟! وماذا يُنْتِجُ لكم (١) ومُنازِعوكم يسلِّمونه لكم؟! وقولكم: «إنَّ هذا مُعارِضٌ للوصف المقتضي لثبوت القِصاص مِنْ قيام مصلحة العالم»، إمَّا غفلةٌ عن شروط المعارَضة، وإمَّا اصطلاحٌ طارٍ سمَّيتم فيه ما لا يهتدي العقلُ إليه من شروط اقتضاء الوصف لمُوجَبه مُعارَضةً! فيالله العَجب! أيُّ مُعارَضةٍ هاهنا إذا كان العقلُ والفطرةُ قد شَهِدا بحُسْنِ القتل قِصاصًا وانتظامِه للعالَم، وتوقَّفا في اقتضاء هذا الوصف: هل يُضَمُّ إليه شرطٌ آخرُ غيرُه أم يكفي بمجرَّده، وفي تعيينِ (٢) تلك الشروط؟! فأدرَك العقلُ ما استقلَّ بإدراكه، وتوقَّف عمَّا لا يستقلُّ بإدراكه حتى اهتدى إليه بنور الشريعة. يوضِّحُ هذا: الوجه السَّابعُ والخمسون: أنَّ ما وَرَدَت به الشريعةُ في أصل القِصاص وشروطه منقسمٌ إلى قسمين: أحدهما: ما حُسْنُه معلومٌ بصريح العقل الذي لا يستريبُ فيه عاقل، وهو أصلُ القِصاص، وانتظامُ مصالح العالم به.

стр. 1210

والثَّاني: ما حُسْنُه معلومٌ بنظر العقل وفكره وتأمُّله، فلا يهتدي إليه إلا الخواصُّ، وهو ما اشترط اقتضاء هذا الوصف، أو جُعِل تابعًا له. فاشترط له المكافأة في الدِّين؛ وهذا في غاية المراعاة للحكمة والمصلحة؛ فإنَّ الدِّين هو الذي فرَّق بين النَّاس في العِصمة، وليس في حكمة الله وحُسْن شرعِه أن يجعل دمَ وليِّه، وعبده، وأحبِّ خلقه إليه، وخير بريَّته، ومن خَلَقَه لنفسِه، واختصَّه بكرامته، وأهَّله لجواره في جنَّته، والنَّظر إلى وجهه، وسماع كلامه في دار كرامته= كَدَم عدوِّه، وأمقَتِ خلقِه إليه، وشرِّ بريَّته، والعادِل به (١)، العادِل (٢) عن عبادته إلى عبادة الشيطان، الذي خَلَقه للنَّار، وللطَّرد عن بابه، والإبعاد عن رحمته. وبالجملة؛ فحاشا حكمتَه أن تسوِّي بين دماء خير البريَّة ودماء شرِّ البريَّة في أخذِ هذه بهذه، سيَّما وقد أباح لأوليائه دماءَ أعدائه وجَعَلهم قرابينَ لهم، وإنما اقتضت حكمتُه أن يكفُّوا عنهم إذا صاروا تحت قَهْرهم وإذلالهم كالعبيد لهم، يؤدُّون إليهم الجِزيةَ التي هي خَراجُ رؤوسِهم (٣)، مع بقاء السَّبب المُوجِب لإباحة دمائهم. وهذا التَّركُ والكفُّ لا يقتضي استواءَ الدَّمَيْن عقلًا، ولا شرعًا، ولا مصلحة. ولا ريبَ أنَّ الدَّمَيْن قبل القهر والإذلال لم يكونا بمستويَيْن؛ لأجل الكفر، فأيُّ

стр. 1211

مُوجِبٍ لاستوائهما بعد الاستذلال، والكفرُ قائمٌ بعينِه؟! فهل في الحكمة وقواعد الشريعة ومُوجَبات العقول أن يكون الإذلالُ والقهرُ للكافر مُوجِبًا لمساواة دمه لدم المسلم؟! هذا مما تأباهُ الحكمةُ والمصلحةُ والعقول. وقد أشار ﷺ إلى هذا المعنى، وكَشَف الغطاء، وأوضحَ المُشْكِل، بقوله: «المسلمون تتكافأُ دماؤهم» (١)، أو قال: «المؤمنون ... » (٢)؛ فعلَّق المكافأة بوصفٍ لا يجوزُ إلغاؤه وإهدارُه وتعليقُها بغيره؛ إذ يكونُ إبطالًا لما اعتبره الشارعُ واعتبارًا لما أبطَله، فإذا علَّق المكافأةَ بوصف الإيمان كان كتعليقه سائرَ الأحكام بالأوصاف؛ كتعليق القَطْع بوصف السَّرقة، والرَّجم بوصف الزِّنا، والجَلْدِ بوصف القَذف والشُّرب، ولا فرقَ بينهما أصلًا. فكلُّ من علَّق الأحكامَ بغير الأوصاف التي علَّقها به الشارعُ كان تعليقُه منقطعًا مُنْصَرِمًا، وهذا مما اتفق أئمَّةُ الفقهاء على صحَّته. فقد أدَّى نظرُ العقل إلى أنَّ دَمَ عدوِّ الله الكافر لا يساوي دَمَ وَلِيِّه، ولا يكافئه أبدًا، وجاء الشرعُ بمُوجَبه، فأيُّ معارضةٍ هاهنا؟! وأيُّ حَيْرة؟! إن هو إلا بصيرةٌ على بصيرة، ونورٌ على نور.

стр. 1212

وليس هذا مكانَ استيعاب الكلام على هذه المسألة (١)، وإنما الغرض التَّنبيهُ على أنَّ في صريح العقل الشهادةَ لما جاء به الشرعُ فيها. فصل وعكسُ هذا أنه لم يَشْترط المكافأةَ في علمٍ وجهل، ولا في كمالٍ وقُبح، ولا في شَرَفٍ وضَعَة، ولا في عقلٍ وجنون، ولا في أجنبيَّةٍ وقَرابة، خلا الوالدَ والولد. وهذا من كمال الحكمة وتمام النِّعمة، وهو في غاية المصلحة؛ إذ لو رُوعِيَت هذه الأمورُ لتعطَّلت مصلحةُ القِصاص إلا في النَّادر البعيد؛ إذ قلَّ أن يستوي شخصان من كلِّ وجه، بل لا بدَّ من التَّفاوت بينهما في هذه الأوصافِ أو في بعضها؛ فلو أنَّ الشريعة جاءت بأن لا يُقْتَصَّ إلا مِنْ مُكافاءٍ مِنْ كلِّ وجه، لفسدَ العالَم، وعَظُمَ الهَرْج، وانتشر الفساد. ولا يجوزُ على عاقلٍ وضعُ هذه السِّياسة الجائرة، وواضِعُها إلى السَّفه أقربُ منه إلى الحكمة، فلا جَرَمَ أهدَرَت الشَّرائعُ اعتبارَ ذلك (٢). وأمَّا الولدُ والوالدُ فمَنَعَ من جَرَيان القِصاص بينهما حقيقةُ البعضيَّة والجُزئيَّة (٣) التي بينهما؛ فإنَّ الولد جزءٌ من الوالد، ولا يُقْتَصُّ لبعض أجزاء الإنسان من بعض، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ

стр. 1213

جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، وهو قولهم: «الملائكةُ بناتُ الله»؛ فدلَّ على أنَّ الولدَ جزءٌ من والده. وعلى هذا الأصل امتَنَعَت شهادتُه له، وقطعُه بالسَّرقة من ماله، وحَدُّه إياهُ (١) على قَذْفِه. وعن هذا الأصل ذهبَ كثيرٌ من السَّلف ــ ومنهم الإمامُ أحمدُ وغيره ــ إلى أنَّ له أن يتملَّك ما شاء من مال ولده، وهو كالمباح في حقِّه. وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً بأدلَّتها، وبيَّنَّا دلالةَ القرآن عليها من وجوهٍ متعدِّدةٍ في غير هذا الموضع (٢). وهذا المأخذُ أحسنُ من قولهم: إنَّ الأبَ لمَّا كان هو السَّببَ في إيجاد الولد، فلا يكونُ الولدُ سببًا في إعدامه. وفي المسألة مسلكٌ آخر، وهو مسلكٌ قويٌّ جدًّا، وهو أنَّ الله سبحانه جَعَل في قلب الوالد من الشَّفقة على ولده والحرص على حياتِه ما يُوازِي شفقتَه على نفسِه وحرصَه على حياة نفسِه، وربَّما يزيدُ على ذلك، فقد يُؤثِرُ الرَّجلُ حياةَ ولده على حياته، وكثيرًا ما يَحْرِمُ الرَّجلُ نفسَه حُظوظَها ويُؤثِرُ بها ولدَه، وهذا القَدْرُ مانعٌ من كونه يريدُ إعدامَه وإهلاكَه، بل لا يَقْصِدُ في الغالب إلا تأديبَه وعقوبتَه على إساءته؛ فلا يقعُ قتلُه في الأغلب عن قصدٍ وتعمُّد، بل عن خطأٍ وسَبْقِ يَدٍ. وإذا وقعَ ذلك غلطًا أُلْحِقَ بالقتل الذي لم يُقْصَد به إزهاقُ النَّفس،

стр. 1214

فأسبابُ التُّهمة والعداوة الحاملة على القتل لا تكادُ توجدُ في الآباء، وإن وُجِدَت نادرًا فالعبرةُ بما اطَّردَت عليه عادةُ الخليقة. وهنا للنَّاس طريقان: أحدهما: أنَّا إذا تحقَّقنا التُّهمةَ وقصدَ القتلِ والإزهاق، بأن يُضْجِعَه ويذبحه ــ مثلًا ــ، أجرَينا القِصاصَ (١) بينهما؛ لتحقُّق قصدِ الجناية، وانتفاءِ المانع من القصاص. وهذا قولُ أهل المدينة (٢). والثَّاني: أنه لا يجري القِصاصُ بينهما بحال، وإن تحقَّق قصدُ القتل؛ لمكان الجُزئيَّة والبعضيَّة المانعة من الاقتصاص من بعض أجزاء الإنسان لبعضه. وهو قولُ الأكثرين (٣). ولا يَرِدُ عليهم قتلُ الولد بوالده، وإن كان بعضَه؛ لأنَّ الأبَ لم يُخْلَق من نطفة الابن، فليس الأبُ بجزءٍ له حقيقةً ولا حكمًا، بخلاف الولد فإنه جزءٌ حقيقةً. وليس هذا موضعَ استقصاء الكلام على هذه المسائل؛ إذ المقصودُ بيانُ اشتمالها على الحِكَم والمصالح التي يُدْرِكُها العقلُ وإن لم يَسْتَقِلَّ بها، فجاءت الشريعةُ بها مقرِّرةً لما استقرَّ في العقل إدراكُه ولو من بعض الوجوه.

стр. 1215

وبعد النُّزول عن هذا المقام، فأقصى ما فيه أن يقال: إنَّ الشريعة جاءت بما يَعْجَزُ العقلُ عن إدراكه، لا بما يُحِيلُه العقل، ونحن لا ننكرُ ذلك، ولكن لا يَلْزَمُ منه نفيُ الحِكَم والمصالح التي اشتملت عليها الأفعالُ في ذواتها، والله أعلم. الوجه الثَّامن والخمسون: قولكم: «وظَهَرَ بهذا أنَّ المعاني المستنبطةَ راجعةٌ إلى مجرَّد استنباط العقل، ووضعِ الذِّهن، من غير أن يكون الفعلُ مشتملًا عليها» (١) = كلامٌ في غاية الفساد والبطلان، لا يرتضيه أهلُ العلم والإنصاف، وتصوُّره حقَّ التصوُّر كافٍ في الجزم ببطلانه من وجوهٍ عديدة: أحدها: أنَّ العقلَ والفطرةَ يشهدان ببطلانه، والوجود يكذِّبه؛ فإنَّ أكثر المعاني المستنبطة من الأحكام ليست من أوضاع الأذهان المجرَّدة عن اشتمال الأفعال عليها، ومُدَّعِي ذلك في غاية المكابرة التي لا تُجْدِي عليه إلا تَوْهِينَ المقالة. وهذه المعاني المستنبطةُ من الأحكام موجودةٌ مشهودة، يعلمُ العقلاءُ أنها ليست من أوضاع الذِّهن، بل الذِّهنُ أدركها وعَلِمَها، وكان نسبةُ الذِّهن إلى إدراكها كنسبة البصر إلى إدراك الألوان وغيرها، وكنسبة السَّمع إلى إدراك الأصوات، وكنسبة الذَّوق إلى إدراك الطُّعوم، والشَّمِّ إلى إدارك الرَّوائح، فهل يسوغُ لعاقلٍ أن يدَّعيَ أنَّ هذه المُدْرَكاتِ من أوضاع الحواسِّ؟! وكذلك العقلُ إذا أدرَك ما اشتملَ عليه الكذبُ والفجورُ وخرابُ العالم

стр. 1216

والظُّلمُ وإهلاكُ الحرث والنَّسل والزِّنا بالأمَّهات وغيرُ ذلك من القبائح، وأدرَك ما اشتملَ عليه الصِّدقُ والبِرُّ والإحسانُ والعدلُ وشُكرانُ المُنعِم والعِفَّةُ وفعلُ كلِّ جميلٍ من الحُسْن= لم تكن تلك المعاني التي اشتملت عليها هذه الأفعالُ مجرَّدَ وضع الذِّهن واستنباط العقل، ومُدَّعِي ذلك مَؤُوفٌ (١) في عقله؛ فإنَّ المعاني التي اشتملت عليها المنهيَّاتُ المُوجِبةُ لتحريمها أمورٌ ناشئةٌ من الأفعال ليست أوضاعًا ذهنيَّة، والمعاني التي اشتملت عليها المأموراتُ المُوجِبةُ لحُسْنها ليست مجرَّدَ أوضاعٍ ذهنيَّة، بل أمورٌ حقيقيَّةٌ ناشئةٌ من ذوات الأفعال تَرتُّبُ آثارِها عليها كترتُّب آثار الأدوية والأغذية عليها. وما نظيرُ هذه المقالة إلا مقالةُ من يزعمُ أنَّ القُوى والآثار المستنبطة من الأغذية والأدوية لا حقيقة لها، إنما هي أوضاعٌ ذهنيَّة! ومعلومٌ أنَّ هذا بابٌ من السَّفْسَطة (٢). فاعْرِض معاني الشريعة الكليَّة على عقلك، وانظر ارتباطَها بأفعالها وتعلُّقَها بها، ثمَّ تأمَّل هل تجدُها أمورًا حقيقيةً تنشأ من الأفعال، فإذا فُعِل الفعلُ نَشَأ منه أثرُه، أو تجدُها أوضاعًا ذهنيَّةً لا حقيقة لها؟ وإذا أردتَ معرفةَ بطلان المقالة فكرِّر النَّظر في أدلَّتها، فأدلَّتُها من أكبر الشواهد على بطلانها، بل العاقلُ يستغني بأدلة الباطل عن إقامة الدَّليل على بطلانه، بل نفسُ دليله هو دليلُ بطلانه.

стр. 1217

الوجه الثَّاني: أنَّ استنباطَ العقول ووضعَ الأذهان لما لا حقيقة له من باب الخيالات والتَّقديرات التي لا يترتَّبُ عليها علمٌ ولا معلوم، ولا صلاحٌ ولا فساد؛ إذ هي خيالاتٌ مجرَّدة، وأوهامٌ مقدَّرة؛ كوضعِ الذِّهن سائرَ ما يضعُه من المقدِّرات الذِّهنيَّة. ومعلومٌ أنَّ المعاني المستنبطة من الأحكام هي من أجلِّ العلوم، ومعلومُها من أشرف المعلومات وأنفعها للعباد، وهي منشأُ مصالحهم في معاشهم ومعادهم، وترتُّبُ آثارها عليها مشهودٌ في الخارج، معقولٌ في الفِطر، قائمٌ في المعقول، فكيف يُدَّعى أنه مجرَّدُ وضعٍ ذهنيٍّ لا حقيقة له به؟! الوجه الثَّالث: أنَّ استنباطَ الذِّهن لما يستنبطُه من المعاني، واعتقادَه أنَّ الأفعال مشتملةٌ عليها، مع كون الأمر ليس كذلك= جهلٌ مركَّب، واعتقادٌ باطل؛ فإنه إذا اعتقد أنَّ الأفعال مشتملةٌ على تلك المعاني، وأنها مَنْشَؤها، وليس كذلك؛ كان اعتقادًا للشيء بخلاف ما هو به. وهذا غايةُ الجهل. فكيف يُدَّعى هذا في أشرف العلوم وأزكاها وأنفعها وأعظمها تضمُّنًا لمصالح العباد في المعاش والمعاد؟! وهل هو إلا لُبُّ الشريعة ومضمونُها؟! فكيف يَسُوغُ أن يُدَّعى فيها هذا الباطلُ ويُرمى بهذا البهتان؟! وبالجملة؛ فبطلانُ هذا القول أظهرُ من أن يُتَكلَّفَ ردُّه، ولم يقل هذا القولَ من شَمَّ للفقه رائحةً أصلًا. الوجه التَّاسع والخمسون: قولكم: «لو كانت صفاتٍ نفسيَّةً للفعل لَزِمَ من ذلك أن تكون الحركةُ الواحدةُ مشتملةً على صفاتٍ متناقضةٍ وأحوالٍ متنافرة» (١).

стр. 1218

فيقال: وما الذي يُحِيلُ أن يكون الفعلُ مشتملًا على صفتَين مختلفتَين تقتضي كلُّ منهما أثرًا غيرَ الأثر الآخر، وتكونُ إحدى الصِّفتَين والأثرَين أولى به، تكونُ مصلحتُه أرجح، فإذا رُتِّبَ على صفته الأخرى أثرُها فاتت المصلحةُ الراجحةُ المطلوبةُ شرعًا وعقلًا؟! بل هذا هو الواقع، ونحن نجدُ هذا حِسًّا في قُوى الأغذية والأدوية ونحوها من صفات الأجسام الحِسِّية المُدْرَكة بالحِسِّ، فكيف بصفات الأفعال المُدْرَكة بالعقل؟ وأمثلةُ ذلك في الشريعة تزيدُ على الألْف. فهذه الصَّلاةُ في وقت النهي: فيها مصلحةُ تكثير العبادة، وتحصيل الأرباح، ومزيد الثَّواب، والتقرُّب إلى ربِّ الأرباب، وفيها مفسدةُ المشابهة الصُّوريَّة (١) بالكفَّار وعُبَّاد الشمس (٢)، وفي تركها مصلحةُ سَدِّ ذريعة الشِّرك، وفَطْم النُّفوس عن المشابهة بالكفَّار (٣) حتى في وقت العبادة. وكانت هذه المفسدةُ أولى بالصَّلاة في أوقات النهي من مصلحتها، فلو شُرِعَت لما فيها من المصلحة لفاتت مصلحةُ التَّرك، وحَصَلت مفسدةُ المشابهة التي هي أقوى من مصلحة الصَّلاة حينئذ. ولمَّا (٤) كانت مصلحةُ أداء الفرائض في هذه الأوقات أرجحَ من

стр. 1219

مفسدة المشابهة، بحيث انغمَرَت هذه المفسدةُ بالنسبة إلى الفريضة= لم يُمْنَع منها، بخلاف النَّافلة؛ فإنَّ في فعلها في غير هذه الأوقات غُنْيةً عن فعلها فيها، فلا تفُوتُ مصلحتُها، فيقعُ فعلُها في وقت النهي مفسدةً راجحة. ومِنْ هاهنا جوَّز كثيرٌ من الفقهاء ذواتِ الأسباب في وقت النهي؛ لتَرجُّح مصلحتها؛ فإنها لا تُقْضى، ولا يمكنُ تداركُها، وكانت مفسدةُ تفويتها أرجحَ من مفسدة المشابهة المذكورة. وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة (١). فما الذي يُحِيلُ اشتمالَ الحركة الواحدة على صفاتٍ مختلفةٍ بهذه المثابة، ويكونُ بعضها أرجحَ من بعض، فيُقْضى للرَّاجح عقلًا وشرعًا؟! وعلى هذا المثال مسائلُ عامَّة الشريعة، ولولا الإطالةُ لكتبنا منها ما يبلغُ ألفَ مثال، والعالمُ ينتبهُ للجزئيَّات بالقاعدة الكليَّة. الوجه الستُّون: قولكم: «وليس معنى قولنا: إنَّ العقلَ استنبطَ منها أنها كانت موجودةً في الشيء فاستخرجَها العقل، بل العقلُ تردَّد بين إضافات الأحوال بعضِها إلى بعض، ونِسَبِ الحركات والأشخاص نوعًا إلى نوع، وشخصًا إلى شخص، فطَرأ عليه من تلك المعاني ما حكيناه، وربَّما يبلُغ مبلغًا يَشِذُّ عن الإحصاء، فعُرِفَ أنَّ المعاني لم تَرجِع إلى الذَّات، بل إلى مجرَّد الخواطر، وهي متعارضة» (٢).

стр. 1220

فيقال: يا عجبًا لعقلٍ يَرُوجُ عليه مثلُ هذا الكلام، ويبني عليه مثلَ هذه القاعدة العظيمة! وذلك بناءٌ على شَفَا جُرُفٍ هار. وقد تقدَّم ما يكفي في بطلان هذا الكلام، ونزيدُ هاهنا أنه كلامٌ فاسدٌ لفظًا ومعنًى؛ فإنَّ الاستنباط هو استخراجُ الشيء الثَّابت الخفيِّ الذي لا يَعْثُر عليه كلُّ أحد، ومنه: استنباطُ الماء؛ وهو استخراجُه من موضعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، أي: يستخرجون حقيقتَه وتدبيرَه بفطنتهم وذكائهم وإيمانهم ومعرفتهم بمواطن الأمن والخوف. ولا يصحُّ معنًى إلا في شيءٍ ثابتٍ له حقيقةٌ خفيَّةٌ يستنبطُها الذِّهنُ ويستخرجُها، فأمَّا ما لا حقيقة له فإنه مجرَّدٌ ذِهنيٌّ (١)، فلا استنباط فيه بوجه، وأيُّ شيءٍ يُسْتَنْبَطُ منه؟! وإنما هو تقديرٌ وفَرْض، وهذا لا يسمَّى استنباطًا في عقلٍ ولا لغة. وحينئذٍ، فيُقْلَبُ الكلامُ عليكم، ويكون من يَقْلِبُه أسعدَ بالحقِّ منكم، فنقول: وليس معنى قولنا: «إنَّ العقلَ استنبط من تلك الأفعال» أنَّ ذلك مجرَّدُ خواطرَ طارئة، وإنما معناه أنها كانت موجودةً في الأفعال، فاستخرجَها العقلُ باستنباطِه، كما يُسْتَخْرَجُ الماءُ الموجودُ في الأرض باستنباطِه. ومعلومٌ أنَّ هذا هو المعقولُ المُطابِقُ للعقل واللُّغة، وما ذكرتموه فخارجٌ عن العقل واللغة جميعًا. فعُرِفَ أنه لا يصحُّ معنى الاستنباط إلا لشيءٍ موجودٍ يستخرجُه العقل،

стр. 1221

ثمَّ ينسبُ إليه أنواع تلك الأفعال وأشخاصها، فأيُّها (١) كان أولى به حكم له بالاقتضاء والتَّأثير. وهذا هو المعقول، وهو الذي يعرفُه الفقهاءُ والمتكلِّمون على مناسباتِ الشريعة وأوصافها وعِلَلِها التي تُرْبَطُ بها الأحكام، فلو ذَهَبَ هذا من أيديهم لانسَدَّ عليهم بابُ الكلام في القياس والمناسبات والحِكَم، واستخراجِ ما تضمَّنته الشريعةُ من ذلك، وتعليقِ الأحكام بأوصافها المقتضية لها، إذا كان مَرَدُّ الأمر (٢) بزعمكم إلى مجرَّد خواطرَ طارئةٍ على العقل ومجرَّد وضعِ الذِّهن، وهذا من أبطل الباطل وأبيَن المُحال. ولقد أنصفكم خصومُكم في ادِّعائهم عليكم لازمَ هذا المذهب، وقالوا: لو رُفِعَ الحُسْن والقُبح من الأفعال الإنسانيَّة، ورُدَّ إلى مجرَّد تعلُّق الخطاب بها، بَطَلَت المعاني العقليَّةُ التي تُستَنبطُ من الأصول الشرعيَّة، فلا يمكنُ أن يقاسَ فعلٌ على فعل، ولا قولٌ على قول، ولا يمكنُ أن يقال: لِمَ كذا؟ إذ لا تعليل للذَّوات، ولا صفات للأفعال هي عليها في نفس الأمر حتى ترتبط بها الأحكام. وذلك رفعٌ للشَّرائع بالكليَّة مِنْ حيث إثباتُها، لا سيَّما والتعلُّق أمرٌ عَدَمِيٌّ، ولا معنى لحُسْن الفعل أو قُبحه إلا التعلُّقُ العدميُّ بينه وبين الخطاب، فلا حُسْنَ في الحقيقة ولا قُبحَ لا شرعًا ولا عقلًا، لا سيَّما إذا انضمَّ إلى ذلك نفيُ فعل العبد واختياره بالكليَّة، وأنه مجبُورٌ محض، فهذا فعلُه وذلك صفةُ فعلِه، فلا فِعلَ له ولا وصفَ لفعلِه (٣) البتَّة.

стр. 1222

فأيُّ تعطيلٍ ورفعٍ للشرائع أكثرُ من هذا؟! فهذا إلزامُهم لكم، كما أنكم ألزمتموهم نظيرَ ذلك في نفي صفة الكلام، وأنصفتموهم في الإلزام. الوجه الحادي والستُّون: قولكم: «لو ثبت الحُسن والقُبح العقليَّين (١) لتعلَّق بهما الإيجابُ والتَّحريمُ شاهدًا وغائبًا، واللازمُ محال، فالملزومُ كذلك ... » إلى آخره (٢). فنقول: الكلام هاهنا في مقامين: أحدهما: في التَّلازُم المذكور بين الحُسْن والقُبح العقليَّين، وبين الإيجاب والتَّحريم غائبًا. والثَّاني: في انتفاء اللازم وثبوته. * فأمَّا المقام الأوَّل، فلمُثْبتي الحُسْن والقُبح طريقان: أحدهما: ثبوتُ التَّلازُم والقولُ باللازم، وهذا القولُ هو المعروفُ عن المعتزلة، وعليه يُناظِرون، وهو القولُ الذي نَصَبَ خصومُهم الخلافَ معهم فيه. والقول الثَّاني: إثباتُ الحُسْن والقُبح (٣)، فإنهم يقولون بإثباته، ويصرِّحون بنفي الإيجاب قبل الشَّرع على العبد، وبنفي إيجاب العقل على الله شيئًا البتَّة؛ كما صرَّح به كثيرٌ من الحنفيَّة، والحنابلة كأبي الخطَّاب

стр. 1223

وغيره، والشافعيَّة كسعد بن عليٍّ الزَّنجاني الإمام المشهور وغيره (١). ولهؤلاء في نفي الإيجاب العقليِّ في المعرفة بالله وثبوته خلاف. فالأقوالُ إذَن أربعةٌ لا مزيد عليها (٢): أحدُها: نفيُ الحُسْن والقُبح (٣)، ونفيُ الإيجاب العقليِّ في العمليَّات دون العِلْميَّات كالمعرفة، وهذا اختيارُ أبي الخطَّاب وغيره (٤). فعُرِفَ أنه لا تلازُمَ بين الحُسْن والقُبح وبين الإيجاب والتَّحريم العقليَّين. فهذا أحدُ المقامين. * وأمَّا المقام الثَّاني، وهو انتفاءُ اللازم وثبوتُه، فللنَّاس فيه هاهنا ثلاثةُ طرق: أحدها: التزامُ ذلك، والقولُ بالوجوب والتَّحريم العقليَّين شاهدًا وغائبًا. وهذا قولُ المعتزلة. وهؤلاء يقولون بترتُّب الوجوب شاهدًا، وبترتُّب المدح والذَّمِّ عليه. وأمَّا العقابُ، فلهم فيه اختلافٌ وتفصيل، ومن أثبتَه منهم لم يُثْبِته على الوجوب الثَّابت بعد البعثة، ولكنهم يقولون: إنَّ العذابَ الثَّابتَ بعد

стр. 1224

الإيجاب الشرعيِّ نوعٌ آخرُ غيرُ العذاب الثَّابت على الإيجاب العقليِّ. وبذلك يجيبون عن النُّصوص النَّافية للعذاب قبل البعثة. وأمَّا الإيجابُ والتَّحريمُ العقليَّان غائبًا، فهم مصرِّحون بهما، ويفسِّرون ذلك باللُّزوم الذي أوجبَته حكمتُه وحرَّمَته، وأنه يستحيلُ عليه خلافُه، كما يستحيلُ عليه الحاجةُ والنَّومُ والتَّعبُ واللُّغوب. فهذا معنى الوجوب والامتناع في حقِّ الله عندهم، فهو وجوبٌ اقتضته ذاتُه وحكمتُه وغِناه، وامتناعٌ يستحيلُ عليه الاتصافُ به؛ لمنافاته كمالَه وغِناه. قالوا: وهذا في الأفعال نظيرُ ما تقولونه (١) في الصِّفات أنه يجبُ له كذا، ويمتنعُ عليه كذا، فقولنا نحنُ في الأفعال نظيرُ قولكم في الصِّفات، ما يجبُ له منها وما يمتنعُ عليه، فكما أنَّ ذلك وجوبٌ وامتناعٌ ذاتيٌّ يستحيلُ عليه خلافُه، فهكذا ما تقتضيه حكمتُه وتأباه وجوبٌ وامتناعٌ يستحيلُ عليه الإخلالُ به، وإن كان مقدورًا له، لكنه لا يُخِلُّ به؛ لكمال حكمته وعلمه وغِناه. والفرقةُ الثَّانية منَعت ذلك جملةً، وأحَالت القولَ به (٢)، وجوَّزت على الرَّبِّ تعالى كلَّ شيءٍ ممكن، ورَدَّت الإحالةَ والامتناعَ في أفعاله إلى غير الممكن من المُحالات؛ كالجمع بين النَّقيضين، وبابِه (٣). فقابلوا المعتزلةَ أشدَّ مقابلة، واقتسما طَرَفي الإفراط والتفريط.

стр. 1225

ورَدَّ هؤلاء الوجوبَ والتَّحريمَ الذي جاءت به النُّصوصُ إلى مجرَّد صِدقِ المُخْبِر، فما أخبَر بأنه يكونُ فهو واجب؛ لتصديق خبرِه، وما أخبَر أنه لا يكونُ فهو ممتنع؛ لتصديق خبرِه. فالوجوبُ والتحريمُ عندهم راجعٌ إلى مطابقة (١) العلم لمعلومه، والمُخْبَر لخبره. وقد يفسِّرون التَّحريمَ بالامتناع عقلًا، كتحريم الظُّلم على نفسه؛ فإنهم يفسِّرون الظُّلمَ بالمستحيل لذاته، كالجمع بين النَّقيضين، وليس عندهم في المقدور شيءٌ هو ظلمٌ يتنزَّهُ الله عنه مع قدرته عليه، لغِناهُ وحكمته وعدله. فهذا قولُ هؤلاء. والفرقةُ الثَّالثة هم الوَسَطُ بين هاتين الفرقتين: فإنَّ الفرقة الأولى أوجَبَت على الله شريعةً بعقولها، وحرَّمت عليه وأوجَبَت ما لم يحرِّمه على نفسه ولم يُوجِبه على نفسه. والفرقة الثَّانية جوَّزت عليه ما يتعالى ويتنزَّه عنه؛ لمنافاته حكمتَه وحمدَه وكمالَه. والفرقة الوَسَط أثبتَت له ما أثبته لنفسه من الإيجاب والتَّحريم الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته، الذي لا يليقُ به نسبتُه إلى ضدِّه؛ لأنه مُوجَبُ كماله وحكمته وعدله، ولم تُدْخِله تحت شريعةٍ وضعَتها بعقولها كما فعلت الفرقةُ الأولى، ولم تجوِّز عليه ما نزَّه نفسَه عنه كما فعلته الفرقةُ الثَّانية. قالت الفرقةُ الوَسَط: قد أخبَر تعالى أنه حرَّم الظُّلمَ على نفسه، كما قال

стр. 1226

على لسان رسوله: «يا عبادي، إني حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي» (١)، وقال: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصِّلت: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]؛ فأخبَر عن تحريمه على نفسه، ونفى عن نفسه فِعلَه وإرادتَه. وللنَّاس في تفسير هذا الظُّلم ثلاثةُ أقوال (٢)، بحسب أصولهم وقواعدهم: أحدها: أنَّ الظُّلمَ الذي حرَّمه وتنزَّه عن فعله وإرادته هو نظيرُ الظُّلم من الآدميِّين بعضِهم لبعض (٣)، وشبَّهوه في الأفعال ــ ما يحسُن منها وما لا يحسُن ــ بعباده، فضربوا له مِنْ قِبَل أنفسِهم الأمثال، وصاروا بذلك مشبِّهةً ممثِّلةً في الأفعال. فامتنعوا من إثبات المثَل الأعلى الذي أثبته لنفسه، ثمَّ ضربوا له الأمثال ومثَّلوه في أفعاله بخلقه، كما أنَّ الجهميَّة المعَطِّلة امتنعت من إثبات المثَل الأعلى الذي أثبته لنفسه، ثمَّ ضربوا له الأمثالَ ومثَّلوه في صفاته بالجمادات النَّاقصة، بل بالمعدومات. وأهلُ السنَّة نزَّهوه عن هذا وهذا، وأثبتوا له ما أثبته لنفسه من صفات

стр. 1227

الكمال، ونزَّهوه فيها عن الشَّبَه والمِثَال، فأثبتوا له المثَل الأعلى، ولم يَضْرِبوا له الأمثال، فكانوا أسعدَ الطَّوائف بمعرفته، وأحقَّهم بالإيمان به وبولايته ومحبته، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. ثمَّ التزم أصحابُ هذا التَّفسير عنه من اللوازم الباطلة ما لا قِبَل لهم به: قالوا عن هذا التفسير الباطل (١): إنه تعالى إذا أمَر العبدَ ولم يُعِنْهُ بجميع مَقْدُوره تعالى من وجوه الإعانة كان ظالمًا له. والتزموا لذلك: أنه لا يَقْدِرُ أن يهديَ ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يَقْدِرُ أن يُضِلَّ مهتديًا. وقالوا عنه أيضًا: إنه إذا أمَر اثنين بأمرٍ واحد، وخَصَّ أحدهما بإعانته على فعل المأمور، كان ظالمًا. وقالوا عنه أيضًا: إنه إذا اشترك اثنان في ذنبٍ يُوجِبُ العقاب، فعاقبَ به أحدَهما، وعفا عن الآخَر، كانَ ظالمًا. إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة التي جَعَلوا لأجلها تركَ تسويته بين عباده في فضله وإحسانه ظلمًا. فعارضهم أصحابُ التفسير الثَّاني، وقالوا: الظُّلمُ المنزَّه عنه من الأمور الممتنعة لذاتها، فلا يجوزُ أن يكون مقدورًا، ولا أنه تعالى ترَكه بمشيئته واختياره، وإنما هو من باب الجمع بين الضِّدَّين، وجَعْل الجسم الواحد في مكانَين، وقَلْب القديم مُحْدَثًا والمُحْدَث قديمًا، ونحو ذلك، وإلا فكلُّ ما يقدِّرُه الذِّهنُ، وكان وجودُه ممكنًا، والربُّ قادرٌ عليه؛ فليس بظُلمٍ، سواءٌ

стр. 1228

فعَله أو لم يفعله (١). وتلقَّى هذا القولَ عنهم طوائفُ من أهل العلم (٢)، وفسَّروا الحديثَ به وأسنَدوا ذلك وقوَّوهُ بآياتٍ وآثارٍ زعموا أنها تدلُّ عليه: كقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، يعني لم تتصرَّف في غير مُلكِك، بل إن عذَّبتَ عذَّبتَ من تملِك. وعلى هذا، فجوَّزوا تعذيبَ كلِّ عبد له ولو كان محسِنًا، ولم يرَوا ذلكَ ظلمًا. وبقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وبقول النبيِّ ﷺ : «إنَّ الله لو عذَّبَ أهلَ سماواته وأهلَ أرضه لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم» (٣). وبقوله ﷺ في دعاء الهمِّ والحزن: «اللهمَّ إني عبدُك وابنُ عبدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عَدلٌ فيَّ قضاؤك» (٤). وبما رُوِي عن إياس بن معاوية قال: ما ناظرتُ بعقلي كلِّه أحدًا إلا القَدَريَّة، قلتُ لهم: ما الظُّلم؟ قالوا: أن تأخذَ ما ليس لك، أو أن تتصرَّف فيما

стр. 1229

ليس لك. قلت: فللَّه كلُّ شيء (١). والتزم هؤلاء عن هذا القول لوازمَ باطلة: كقولهم: إنَّ الله تعالى يجوزُ عليه أن يعذِّبَ أنبياءه ورسلَه وملائكتَه وأولياءه وأهلَ طاعته، ويخلِّدهم في العذاب الأليم، ويُكْرِم أعداءه من الكفَّار والمشركين (٢) والشياطين، ويخصَّهم بجنَّته وكرامته، وكلاهما عدلٌ وجائزٌ عليه، وأنه يُعْلَمُ أنه لا يفعلُ ذلك بمجرَّد خبره (٣)؛ فصار ممتنعًا لإخباره أنه لا يفعلُه لا لمنافاته حكمتَه (٤)، ولا فرق بين الأمرين بالنسبة إليه، ولكن أراد هذا وأخبَر به، وأراد الآخرَ وأخبَر به، فوجبَ هذا لإرادته وخبره، وامتنعَ ضدُّه لعدم إرادته واختياره بأنه لا يكون. والتزموا له أيضًا: أنه يجوزُ أن يعذِّبَ الأطفالَ الذين لا ذنبَ لهم أصلًا، ويخلِّدهم في الجحيم. وربَّما قالوا بوقوع ذلك (٥). فأنكَر على الطَّائفتين معًا أصحابُ التفسير الثَّالث، وقالوا: الصَّوابُ الذي دلَّت عليه النُّصوص: أنَّ الظُّلمَ الذي حرَّمه اللهُ على نفسه وتنزَّه عنه فعلًا وإرادةً هو ما فسَّره به سلفُ الأمَّة وأئمَّتُها؛ أنه لا يُحْمَلُ عليه (٦) سيِّئاتُ

стр. 1230

غيره، ولا يعذَّبُ بما لم تكسِب يداه ولم يكن سعى فيه، ولا يُنْقَصُ من حسناته، فلا يجازى بها (١) أو ببعضها إذا قارنها أو طرأ عليها ما يقتضي إبطالَها أو اقتصاصَ المظلومين منها (٢). وهذا الظُّلمُ الذي نفى اللهُ تعالى خوفَه عن العبد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، قال السَّلفُ والمفسِّرون: لا يخافُ أن يُحْمَل عليه من سيِّئات غيره، ولا يُنْقَصَ من حسناته ما يتحمَّل (٣). فهذا هو المعقولُ من الظُّلم ومِنْ عَدَم خوفِه، وأمَّا الجمعُ بين النَّقيضين وقَلبُ القديم مُحْدَثًا والمُحدَث قديمًا؛ فممَّا يتنزَّه كلامُ آحاد العقلاء عن تسميته ظُلمًا، وعن نفي خوفِه عن العبد، فكيف بكلام ربِّ العالمين؟! وكذلك قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، فنفى أن يكون تعذيبُه لهم ظلمًا، ثمَّ أخبَر أنهم هم الظَّالمون بكفرِهم، ولو كان الظُّلمُ المنفيُّ هو المحالَ لم يحسُن مقابلةُ قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾، بل يقتضي الكلامُ أن يقال: «وما ظلمناهم ولكن تصرَّفنا في مُلكِنا وعبيدنا». فلمَّا نفى الظُّلمَ عن نفسه وأثبته لهم دلَّ على أنَّ الظُّلمَ المنفيَّ هو أن يعذِّبهم بغير جُرْم، وأنه إنما عذَّبهم بجُرْمِهم وظُلمِهم ولا تحتملُ الآيةُ غيرَ هذا، ولا يجوزُ تحريفُ كلام الله لنصرة المقالات.
следующие страницы →