← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الوجه الخامس والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ الله خلَّى بين العباد وظُلم بعضهم بعضًا، وأنَّ ذلك ليس بقبيحٍ منه، فإنه قبيحٌ منَّا» (١). فذلك فاسدٌ على أصل التكليف؛ فإنَّ التكليفَ إنما يتمُّ بإعطاء القدرة والاختيار، والله تعالى قد أقدَرَ عبادَه على الطَّاعات والمعاصي، والصَّلاح والفساد، وهذا الإقدارُ هو مناطُ الشرع والأمر والنهي، فلولاه لم يكن شرعٌ ولا رسالة، ولا ثوابٌ ولا عقاب، وكان النَّاسُ بمنزلة الجمادات والأشجار والنَّبات. فلو حالَ سبحانه بين العباد وبين القدرة على المعاصي لارتفع الشرعُ والرِّسالةُ والتكليف، وانتفت فوائدُ البعثة، ولَزِم من ذلك لوازمُ لا يحبُّها الله، وتعطَّلت به غاياتٌ محمودةٌ محبوبةٌ لله وهي ملزومةٌ لإقدار العباد وتمكينهم من الطَّاعة والمعصية، ووجودُ الملزوم بدون اللازم محال، وقد نبَّهنا على شيءٍ يسيرٍ من الحِكَم المطلوبة والغايات المحمودة فيما سَلَف من هذا الفصل وفي أوَّل الكتاب (٢). فلو أنَّ الربَّ تعالى خلق خلقَه ممنوعين من المعاصي غيرَ قادرين عليها بوجهٍ (٣) لم يكن لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهي والثَّواب والعقاب سببٌ يقتضيه، ولا حكمةٌ تستدعيه، وفي ذلك تعطيلُ الأمر جملة، بل تعطيلُ المُلك والحمد، والربُّ تعالى له الخلقُ والأمر، وله الملكُ والحمد.

стр. 1157

والغاياتُ المطلوبةُ والعواقبُ المحمودةُ التي لأجلها أنزَل كتبَه، وأرسل رسلَه، وشرع شرائعَه، وخلَق الجنةَ والنَّار، ووضعَ الثَّوابَ والعقاب، لا تحصُل (١) إلا بإقدار العبادِ على الخير والشرِّ، وتمكينهم من ذلك، وإعطائهم (٢) الأسبابَ والآلات التي يتمكَّنون بها مِنْ فعل هذا وهذا. فلهذا حَسُنَ منه ﵎ التَّخلِيةُ بين عباده وبين ما هم فاعِلُوه، وقَبُحَ من أحدنا أن يخلِّيَ بين عبيده وبين الإفساد وهو قادرٌ على منعهم، هذا مع أنه سبحانه لم يخلِّ بينهم، بل مَنَعَهم منه، وحرَّمه عليهم، ونَصَبَ لهم العقوبات الدُّنيوية والأخروية على القبائح، وأحلَّ بهم مِنْ بأسه وعذابه وانتقامه (٣) ما لا يفعلُه السيِّدُ من المخلوقين بعبيده ليمنعَهم ويزجُرهم. فقولكم: «إنه خلَّى بين عباده وبين إفساد بعضهم بعضًا وظُلم بعضهم بعضًا» كذبٌ عليه، فإنه لم يخلِّ بينهم شرعًا ولا قَدَرًا، بل حالَ بينهم وبين ذلك شرعًا أتمَّ حَيْلُولة، ومَنَعَهم قَدَرًا بحسب ما تقتضيه حكمتُه الباهرةُ وعلمُه المحيط، وخلَّى بينهم وبين ذلك بحسب ما تقتضيه حكمتُه وشرعُه ودينُه. فمنعُه سبحانه لهم وحيلولتُه بينهم وبين الشرِّ أعظمُ من تخلِيَته، والقَدْرُ الذي خلَّاه بينهم في ذلك هو ملزومُ أمره وشرعه ودينه؛ فالذي فعَله في الطَّرفين غايةُ الحكمة والمصلحة، ولا نهاية فوقه لاقتراح عقل.

стр. 1158

ولو خلَّى بينهم ــ كما زعمتم ــ لكانوا بمنزلة الأنعام السَّائمة، بل لو تركهم ودواعي طباعهم لأهلَك بعضُهم بعضًا، ولخَرِبَ العالمُ ومن عليه، بل ألجمهم لجامَ العجز والمنع من كلِّ ما يريدون، فلو أنه خلَّى بينهم وبين ما يريدون لفسَدت الخليقة، كما ألجمهم بلجام الشرع والأمر، ولو منَعهم جملةً ولم يمكِّنهم ولم يُقْدِرهم لتعطَّل الأمرُ والشرعُ جملة، وانتفت (١) حكمةُ البعثة والإرسال والثَّواب والعقاب. فأيُّ حكمةٍ فوق هذه الحكمة؟! وأيُّ أمرٍ أحسنُ مما فعله بهم؟! ولو أعطى النَّاسُ هذا المقام بعض حقِّه لعلموا أنه مقتضى الحكمة البالغة، والقدرة التَّامَّة، والعلم المحيط، وأنه غايةُ الحكمة. ومن فُتِحَ له بفهمٍ في القرآن رآه من أوَّله إلى آخره، ينبِّه العقولَ على هذا، ويرشدُها إليه، ويدلُّها عليه، وأنه يتعالى ويتنزَّه أن يكون هذا منه عبثًا، أو سُدًى، أو باطلًا، أو بغير الحقِّ، أو لا لمعنًى ولا لداعٍ وباعث، وأنَّ مصدَر ذاك جميعه عن عزَّته وحكمته. ولهذا كثيرًا ما يَقْرِنُ تعالى بين هذين الاسمين (العزيز الحكيم) في آيات التَّشريع والتكوين والجزاء؛ ليَدُلَّ عبادَه على أنَّ مصدَر ذلك كلِّه عن حكمةٍ بالغة، وعزَّةٍ قاهرة (٢).

стр. 1159

ففَهِمَ الموفَّقون عن الله مرادَه وحكمتَه، وانتهَوا إلى ما وَقَفوا عليه ووصلت إليه أفهامُهم وعلومُهم، وردُّوا علمَ ما غاب عنهم من ذلك إلى أحكم الحاكمين ومن هو بكلِّ شيءٍ عليم، وتحقَّقوا بما عَلِمُوه من حكمته التي بَهَرت عقولهم أنَّ لله في كلِّ ما خلق وأمرَ وأثابَ وعاقبَ من الحِكَم البوالغ ما تقصُر عقولهم عن إدراكه، وأنه تعالى هو الغنيُّ الحميد، العليمُ الحكيم، فمصدَر خلقه وأمره وثوابه وعقابه غناهُ وحمدُه وعلمُه وحكمتُه، ليس مصدرُه مشيئةً مجرَّدةً وقدرةً خاليةً من الحكمة والرَّحمة والمصلحة والغايات المحمودة المطلوبة له خلقًا وأمرًا، وأنه سبحانه لا يُسْألُ عمَّا يفعل؛ لكمال حكمته وعلمه ووقوع أفعاله كلِّها على أحسن الوجوه وأتمِّها على الصَّواب والسَّداد ومطابقة الحِكَم، والعباد يُسْألون؛ إذ ليست أفعالهم كذلك. ولهذا قال خطيبُ الأنبياء شعيبٌ ﷺ (١): ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فأخبر عن عموم قدرته تعالى، وأنَّ الخلقَ كلَّهم تحت تسخيره وقدرته، وأنه آخذٌ بنواصيهم، فلا محيصَ لهم من نفوذ مشيئته وقدرته فيهم. ثمَّ عقَّبَ ذلك بالإخبار عن تصرُّفه فيهم، وأنه بالعدل لا بالظُّلم، وبالإحسان لا بالإساءة، وبالصَّلاح لا بالفساد، فهو يأمرُهم وينهاهم، إحسانًا إليهم وحمايةً وصيانةً لهم، لا حاجةً إليهم ولا بخلًا عليهم، بل جودًا وكرمًا ولطفًا وبرًّا، ويثيبُهم إحسانًا وتفضُّلًا ورحمة، لا لمعاوَضةٍ واستحقاقٍ منهم

стр. 1160

ودَيْنٍ واجبٍ لهم يستحقُّونه عليه، ويعاقبُهم عدلًا وحكمة، لا تشفِّيًا ولا مخافةً ولا ظلمًا كما يعاقبُ الملوكُ وغيرُهم، بل هو على الصِّراط المستقيم، وهو صراطُ العدل والإحسان في أمره ونهيه وثوابه وعقابه. فتأمَّل ألفاظ هذه الآية، وما جمعَته من عموم القدرة وكمال المُلك، ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان، وما تضمَّنته من الرَّدِّ على الطَّائفتين، فإنها من كنوز القرآن، ولقد كَفَت وشَفَت لمن فُتِحَ عليه بفهمها (١). فكونُه تعالى على صراطٍ مستقيمٍ ينفي ظلمَه للعباد وتكليفَه إياهم ما لا يطيقون، وينفي العبثَ (٢) من أفعاله وشرعه، ويُثْبِتُ لها غايةَ الحكمة والسَّداد؛ ردًّا على منكري ذلك. وكونُ كلِّ دابَّةٍ تحت قبضته وقدرته، وهو آخذٌ بناصيتها، ينفي أن يقعَ في مُلكه من أحدٍ من المخلوقات شيءٌ بغير مشيئته وقدرته، وأنَّ من ناصيتُه بيد الله وفي قبضته لا يمكِنُه أن يتحرَّك إلا بتحريكِه، ولا يفعل إلا بإقدارِه، ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى؛ ردًّا على مُنكري ذلكَ من القدريَّة. فالطَّائفتان ما وفَّوا الآيةَ معناها، ولا قَدَرُوها حقَّ قَدْرها، فهو سبحانه على صراطٍ مستقيمٍ في عطائه ومنعه، وهدايته وإضلاله، وفي نفعه وضرِّه، وعافيته وبلائه، وإغنائه وإفقاره، وإعزازه وإذلاله، وإنعامه وانتقامه، وثوابه وعقابه، وإحيائه وإماتته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، وفي كلِّ ما يخلُق وكلِّ ما يأمرُ به.

стр. 1161

وهذه المعرفةُ بالله لا تكونُ إلا للأنبياء ولورثتهم. ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، فالمثلُ الأوَّلُ للصَّنم وعابديه، والمثلُ الثَّاني ضربه الله تعالى لنفسه، وأنه يأمرُ بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم، فكيف يُسَوَّى بينه وبين الصَّنم الذي له مثلُ السَّوء؟! فما فَعَله الرَّبُّ ﵎ مع عباده هو غايةُ الحكمة والإحسان والعدل، في إقدارهم وإعطائهم ومنعِهم وأمرهم ونهيهم. فدعوى المدَّعي أنَّ هذا نظيرُ تخلِيَة السيِّد بين عبيده وإمائه يفجُر بعضُهم ببعض، ويسبي بعضهم بعضًا، أكذبُ دعوى وأبطلُها، والفرقُ بينهما أظهرُ وأعظمُ من أن يُحتاج إلى ذكره والتَّنبيه عليه. والحمدُ لله الغنيِّ الحميد؛ فغناهُ التَّامُّ فارقٌ، وحَمْدُه ومُلْكُه (١)، وعزَّتُه وحكمتُه، وعلمُه وإحسانُه، وعدلُه ودينُه، وشرعُه وحكمُه، وكرمُه ومحبتُه للمغفرة والعفو عن الجناة، والصَّفح عن المسيئين، وتوبةِ التَّائبين، وصبر الصَّابرين، وشُكر الشاكرين، الذين يؤثِرُونه على غيره، ويتطلَّبون مَراضيه، ويعبدونه وحده، ويسيرون في عبيده بسِيرة العدل والإحسان والنَّصائح، ويجاهدون أعداءه، فيبذُلون دماءهم وأموالهم في محبَّته ومرضاته، فيتميَّز الخبيثُ من الطَّيب، ووليُّه من عدوِّه، ويخرجُ طيِّبات هؤلاء وخبائث أولئك إلى الخارج، فيترتَّبُ عليها آثارُها المحبوبةُ للربِّ تعالى من الثَّواب والعقاب، والحمد لأوليائه، والذمِّ لأعدائه.

стр. 1162

وقد نبَّه تعالى على هذه الحكمة في كتابه في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وهذه الآيةُ من كنوز القرآن؛ نبَّه فيها على حكمته تعالى المقتضية (١) تمييزَ الخبيث من الطيِّب، وأنَّ ذلك التمييزَ لا يقعُ إلا برسله، فاجتبى منهم من شاء وأرسله إلى عباده، فتميَّز برسالتهم الخبيثُ من الطيِّب، والوليُّ من العدوِّ، ومن يصلُح لمجاورته وقُربه وكرامته ممَّن لا يصلُح إلا للوقود. وفي هذا تنبيهٌ على الحكمة في إرسال الرُّسل، وأنه لا بدَّ منه، وأنَّ الله تعالى لا يليقُ به الإخلالُ به، وأنَّ من جَحَدَ رسالةَ رسله فما قَدَرَه حقَّ قَدْره، ولا عَرفه حقَّ معرفته، ونَسَبَه إلى ما لا يليقُ به؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. فتأمَّل هذا الموضع حقَّ التأمُّل، وأعطِه حظَّه من الفِكر، فلو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان من أجلِّ ما يستفاد، والله الهادي إلى سبيل الرَّشاد. الوجه السادس والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ الإغراق والإهلاك يحسُن منه تعالى، وهو أقبحُ شيءٍ منَّا، فكيف يدَّعون حُسْنَ إنقاذ الغرقى عقلًا ... » (٢) إلى آخره= كلامٌ فاسدٌ جدًّا؛ فإنَّ الإغراق والإهلاك من الربِّ تعالى لا يخرُج قطُّ عن المصلحة والعدل والحكمة.

стр. 1163

فإنه إذا أغرَق أعداءه وأهلكهم وانتقم منهم كان هذا غايةَ الحكمة والعدل والمصلحة، وإن أغرَق أولياءه وأهلَ طاعته فهو سببٌ من الأسباب التي نَصَبَها لموتهم وتخليصهم من الدُّنيا والوصول إلى دار كرامته ومحلِّ قُربه، ولا بدَّ من موتٍ على كلِّ حال، فاختار لهم أكمل الموتتَين وأنفعَها لهم في معادهم، ليُوصِلهم بها إلى درجاتٍ عاليةٍ لا تُنالُ إلا بتلك الأسباب التي نَصَبَها الله مُوصِلةً إليها كإيصال سائر الأسباب إلى مسبَّباتها. ولهذا سلَّط على أنبيائه وأوليائه ما سلَّط عليهم، من القتل وأذى النَّاس وظُلمِهم لهم وعُدوانهم عليهم، وما ذاك لهوانهم عليه ولا لكرامة أعدائهم عليه، بل ذاك عَيْنُ كرامتهم وهوان أعدائهم عليه وسقوطِهم من عَيْنه؛ لينالوا بذلك ما خُلِقُوا له من مساكنهم في دار الهوان، وينال أولياؤه وحِزبُه ما هُيِّاء لهم من الدَّرجات العُلى والنَّعيم المقيم؛ فكان تسليطُ أعدائه وأعدائهم عليهم عَيْنَ كرامتهم وعَيْنَ إهانة أعدائهم. فهذا مِنْ بعض حِكَمه تعالى في ذلك، ووراء ذلك من الحِكَم ما لا تبلُغه العقولُ والأفهام. وكان إغراقُه وإهلاكُه وابتلاؤه محضَ الحكمة والعدل في حقِّ أعدائه ومحضَ الإحسان والفضل والرَّحمة في حقِّ أوليائه؛ فلهذا حَسُنَ منه. ولعلَّ الإغراق وتسليط القتل عليهم أسهلُ الموتتَيْن (١) عليهم، مع ما في ضِمنه من الثَّواب العظيم، فيكونُ قد بَلَغَ حُسْنُ اختياره لهم إلى أن خفَّف عليهم المَوتة، وأعاضهم (٢) عليها أفضلَ الثَّواب؛ فإنه لا يجدُ الشهيدُ من

стр. 1164

ألم القتل إلا كمسِّ القَرْصَة. ومن لم يَمُتْ بالسَّيف ماتَ بغيره ... تنوَّعت الأسبابُ والداءُ واحدُ (١) فليس إماتةُ أوليائه شهداءَ بيد أعدائه إهانةً لهم ولا غضبًا عليهم، بل كرامةً ورحمةً وإحسانًا ولطفًا، وكذلك الغَرَقُ والحَرَقُ والهَدْمُ والتَّردِّي (٢) والبَطْنُ وغيرُ ذلك، والمخلوقُ ليس بهذه المثابة، فلهذا قَبُحَ منه الإغراقُ والإهلاكُ وحَسُنَ من اللطيف الخبير. الوجه السابع والثَّلاثون: قولكم: «إذا كان لله في إغراقه وإهلاكه سبحانه حكمةٌ وسِرٌّ لا نطَّلعُ عليه نحن، فقدِّروا مثلَه في ترك إنقاذنا الغرقى» (٣) كلامٌ تغني رِكَّتُه وفسادُه عن تكلُّف ردِّه. وهل يجوزُ أن يقال: إذا كان لله الحكمةُ البالغةُ والأسرارُ العظيمةُ في إهلاك من يهلكه وابتلاء من يبتليه، ولهذا حَسُنَ منه ذلك= فيَلْزَمُ من هذا أن يقال: يجوزُ أن يكون في تركنا إنجاءَ الغرقى ونصرَ المظلوم وسَدَّ الخَلَّة وسترَ العورة حِكَمًا وأسرارًا لا يعلمها العقلاء؟! والمُناكَدةُ في البُحوث إذا وصلت إلى هذا الحدِّ سَمُجَت وثَقُلَت على النُّفوس ومجَّتها القلوبُ والأسماع.

стр. 1165

الوجه الثامن والثَّلاثون: قولكم: «الفعلان من حيث الصِّفات النفسيَّة واحدٌ، فكيف يقبُح أحدُهما من فاعلٍ ويحسُن الآخر من فاعل» (١). فيقال: هذا في البطلان والفساد مِنْ جنس ما قبله وأبطَلُ، وهو بمنزلة أن يقال: القتلُ من المعتدي ومن المُقْتَصِّ من حيث الصفات النفسيَّة واحدٌ، فكيف يقبُح أحدُهما ويحسُن الآخر؟! (٢)، وبمنزلة أن يقال: السُّجودُ لله والسُّجودُ للصَّنم واحدٌ من حيث الصِّفات النفسيَّة، فكيف يقبُح أحدُهما ويحسُن الآخر؟! وهل في الباطل أبطَلُ من هذا الوهم؟! فما جعَل الله ذلك واحدًا أصلًا، وليس إماتةُ الله لعبده مثلَ قتل المخلوق له، ولا إجاعتُه وإعراؤه وابتلاؤه مساويًا في الصِّفات النفسيَّة لفعل المخلوق بالمخلوق ذلك، ودعوى التَّساوي كذبٌ وباطل، فلا أعظمَ من التَّفاوت بينهما، وهل يستوي عند العقل والفطرة فعلُ الله وفعلُ المخلوق؟! فيا لله العَجب! إن تناولهما اسمُ الفعل المشترك صارا سواءً في الصِّفات النفسيَّة، أترى (٣) حصل لهما هذا التَّساوي من جهة الفعلَيْن، والذي أوجبَ هذا الخيال الفاسد اتحادُ المحلِّ وتعلُّق الفعلَيْن به، وهل يدلُّ هذا على استواء الفعلَيْن في الصِّفات النفسيَّة؟! ولقد وَهَتْ أركانُ مسألةٍ بُنِيَت على هذا الشَّفا، فإنه شَفَا جُرُفٍ هار، والله المستعان.

стр. 1166

الوجه التاسع والثلاثون: قولكم: «مَواجِبُ العقول في أصل التكليف متعارضةُ الأصول» (١). فيقال: معاذَ الله من تعارضها (٢)، بل هي متفقةُ الأصول، مستقرٌّ حُسْنُها في العقول والفِطر، مركوزٌ ذلك فيها، فما شَرَع اللهُ شيئًا فقال العقلُ السَّليم: ليته شرع خلافَه. بل هي متعارضةٌ بين العقل والهوى، فالعقلُ يقتضي حُسْنَها ويدعو إليها، ويأمرُ بمتابعتها جملةً في بعضها وجملةً وتفصيلًا في بعض، والهوى والشهوةُ قد يدعوان غالبًا إلى خلافها. فالتعارضُ واقعٌ بين مَواجِب العقول ومَواجِب الهوى، وما جعل الله في العقل ولا في الفطرة استقباحَ ما أمَر به، ولا استحسانَ ما نهى عنه، وإن مال الهوى إلى خلاف أمره ونهيه فالعقلُ حينئذٍ يكونُ مأسورًا (٣) مع الهوى، مقهورًا في قبضته، وتحت سلطانه. الوجه الأربعون: قولكم: «نطالبكم بإظهار وجه الحُسن في أصل التكليف والإيجاب عقلًا وشرعًا» (٤). فيقال: يا لله العجب! أيحتاجُ أمرُ الله تعالى لعباده بما فيه غايةُ صلاحهم وسعادتهم في معاشهم ومعادهم، ونهيُه لهم عمَّا فيه هلاكهم وشقاؤهم في

стр. 1167

معاشهم ومعادهم، إلى المطالبة بحُسْنه؟! ثمَّ لا يُقتَصرُ على المطالبة بحُسْنه عقلًا حتى يُطالَب بحُسْنه عقلًا وشرعًا! فأيُّ حُسْنٍ لم يأمر الله به ويستحبَّه (١) لعباده ويندُبهم إليه؟! وأيُّ حُسْنٍ فوق حُسْن ما أمَر به وشرعَه؟! وأيُّ قبيحٍ لم يَنْهَ عنه ولم يزجُر عبادَه عن ارتكابه؟! وأيُّ قُبحٍ فوق قُبح ما نهى عنه؟! وهل في العقل دليلٌ أوضحُ من علمه بحُسْن ما أمر الله به من الإيمان والإسلام والإحسان، وتفاصيلها: من العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القُربى، وأنواع البرِّ والتقوى، وكلِّ معروفٍ تشهَدُ الفِطرُ والعقولُ به: من عبادته وحده لا شريك له على أكمل الوجوه وأتمِّها، والإحسان إلى خلقِه بحسب الإمكان؟! فليس في العقل مقدِّماتٌ هي أوضحُ من هذا المستدَلِّ عليه فيُجْعَل دليلًا له. وكذلك ليس في العقل دليلٌ أوضحُ مِنْ قُبح ما نهى عنه من الفواحش ما ظهَر منها وما بطَن، والإثم والبغي بغير الحقِّ، والشِّرك بالله ــ بأن يُجْعَل له عَدِيلٌ من خلقِه فيُعْبَد كما يُعْبَد، ويُحَبَّ كما يُحَبُّ، ويُعَظَّمَ كما يُعَظَّم ــ، ومن الكذب على الله وعلى أنبيائه وعباده المؤمنين، الذي فيه خرابُ العالَم وفسادُ الوجود. فأيُّ عقلٍ لم يُدْرِك حُسْنَ ذاك وقُبحَ هذا فأحرى أن لا يُدْرِك الدَّليل على ذلك!

стр. 1168

وليس يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ ... إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ (١) فما أبقى اللهُ حَسَنًا إلا أمَر به وشرَعه، ولا قبيحًا إلا نهى عنه وحذَّر منه. ثمَّ إنه سبحانه أودَع في الفِطر والعقول الإقرارَ بذلك، فأقام عليها الحجَّةَ من الوجهين، ولكن اقتضت رحمتُه وحكمتُه أن لا يعذِّبها إلا بعد إقامتها عليها برسله، وإن كانت قائمةً عليها بما أودَع فيها واستشهَدها عليه من الإقرار به وبوحدانيَّته واستحقاقه الشُّكرَ من عباده - بحسب طاقتهم ــ على نِعَمه، وبما نَصَبَ عليها من الأدلَّة المتنوِّعة المستلزمة إقرارَها بحُسْن الحسن وقُبح القبيح. الوجه الحادي والأربعون: أنَّا نذكر لكم وجهًا من الوجوه الدَّالَّة على وجه الحُسْن في أصل التكليف والإيجاب، فنقول: لا ريب أنَّ إلزامَ النَّاس شريعةً يأتمرون بأوامرها التي فيها صلاحُهم، وينتهون عن مناهيها التي فيها فسادُهم أحسنُ عند كلِّ عاقلٍ من تركهم همَلًا كالأنعام، لا يَعْرِفُون معروفًا ولا يُنكِرون منكرًا، وينزُو بعضهم على بعضٍ نَزْوَ الكلاب والحُمُر، ويَعْدُو بعضهم على بعضٍ عَدْوَ السِّباع والكلاب والذِّئاب، ويأكلُ قويُّهم ضعيفَهم، ولا يعرفون الله، ولا يعبدونه، ولا يذكرونه، ولا يشكرونه، ولا يمجِّدونه (٢)، ولا يَدِينُون بدين، بل هم من جنس الأنعام السَّائمة. ومن كابرَ عقلَه في هذا سَقَط الكلامُ معه، ونادى على نفسه بغاية

стр. 1169

الوَقاحة ومفارقة الإنسانيَّة. وما نظيرُ مطالبتكم هذه إلا مطالبةُ من يقول: نحن نطالبكم بإظهار وجه المنفعة في خَلق الماء والهواء والرِّياح والتُّراب، وخَلق الأقوات والفواكه والأنعام، بل في خَلق الأسماع والأبصار والألسن والقُوى والأعضاء التي في العبد؛ فإنَّ هذه أسبابٌ ووسائلُ ووسائط، وأمَّا أمرُه وشرعُه ودينُه فكمالُه غايةٌ وسعادةٌ في المعاش والمعاد، ولا ريب عند العقلاء أنَّ وجهَ الحُسْن فيه أعظمُ من وجه الحُسْن في الأمور الحِسِّيَّة، وإن كان الحِسُّ (١) هو الغالب على النَّاس، وإنما غايةُ أكثرهم إدراكُ الحُسْن والمنفعة في الحِسِّيَّات، وتقديمُها وإيثارُها على مدارك العقول والبصائر؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧]. ولو ذهبنا نذكر وجوهَ المحاسن المُودَعة في الشريعة لزادت على الألوف، ولعلَّ الله أن يُساعدَ بمُصَنَّفٍ في ذلك (٢)، مع أنَّ هذه المسألة بابُه وقاعدتُه التي عليها بناؤه. الوجه الثاني والأربعون: قولكم: «إنه سبحانه لا يتضرَّرُ بمعصية العبد، ولا ينتفعُ بطاعته، ولا تتوقَّفُ قدرتُه في الإحسان على فعلٍ يصدُر من العبد، بل كما أنعَم عليه ابتداءً فهو قادرٌ على أن ينعمَ عليه بلا توسُّطِ عمل» (٣).

стр. 1170

فيقال: هذا حقٌّ، ولكن لا يلزمُ منه (١) أن لا تكون الشريعةُ والأمرُ والنهيُ معلومةَ الحُسْن عقلًا وشرعًا، ولا يلزمُ منه أيضًا عدمُ حُسْن التكليف عقلًا وشرعًا، فذِكرُكم هذا عديمُ الفائدة؛ فإنه لم يَقُل منازعوكم ولا غيرُهم: إنَّ الله سبحانه يتضرَّرُ بمعاصي العباد وينتفعُ بطاعاتهم، ولا إنه غيرُ قادرٍ على إيصال الإحسان إليهم بلا واسطة. ولكنَّ تركَ التكليف وتركَ العباد همَلًا كالأنعام لا يُؤمَرون ولا يُنهَون منافٍ لحكمته وحمده وكمال مُلكه وإلهيَّته، فيجبُ تنزيهه عنه، ومن نسَبه إليه فما قَدَرَه حقَّ قَدْره، وحكمتُه البالغةُ اقتضت الإنعامَ عليهم ابتداءً وبواسطة الإيمان، والواسطةُ من إنعامه عليهم أيضًا؛ فهو المُنْعِمُ بالوسيلة والغاية، وله الحمدُ والنِّعمةُ في هذا وهذا. يوضِّحُه: الوجه الثالث والأربعون: وهو أنَّ إنعامَه عليه ابتداءً بالإيجاد وإعطاء الحياة والعقل والسَّمع والبصر والنِّعم التي سخَّرها له إنما فعَلها به لأجل عبادته إياه وشُكره له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، وأصحُّ الأقوال في الآية أنَّ معناها: ما يصنعُ بكم وما يكترثُ بكم لولا عبادتُكم إياه (٢)، فهو سبحانه لم يخلقكم إلا لعبادته. فكيف يقالُ بعد هذا: إنَّ تكليفَه إياهم عبادتَه غيرُ حسنٍ في العقل، لأنه قادرٌ على الإنعام عليهم بالجزاء من غير توسُّط العبادة؟!

стр. 1171

الوجه الرابع والأربعون: أنَّ قدرتَه على الشيء لا تنفي حكمتَه المانعة من وجوده؛ فإنه تعالى يَقْدِرُ على مقدوراتٍ تُمْنَعُ بحكمته، كقدرته على قيام السَّاعة الآن، وقدرته على إرسال الرُّسل بعد النَّبيِّ ﷺ ، وقدرته على إبقائهم بين ظهور الأمَّة إلى يوم القيامة، وقدرته على إماتة إبليسَ وجنوده وإراحة العالَم منهم. وقد ذكر سبحانه في القرآن قدرتَه على ما لا يفعلُه لحكمته في غير موضع؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣ - ٤]، أي: نجعلُها كخُفِّ البعير صفحةً واحدة، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. فهذه وغيرُها مقدوراتٌ له سبحانه، وإنما امتَنعت لكمال حكمته، فهي التي اقتضت عدمَ وقوعها، فلا يلزمُ من كون الشيء مقدورًا أن يكون حسنًا موافقًا للحكمة. وعلى هذا، فقدرتُه ﵎ على ما ذكرتم لا تقتضي حُسْنَه وموافقتَه لحكمته، ونحن إنما نتكلَّمُ معكم في الثَّاني لا في الأوَّل، فالكلامُ في الحكمة ومقتضى (١) الحكمة والعناية غيرُ (٢) الكلام في المقدور،

стр. 1172

فمتَعلَّقُ الحكمة شيءٌ ومتَعلَّقُ القدرة (١) شيء، ولكن أنتم إنما أُتِيتم من إنكار الحكمة، فلا يُمْكِنكم التفريقُ بين المُتَعلَّقَين، بل قد اعترفَ سلفُكم وأئمَّتكم بأنَّ الحكمةَ لا تخرُج عن صحَّة تعلُّق القدرة بالمقدور ومطابقته لها أو تعلُّق العلم بالمعلوم ومطابقته له، ولمَّا بنيتُم على هذا الأصل لم يُمْكِنكم الفرقُ بين مُوجَب الحكمة ومُوجَب القدرة، فتوعَّرت عليكم الطَّريق، وألجأتم أنفسَكم إلى أصعب مضيق. الوجه الخامس والأربعون: قولكم: «إنه تعالى لو ألقى إلى العبد زِمامَ الاختيار، وتركه يفعلُ ما يشاء، جريًا على رُسوم طبعِه (٢) المائل إلى لذيذ الشهوات، ثمَّ أجزل له في العطاء من غير حساب؛ كان أروَحَ للعبد، ولم يكن قبيحًا عند العقل» (٣). فيقال لكم: ما تعنُون بإلقاء زِمام الاختيار إليه؟ أتعنُون به أنه لا يكلِّفه ولا يأمرُه ولا ينهاه، بل يجعلُه كالبهيمة السَّائمة المهمَلة؟ أم تعنُون به أنه يلقي إليه زمامَ الاختيار مع تكليفه وأمره ونهيه؟ فإن عنيتُم الأوَّل، فهو مِنْ أقبح شيءٍ في العقل وأعظمه نقصًا في الآدميِّ، ولو تُرِك ورسومَ طبعه لكانت البهائمُ أكملَ منه، ولم يكن مكرَّمًا مفضَّلًا على كثيرٍ ممَّن خلق الله تفضيلًا، بل كان كثيرٌ من المخلوقات ــ أو أكثرها ــ مفضَّلًا عليه، فإنه يكونُ مصدودًا عن كماله الذي هو مستعدٌّ له قابلٌ له، وذلك أسوأ حالًا وأعظمُ نقصًا ممَّا مُنِعَ كمالًا ليس قابلًا له.

стр. 1173

وتأمَّل حال الآدميِّ المُخَلَّى ورُسومَ طبعه، المتروكَ ودواعي هواه، كيف تجدُه من شرار الخليقة وأفسدها للعالم، ولولا من يأخذُ على يديه لأهلك الحرثَ والنَّسل، وكان شرًّا من الخنازير والذِّئاب والحيَّات؛ فكيف يستوي في العقل أمرُه ونهيُه بما فيه صلاحُه وصلاحُ غيره به، وتركُه وما فيه أعظمُ فساده وفساد النَّوع وغيره به؟! وكيف لا يكونُ هذا القولُ قبيحًا؟! وأيُّ قُبحٍ أعظمُ من هذا؟! ولهذا أنكر الله سبحانه على من جوَّز عقلُه مثلَ هذا، ونزَّه نفسَه عنه، فقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، قال الشافعي: «معطَّلًا، لا يُؤمَر ولا يُنهى». وقيل: «لا يثابُ ولا يعاقَب» (١). وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ثمَّ نزَّه نفسَه عن هذا الظَّنِّ الكاذب، وأنه لا يليقُ به، ولا يجوزُ في العقول نسبةُ مثله إليه؛ لمنافاته لحكمته وربوبيَّته وإلهيَّته وحمدِه، فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، وفُسِّر الحقُّ بالثَّواب والعقاب، وفُسِّر بالأمر والنهي، وهذا تفسيرٌ له ببعض معناه؛ والصَّوابُ أنَّ الحقَّ هو إلهيَّته وحكمتُه المتضمِّنةُ للخلق والأمر والثَّواب والعقاب، فمَصْدَرُ ذلك كلِّه الحقُّ، وبالحقِّ وُجِد، وبالحقِّ قام، وغايتُه الحقُّ (٢)، وبه قيامُه، فمحالٌ

стр. 1174

أن يكون على غير هذا الوجه، فإنه يكونُ باطلًا وعبثًا، فتعالى الله عنه لمنافاته إلهيَّتَه وحكمتَه وكمال ملكه وحمده (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وتأمَّل كيف أخبَر سبحانه عنهم (٢) بنفي الباطليَّة عن خلقه (٣)، دون إثبات الحكمة؛ لأنَّ نفيَ الباطل (٤) على سبيل العموم والاستغراق أوغَلُ في المعنى المقصود وأبلغُ من إثبات الحِكَم؛ لأنَّ بيان جميعها لا تَفِي به أفهامُ الخليقة، وبيانَ البعض يُؤذِن بتناهي الحكمة، ونفيُ البطلان والخلُوِّ عن الحكمة والفائدة يفيدُ أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء العالم عُلويِّه وسُفليِّه متضمِّنٌ لحِكَمٍ جمَّةٍ وآياتٍ باهرة. ثمَّ أخبَر سبحانه عنهم بتنزيهه عن الخلقِ باطلًا خِلْوًا عن الحكمة، ولا معنى لهذا التَّنزيه عند النُّفاة؛ فإنَّ الباطل عندهم هو المحالُ لذاته، فعلى قولهم نزَّهوه عن المحال لذاته الذي ليس بشيء، كالجمع بين النَّقيضين، وكَوْن الجسم الواحد لا يكونُ في مكانين. ومعلومٌ قطعًا أنَّ هذا ليس مرادَ

стр. 1175

الرَّبِّ تعالى مما نزَّه نفسَه عنه، وأنه لا يُمْدَحُ أحدٌ بتنزيهه عن هذا، ولا يكونُ المنزِّه به مُثنِيًا ولا حامدًا، ولم يخطُر هذا بقلب بشرٍ حتى ينكره الله على من زعمه ونسَبه إليه. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، فنفى اللَّعبَ عن خلقِه، وأثبتَ أنه إنما خلقهما بالحقِّ، فجمَع تعالى بين نفي اللَّعب الصَّادر عن غير حكمةٍ وغايةٍ محمودة، وإثباتِ الحقِّ المتضمِّن للحِكَم والغايات المحمودة والعواقب المحبوبة. والقرآنُ مملوءٌ من هذا، بنفي العبث والباطل واللعب تارة، وتنزيه الرَّبِّ نفسَه عنه تارة، وإثبات الحِكَم الباهرة في خلقه تارة. فكيف يجوزُ أن يقال: إنه لو عطَّل خلقَه وتركهم سُدًى لم يكن ذلك قبيحًا في العقل؟! فإن عَنَيتم أنه يلقِي إليه زمامَ الاختيار مع أمره ونهيه، فهذا حقٌّ؛ فإنه جعله مختارًا مأمورًا منهيًّا، وإن كان اختيارُه مخلوقًا له تعالى، إذ هو من جملة الحوادث الصَّادرة عن خلقه، ولكنَّ هذا الاختيار لا ينافي التكليف، ولا يكونُ بوجه (١)، بل لا يصحُّ التكليفُ إلا به. الوجه السَّادس والأربعون: قولكم: «فقد تعارض الأمران:

стр. 1176

أحدهما: أن يكلِّفهم؛ فيأمرَ وينهى حتى يطاع ويُعصى، ثمَّ يثيبهم ويعاقبهم. الثَّاني: أن لا يكلِّفهم؛ إذ لا يتزيَّنُ منهم بطاعة، ولا تَشِينُه معصيتُهم. وإذا تعارض في المعقول (١) هذان الأمران، فكيف يهتدي العقلُ إلى اختيار أحدهما حقًّا؟! فكيف يعرِّفنا الوجوبَ على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطَّاعة، وعلى الرَّبِّ تعالى بالثَّواب؟!» (٢). فيقال لكم: لم يتعارض بحمد الله الأمران؛ لأنَّ أحدَهما قد عُلِمَ قبحُه في المعقول، والآخرَ قد عُلِمَ حسنُه في المعقول، فكيف يتعارض في العقل جواز الأمرين، وأن تكون نسبتُهما إلى الرَّبِّ تعالى نسبةً واحدة؟! وإنما تتعارض الجائزاتُ على حدٍّ (٣) سواء، بحيث لا يترجَّحُ بعضها على بعض، فأمَّا الحُسْن والقُبح فلم يتعارض في العقل قطُّ استواؤهما. وقد قرَّرنا بما لا مَدْفَع له قُبحَ التَّرك سُدًى بمنزلة الأنعام السَّائمة، وحُسْنَ الأمر والنهي واستصلاحهم في معاشهم ومعادهم، فكيف يقال: إنَّ هذين الأمرين سواءٌ في العقل بحيث يتعارضا فيه ويقضي باستوائهما بالنسبة إلى أحكم الحاكمين؟! فإن قيل: إنما تعارضا في المقدُوريَّة؛ إذ نسبةُ القدرة إليهما واحدة. قلنا: قد تقدَّم أنه لا يلزمُ من كون الشيء مقدورًا أن لا يكون ممتنعًا

стр. 1177

لمنافاته الحكمة؛ وقد بيَّنَّا ذلك قريبًا (١)، فيكون تركُهم همَلًا وسُدًى مقدورًا للرَّبِّ تعالى لا يقتضي معارضته لمقدوره الآخَر مِنْ تكليفهم وأمرهم ونهيهم. الوجه السابع والأربعون: قولكم: «إذ لا يتزيَّنُ منهم بطاعةٍ ولا تَشِينُه معصيتُهم». قلنا: ومن الذي نازع في هذا؟! ولكنَّ حُسْنَ التكليف لا ينفي ذلك عن الرَّبِّ تعالى، وأنه إنما يكلِّفهم تكليفَ من لا يبلغوا ضرَّه فيضرُّوه ولا يبلغوا (٢) نفعَه فينفعوه، وأنهم لو كانوا كلُّهم على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منهم ما نقَص ذلك من ملكه شيئًا. وهاهنا اختلفت الطُّرقُ بالنَّاس في علَّة التكليف وحكمته، مع كونه سبحانه لا ينتفِعُ بطاعتهم، ولا تضرُّه معصيتُهم: * فسلكت الجبريَّة مسلكها المعروف، وأنَّ ذلك صادرٌ عن محض المشيئة وصِرْف الإرادة، وأنه لا علَّة له ولا ما يحثُّ عليه سوى محض الإرادة. * وسلكت القَدَرِيَّة مسلكها المعروف، وهو أنَّ ذلك استئجارٌ منه لعبيده، لينالوا أجرَهم بالعمل، فيكون ألذَّ من اقتضائهم الثَّوابَ بلا عمل، لما فيه من تكدير المِنَّة.

стр. 1178

والمسلكان كما ترى! وحسبك ما يدلُّ عليه العقلُ الصريحُ والنقلُ الصحيحُ من بطلانهما وفسادهما. * وليس عند النَّاس غيرُ هذين المسلكين إلا مسلك من هو خارجٌ عن الدِّيانات وأتباع الرُّسل، ممن يرى أنَّ الشرائع وُضِعَت نواميسَ تقومُ عليها مصلحةُ النَّاس ومعيشتُهم، وأنَّ فائدتها تكميلُ قوَّة النَّفس العملية وارتياضها، لتَخْرُجَ عن شَبه الأنعام، فتصيرَ مستعدةً لأن تكون محلًّا لقبول الفلسفة العليا والحكمة. وهذا مسلكٌ خارجٌ عن مناهج الأنبياء وأممهم (١). * وأمَّا أتباعُ الرُّسل الذين هم أهلُ البصائر، فحكمةُ الله في تكليفهم ما كلَّفهم به أعظمُ وأجلُّ عندهم مما يخطُر بالبال، أو يجري به المقال، ويشهدون له سبحانه في ذلك من الحِكَم الباهرة والأسرار العظيمة أكثر مما يشهدونه في مخلوقاته وما تضمَّنته من الأسرار والحِكَم. ويعلمون ــ مع ذلك ــ أنه لا نسبة لما أطلَعهم سبحانه عليه من ذلك إلى ما طوى علمَه عنهم واستأثر به دونهم، وأنَّ حكمتَه في أمره ونهيه وتكليفهم أجلُّ وأعظمُ مما تطيقُه عقولُ البشر، فهم يعبدونه سبحانه بأمره ونهيه لأنه تعالى أهلٌ أن يُعْبَد، وأهلٌ أن يكون الحبُّ كلُّه له، والعبادةُ كلُّها له، حتى لو لم يخلُق جنَّةً ولا نارًا، ولا وَضَع ثوابًا ولا عقابًا؛ لكان أهلًا أن يُعْبَد أقصى ما تناله قدرةُ خلقِه من العبادة. وفي بعض الآثار الإلهيَّة: «لو لم أخلُق جنَّةً ولا نارًا ألم أكُن أهلًا أن

стр. 1179

أُعْبَد؟!» (١). حتى إنه لو قُدِّر أنه لم يرسل رسلَه ولم ينزل كتبَه لكان في الفطرة والعقل ما يقتضي شكرَه وإفرادَه بالعبادة، كما [أنَّ] فيهما ما يقتضي تناولَ المنافع واجتنابَ المضارِّ، ولا فرق بينهما في الفطرة والعقل؛ فإنَّ الله فطر خليقتَه على محبته والإقبال عليه، وابتغاء الوسيلة إليه، وأنه لا شيء على الإطلاق أحبُّ إليها منه، وإن فسدت فِطرُ أكثر الخلق بما طرأ عليها مما اقتَطعها واجتالها عمَّا خُلِق فيها، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. فبيَّن سبحانه أنَّ إقامةَ الوجه ــ وهو إخلاصُ القصد، وبذلُ الوُسع لدينه، المتضمِّنُ محبتَه وعبادته، حنيفًا، مقبلًا عليه، معرضًا عما سواه ــ هو فطرتُه التي فَطَر عليها عبادَه، فلو خُلُّوا ودواعي فِطَرهم لما رَغِبُوا عن ذلك، ولا اختاروا سواه، ولكن غيِّرت الفِطرُ وأُفسِدت، كما قال النبيُّ ﷺ : «ما من مولودٍ إلا يولدُ على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعاء، هل تحسُّون فيها مِنْ جَدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تَجْدَعُونها» (٢)، ثمَّ يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].

стр. 1180

و ﴿مُنِيبِينَ﴾ نُصِبَ على الحال من المفعول، أي: فَطَرهم منيبين إليه. والإنابةُ إليه تتضمَّنُ الإقبالَ عليه بمحبته وحده والإعراض عمَّا سواه. وفي «صحيح مسلم» (١) عن عِيَاض بن حِمَار، عن النبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني في مقامي هذا ــ أنه قال ــ: كلُّ مالٍ نَحَلتُه عبدًا فهو له حلال، وإني خلقتُ عبادي حنفاء فأتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزِّل به سلطانًا، وحرَّمَت عليهم ما أحللتُ لهم»؛ فأخبر سبحانه أنه إنما خلق عبادَه على الحنيفيَّة المتضمِّنة لكمال حبِّه، والخضوع له، والذُّلِّ له، وكمال طاعته وحده دونَ غيره. وهذا من الحقِّ الذي خُلِقَت له، وبه قامت السَّمواتُ والأرض وما بينهما، وعليه قام العالم، ولأجله خُلِقت الجنةُ والنَّار، ولأجله أرسَل رسلَه وأنزل كتبَه، ولأجله أهلَك القرونَ التي خرجت عنه وآثرت غيرَه. فكونُه سبحانه أهلًا أن يُعْبَد (٢) ويُحَبَّ ويُحْمَد ويُثنى عليه أمرٌ ثابتٌ له لذاته، فلا يكونُ إلا كذلك، كما أنه الغنيُّ القادرُ الحيُّ القيُّومُ السَّميعُ البصير، فهو سبحانه الإلهُ الحقُّ المبين، والإلهُ هو الذي يستحقُّ أن يُؤْلَه محبةً وتعظيمًا، وخشيةً وخضوعًا، وتذلُّلًا وعبادة، فهو الإلهُ الحقُّ ولو لم يخلُق خلقَه، وهو الإلهُ الحقُّ ولم لم يعبدوه. فهو المعبودُ حقًّا، الإلهُ حقًّا، المحمودُ حقًّا، ولو قُدِّر أنَّ خلقَه لم يعبدوه

стр. 1181

ولم يحمدوه ولم يَأْلَهوه، فهو الله الذي لا إله إلا هو قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وبعد أن يفنيهم، لم يَسْتَحْدِث بخلقه لهم ولا بأمره إياهم استحقاقَ الإلهية والحمد، بل إلهيتُه وحمدُه ومجدُه وغِناه أوصافٌ ذاتيةٌ له يستحيلُ مفارقتُها له، كحياته (١) ووجوده وقدرته وعلمه وسائر صفات كماله. فأولياؤه وخاصَّتُه وحِزبُه لمَّا شَهِدت عقولهم وفِطرُهم أنه أهلٌ أن يُعْبَد وإن لم يرسِل إليهم رسولًا ولم ينزِّل عليهم كتابًا، ولو لم يخلُق جنةً ولا نارًا= علموا أنه لا شيء في العقول والفِطر أحسن من عبادته، ولا أقبح من الإعراض عنه. وجاءت الرُّسلُ وأنزلت الكتبُ بتقرير ما استَودع سبحانه في الفِطر والعقول من ذلك، وتكميله، وتفصيله (٢)، وزيادته حُسْنًا إلى حُسْنِه. فاتفقت شريعتُه وفطرتُه، وتطابقَا وتوافقَا، وظهر أنهما من مشكاةٍ واحدة. فعبدُوه وأحبُّوه ومجَّدوه وحمدُوه بداعي الفطرة وداعي الشرع وداعي العقل، فاجتمعَت لهم الدَّواعي ونادتهم من كلِّ جهة، ودَعَتهم إلى وليِّهم وإلههم وفاطرهم، فأقبلوا إليه بقلوبٍ سليمةٍ لم يعارِض خبَره عندها شبهةٌ توجبُ ريبًا وشكًّا، ولا أمرَه شهوةٌ توجبُ رغبتَها عنه وإيثارَها سواه. فأجابوا دواعي المحبة والطَّاعة إذ نادت بهم: حيَّ على الفلاح، وبذلوا أنفسَهم في مرضاة مولاهم الحقِّ بَذْلَ أخي السَّماح، وحَمِدُوا عند الوصول

стр. 1182

إليه مَسْراهم، وإنما يَحْمَدُ القومُ السُّرى عند الصَّباح، فدينُهم دينُ الحبِّ، وهو الدِّينُ الذي لا إكراه فيه، وسَيرُهم سَيرُ المحبِّين، وهو السَّيرُ الذي لا وقفةَ تعتريه. إني أدِينُ بدين الحُبِّ ويحَكمُ ... فذاك ديني ولا إكراه في الدِّينِ ومن يكن دينُه كُرهًا فليس له ... إلا العنَاءُ وإلا السَّيرُ في الطِّينِ وما استوى سَيرُ عبد في محبته ... وسَيرُ خالٍ من الأشواقِ في دينِ فقُل لغير أخي الأشواق ويحكَ قد ... غُبِنتَ حظَّكَ (١) لا تَغتَرَّ بالدُّونِ نجائبُ الحُبِّ تعلُو بالمحبِّ إلى ... أعلى المراتبِ مِن فوقِ السَّلاطينِ وأطيبُ العيشِ في الدَّارينِ قد رَغِبَت ... عنه التِّجَارُ فباعت بَيْعَ مغبونِ فإن تُرِد علمَه فاقرأهُ ويحكَ في ... آياتِ طهَ وفي آياتِ ياسينِ (٢) ولا ريب أنَّ كمال العبوديَّة تابعٌ لكمال المحبة، وكمال المحبة تابعٌ لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمالُ المطلقُ التَّامُّ من كلِّ وجه، الذي لا يعتريه توهُّمُ نقصٍ أصلًا (٣)، ومَن هذا شأنُه فإنَّ القلوبَ لا يكونُ شيءٌ أحبَّ إليها منه ما دامت فِطرُها وعقولها سليمة، وإذا كان (٤) أحبَّ الأشياء إليها فلا محالة أنَّ محبتَه توجبُ عبوديتَه وطاعتَه، وتتبُّعَ مرضاته، واستفراغ الجهد في التعبُّد له والإنابة إليه.

стр. 1183

وهذا الباعثُ أكملُ بواعث العبوديَّة وأقواها، حتى لو فُرِض تجرُّده عن الأمر والنهي والثَّواب والعقاب استَفرَغ الوُسعَ واستَخلَص القلبَ للمعبود الحقِّ (١). ومن هذا قولُ بعض السَّلف: «إنه ليَسْتَخْرِجُ حبُّه من قلبي ما لا يسْتَخْرِجُه خوفُه» (٢)، ومنه قول عمر في صُهيب: «لو لم يَخَف اللهَ لم يَعْصِه» (٣). وقد كان هذا هو الواجبَ على كلِّ عاقل، كما قال بعضهم: هَبِ البَعْثَ لم تَأتِنا رُسْلُه ... وجَاحِمَةُ النَّارِ لم تُضْرَمِ أليسَ من الواجب المُسْتَحَقْـ ... ـقِ طاعةُ ربِّ الورى الأكرمِ (٤)

стр. 1184

وقد قام النبيُّ ﷺ حتى تفطَّرت قدماه، فقيل له: تفعلُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟! قال: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟» (١)، واقتَصر ﷺ من جوابهم على ما تُدْرِكه عقولهم، وتنالُه أفهامهم، وإلا فمن المعلوم أنَّ باعثَه على ذلك الشُّكر أمرٌ يجِلُّ عن الوصف، ولا تنالُه العبارةُ ولا الأذهان. فأين هذا الشُّهودُ مِنْ شُهود طائفة القَدَريَّة والجبريَّة؟! فليعرِض العاقلُ اللبيبُ ذَينِك المشهدَين على هذا المشهد، ولينظُر ما بين الأمرين من التفاوت. فالله سبحانه يُعْبَدُ ويُحْمَدُ ويُحَبُّ لأنه أهلٌ لذلك ومُستَحِقُّه، بل ما يستحقُّه سبحانه من عباده أمرٌ لا تنالُه قدرتهم ولا إرادتُهم، ولا تتصوَّره عقولهم، ولا يُمْكِنُ أحدٌ (٢) من خلقِه قطُّ أن يعبُده حقَّ عبادته، ولا يوفِّيه حقَّه من المحبة والحمد. ولهذا قال أفضلُ خلقه وأكملُهم وأعرفُهم به وأحبُّهم إليه وأطوعُهم له: «لا أحصي ثناءً عليك» (٣)، وأخبَر أنَّ عملَه ﷺ لا يستقلُّ بالنَّجاة، فقال: «لن يُنْجِي أحدًا منكم عملُه»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا إلا أن يتغمَّدني اللهُ برحمةٍ منه وفضل» (٤). فصلواتُ الله وسلامه عليه عَدَد ما خَلَق في السَّماء، وعَدَد ما خَلَق في الأرض، وعَدَد ما بينَهما، وعَدَد ما هو خالق.

стр. 1185

وفي الحديث المرفوع المشهور أنَّ من الملائكة من هو ساجدٌ لله لا يرفعُ رأسَه منذ خُلِق، ومنهم راكعٌ لا يرفعُ رأسَه من الرُّكوع منذ خُلِق إلى يوم القيامة، وأنهم يقولون يوم القيامة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك (١). ولمَّا كانت عبادتُه تعالى تابعةً لمحبته وإجلاله، وكانت المحبةُ نوعان (٢): محبةً تنشأ عن الإنعام والإحسان، فتُوجِبُ شكرًا وعبوديَّةً بحسب كمالها ونقصانها، ومحبةً تنشأ عن جمال المحبوب وكماله (٣)، فتُوجِبُ عبوديَّةً وطاعةً أكمَل من الأولى= كان الباعثُ على الطاعة والعبوديَّة لا يخرُج عن هذين النَّوعين. وأمَّا أن تقعَ الطَّاعةُ صادرةً عن خوفٍ محضٍ غير مقرونٍ بمحبة، فهذا قد ظنَّه كثيرٌ من المتكلِّمين، وهي عندهم غايةُ العارِف (٤)، بناءً على أصلهم الباطل: أنَّ الله لا تتعلَّق المحبةُ بذاته، وإنما تتعلَّق بمخلوقاته مما هو في الجنَّة من النَّعيم؛ فهم لا يحبُّونه لذاته وكماله ولا لإحسانه، ويُنْكِرون محبتَه لذلك، وإنما المحبوبُ عندهم في الحقيقة غيرُه.

стр. 1186

وهذا من أبطَل الباطل، وسنذكُر في القسم الثَّاني إن شاء الله من هذا الكتاب بطلانَ هذا المذهب من أكثر من مئة وجه (١). ولو عرَف القومُ صفاتِ الأرواح وأحكامَها لعلموا أنَّ طاعةَ من لا يُحَبُّ (٢) وعبادتَه محال، وأنَّ من أتى بصورة الطَّاعة خوفًا مجرَّدًا عن الحبِّ فليس بمطيعٍ ولا عابد، وإنما هو كالمُكْرَه، أو كأجير السَّوء الذي إن أُعطِيَ عَمِل وإن لم يُعْطَ كَفَر وأبَق. وسَيَرِدُ عليك بسطُ الكلام في هذا عن قريبٍ إن شاء الله (٣). والمقصودُ أنَّ الطَّاعةَ والعبادة النَّاشئة عن محبة الكمال والجمال أعظمُ من الطَّاعة النَّاشئة عن رؤية الإنعام والإحسان، وفرقٌ عظيمٌ بين ما تعلَّق بالحيِّ الذي لا يموت، وبين ما تعلَّق بالمخلوق، وإن شَمِل النَّوعين اسمُ المحبة، ولكنْ كم بين من يحبُّك لذاتك وأوصافك وجمالك، وبين من يحبُّك لخَيْرِك ودراهمك؟! فصل والأسماء الحسنى والصِّفاتُ العُلى مقتضيةٌ لآثارها من العبوديَّة والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكلِّ صفةٍ عبوديَّةٌ خاصَّةٌ هي من مُوجَباتها ومقتضياتها، أعني: مِنْ مُوجَبات العلم بها والتَّحقُّق (٤) بمعرفتها.

стр. 1187

وهذا مطَّردٌ في جميع أنواع العبوديَّة التي على القلب والجوارح: * فعِلمُ العبد بتفرُّد الرَّبِّ تعالى بالضُّرِّ والنَّفع، والعطاء والمنع، والخلق والرَّزق، والإحياء والإماتة= يُثمِرُ له عبوديَّة التَّوكُّل عليه باطنًا، ولوازمَ التَّوكُّل وثمراته ظاهرًا. * وعِلمُه بسمعه تعالى وبصره وعِلمه (١)، وأنه لا يخفى عليه مثقالُ ذرَّةٍ في السَّموات ولا في الأرض، وأنه يعلمُ السِّرَّ وأخفى، ويعلمُ خائنةَ الأعيُن وما تخفي الصُّدور= يُثمِرُ له حِفظ لسانه وجوارحه وخَطراتِ قلبه عن كلِّ ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلُّق هذه الأعضاء بما يحبُّه الله ويرضاه؛ فيُثمِرُ له ذلك الحياءَ باطنًا، ويُثمِرُ له الحياءُ اجتنابَ المحرَّمات والقبائح. * ومعرفتُه بغِناه وجوده، وكرمه وبِرِّه، وإحسانه ورحمته= توجبُ له سَعَة الرَّجاء، ويُثمِرُ له ذلك من أنواع العبوديَّة الظَّاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. * وكذلك معرفتُه بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمِرُ له الخضوعَ (٢) والاستكانة والمحبة، وتُثمِرُ له تلك الأحوالُ الباطنةُ أنواعًا من العبوديَّة الظَّاهرةِ هي مُوجَباتها. * وكذلكَ عِلْمُه بكمالِه وجمالِه وصفاتِه العُلى يُوجِبُ له محبةً خاصَّةً تُثمِرُ له (٣) أنواعَ العبوديَّة.

стр. 1188

فرجَعَت العبوديَّةُ كلُّها إلى مقتضى الأسماء والصِّفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها؛ فخلقُه سبحانه وأمرُه هو مُوجَبُ أسمائه وصفاته في العالَم وآثارُها ومقتضاها، لا أنه يتزيَّنُ مِنْ عباده بطاعتهم، ولا تَشِينُه معصيتُهم. وتأمَّل قوله ﷺ في الحديث الصَّحيح الذي يرويه عن ربِّه ﵎: «يا عبادي، إنكم لن تبلُغوا ضُرِّي فتضرُّوني، ولن تبلُغوا نفعي فتنفعوني» (١)، ذَكَر هذا عقبَ قوله: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفرُ الذُّنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغفِر لكم». فتضمَّن ذلك أنَّ ما يفعلُه تعالى بهم، مِنْ غفران زلَّاتهم، وإجابة دعَواتهم، وتفريج كُرباتهم؛ ليس لجلْب منفعةٍ منهم، ولا لدفع مضرَّةٍ يتوقَّعها منهم، كما هو عادةُ المخلوق الذي ينفعُ غيرَه ليكافئه بنفعٍ مثله، أو ليدفع عنه ضررًا. فالرَّبُّ تعالى لم يحسِن إلى عباده ليكافئوه، ولا ليدفعوا عنه ضررًا؛ فقال: «لن تبلُغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلُغوا ضُرِّي فتضرُّوني»؛ إني (٢) لستُ إذا هديتُ مُسْتَهْدِيكم، وأطعمتُ مُسْتَطْعِمَكم، وكسوتُ مُسْتَكْسِيكم، وأرويتُ مُسْتَسْقِيكم، وكفَيتُ مُسْتَكْفِيكم، وغفرتُ لمستَغْفِركم= بالذي أطلبُ منكم أن تنفعوني، أو تدفعوا عني ضررًا، فإنكم لن تبلُغوا ذلك، وأنا الغنيُّ الحميد.

стр. 1189

كيف والخلقُ عاجزون عمَّا يَقْدِرُون عليه من الأفعال إلا بإقداره وتيسيره وخلقه، فكيف بما لا يَقْدِرون عليه؟! فكيف يبلُغوا (١) نفعَ الغنيِّ الصَّمد الذي يمتنعُ في حقِّه أن يَسْتَجْلِبَ من غيره نفعًا أو يَسْتَدْفِعَ منه ضررًا، بل ذلك مستحيلٌ في حقِّه؟! ثمَّ ذَكَر بعد هذا قوله: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجَر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقصَ ذلك من ملكي شيئًا»؛ فبيَّن سبحانه أنَّ ما أمرهم به من الطَّاعات، وما نهاهم عنه من السيِّئات، لا يتضمَّنُ استجلابَ نفعهم، ولا استدفاعَ ضررهم؛ كأمر السيِّد عبدَه، والوالد ولدَه، والإمام رعيَّتَه، بما ينفعُ الآمرَ والمأمور، ونهيِهم عمَّا يضرُّ النَّاهي والمنهيَّ؛ فبيَّن تعالى أنه المنزَّه عن لحوق نفعهم وضرِّهم به، في إحسانه إليهم بما يفعلُه بهم، وبما يأمرُهم به. ولهذا لمَّا ذَكَر الأصلَيْن بعد هذا، وأنَّ تقواهم وفجورَهم الذي هو طاعتُهم ومعصيتُهم لا يزيدُ في مُلكه شيئًا ولا ينقُصه، وأنَّ نسبة ما يسألونه كلُّهم إياه فيعطيهم إلى ما عنده كَلا نسبة؛ فتضمَّن ذلك أنه لم يأمرهم ولم يحسن إليهم بإجابة الدَّعوات، وغفران الزلَّات، وتفريج الكُربات، لاستجلاب منفعةٍ، ولا لاستدفاع مَضرَّة، وأنهم لو أطاعوه كلُّهم لم يزيدوا في مُلكه شيئًا، ولو عصَوه كلُّهم لم ينقُصوا من مُلكه شيئًا، وأنه الغنيُّ الحميد.

стр. 1190

ومن كان هكذا فإنه لا يتزيَّنُ بطاعة عباده، ولا تَشِينُه معاصيهم، ولكن من له الحِكَمُ البوالغُ (١) في تكليف عباده وأمرِهم ونهيهم ما يقتضيه ملكُه التَّامُّ وحمدُه وحكمتُه، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجِبُ من عباده شكرَ نِعَمه التي لا تحصى، بحسب قُواهم وطاقتهم، لا بحسب ما ينبغي له، فإنه أعظمُ وأجلُّ من أن يَقْدِر خلقُه عليه، ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمحُ به طبائعُهم وقُواهم. فلا شيء أحسنُ في العقول والفِطر مِنْ شُكر المُنْعِم (٢)، ولا أنفعُ للعبد منه. فهذان مسلكان آخران في حُسْن التكليف والأمر والنهي: أحدهما: يتعلَّق بذاته وصفاته، وأنه أهلٌ لذلك، وأنَّ جماله تعالى وكماله وأسماءه وصفاته تقتضي من عباده غايةَ الحبِّ والذُّلِّ والطَّاعة له. الثَّاني: متعلِّقٌ بإحسانه وإنعامه، ولا سيَّما مع غِناه عن عباده، وأنه إنما يحسِنُ إليهم رحمةً منه وجودًا وكرمًا، لا لمعاوَضةٍ ولا لاستجلاب منفعةٍ ولا لدفع مضرَّة. وأيُّ المسلكين سَلَكه العبدُ أوقعَه على محبته وبذلِ الجهد في مرضاته. فأين هذان المسلكان من ذَيْنِك المسلكين (٣)؟! وإنما أُتي القومُ من إنكارهم المحبة، وذلك الذي حَرَمهم من العلم

стр. 1191

والإيمان ما حَرَمهم، وأوجبَ لهم سلوكَ تلك الطُّرق المسدودة، والله الفتَّاحُ العليم. الوجه الثَّامن والأربعون: قولكم: «فلا تكونُ نِعَمُه تعالى ثوابًا، بل ابتداءً» (١) = كلامٌ يحتملُ حقًّا وباطلًا. فإن أردتم به أنه لا يثيبُهم على أعمالهم بالجنَّة ونعيمها، ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون= فهو باطل، والقرآنُ أعظمُ شاهدٍ ببطلانه: قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ ــ ١٤]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 1192

خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]. وهذا في القرآن كثير، يبيِّن أنَّ الجنَّة ثوابُهم وجزاؤهم، فكيف يقال: لا تكونُ نِعَمُه ثوابًا على الإطلاق؟! بل لا تكونُ نِعَمُه تعالى في مقابلة الأعمال والأعمالُ ثَمَنًا لها؛ فإنه لن يُدْخِل أحدًا الجنَّةَ عملُه، ولا يدخُلها أحدٌ إلا بمجرَّد فضل الله ورحمته. وهذا لا ينافي ما تقدَّم من النُّصوص؛ فإنها إنما تدلُّ على أنَّ الأعمال أسبابٌ لا أعواضٌ وأثمان، والذي نفاه النبيُّ ﷺ من الدُّخول بالعمل هو نفيُ استحقاق العِوَض ببذل عِوَضِه؛ فالمثبَتُ باءُ السَّببيَّة، والمنفيُّ باءُ المعاوَضة والمقابَلة. وهذا فصلُ الخطاب في هذه المسألة (١). والقَدَرِيَّةُ الجبريَّةُ تنفي باءَ السَّببيَّة جملة، وتنكرُ أن تكون الأعمالُ سببًا في النَّجاة ودخول الجنَّة، وتلك النُّصوصُ وأضعافُها تُبْطِلُ قولَهم. والقَدَريَّةُ النُّفاةُ تثبتُ باءَ المعاوَضة والمقابَلة، وتزعمُ أنَّ الجنَّة عِوَضُ الأعمال، وأنها ثمنٌ لها، وأنَّ دخولها إنما هو بمحض الأعمال، والنُّصوصُ النَّافيةُ لذلك تُبْطِلُ قولَهم. والعقلُ والفِطرُ تُبْطِلُ قول الطَّائفتين، ولا يصحُّ في النُّصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التَّفصيل، وبه يتبيَّن أنَّ الحقَّ مع الوَسَط بين الفِرَق في جميع المسائل، لا يستثنى من ذلك شيء، فما اختلفت الفِرَقُ إلا كان الحقُّ مع الوَسَط (٢).

стр. 1193

وكلٌّ من الطَّائفتين معه حقٌّ وباطل: فأصاب الجبريَّةُ في نفي المعاوَضة، وأخطؤوا في نفي السَّببيَّة. وأصاب القَدَرِيَّةُ في إثبات السَّببيَّة، وأخطؤوا في إثبات المعاوَضة. فإذا ضممتَ أحد نفيَي الجبريَّة إلى أحد إثباتَي القَدَرِيَّة، ونفيتَ باطلَهما؛ كنتَ أسعدَ بالحقِّ منهما. فإن أردتم بأنَّ نِعَمه لا تكونُ ثوابًا هذا القَدْر، وأنها لا تكونُ عِوَضًا، بل هو المنعِمُ بالأعمال والثَّواب، وله المنَّةُ في هذا وهذا، ونعمتُه (١) بالثَّواب مِنْ غير استحقاقٍ ولا ثمنٍ يُعاوَضُ عليه، بل فضلٌ منه وإحسان= فهذا هو الحقُّ، فهو المانُّ بهدايته للإيمان، وتيسيره للأعمال، وإحسانه بالجزاء، كلُّ ذلك مجرَّدُ منَّته وفضله؛ قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. الوجه التاسع والأربعون: قولكم: «وإذا تعارض في العقول هذان الأمران، فكيف يهتدي العقلُ إلى اختيار أحدهما؟!» (٢). قلنا: قد تبيَّن ــ بحمد الله ــ أنه لا تعارض في العقول بين الأمرين أصلًا،

стр. 1194

وإنما يُقَدَّرُ التعارضُ بين العقل والهوى، وأمَّا أن يتعارض في العقول إرشادُ العباد إلى سعادتهم في المعاش والمعاد، وتركُهم همَلًا كالأنعام السَّائمة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا؛ فلم يتعارض هذان في عقلٍ صحيحٍ أبدًا. الوجه الخمسون: قولكم: «فكيف يُعَرِّفنا العقلُ وجوبًا على نفسِه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطَّاعة وعلى الرَّبِّ بالثَّواب والعقاب؟!» (١). فيقال: وأيُّ استبعادٍ في ذلك؟! وما الذي يُحِيلُه؟! فقد عرَّفنا العقلُ من الواجبات عليه ما يقبُح من العبد تركُها، كما عرَّفنا وعرَّف أهلَ العقول وذوي الفِطَر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة وجوبَ الإقرار بالله وربوبيَّته وشكر نعمته ومحبته، وعرَّفنا قُبحَ الإشراك به والإعراض عنه ونسبته إلى ما لا يليقُ به، وعرَّفنا قُبحَ الفواحش والظُّلم والإساءة والفجور والكذب والبَهْت والإثم والبغي والعدوان. فكيف يُسْتَبْعَدُ منه أن يعرِّفنا وجوبًا على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالشُّكر المقدور المسْتَحْسَن في العقول، التي جاءت الشرائعُ بتفصيل ما أدركه العقلُ منه جملةً، وبتقرير ما أدركه منه تفصيلًا؟! وأمَّا الوجوبُ على الله بالثَّواب والعقاب؛ فهذا مما تتباينُ فيه (٢) الطَّائفتان أعظمَ تبايُن: * فأثبتت القَدَرِيَّةُ من المعتزلة عليه تعالى وجوبًا عقليًّا وضعوه شريعةً

стр. 1195

له بعقولهم، وحرَّموا عليه الخروجَ عنه، وشبَّهوه في ذلك كلِّه (١). وبدَّعهم في ذلك سائرُ الطَّوائف، وسفَّهوا رأيهم فيه، وبيَّنوا مُناقَضتَهم، وألزموهم بما لا محيدَ لهم عنه. * ونفَت الجبريَّةُ أن يجبَ عليه ما أوجبه على نفسه ويحرُم عليه ما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه ما يتعالى ويتنزَّه عنه وما لا يليقُ بجلاله مما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه تركَ ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزَّه عن تركه وفعلِ ضدِّه. فتباينَ الطَّائفتان أعظمَ تبايُن. * وهدى الله الذين آمنوا ــ أهلَ السُّنَّة الوَسط ــ للطَّريقة المثلى التي جاء بها رسولُه، ونزل بها كتابُه، وهي أنَّ العقول البشريَّة ــ بل وسائر المخلوقات ــ لا توجبُ على ربِّها شيئًا ولا تحرِّمه، وأنه يتعالى ويتنزَّه عن ذلك، وأمَّا ما كَتَبه على نفسه وحرَّمه على نفسه فإنه لا يُخِلُّ به، ولا يقعُ منه خلافُه، فهو إيجابٌ منه على نفسه بنفسه، وتحريمٌ منه على نفسه بنفسه، فليس فوقه تعالى مُوجِبٌ ولا محرِّم. وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطُ ذلك وتقريرُه (٢). الوجه الحادي والخمسون: قولكم: «إنه على أصول المعتزلة يستحيلُ الأمرُ والنهيُ والتكليف» (٣)، وتقريرُكم ذلك= فكلامٌ لا مَطْعَن فيه، والأمرُ فيه كما ذكرتم، وأنَّ حقيقةَ قول القوم أنه لا أمرَ ولا نهيَ ولا شرعَ أصلًا؛ إذ
следующие страницы →