← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وهذا خطأٌ بيِّن؛ فإنَّ التَّجارب التي دلَّت على كذب ذلك وبطلانه ووقوع الأمر بخلافه أضعافُ أضعاف التجربة التي دلَّت على صدقه، كما سنذكرُ قطرةً مِنْ بحره عن قريبٍ إن شاء الله. ولهذا قال أبو نصر الفارابي (١): واعْلم أنك لو قَلَبْتَ (٢) أوضاعَ المنجِّمين، فجعلتَ الحارَّ باردًا، والباردَ حارًّا، والسَّعْدَ نحْسًا، والنَّحْسَ سعدًا، والذكرَ أنثى، والأنثى ذكرًا، ثمَّ حَكَمْتَ؛ لكانت أحكامُك مِن جنس أحكامهم، تصيبُ تارةً وتخطاء تارات (٣). وهل معكم إلا الحَدْسُ والتخمينُ والظُّنون الكاذبة؟! ولقد حُكِيَ (٤) أنَّ امرأةً أتت منجِّمًا فأعطته درهمًا، فأخَذ طالعَها، وحَكَمَ وقال: الطالعُ يُخْبِرُ بكذا، فقالت: لم يكن شيءٌ من ذلك! ثم أخَذ الطالعَ وقال: يُخْبِرُ بكذا. فأنكرَتْه! حتى قال: إنه ليدلُّ على قَطْعٍ في بيت المال (٥)، فقالت: الآن صدقتَ، وهو الدِّرهم الذي دفعتُه إليك!!

стр. 1297

الوجه الخامس عشر: أنَّ الأجسامَ لا تنفعلُ في غيرها إلا بواسطة المُماسَّة، وهذه الكواكبُ لا مُماسَّة لها بأعضائنا وأبداننا وأرواحنا، فيمتنعُ كونُها فاعلةً فينا (١). أقصى ما في الباب أن يقال: إنها وإن لم تكن مُماسَّةً لأعضائنا إلا أنَّ شُعاعها يَصِلُ إلى أجسامنا. فيقال: لا ريب أن تأثيرَ الشُّعاع إنما يكونُ بالتَّسخين عند المُسامَتة (٢) أو بالتَّبريد عند الانحراف عن المُسامَتة؛ فهذا ــ بعد تصحيحه ــ يقتضي أن لا يكون لهذه الكواكب تأثيرٌ في هذا العالَم إلا على سبيل التَّسخين والتَّبريد. فأمَّا أن تُعْطِي العلومَ والأخلاق، والمحبة والبغضاء، والموالاة والمعاداة، والعِفَّة والحريَّة (٣)، والنَّذالة والخُبْث، والمكر والخديعة، فذلك خارجٌ عن معقول العقلاء، وهو مِنْ حماقات الأحكاميِّين وجهالاتهم. فإن قيل: التأثيرُ بالتَّسخين والتَّبريد يوجبُ اختلافَ أمزجة الأبدان، واختلافُ أمزجة الأبدان يوجبُ اختلافَ أفعال النفس. قيل: فنحن نرى التَّسخينَ يقتضي حرارةً وحِدَّةً في المزاج، يفعلُ بها هذا

стр. 1298

غايةَ الخير والأفعال الحميدة، وهذا غايةَ الشرِّ والأفعال الخبيثة، والشُّعاعُ قد سَخَّنَ مراكبها (١)، فما المُوجِبُ لانفعال نفسَيْهما عن هذا التَّسخين هذا الانفعالَ المتباعِدَ المتناقض (٢)؟! وأيضًا؛ فما المُوجِبُ لاختلاف القَوابِل، وتأثيرُ الكواكب فيها بطَبْعِه وتسخينه وتبريده؟! فكيف اختلفت القَوابِلُ هذا الاختلافَ العظيم وهي مستندةٌ إلى تأثيرٍ واحد؟! الوجه السادس عشر: أنَّ رجلًا لو جلس في دارٍ لها بابان، شرقيٌّ وغربيٌّ، فسأل المنجِّمَ وقال: مِنْ أيِّهما يقتضي الطالعُ خروجي؟ فإذا قال له المنجِّم: من الشرقيِّ، أمكَنَه تكذيبُه والخروجُ من الغربي، وبالعكس، وكذلك السَّفرُ في يومٍ واحد، وابتداءُ البناء وغيره في يومٍ يعيِّنه له المنجِّم ويحكمُ باقتضاء الطالع له من غير تقُّدمٍ عنه ولا تأخُّر، فإنه يُمْكِنُه تكذيبُه في ذلك أجمَع (٣). فإن قلتم: إنَّ المنجِّم إذا أخبره بما يفعلُه ويختارُه يصيرُ ذلك داعيًا له إلى أن يخالِفَه في قوله ويكذِّبه، فالطريقُ إلى علَّة تصديقه (٤) أن يحكُم ذلك المنجِّم على معيَّنٍ، ويكتبه في كتابٍ ويخفيه، أو يذكرَه لإنسانٍ آخر ويخفيه عن صاحب الواقعة، فهاهنا يظهرُ صدقُ المنجِّم!

стр. 1299

قلت: هذا العذرُ من أسقط الأعذار؛ لأنَّ النجوم لو كانت كما تزعمون دالَّةً على جميع الكائنات الواقعة في هذا العالَم لعرفَ المنجِّمُ ذلك الذي يستقرُّ عليه اختيارُه على كلِّ حال، شاء تكذيبَه أو لم يشأه، فلمَّا لم يكن الأمرُ كذلك سقطَ القولُ بصحَّة هذا العذر. فإن قيل: الأشخاصُ الفلَكيَّة مؤثِّرات، والسُّفليَّة قَوابِل، ويجوزُ أن تختلف الأحوالُ الصَّادرةُ عن الفاعل بسبب اختلاف القَوابِل، وإذا كان كذلك فهَبْ أنَّ الدلائل الفلَكيَّة دلَّت على أنه إنما يختارُ الخروجَ من الباب الفُلاني، إلا أنَّ كونَ ذلك الإنسان مشغوفًا بتكذيب المنجِّم حالةٌ حاصلةٌ في النفس، مانعةٌ من ظهور ذلك الأثر الذي تقتضيه المُوجِباتُ الفلَكيَّة، فلهذا الأمر لم يحصُل الأمرُ على وَفْقِ حُكم المنجِّم. قيل: إذا اقتضت المُوجِباتُ الفلَكيَّة أثرًا امتنعَ أن يحصُل في النفس ما يضادُّه؛ لأنَّ تلك الإرادات والمُيول والعُزومَ الواقعة في النفس هي عندكم من مُوجَبات الآثار الفلَكيَّة، فيمتنعُ أن تكون مضادَّةً لمُوجِبها، لا سيَّما والمنجِّم يحكمُ بأنه إنما تقتضي النجومُ أن يريد الإنسانُ كذا وكذا، وليس حكمُه أنَّ الطالعَ يقتضي كذا وكذا إلا أن يريدَ الإنسانُ خلافَه، هذا ما لا يقولُه أحدٌ منكم؛ فعُلِمَ بطلانُ هذا الاعتذار. الوجه السابع عشر: أنه لا سبيلَ إلى معرفة طبائع البروج وطبائع الكواكب وامتزاجاتها إلا بالتَّجربة، وأقلُّ ما لا بدَّ منه في التَّجربة أن يحصُل ذلك الشيءُ على حالةٍ واحدةٍ مرَّتين، إلا أنَّ الكواكبَ (١) لا يُمكِنُ تحصيلُ ذلك فيها؛ لأنه إذا حصَل كوكبٌ معيَّنٌ في موضعٍ معيَّنٍ في الفلَك وكانت

стр. 1300

سائرُ الكواكب متصلةً به على وضعٍ مخصوصٍ وشكلٍ مخصوص فإنَّ ذلك الموضعَ المعيَّن بحسب الدرجة والدَّقيقة لا يعودُ إلا بعد ألوفِ ألوفٍ من السِّنين، وعمرُ الإنسان الواحد لا يفي بذلك، بل عمرُ البشر لا يفي به، والتَّواريخُ التي تضبِطُ هذه المدَّة مما لا يمكنُ وصولُها إلى الإنسان؛ فثبت أنه لا سبيل إلى الوصول إلى هذه الأحوال من جهة التَّجربة البتَّة (١). ولا ينفعكم اعتذارُ من اعتذرَ عنكم بأنه لا حاجةَ في التَّجربة إلى ما ذكرتم، لأنَّا إذا شاهَدنا حادثًا معينًا في وقتٍ مخصوص، فلا شكَّ أنه قد تحصُل في الفلَك اتصالاتٌ للكواكب المختلفة في ذلك الوقت، فلو قدَّرنا عَوْدَ ذلك الوضع الفلَكيِّ بتمامه على تلك الحال ألفَ مرَّةٍ لم يُعْلَمْ أنَّ المؤثِّر في ذلك الحادث هل هو مجموعُ الاتصالات أو اتصالٌ معيَّنٌ منها؟ فإذا علمنا أنَّ ذلك الوضعَ بجملته فاتَ وما عاد، ولكنه عاد اتصالٌ واحدٌ من تلك الاتصالات، وكلَّما عاد ذلك الاتصالُ المعيَّنُ فإنه يعودُ ذلك الأثرُ بعينه، لا لأجل (٢) سائر الاتصالات؛ فثبت أنَّ الرجوعَ في هذا الباب إلى التَّجربة غيرُ متعذِّر. وهذا الاعتذارُ في غاية الفساد والمكابرة؛ لأنَّ تخلُّف ذلك الأثر عن ذلك الاتصال العائد أكثرُ من اقترانه به، والتجربةُ شاهدةٌ بذلك، كما قد اشتهرَ بين العقلاء أنَّ المنجِّمين إذا أجمعوا على شيءٍ (٣) من الأحكام لم يكد يقَع، ونحنُ نذكرُ طرفًا من ذلك، فنقول في:

стр. 1301

الوجه الثامن عشر: لمَّا نظر حُذَّاقكم وفضلاؤكم سنة سبعٍ وثلاثين عام صِفِّين في مَخْرَج عليٍّ ﵁ من الكوفة إلى محاربة أهل الشَّام، اتفقوا على أنه يُقْتَلُ ويُقْهَرُ به جيشُه. فظهر كذبُهم، وانتصر جيشُه على أهل الشام، ولم يَقْدِروا على التخلُّص منهم إلا بالحيلة التي وَضعُوها مِنْ نَشْرِ المصاحف على الرِّماح والدُّعاء إلى ما فيها. وقد قيل: إنَّ هذا الاتفاق منهم إنما كان في حرب أمير المؤمنين ﵁ للخوارج (١)؛ فإنهم اتفقوا على أنه إن خرَج في ذلك الطالع قُتِلَ وهُزِمَ جيشُه، فإنَّ القمرَ كان إذ ذاك في العقرب، فخالفَهم عليٌّ ﵁، وقال: بل نخرُج ثقةً بالله، وتوكُّلًا عليه، وتكذيبًا لقول المنجِّم (٢)، فما غزا غَزاةً بعد رسول الله ﷺ أتمَّ منها، قتَل عدوَّه، وأيَّده الله عليهم بالنصر والظَّفر بهم، ورجع مؤيَّدًا منصورًا مأجورًا، والقصةُ معروفةٌ في السير والتواريخ (٣). ومِن ذلك: اتفاقُ مَلئِكم (٤) في سنة ستٍّ وستين على غلبة عبيد الله بن زياد للمختار بن أبي عُبيد، وأنه لا بدَّ أن يقتلَه أو يأسِرَه، فسار إليه في نحوٍ من ثمانين ألف مقاتل، فلقيه إبراهيمُ بن الأشتَر صاحبُ المختار بأرضِ نَصِيبِين (٥) وهو

стр. 1302

فيما دون سبعة آلاف مقاتل، فانهزَم أصحابُ ابن زيادٍ بعد أن قُتِلَ منهم خلقٌ لا يحصيهم إلا الله، حتى قيل: إنهم (١) ثلاثةٌ وسبعون ألفًا، ولم يُقْتَلْ من أصحاب ابن الأشتَر سوى عددٍ لا يبلغون مئة، وفيهم يقولُ الشَّاعر: برزُوا نحوَهم بسبعةِ آلا ... فٍ أرَتهُم عجائبًا في اللقاءِ فتَعشَّوا منهم بسبعين ألفًا ... أو يزيدونَ قبل وقتِ العشاءِ فجزاكَ ابنَ مالكٍ وأبا إسـ ... ـحاقَ عنَّا الإلهُ خيرَ جزاءِ (٢) يريدُ بابن مالكٍ إبراهيمَ بن مالك الأشتَر، وأبو إسحاق كنية المختار. وقتلَ ابنُ الأشتَر عبيدَ الله بن زياد في المعركة، ولم يَعْلَمْ به، حتى إذا هدأ الليلُ قال لأصحابه: لقد ضربتُ على شاطاء هذا النَّهر رجلًا فرجَع إليَّ سيفي وفيه رائحةُ المسك، ورأيتُ إقدامًا وجُرأة، فصرعتُه فذهبَت رجلاه قِبَل المشرق ويداه قِبَل المغرب، فانظُروه، فأتوه بالنِّيران، فإذا هو عبيدُ الله بن زياد. ذكر ذلك المبرِّد في «الكامل» (٣). فانظُر حكمةَ الله في انعكاس ما قال الكذَّابون المنجِّمون! وقيل: لما علم عبيدُ الله بن زياد أنَّ أمر القتال قد تيسَّر، وسأل (٤) منجِّمَه عن

стр. 1303

قوَّة نجمِه ونجمِ ابن الأشتَر، وقال: والله إني لأعلمُ أنه ليس بشيء، إلا أني كنتُ أنا وهو صغيران (١) وقعَت بيني وبينه خصومةٌ بسبب حَمَام كنَّا نلعبُ به، فضربني إلى الأرض، وقعَد على صدري، وقال: والله إني قاتلُك، ولا يقتلُك أحدٌ غيري إن شاء الله، وأنا من استثنائه بالمشيئة خائف! فذهبَ به منجِّمه إلى ما قرَّره المنجِّمون له مِن قوَّة نجمِه وأنَّ هذا وهمٌ منه، وحكمُ النجوم يقضي على وهمه، فحقَّق الله سبحانه ذلك الوهم، وأبطلَ حكمَ الطالع والنجم! ومِن ذلك: اتفاقُهم عندما تمَّ بناءُ بغداد سنة ستٍّ وأربعين ومائة أنَّ طالعَها يقضي بأنه لا يموتُ فيها خليفة (٢)، وشاع ذلك، حتى هنَّأ الشعراءُ به المنصور (٣)، حتى قال بعض شعرائه: يَهْنيكَ منها بلدةً يُقضى لنا ... أنَّ المماتَ بها عليك حرامُ لمَّا قَضَت أحكامُ طالع وقتِها ... أن لا يُرى فيها يموتُ إمامُ وأكَّد هذا الهذيانَ في نفوس العوامِّ موتُ المنصور بطريق مكة، ثم المهدي بماسَبَذان (٤)، ثم الهادي بعِيسَاباذ (٥)، ثم الرَّشيد بطُوس (٦)، فلمَّا

стр. 1304

قُتِل بها الأمينُ بشارع باب الأنبار (١) انخرَم الأصلُ الباطلُ الذي أصَّلُوه، وظهر الزُّورُ الذي لفَّقوه (٢)، حتى رجعَ القائلُ الأول (٣) فقال: كذَبَ المنجِّمُ في مقالته التي ... نَطَقَتْ به كذبًا على بَغْدانِ (٤) قَتْلُ الأمين بها لعمري يقتضي ... تكذيبَهم في سائر الحُسْبان ثمَّ مات ببغداد جماعةٌ من الخلفاء، مثل: الواثق، والمتوكِّل، والمعتضِد، والمكتفِي، والناصر، وغير هؤلاء. ومِنْ ذلك: اتفاقُهم في سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين في قصَّة عَمُّوريَّة على أنَّ المعتصم إن خرجَ لفتحِها كانت عليه الدَّائرة، وأنَّ النصرَ لعدوِّه،

стр. 1305

فرزقَه الله التوفيقَ في مخالفتهم، ففتَح اللهُ على يديه ما كان مُغْلَقًا، وأصبح كذبُهم وخَرْصُهم بعد أن كان موهومًا عند العامَّة (١) محقَّقًا، ففتَح عَمُّوريَّة وما والاها من كلِّ حصنٍ وقلعة، وكان ذلك من أعظم الفتوحات المعدودة. وفي ذلك الفتح قام أبو تمَّام الطَّائيُّ منشدًا له على رؤوس الأشهاد: السَّيْفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حَدِّهِ الحَدُّ بين الجِدِّ واللَّعبِ ... بِيضُ الصَّفائحِ لا سُودُ الصَّحائفِ في ... مُتونهنَّ جلاءُ الشكِّ والرِّيَبِ ... والعِلمُ في شُهُبِ الأرماح لامِعةً ... بينَ الخَمِيسَين لا في السَّبعةِ الشُّهُبِ (٢) ... أين الرِّواية أم أين النجومُ وما ... صاغُوه مِن زُخْرفٍ فيها ومِنْ كذب تخرُّصًا وأحاديثًا مُلفَّقَةً ... ليست بِنَبْعٍ إذا عُدَّتْ ولا غَرَبِ (٣) عجائبًا زعموا الأيامَ مُجْفِلةً (٤) ... عنهنَّ في صَفَرِ الأصفارِ أو رَجَبِ وخوَّفوا النَّاسَ مِنْ دهياءَ مُظْلِمةٍ ... إذا بدا الكوكبُ الغربيُّ ذو الذَّنَبِ وصيَّروا الأبرُجَ العُليا مرتِّبةً ... ما كانَ منقلِبًا أو غيرَ منقلِبِ يقضونَ بالأمر عنها وهي غافلةٌ ... ما دارَ في فَلَكٍ منها وفي قُطُبِ لو بَيَّنَتْ قطُّ أمرًا قبلَ مَوْقِعه ... لم يَخْفَ ما حلَّ بالأوثانِ والصُّلُب

стр. 1306

وهي نحوٌ من سبعين بيتًا (١)، أُجِيزَ على كلِّ بيتٍ منها بألف درهم. ومِن ذلك: اتفاقُهم سنة اثنتين وتسعين ومئتين في قصَّة القرامطة على أنَّ المكتفي بالله إن خرَج لمقاتَلتهم كان هو المغلوبَ المهزوم (٢)، وكان المسلمون قد لَقُوا منهم على توالي الأيام شرًّا عظيمًا وخَطبًا جسيمًا، فإنهم قتلوا النساءَ والأطفال، واستباحوا الحَرِيمَ والأموال، وهدموا المساجد، وربطوا فيها خيولَهم ودوابَّهم، وقصَدوا وفدَ الله وزوَّار بيته فأوقعوا فيهم القتلَ الذَّريع والفعلَ الشَّنيع، وأباحوا محارمَ الله، وعطَّلوا شرائعَه. فعزمَ المكتفي على قتالهم والخروج إليهم بنفسه، فجمعَ وزيرُه القاسمُ بن عبيد الله (٣) مَن قَدِرَ عليه من المنجِّمين، وفيهم زعيمُهم أبو الحسن العاصمي (٤)، وكلُّهم أوجَب عليه بأن يشيرَ على الخليفة أن لا يخرُج، فإنه إن خرَج لم يرجع، وبخروجه تزولُ دولتُه، وبهذا تشهدُ النجومُ التي يقضي بها طالعُ مولده، وأخافوا الوزيرَ من الهلاك إن خرَج معه. وقد كان المكتفي أمَر الوزيرَ بالخروج معه، فلم يَجِد بُدًّا من متابعته، فخرَج وفي قلبه ما فيه، وأقام المكتفي بالرَّقَّة حتى أُخِذ أعداءُ الله جميعًا، وسُقِيَت جموعُهم بكأس السيف نَجِيعًا. ثمَّ جاء الخبرُ مِن مِصر بموت خُمَارويه بن أحمد بن طُولون، وكانوا به

стр. 1307

يستطيلون، فأرسل المكتفي من تسلَّمها، واستحضر القُوَّادَ المصريَّة إلى حضرته. ثمَّ لمَّا عادَ أمَر القاسم بن عبيد الله الوزير بإحضار رئيس المنجِّمين إلى حضرته، وصَفَعَه الصَّفعَ الكثير، بعد أن وَقَفَه ووبَّخه على عظيم كذبه وافترائه، وتبرَّأ منه ومن كلِّ من يقولُ برأيه. قال أبو حيان التَّوحيدي في كتاب «الإمتاع والمؤانسة» وقد ذكر هذه القصَّة: «فهذا وما أشبهه من الافتراء والكذب لو ظَهَرَ ونُشِر، وعُيِّر أهلُه به، ووُقِفُوا عليه، وزُجِروا عن الدَّعوى المُشْرِفَة على الغيب؛ لكان مَقْمَعَةً لمن يُطْلِقُ لسانَه بالاطِّلاع على ما يكونُ في غدٍ، وقَطعًا لألسنتهم، وكفًّا لدعاويهم (١)، وتأديبًا لصغيرهم وكبيرهم» (٢). ومِن ذلك: اتفاقُهم سنة ثلاثٍ وخمسين وثلاث مئة عندما أراد القائدُ جَوْهَرُ العزيزُ بناءَ مدينة القاهرة، وقد كان سَبَق مولاه الملقَّب بالمُعِزِّ إلى

стр. 1308

الدخول إلى الدِّيار المصريَّة لمَّا أمره بالغَرْب (١) بدخولها بالدَّعوة، وأمَره إذا دخلها أن يبني بها مدينةً عظيمةً تكونُ (٢) نجومُ طالعِها في غاية الاستقامة، وتكونُ بطالع الكوكب القاهر، وهو زُحَل أو المرِّيخ على اختلاف جَلْوِه (٣). فجمَع القائدُ جوهرُ المنجِّمين بها، وأمر كلَّ واحدٍ منهم أن يحقِّق الرَّصَدَ ويُحْكِمَه، وأمر البنَّائين أن لا يضعوا الأساسَ حتى يقال لهم: ضَعُوه، وأن يكونوا على أُهْبةٍ (٤) من التيقُّظ والإسراع، حتى يوافقوا تلك الساعةَ التي اتفقت عليها أرصادُ أولئك الجماعة، فوُضِعَت الأساساتُ على ذلك في الوقت الحاضر، وسمَّوها بالقاهرة، إشارةً بزعمهم الكاذب إلى الكوكب القاهر. واتَّفقوا كلُّهم على أنَّ الوقتَ الذي بُنِيَت فيه يقضي بدوام جَدِّهم وسعادتهم ودولتهم، وأنَّ الدعوةَ فيها لا تخرُج عن الفاطميَّة وإن تداولتها الألسنُ العربيَّة والعجميَّة.

стр. 1309

فلما مَلَكَها أسدُ الدِّين شِيرَكُوه بن شاذي، ثمَّ ابنُ أخيه الملك الناصرُ صلاحُ الدين يوسفُ بن أيوب، ومع ذلك المصريُّون قائمون بدعوة العاضد عبد الله بن يوسف= توهَّم الجهَّالُ أنَّ ما قال المنجِّمون من قبلُ حقًّا؛ لتبدُّل اللسان وحالُ الدعوة مُسْتَبقى. فلمَّا ردَّ صلاحُ الدين الدعوةَ إلى بني العباس، انكشفَ الأمر، وزال الالتباس، وظهر كذبُ المنجِّمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين. وكانت المدةُ بين وضع الأساس وانقراض دولة الملاحدة منها نحوًا من مئةٍ وثلاثةٍ وتسعين عامًا. فنقَض انقطاعُ دولتهم على المنجِّمين أحكامَهم، وخَرَّبَ ديارَهم، وهتَك أستارَهم، وكشَف أسرارَهم، وأجرى الله سبحانه تكذيبَهم والطَّعنَ عليهم على لسان الخاصِّ والعامِّ، حتى اعتَذر من اعتَذر منهم بأنَّ البنَّائين كانوا قد سبقوا الرَّصَّادين إلى وضع الأساس (١). وليس هذا مِنْ بَهْتِ القوم ووقاحتِهم (٢) ببعيد؛ فإنه لو كان كذلك لرأى الحاضرون تبديلَ البناء وتغييرَه، فإنهم لو دخلهم شكٌّ في تقديمٍ أو تأخيرٍ أو سَبْقٍ بما دون الدَّقيقة في التقدير لما سامَحوا بذلك، مع المقتضي التَّامِّ والطاعة الظاهرة والاحتياط الذي لا مزيدَ فوقه، وليس في تبديل حجرٍ أو تحويله برفعِه ووضعِه كبيرُ أمرٍ على البنَّائين ولا مشقَّة، وقرائنُ الأحوال في

стр. 1310

إقامة دولةٍ بتقريرها، وإنشاء قاعدةٍ بتحريرها، شاهدةٌ بأنَّ الغفلة عن مثل هذا الخَطْب الجسيم مما لا يُتسَامحُ بها البتَّة. ويا لله العجب! كيف لم يظهر سبقُ البنَّائين للرَّصَّادين إلا بعد انقراض دولة الملاحدة، وأمَّا مدَّة بقاء دولتهم فكان البِناءُ مقارنًا للطالع المرصود، فهل في البَهْتِ فوق هذا؟! ومِن ذلك: اتفاقُهم سنة خمس وتسعين وثلاث مئة في أيام الحاكم (١) على أنها السَّنةُ التي تنقضي فيها بمصر دولةُ العُبيديِّين، هذا مع اتفاق أولئك على أن دعوتهم لا تنقطعُ من القاهرة، وذلك عند خروج الوليد بن هشام المعروف بأبي رَكْوَة الأمويِّ، وحَكَم الطالعُ له بأنه هو القاطعُ لدعوة العُبيديِّين، وأنه لا بدَّ أن يستولي على الدِّيار المصريَّة ويأخذ الحاكمَ أسيرًا، ولم يَبْقَ بمصر منجِّمٌ إلا حكَم بذلك، وأكبرُهم المعروفُ بالفكري (٢) منجِّم الحاكم.

стр. 1311

وكان أبو رَكْوَة قد مَلَكَ بَرْقَة وأعمالَها، وكثُرت جموعُه، وقَوِيَت شوكتُه، وخرجت إليه جيوشُ الحاكم من مصر فعادت مفلولة (١)، فلم يَشُكَّ النَّاسُ في حِذْقِ المنجِّمين. وكان مِنْ تدبير الحاكم أنْ دعا خواصَّ رجاله وأمرهم أن يعملوا بما رآه من احتياله، وهو أن يكاتِبوا أبا رَكْوةَ بأنهم على مذهبه، وأنهم مائلون عن الدَّعوة الحاكميَّة، وراغبون في الدَّعوة الوليديَّة الأمويَّة، وأطمَعُوه بكلِّ ما أوهموه به أنهم صادقون، وله مناصحون، فلمَّا وَثِقَ بما قالوه، وخَفِيَ عليه ما احتالوه، زحَف بعساكره حتَّى نَزل بِوَسِيم (٢) على ثلاثة فراسخ من مصر، فخرجت إليه العساكرُ الحاكميَّة، فهزمتْه، فتحقَّق أنها كانت خديعة، فهربَ وقُتِلَ خلقٌ كثيرٌ من عسكره، وطُلِبَ فأُخِذ أسيرًا، ودُخِل به القاهرةَ على

стр. 1312

جَمَلٍ مشهورًا، ثمَّ أمر الحاكمُ بقتله بعد ما أُحضِرَ بين يديه مغلولًا بِغُلٍّ من حديد، وذلك في رجب سنة سبع وتسعين وثلاث مئة، وكان مبدأ خروجه في رجب سنة خمس وتسعين. فظهرَ كذبُ المنجِّمين. وكان هذا الفكريُّ قد استولى على الحاكم، فإنه اتفقت له معه قضيَّتان (١) أمالتاه إليه: إحداهما: أنَّ الحاكمَ عزم على إرسال أسطولٍ إلى مدينة صُور لمحاربتهم، فسأله الفكريُّ أن يكون تدبيرُه إليه ليُخْرِجَه في طالعٍ يختارُه، وتكون العهدةُ إن لم يظفر عليه (٢)، واتَّفقَ ظهورُ الأسطول. الثانية: أنه ذَكَرَ أنَّ بساحل بِرْكة رُمَيْس (٣) مسجدًا قديمًا، وأن تحته كنزًا عظيمًا، وسأله أن يتولى هو هدمَه، فإن ظهرَ الكنزُ وإلا بنَاه هو مِن ماله وأودعَه السِّجن، فاتَّفقَ إصابةُ الكنز؛ فطاشَ المغرورُ بذلك. فلمَّا حكمَ عليه الفكريُّ بتغيير دولته، وقضى المنجِّمون بمثل قضائه، فوقَع للحاكم أن يغيِّر أوضاعَ المملكة والدَّولة، ليكونَ ذلك هو مقتضى الحكم النُّجوميِّ، فصار يأمرُ في يومه بخلاف كلِّ ما أمَر به في أمسِه؛ فأمَر بسبِّ الصَّحابة رضوانُ الله عليهم على رؤوس المنابر والمساجد، ثمَّ أمَر

стр. 1313

بقطع سبِّهم وعقوبة من سبَّهم، وأمَر بقطع شجرة الزَّرَجُون (١) من الأرض وأوجَب القتلَ على من شربَ الخمر، ثمَّ أمَر بغرس هذه الشجرة، وأباحَ شُربَ الخمر، وأهمَل الناس، حتى نُهِبَ الجانبُ الغربيُّ من القاهرة، وقُتِلَت فيه جماعة، ثمَّ ضبَط الأمرَ حتى أمَر أن لا تُغْلَق الحوانيتُ ليلًا ولا نهارًا، وأمَر مناديه ينادي: من عُدِمَ له (٢) ما يساوي درهمًا أخَذ من بيت المال عنه درهمين، بعد أن يحلِفَ على ما عَدِمَه أو يعضدَه بشهادة رجلين، حتى تحيَّل الناسُ في سَتْر حوانيتهم بالجَرِيد لئلَّا تدخُلها الكلاب، ثمَّ عَمَدَ إلى كلِّ مُتَولٍّ في دولته ولايةً فعزَله، وقتَل وزيرَه الحسن بن عمَّار (٣)؛ كلُّ ذلك ليكون قولُ أهل التَّنجيم أنَّ دولتَه تتغيَّر واقعًا على هذا الضرب من التَّغيير. فلمَّا كان مِنْ أمر أبي رَكْوَة ما تقدَّم ذِكرُه، ساء ظنُّه بعلم النِّجامة، فأمَر بقتل منجِّمه الفكريِّ، وأطلقَ في المنجِّمين العيبَ والذَّمَّ. وكان قد جمَع بين المنجِّمين بالدِّيار المصريَّة، واستدعى غيرَهم، وأمَرهم أن يرصُدوا له رَصَدًا يعتمدُ عليه، فصارت الطَّوائفُ النُّجوميَّة إلى هذا الرَّصَد يتحاكمون، وإن تضمَّن بعض خلاف الرَّصَد المأمونيِّ، ووضعوا له الزِّيجَ المسمَّى بالحاكميِّ (٤). وكان هذا الفكريُّ قد أخَذ علمَ النِّجامة عمَّن أخَذه عن العاصميِّ، فسيَّر

стр. 1314

أوقاتَ الحاكم وساعاته، ووافقه على ذلك المنجِّمون، فلما قتَله لم يَزُل أثرُ التَّنجيم عن نفسه؛ لتشوُّف النفس على التطلُّع إلى الحوادث قبل وقوعها. وكان بعدُ يتولَّعُ (١) بهذا العلم، ويجمعُ أصحابَه، فحكموا له في جملة أحكامهم بركوب الحمار على كلِّ حال، وألزموه (٢) أن يتعاهدَ الجبلَ المقطَّمَ في أكثر الأيام، وينفردَ وحده بخطاب زُحَل بما علَّموه إياه من الكلام، ويتعاهَد فعلَ ما وضعوه له من البُخورات والأعزام (٣)، وحكموا بأنه ما دام على ذلك وهو يركبُ الحمار، فهو سالمُ النفس من كلِّ إنذار (٤). فلَزِمَ ما أشاروا به عليه، وأذِنَ الله العزيزُ العليم، ربُّ الكواكب ومسخِّرها ومدبِّرها، أنَّ هلاكَه كان في ذلك الجبل على الحمار (٥)، فإنه خرجَ يومًا بحماره إلى ذلك الجبل على عادته، وانفردَ بنفسه منقطعًا عن موكبه، وقد استعدَّ له قومٌ بسكاكين تقطُر منها المنايا، فقطَّعوه هنالك للوقت والحِين، ثمَّ أعدموا جثَّته، فلم يُعْلَم لها خبر؛ فمِنْ هنا يقولُ أتباعُه الملاحدة: إنه غائبٌ مُنتَظر. وأظهرت قدرةُ الربِّ القاهر ــ تبارك اسمُه وتعالى جدُّه ــ تكذيبَ قول تلك الطائفة المُفْتَرين، ووقوعَ الأمر بضدِّ ما حكموا به، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ

стр. 1315

عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، فظهَر مِنْ كذبهم وجهلهم بدولته (١) في خروج أبي رَكْوَة وفي هذا الحِين، فهذا في مبدئها، وهذا في ختامها. فهل بعد ذلك وثوقٌ لعاقلٍ بالنجوم وأحكامها؟! كلَّا لعمرُ الله، ليس بها وثوق، وإنما غاية أهلها الاعتمادُ على رازقٍ ومرزوق! فأمَّا إصابةُ الفِكريِّ بظفَر الأسطول فإنما كان بتَحَيُّلٍ دبَّره على أهل صُور، لا بالطالع، فكانت الغلبةُ له عليهم بالتحيُّل الذي دبَّره ساعةَ القتال، لا بما ذكره من حكم الطَّالع قبلَ تلك الحال. وأمَّا إصابةُ الكنز فليس من النُّجوم في شيء، ومعرفةُ مواضع الكنوز علمٌ متداولٌ بين الناس، وفيه كتبٌ مصنَّفةٌ معروفةٌ بأيدي أرباب هذا الفنِّ، وفيها خطأٌ كثير، وصوابٌ قد دلَّ الواقعُ عليه (٢). ومِن ذلك: اتفاقُهم سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة على خروج ريحٍ سوداء تكونُ في سائر أقطار الأرض عامَّة، فتُهلِكُ كلَّ من على ظهرها إلا من اتخَذ لنفسه مغارةً في الجبال، بسبب أنَّ الكواكبَ كانت بزعمهم اجتمعَت في برج الميزان، وهو برجٌ هوائيٌّ لا يختلفُ فيه منهم اثنان، كما اجتمعَت في برج الحُوت زمن نوحٍ ﵇، وهو عندهم برجٌ مائيٌّ، فحصَل الطُّوفانُ المائيُّ (٣). قالوا: وكذا اجتماعُها في البرج الميزانيِّ (٤) يوجبُ

стр. 1316

طوفانًا هوائيًّا. ودخَل ذلك في عقول (١) الرَّعاع من الناس، فاتَّخذوا المغارات استدفاعًا لما أنذرهم به الكذَّابون من الناس، فأذِنَ الله ربُّ العالمين مسخِّرُ الرِّياح ومُدبِّر الكواكب أنه لمَّا حان (٢) ذلك الوقتُ الذي حَدُّوه، والأجلُ الذي عَدُّوه؛ قلَّ هبوبُ الرِّياح عن عادتها، حتى أهَمَّ النَّاسَ ذلك، ورأوا من الكَرب بقلَّة هبوب الرِّياح ما هو خلافُ المعتاد، فظهَر كذبُهم للخاصِّ والعامِّ (٣). وكانوا قد دبَّروا في قصَّة هذه الرِّيح التي ذكروها بأنْ عَزَوْها إلى عليٍّ ﵁، وضمَّنوها جزءًا بمضمون هذه الرِّيح، وذكروا قصَّةً طويلةً في آخرها أنَّ الراوي عن علي ﵁ قال له: لقد صدَّقني المنجِّمون فيما حكيتُ عنك، وقالوا: إنه تجتمعُ الكواكبُ في برج الميزان كما اجتمعَت في برج الحُوت على عهد نوح وأحدثَت الغَرَق، فقلتُ له: يا أميرَ المؤمنين، كم تقيمُ هذه الرِّيح على وجه الأرض؟ قال: ثلاثة أيامٍ ولياليها، وتكونُ قوَّتها من نصف الليل إلى نصف النهار من اليوم الثاني.

стр. 1317

وانظُر إلى اتفاقهم على أنَّ الكواكب إذا اجتمعَت في برج الميزان حصَل هذا الطُّوفانُ الهوائيُّ، واتفاقُهم على اجتماعها فيه في ذلك الوقت، ولم يقَع ذلك الطُّوفان! ومِن ذلك: اتفاقُهم في الدولة الصَّلاحيَّة (١) بحكم زُحَل والدالي (٢)، أنَّ مدينةَ الإسكندريَّة لا يموتُ فيها من الغُزِّ (٣) والي، فلمَّا مات بها الملكُ المعظَّمُ شمسُ الدولة تورانشاه بن أيوب بن شاذي سنة خمس وسبعين وخمس مئة، ثمَّ واليها فخرُ الدِّين قَرَاجَا بن عبد الله سنة تسع وثمانين وخمس مئة، ثمَّ واليها سعدُ الدِّين سودكين (٤) بن عبد الله سنة خمس وستِّ مئة= انخرمت هذه القاعدةُ أصلًا، وبطَل قولُهم فرعًا وأصلًا، حتى قال بعضُ شعراء ذلك العصر عند موت الأمير فخر الدِّين: وقضى كُلُوحُ الثَّغر عند مماته ... أنَّ المنجِّمَ كاذبٌ لا يَصْدُقُ لو كان فيهِ لا يموتُ مُؤَمَّرٌ ... أودى (٥) وفخرُ الدِّين حيٌّ يُرْزَقُ ومِن ذلك: اجتماعُهم في سنة خمس عشرة وستِّ مئة لما نزل الفِرنْجُ على دمياط، على أنهم لا بدَّ أن يغلبوا على البلاد، فيتملَّكوا ما بأرض مصر مِن رقاب العباد، وأنهم لا تدورُ عليهم الدَّائرةُ إلا إذا قام قائمُ الزَّمان (٦)،

стр. 1318

وظهَر براياته الخافقة ذلك الأوان؛ فكذَّبَ اللهُ ظنونَهم وأتى من لُطفِه الخفيِّ ما لم يكن في حساب، ورَدَّ الفرنجَ بعد القتل الذَّريع فيهم والأسْرِ على العِقاب (١). وكان المنجِّمون قد أجمعوا في أمر هذه الواقعة على نحو ما أجْمَعَ عليه مَنْ قبلَهم في شأن عمُّورية، واتفقَ أن كان مبدأ هذا الفتح في سابع رجب سنة ثمان عشرة وست مئة، ومبدأ ذلك الفتح في سابع رجب أيضًا سنة ثلاث وعشرين ومئتين. قال الفاضلُ العلَّامة محمدُ بن عبد الله بن محمود الحسيني (٢): ولما كذَّب اللهُ هؤلاء القوم فيما ادَّعوه نسجتُ على منوال أبي تمَّام في قصيدته البائيَّة المكسورة، فعملتُ بائيَّةً مفتوحة، وهي: الحمدُ للهِ حمدًا يبلغُ الأربا ... نقضي به مِن حقوقِ اللهِ ما وَجَبا حمدًا يزيدُ إذ النُّعمى تزيدُ به ... أُخراه أُولاه تُعطي ضعفَ ما وَهَبا لا ييأسُ المرءُ مِنْ رَوْحِ الإله فكم ... مَنْ راحَ في مُسْتهَلٍّ كان قد صَعُبا فكم مشى بك مكروهٌ رَكَضْتَ به ... من غيرِ علمٍ إلى ما تشتهي خَبَبا وكم تقطَّعَ دونَ المشتهى سببٌ (٣) ... وكان منك لأعلى المنتهى سببا لا ينبغي لك في مكروهِ حادثةٍ ... أن تبتغي لك في غيرِ الرِّضا طلَبا

стр. 1319

للهِ في الخلقِ تدبيرٌ يفوتُ مدى (١) ... أسرارِ حكمته أحكامَ مَنْ حَسَبا ابغِ النَّجاءَ إذا ما ذو النِّجامة في ... زُورٍ من القول يقضي كلَّ ما قَرُبا وذو الأراجيز فيما قد يقولُ فَدَعْ ... فما أرى جِيزَ شيءٌ (٢) كان قد كُتِبَا ما كانَ لله في ديوانِ قدرته ... من كاتبٍ بِحُدُوسِ الظَّنِّ إذ كتبا (٣) لا يعلمُ الغيبَ إلا اللهُ خالقُنا ... لا عالمٌ غيره عُجْمًا ولا عَرَبا لا شيءَ أجهلُ ممَّن يدَّعي ثقةً ... بحَدْسِه وترى (٤) فيما يَرى رِيَبا قد يجهلُ المرءُ ما في بيته نظرًا ... فكيف عنه بما في غيبِه احتجبا قد كذَّبَ اللهُ قولَ القائلينَ غدًا ... إذا أتى رجبٌ لم تَحْمَدُوا رَجَبا قالوا يُرى عجبٌ فيه فقلتُ لهم ... بالنَّصرِ من بعد يأسٍ (٥) تُبْصِروا عَجَبا في منقضى (٦) السَّبعةِ الأيام منه أتى ... ما فات (٧) في مقتضاه السَّبعة الشُّهُبا وأعتَمَتْ فيه عَوَّاءُ النجوم (٨) على ... عُواءِ ذئبٍ من الكفَّارِ قد حَرِبا والشِّعْرَيانِ (٩) فكلٌّ منهما شَعَرت ... بأن للحقِّ فيهم سيفَ من غَلَبا

стр. 1320

وصَحَّ عن قمر الأفلاك (١) أنهمُ ... ما فيهمُ غيرُ مقهورٍ (٢) وقد نَشِبا عطاؤهم ردَّ في وجهَيْ عُطاردِهم ... إلى الذي منهمُ ما شاءَ قد سَلَبا وقد بَدَت زهرةُ الإسلام زاهرةً ... قد أظلمَت فوقَهم مِن دونها سُحُبا وأجمَلت حُمْرةُ المرِّيخ حكمَهم (٣) ... ففُسِّرَت بدمٍ فيهم لمن خَضَبا ولم يكُ المشتري تقضى (٤) سعادتُه ... إلا إلى المشتري نفسًا بما طَلَبا وقيل (٥) منقلبُ الأبراج ذو ضررٍ (٦) ... فعادَ منه فبات النَّفع (٧) منقلِبا كم حاملٍ ثائرٍ في الثَّور أو حَمَلٍ ... أجازَ فيهم على جَوزائهم حَرَبا ولم يَدُر فَلَكٌ إلا لذي ملكٍ ... يُدِيرُ جيشًا عليهم عَسْكرًا لَجِبا حتى غدا ثغرُ دِمياطٍ وقد حَكَموا ... أن لا يُرى باسمًا مُسْتَجْمِعًا شَنِبا يَفْتَرُّ عن صُبْحِ إيمانٍ به جَذِلًا ... وكان في ليلِ كُفرٍ باتَ مكتئبا ومدَّ كفًّا له التوحيدُ فانقبضتْ ... رِجْلٌ من الشِّركِ في تأخيره هَرَبا وتلك حربٌ صَلِيبٌ عودُها فقَضَت ... أن لا يعودَ صليبٌ بعدُ منتصبًا

стр. 1321

وأطلقَ القول بالتَّأذين إذ خَرِسَت ... له نواقيسُ جرجيسٍ فما احتسبا (١) ومما اتفق عليه المنجِّمون: أنَّ الإنسانَ إذا أراد أن يستجيب الله دعاءه جعَل الرَّأسَ في وسط السماء مع المشتري أو بنظرٍ منه (٢) مقبول، والقمرَ متصلًا به أو منصرفًا عنه يتصلُ بصاحب الطالع، أو صاحب الطالع متصلًا بالمشتري ناظرًا إلى الرَّأس نظر مودَّة (٣)؛ فهنالك لا يَشُكُّون أنَّ الإجابةَ حاصلة (٤). قالوا: وكانت ملوكُ اليونان يَلْزَمون ذلك، فيَحْمَدُون عُقباه. والعاقلُ إذا تأمَّل هذا الهذَيان لم يَحْتَجْ في علمه ببطلانه ومُحاله إلى فكرٍ ونظر، فإنَّ ربَّ السموات والأرض سبحانه لا يتأثرُ بحركات النجوم، بل يتقدَّسُ ويتعالى عن ذلك. فيا للعقول التي أضحكَت عليها العقلاء من المؤمنين والكفَّار! ما في هذه الاتصالات حتى تكون على وجوب إجابة الله من أقوى الدَّلالات؟! ومما عليه المنجِّمون متفقون أو كالمتفقين: أنَّ الخبرَ إذا ورَد في وقت

стр. 1322

أوتادٍ ثابتة (١) الوجود، والقمرُ وعطاردُ في بروجٍ ثوابت، والقمرُ منصرفٌ عن السُّعود؛ فالخبر ليس بباطل! والباطلُ مثلُ هذا؛ فإنه يلزمُهم أنَّ من وضعَ خبرًا باطلًا في ذلك الوقت أنَّ الطالعَ المذكور يصحِّحُه، أو يقولوا: لا يُمْكِنُ أحدًا أن يكذبَ في ذلك الوقت! وقد أورَد أبو معشر المنجِّم هذا السُّؤالَ في كتاب «الأسرار» (٢) له، وأجابَ عنه: أنَّ الأخبارَ تختلف، فإن ورَد خبرٌ مكروهٌ من أسباب الشرِّ والجَوْر والأفعال المنسوبة إلى طبائع النُّحوس (٣)، وفي الطالع [نحسٌ] (٤)، والقمر منصرفٌ عن سَعْد؛ فالخبرُ باطل. وإن ورَد خبرٌ محبوبٌ من أسباب الخير والعدل والأفعال المنسوبة إلى طبائع السُّعود، وفي الطالع سَعْد، والقمرُ [غير] منصرفٍ عن سعد؛ فالخبرُ حقٌّ. قال: وزُحَل لا يدلُّ في كلِّ حالٍ على الكذب، بل يدلُّ على وجود العوائق عمَّا يُوقِعُ ذلك الخبر، لكنَّ البلاءَ المريخُ أو الذَّنَبُ إذا استوليا (٥) على الأوتاد وعلى القمر أو عُطارد؛ فإنهما يدلَّان على الكذب والبطلان. ثمَّ قال: وعلى كلِّ حال، فالقمرُ في العقرب والبروج الكاذبة يُنْذِرُ

стр. 1323

بكذبٍ في نفس الخبر أو زيادةٍ أو نقصان، وفي الحَمَل والبروج الصَّادقة يدلُّ على صدقٍ فيه واستواء، وفي السَّرطان والبروج المنقلبة لا يدلُّ على انقلاب الخبر إلى باطل، ولكنه قد ينقلبُ فيصيرُ أقوى مما هو عليه الآن، إلا أن ينظُر إليه نَحْسٌ فيفسده ويُبْطِله. ثمَّ قال: واعرِف صدقَ الخبر مِنْ سهم الغيب إذا شككتَ فيه؛ فإن كان سليمًا من المرِّيخ والذَّنَب، وينظرُ إليه صاحبُه أو القمرُ أو الشَّمس نظرَ صلاحٍ، فهو حقٌّ. هذا منتهى كلامه في الجواب، وهو كما تراه متضمِّنٌ أن عند هذه الاتصالات التي ذكرها يكونُ الخبرُ صحيحًا صدقًا وعند تلك الاتصالات الأُخَر تكون منذرةً بالكذب. فيقالُ لهؤلاء الكذَّابين المفترين الملبِّسين: أيستحيلُ عندكم معاشرَ المنجِّمين أن يضعَ أحدُكم خبرًا كاذبًا عند تلك الاتصالات، أم ذلك واقعٌ في دائرة الإمكان (١)، بل هو موجودٌ في الخارج؟! وكذلك يستحيلُ أن يصدُق مُخْبِرٌ عند الاتصالات الأُخَر، أو يبعُد صدقُ العالَم عندها ويكونُ كذبُهم إذ ذاك أكثرَ منه في غير ذلك الوقت؟! وهل في الهَوَس أبلغُ (٢) من هذا؟! ولو تتبَّعنا أحكامَهم وقضاياهم الكاذبة التي وقعَ الأمرُ بخلافها لقام منها عدَّةُ أسفار. وأمَّا نكباتُ مَن تقيَّد بعلم أحكام النجوم في أفعاله وسفره، ودخوله

стр. 1324

البلدَ وخروجه منه، واختياره الطالعَ لعمارة الدَّار والبناء بالأهل وغير ذلك؛ فعند الخاصَّة والعامَّة منهم عِبَرٌ يكفي العاقلَ بعضُها في تكذيب هؤلاء القوم ومعرفته لافترائهم على الله تعالى وأقضيته وأقداره، بل لا يكادُ يُعْرَفُ أحدٌ تقيَّد بالنجوم في ما يأتيه ويَذَرُه إلا نُكِبَ (١) أقبحَ نكبةٍ وأشنعَها؛ مقابلةً له بنقيض قصده، وموافاة النُّحوس له من حيثُ ظنَّ أنه يفوزُ بسَعْدِه. فهذه سنةُ الله في عباده التي لا تُبدَّل، وعادتُه التي لا تُحَوَّل: أنَّ من اطمأنَّ إلى غيره، أو وَثِقَ بسواه، أو رَكَنَ إلى مخلوقٍ يدبِّره؛ أجرى اللهُ له بسببه أو من جهته خلافَ ما عَلَّق به آمالَه. وانظُر ما كان أقوى تعلُّق بني بَرْمَك بالنُّجوم، حتى في ساعات أكلهم وركوبهم وعامَّة أفعالهم، وكيف كانت نكبتُهم الشَّنيعة (٢). وانظُر حالَ أبي علي ابن مُقلة الوزير، وتعظيمَه لعلم أحكام النجوم، ومراعاته لها أشدَّ المراعاة، ودخولَه داره التي بناها بطالعٍ زعَم الكذَّابون المفترون أنه طالعُ سعدٍ لا يرى به في الدَّار مكروهًا، فقُطِعَت يدُه، ونُكِبَ في داره أقبحَ نكبةٍ نُكِبَها وزيرٌ قبله (٣). وقتلى المنجِّمين أكثرُ من أن يحصيهم إلا الله . الوجه التاسع عشر: أنَّ هؤلاء القوم قد أقرُّوا على أنفسهم وشهادة بعضهم على بعضٍ بفسادِ أصول هذا العلم وأساسه.

стр. 1325

فقد كان أوائلُهم من الأقدمين وكبارُ رُصَّادهم من عهد بَطْليموس وطيموخارس ومانالاوس قد حكموا في الكواكب الثابتة بمقدار، واتفقوا أنه صحيحُ الاعتبار، وأقام الأمرُ على ذلك فوق سبع مئة عام، والناسُ ليس بأيديهم سوى تقليدهم، حتى كان في عهد المأمون، فاتفق مِنْ رُصَّادهم وحُكَّامهم علماءُ الفريقين، مثلُ خالد بن عبد الملك المروزي (١)، وحبَش (٢) صاحب الزِّيج المأمونيِّ، ومحمد بن الجهم (٣)، ويحيى بن أبي منصور (٤) = على أنهم امتحنوا رصدَ الأوائل فوجدوهم غالطين فيما رصدُوه، فرصدوا هم رصدًا لأنفسهم، وحرَّروه، وسمَّوه: الرَّصَدَ المُمْتَحَن، وجعلوه مبدأً ثانيًا بعد ذلك الزمن. وكان لأوائلهم إجماعٌ على صحَّة رصدِهم، ولهؤلاء إجماعٌ على خطئهم فيه؛ فتضمَّن ذلك شهادة الأواخر على الأوائل أنهم كانوا غالطين، وإقرار الأواخر على أنفسهم أنهم كانوا بالعمل به مخطئين. ثمَّ حدَثت طائفةٌ أخرى، منهم كبيرُهم وزعيمُهم أبو معشر محمد بن جعفر (٥)، وكان بعد أصحاب الرَّصَدِ المُمْتَحَن بنحوٍ من ستين عامًا، فردَّ

стр. 1326

عليهم، وبيَّن خطأهم، كما ذكر أبو سعيد شاذان بن بحر المنجِّم في كتاب «أسرار النجوم» (١)، قال: قال أبو معشر: أخبرني محمد بن موسى المنجِّم الجليس (٢) ــ وليس بالخوارزمي ــ قال: حدَّثني يحيى بن أبي منصور، أو قال: حدَّثني محمد بن محمد الجليس قال: دخلتُ على المأمون وعنده جماعةُ المنجِّمين، وعنده رجلٌ قد تنبَّأ، وقد دعا القضاةَ والفقهاء ولم يحضروا بعد، ونحن لا نعلم، فقال لي ولمن حضرَ من المنجِّمين: اذهبوا فخذوا الطالعَ لدعوى رجلٍ في شيءٍ يدَّعيه، وعرِّفوني بما يدلُّ عليه الفلكُ مِنْ صِدْقِه وكذبِه، ولم يُعْلِمنا المأمونُ أنه متنبِّاء، فجئنا إلى ناحيةٍ من القصر، وأحكمْنا أمرَ الطالع، وصوَّرناه، فوقع (٣) الشَّمس والقمرُ في دقيقةٍ [واحدة، وسهمُ السعادة وسهمُ الغيب في دقيقةٍ واحدةٍ مع دقيقة] (٤) الطالع، والطالعُ الجَدي، والمشتري في السنبلة ينظرُ إليه، والزُّهَرة وعطاردُ في العقرب ينظران إليه، فقال كلُّ من حضر من المنجِّمين: هذا الرجلُ صحيحٌ

стр. 1327

ما يدَّعيه لا كذبَ فيه. قال يحيى: وأنا ساكت، فقال لي المأمون: قُل. فقلت: هو في طلب تصحيحه، وله حجةٌ زُهَريَّة وعُطارديَّة، وتصحيحُ ما يدَّعيه لا يتمُّ له. فقال: من أين قلتَ؟ فقلت: لأنَّ صحةَ الدعاوى من المشتري، [ومن تثليث الشمس وتسديسها إذا كانت الشمس غير منحوسة, وهذا الطالع يخالفه؛ لأنه هبوط المشتري] (١)، وهو ينظرُ إليه نظرَ (٢) موافقة، إلا أنه كارهٌ لهذا البرج، فلا يتمُّ له التصديقُ ولا التصحيح، والذي قاله (٣) إنما هو مِنْ حجةٍ عُطارديَّة وزُهَريَّة، وذلك يكونُ من جنس التَّحسين والتَّزويق والخِداع عن غير حقيقة. فقال: لله درُّك. ثمَّ قال: تدرون ما يدَّعي هذا الرجل؟ قلنا: لا. قال: هذا يدَّعي النبوة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ومعه شيءٌ يحتجُّ به؟ فسأله، فقال: نعم؛ معي خاتمٌ ذو فصَّين، ألبسُه فلا يتغيَّر منِّي شيء، ويلبسه غيري فلا يتمالكُ من الضَّحك حتى ينزعَه، ومعي قلمٌ شاميٌّ أكتبُ به، ويأخذُه غيري فلا تنطلقُ أصبعُه. فقلت: يا سيدي، هذا عُطاردُ والزُّهَرةُ قد عَمِلا عملَهما. فأمَره المأمونُ فأظهَر ما ادَّعاه منهما، وكان ذلك ضربٌ من الطِّلَّسْمات (٤)، فما زال به المأمونُ أيامًا كثيرةً حتى أقرَّ وتبرَّأ من دعوى النُّبوة، ووَصَف الحيلةَ

стр. 1328

التي احتالها في الخاتم والقلم، فوَهَبَ له المأمونُ ألفَ دينارٍ وصَرَفَه، فلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلمُ النَّاس بعلم النجوم، ومِنْ أكبر أصحاب عبد الله القشيري (١)، وهو الذي عَمِلَ طِلَّسْمَ الخنافس في دُور بغداد (٢). قال أبو معشر: لو كنتُ في القوم لذكرتُ أشياءَ خَفِيَت عليهم؛ كنتُ أقول: الدعوى باطلةٌ من أصلها، لأنَّ البرجَ منقلبٌ وهو الجَدي، والمشتري في الوبال، والقمرُ في المَحاق، والكوكبان الناظران إلى الطالع في برجٍ كذَّابٍ وهو العقرب. فتأمَّلْ كيف اختلفَت أحوالُهم وأحكامُهم مع اتحاد الطالع، وكلٌّ منهم يُمْكِنُه تصحيحُ حُكمه بشبهةٍ من جنس شبهة الآخر، فلو اتفق أن ادعى رجلٌ صادقٌ في ذلك الوقت والطالع دعوى، ألم يكن ادعاؤه ممكنًا غير مستحيل، ودعواه صحيحةً في نفسها؟ أم تقولون: إنه لا يمكنُ أن يدَّعي أحدٌ في ذلك الوقت والطالع دعوى صحيحةً البتة؟! ومن المعلوم لجميع العقلاء أنه يمكنُ إذ ذاك [وقوعُ] (٣) دعويَيْن مِنْ رجلٍ مُحِقٍّ ومُبْطِلٍ بذلك الطالع بعينه. فما أسخفَ عقلَ من ارتبط بهذا الهذَيان، وبنى عليه جميعَ حوادث الزمان! وليس بيد القوم إلا ما اعترفَ به فاضلُهم وزعيمُهم أبو معشر. قال شاذان في الكتاب المذكور أيضًا: قلتُ لأبي معشر: الذَّنَبُ باردٌ يابس، فلم قلتم: إنه يدلُّ على التأنيث؟ فقال: هكذا قالوا!. قلت: فقد قالوا:

стр. 1329

إنه ليس بصادقٍ في اليُبس، لكنه باردٌ عفنٌ ملتوي (١)، فقال: كلُّ الأعراض الغائبة توهُّم، لا يكونُ شيءٌ منها يقينًا، وإنما يكونُ توهُّمٌ أقوى من توهُّم. ومن تأمَّل أحوالَ القوم علمَ أنَّ ما معهم زَرْقٌ (٢) وتفرُّسٌ يصيبون معها ويخطئون (٣). قال شاذان في كتابه المذكور: كان الداري (٤) الثنويُّ (٥) الذي بالهند يُكاتِبُ أبا معشر ويُهادِيه، فأنفَذ لأبي معشر مولدًا لابن مالكِ سرنديب، طالعُه الجوزاء، والشَّمس والقمر في الجَدي، والقمرُ خارجٌ عن الشُّعاع، وعُطارد في الدَّلو، والمشتري في الحَمَل، وزُحَل في السَّرطان راجعٌ في بُحْران الرجوع، فحكمَ له أبو معشر بأنه يعيشُ دورَ زُحَل الأوسط، فقلت: سبحان الله! زُحَل (٦) راجعٌ في بُحْران الرجوع، في بيتٍ (٧) ساقطٍ عن الأوتاد، لا يعطيه إلا دوره الأصغر، ويحتاجُ أن يسقط منه الخمسين! وجعلتُ أُنكِرُ عليه ذلك وأخوِّفه أن تسقط منزلتُه عند أهل تلك البلاد، إلى

стр. 1330

أن ذكَر محاورةً طويلةً انتهت بهما إلى أنَّ أبا معشرٍ أخَذ ذلك من عادات أهل الهند في طول الأعمار. وقال له شاذان في مسألةٍ سئل عنها: ما أنتم إلا زَرَّاقين! ثمَّ حدثت بعد هؤلاء جماعة، منهم: أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر بن عبدٍ (١)، المعروفُ بالصُّوفيِّ، وكان بعد أبي معشر بنحوٍ من سبعين عامًا، فذكَر أنه قد عَثَرَ مِنْ غلط الأواخر بعد الأوائل على أشياء كثيرة، وصنَّف كتابًا في معرفة الثوابت، وحمله إلى عضد الدولة بن بُوَيه، فاستحسنه، وأجزلَ ثوابَه، وبيَّن في هذا الكتاب من أغاليط أتباع الرَّصَد الثاني أمورًا كثيرة لعُطارد المنجِّم، ومحمد بن جابر البتَّاني، وعلي بن عيسى الحرَّاني. فقال في مقدمة كتابه: «ولمَّا رأيتُ هؤلاء القوم مع ذِكْرهم في الآفاق وتقدُّمهم في الصِّناعة، واقتداء الناس بهم، واشتغالهم بمؤلفاتهم (٢)، قد تبعَ كلُّ واحدٍ منهم مَن تقدَّمه مِنْ غير تأمُّلٍ لخطئه وصوابه بالعيان والنظر، وأوهموا الناسَ الرَّصد، حتى ظنَّ كلُّ من نظر في مؤلَّفاتهم أن ذلك عن معرفةٍ بالكواكب ومواضعها». إلى أن قال: «ومُعَوَّلُهم على كُراتٍ (٣) مُصَوَّرةٍ مِنْ عمل من لا يعرفُ (٤)

стр. 1331

الكواكبَ بأعيانها، وإنما عوَّلوا على ما وجدوه في الكتب من أطوالها وعُروضها، فرسَموها في الكُرة من غير معرفةٍ خطئها وصوابها». ثمَّ قال: «وزادوا أيضًا على أطوال كواكبَ كثيرةٍ وعُروضِها (١) دقائقَ يسيرة، ونقصُوا منها، وأوهموا بذلك أنهم رصَدوا الكلَّ، وأنهم وجدوا بين أرصادهم وأوضاع بَطْليموس من الخلاف في أطوالها وعروضها القَدْرَ الذي خالفوا به سوى الزِّيادة التي وجدوها من حركاتها في المدَّة التي بينهم وبينه من السِّنين، مِنْ غير أنْ عَرفوا الكواكبَ بأعيانها». وله تواليفُ أُخَر مشحونةٌ ببيان أغاليطهم، وإيضاح أكاذيبهم وتخاليطهم (٢). وشَهِد عليهم بأنهم تارةً قلَّدوا في الأقوال النجومية (٣)، وتارةً قلَّدوا فيما وجدوه من الصُّوَر الكوكبية، فهم مقلِّدون في القول والعمل، ليس مع القوم بصيرة. وشَهِدَ عليهم بأنهم مُوهِمون (٤) مدلِّسون، بل كاذبون مفترون، مِن جهة أنهم زادوا دقائقَ مابين زمانهم وزمان بَطْليموس، وأوهموا بها أنهم رصَدوا ما رصَده مَن قبلهم، فعثَروا على ما لم يعثُروا عليه.

стр. 1332

ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم: الكوشْيار بن باشهري (١) الديلمي، ومن تواليفه: «الزِّيج الجامع» (٢)، و «المجمل في الأحكام» (٣)، وهو عندهم نهايةٌ في الفنِّ، وكان بعد الصُّوفي بنحو ثلاثين عامًا. وذكر في مقدمة كتابه «المجمل»: «إني جمعتُ في هذا الكتاب من أصول صناعة النجوم (٤)، والطريق إلى التصرُّف فيها (٥)، ما ظننتُه كافيًا في معناه، مغنيًا (٦) في أكثر الأمر عمَّا سواه، فأخذتُ فيه (٧) أقربَ طريقٍ

стр. 1333

عرفته (١) إلى القياس، وأوضحَ سبيلٍ سلكته (٢) إلى الصواب؛ إذ هي صناعةٌ غيرُ مُبَرْهَنة، وللخواطر والظُّنون [فيها] مجال، بلا نهاية (٣) صوابٍ ومحال». إلى أن ذكَر علمَ الأحكام، فقال فيه (٤): «ولا سبيل للبرهان عليه، ولا هو مُدْرَكٌ بكلِّيته، نَعَم ولا بأكثره؛ لأنَّ الشيء الذي يُسْتَعملُ فيه هذا العلم فأشخاصُ الناس (٥)، وجميعُ مادون الفلَك القمريِّ مطبوعٌ على الانتقال والتغيُّر، ولا يثبتُ على حالٍ واحدةٍ في أكثر الأمر، ولا الإنسانُ بكامل (٦)

стр. 1334

القوَّة في الحَدْس بخواصِّ الأحوال (١) التي تكونُ من امتزاجات الكواكب؛ فبلغَ من الصُّعوبة وتعسُّر الوقوف عليه إلى أن دَفَعَه بعض الناس، وظنُّوا أنه شيءٌ لا يُدْرِكه أحدٌ البتة، وأكثرُ المتفرِّدين (٢) بالعلم الأول ــ يعني علمَ الهيئة ــ ينكرونَ هذا العلم، ويجحدون منفعتَه، ويقولون: هو شيءٌ يقعُ بالاتفاق، وليس عليه برهان» (٣). إلى أن قال: «ومن المتفرِّدين بالعلم الثاني ــ يعني علمَ الأحكام ــ من يأتي على جزئيَّاته (٤) بحُجَجٍ على سبيل النظر والجدل، ويظُنُّ (٥) أنها برهانٌ؛ لجهله بطريق البرهان وطبيعته». فحصَل من كلام هذا تجهيلُ أصحاب الأحكام (٦)، كما حصَل من كلام الصُّوفي تكذيبُ أصحاب الأرصاد، وهذان الرجلان من عظمائهم وزعمائهم.

стр. 1335

ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم المنجِّم المعروفُ بالفكريِّ (١) منجِّم الحاكم بالدِّيار المصرية، وكان قد انتهت إليه رياسةُ هذا العلم، وكان قد قرأ على من قرأ على العاصميِّ، فوضعَ هو وأصحابُه رصَدًا آخر، وهو الرَّصدُ الحاكمي، وخالف فيه أصحابَ الرَّصَد المُمْتَحَن في أشياء، وعلى ذلك التفاوت بنَوا الزِّيجَ الحاكمي. وكان الحاكمُ قد أراد أن يحذُو على فعل المأمون، فأمر أن يجتمع عنده من أهل عصره (٢) المنجِّمون ورئيسُهم الفكري، فوضعوا الزِّيجَ الحاكمي، وخالفوا أصحابَ الرَّصَد المأموني، ومالوا بأتباعهم (٣) إلى الرَّصَد الحاكمي. ولو اتفق بعد ذلك رَصَدٌ آخر لسلكَ أصحابُه في خلاف من تقدَّمهم مسلك أوائلهم. هذا ومستندُهم ومعوَّلهم الحِسُّ والحساب، وهما لا يقبلان التَّغليط، فما الظنُّ بما يدَّعونه من علم الأحكام، الذي مبناه على هواجِس الظُّنون وخيالات الأوهام؟! ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم: أبو الرَّيحان البِيرُوني، مؤلِّف كتاب «التفهيم إلى صناعة التنجيم»، جمَع فيه بين الهندسة والحساب والهيئة والأحكام، وكان بعد كوشيار بنحوٍ من أربعين سنة (٤)، فخالفَ من تقدَّمه
следующие страницы →