← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. وقيل: لآدم وحوَّاء وذريتهما. وهذه الأقوالُ ضعيفةٌ غير الأول؛ لأنها بين قولٍ لا دليل عليه، وبين ما يدلُّ ظاهرُ الخطاب على خلافه؛ فثبت أنَّ إبليس داخلٌ في هذا الخطاب، وأنه من المُهْبَطين من الجنة. ثم قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وهذا الإهباطُ الثاني لا بدَّ أن يكون غيرَ الأوَّل، وهو إهباطٌ من السماء إلى الأرض؛ وحينئذٍ فتكون الجنةُ التي أُهْبِطوا منها أوَّلًا فوق السماء، وهي جنةُ الخلد. وقد ذهبت طائفةٌ ــ منهم الزمخشريُّ ــ إلى أنَّ قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ خطابٌ لآدم وحوَّاء خاصَّة، وعبَّر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذريَّاتهما (١). قال: "والدليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ". قال: "ويدلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]، وما هو إلا حكمٌ يعمُّ الناسَ كلهم، ومعنى ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ

стр. 142

عَدُوٌّ﴾ ما عليه الناسُ من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض" (١). وهذا الذي اختاره أضعفُ الأقوال في الآية؛ فإنَّ العداوةَ التي ذكرها اللهُ في كتابه (٢) إنما هي بين آدم وإبليس وذرياتهما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (٣)، وأمَّا آدمُ وزوجُه فإنَّ الله سبحانه أخبر في كتابه أنه خلقها منه ليَسْكُنَ إليها، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فهو سبحانه جعَل المودةَ بين الرجل وزوجه، وجعل العداوة بين آدمَ وإبليسَ وذرياتهما. ويدلُّ عليه ــ أيضًا ــ عَوْدُ الضَّمير إليهم بلفظ الجمع، وقد تقدَّم ذكرُ آدمَ وزوجه وإبليس في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، فهؤلاء ثلاثة: آدم، وزوجه، وإبليس؛ فلماذا يعودُ الضميرُ على بعض المذكور (٤) مع منافرته لطريق الكلام، ولا يعودُ على جميع المذكور مع أنه وَجْهُ الكلام؟! فإن قيل: فما تصنعون بقوله في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وهذا خطابٌ لآدم وحوَّاء، وقد أخبر بعداوة بعضهم بعضًا؟

стр. 143

قيل: إما أن يكون الضميرُ في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ راجعًا إلى آدمَ وزوجِه، أو يكون راجعًا إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجةَ لأنها تَبَعٌ له. وعلى الثاني؛ فالعداوةُ المذكورةُ للمخاطَبين بالإهباط، وهما آدمُ وإبليس. وعلى الأول؛ تكون الآيةُ قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمرُه لآدمَ وزوجِه بالهبوط. والثاني: جعلُه العداوةَ بين آدمَ وزوجه وإبليس. ولا بدَّ أن يكون إبليس داخلًا في حكم هذه العداوة قطعًا، كما قال تعالى له (١): ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]، وقال لذريته: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. وتأمَّل كيف اتفقت المواضعُ التي فيها العداوةُ على ضمير الجمع دونَ التثنية، وأما ذِكرُ الإهباط فتارةً يأتي بلفظ ضمير الجمع، وتارةً بلفظ التثنية، وتارةً يأتي بلفظ الإفراد لإبليسَ وحده، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، فهذا الإهباطُ لإبليس وحده، والضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ قيل: إنه عائدٌ إلى الجنة. وقيل: عائدٌ إلى السماء. وحيث أتى (٢) بصيغة الجمع، كان لآدمَ وزوجِه وإبليس؛ إذ مدارُ القصَّة عليهم.

стр. 144

وحيثُ أتى بلفظ التثنية، فإمَّا أن يكون لآدمَ وزوجِه ــ إذ هما اللذان باشرا الأكلَ من الشجرة وأقدما على المعصية ــ، وإمَّا أن يكون لآدمَ وإبليس ــ إذ هما أبوَا الثقلين ــ، فذكر حالهما وما آل إليه أمرُهما؛ ليكون عظةً وعبرةً لأولادهما. والقولان محكيَّان في ذلك. وحيث أتى بلفظ الإفراد، فهو لإبليسَ وحدَه. وأيضًا؛ فالذي يوضِّح أنَّ الضمير في قوله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ لآدمَ وإبليس: أنَّ الله سبحانه لمَّا ذكَر المعصية أفردَ بها آدمَ دون زوجِه، فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، وهذا يدلُّ على أنَّ المخاطَب بالإهباط هو آدمُ ومن زيَّن له المعصية، ودخلت الزوجةُ تبعًا. وهذا لأنَّ المقصودَ إخبارُ الله تعالى لعباده المكلفين من الجنِّ والإنس بما جرى على أبويهما من شُؤم المعصية ومخالفة الأمر؛ لئلَّا يقتدوا بهما في ذلك؛ فذِكْرُ أبوي الثَّقلين أبلغُ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبَر الله سبحانه عن الزوجة أنها أكلت مع آدم، وأخبَر أنه أهبطَه وأخرجَه (١) من الجنة بتلك الأكلة؛ فعُلِمَ أنَّ هذا اقتضاءُ حكم الزوجة، وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم؛ فكان تجريدُ العناية إلى ذِكر حال الأبوين اللذين هما أصلُ الذرية أولى من تجريدها إلى ذكر أبي الإنس وأمِّهم، والله أعلم.

стр. 145

وبالجملة؛ فقولُه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ظاهرٌ في الجمع، فلا يسوغُ حملُه على الاثنين في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾. قالوا: وأمَّا قولكم: إنه كيف وسوسَ لهما بعد إهباطه من الجنة؟ ومحالٌ أن يصعدَ إليها بعد قوله تعالى له: ﴿اهْبِطْ مِنْهَا﴾. فجوابُه من وجوه (١): أحدها: أنه أُخرِجَ منها ومُنِعَ من دخولها على وجه السُّكنى والكرامة واتخاذها دارًا، فمن أين لكم أنه مُنِعَ من دخولها على وجه الابتلاء والامتحان لآدمَ وزوجِه؟! ويكونُ هذا دخولًا عارضًا كما يدخل الشُّرَطُ دارَ من أُمِروا بابتلائه ومحنته، وإن لم يكونوا أهلًا لسكنى تلك الدار. الثاني: أنه كان يدنو من السماء فيكلِّمُهما ولا يدخلُ عليهما دارَهما. الثالث: أنه لعله قام على الباب فناداهما وقاسَمَهما ولم يَلِج الجنة. الرابع: أنه قد رُوِي أنه أراد الدخولَ عليهما، فمنعته الخَزَنة، فدخل في فم الحيَّة حتى دخلت به عليهما، ولا يشعرُ الخزنةُ بذلك (٢). قالوا: ومما يدلُّ على أنها جنةُ الخلد بعينها أنها جاءت مُعَرَّفةً بلام التعريف في جميع المواضع، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، ولا جنةَ يعهدُها المخاطَبون ويعرفونها إلا جنةَ الخُلدِ التي وَعَدَ الرحمنُ عبادَه

стр. 146

بالغيب، فقد صار هذا الاسمُ عَلَمًا عليها بالغَلَبة، وإن كان في أصل الوضع (١) عبارةً عن البستان ذي الثمار والفواكه، وهذا كالمدينة لـ "طيبة" والنجم لـ "الثريا"، ونظائرها. فحيثُ ورد اللفظُ معرَّفًا بالألف واللام انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين، وأما إن أريد به جنةٌ غيرها فإنها تجيء منكَّرة، كقوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢]، أو مقيَّدةً بالإضافة، كقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩]، أو مقيَّدةً من السِّياق بما يدلُّ على أنها جنةٌ في الأرض، كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] الآيات؛ فهذا السِّياقُ والتقييدُ يدلُّ على أنها بستانٌ في الأرض. قالوا: وأيضًا؛ فإنه قد اتفق أهلُ السنة والجماعة على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، وقد تواترت الأحاديثُ عن النبي ﷺ بذلك، كما في "الصحيحين" عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ أحدَكم إذا مات عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداة والعشيِّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدُك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (٢). وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدريِّ عن النبي ﷺ قال: "اختصمت الجنةُ والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلُني إلا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم؟ وقالت النار: ما لي لا يدخلُني إلا الجبَّارون والمتكبِّرون؟ فقال

стр. 147

للجنة: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذِّبُ بك من أشاء" الحديث (١). وفي "السنن" عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لما خلق الله الجنةَ والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددتُ لأهلها. قال: فذهبَ فنظر إليها وإلى ما أعدَّ الله لأهلها ... " الحديث (٢). وفي "الصحيحين" (٣) في حديث الإسراء: "ثمَّ رُفِعَت لي سِدْرةُ المنتهى، فإذا ورقُها مثل آذان الفُيول، وإذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَر، وإذا أربعةُ أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أمَّا النهران الظاهران فالنيلُ والفرات، وأمَّا الباطنان فنهران في الجنة". وفيه أيضًا: "ثمَّ أُدْخِلتُ الجنة، فإذا جَنابِذُ اللؤلؤ (٤)، وإذا ترابها المسك" (٥). وفي "صحيح البخاري" (٦) عن أنس عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا بنهرٍ حافَتاه قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّف، قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك ربُّك. فضرب المَلَكُ بيده فإذا طينُه

стр. 148

مِسكٌ أَذْفَر". وفي "صحيح مسلم" (١) في حديث صلاة الكسوف أنَّ النبي ﷺ جعل يتقدَّمُ ويتأخَّرُ في الصلاة، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "إنه عُرِضَت عليَّ الجنةُ والنار، فقُرِّبت منِّي الجنة حتى لو تناولتُ منها قِطْفًا لأخذتُه، فلو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَت الدنيا". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن ابن مسعودٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]: أنَّ "أرواحهم في جوف طيرٍ خُضر، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرش، تسرَحُ من الجنة حيث شاءت، ثمَّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع عليهم ربُّك اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أيَّ شيءٍ نشتهي ونحن نسرحُ من الجنة حيث شئنا؟! ... " الحديث. وفي الصحيح (٣) من حديث ابن عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لما أصيبَ إخوانُكم بأحدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ تَرِدُ أنهارَ

стр. 149

الجنة، وتأكلُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلَّقةٍ في ظلِّ العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم، قالوا: من يُبَلِّغ عنَّا إخواننا أنَّا في الجنة نُرزَق؛ لئلَّا يزهَدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عن الحرب؟ فقال الله: أنا أبلِّغُهم عنكم؛ فأنزل الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية" (١). وفي "الموطأ" (٢) من حديث كعب بن مالكٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يَعْلقُ في الجنَّة حتى يُرْجِعَه اللهُ إلى جسده يوم يبعثُه". وفي "البخاري" (٣) أنَّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ لما توفِّي قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ له مُرْضِعًا في الجنة". وفي "صحيح البخاري" (٤) عن عمران بن حصين، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اطَّلعتُ في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها النساء".

стр. 150

والآثارُ في هذا الباب أكثر من أن تُذْكَر (١). وأمَّا القولُ بأنَّ الجنة والنار لم تخلقا بعد، فهو قولُ أهل البدع من ضُلَّال المعتزلة ومن قال بقولهم (٢)، وهم الذين يقولون: إنَّ الجنة التي أُهْبِطَ منها آدمُ إنما كانت جنةً بشرقيِّ (٣) الأرض. وهذه الأحاديثُ وأمثالُها تردُّ قولهم. قالوا: وأمَّا احتجاجُكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة، وأنها منتفيةٌ في الجنة التي أُسكِنَها آدم، من اللغو والكذب، والنَّصَب والعُرْي، وغير ذلك؛ فهذا كلُّه حقٌّ، لا ننكره نحن ولا أحدٌ من أهل الإسلام؛ ولكن هذا إنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدلُّ عليه سياقُ الكلام، وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين آدم وإبليسَ ما حكاه الله من الامتحان والابتلاء، ثم (٤) يصيرُ الأمرُ عند دخول المؤمنين إليها إلى ما أخبر الله به؛ فلا تنافي بين الأمرين. قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الجنة دارُ جزاءٍ وثواب، وليست دار تكليف، وقد كلَّف الله سبحانه آدمَ فيها بالنهي عن الشجرة. فجوابُه من وجهين:

стр. 151

أحدهما: أنها إنما يمتنعُ أن تكون دارَ تكليفٍ إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، فحينئذٍ ينقطعُ التكليف، وأما امتناعُ وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل عليه. الثاني: أنَّ التكليفَ فيها لم يكن بالأعمال التي يُكلَّف بها الناسُ في الدنيا، من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنما كان حَجْرًا عليه في شجرةٍ من جملة أشجارها (١)، وهذا لا يمتنعُ وقوعُه في جنة الخلد، كما أنَّ كلَّ أحدٍ محجورٌ عليه أن يَقْرَبَ أهلَ غيره فيها. فإن أردتم بأنَّ الجنة ليست دارَ تكليفٍ امتناعَ وقوع مثل هذا فيها في وقتٍ من الأوقات فلا دليل لكم عليه، وإن أردتم أنَّ غالبَ التكاليف التي تكونُ في الدنيا منتفيةٌ فيها فهو حقٌّ ولكن لا يدلُّ على مطلوبكم. قالوا: وهذا كما أنه مُوجَبُ الأدلة، فهو قولُ (٢) سلف الأمة، فلا نعرفُ (٣) بقولكم قائلًا من أئمة العلم، ولا يُعَرَّجُ عليه، ولا يُلْتفَت إليه. وقال الأولون: الجوابُ عمَّا ذكرتم من وجهين؛ مجمل ومفصَّل: أما المجمل: فإنكم لم تأتوا على قولكم بدليلٍ يتعيَّنُ المصيرُ إليه، لا من قرآنٍ، ولا من سنَّة، ولا من أثرٍ ثابتٍ عن أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا التابعين، لا مسندًا ولا مقطوعًا. ونحن نُوجِدُكم من قال بقولنا:

стр. 152

هذا أحدُ أئمة الإسلام سفيانُ بن عيينة، قال في قوله : ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ قال: "يعني في الأرض" (١). وهذا عبد الله بن مسلم بن قتيبة، قال في "معارفه" (٢) ــ بعد أن ذكر خلقَ الله لآدم وزوجه ــ: "إنَّ الله سبحانه أخرجه من مشرق جنة عدنٍ إلى الأرض التي منها أُخِذ". وهذا أُبيٌّ قد حكى الحسنُ عنه أنَّ آدم لما احتضرَ اشتهى قِطْفًا من قِطْف الجنة، فانطلقَ بنوه ليطلبوه له، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون يا بني آدم؟ قالوا: إنَّ أبانا اشتهى قِطْفًا من قِطْف الجنة، فقالوا لهم: ارجعوا فقد كُفِيتُموه، فانتهوا إليه، فقبضوا روحَه، وغسَّلوه، وحنَّطوه، وكفَّنوه، وصلَّى عليه جبريلُ وبنوه خلفَ الملائكة، ودفنوه، وقالوا: هذه سنَّتكم في موتاكم (٣).

стр. 153

وهذا أبو صالحٍ قد نقَل عن ابن عباس في قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، قال: "هو كما يقال: هَبَط فلانٌ في أرض كذا وكذا" (١). وهذا وهبُ بن منبه يذكرُ أنَّ آدم خُلِقَ في الأرض، وفيها سَكَن، وفيها نُصِبَ له الفردوس، وأنه كان بِعَدَن، وأن سَيْحُون وجَيْحُون والفرات انقسمت من النهر الذي كان في وسط الجنة، وهو الذي كان يسقيها (٢). وهذا منذرُ بن سعيد البلُّوطي، اختاره في "تفسيره"، ونصَره بما حكيناه عنه، وحكاه في غير التفسير (٣) عن أبي حنيفة ﵁ ومن قال بقوله، والذين ردُّوا عليه مقالتَه لم يُنكِروا نسبتَه إلى أبي حنيفة، وإنما ناقضوه بكونه خالف أبا حنيفة فيما خالفه فيه، فَلِمَ قال بقوله في هذه المسألة؟! وهذا أبو مسلمٍ الأصبهانيُّ صاحبُ "التفسير" وغيره، أحدُ الفضلاء المشهورين، قال بهذا وانتصر له واحتجَّ عليه بما هو معروفٌ في كتابه. وهذا أبو محمَّد عبد الحقِّ بن عطية ذكر القولين في "تفسيره" (٤) في قصَّة آدم في البقرة.

стр. 154

وهذا أبو محمَّد ابن حزم ذكر القولين في كتاب "الملل والنِّحل" له (١)، فقال: "وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهبُ إلى أنَّ الجنةَ والنار مخلوقتان (٢)، إلا أنه كان يقول: إنها ليست هي التي كان فيها آدمُ وامرأتُه". وممن حكى القولين أيضًا: أبو عيسى الرُّمَّاني (٣) في "تفسيره"، واختار أنها جنة الخلد. ثمَّ قال: "والمذهبُ الذي اخترناه: قولُ الحسن، وعمرو، وواصل (٤)، وأكثر أصحابنا، وهو قولُ أبي عليٍّ، وشيخنا أبي بكر، وعليه أهلُ التفسير".

стр. 155

وممن ذكر القولين: أبو القاسم الراغب (١) في "تفسيره" (٢)، فقال: "واختلف في الجنة التي أُسْكِنَها آدم، فقال بعض المتكلِّمين: كان بستانًا جعله الله تعالى له امتحانًا، ولم يكن جنة المأوى". ثمَّ قال: "ومن قال: لم تكن جنة الخلد (٣)؛ لأنه لا تكليفَ في الجنة، وآدمُ كان مكلَّفًا". قال: "وقد قيل في جوابه: إنما (٤) لا تكونُ دارَ تكليف (٥) في الآخرة، ولا يمتنعُ أن تكون في وقتٍ دارَ تكليفٍ دون وقت، كما أنَّ الإنسانَ يكونُ في وقتٍ مكلَّفًا دون وقت". وممن ذكر الخلافَ في المسألة: أبو عبد الله ابن الخطيب الرازي في "تفسيره" (٦)، فذكر هذين القولين، وقولًا ثالثًا ــ وهو التوقُّف ــ، قال: "لإمكان الجميع وعدم الوصول إلى القطع"، كما سيأتي حكايةُ كلامه. ومن المفسرين من لم يذكر غير هذا القول، وهو أنها لم تكن جنة الخلد، إنما كانت حيثُ شاء الله من الأرض. قالوا: وكانت تطلعُ فيها الشمسُ والقمر، وكان إبليسُ فيها ثمَّ أُخرِج.

стр. 156

قال (١): ولو كانت جنَّة الخلد لما أُخرِجَ منها. وممن ذكر القولين ــ أيضًا ــ: أبو الحسن الماوردي، فقال في "تفسيره" (٢): "واختُلِفَ في الجنة التي أُسْكِناها (٣) على قولين: أحدهما: أنها جنة الخلد. الثاني: أنها جنةٌ أعدَّها اللهُ لهما، وجعلها دارَ ابتلاء، وليست جنةَ الخلد التي جعلها اللهُ دارَ جزاء. ومن قال بهذا اختلفوا فيه على قولين: أحدُهما: أنها في السماء؛ لأنه أهبطهما منها. وهذا قولُ الحسن. الثاني: أنها في الأرض؛ لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نُهِيا عنها دون غيرها من الثمار. وهذا قولُ ابن بحر (٤).

стр. 157

وكان ذلك بعد أن أُمِرَ إبليسُ بالسُّجود لآدم. والله أعلمُ بصواب ذلك". هذا كلامه. وقال ابنُ الخطيب في "تفسيره" (١): "اختلفوا في أنَّ الجنةَ المذكورة في هذه الآية: هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السماء، فهل هي الجنةُ التي هي دارُ الثواب وجنةُ الخلد أو جنةٌ أخرى؟ فقال أبو القاسم البلخي (٢) وأبو مسلم الأصبهاني: هذه الجنةُ في الأرض. وحملا الإهباطَ على الانتقال من بقعةٍ إلى بقعة، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. القول الثاني ــ وهو قولُ الجُبَّائي ــ: أنَّ تلك الأرض كانت في السماء السابعة". قال: "والدليلُ عليه قولُه: ﴿اهْبِطُوا﴾. ثمَّ إنَّ الإهباطَ الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباطُ الثاني كان من السماء إلى الأرض". قال: "والقولُ الثالث ــ وهو قول جمهور أصحابنا ــ: أنَّ هذه الجنةَ هي

стр. 158

دارُ الثواب. والدليلُ عليه: أنَّ الألف واللَّام في لفظ "الجنة" لا يفيدُ العموم؛ لأنَّ سُكنى آدمَ جميعَ الجِنان (١) مُحال، فلا بدَّ من صرفها إلى المعهود السابق، والجنةُ التي هي المعهودةُ المعلومة بين المسلمين هي دارُ الثواب؛ فوَجَب صرفُ اللَّفظ إليها". قال: "والقولُ الرابع: أنَّ الكلَّ ممكن، والأدلةُ النقليةُ ضعيفةٌ ومتعارضة؛ فوجبَ التوقُّفُ وتركُ القطع". قالوا: ونحن لا نقلِّدُ هؤلاء، ولا نعتمدُ على ما حُكِيَ عنهم، والحجةُ الصحيحةُ حَكَمٌ بين المتنازعين. قالوا: وقد ذكرنا من الأدلَّة على هذا القول ما فيه كفاية. أمَّا الجوابُ المفصَّل: فنحن نتكلَّم على ما ذكرتم من الحُجَج؛ لينكشفَ وجه الصَّواب، فنقولُ وبالله التوفيق: أما استدلالُكم بحديث أبي هريرة وحذيفة حين يقولُ الناس لآدم: "استفتِح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم منها إلا خطيئةُ أبيكم؟ " (٢)؛ فهذا الحديثُ لا يدلُّ على أنَّ الجنةَ التي طلبوا منه أن يستفتحها لهم هي التي أُخرِجَ منها بعينها؛ فإنَّ الجنة اسمُ جنس، فكلُّ بستانٍ (٣) يُسمَّى جنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ

стр. 159

جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩١]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٩]. فالجنةُ اسمُ جنس؛ فهُم لمَّا طلبوا من آدم أن يستفتحَ لهم جنةَ الخُلد أخبرهم بأنه لا يَحْسُنُ منه أن يُقْدِم على ذلك وقد أخرجَ نفسَه وذريتَه من الجنة التي أسكنه اللهُ إياها بذنبه وخطيئته. هذا الذي دلَّ عليه الحديث. وأمَّا كونُ الجنة التي أُخرِجَ منها هي بعينها التي طلبوا منه أن يستفتحها لهم؛ فلا يدلُّ الحديثُ عليه بشيءٍ من وجوه الدَّلالات الثلاث (١)، ولو دلَّ عليه لوجبَ المصيرُ إلى مدلول الحديث، وامتنع القولُ بمخالفته، وهل مدارُنا إلا على فهم مقتضى كلام الصَّادق المصدوق صلواتُ الله وسلامه عليه؟! قالوا: وأمَّا استدلالكم بالهبوط، وأنه نزولٌ من عُلْوٍ إلى سُفْل، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ الهبوط قد استُعمِل في النُّقْلة من أرضٍ إلى أرض، كما يقال: "هبَط فلانٌ بلدَ كذا وكذا"، وقال تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا

стр. 160

سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]، وهذا كثيرٌ في نظم العرب ونثرها، قال: أنْ تَهبِطينَ بلادَ قَوْ ... مٍ يَرْتَعُونَ من الطِّلاح (١) وقد روى أبو صالح عن ابن عباس ﵄، قال: "هو كما يقال: هبَط فلانٌ أرضَ كذا وكذا" (٢). الثاني: أنَّا لا ننازعكم في أنَّ الهبوط حقيقةً ما ذكرتموه، ولكن من أين يلزمُ أن تكون الجنةُ التي منها الهبوطُ فوق السماوات؟! فإذا كانت في أعلى الأرض أما يصحُّ أن يقال: هبَط منها، كما يهبطُ الحجرُ من أعلى الجبل إلى أسفله، ونحوه؟! وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦، والأعراف: ٢٤] فهذا يدلُّ على أنَّ الأرض التي أُهبِطوا إليها لهم فيها مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين، ولا يدلُّ على أنهم لم يكونوا في جنةٍ عاليةٍ أعلى من الأرض التي أُهبِطوا إليها تخالفُ تلك الأرض في صفاتها وأشجارها ونعيمها وطِيبها؛ فإنَّ الله سبحانه فاوَتَ بين بقاع الأرض أعظمَ تفاوتٍ وأبينَه، وهذا مشهودٌ بالحسِّ. فمِن أين لكم أنَّ تلك لم تكن جنةً تميَّزت عن سائر بقاع الأرض بما لا يكونُ إلا فيها، ثم أُهبِطُوا منها إلى الأرض التي هي محلُّ التعب والنَّصَب

стр. 161

والابتلاء والامتحان؟! وهذا بعينه هو الجوابُ عن استدلالكم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ إلى آخر ما ذكرتموه (١). مع (٢) أنَّ هذا حكمٌ معلَّقٌ بشرط، والشرطُ لم يحصل؛ فإنه سبحانه إنما قال ذلك عقيب قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾؛ فقولُه: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ هو صيغةُ وعدٍ مرتبطةٌ بما قبلها، والمعنى: إن اجتنبتَ الشجرةَ التي نهيتُك عنها، ولم تقرَبها، كان لك هذا الوعد. والحكمُ المعلَّقُ بالشرط عدمٌ عند عدم الشرط؛ فلما أكل من الشجرة زال استحقاقُه لهذا الوعد. قالوا: وأما قولكم: إنه لو كانت الجنةُ في الدنيا لعلمَ آدمُ كذبَ إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] إلى آخره؛ فدعوى لا دليل عليها؛ لأنه لا دليل لكم على أنَّ الله سبحانه كان قد أعلَم آدمَ حين خلقه أنَّ الدنيا منقضيةٌ فانية، وأنَّ مُلْكَها يبلى ويزول. وعلى تقدير أن يكون آدمُ حينئذٍ قد أُعلِمَ ذلك، فقولُ إبليس: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ لا يدلُّ على أنه أرادَ بالخُلد ما لا يتناهى، فإنَّ الخُلدَ في لغة العرب هو اللُّبثُ الطويل، كقولهم: قَيْدٌ مُخَلَّد، وحبسٌ مُخَلَّد، وقد قال تعالى لعادٍ (٣): ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)

стр. 162

وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩]؛ وكذلك قولُه: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ يرادُ به المُلكُ الطويلُ الثابت. وأيضًا؛ فلا وجه للاعتذار (١) عن قول إبليس مع تحقُّق كذبه، ومُقاسَمته آدمَ وحوَّاء على الكذب، والله سبحانه قد أخبَر أنه قاسَمَهما ودَلَّاهما بغرور، وهذا يدلُّ على أنهما اغترَّا بقوله، فغرَّهما بأن أطمَعهما في خُلد الأبد والمُلك الذي لا يبلى. وبالجملة؛ فالاستدلالُ بهذا على كون الجنة التي أُسكِنَها آدمُ هي جنةَ الخُلد التي وُعِدَها المتقون غيرُ بيِّن. ثمَّ نقول: لو كانت الجنةُ هي جنةَ الخُلد التي لا يزولُ مُلكُها لكانت جميعُ أشجارها شجرَ الخُلد؛ فلم يكن لتلك الشجرة اختصاصٌ (٢) من بين سائر الشجر بكونها شجرة الخُلد، وكان آدمُ يَسْخَرُ من إبليس؛ إذ قد عَلِمَ أنَّ الجنةَ دارُ الخُلد. فإن قلتم: لعلَّ آدم لم يعلم حينئذٍ ذلك، فغرَّه الخبيثُ وخدَعه بأنَّ هذه الشجرة وحدها هي شجرةُ الخُلد= قلنا: فاقنعوا منَّا بهذا الجواب بعينه عن قولكم: "لو كانت الجنةُ في الدنيا لعلمَ آدمُ كذبَ إبليس في ذلك"؛ فإنَّ قولَه كان خداعًا وغرورًا محضًا على كلِّ تقدير. فانقلبَ دليلُكم حجةً عليكم، وبالله التوفيق. قالوا: وأما قولكم: "إنَّ قصةَ آدمَ في البقرة ظاهرةٌ جدًّا في أنَّ جنة آدمَ

стр. 163

كانت فوق السماء"؛ فنحن نطالبكم بهذا الظُّهور، ولا سبيل لكم إلى إثباته. قولُكم (١): "إنه كرَّر فيه ذكر الهبوط مرتين، ولا بدَّ أن يفيدَ الثاني غيرَ ما أفاد الأول، فيكونُ الهبوطُ الأول من الجنة، والثاني من السماء"= فهذا فيه خلافٌ بين أهل التفسير: فقالت طائفةٌ هذا القول الذي ذكرتموه. وقالت طائفةٌ ــ منهم النقَّاشُ (٢) وغيره ــ: إنَّ الهبوط الثاني إنما هو من الجنة إلى السماء، والهبوطُ الأولُ إلى الأرض، وهو آخرُ الهبوطَيْن في الوقوع وإن كان أوَّلهما في الذِّكر. وقالت طائفة: أتى به على جهة التغليظ والتأكيد، كما تقول للرجل: اخرُج، اخرُج. وهذه الأقوالُ ضعيفة. فأمَّا القولُ الأول، فيظهرُ ضعفُه من وجوه: أحدها: أنه مجردُ دعوى لا دليل عليها من اللفظ ولا من خبرٍ يجبُ المصيرُ إليه، وما كان هذا سبيلُه لا يُحْمَلُ القرآنُ عليه. الثاني: أنَّ الله سبحانه قد أهبط إبليسَ لما امتنع من السجود لآدم إهباطًا كونيًّا قدريًّا لا سبيل إلى التخلُّف عنه، فقال تعالى: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ

стр. 164

تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، وقال في موضعٍ آخر: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحِجر: ٣٤ - ٣٥]، وفي موضعٍ آخر: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨]. وسواءٌ كان الضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ راجعًا إلى السماء، أو إلى الجنة، فهذا صريحٌ في إهباطه وطرده ولعنته وإدحاره. والمَدْحُور: المَبْعُود (١). وعلى هذا، فلو كانت الجنةُ فوق السماوات لكان قد صَعِدَ إليها بعد إهباط الله له. وهذا وإن كان ممكنًا فهو في غاية البعد عن حكمة الله (٢)، ولا يقتضيه خبرُه (٣)؛ فلا ينبغي أن يصار إليه. وأما الوجوه الأربعةُ التي ذكرتموها مِن صعوده للوسوسة؛ فهي ــ مع أمر الله تعالى له بالهبوط مطلقًا وطرده ولعنته ودُحوره ــ لا دليل عليها، لا من اللفظ، ولا من الخبر الذي يجبُ المصيرُ إليه، وما هي إلا احتمالاتٌ مجرَّدة، وتقديراتٌ لا دليل عليها. الثالث: أنَّ سياقَ قصة إهباط الله تعالى لإبليس ظاهرةٌ (٤) في أنه إهباطٌ إلى الأرض، مِن وجوه: أحدُها: أنه سبحانه نبَّه على حكمة إهباطه بما قام به من التكبُّر المقتضي

стр. 165

غايةَ ذُلِّه وطرده ومعاملته بنقيض قصده، وهو إهباطُه من فوق السماوات إلى قرار الأرض، ولا تقتضي الحكمةُ أن يكون فوق السماء مع كِبْرِه (١) ومنافاة حاله لحال الملائكة الأكرمين. الثاني: أنه قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكونُه رجيمًا ملعونًا ينفي أن يكون في السماء بين (٢) المقرَّبين المطهَّرين. الثالث: أنه قال: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾، وملكوتُ السماوات لا يَعْلُوه المَذؤومُ المدحورُ أبدًا. وأما القولُ الثاني؛ فهو القولُ الأولُ بعينه، مع زيادة ما لا يدلُّ عليه السِّياق بحال، من تقديم ما هو مؤخَّرٌ في الواقع، وتأخير ما هو مقدَّمٌ فيه؛ فيُرَدُّ بما رُدَّ به القولُ الذي قبله. وأما القولُ الثالث، وهو أنه للتأكيد؛ فإن أريدَ التأكيدُ اللفظيُّ المجرَّدُ فهذا لا يقعُ في القرآن، وإن أريدَ به أنه مستلزمٌ للتغليظ والتأكيد مع ما يشتملُ عليه من الفائدة فصحيح. فالصوابُ أن يقال: أعيدَ الإهباطُ مرةً ثانيةً لأنه علَّق عليه حكمًا غير المعلَّق على الإهباط الأول؛ فإنه علَّق على الأول عداوةَ بعضهم بعضًا، فقال: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وهذه جملةٌ حاليَّة، وهي اسميَّةٌ بالضمير وحده عند الأكثرين، والمعنى: "اهبطوا مُتعَادِين"، وعلَّق على الهبوط الثاني حكمين آخرين:

стр. 166

أحدهما: هبوطُهم جميعًا (١). والثاني: قولُه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فكأنه قيل: اهبطوا بهذا الشرط، مأخوذًا عليكم هذا العهد، وهو أنه مهما جاءكم مني هدًى فمن اتبعه منكم فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ يلحقُه. ففي الإهباط الأول إيذانٌ بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة، وفي الإهباط الثاني روحُ التسلية والاستبشار بحُسْن عاقبة هذا الهبوط لمن تَبِعَ هداي، ومصيره إلى الأمن والسُّرور المُضادِّ للخوف والحزن. فكَسَرَهُم بالإهباط الأول، وجَبَرَ من اتبعَ هداه بالإهباط الثاني، على عادته سبحانه ولطفه بعباده وأهل طاعته، كما كَسَرَ آدمَ بالإخراج من الجنة، وجَبَرَه بالكلمات التي تلقَّاها منه، فتابَ عليه وهداه. ومن تدبَّر حكمته سبحانه، ولطفَه وبرَّه بعباده وأحبابه (٢)، في كَسْرِه لهم ثم جَبْرِه بعد الانكسار، كما يَكْسِرُ العبدَ بالذَّنب ويُذِلُّه به ثم يَجْبُره بتوبته عليه ومغفرته له، وكما يَكْسِرُه بأنواع المصائب والمحن ثمَّ يَجْبُره بالعافية والنعمة= انفتحَ له بابٌ عظيمٌ من أبواب معرفته ومحبته (٣)، وعَلِمَ أنه أرحمُ

стр. 167

بعباده من الوالدة بولدها، وأن ذلك الكسرَ هو نفسُ رحمته به وبرِّه ولطفه، وهو أعلمُ بمصلحة عبده منه، ولكنَّ العبدَ لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصفاته لا يكادُ يشعرُ بذلك، ولا يُنالُ رضا المحبوب وقربُه والابتهاجُ والفرحُ بالدُّنوِّ منه والزلفى لديه إلا على جسرٍ من الذُّل والمسكنة، وعلى هذا قام أمرُ المحبة، فلا سبيل إلى الوصول إلى المحبوب إلا بذلك، كما قيل (١): تَذلَّلْ لمن تَهْوى لِتَحْظى بِقُرْبِه ... فكم عِزَّةٍ قد نالها العبدُ بالذُّلِّ إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكن ... ذليلًا له فاقْرَ السَّلامَ على الوَصْل وقال آخر: اخْضَعْ وذِلَّ لمن تحبُّ فليس في ... شرعِ الهوى أنفٌ يُشَالُ ويُعْقَدُ (٢) وقال آخر: وما فَرِحَتْ بالوصل نفسٌ عزيزةٌ ... وما العِزُّ إلا ذُلُّها وانكسارُها (٣) قالوا: وإذا عُلم أنَّ إبليس أُهبِط من دار العزِّ عقبَ امتناعه وإبائه من

стр. 168

السجود لآدم، ثبتَ أنَّ وسوستَه له ولزوجه كانت في غير المحلِّ الذي أُهبِط منه، والله أعلم. قالوا: وأما قولُكم: "إن الجنة إنما جاءت معرَّفةً باللام، وهي تنصرفُ إلى الجنة التي لا يعهدُ بنو آدم سواها"؛ فلا ريب أنها جاءت كذلك، ولكنَّ العهدَ وقع في خطاب الله تعالى آدمَ لسكناها بقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، فهي كانت معهودةً عند آدم، ثم أخبَرنا سبحانه عنها معرِّفًا لها بلام التعريف، فانصرف المعرّفُ بها (١) إلى تلك الجنة المعهودة في الذِّهن، وهي التي سكنها آدمُ ثمَّ أُخرِج (٢)، فمن أين في هذا ما يدلُّ على محلِّها وموضعها بنفيٍ أو إثبات؟! وأما مجيءُ جنة الخُلد معرَّفةً باللام؛ فلأنها الجنةُ التي أخبَرت بها الرسلُ لأممهم، ووَعَدَها الرحمنُ عبادَه بالغيب، فحيث ذُكِرت انصرف الذِّهنُ إليها دون غيرها؛ لأنها قد صارت معلومةً في القلوب مستقرةً فيها، ولا ينصرفُ الذِّهنُ إلى غيرها، ولا يتوجَّه الخطابُ إلى سواها. وقد جاءت الجنةُ في القرآن معرَّفةً باللام، والمرادُ بها بستانٌ في بقعة من الأرض؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧]، فهذا لا ينصرفُ الذِّهنُ فيها لا إلى جنة الخُلد ولا إلى جنة آدم بحال. قالوا: وأما قولُكم: إنه قد اتفق أهلُ السنة والجماعة على أنَّ الجنةَ

стр. 169

والنار مخلوقتان، وأنه لم ينازع في ذلك إلا بعضُ أهل البدع والضلال، واستدلالُكم على وجود الجنة الآن= فحقٌّ لا ننازعُكم فيه، وعندنا من الأدلَّة على وجودها أضعافُ ما ذكرتم، ولكن أيُّ تلازمٍ بين أن تكون جنةُ الخُلد مخلوقةً وبين أن تكون هي جنة آدم بعينها؟! فكأنكم تزعمون أنَّ كلَّ من قال: إنَّ جنةَ آدم هي جنةٌ في الأرض، فلا بدَّ له أن يقول: إنَّ الجنةَ والنار لم يُخْلَقا بعد. وهذا غلطٌ منكم، منشؤه من توهُّمكم أنَّ كلَّ من قال بأنَّ الجنة لم تُخْلَق بعد فإنه يقول: إنَّ جنةَ آدم هي في الأرض، وكذلك بالعكس، أنَّ كلَّ من قال: إنَّ جنة آدم في الأرض فيقول: إنَّ الجنة لم تُخْلَق بعد (١). فأما الأولُ فلا ريب فيه، وأما الثاني فوهمٌ، لا تلازم بينهما، لا في المذهب ولا في الدليل بحال؛ فأنتم نَصَبتم دليلَكم مع طائفةٍ نحن وأنتم متفقون على إنكار قولهم وردِّه وإبطاله، ولكن لا يلزمُ من هذا بطلانُ هذا القول الثالث. وهذا واضح. قالوا: وأمَّا قولُكم: إنَّ جميع ما نفاه الله سبحانه عن الجنة من اللَّغو والكذب وسائر الآفات التي وُجِدَ بعضُها من إبليس عدوِّ الله، فهذا إنما يكونُ بعد القيامة إذا دخلها المؤمنون، كما يدلُّ عليه السِّياق. فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ ظاهر الخبر يقتضي نفيه مطلقًا؛ لقوله تعالى (٢): ﴿لَا لَغْوٌ

стр. 170

فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]، فهذا نفيٌ عامٌّ لا يجوزُ تخصيصُه إلا بمخصِّصٍ بيِّن، والله سبحانه قد حكم بأنها دارُ الخُلد حكمًا مطلقًا، فلا يدخلُها إلا خالدٌ فيها، فتخصيصُكم هذه التسمية بما بعد القيامة خلافُ الظَّاهر. الثاني: أنَّ ما ذكرتُم إنما يصارُ إليه إذا قام الدليلُ السالمُ عن المُعارِض المقاوِم أنها جنةُ الخُلد بعينها، وحينئذٍ يتعيَّن المصيرُ إلى ما ذكرتم. فأما إذا لم يَقُم دليلٌ سالمٌ على ذلك، ولم تُجْمِع الأمَّةُ عليه، فلا يسوغُ مخالفةُ ما دلَّت عليه النصوص البيِّنة (١) بغير مُوجِب، والله أعلم. قالوا: ومما يدلُّ على أنها ليست جنةَ الخُلد التي وُعِدَها المتَّقون أنَّ الله سبحانه لما خلق آدم أعلَمه أنَّ لِعُمْرِه أجلًا ينتهي إليه، وأنه لم يخلقه للبقاء. ويدلُّ على هذا ما رواه الترمذيُّ في "جامعه" (٢) قال: حدثنا محمد بن بشَّار، قال: حدثنا صفوان بن عيسى: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁

стр. 171

قال: قال رسول الله ﷺ : "لما خلقَ اللهُ آدمَ ونفخَ فيه الروحَ عَطَس، فقال: الحمد لله، [فحمد الله] (١) بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمُك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملإٍ منهم جلوس، فقل: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام. ثم رجع إلى ربِّه، فقال: إنَّ هذه تحيَّتك وتحيَّةُ بنيك بينهم. فقال الله له ــ ويداه مقبوضتان ــ: اختر أيتهما شئت. فقال: اخترتُ يمين ربِّي ــ وكلتا يدي ربي يمينٌ مباركة ــ، ثم بسَطها، فإذا فيها آدمُ وذريته، قال: أي ربِّ، ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فإذا كلُّ إنسانٍ مكتوبٌ عمره بين عينيه، فإذا رجلٌ أضوؤهم ــ أو: مِن أضوئهم ــ، قال: يا ربِّ، من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، وقد كتبتُ له عمر أربعين سنة. قال: يا ربِّ، زِدْ في عمره. قال: ذاك الذي كتبتُ له. قال: أي ربِّ، فإني قد جعلتُ له من عمري ستِّين سنة. قال: أنت وذاك. قال: ثم أُسْكِنَ الجنةَ ما شاء الله، ثمَّ أُهبِط منها، وكان آدمُ يَعُدُّ لنفسه، فأتاه ملكُ الموت، فقال له آدم: قد عجلتَ، أليس قد كُتِبَت لي ألفُ سنة؟! قال: بلى، ولكنك جعلتَ لابنك داود ستِّين سنة. فجَحَدَ فجحدَت ذريتُه، ونسي فنسيَت ذريتُه. قال: فمِن يومئذٍ أُمِرَ بالكتاب والشهود". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، ورُوِي من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٢).

стр. 172

قالوا: فهذا صريحٌ في أنَّ آدم لم يكن مخلوقًا في دار الخُلد التي لا يموتُ من دخلها، وإنما خُلِقَ في دار الفناء التي جعل اللهُ لها ولأهلها أجلًا معلومًا، وفيها أُسْكِن. فإن قيل: فإذا كان آدمُ قد عَلِمَ أنَّ له عمرًا ينتهي إليه، وأنه ليس من الخالدين، فكيف لم يكذِّب إبليسَ ويعلَم بطلانَ قوله حيثُ قال له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، بل جوَّز ذلك وأكلَ من الشجرة طمعًا في الخُلد؟! فالجوابُ (١) ما تقدَّم من الوجهين: إمَّا أن يكون المرادُ بالخُلد المُكثَ الطَّويل، لا أبدَ الأبد (٢)، أو يكون عدوُّه إبليسُ لما قاسَمه وزوجَه وغرَّهما وأطمَعهما بدوامهما في الجنة نسي ما قُدِّرَ له من عمره. قالوا: والمعوَّلُ عليه في ذلك قولُه تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهذا الخليفةُ هو آدمُ باتفاق الناس، ولما عَجِبَت الملائكةُ من ذلك وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ عرَّفهم سبحانه أنَّ هذا الخليفةَ الذي هو جاعلُه في الأرض ليس حالُه كما توهَّمتم من الفساد، بل أعلِّمه من علمي ما لا تعلمونه، فأَظْهَرَ فضلَه وشرفَه بأنْ علَّمه الأسماء كلَّها، ثمَّ عرضهم على

стр. 173

الملائكة، فلم يعرفوها وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا يدلُّ على أن هذا الخليفة الذي سبق به إخبارُ الربِّ تعالى لملائكته، وأظهرَ تعالى فضلَه وشرفَه وعِلْمه بما لم تعلمه الملائكة، هو خليفةٌ مجعولٌ في الأرض لا فوق السماء. فإن قيل: قولُه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إنما هو بمعنى: سأجعلُه في الأرض، فهي مآلُه ومصيره. وهذا لا ينافي أن يكون في جنة الخُلد فوق السَّماء أوَّلًا، ثم يصير إلى الأرض للخلافة التي جعلها الله له. واسمُ الفاعل هنا بمعنى الاستقبال، ولهذا انتصبَ عنه المفعول. فالجواب: أنَّ الله سبحانه أعلمَ ملائكتَه بأنه يخلقُه لخلافة الأرض، لا لسكنى جنة الخلود، وخبرُه الصِّدق، وقولُه الحقُّ، وقد علمَت الملائكةُ أنه هو آدم، فلو كان قد أسكنه دارَ الخلود فوق السماء لم يَظهر للملائكة وقوعُ المُخْبَر، ولم يحتاجوا إلى أن يبيِّن لهم فضلَه وشرفَه وعِلمَه المتضمِّن ردَّ قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ فإنهم إنما سألوا هذا السؤال في حقِّ الخليفة المجعول في الأرض، فأما من هو في دار الخُلد فوق السماء فلم تتوهَّم الملائكةُ منه سفكَ الدِّماء والفسادَ في الأرض، ولا كان إظهارُ فضله وشرفه وعلمه (١) ــ وهو فوق السماء ــ برادٍّ لقولهم وجوابًا لسؤالهم، بل الذي يحصلُ به جوابهم وضدُّ ما توهَّموه إظهارُ تلك الفضائل

стр. 174

والعلوم منه وهو في محلِّ خلافته التي خُلِقَ لها وتوهَّمت الملائكة أنه لا يحصلُ منه هناك إلا ضدُّها من الفساد وسفك الدِّماء. وهذا واضحٌ لمن تأمَّله. وأمَّا اسمُ الفاعل وهو ﴿جَاعِلٌ﴾ وإن كان بمعنى الاستقبال، فلأنَّ هذا إخبارٌ عمَّا سيفعلُه الربُّ تعالى في المستقبل مِنْ جَعْلِه الخليفة في الأرض، وقد (١) صدقَ وعدَه، ووقع ما أخبر به، وهذا ظاهرٌ في أنه من أوَّل الأمر جعله خليفةً في الأرض. وأمَّا جعلُه في السماء أوَّلًا ثم جعلُه خليفةً في الأرض ثانيًا، وإن كان مما لا ينافي الاستخلافَ المذكور، فهو مما لا يقتضيه اللفظُ بوجه، بل يقتضي ظاهرُه خلافَه، فلا يصارُ إليه إلا بدليلٍ يُوجِبُ المصيرَ إليه؛ وحوله ندندن. قالوا: وأيضًا؛ فمن المعلوم الذي لا يخالفُ فيه مسلمٌ أنَّ الله سبحانه خلقَ آدمَ من تراب، وهو ترابُ هذه الأرض بلا ريب. كما روى الترمذيُّ في "جامعه" (٢) من حديث عوف، عن قَسَامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله ﵎ خلقَ آدمَ من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْرِ الأرض، فجاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْل والحَزْن، والخبيث والطَّيب". قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح". وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" من طرقٍ عدَّة.

стр. 175

وقد أخبر سبحانه أنه خلقه من تراب، وأخبر أنه خلقه من سُلالةٍ من طين، وأخبر أنه خلقه من صلصالٍ من حَمَأٍ مسنون. والصَّلصال، قيل فيه: هو الطِّينُ اليابسُ الذي له صلصلةٌ ما لم يُطْبَخ، فإذا طُبِخَ فهو فَخَّار. وقيل فيه: هو المتغيِّر الرائحة، من قولهم: صَلَّ، إذا أنتن. والحمأ: الطِّينُ الأسود المتغيِّر. والمَسْنُون، قيل: المصبوب، مِن: سَنَنْت الماء، إذا صببته. وقيل: المُنْتِنُ (١)، مِن قولهم: سَنَنْت الحَجَر على الحَجَر، إذا حككته، فإذا سال بينهما شيءٌ فهو سَنِينٌ، ولا يكونُ إلا منتنًا. وهذه كلُّها أطوارٌ للتراب الذي هو مبدؤه الأول (٢). كما أخبر عن خلقِ الذرِّية من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة (٣)، وهذه أحوالُ النطفة التي هي مبدأ الذرِّية. ولم يُخْبِر سبحانه أنه رفعه من الأرض إلى فوق السموات، لا قبل التَّخليق ولا بعده، وإنما أخبر عن إسجاد الملائكة له، وعن إدخاله الجنة، وما جرى له مع إبليس بعد خلقه، فأخبر سبحانه بالأمور الثلاثة في نَسَقٍ واحد، مرتبطًا بعضُها ببعض. قالوا: فأين الدليلُ الدَّالُّ على إصعاد مادَّته، وإصعاده بعد خلقه إلى فوق

стр. 176

السموات؟ هذا مما لا دليلَ لكم عليه أصلًا، ولا هو لازمٌ من لوازم ما أخبر اللهُ به. قالوا: ومن المعلوم أنَّ ما فوق السموات ليس بمكانٍ للطِّين الأرضي، المتغيِّر الرائحة، الذي قد أنتَن من تغيُّره، وإنما محلُّ هذا الأرض التي هي محلُّ المتغيِّرات والفاسدات (١)، وأما ما كان فوق الأفلاك فلا يلحقُه تغيُّرٌ ولا نَتَن، ولا فسادٌ ولا استحالة. قالوا: وهذا أمرٌ لا يرتابُ فيه العقلاء. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، فأخبَر سبحانه أنَّ هذا العطاءَ في جنة الخُلد غير مقطوع، وما أُعطِيَه آدمُ فقد انقطع؛ فلم تكن تلك جنةَ الخُلد. قالوا: وأيضًا؛ فلا نزاع في أنَّ الله تعالى خلق آدمَ في الأرض كما تقدَّم، ولم يذكر في قصَّته أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان هذا أولى بالذِّكر؛ لأنه من أعظم أنواع النعم عليه، وأكبر (٢) أسباب تفضيله وتشريفه، وأبلغُ في بيان آيات قدرته وربوبيته وحكمته، وأبلغُ في بيان المقصود من عاقبة المعصية، وهو الإهباطُ من السماء التي نُقِلَ إليها، كما ذكر ذلك في حقِّ إبليس. فحيثُ لم يجئ في القرآن ولا في السنة حرفٌ واحدٌ أنه نقله إلى السَّماء

стр. 177

ورفعه إليها بعد خلقه في الأرض، عُلِمَ أنَّ الجنةَ التي أُدخِلَها لم تكن هي جنة الخُلد التي فوق السماوات. قالوا: وأيضًا؛ فإنه سبحانه أخبر في كتابه أنه لم يخلق عبادَه عبثًا ولا سدًى، وأنكر على من زعم ذلك؛ فدلَّ على أنَّ هذا منافٍ للحكمة (١)، ولو كانت جنةُ آدم هي جنةَ الخُلد لكانوا قد خُلِقوا في دارٍ لا يُؤمرون فيها ولا يُنْهَون، وهذا باطلٌ بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، قال الشافعيُّ وغيره: معطَّلًا لا يؤمرُ ولا يُنهى (٢)، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فهو تعالى لم يخلقهم عبثًا، ولا تركهم سدًى، وجنةُ الخُلد لا تكليف فيها. قالوا: وأيضًا؛ فإنه خلقها جزاءً للعاملين، بقوله تعالى: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]، وجزاءً للمتقين، بقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ودارَ الثواب، بقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، فلم يكن لِيُسْكِنَها إلا مَن خلقَها لهم من العاملين، ومن المتقين، ومَن تَبِعَهم من ذرِّياتهم، وغيرهم من الحُور والولدان. وبالجملة؛ فحكمتُه تعالى اقتضت أنها لا تُنالُ إلا بعد الابتلاء والامتحان، والصَّبر والجهاد، وأنواع الطَّاعات، وإذا كان هذا مقتضى حكمته فإنه سبحانه لا يفعلُ إلا ما هو مطابقٌ لها.

стр. 178

قالوا: فإذا جُمِعَ ما أخبر اللهُ به، مِن أنه خلقه من الأرض، وجعله خليفةً في الأرض، وأنَّ إبليسَ وسوسَ له في مكانه الذي أسكنه فيه بعد أن أهبط إبليسَ من السماء، وأنه أخبر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرض خليفة، وأنَّ دارَ الخُلدِ لا لغو فيها ولا تأثيم، وأنَّ من دخلها لا يخرجُ منها أبدًا، وأنَّ من دخلها يَنْعَمُ لا يبأس (١)، وأنه لا يخافُ ولا يحزن، وأنَّ الله سبحانه حرَّمها على الكافرين، وعدوُّ الله إبليسُ أكفرُ الكافرين، فمحالٌ أن يدخلها أصلًا، لا دخولَ عبورٍ ولا دخولَ قرار، وأنها دارُ نعيم لا دارُ ابتلاء وامتحان، إلى غير ذلك مما ذكرناه من منافاة أوصاف جنة الخُلد للجنة التي أُسْكِنَها آدم. إذا جُمِعَ ذلك بعضه إلى بعض، ونُظِرَ فيه بعين الإنصاف والتَّجرُّد عن نصرة المقالات، تبيَّن الصَّوابُ من ذلك، والله المستعان. قال الآخرون (٢): «بل الجنةُ التي أُسْكِنَها آدمُ عند سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والجماعة هي جنةُ الخُلد، ومن قال: إنها كانت جنةً في الأرض بأرض الهند، أو بأرض جُدَّة، أو غير ذلك، فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة، أو من إخوانهم المتكلِّمين المبتدعين؛ فإنَّ هذا يقولُه من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة، والكتابُ (٣) يردُّ هذا القول، وسلفُ الأمة وأئمتها متفقونَ على بطلان هذا القول.

стр. 179

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٤ - ٣٦]؛ فقد أخبَر سبحانه أنه أمرهم بالهبوط، وأنَّ بعضهم لبعض عدوٌّ، ثم قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. وهذا يبيِّن أنهم لم يكونوا في الأرض، وإنما أُهبِطُوا إلى الأرض، فإنهم لو كانوا في الأرض وانتقلوا منها إلى أرضٍ أخرى، كما انتقل قومُ موسى من أرضٍ إلى أرض، كان مستقرُّهم ومتاعُهم إلى حينٍ في الأرض قبل الهبوط، كما هو بعده. وهذا باطل». قالوا: «وقد قال تعالى في سورة الأعراف لما قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ فقولُه: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ يبيِّن اختصاصَ الجنة التي في السماء بهذا الحكم، بخلاف جنة الأرض، فإنَّ إبليس كان غير ممنوعٍ من التكبُّر فيها. والضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ عائدٌ إلى معلوم، وإن كان غير مذكورٍ في اللفظ؛ لأنَّ العلمَ به أغنى عن ذِكْره». قالوا: «وهذا بخلاف قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]؛ فإنه لم يذكر هنا (١) ما أُهبِطوا منه، وإنما ذكر ما أُهبِطوا إليه،

стр. 180

بخلاف إهباط إبليس، فإنه ذكر مبدأ هبوطه وهو الجنة، والهبوط يكونُ من عُلْوٍ إلى سُفْل، وبنو إسرائيل كانوا بجبال الشَّراة (١) المُشْرِفة على المِصر
следующие страницы →