← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الكواكبَ بأعيانها، وإنما عوَّلوا على ما وجدوه في الكتب من أطوالها وعُروضها، فرسَموها في الكُرة من غير معرفةٍ خطئها وصوابها». ثمَّ قال: «وزادوا أيضًا على أطوال كواكبَ كثيرةٍ وعُروضِها (١) دقائقَ يسيرة، ونقصُوا منها، وأوهموا بذلك أنهم رصَدوا الكلَّ، وأنهم وجدوا بين أرصادهم وأوضاع بَطْليموس من الخلاف في أطوالها وعروضها القَدْرَ الذي خالفوا به سوى الزِّيادة التي وجدوها من حركاتها في المدَّة التي بينهم وبينه من السِّنين، مِنْ غير أنْ عَرفوا الكواكبَ بأعيانها». وله تواليفُ أُخَر مشحونةٌ ببيان أغاليطهم، وإيضاح أكاذيبهم وتخاليطهم (٢). وشَهِد عليهم بأنهم تارةً قلَّدوا في الأقوال النجومية (٣)، وتارةً قلَّدوا فيما وجدوه من الصُّوَر الكوكبية، فهم مقلِّدون في القول والعمل، ليس مع القوم بصيرة. وشَهِدَ عليهم بأنهم مُوهِمون (٤) مدلِّسون، بل كاذبون مفترون، مِن جهة أنهم زادوا دقائقَ مابين زمانهم وزمان بَطْليموس، وأوهموا بها أنهم رصَدوا ما رصَده مَن قبلهم، فعثَروا على ما لم يعثُروا عليه.

стр. 1332

ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم: الكوشْيار بن باشهري (١) الديلمي، ومن تواليفه: «الزِّيج الجامع» (٢)، و «المجمل في الأحكام» (٣)، وهو عندهم نهايةٌ في الفنِّ، وكان بعد الصُّوفي بنحو ثلاثين عامًا. وذكر في مقدمة كتابه «المجمل»: «إني جمعتُ في هذا الكتاب من أصول صناعة النجوم (٤)، والطريق إلى التصرُّف فيها (٥)، ما ظننتُه كافيًا في معناه، مغنيًا (٦) في أكثر الأمر عمَّا سواه، فأخذتُ فيه (٧) أقربَ طريقٍ

стр. 1333

عرفته (١) إلى القياس، وأوضحَ سبيلٍ سلكته (٢) إلى الصواب؛ إذ هي صناعةٌ غيرُ مُبَرْهَنة، وللخواطر والظُّنون [فيها] مجال، بلا نهاية (٣) صوابٍ ومحال». إلى أن ذكَر علمَ الأحكام، فقال فيه (٤): «ولا سبيل للبرهان عليه، ولا هو مُدْرَكٌ بكلِّيته، نَعَم ولا بأكثره؛ لأنَّ الشيء الذي يُسْتَعملُ فيه هذا العلم فأشخاصُ الناس (٥)، وجميعُ مادون الفلَك القمريِّ مطبوعٌ على الانتقال والتغيُّر، ولا يثبتُ على حالٍ واحدةٍ في أكثر الأمر، ولا الإنسانُ بكامل (٦)

стр. 1334

القوَّة في الحَدْس بخواصِّ الأحوال (١) التي تكونُ من امتزاجات الكواكب؛ فبلغَ من الصُّعوبة وتعسُّر الوقوف عليه إلى أن دَفَعَه بعض الناس، وظنُّوا أنه شيءٌ لا يُدْرِكه أحدٌ البتة، وأكثرُ المتفرِّدين (٢) بالعلم الأول ــ يعني علمَ الهيئة ــ ينكرونَ هذا العلم، ويجحدون منفعتَه، ويقولون: هو شيءٌ يقعُ بالاتفاق، وليس عليه برهان» (٣). إلى أن قال: «ومن المتفرِّدين بالعلم الثاني ــ يعني علمَ الأحكام ــ من يأتي على جزئيَّاته (٤) بحُجَجٍ على سبيل النظر والجدل، ويظُنُّ (٥) أنها برهانٌ؛ لجهله بطريق البرهان وطبيعته». فحصَل من كلام هذا تجهيلُ أصحاب الأحكام (٦)، كما حصَل من كلام الصُّوفي تكذيبُ أصحاب الأرصاد، وهذان الرجلان من عظمائهم وزعمائهم.

стр. 1335

ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم المنجِّم المعروفُ بالفكريِّ (١) منجِّم الحاكم بالدِّيار المصرية، وكان قد انتهت إليه رياسةُ هذا العلم، وكان قد قرأ على من قرأ على العاصميِّ، فوضعَ هو وأصحابُه رصَدًا آخر، وهو الرَّصدُ الحاكمي، وخالف فيه أصحابَ الرَّصَد المُمْتَحَن في أشياء، وعلى ذلك التفاوت بنَوا الزِّيجَ الحاكمي. وكان الحاكمُ قد أراد أن يحذُو على فعل المأمون، فأمر أن يجتمع عنده من أهل عصره (٢) المنجِّمون ورئيسُهم الفكري، فوضعوا الزِّيجَ الحاكمي، وخالفوا أصحابَ الرَّصَد المأموني، ومالوا بأتباعهم (٣) إلى الرَّصَد الحاكمي. ولو اتفق بعد ذلك رَصَدٌ آخر لسلكَ أصحابُه في خلاف من تقدَّمهم مسلك أوائلهم. هذا ومستندُهم ومعوَّلهم الحِسُّ والحساب، وهما لا يقبلان التَّغليط، فما الظنُّ بما يدَّعونه من علم الأحكام، الذي مبناه على هواجِس الظُّنون وخيالات الأوهام؟! ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم: أبو الرَّيحان البِيرُوني، مؤلِّف كتاب «التفهيم إلى صناعة التنجيم»، جمَع فيه بين الهندسة والحساب والهيئة والأحكام، وكان بعد كوشيار بنحوٍ من أربعين سنة (٤)، فخالفَ من تقدَّمه

стр. 1336

وأتى مِن مُناقضتهم والردِّ عليهم بما هو دالٌّ على فساد الصِّناعة في نفسها. وختَم كتابَه بقوله في الخبيء والضمير (١): «ما أكثر افتضاحَ المنجِّمين فيه! وما أكثر إصابةَ الزَّاجرين (٢) فيه بما يستعملونه من كلامه وقتَ السؤال ويرونه باديًا من آثارٍ وأفعالٍ على السائل» (٣). وقال: «وعند البلوغ إلى هذا الموضع من صناعة التنجيم كفاية، ومن تعدَّاه فقد عرَّض نفسَه وصناعتَه لما بلغت إليه الآن من السُّخرية والاستهزاء، فقد جَهِلَها المتفقِّهون فيها، فضلًا عن المنتسبين إليها» (٤). انتهى كلامه. ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم: أبو الصَّلت أميَّة بن عبد العزيز بن أميَّة الأندلسي، الشاعر المنجِّم الطبيب الأديب، وكان بعد البِيرُوني بنحوٍ من ثمانين عامًا (٥)، ودخل مصر، وأقام بها نحو عامين (٦)، ولما كان بالغَرب

стр. 1337

تُوفِّيت والدة الأمير علي بن تميم صاحب المهديَّة (١)، وكان قد وافقَ موتُها إخبارَ بعض المنجِّمين بذلك قبل وقوعه، فعَمِل أميَّةُ قصيدةً يرثيها بها، وهي من مستحسَن شعره (٢)، فقال فيها: وراعَك قولٌ للمنجِّم مُوهِمٌ ... ومن يعتَمِدْ (٣) زَرْقَ المنجِّمِ يُوهَمِ فواعجبًا يَهْذِي المنجِّم دهرَه ... ويكذبُ إلا فيكِ قولُ المنجِّم وكان المذكورُ رأسًا في الصِّناعة، وقد اعترفَ بأنَّ المنجِّمَ كذَّابٌ صاحبُ زَرْقٍ وهذَيان. ثمَّ حدثت طائفةٌ أخرى بالمغرب، منهم: أبو إسحاق الزَّرقال (٤)، وأصحابُه، وهو بعد أبي الصَّلت بنحوٍ من مئة عام (٥)، وقد خالفَ الأوائلَ والأواخرَ في الصِّناعتين: الرَّصَديَّة والأحكاميَّة، فأسقَط من الرَّصَد المُمْتَحن المأمونيِّ في البروج درجات، ومن الرَّصَد الحاكميِّ دقائق، وسلكَ في الأحكام طرقًا غير الطُّرق المعهودة عند القوم، وزعَم أنَّ عليها

стр. 1338

المعوَّل، وأنَّ طُرق من تقدَّمه ليست بشيء. ولو حدَث في هذا العصر من يُشْبِه من تقدَّمه لرأينا اختلافًا آخر، ولكنَّ هذه الصِّناعة قد ماتت، ولم يبقَ بأيدي المنتسبين إليها إلا تقليدُ هؤلاء الضُّلَّال فيما فهموه من كلامهم الباطل، وما لم يفهموه منه فقد يظنُّون أنه صحيحٌ ولكنَّ أفهامهم نَبَتْ عنه! وهذا شأنُ جميع أهل الضلال مع رؤسائهم ومتبوعيهم. فجهَّالُ النصارى إذا ناظرهم الموحِّدُ في تثليثهم وتناقُضه وتكاذُبه، قالوا: الجوابُ على القسِّيس، والقسِّيسُ يقول: الجوابُ على المِطْران، والمِطْرانُ يحيلُ الجوابَ على البَتْرك، والبَتْركُ على الأُسْقُف، والأُسْقُف على الباب (١)، والبابُ على الثلاث مئة والثمانية عشر أصحاب المجمَع الذين اجتمعوا في عهد قُسطنطين ووضعوا للنصارى هذا التثليثَ والشِّركَ المناقِض للعقول والأديان، ولعلهم عند الله أحسنُ حالًا من أكثر القائلين بأحكام النجوم، الكافرين بربِّ العالمين وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فصل ورأيتُ لبعض فضلائهم، وهو أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى (٢) رسالةً بليغةً في الردِّ عليهم، وإبداء تناقضهم، كتبها لمَّا بصَّره اللهُ رشدَه،

стр. 1339

وأراه بطلانَ ما عليه هؤلاء الضلَّال الجهَّال، كتبها نصيحةً لبعض إخوانه، فأحببتُ أن أوردها بلفظها، وإن تضمَّنت بعض الطُّول والتكرار (١)، وأتعقَّب بعض كلامه بتقرير ما يحتاجُ إلى تقرير، وبسؤالٍ يُورَدُ عليه ويُطْعَنُ به على كلامه، ثمَّ بالجواب عنه؛ ليكون قوَّةً للمسترشد، وبيانًا للمتحيِّر، وتبصرةً للمهتدي، ونصيحةً لإخواني المسلمين (٢). وهذا أوَّلها (٣): «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم عصمَك الله من قبول المُحالات، واعتقاد ما لم تَقُم عليه الدلالات، وضاعَف لك الحسنات، وكفاك المهمَّات بمنِّه ورحمته (٤). كنتَ ــ أدام الله توفيقَك وتسديدك ــ ذكرتَ لي اهتمامَك بما قد لهجَ به وجوهُ أهل زماننا من النظر في أحكام النجوم، وتصديق كلِّ ما يأتي به من ادعى أنه عارفٌ بها مِن علم الغيب الذي تفرَّد الله به، ولم يجعله لأحدٍ من الأنبياء والمرسلين، ولا ملائكته المقربين، ولا عباده الصَّالحين، مِن معرفة طويل الأعمار وقصيرها، وحميد العواقب وذميمها،

стр. 1340

وسائر ما يتجدَّدُ ويحدثُ ويُتَخوَّفُ ويُتمَنَّى. وسألتني أن أعملَ كتابًا أذكرُ فيه بعضَ ما وقع إليَّ من اختلافهم في أصول الأحكام الدَّالة على وهمهم وقُبح اعتقادهم، وما يُستَدلُّ به من طريق النظر والقياس على ضعف مذهبهم، وألخِّصُ ذلك وأختصرُه وأقرِّبه بحسب الوُسع والطاقة، فوعدتُك بذلك، وقد ضمَّنتُه كتابي هذا، واللهَ أسألُ عونًا على ما قرَّبَ منه (١)، وتوفيقًا لما أزلَفَ لديه، إنه قريبٌ مجيب فعَّالٌ لما يريد. لستُ مستعملًا للتَّحامل على من أثبتَ تأثيرَ الكواكب في هذا العالم وتَركِ إنصافهم، كما فعل قومٌ ردُّوا عليهم، فإنهم دفعوهم عن أن يكون لها تأثيرٌ البتَّة غيرَ وجود الضِّياء في المواضع التي تطلعُ عليها الشَّمس والقمر، وعدمِه فيما غابا عنه، وما جرى هذا المجرى. بل أسلِّمُ لهم أنها تؤثِّر تأثيرًا ما يجري على الأمر الطبيعي: مثل: أن يكون البلدُ القليلُ العَرْض مزاجُه يميلُ عن الاعتدال إلى الحرِّ واليُبس، وكذلك مِزاجُ أهله، وأجسامُهم ضعيفة، وألوانُهم سودٌ وصُفر، كالنُّوبة والحبشة، وأن يكون البلدُ الكثيرُ العَرْض مزاجُه يميلُ عن الاعتدال إلى البرد والرطوبة (٢)، وكذلك مزاجُ أهله، وأجسامُهم عَبْلة (٣)، وألوانهم بيضٌ وشُعورُهم شُقر، مثلُ التُّرك والصَّقالبة. ومثل: أن يكون النباتُ يَنْمِي ويقوى ويشتدُّ ويتكاملُ وينضجُ ثمرُه

стр. 1341

بالشَّمس والقمر، فإن أهلَ الصحراء ومن يُعانِيها (١) مجمعون على أن القِثَّاء تطولُ وتغلُظ بالقمر، وقد شاهدتُ غير شجرةٍ كبيرةٍ حاملةٍ من التِّين والتُّوت وغيرهما، فما قابلَ الشَّمس منها أسرعَ نضجُ الثَّمر الكائن فيه، وما خَفِي منها عنها بقي ثمرُه فِجًّا (٢) وتأخَّر إدراكُه. ومثال ذلك: ما يشاهَدُ من حال الرَّيحان الذي يقال له: اللَّينَوفَر، وحال الخُبَّازى، وورق الخِطْمِيِّ، والآذَرْيُون (٣)، وأشياء كثيرةٍ من النبات، فإنَّا نراه يتحركُ ويتفتَّحُ مع طلوع الشَّمس، ويضعُف إذا غابت؛ لأن هذه أمورٌ محسوسة (٤). وليس الكلامُ في هذا التأثير كيف هو؟ وعلى أيِّ سبيلٍ يقع؟ فما يليقُ بغرضنا هاهنا؛ فلذلك أدعُه. فأمَّا ما يزعمونه فيما عدا هذا مِن أنَّ النجوم توجبُ أن يعيش فلانٌ كذا وكذا سنة، وكذا وكذا شهرًا، وينتهونَ في التحديد إلى جزءٍ من ساعة، وأن

стр. 1342

تَدُلَّ على تقلُّد رجلٍ بعينه المُلك، وتقلُّد آخرَ بعينه الوزارة، وطول مدَّة كلِّ واحدٍ منهما في الولاية وقِصَرها، وما فعله الإنسانُ وما يفعلُه في منزله، وما يُضمِرُه في قلبه، وما هو متوجِّهٌ فيه من حاجاته، وما هو في بطن الحامل، والسَّارق ومن هو، والمسروق وما هو، وأين هو، وكميَّته، وكيفيَّته، وما يجبُ بالكسوف، وما يحدثُ معه، والمختار من الأعمال في كلِّ يومٍ بحسب اتصال القمر بالكواكب؛ مِن أن يكون هذا اليومُ صالحًا للقاء الملوك والرؤساء وأصحاب السُّيوف، وهذا اليومُ محمودًا للقاء الكتَّاب والوزراء، وهذا اليومُ محمودًا للقاء القضاة، وهذا اليومُ محمودًا لأمور النساء، وهذا اليومُ محمودًا لشرب الدواء والفَصْد والحجامة، وهذا اليومُ محمودًا للعب الشِّطرنج والنَّرد، وغير ذلك= فمحالٌ أن يكون معلومًا من طريق الحسِّ. وليس عليه نصٌّ من كتاب الله، بل قد نصَّ الله سبحانه فيه على بطلانه بقوله ﵎: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل قد جاء عنه ﷺ أنه قال: «من أتى عرَّافًا أو كاهنًا أو منجِّمًا فصدَّقه بما يقولُ فقد كفر بما أُنزِل على محمد» (١).

стр. 1343

ولا هاهنا ضرورةٌ تدعو إلى القول به. ولا هو أوَّلٌ في العقول (١). ولا يأتون عليه ببرهانٍ ولا دليلٍ مقنع. وهذه هي الطُّرقُ التي تثبتُ بها الموجودات، ويُعْلَمُ بها حقائقُ الأشياء، لا طريقَ هاهنا غيرها، ولا شيءَ لأحكام النجوم منها. وأنا أبتداءُ الآن بوصف جملةٍ من اختلافهم في الأصول التي يبنونَ عليها أمرَهم، ويفرِّعون عنها أحكامَهم (٢)، وأذكرُ المستبشَع من أقاويلهم وقضاياهم وظاهر مناقضاتهم، ثمَّ آتي بطرفٍ من احتجاجهم والاحتجاج عليهم، والله الموفِّق للصواب بفضله. ذِكرُ اختلافهم في الأصول زعموا جميعًا: أنَّ الخيرَ والشرَّ والإعطاء والمنعَ وما أشبه ذلك يكونُ في العالَم بالكواكب، وبحسب السُّعود منها والنُّحوس، وعلى حسب كونها في البروج الموافقة والمنافرة لها، وعلى حسب نظرها بعضِها إلى بعض من التسديس والتربيع والتثليث والمقابلة، وعلى حسب مُجَاسدة (٣) بعضها بعضًا (٤)، وعلى حسب كونها في شَرفها وهبوطه ووَبالها.

стр. 1344

ثمَّ اختلفوا على أيِّ وجهٍ يكونُ ذلك؟ فزعم قومٌ منهم أنَّ فعلَها بطبائعها، وزعمَ آخرون أنَّ ذلك ليس فعلًا لها لكنَّه يدلُّ عليه بطبائعها». قلت: وزعمَ آخرون أنها تفعلُ في البعض بالعَرَض، وفي البعض بالذَّات. قال: «وزعمَ آخرون أنها تفعلُ بالاختيار لا بالطبع، إلا أنَّ السَّعدَ منها لا يختارُ إلا الخير، والنَّحسَ منها لا يختارُ إلا الشرَّ. وهذا بعينه نفيٌ للاختيار؛ فإنَّ حقيقةَ القادر والمختار القدرةُ على فعل أيِّ الضدَّين شاء، وتركِ أيهما شاء». قلت: ليس هذا بشيء؛ فإنه لا يلزمُ من كون المختار مقصورَ الاختيار على نوع واحدٍ سَلْبُ اختياره، ولكنَّ الذي يُبْطِلُ هذا أنهم يقولون: إنَّ الكوكبَ النَّحسَ سَعدٌ في برج كذا، وفي بيت كذا، وإذا كان الناظرُ إليه من النجوم كذا وكذا، وكذلك الكوكبُ السَّعْد. ويقولون: إنها تفعلُ بالذَّات خيرًا، وبالعَرَض شرًّا، وبالعكس. وقد يقولون: إنها تختارُ في زمانٍ بعد زمانٍ خلافَ ما تختارُ في زمانٍ آخر، وقد تتفق كلُّها أو أكثرُها على إيثار الخير (١)، فيكونُ في العالم في ذلك الوقت على الأكثر الخيرُ والنفعُ والحُسْن. قالوا: كما كان في زمن هُرمز (٢) وفي أيام أنوشِروان. وبضدِّ ذلك أيضًا.

стр. 1345

فيقال: إذا كانت مختارةً، وقد تتفقُ على إرادة الخير وعلى إرادة الخير والشرِّ، بطلَ دلالةُ حصولها في البروج المعيَّنة، ودلالةُ نظر بعضها إلى بعض بتسديسٍ أو تربيعٍ أو تثليثٍ أو مقابلة؛ لأنَّ هذا شأنُ من لا يقعُ فعلُه إلا على وجهٍ واحدٍ في وقتٍ معيَّن على شروطٍ معيَّنة. ولا ريب أنَّ هذا ينفي الاختيار. فكيف يصحُّ قولكم بذلك وجمعُكم بين هاتين القضيتين ــ أعني جواز اختيارها في زمانٍ خلافَ ما تختاره في زمانٍ آخر، وجواز اتفاقها على الخير واتفاقها على الشرِّ ــ من غير ضابطٍ ولا دليلٍ يدلُّكم عليه، ثم تحكمون بتلك الأحكام مستندين فيها إلى حركاتها المخصوصة، وأوضاعها، ونسبة بعضها إلى بعض؟! قال: «وزعمَ آخرون أنها لا تفعلُ باختيار، بل تدلُّ باختيار. وهذا كلامٌ لا يُعْقَلُ معناه، إلا أني ذكرتُه لمَّا كان مَقُولًا. واختلفوا؛ فقالت فرقة: من الكواكب ما هو سَعدٌ، ومنها ما هو نَحس، وهي تُسْعِدُ غيرَها وتَنْحَسُه. وقالت فرقة: هي في أنفسها طبيعةٌ واحدة، وإنما تختلفُ دلالتُها على السُّعود والنُّحوس، وإن لم تكن في أنفسها مختلفة. واختلفوا؛ فقال قوم: إنها تؤثِّر في الأبدان والأنفس جميعًا. وقال الباقون: بل في الأبدان دون الأنفس». قلت: أكثرُ المنجِّمين على القول بأنها تُسْعِدُ وتَنْحَسُ غيرَها. وأمَّا الفرقةُ التي قالت: هي دالَّةٌ (١) على السَّعدِ والنَّحس، فقولُهم وإن

стр. 1346

كان أقربَ إلى التوحيد من قول الأكثرين منهم فهو أيضًا قولٌ مضطربٌ متناقض؛ فإنَّ الدلالةَ الحسِّية (١) لا تختلفُ ولا تتناقض. وهذا قولُ من يقول منهم: إنَّ للفلك طبيعةً مخالفةً لطبيعة الأُسْتُقُصَّات (٢) الكائنة الفاسدة، وأنها لا حارَّةٌ ولا باردة، ولا يابسةٌ ولا رطبة، ولا سَعْدَ ولا نَحْسَ فيها، وإنما يدلُّ بعضُ أجرامها وبعضُ أجزائها على الخير، وبعضُها على الشر، وارتباطُ الخير والشرِّ والسَّعد والنَّحس [بها] (٣) ارتباط المدلولات بأدلَّتها، لا ارتباط المعلولات بعِلَلها. ولا ريب أنَّ قائلَ هذا أعقلُ وأقربُ من أصحاب القول بالاقتضاء الطبيعيِّ والعلِّيَّة. وأمَّا القولُ بتأثيرها في الأبدان والأنفس، فهو قولُ بَطْليموس وشِيعَته وأكثر الأوائل من المنجِّمين. وهؤلاء لهم قولان: أحدهما: أنها تفعلُ في الأنفس بالذَّات، وفي الأبدان بالعَرَض؛ لأنَّ الأبدانَ تنفعلُ عن الأنفس. والثاني: أنها هي سببُ جميع ما في عالَم الكَوْن (٤) والفساد، وفعلُها

стр. 1347

في ذلك كلِّه بالذَّات. وكأنه لا خلافَ بين الطائفتين؛ فإنَّ الذين قالوا: «فعلُها في النفوس» لا يُضِيفون انفعالَ الأبدان إلى غيرها بذاتها، بل إليها بوسائط (١). قال: «واختلفَ رؤساؤهم بَطْليموس ودورسوس (٢) وأنطيقوس (٣) ورِيمُس (٤) وغيرُهم من علماء الروم والهند وبابل في الحُدود وغيرها، وتضادُّوا في المواضع التي يأخذون منها دليلَهم؛ فبعضهم يُغَلِّبُ ربَّ بيت الطَّالع، وبعضهم يقول بالدليل المستولي على الحظوظ. واختلفوا؛ فزعَم بَطْليموس أنه (٥) يعلمُ سهمَ السعادة، بأن يأخذَ أبدًا العددَ الذي يحصلُ من موضع الشَّمس إلى موضع القمر، ويبتداء من الطَّالع فيرصدَ منه مثل ذلك العدد، ويأخذَ إلى الجهة التي تتلو من البروج؛ فيكون قد عرفَ موضعَ السَّهم. وزعَم غيرُه أنه يَعُدُّ من الشَّمس، ثمَّ يبتداء من الطَّالع فيَعُدُّ مثلَ ذلك إلى الجهة المتقدِّمة من البروج». قلت: وزعم آخرون أن بَطْليموس يرى أنَّ جميعَ ما يكونُ ويفسُد إنما

стр. 1348

يُعْرَفُ دليلُه من موضع التقاء النيرِّين، إمَّا الاجتماعُ وإمَّا الامتلاء (١)؛ لأنَّ هذين الكوكبين عنده مثلُ الرئيسين العظيمين، أحدُهما يأتمرُ لصاحبه (٢) وهو القمر، وهما سببا جميع ما يحدثُ في عالم الكَوْن والفساد، وأنَّ الكواكبَ الجاريةَ والثابتةَ منهما بمنزلة الجُند والعسكر من السُّلطان. فإذا أراد النظرَ في أمرٍ من الأمور؛ إن كان بعد الاجتماع أو عنده فإنه يأخذُ الدليلَ عليه من الكوكب المستولي على جزء الاجتماع وجزئَي الشَّمس والقمر في الحال، ويشاركُه مع الشَّمس بالنسبة إلى الطالع. وإذا كان بعد الامتلاء أو عنده فإنه ينظرُ أيُّ النيرِّين كان فوق الأرض عند الامتلاء، وينظرُ إلى الكوكب المستولي على ذلك الجزء وجزءِ النيِّر الذي كان بُعْدُ الشَّمس من الطالع كبُعْدِ القمر من سهم السعادة؛ فلذلك يجبُ عنده أن يؤخذ العددُ أبدًا من الشَّمس إلى القمر؛ لتبقى (٣) تلك النسبة وهي البُعْدُ (٤) بين كلِّ واحدٍ من النيِّرين طالعه محفوظ (٥).

стр. 1349

فهذا قولٌ آخر غيرُ أولئك (١). وللفُرسِ مذهبٌ آخر، وهو أنهم قالوا: لما كانت الشَّمس لها نوبةُ النهار، والقمر له نوبةُ الليل، وكان سهمُ السعادة بالنهار يؤخذُ من الشَّمس إلى القمر، وجبَ أن يُعكسَ ذلك بالليل؛ لأنَّ نسبة النهار إلى الشَّمس مثلُ نسبة الليل إلى القمر، وكلُّ واحدٍ من النيِّرين ينوبُ واحدًا من الزَّمانين، فيأخذون سهمَ السعادة ــ بزعمهم ــ بالليل من القمر إلى الشَّمس، وبالنهار بالعكس. وزعموا أنَّ كلام بَطْليموس إنما يدلُّ على هذا؛ لأنه قال: وإنْ أخَذْنا من الشَّمس إلى القمر إلى خلاف تأليف البروج وألقيناه بالعكس كان موافقًا للأوَّل. فقالوا: يجبُ أن يُعكس الأمر بالليل. فهذا اختلافُ المنجِّمين على بَطْليموس ينقُض بعضُه بعضًا، وليس بأيدي الطائفة برهانٌ يرجِّحون به قولًا على قول، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٢٨ - ٣٠]. قال: «واختلفوا؛ فرتَّبت طائفةٌ منهم البروجَ المذكَّرة والمؤنَّثة من البرج الطالع، فعدُّوا واحدًا مذكَّرًا وآخر مؤنَّثًا، وصيَّروا الابتداءَ بالمذكَّر. وقسَّمَت طائفةٌ أخرى البروجَ أربعةَ أجزاء، وجعلوا البروجَ المذكَّرة هي التي من الطالع إلى وسط السماء، والتي تقابلها من الغَرب إلى وَتد الأرض، وجعلوا الرُّبعين الباقيين مؤنَّثين».

стр. 1350

قلت: ومِنْ هذَيانهم في هذا الذي أضحكوا به عليهم العقلاء أنهم جعلوا البروج قسمين: حارَّ المزاج، وباردَ المزاج، وجعلوا الحارَّ (١) منها ذكرًا والباردَ أنثى، وابتدؤوا بالحَمَل وصيَّروه ذكرًا حارًّا، ثمَّ الذي بعده مؤنَّثًا باردًا، ثم هكذا إلى آخرها، فصارت ستَّةً ذكورًا وستَّةً إناثًا، وليست على الولاء، بل واحدٌ ذكر، وثلاثةٌ أخَر (٢) أنثى مخالفةٌ له (٣) في الطبيعة والذكوريَّة والأنوثيَّة، مع أن قسمة الفلك إلى البروج قسمةٌ فرضيَّةٌ وضعيَّة، فهل في أنواع هذَيان الهاذِين أعجبُ من هذا؟! ولمَّا رأى من به رَمَقٌ مِن عقلٍ منهم تهافُتَ هذا الكلام، وسخريةَ العقلاء منه، رام تقريبَه بغاية جهده وحِذْقه، فقال: إنما ابتداء بالذَّكر دون الأنثى لأنَّ الذَّكر أشرفُ من الأنثى؛ لأنه فاعلٌ والأنثى منفعِلة! فاعجبوا يا معشر العقلاء ــ واسألوا اللهَ أن لا يخسِفَ بعقولكم كما خسَف بعقول هؤلاء ــ لهذا الهذَيان، أفترى في البروج ناكحًا ومنكوحًا يكونُ المنكوحُ منها منفعِلًا لناكحه بالذكوريَّة، والأنوثيَّةُ تابعةٌ لهذا الفعل والانفعال فيها؟! قال (٤): وأيضًا، فالذكوريَّة والأنوثيَّة سببُ الانفراد والازدواج فيها؛ فإنَّ الأفرادَ ذكورٌ والأزواجَ إناث (٥).

стр. 1351

وهذا أعجبُ من الأول، أنَّ الذكرَ ينضمُّ إلى الذكر فيصيرُ المضمومُ إليه أنثى! فتبًّا للمصغي إليكم والمُجَوِّزِ عقلُه صِدقَكم وإصابتَكم، وأمَّا أنتم فقد أشهد اللهُ سبحانه عقلاءَ عباده وألبَّاءهم (١) مقدارَ عقولكم وسخافتَها، فلله الحمدُ والمنة. قال هذا المنتصرُ لهم: وإنما جعلوا الأفراد للذَّكر، والأزواجَ للأنثى؛ لأنَّ الفردَ يحفظُ طبيعتَه ــ أعني ينقسم دائمًا إلى فرد ــ، والزَّوجَ لا يحفظُ طبيعتَه ــ أعني ينقسم مرَّةً إلى الأفراد ومرَّة إلى الأزواج ــ، كما يعرضُ ذلك للأنثى، فإنها تلدُ مرَّةً مثلَها (٢)، ومرَّةً ذكرًا مخالفًا لها، ومرَّةً ذكرين، ومرَّةً أنثيين، ومرَّةً ذكرًا وأنثى. وفسادُ هذا والعلمُ بفساد عقل صاحبه ونظره مُغْنٍ لذي اللُّبِّ عن تطلُّب دليل فساده. قال المنتصر: وأمَّا لم جعلوا (٣) البرجَ الأنثى يلي (٤) برجَ الذَّكر؟ فلأنَّ الطبيعةَ هكذا ألَّفَتْ الأعدادَ واحدًا فردًا وآخر زوجًا، هكذا بالغًا ما بلَغ. وهذه القسمةُ عندهم هي قسمةٌ ذاتيَّةٌ للبروج. ولها قسمةٌ ثانيةٌ بالعَرَض، وهي أنهم يبدؤونَ من الطالع إلى الثاني عشر، فيأخذون واحدًا ذكرًا وهو الأول، وآخرَ أنثى وهو ما يليه (٥). وهذه

стр. 1352

تختلفُ بحسب اختلاف الطالع. والقسمةُ الأولى إنما كانت ذاتيَّة لأنَّ الابتداءَ لها برأس الحَمَل، وهو موضعُ تقاطع الدائرتين اللتين هما فلكُ البروج ومعدَّلُ النهار. وأمَّا المَيْل (١) للقسمة الثانية فإنه لا يبقى على حالٍ واحدة؛ لأنه مأخوذٌ من الجزء المماسِّ لأفق البلد، وهو دائمًا يتغيَّر بحركته مع الكلِّ، وحصول الأجزاء كلِّها واحدًا بعد آخر على الأفق في دورةٍ واحدة. وأمَّا قسمةُ الفلك أرباعًا؛ فإنهم قالوا: إذا خرج خطٌّ من أفق المشرق إلى أفق المغرب، وخطٌّ من وتد الأرض إلى وسط السماء، انقسمت البروجُ أربعة أقسام، كلُّ قسمٍ ثلاثة بروجٍ على طبيعةٍ واحدة، ابتداءُ كلِّ قسمٍ من طرف قُطرٍ إلى طرف القُطر الذي يليه، وأطرافُ هذين القُطرين تسمَّى أوتادَ العالم، فالقسمُ الأول من وتد المشرق إلى وتد العاشر ذكرٌ شرقيٌّ مجفِّفٌ (٢) سريع، ومن وتد العاشر إلى وتد الغارب مؤنثٌ جنوبيٌّ محرِقٌ (٣) وسط، ومن وتد (٤) الغارب إلى وتد الرابع ذكرٌ مُقْبِلٌ رطبٌ غربيٌّ بطيء، ومن وتد الرابع إلى وتد الطالع مؤنثٌ مُدْبِرٌ (٥) مبرِّدٌ شماليٌّ وسط. وهذه القسمة مخالفةٌ لتلك القسمتين؛ لأنَّ هذه قسمةُ البروج بأربعة

стр. 1353

أقسامٍ متساوية، كلُّ ثلاثة بروجٍ منها تسعين (١) درجة لها طبيعةٌ تخصُّها، مع أنَّ الفلك شيءٌ واحدٌ وطبيعةٌ واحدة، وقِسمتُه إلى الدَّرَج والبروج قسمةٌ وهميةٌ بحسب الوضع، فكيف اختلفت طبائعُها وأحكامُها وتأثيراتُها واختلفت بالذُّكوريَّة والأنوثيَّة؟! ثم إنَّ بعض الأوائل منهم لم يقتصر على ذلك، بل ابتدأ بالدرجة الأولى من الحَمَل فنسبها إلى الذكوريَّة، والثانية إلى الأنوثيَّة، وهكذا إلى آخر الحُوت. ولا ريبَ أنَّ هذا الهذَيان لازمٌ لمن قال بقسمة البروج إلى ذكرٍ وأنثى، وقال: الذكرُ طبيعةُ الفرد، والأنثى طبيعةُ الزَّوج؛ فإنَّ هذا بعينه لازمٌ لهم في درجات البُرج الواحد، وكأنَّ هذا القائلَ تصوَّر لزومَه لأولئك، فالتزَمَه. وأمَّا بَطْليموس فله هذيانٌ آخر؛ فإنه ابتدأ بأول درجة كلِّ برجٍ ذكر، فنسَب منها إلى تمام اثني عشر (٢) درجةً ونصفًا إلى الذكوريَّة، ومنه إلى تمام خمسٍ وعشرين درجةً إلى الأنوثيَّة، ثمَّ قسم باقي البروج بنصفين، فنسَب النصفَ الأول إلى الذكر والنصفَ الآخر إلى الأنثى، وعلى هذه القسمة ابتدأ بالبرج الأنثى فنسَب الثُّلثَ ونصف السُّدس إلى الأنوثيَّة، ومثلها بعده إلى الذكوريَّة، وبقي سُدْسٌ قسَمه بنصفين، فنسَب النصفَ الأولَ إلى الأنثى والآخرَ إلى الذكر، كما عملَ بالبرج الذكر، حتى أتى على البروج كلِّها. وأمَّا دوروسوس (٣) فله هذيانٌ آخر؛ فإنه يقسِّم البروجَ كلَّها، كلَّ برجٍ

стр. 1354

ثمانيةً وخمسين دقيقةً ومئة وخمسين دقيقة (١)، ثمَّ ينظر؛ فإن كان البرج ذكرًا أعطى القسمةَ الأولى للذكر ثمَّ الثانية للأنثى، إلى أن يأتي على الأقسام كلِّها، وإن كان البرجُ أنثى أعطى القسمةَ الأولى للأنثى ثمَّ الثانية للذكر، إلى أن يأتي على الأقسام كلِّها. ولو قُدِّرَ أنَّ جاهلاً آخر قَفَزَ (٢) هذه الأوضاع وقَلَبها وتكلَّم عليها لكان مِن جنس كلامهم، ولم يكن عندهم من البرهان ما يردُّون به قولَه، بل إنْ رأوه قد أصاب في بعض أحكامه ــ لا في أكثرها ــ أحسنُوا به الظنَّ، وتقلَّدوا قولَه، وجعلوه قدوةً لهم! وهذا شأنُ الباطل! عُدنا إلى كلام عيسى في رسالته، قال: «واختلفوا في الحدود؛ فزعم أهلُ مصر أنها تؤخذُ من أرباب البيوت، وزعم الكلدانيُّون أنها تؤخذُ من مدبِّري المثلَّثات (٣). وإذا كان اختلافُ الذين يقتدون (٤) بهم في أصولهم هذا الاختلاف، وليس هم ممَّن يطالِبُ بالبرهان ولا يعتقدُ الشيءَ حتى يصحَّ على البحث والقياس، فيعرفونَ مع من الحقُّ من رؤسائهم، وفي أيِّ قولٍ هو من أقوالهم فيعملون به، وإنما طريقتُهم التسليمُ لما وجدوه في الكتب المنقولة من لسانٍ

стр. 1355

إلى لسان= فكيف يجوزُ لهم أن ينفردوا باعتقاد قولٍ من هذه الأقوال وينصرفوا عمَّا سواهُ إلا على طريق الشَّهوة والتخمين؟! والله المستعان. ذِكرُ بعض ما يُستبشَعُ من أقوالهم ويُستَدلُّ به على مناقَضتهم مِن ذلك: زعمهُم أنَّ الفلكَ جسمٌ واحد، وطبيعةٌ واحدة، وأنه شيءٌ واحد، وليس بأشياء مختلفة، ثم زعموا بعد ذلك أنَّ بعضَه ذكرٌ وبعضَه أنثى، ولا دلالة لهم على ذلك ولا برهان، ولا وجدنا جسمًا واحدًا في الشَّاهد بعضُه ذكرٌ وبعضُه أنثى». قلت: قد رامَ بعضُ الملبِّسين من فضلائهم تصحيحَ هذا الهذَيان، بأن قال: ليس يستحيلُ أن يكون جسمٌ واحدٌ بعضُه أنثى وبعضه ذكر، كالرَّجل مثلًا، فإنَّ العينَ والأذنَ واليد والرِّجلَ منه مؤنثة، والرأسَ والصُّلبَ والصدرَ والظهرَ منه ذكر. وأيضًا؛ فإنَّ الجسم مركَّبٌ من الهَيُولى والصورة (١)، والهَيُولى مذكرةٌ والصورةُ مؤنثة. وأيضًا؛ لمَّا وجدَ المنجِّمون الشَّمسَ تدلُّ على الآباء والأبُ ذكرٌ، والقمرَ يدلُّ على الأمِّ وهي أنثى، قالوا: إنَّ الشَّمس ذكرٌ والقمرَ أنثى. قالوا: وقد قال أرسطو في كتاب «الحيوان»: طَمْثُ المرأة يدرُّ في نقصان الشهر، ولذلك (٢) قال بعض الناس: إنَّ القمر أنثى.

стр. 1356

قالوا: وأيضًا؛ فالشَّمس إذا كانت قريبًا من سَمْت الرؤوس كان الحرُّ واليُبس، وهما من طبيعة الذكوريَّة، والقمرُ إذا كان يقرُب من سَمْت الرؤوس بالليل كان البردُ والرطوبة، وهما من طبيعة الأنثى. فليَعجَب العاقلُ اللبيبُ من هذه الخرافات! فأمَّا أعضاءُ الإنسان الذكرُ والأنثى، فذلك أمرٌ راجعٌ إلى مجرد اللفظ وإلحاق علامة التأنيث في تصغيره ووصفه وخبره وعَوْد الضمير عليه بلفظ التأنيث وجَمْعه جمعَ المؤنَّث، وليس ذلك عائدٌ إلى طبيعة العُضو ومِزاجه. فنظيرُ هذا قولُ النحاة: الشَّمس مؤنثة؛ للَحاق العلامة لها في تصغيرها فتقول: شُمَيْسة، وفي الخبر عنها نحو: الشَّمس طالعة. والقمرُ مذكر؛ لعدم لحاق العلامة له في شيءٍ من ذلك. فعلى هذا الوجه وقعَ التذكيرُ والتأنيثُ في أعضاء الحيوان. وأمَّا قِسمتُكم البروجَ وأجزاءَ الفلك إلى مذكرٍ ومؤنث، فليست بهذا الاعتبار، بل باعتبار الفعل والانفعال والحرارة والرطوبة، فتشبيهُ أحد البابين بالآخر تلبيسٌ وجهل. وأمَّا تركيبُ الجسم من الهَيُولى والصورة فأكثرُ العقلاء نفَوْه (١)، وقالوا: هو شيءٌ واحدٌ متصلٌ متواردٌ عليه الاتصال والانفصال، كما يتواردُ عليه غيرُها من الأعراض فيقبلُها، ولا يلزمُه من قبوله الاتصالَ

стр. 1357

والانفصال (١) أن يكون هناك شيءٌ آخرُ غير الجسميَّة يقبلُ به ذلك، والذين قالوا بتركيبه منهما لم يقل أحدٌ منهم أصلًا: إنه مركَّبٌ من ذكرٍ وأنثى. والصورةُ مؤنثةٌ في اللفظ لا في الطبيعة. واضحاك لهم على (٢) عقولهم السخيفة! وأمَّا دلالةُ الشَّمس على الأب وهو مذكَّر، ودلالةُ القمر على الأمِّ وهي أنثى، فلو سلِّمت لكم هذه الدَّلالة، كيف يلزمُ منها تذكيرُ ما دلَّ على الذَّكر وتأنيثُ ما يدلُّ على الأنثى؟! وأين الارتباطُ العقليُّ بين الدليل والمدلول في ذلك؟ كيف، ودلالةُ الشَّمس على الأب والقمر على الأمِّ مبنيٌّ على تلك الدعاوى الباطلة التي ليس لها مستندٌ [تستندُ] (٣) إليه إلا خيالاتٌ وأوهامٌ لا يرضاها العقلاء؟! وأمَّا ما حكوه عن أرسطو فنقلٌ محرَّف، ونحن نذكرُ نصَّه في الكتاب المذكور، فإنَّ لنا به نسخةً مصحَّحةً قد اعتُني بها (٤). قال في المقالة الثامنة عشرة ــ بعد أن تكلَّم في علَّة الإذكار والإيناث وذَكَر قولَ من قال: إنَّ سببَ الإذكار حرارةُ الرَّحِم وسببَ الإيناث برودتُه، وأبطَل هذا بأنَّ الرَّحِمَ مشتملٌ على الذكر والأنثى معًا في الإنسان وفي كلِّ حيوان يلد ــ، قال: فقد كان ينبغي على قول هذا القائل أن يكونَ التوأمان إمَّا

стр. 1358

ذكرين وإمَّا أنثيَين، ــ وأبطله بوجوهٍ أخر ــ، وهذا رأيُ إنبدُقليس (١). وذَكَرَ قولَ دِيمُقراطِيس أنَّ ذلك ليس لأجل حرارة الرَّحِم وبرودته، بل بحسب الماء الذي يخرُج من الذَّكر وطبيعته في الحرارة والبرودة، وجَعَل قوَّة الإذكار والإيناث تابعةً لماء الذَّكر. وذَكَر قولَ طائفةٍ أخرى أنَّ خروجَ الماء من الناحية اليمنى من البدن هي علةُ الإذكار، وخروجَه من الناحية اليسرى هي علةُ الإيناث، قال: إنَّ الناحيةَ اليمنى من الجسد أسخنُ من الناحية اليسرى وأنضجُ وأدفأُ من غيرها. ورجَّحَ قولَ دِيمُقراطِيس بالنسبة إلى هذه الآراء، ثم قال: فقد بينَّا العلَّة التي من أجلها يُخْلَقُ في الرَّحِم ذكرٌ وأنثى، والأعراض التي تَعرِضُ تشهدُ لما بينَّا، فإنَّ (٢) الأحداثَ يلدون الإناثَ أكثر من الشَّباب، والمتشيِّبين (٣) يلدون إناثًا أيضًا أكثر من الشباب؛ إذ (٤) الحرارةَ التي في الأحداث ليست بتامَّةٍ بعد، والحرارةَ التي في الشُّيوخ ناقصة، والأجسامُ الرطبةُ التي خِلْقتُها (٥) شبيهةٌ بخِلقة بعض النساء تلدُ إناثًا أكثر. ثمَّ قال: فإذا كانت الريحُ شَمالًا كان الولدُ ذكرًا، وإذا كانت جَنوبًا كان المولودُ أنثى؛ لأنَّ الأجسادَ إذا هبَّت الجَنوبُ كانت رطبة، وكذلك يكونُ

стр. 1359

الزرعُ (١) أكثر، وكلَّما كَثُرَ الزرعُ يكونُ الطَّبخُ غيرَ نضيج، ولحالِ هذه العلة يكونُ زرعُ الذُّكور أرطب، ويكونُ دمُ طَمْثِ النساء من قِبَل الطِّباع عند خروجه أرطبَ أيضًا. قلت: ومراده بالزرع الماءُ الذي يكونُ من الرجل. قال: ولحالِ هذه العلة يكونُ طمثُ النساء من قِبَل الطِّباع في نقص الأهلَّة أكثر؛ لأنَّ تلك الأيامَ أبردُ من سائر أيام الشَّهر، وهي أرطبُ أيضًا؛ لنقص الأهلَّة وقلة الحرارة، والشَّمس تصير (٢) الصيفَ والشتاء في كلِّ سنة، فأمَّا القمرُ فيفعل ذلك في كلِّ شهر. فتأمَّل كلامَ الرجل، فإنه لم يتعرَّض لكون القمر ذكرًا ولا أنثى، ولا أحال على ذلك، وإنما أحال على الأمور الطبيعية في الكائنات الفاسدات، وبيَّن تأثيرَ النيِّرين في الرُّطوبة واليُبوسة والحرارة والبرودة، وجعَل لذلك تأثيرًا في الإذكار والإيناث، لا للنجوم والطوالع. ومع أنَّ كلامه أقرب إلى العقول من كلام المنجِّمين، فهو باطلٌ من وجوهٍ كثيرةٍ معلومةٍ بالحسِّ والعقل وأخبار الأنبياء (٣)؛ فإنَّ الإذكارَ والإيناثَ لا يقومُ عليه دليل، ولا يستندُ إلى أمرٍ طبيعي، وإنما هو مجرَّدُ مشيئة الخالق الباراء المصوِّر الذي ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].

стр. 1360

ولهذا هو قرينُ الأجل والرِّزق والسَّعادة والشَّقاوة، حيث يستأذنُ المَلَكُ الموكَّل بالمولود ربَّه وخالقَه، فيقول: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ سعيدٌ أم شقيٌّ؟ فما الرِّزق؟ فما الأجل؟ فيقضي الله ما يشاء، ويكتبُ المَلَك. ولاستقصاء الكلام في هذه المسألة موضعٌ هو أليقُ بها من هذا، وقد أشبعنا الكلامَ فيها في كتاب «الرُّوح والنفس وأحوالها وشقاوتها وسعادتها ومقرِّها بعد الموت» (١). والمقصودُ الكلامُ على أقوال الأحكاميِّين من أصحاب النجوم، وبيانُ تهافُتِها، وأنها إلى المُحالات والتخيُّلات أقربُ منها إلى العلوم والحقائق. وأمَّا قولُ المنتصر لكم: إنَّ الشَّمس إذا كانت مسامتةً للرؤوس كان الحرُّ واليُبس، وهما من طبيعة الذُّكور، وإذا كان القمرُ مسامتًا للرؤوس كان البردُ والرطوبة، وهما من طبيعة الإناث. فيقال: هذا لا يدلُّ على تأنيث القمر وتذكير الشَّمس بوجهٍ من الوجوه؛ فإنَّ البردَ والرُّطوبةَ يكونان أيضًا بسبب بُعْدِ الشَّمس من المسامتة ومَيْلها عن الرؤوس، وحصولها في البروج الشمالية، سواءٌ كان القمرُ مسامتًا أو غير مسامت، فينبغي على قولكم أن يكون سببُ هذا البرد أنثى، وهذا لا يقولُه عاقل، بل الأسبابُ طبيعيةٌ مِن بَردِ الهواء وتكاثُفه وضعفِ (٢) تأثير الشَّمس في تحليل الأبخرة التي تكونُ منها الحرارةُ بسبب بعدها عن الرؤوس،

стр. 1361

وليس سببُ ذلك أنثى اقتضته وفعلَته. فقد جمعتم إلى جهلكم بالطبيعة، والكذب على الخِلقة، القولَ الباطلَ على الله وعلى خلقه. وليس العجبُ إلا ممَّن يدَّعي شيئًا من العقل والمعرفة، كيف ينقادُ له عقلُه بالإصغاءِ إلى مُحالاتكم وهذياناتكم؟! ولكنْ كلُّ مجهولٍ مَهِيب! ولمَّا تكايَسَ مَن تكايسَ منكم في أمر الهَيُولى وزعَم أنها أنثى، وأنَّ الصُّورةَ ذكر، وأنَّ الجسمَ الواحدَ مشتملٌ على الذكر والأنثى، أضحَك عقلاءَ الفلاسفة عليه، فإنَّ زعيمَهم ومعلِّمهم الأول (١) قد نصَّ في كتاب «الحيوان» له على أنَّ الهَيُولى في الجسم (٢) كالذَّكر. وإن قلتم: فهذا يشهدُ لقولنا أيضًا؛ لأنها إن كانت عنده كالذَّكر فالصورةُ أنثى، فصار الجسمُ الواحدُ بعضُه ذكرٌ وبعضه أنثى. قلنا: القائلون بتركُّب الأجسام (٣) من الهَيُولى والصورة لم يقولوا: إنَّ أحدهما متميِّزٌ عن الآخر، كما زعمتم ذلك في أجزاء الفلك، بل عندهم الهَيُولى والصورة قد اتحدا وصارا شيئًا واحدًا، فالإشارةُ الحِسِّيةُ إلى أحدهما هي بعينها إشارةٌ إلى الآخر، وأنتم جعلتم الجزء المذكَّر من الفلك (٤) مباينًا للجزء الأنثى منه بالوضع والحقيقة، والإشارةَ إلى أحدهما غيرَ الإشارة إلى الآخر.

стр. 1362

وللكلام مع أصحاب الهَيُولى مقامٌ آخرُ ليس هذا موضعه (١)؛ فإنَّ دعوى تركُّب الجسم منهما دعوى فاسدةٌ من وجوهٍ كثيرة، وليس يصحُّ شيءٌ هنا غيرُ الهَيُولى الصِّناعية؛ كالخشب للسَّرير، والطبيعيَّة؛ كالمنيِّ للمولود، وهي المادةُ الصِّناعيةُ والطبيعيَّة، وما سوى ذلك فخيالٌ ومحال، والله المستعان. عُدنا إلى كلام صاحب الرسالة، قال: «ومن ذلك (٢): زعمُهم أنه إن اتفقَ مولودٌ ابنُ ملكٍ وابنُ حجَّامٍ في البلد والوقت والطالع والدرجة، وكانت سائرُ دلالات السعادة موجودةً في مَولِدَيهما، وَجَبَ أن يكون من ابن الملك مَلِكٌ جليلٌ سائسٌ مدبِّر، ومن ابن الحجَّام حجَّامٌ حاذق. وهذا يُخرِجُ النجومَ عن أن تكونَ تدلُّ على ما يتجدَّدُ من حال الإنسان، ويجعلُها تدلُّ على حِذقه في صناعة أبيه (٣) وتقصيره فيها». قلت: وممَّا يوضِّحُ فسادَ قولهم في ذلك أنَّ بَطْليموس جعَل الكواكبَ الدَّالة على الصِّناعات ثلاثة: المرِّيخ والزُّهَرة وعطارد، وقال: لأنَّ الصناعات العملية تحتاجُ إلى ثلاثة أشياء ضرورةً، أحدها: المعرفة، والثاني: الآلة، والثالث: لطافةٌ (٤) في الكفِّ؛ ليخرُج المعمولُ المصنوعُ حسنًا.

стр. 1363

فالآلةُ للمرِّيخ، وتكونُ ــ على الأكثر ــ إمَّا حديدًا وإمَّا مصاحبةً للحديد (١)، ولذلك يقولون: صورتُه صورةُ شابٍّ بيمناه سيفٌ مسلول، وبيسراه رأسُ إنسان (٢)، وهو راكبٌ أسدًا، وثيابه حُمْرٌ تَلْهَب. وآخرون منهم يقولون: على رأسه بيضةٌ، وبيسراه طَبَرْزِين (٣)، وعليه خرقةٌ حمراء، وهو راكبٌ فرسًا أشهَب. والمعرفةُ لعطارد، ولذلك يقولون: صورتُه صورةُ شابٍّ بيمناه حيَّة، وبيسراه لوحٌ يقرؤه، وهو راكبٌ على طاووس. ومنهم من يقول: صورتُه صورةُ رجلٍ جالسٍ على كرسيٍّ، بيده مصحفٌ يقرؤه، وهو راكبٌ على طاووس (٤)، وعلى رأسه تاج، وثيابه ملوَّنة (٥). والتزاويقُ والنقوشُ وما شاكلَ ذلك للزُّهَرة، ولذلك يقولون: صورتُها صورةُ امرأةٍ حسناء، بين يديها مِزْهَرٌ تضربُ به (٦)، وهي راكبةٌ على جمل.

стр. 1364

ومنهم من يقول: امرأةٌ جالسةٌ مُرخاةُ الشَّعر، ذوائبُها بيسراها وباليمنى مرآةٌ تنظرُ فيها (١)، مُصبغةُ الثوب (٢)، وعليها طوقٌ وأسْوِرةٌ وخلاخِل. وأمَّا الشَّمس والقمرُ، فهما الدَّالَّان على المُلْك، فالشَّمسُ صورتُها صورةُ رجلٍ بيده اليمنى عصا يتوكَّأ عليها، وباليسرى مِرْزبَّة (٣)، راكبٌ عجلةً تجرُّها أربعةُ نمور. ومنهم من يقول: صورتُها صورةُ رجلٍ جالسٍ قابضٍ على أربعةِ أعِنَّة أفراس، ووجهه كالطَّبق يلتهبُ نارًا (٤). قالوا: ودلائلُ المُلْك ليست بأعيانها هي دلائل الصِّناعات، ولا دلائل (٥) الصِّناعات هي دلائل المُلك، بل قد يجوزُ أن تدلَّ على رياسةٍ ما إلا أن المُلكَ أخصُّ من الرياسة، ولكلِّ واحدٍ من الكواكب على الإطلاق دلالةٌ على رياسةٍ ما في معنى من المعاني. فيقال: أرأيتم إن حصلت أدلَّةُ المُلك (٦) في طالع مولودٍ ليس من المُلك في شيء، بل أكثرُ المولودين لا ينالون المُلكَ البتة، وإنما ينالُه واحدٌ

стр. 1365

من الناس، ولا يلزمُ أن يكون في آبائه مَلِكٌ ولا يكون ابنَ مَلِك، فما بال طالع المُلك المشتَرك بين عدَّة أولادٍ خَصَّ هذا وحدَه؟! حتى إنَّ أكثركم ينظرُ بنصِّ بَطْليموس إلى جنس المولود وما يصلحُ له، فيحكمُ على ابن المَلكِ بالمُلك، وعلى ابن الحجَّام بالحِجامة، فإن كان طالعُهما واحدًا حكم بتقدُّم ابن الحجَّام في رياسةِ صناعتِه وكونِه كمَلكِهم. ومعلومٌ أنَّ الحِسَّ والوجودَ أكبرُ المكذِّبين لكم في هذه الأحكام، فما أكثرَ من نال المُلكَ وليس هو من أبناء الملوك البتة، ولا كان طالعُه يقتضي ذلك، وحُرِمَه من يقتضيه طالعُه بزعمكم ممَّن أبوه مَلِك! وكذلك الكلامُ في غير المُلك من الطالع الذي يقتضي كونَ المولود حكيمًا عالمًا، أو حاذقًا في صناعته، كم قد أخلَف وحصَل العلمُ والحكمةُ والتقدُّمُ في الصِّناعة لغير أرباب ذلك الطالع! وفي ذلك أبينُ تكذيبٍ لكم وإبطالٍ لقولكم، والله المستعان. قال صاحبُ الرِّسالة: «ومن ذلك (١): قولهم: إنَّ الكواكبَ المتحيِّرةَ أجلُّ من الثوابت، وأبينُ تأثيرًا في العالَم، وإنَّ كلَّ واحدٍ من الكواكبِ الثابتة يفعلُ فعلًا واحدًا لا يزولُ عنه من غير أن يَنْحَسَ أو يُسْعِد، وإنَّ عطارد ــ وهو (٢) من الكواكب المتحيِّرة ــ ليس له طبْعٌ يُعْرَف، وأنه نحسٌ إذا قارن النُّحوس، وسعدٌ إذا قارن السُّعود.

стр. 1366

ومن ذلك قولهم: إنَّ قوةَ القمر الترطيب، وإنَّ العلةَ في ذلك قربُ فلكِه من الأرض، وقبولُه للبخارات الرَّطبة التي ترتفعُ إليه منها، وإنَّ قوة زُحل أن يُبرِّد ويجفِّف تجفيفًا يسيرًا، وإنَّ علَّة ذلك بعدُه عن حرارة الشَّمس وعن البخارات الرَّطبة التي ترتفعُ من الأرض، وإنَّ قوةَ المرِّيخ مجفِّفةٌ مُحرِقة، لمشاكلة لونه للون النار، ولقربه من الشَّمس؛ لأنَّ الكرةَ التي فيها الشَّمس موضوعةٌ تحته». قلت: فليتأمَّل العاقلُ ما في هذا الكلام (١) من ضروب المحال. وما للفلَك ووصول البخارات الأرضية إليه! وهل في قوَّة البخارات تصاعدُها إلى سطح الفلك مع البُعد المُفْرِط؟! والبخارُ إذا ارتفعَ فغايةُ ارتفاعه كارتفاع السَّحاب، لا يتعدَّاه، وهل تتأثَّر العُلويَّات بطبائع السُّفليَّات وتتكيَّف بكيفيَّاتها وتنفعِل عنها؟! ومما يدلُّ على فساد ذلك أيضًا: أنَّ القمرَ لو كان يترطَّبُ من البخارات وجبَ أن تزدادَ رطوبتُه في كلِّ يوم؛ لأنه دائمُ القبول للبخارات. ولا يقولون ذلك. وإن التزمه منهم مكابرٌ، وقال: كلُّ يومٍ يزدادُ رطوبةً، قيل له: فما تُنكِرُ أن تكون دلالةُ زُحَل والمريِّخ على النُّحوس تتزايدُ وتكونُ دلالته على النُّحوس في اليوم أكثر من دلالته في الأمس؟! ولو فُتِحَ عليكم هذا البابُ فلعل السَّعْدَ ينقلبُ نحسًا، وبالعكس، وهذا يرفعُ الأمانَ عن أصول هذا العلم.

стр. 1367

وأيضًا؛ فإذا جوَّزتم انفعالَ الفلكيَّات عن أجزاء هذا العالم السُّفليِّ لَزِمَكم تجويزُ فساد هذه الكواكب من هذه الأجزاء (١) العنصريَّة، ولزمكم تجويزُ أن يرتفعَ إلى القمر من الأدخِنة ما يوجبُ جفافَه وبلوغَه في اليُبس الغاية. وأيضًا؛ فإذا جوَّزتم ذلك فَلِمَ لا تجوِّزون نفوذَ تلك البُخَارات إلى ما وراء فلَك القمر، حتى يترطَّب فلَكُ الأفلاك؟! فإن قلتم: فلكُ القمر عائقٌ عن ذلك. قلنا: وكرةُ الأثير (٢) حائلةٌ بين عالمنا هذا وبين فلك القمر، فكيف جوَّزتم وصولَ البُخارات الأرضيَّة إلى فلَك القمر؟! [وأما زعمهم أنَّ في] (٣) مشابهة لون المرِّيخ للون النَّار ما يقتضي (٤) تأثيره الإحراقَ والتجفيف، فهل في الهذَيان أعجبُ من هذا؟! فإن أرادوا النارَ البسيطة فإنها لا لونَ لها، وإن أرادوا النارَ الحادثةَ فهي بحسب مادَّتها التي توجبُ حُمْرتَها وصُفْرتها وبياضها.

стр. 1368

وأمَّا كونُ الشَّمس تحته فهذا لا يقتضي تأثيرَها فيه، وإعطاءه قوَّة التَّجفيف والإحراق؛ فإنَّ الشَّمس لو أثَّرت فيه ذلك وأعطته إيَّاه لكانت بهذا التأثير والإعطاء للزُّهَرة أولى؛ لأنَّ كُرتَها (١) فوق كرة الزُّهَرة، ونسبتها إلى كرة الزُّهَرة كنسبتها إلى كرة المرِّيخ، فهلَّا كانت قوَّةُ الزُّهَرة التجفيفَ والإحراق؟! بل تأثيرُ الشَّمس فيما تحتها أولى من تأثيرها فيما فوقها. قال صاحبُ الرسالة: «وإنَّ الكواكبَ الثَّابتةَ (٢) التي في الدُّبِّ الأكبر (٣) قوَّتُها كقوة المرِّيخ. وهذا غلطٌ عظيم؛ لأنَّ لونَ هذه الكواكب غيرُ مُشْبِهٍ للون النار، وليست الكرةُ التي فيها الشَّمس موضوعةً تحتها، بل الكرةُ التي فيها زُحَل موضوعةٌ تحتها، فهي بأن يكون حالُها مُشْبِهًا لحال زُحَل أولى؛ لأنها فوقه، وبُعْدُها عن الشَّمس وعن حرارات الأرض أكثرُ مِن بُعْدِه». قلت: والعجبُ من هؤلاء، يعلَمون قولَ مُقَدَّمهم بَطْليموس: إنَّ طبائعَ الأجرام السَّماوية واحدة؛ ثمَّ يحكمون على بعضها بالحرارة، وعلى بعضها بالبرودة، وكذلك بالرُّطوبة واليُبوسة! قال: «وزعموا أنَّ عطاردَ معتدلٌ في التجفيف والترطيب؛ لأنه لا يَبْعُدُ في وقتٍ من الأوقات عن حَرِّ الشَّمس بُعْدًا كثيرًا، ولا وَضْعُه فوق كرة القمر، وأنَّ الكواكبَ الثابتةَ التي في الجاثي (٤) حالُها شبيهةٌ بحاله، وليس يوجَدُ لها

стр. 1369

من السَّببين (١) اللذَيْن دلَّا على طبيعة عطارد شيئًا، بل الذي (٢) يوجَدُ لها ضدُّ ذلك، وهو أنها بعيدةٌ من الشَّمس في أكثر الأوقات، وأن فلكها أبعدُ أفلاك الكواكب من كرة القمر. وقالوا: إنَّ الكواكبَ التي في العواء (٣) تشبهُ حالَ عطارد وزُحَل في بعض الأوقات، وتشبهُ حالَ المشتري والمرِّيخ في بعضها». قلت: وقد استدلَّ فضلاؤكم (٤) على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها، فقالوا: زُحَل لونُه الغُبْرة والكُمُودة (٥)، فحكمنا بأنه على طبع السَّوداء، وهو البردُ واليُبس، فإنَّ السوداء لها من الألوانِ الغُبْرةُ. وأمَّا المرِّيخُ، فإنه يشبهُ لونُه لونَ النار، فلا جرَمَ قلنا: طبعُه حارٌّ يابس. وأمَّا الشَّمس، فهي حارَّةٌ يابسة؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ لونها يشبهُ لونَ الحُمْرة. الثاني: أنَّا نعلمُ بالبديهة (٦) أنها مسخِّنةٌ للأجسام، منشِّفةٌ للرطوبات.

стр. 1370

وأمَّا الزُّهَرة، فإنَّا نرى لونَها كالمركَّب من البياض والصُّفْرة، ثمَّ إنَّ البياض يدلُّ على طبيعة البلغم الذي هو البردُ والرطوبة، والصُّفرة تدلُّ على الحرارة. ولما كان بياضُ الزُّهَرة أكثر من صُفْرتها حكمنا عليها بأنَّ بردَها ورطوبتَها أكثر. وأمَّا المشتري، فلمَّا كانت صُفْرتُه أكثر مما في الزُّهَرة كانت سخونتُه أكثر من سخونة الزُّهَرة، وكان في غاية الاعتدال (١). وأمَّا القمر، فهو أبيض، وفيه كُمُودة، فبياضُه يدلُّ على البرد (٢). وأمَّا عطارد، فإنا نراه على ألوانٍ مختلفة (٣)، فربما رأيناه أخضر، وربما رأيناه أغبَر، وربما رأيناه على خلاف هذين اللَّونين، وذلك في أوقاتٍ مختلفة، مع كونه في الأفق على ارتفاعٍ واحد، فلا جَرَمَ قلنا: إنه لكونه قابلًا للألوان المختلفة يجبُ أن يكونَ له طبائعُ مختلفة، إلا أنا لمَّا وجدنا في الغالب عليه الغُبرة الأرضية، قلنا: طبيعته أميَلُ إلى الأرض واليُبس. وهذا التقريرُ باطلٌ من وجوهٍ عديدة (٤): أحدها: أنَّ المشاركةَ في بعض الصِّفات لا تقتضي المشاركةَ في الماهيَّة
следующие страницы →