السموات؟ هذا مما لا دليلَ لكم عليه أصلًا، ولا هو لازمٌ من لوازم ما أخبر اللهُ به.
قالوا: ومن المعلوم أنَّ ما فوق السموات ليس بمكانٍ للطِّين الأرضي، المتغيِّر الرائحة، الذي قد أنتَن من تغيُّره، وإنما محلُّ هذا الأرض التي هي محلُّ المتغيِّرات والفاسدات (١)، وأما ما كان فوق الأفلاك فلا يلحقُه تغيُّرٌ ولا نَتَن، ولا فسادٌ ولا استحالة.
قالوا: وهذا أمرٌ لا يرتابُ فيه العقلاء.
قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، فأخبَر سبحانه أنَّ هذا العطاءَ في جنة الخُلد غير مقطوع، وما أُعطِيَه آدمُ فقد انقطع؛ فلم تكن تلك جنةَ الخُلد.
قالوا: وأيضًا؛ فلا نزاع في أنَّ الله تعالى خلق آدمَ في الأرض كما تقدَّم، ولم يذكر في قصَّته أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان هذا أولى بالذِّكر؛ لأنه من أعظم أنواع النعم عليه، وأكبر (٢) أسباب تفضيله وتشريفه، وأبلغُ في بيان آيات قدرته وربوبيته وحكمته، وأبلغُ في بيان المقصود من عاقبة المعصية، وهو الإهباطُ من السماء التي نُقِلَ إليها، كما ذكر ذلك في حقِّ إبليس.
فحيثُ لم يجئ في القرآن ولا في السنة حرفٌ واحدٌ أنه نقله إلى السَّماء
стр. 177
ورفعه إليها بعد خلقه في الأرض، عُلِمَ أنَّ الجنةَ التي أُدخِلَها لم تكن هي جنة الخُلد التي فوق السماوات.
قالوا: وأيضًا؛ فإنه سبحانه أخبر في كتابه أنه لم يخلق عبادَه عبثًا ولا سدًى، وأنكر على من زعم ذلك؛ فدلَّ على أنَّ هذا منافٍ للحكمة (١)، ولو كانت جنةُ آدم هي جنةَ الخُلد لكانوا قد خُلِقوا في دارٍ لا يُؤمرون فيها ولا يُنْهَون، وهذا باطلٌ بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، قال الشافعيُّ وغيره: معطَّلًا لا يؤمرُ ولا يُنهى (٢)، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فهو تعالى لم يخلقهم عبثًا، ولا تركهم سدًى، وجنةُ الخُلد لا تكليف فيها.
قالوا: وأيضًا؛ فإنه خلقها جزاءً للعاملين، بقوله تعالى: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]، وجزاءً للمتقين، بقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ودارَ الثواب، بقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، فلم يكن لِيُسْكِنَها إلا مَن خلقَها لهم من العاملين، ومن المتقين، ومَن تَبِعَهم من ذرِّياتهم، وغيرهم من الحُور والولدان.
وبالجملة؛ فحكمتُه تعالى اقتضت أنها لا تُنالُ إلا بعد الابتلاء والامتحان، والصَّبر والجهاد، وأنواع الطَّاعات، وإذا كان هذا مقتضى حكمته فإنه سبحانه لا يفعلُ إلا ما هو مطابقٌ لها.
стр. 178
قالوا: فإذا جُمِعَ ما أخبر اللهُ به، مِن أنه خلقه من الأرض، وجعله خليفةً في الأرض، وأنَّ إبليسَ وسوسَ له في مكانه الذي أسكنه فيه بعد أن أهبط إبليسَ من السماء، وأنه أخبر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرض خليفة، وأنَّ دارَ الخُلدِ لا لغو فيها ولا تأثيم، وأنَّ من دخلها لا يخرجُ منها أبدًا، وأنَّ من دخلها يَنْعَمُ لا يبأس (١)، وأنه لا يخافُ ولا يحزن، وأنَّ الله سبحانه حرَّمها على الكافرين، وعدوُّ الله إبليسُ أكفرُ الكافرين، فمحالٌ أن يدخلها أصلًا، لا دخولَ عبورٍ ولا دخولَ قرار، وأنها دارُ نعيم لا دارُ ابتلاء وامتحان، إلى غير ذلك مما ذكرناه من منافاة أوصاف جنة الخُلد للجنة التي أُسْكِنَها آدم.
إذا جُمِعَ ذلك بعضه إلى بعض، ونُظِرَ فيه بعين الإنصاف والتَّجرُّد عن نصرة المقالات، تبيَّن الصَّوابُ من ذلك، والله المستعان.
قال الآخرون (٢): «بل الجنةُ التي أُسْكِنَها آدمُ عند سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والجماعة هي جنةُ الخُلد، ومن قال: إنها كانت جنةً في الأرض بأرض الهند، أو بأرض جُدَّة، أو غير ذلك، فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة، أو من إخوانهم المتكلِّمين المبتدعين؛ فإنَّ هذا يقولُه من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة، والكتابُ (٣) يردُّ هذا القول، وسلفُ الأمة وأئمتها متفقونَ على بطلان هذا القول.
стр. 179
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٤ - ٣٦]؛ فقد أخبَر سبحانه أنه أمرهم بالهبوط، وأنَّ بعضهم لبعض عدوٌّ، ثم قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
وهذا يبيِّن أنهم لم يكونوا في الأرض، وإنما أُهبِطُوا إلى الأرض، فإنهم لو كانوا في الأرض وانتقلوا منها إلى أرضٍ أخرى، كما انتقل قومُ موسى من أرضٍ إلى أرض، كان مستقرُّهم ومتاعُهم إلى حينٍ في الأرض قبل الهبوط، كما هو بعده. وهذا باطل».
قالوا: «وقد قال تعالى في سورة الأعراف لما قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ فقولُه: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ يبيِّن اختصاصَ الجنة التي في السماء بهذا الحكم، بخلاف جنة الأرض، فإنَّ إبليس كان غير ممنوعٍ من التكبُّر فيها.
والضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ عائدٌ إلى معلوم، وإن كان غير مذكورٍ في اللفظ؛ لأنَّ العلمَ به أغنى عن ذِكْره».
قالوا: «وهذا بخلاف قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]؛ فإنه لم يذكر هنا (١) ما أُهبِطوا منه، وإنما ذكر ما أُهبِطوا إليه،
стр. 180
بخلاف إهباط إبليس، فإنه ذكر مبدأ هبوطه وهو الجنة، والهبوط يكونُ من عُلْوٍ إلى سُفْل، وبنو إسرائيل كانوا بجبال الشَّراة (١)
المُشْرِفة على المِصر
стр. 181
الذي يهبطونَ إليه، ومَن هبط من جبلٍ إلى وادٍ قيل له: اهبط (١)».
قالوا: «وأيضًا، فبنو إسرائيل كانوا يسيرون ويرحلون، والذي يسيرُ ويرحل إذا جاء بلدةً يقال: نزَل فيها؛ لأنَّ مِن عادته أن يركبَ في مسيره، فإذا وصلَ نزل عن دوابِّه.
ويقال: نزل العدوُّ بأرض كذا، ونزل القَفَلُ (٢)، ونحوه.
ولفظُ النزول كلفظ الهبوط، فلا يستعملُ «نزَل» و «هبَط» إلا إذا كان من عُلْوٍ إلى سُفْل.
وقال تعالى عقب قوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾؛ فهذا دليلٌ على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في مكانٍ فيه يحيَون وفيه يموتون ومنه يُخْرَجون، وإنما صاروا إليه بعد الإهباط؛ فلو كانوا في الأرض أولًا لكانوا في مكانٍ فيه يحيَون، وفيه يموتون، ومنه يُخْرَجون (٣)، والقرآنُ صريحٌ في أنهم إنما صاروا إليه بعد الإهباط».
قالوا: «ولو لم يكن في هذا إلا قصةُ آدم وموسى لكانت كافية (٤)؛ فإنَّ موسى ﵇ إنما لام آدم ﵇ لِمَا حصل له ولذريَّته بالخروج
стр. 182
من الجنة من النَّكدِ والمشقَّة، فلو كانت بستانًا في الأرض لكان غيرُه من بساتين الأرض يُعَوِّضُ عنه، وموسى أعظمُ قدرًا من أن يلومه على أن أخرج نفسه وذريته من بستانٍ في الأرض».
قالوا: «وكذلك قولُ آدم يوم القيامة لمَّا يرغبُ إليه الناسُ أن يستفتحَ لهم باب الجنة، فيقول: «وهل أخرجكم منها إلا خطيئةُ أبيكم؟»؛ فإنَّ ظهورَ هذا في كونها جنةَ الخُلد، وأنه اعتَذر لهم بأنه لا يَحْسُنُ منه أن يستفتحها وقد أُخرِجَ منها بخطيئته، مِن أظهر الأدلَّة».
قال الأولون: أما قولكم: «إنَّ من قال: إنها جنةٌ في الأرض، فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة، أو من إخوانهم»، فقد أوجدناكم (١) من قال بهذا، وليس من أحدٍ من هؤلاء.
ومشاركةُ أهل الباطل للمُحِقِّ في المسألة لا يدلُّ على بطلانها، ولا تكونُ إضافتها لهم (٢) موجبةً لبطلانها ما لم يَخْتَصَّ بها (٣).
فإن أردتم أنه لم يقل بذلك إلا هؤلاء، فليس كذلك، وإن أردتم أنَّ هؤلاء من جملة القائلين بهذا، لم يُفِدْكم شيئًا.
قالوا: وأمَّا قولكم: «وسلفُ الأمة وأئمتُها متفقون على بطلان هذا القول»، فنحن نطالبكم بنقلٍ صحيح عن واحدٍ من الصحابة ومن بعدهم من أئمة السلف، فضلًا عن اتفاقهم.
стр. 183
قالوا: ولا يوجدُ عن صاحبٍ ولا تابعٍ ولا تابعِ تابعٍ (١) خبرٌ يصحُّ موصولًا ولا شاذًّا ولا مشهورًا أنَّ النبيَّ ﷺ قال: إنَّ الله تعالى أسكن آدم جنةَ الخُلد التي هي دارُ المتقين يوم المعاد.
قالوا: وهذا القاضي منذرُ بن سعيد قد حكى عن غير واحدٍ من السلف أنها ليست جنةَ الخُلد، فقال: ونحن نُوجِدُكم أنَّ أبا حنيفة فقيهَ العراق ومن قال بقوله قد قالوا: إنَّ جنةَ آدم التي خلقها الله ليست جنةَ الخُلد، وليسوا عند أحدٍ من العالمين (٢) من الشاذِّين، بل من رؤساء المخالفين، وهذه الدَّواوينُ مشحونةٌ من علومهم.
وقد ذكرنا قول ابن عيينة.
وقد ذكر ابن مُزَيْن (٣) في «تفسيره» قال: «سألتُ ابن نافع (٤) عن
стр. 184
الجنة: أمخلوقة؟ فقال: السُّكوت عن هذا أفضل».
قالوا: فلو كان عند ابن نافعٍ أنَّ الجنةَ التي أُسْكِنها آدمُ هي جنةُ الخُلد لم يشكَّ أنها مخلوقة، ولم يتوقَّف في ذلك.
وقال ابن قتيبة في كتابه «غريب القرآن» (١) في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾: «قال ابنُ عباس ﵄ في رواية أبي صالح: هو كما يقال: هَبَط فلان أرضَ كذا وكذا». ولم يذكر في كتابه غيرَه.
فأين إجماعُ سلف الأمة وأئمَّتها؟!
قالوا: وأما احتجاجُكم بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ عقب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾؛ فهذا لا يدلُّ على أنهم كانوا في جنة الخُلد؛ فإنَّ أحدَ الأقوال في المسألة أنها كانت جنةً في السماء غيرَ جنة الخُلد، كما حكاه الماورديُّ في «تفسيره»، وقد تقدم.
وأيضًا؛ فإنَّ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ يدلُّ على أنَّ لهم مستقرًّا إلى حينٍ في الأرض المنقطعة عن الجنة ولا بد؛ فإنَّ الجنةَ أيضًا لها أرض، قال الله تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]، فدلَّ على أنَّ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أنَّ المراد به الأرض الخالية من تلك
стр. 185
الجنة، لا كلُّ ما يسمَّى أرضًا. وكان مستقرُّهم الأولُ في أرض الجنة، ثم صاروا في أرض الابتلاء والامتحان، ثم يصيرُ مستقرُّ المؤمنين يوم الجزاء أرضَ الجنة أيضًا؛ فلا تدلُّ الآيةُ على أنَّ جنةَ آدم هي جنةُ الخُلد.
قالوا: وهذا هو الجوابُ بعينه عن استدلالكم بقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾؛ فإنَّ المرادَ به الأرض التي أُهبِطُوا إليها وجُعِلَت مسكنًا لهم بدلَ الجنة، وهذا تفسيرُ المستقَرِّ المذكور في «البقرة» مع تضمُّنه ذِكْرَ (١) الإخراج منها.
قالوا: وأما قولُه تعالى لإبليس: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، وقولُكم: إنَّ هذا إنما هو في الجنة التي في السماء، وإلا فجنةُ الأرض لم يُمْنَع إبليسُ من التكبُّر فيها= فهو دليلٌ لنا في المسألة؛ فإنَّ جنةَ الخُلد لا سبيل لإبليس إلى دخولها والتكبُّر فيها أصلًا، وقد أخبر تعالى أنه وسوسَ لآدمَ وزوجه، وكَذَبهما، وغرَّهما، وخانهما، وتكبَّر عليهما، وحسدهما، وهما حينئذٍ في الجنة، فدلَّ على أنها لم تكن جنةَ الخُلد، ومحالٌ أن يصعدَ إليها بعد إهباطه وإخراجه منها.
قالوا: والضمير في قوله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ إمَّا أن يكون عائدًا إلى السماء، كما هو أحدُ القولين، وعلى هذا فيكونُ سبحانه قد أهبطه من السماء عقب امتناعه من السجود، وأخبر أنه ليس له أن يتكبَّر فيها، ثمَّ تكبَّر وكذب وخان في الجنة؛ فدلَّ على أنها ليست في السماء.
أو يكونَ عائدًا إلى الجنة، على القول الآخر، ولا يلزمُ من هذا القول أن
стр. 186
تكونَ الجنةُ التي كاد فيها آدمَ وغرَّه وقاسَمه كاذبًا هي تلك التي أُهبِط منها، بل القرآنُ يدلُّ على أنها غيرها، كما ذكرناه.
فعلى التقديرين، لا تدلُّ الآيةُ على أنَّ الجنةَ التي جرى لآدمَ مع إبليس ما جرى فيها هي جنةُ الخُلد.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ بني إسرائيل كانوا بجبال الشَّراة المُشْرِفَة على الأرض التي يهبطون إليها، وهم كانوا يسيرون ويرحلون، فلذلك قيل لهم: ﴿اهْبِطُوا﴾ = فهذا حقٌّ لا ننازعكم فيه، وهو بعينه جوابٌ لنا؛ فإنَّ الهبوطَ يدلُّ على أنَّ تلك الجنةَ كانت أعلى من الأرض التي أُهبِطُوا إليها، وأمَّا كونُها جنةَ الخُلد فلا.
قالوا: والفرقُ بين قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وقوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ بأنَّ الأول متضمِّنٌ لنهاية الهبوط وغايته، و ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ متضمِّنٌ لمبدئه وأوله= لا تأثير له فيما نحن فيه؛ فإنَّ «هبَط من كذا إلى كذا» يتضمنُ معنى الانتقال من مكانٍ عالٍ إلى مكانٍ سافل، فأيُّ تأثيرٍ لابتداء الغاية ونهايتها في تعيين محلِّ الهبوط بأنه جنةُ الخُلد؟!
قالوا: وأمَّا قصةُ موسى ولَوْمِه لآدم على إخراجه من الجنة، فلا يدلُّ على أنها جنةُ الخُلد.
وقولُكم: «لا يُظَنُّ بموسى أنه يلومُ آدمَ على إخراجه نفسَه وذريتَه من بستانٍ في الأرض» تشنيعٌ لا يفيد شيئًا؛ أفترى كان ذلك بستانًا مثل آحاد هذه البساتين المقطوعة الممنوعة، التي هي عُرْضةُ الآفات، والتعب والنَّصَب، والظَّمأ والضُّحِيِّ (١)، والسَّقي والتلقيح، وسائر وجوه النَّصَب الذي يلحقُ
стр. 187
هذه البساتين؟!
ولا ريب أنَّ موسى ﵊ أعلمُ وأجلُّ من أن يلوم آدم على خروجه وإخراج بنيه من بستانٍ هذا شأنه، ولكنْ من قال بهذا؟!
وإنما كانت جنةً لا تلحقُها آفة، ولا تنقطعُ ثمارُها، ولا تغورُ أنهارُها، ولا يجوعُ ساكنُها ولا يظمى، ولا يضحى للشمس ولا يعرى، ولا يمسُّه فيها التعبُ والنصبُ والشقاء، ومثلُ هذه الجنة يَحْسُنُ لومُ الإنسان على التسبُّب في خروجه منها.
قالوا: وأما اعتذارُ آدم ﷺ يوم القيامة لأهل الموقف بأنَّ خطيئتَه هي التي أخرجتهم (١) من الجنة، فلا يَحْسُنُ أن يستفتحَها لهم؛ فهذا لا يستلزمُ أن تكونَ هي بعينها التي أُخرِجَ منها، بل إذا كانت غيرَها كان أبلغَ في الاعتذار؛ فإنه إذا كان الخروجُ من غير جنة الخُلد حصل بسبب الخطيئة، فكيف يليقُ استفتاحُ جنة الخُلد والشفاعةُ فيها وقد خَرَج من غيرها بخطيئة؟!
فهذا موقفُ نظر الفريقين، ونهايةُ أقدام الطائفتين، فمن كان عنده (٢) فضلُ علمٍ في هذه المسألة فَلْيَجُدْ به، فهذا وقتُ الحاجة إليه، ومن عَلِمَ منتهى خطوته، ومقدار بضاعته، فَلْيكِل الأمرَ إلى عالمه، ولا يرضى لنفسه بالتنقُّصِ (٣) والإزراء عليه، وليكن من أهل التُّلول الذين هم نَظَّارةُ الحرب،
стр. 188
إذا لم يكن من أهل الكرِّ والفرِّ والطَّعن والضَّرب، فقد تلاقت الفحول، وتطاعنت الأقران، وضاق بهم المجالُ في حلبة هذا الميدان.
إذا تلاقى الفحولُ في لَجَبٍ ... فكيف حالُ البعوض في الوَسَطِ (١)
فهذه معاقدُ حجج الطائفتين مُجْتازةٌ ببابك، وإليك تُساق، وهذه بضائعُ تجَّار العلماء ينادى عليها في سوق الكساد، لا في سوق النَّفاق، فمن لم يكن لديه شيءٌ من أسباب البيان والتبصرة، فلا يَعْدَم مَنْ قد استفرغ وُسْعَه وبذل جهدَه منه التصويبَ أو المعذرة، ولا يرضى لنفسه بشرِّ الخُطَّتين، وأبخس الحظَّين: جهلِ الحقِّ وأسبابه، ومعاداةِ أهله وطُلَّابه.
وإذا عَظُمَ المطلوب، وأعْوَزَكَ الرفيقُ الناصحُ العليم، فترحَّل (٢) بهمَّتك من بين الأموات، وعليك بمعلِّم إبراهيم؛ فقد ذكرنا في هذه المسألة من النقول والأدلَّة والنُّكت البديعة ما لعلَّه لا يوجدُ في شيءٍ من كتب المصنِّفين، ولا يعرفُ قدرَه إلا من كان من الفضلاء المُنْصِفين.
ومن الله سبحانه الاستمداد، وعليه التوكُّل وإليه الاستناد، فإنه لا يخيبُ من توكَّل عليه، ولا يضيعُ من لاذَ به وفوَّض أمرَه إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فصل
ولمَّا أهبط الله آدمَ من الجنة، وعرَّضه وذريتَه لأنواع المحن والبلاء؛
стр. 189
أعطاهم أفضلَ مما منعهم، وهو عهدُه الذي عَهِدَ إليه وإلى بنيه، وأخبر أنه من تمسَّك به منهم صار إلى رضوانه ودار كرامته.
قال تعالى عقب إخراجه منها: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
فلمَّا كَسَرَه سبحانه بإهباطه من الجنة جَبَرَه وذريتَه بهذا العهد الذي عَهِدَه إليهم، فقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، وهذه هي «إنْ» الشرطية المؤكَّدة بـ «ما» الدالَّة على استغراق الزمان، والمعنى: أيَّ وقتٍ وأيَّ حينٍ أتاكم منِّي هدى.
وجُعِلَ جوابُ هذا الشرط جملةً أخرى شرطية، وهي قولُه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، كما تقول: إنْ زرتني فمن بشَّرني بقدومك فهو حُرٌّ.
وجوابُ الشرط يكونُ جملةً تامَّة:
* إمَّا خبرًا محضًا، كقولك: إن زرتني أكرمتُك، أو خبرًا مقرونًا بالشرط كهذا، أو مؤكَّدًا بالقسم، أو بـ «إنْ» واللام، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
стр. 190
* وإمَّا طلبًا، كقول النَّبي ﷺ : «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» (١)، وقوله: «وإذا لَقِيتُموهم فاصبروا» (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وأكثرُ ما يأتي هذا النوعُ مع «إذا» التي تفيدُ (٣) تحقيقَ وقوع الشرط؛ لِسِرٍّ (٤)، وهو إفادتُه تحقيقَ الطَّلب عند تحقُّق الشرط، أي: فمتى تحقَّق الشرطُ فالطَّلبُ متحقِّق، فأتى بـ «إذا» الدالَّة على تحقُّق (٥) الشرط، فعُلِمَ تحقُّقُ الطَّلب عندها.
وقد يأتي مع «إنْ» قليلًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١].
* وإمَّا جملةً إنشائية، كقوله لعبده الكافر: إن أسلمتَ فأنت حرٌّ، ولامرأته: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، فهذا إنشاءٌ للعتق والطلاق عند وجود الشرط ــ على رأي ــ، أو إنشاءٌ له حال التعليق، ويتأخَّرُ نفوذُه إلى حين وجود
стр. 191
الشرط ــ على رأيٍ آخر ــ. وعلى التقديرين، فجوابُ الشرط جملةٌ إنشائية.
والمقصودُ أنَّ جواب الشرط في الآية المذكورة جملةٌ شرطية، وهي قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وهذا الشرطُ يقتضي ارتباط الجملة الأولى بالثانية ارتباطَ العلة بالمعلول، والسبب بالمسبَّب، فيكونُ الشرطُ الذي هو ملزومٌ علَّةً ومقتضيًا للجزاء الذي هو لازم.
فإن كان بينهما تلازمٌ من الطرفين كان وجودُ كلٍّ منهما بدون وجود الآخر (١) ممتنعًا، كدخول الجنة بالإسلام، وارتفاع الخوف والحزن والضلال والشقاء مع متابعة الهدى.
وهذه عامةُ (٢) شروط القرآن والسنة؛ فإنها أسبابٌ وعِلَل، والحكمُ ينتفي بانتفاء علَّته.
وإن كان التلازمُ بينهما من أحد الطرفين كان الشرطُ ملزومًا خاصًّا والجزاءُ لازمًا عامًّا، فمتى تحقَّق الشرطُ الملزومُ الخاصُّ تحقَّق الجزاءُ اللازمُ العامُّ، ولا يلزم العكس، كما يقال: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان، وإن كان البيعُ صحيحًا فالملكُ ثابت.
وهذا غالبُ ما يأتي في قياس الدَّلالة (٣)، حيث يكونُ الشرطُ دليلًا على
стр. 192
الجزاء، فيلزمُ من وجوده وجودُ الجزاء؛ لأنَّ الجزاءَ لازمُه، ووجودُ الملزوم يستلزمُ وجودَ اللازم، ولا يلزمُ من عدمه عدمُ الجزاء.
وإن وقعَ هذا الشرطُ بين علَّةٍ ومعلول؛ فإن كان الحكمُ معلَّلًا بعللٍ صحَّ ذلك، وجاز أن يكون الجزاءُ أعمَّ من الشرط، كقولك: إن كان هذا مرتدًّا فهو حلالُ الدَّم؛ فإنَّ حِلَّ الدَّم أعمُّ من حِلِّه بالردَّة، إلا أن يقال: «إنَّ حكمَ العلَّة المعيَّنة ينتفي بانتفائها، وإن ثبتَ الحكمُ بعلَّةٍ أخرى فهو حكمٌ آخر، وأمَّا حكمُ العلَّة المعيَّنة فمحالٌ أن يبقى (١) مع زوالها»، وحينئذٍ فيعودُ التلازمُ من الطرفين، ويلزمُ من وجود كلِّ واحدٍ من الشرط والجزاء وجودُ الآخر، ومن عدمه عدمُه.
وتمامُ تحقيق هذا في مسألة تعليل الحكم الواحد بعلَّتين؛ وللناس فيه نزاعٌ مشهور، وفصلُ الخطاب فيها: أنَّ الحكمَ الواحدَ إن كان واحدًا بالنَّوع، كحِلِّ الدَّم، وثبوتِ الملك، ونقض الطَّهارة؛ جاز تعليلُه بالعلل المختلفة. وإن كان واحدًا بالعَيْن، كحِلِّ الدَّم بالردَّة، وثبوت الملك بالبيع أو الميراث، ونحو ذلك؛ لم يجُز تعليلُه بعلَّتين مختلفتين. وبهذا التفصيل يزولُ الاشتباه في هذه المسألة، والله أعلم.
ومن تأمَّل أدلَّة الطَّائفتين وجدَ كلَّ ما احتجَّ به من رأى تعليلَ الحكم بعللٍ مختلفةٍ إنما يدلُّ على تعليل الواحد بالنَّوع بها، وكلُّ من نفى تعليلَ الحكم بعلَّتين إنما يتمُّ دليلُه على نفي تعليل الواحد بالعَيْن بهما؛ فالقولان عند التحقيق يرجعان إلى شيءٍ واحد (٢).
стр. 193
والمقصودُ أنَّ الله سبحانه جعل اتباعَ هداه وعَهْده الذي عَهِدَه إلى آدم سببًا ومقتضيًا لعدم الخوف والحزن، والضلال والشقاء، وهذا الجزاءُ ثابتٌ بثبوت الشرط، مُنْتَفٍ بانتفائه، كما تقدَّم بيانُه.
ونفيُ الخوف والحزن عن متَّبع الهدى نفيٌ لجميع أنواع الشرور؛ فإنَّ المكروهَ الذي ينزلُ بالعبد متى عَلِمَ بحصوله فهو خائفٌ منه أن يقع به، وإذا وقع به فهو حزينٌ على ما أصابه منه، فهو دائمًا في خوفٍ وحزن، فكلُّ (١) خائفٍ حزينٌ، وكلُّ حزينٍ خائفٌ، وكلٌّ من الخوف والحزن يكونُ على فوت (٢) المحبوب وحصول المكروه.
فالأقسامُ أربعة: خوفٌ من فَوْت المحبوب وحصول المكروه، وحزنٌ على فَوْت المحبوب وحصول المكروه (٣)، وهذا جماعُ الشرِّ كلِّه.
فنفى الله سبحانه ذلك عن متَّبع هداه الذي أنزله على ألسنة رسله، وأتى في نفي الخوف بالاسم الدَّالِّ على نفي الثبوت واللزوم (٤)، فإنَّ أهلَ الجنة لا بدَّ لهم من الخوف في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة حيثُ يقولُ آدمُ وغيره من الأنبياء: «نفسي، نفسي»؛ فأخبر سبحانه أنهم وإن خافوا فلا خوفٌ عليهم، أي: لا يلحقُهم الخوفُ الذي خافوا منه.
وأتى في نفي الحزن بالفعل المضارع الدَّالِّ على نفي التجدُّد
стр. 194
والحدوث (١)، أي: لا يلحقُهم حزنٌ ولا يحدُث لهم إذا تذكَّروا ما سلفَ منهم، بل هم في سرورٍ دائم لا يَعْرِضُ لهم حزنٌ على ما فات.
وأمَّا الخوف؛ فلمَّا كان تعلُّقه بالمستقبل دون الماضي نفى لحوقَه لهم جملةً، أي: الذي خافوا منه لا ينالُهم ولا يلمُّ بهم. والله أعلم.
فالحزينُ إنما يحزنُ في المستقبل على ما مضى، والخائفُ إنما يخافُ في الحال مما يستقبل، فلا خوفٌ عليهم (٢)، أي: لا يلحقُهم ما خافوا منه، ولا يعرضُ لهم حزنٌ على ما فات.
وقال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، فنفى عن متَّبع هداه أمرين: الضلال، والشقاء.
قال عبد الله بن عباس ﵄: «تكفَّل اللهُ لمن قرأ القرآنَ وعملَ بما فيه أن لا يضلَّ في الدُّنيا، ولا يشقى في الآخرة»، ثمَّ قرأ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٣).
والآيةُ نفَت مسمَّى الضلال والشقاء عن متَّبع الهدى مطلقًا، فاقتضت
стр. 195
الآيةُ أنه لا يضلُّ في الدُّنيا ولا يشقى فيها، ولا يضلُّ في الآخرة ولا يشقى فيها؛ فإنَّ المراتبَ أربعة: هدًى وسعادةٌ (١) في الدُّنيا، وهدًى وسعادة (٢) في الآخرة.
لكنَّ ابنَ عباسٍ ﵄ ذكَر في كلِّ دارٍ (٣) أظهرَ مرتبتَيها؛ فذكَر الضلال في الدُّنيا إذ هو أظهرُ لنا وأقربُ من ذكر الضلال في الآخرة، وذكَر الشَّقاء في الآخرة إذ هو أظهرُ عند الناس من الضلال فيها، بل كثيرٌ من الناس لا يحصُل في ذهنه حقيقةُ الضلال في الآخرة. وأيضًا؛ فضلالُ الدُّنيا أصلُ ضلال الآخرة، وشقاءُ الآخرة مستلزمٌ للضلال فيها.
فنبَّه بكلِّ مرتبةٍ على الأخرى؛ فنبَّه بنفي ضلال الدُّنيا على نفي ضلال الآخرة؛ فإنَّ العبدَ يموتُ على ما عاش عليه، ويُبْعَثُ على ما مات عليه؛ قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، فأخبر أنَّ من كان في هذه الدَّار ضالًّا فهو في الآخرة أضلُّ.
стр. 196
وأمَّا نفيُ شقاء الدُّنيا، فقد يقال: إنه لما انتفى عنه الضلالُ فيها (١)، وحصلَ له الهدى، والهدى فيه مِن بَرْدِ اليقين، وطمأنينة القلب، وذَوْقِ طعم الإيمان، وَوَجْدِ (٢) حلاوتِه، وفرحة القلب به، وسروره، والتنعُّم به، ومصير القلب حيًّا بالإيمان، مستنيرًا به، قويًّا به، قد نال به غذاءه ودواءه، وشفاءه وحياته، ونورَه وقوَّته، ولذَّتَه ونعيمَه= ما هو أجلُّ أنواع النعيم (٣)، وأطيبُ الطيبات، وأعظمُ اللذات.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، فهذا خبرُ أصدق الصادقين، ومَخْبَرُه عند أهله عينُ اليقين، بل حقُّ اليقين؛ فلا بدَّ لكلِّ من عمل صالحًا وهو مؤمنٌ (٤) أن يُحْيِيَه اللهُ حياةً طيبةً بحسب إيمانه وعمله.
ولكن يغلطُ الجفاةُ الأجلافُ في مسمَّى الحياة الطيِّبة، حيث يظنُّونها التنعُّمَ بأنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح، أو لذةَ الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنُّن بأنواع الشهوات؛ ولا ريب أنَّ هذه لذةٌ مشتركةٌ بين
стр. 197
البهائم، بل قد يكونُ حظُّ كثير من البهائم منها أكثر من حظِّ الإنسان؛ فمن لم يكن عنده لذةٌ إلا اللذةُ التي تشاركهُ فيها السِّباعُ والدوابُّ والأنعامُ فذلك ممن يُنادى من مكانٍ بعيد (١).
ولكن أين هذه اللذةُ من اللذة بأمرٍ إذا خالط بشاشتُه القلوبَ سَلا عن الأبناء والنساء، والأوطان والأموال، والإخوان والمساكن، ورضي بتركها كلِّها والخروج منها رأسًا، وعرَّض نفسَه لأنواع المكاره والمشاقِّ، وهو متحملٌ لهذا (٢)، منشرحُ الصدر به، يطيبُ له قتلُ ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه، لا تأخذُه في ذلك لومةُ لائم.
حتى إنَّ أحدَهم (٣) ليتلقَّى الرمحَ بصدره وهو يقول: «فزتُ وربِّ الكعبة».
ويستطيلُ الآخرُ (٤) حياتَه حتى يلقي قُوتَه من يده، ويقول: «إنها لحياةٌ طويلةٌ إن صبرتُ حتى آكلها»، ثم يتقدَّمُ إلى الموت فَرِحًا مسرورًا.
ويقول الآخر (٥) ــ مع فقره ــ: «لو علم الملوكُ وأبناء الملوك ما نحن
стр. 198
عليه لجالدونا عليه بالسُّيوف».
ويقول الآخر (١): «إنه لتمرُّ بالقلب أوقاتٌ يرقصُ فيها طربًا».
وقال بعضُ العارفين (٢): «إنه لتمرُّ بي أوقاتٌ، أقولُ فيها: إن كان أهلُ الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيِّب» (٣).
ومن تأمَّل قول النبي ﷺ لمَّا نهاهم عن الوِصَال، فقالوا: إنك تُواصِل فقال: «إني لستُ كهيئتكم، إني أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني» (٤)؛ عَلِمَ أنَّ هذا طعامُ الأرواح وشرابها، وما يفيضُ عليها من أنواع البهجة واللذَّة والسرور والنعيم الذي رسولُ الله ﷺ في الذروة العليا منه، وغيرُه إذا تعلَّق بغباره رأى مُلْكَ الدُّنيا ونعيمَها بالنسبة إليه هباءً منثورًا، بل باطلًا وغرورًا.
وغَلِط من قال: إنه كان يأكلُ ويشربُ طعامًا وشرابًا يغتذي به بدنُه؛ لوجوه (٥):
أحدُها: أنه قال: «أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني»، ولو كان أكلًا وشربًا لم يكن وصالًا ولا صومًا.
стр. 199
الثاني: أنَّ النبي ﷺ أخبرهم أنهم ليسوا كهيئته في الوصال، فإنهم إذا واصلوا تضرَّروا بذلك، وأمَّا هو ﷺ فإنه إذا واصلَ لا يتضررُ بالوصال. فلو كان يأكلُ ويشربُ لكان الجواب: «وأنا أيضًا لا أواصل، بل آكلُ وأشربُ كما تأكلون وتشربون»، فلمَّا قرَّرهم على قولهم: إنك تواصل، ولم ينكره عليهم، دلَّ على أنه كان مواصلًا، وأنه لم يكن يأكلُ أكلًا وشربًا يُفَطِّرُ الصَّائم.
الثالث: أنه لو كان أكلًا وشربًا يُفَطِّرُ الصَّائمَ لم يصحَّ الجوابُ بالفارق بينهم وبينه، فإنه حينئذٍ يكون ﷺ هو وهم مشتركون (١) في عدم الوصال، فكيف يصحُّ الجوابُ بقوله: «لستُ كهيئتكم»؟!
وهذا أمرٌ يعلمُه غالبُ الناس، أنَّ القلبَ متى حصلَ له ما يُفْرِحُه ويسرُّه من نيل مطلوبه، ووصال حبيبه، أو ما يغمُّه ويسوؤه ويحزنُه، شُغِل عن الطعام والشراب، حتى إنَّ كثيرًا من العشَّاق تمرُّ به الأيامُ لا يأكلُ شيئًا، ولا تطلبُ نفسه أكلًا.
وقد أفصح القائلُ في هذا المعنى:
لها أحاديثُ مِنْ ذكراكَ تَشْغَلُها ... عن الشَّرابِ وتُلْهِيها عن الزَّادِ
لها بوجهكَ نورٌ تستضيءُ به ... ومِنْ حديثك في أعقابها حادِي
إذا اشْتكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أوعدها ... رَوْحَ القُدومِ فتحيا عند ميعادِ (٢)
стр. 200
والمقصودُ أنَّ الهدى مستلزمٌ لسعادة الدُّنيا، وطِيب الحياة، والنعيم العاجل، وهو أمرٌ يشهدُ به الحِسُّ والوَجْد، وأما سعادةُ الآخرة فغيبٌ يُعْلَمُ بالإيمان، فذكرها ابنُ عباسٍ ﵄ لكونها أهمَّ، وهي الغايةُ المطلوبة، وضلالُ الدُّنيا أظهر، وبالنجاة منه ينجو من كلِّ شرٍّ، وهو أصلُ ضلال الآخرة وشقائها، فلذلك ذكره وحده. والله أعلم.
فصل
وهذان الأصلان (١) ــ أعني: الضلال والشَّقاء ــ يذكرهما سبحانه كثيرًا في كلامه، ويخبرُ أنهما حظُّ أعدائه، ويذكرُ ضدَّهما ــ وهما: الهدى والفلاح ــ كثيرًا، ويخبرُ أنهما حظُّ أوليائه.
أما الأول؛ فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧]، فالضلالُ الضلال، والسُّعُر هو الشقاءُ والعذاب، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].
وأما الثاني؛ فكقوله تعالى في أول «البقرة» ــ وقد ذكر المؤمنين وصفاتهم ــ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وكذلك في أول «لقمان»، وقال في «الأنعام»: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
ولما كانت سورةُ أمِّ القرآن أعظمَ سورةٍ في القرآن، وأفرضَها قراءةً على الأمَّة، وأجمَعها لكلِّ ما يحتاجُ إليه العبد، وأعمَّها نفعًا= ذكَر فيها الأمرين:
стр. 201
فأمرنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فذكر الهدايةَ والنعمة، وهما الهدى والفلاح.
ثمَّ قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فذكر المغضوبَ عليهم وهم أهلُ الشقاء، والضَّالِّين وهم أهلُ الضلال، وكلٌّ من الطائفتين له الضَّلالُ والشقاء، لكنْ ذَكَر الوصفين معًا لتكونَ الدَّلالةُ على كلٍّ منهما بصريح لفظِه.
وأيضًا؛ فإنه ذكر ما هو أظهرُ الوصفين في كلِّ طائفة، فإنَّ الغضب على اليهود أظهر؛ لعنادهم الحقَّ بعد معرفته، والضلال في النصارى أظهر؛ لغلبة الجهل فيهم، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون» (١).
فصل
وقولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ هو خطابٌ لمن أهبطه (٢) من الجنة بقوله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، ثم قال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
стр. 202
وكلا الخطابين لأبوي الثَّقلين.
وهو دليلٌ على أنَّ الجنَّ مأمورون منهيُّون، داخلون تحت شرائع الأنبياء، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمَّة، وأنَّ نبينا ﷺ بُعِثَ إليهم كما بُعِثَ إلى الإنس، كما لا خلاف بينها أنَّ مسيئهم مستحقٌّ للعقاب. وإنما اختلف (١) علماءُ الإسلام في المسلم منهم: هل يدخل الجنة (٢)؟
فالجمهورُ على أنَّ محسنهم في الجنة، كما أن مسيئهم في النار.
وقيل: بل ثوابهم سلامتُهم من الجحيم، وأمَّا الجنة فلا يدخلُها أحدٌ من أولاد إبليس، وإنما هي لآدم (٣) وصالحي ذريته خاصَّة. وحُكِيَ هذا القولُ عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى (٤).
واحتجَّ الأولون بوجوه:
أحدها: هذه الآية؛ فإنه سبحانه أخبر أنَّ من اتبعَ هداه فلا يخافُ ولا
стр. 203
يحزن، ولا يضلُّ ولا يشقى، وهذا مستلزمٌ لكمال النعيم.
ولا يقال: إنَّ الآية إنما تدلُّ على نفي العذاب فقط، ولا خلافَ أنَّ مؤمنيهم لا يعاقبون؛ لأنَّا نقول: لو لم تدلَّ الآيةُ إلا على أمرٍ عدميٍّ فقط لم يكن مدحًا لمؤمني الإنس، ولمَا كان فيها إلا مجردُ أمرٍ عدميٍّ، وهو عدمُ الخوف والحزن.
ومعلومٌ أنَّ سياقَ الآية ومقصودَها إنما أريدَ به أنَّ من اتبعَ هدى الله الذي أنزله حصل له غايةُ النعيم، واندفعَ عنه غايةُ الشقاء، وعبَّر عن هذا المعنى المطلوب بنفي الأمور المذكورة؛ لاقتضاء الحال لذلك، فإنه لما أُهبِط آدمُ من الجنة حصل له من الخوف والحزن والشقاء ما حصل، فأخبره سبحانه أنه مُعْطِيه وذريته عهدًا من اتبعه منهم انتفى عنه الخوف والحزن والضلال والشقاء، ومعلومٌ أنه لا ينتفي (١) ذلك كلُّه إلا بدخول دار النعيم (٢)، ولكنَّ المقام بذكر التصريح بنفي غاية (٣) المكروهات أولى.
الثاني: قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١].
стр. 204
فأخبرَ سبحانه عن نذيرهم ــ إخبار مقرٍّ له (١) ــ: أنَّ من أجابَ داعيه غَفَر له وأجارَه من العذاب.
ولو كانت المغفرةُ لهم إنما ينالونَ بها مجردَ النجاة من العذاب كان ذلك حاصلًا بقوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بل تمامُ المغفرة دخولُ الجنة والنجاةُ من النار، فكلُّ من غُفِرَ له فلا بدَّ له من دخول الجنة.
الثالث: قولُه تعالى في الحور العين: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦، ٧٤]؛ فهذا يدلُّ على أنَّ مؤمني الجنِّ والإنس يدخلون الجنة، وأنه لم يسبق من أحدٍ منهم طَمْثٌ لأحدٍ من الحُور، فدلَّ على أنَّ مؤمنيهم يتأتَّى منهم طمثُ الحور العين بعد الدخول، كما يتأتَّى من الإنس، ولو كانوا ممَّن لا يدخلُ الجنةَ لمَا حَسُنَ الإخبارُ عنهم بذلك (٢).
الرابع: قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٤ - ٢٥].
والجنُّ منهم مؤمنٌ ومنهم كافر، كما قال صالحوهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤]، فكما دخلَ كافرُهم في الآية الثانية (٣)
стр. 205
وجبَ أن يدخلَ مؤمنُهم في الآية الأولى (١).
الخامس: قولُه عن صالحيهم: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، والرَّشَدُ هو الهدى والفلاح، وهو الذي يهدي إليه القرآن، ومن لم يدخل الجنة لم يَنَلْ غايةَ الرشد، بل لم يحصل له من الرشد إلا مجردُ العدم.
السادس: قولُه تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، ومؤمنُهم ممَّن آمن بالله ورسله؛ فيدخل في المبشَّرين، ويستحقُّ البشارة.
السابع: قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، عَمَّ سبحانه بالدعوة، وخَصَّ بالهداية المُفْضِية إليها، فمن هداه إليها فهو ممَّن دعاه إليها؛ فمن اهتدى من الجنِّ فهو من المَدْعُوِّين إليها.
الثامن: قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ
стр. 206
رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٢٨ - ١٣٢]، وهذا عامٌّ في الجنِّ والإنس، فأخبر (١) تعالى أنَّ لكلِّهم درجاتٍ من عمله، فاقتضى أن يكون لِمُحْسِنهم درجاتٌ من عمله كما لِمُحْسِن الإنس.
التاسع: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ - ١٤] (٢).
ووجهُ التمسُّك بالآية من وجوهٍ ثلاثة:
أحدها: عمومُ الاسم الموصول فيها.
الثاني: ترتيبُه الجزاء المذكور على الصِّلة (٣)؛ ليَدُلَّ على أنه مُسْتَحَقٌّ بها، وهو قول: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ مع الاستقامة، والحكمُ يعمُّ بعموم علَّته؛ فإذا كان دخولُ الجنة مرتَّبًا على الإقرار بالله وربوبيته مع الاستقامة على أمره، فمن أتى بذلك (٤) استحقَّ الجزاء.
стр. 207
الثالث: أنه قال: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فدلَّ على أنَّ كلَّ من لا خوف عليه ولا حزن فهو من أهل الجنة.
وقد تقدَّم في أول الآيات قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وأنه متناولٌ للفريقين، ودلَّت هذه الآية على أنَّ من لا خوف عليه ولا حزن فهو من أهل الجنة.
العاشر: أنه إذا دخلَ مسيئُهم النارَ بعدل الله، فدخولُ محسنهم الجنةَ بفضله ورحمته أولى؛ فإنَّ رحمتَه سبقت غضبَه، والفضلُ أغلبُ من العدل.
ولهذا لا يُدْخِلُ النارَ إلا مَن عَمِل أعمالَ أهل النار، وأما الجنةُ فيُدخِلُها من لم يعمل خيرًا قطُّ (١)، بل ينشاءُ لها أقوامًا يُسْكِنُهم إياها من غير عملٍ عملوه، ويرفعُ فيها درجات العبد من غير سعيٍ منه، بل بما يصلُ إليه من دعاء المؤمنين وصلاتهم وصدقتهم وأعمال البرِّ التي يُهْدُونها إليه (٢)، بخلاف النار (٣) فإنه لا يُعَذَّبُ فيها بغير عملٍ أصلًا.
وقد ثبت بنصِّ القرآن وإجماع الأمَّة أنَّ مسيء الجنِّ في النار بعدل الله وبما كانوا يكسبون، فمحسنُهم في الجنة بفضل الله وبما كانوا يعملون.
لكن قيل: إنهم يكونون في رَبَض الجنة، يراهم أهلُ الجنة ولا يرونهم،
стр. 208
كما كانوا في الدُّنيا يرونَ بني آدم من حيثُ لا يرونهم (١). ومثلُ هذا لا يُعْلَمُ إلا بتوقيفٍ تنقطعُ الحجةُ عنده، فإن ثبتت حجةٌ يجب اتباعُها وإلا فهو مما يحكى ليُعْلَم، وصحتُه موقوفةٌ على الدليل، والله أعلم.
فصل
ومتابعةُ هدى الله التي رتَّب عليها (٢) هذه الأمور هي:
* تصديقُ خبره من غير اعتراض شبهةٍ تقدحُ في تصديقه.
* وامتثالُ أمره من غير اعتراض شهوةٍ تمنعُ امتثالَه.
وعلى هذين الأصلين مدارُ الإيمان، وهما: تصديقُ الخبر، وطاعةُ الأمر (٣).
стр. 209
ويتبعُهما أمران آخران، وهما:
* نفيُ شبهات الباطل الواردة عليه، المانعة من كمال التصديق (١)، وأن لا يَخْمِشَ بها وجهَ تصديقه.
* ودفعُ شهوات الغيِّ الواردة عليه، المانعة من كمال الامتثال.
فهنا أربعةُ أمور:
أحدها: تصديقُ الخبر.
الثاني: بذلُ الاجتهاد في ردِّ الشبهات التي تُوحيها شياطينُ الجنِّ والإنس في معارضته.
الثالث: طاعةُ الأمر.
الرابع: مجاهدةُ النفس في دفع الشهوات التي تحولُ بين العبد وبين كمال الطاعة.
وهذان الأمران ــ أعني: الشُّبهات، والشَّهوات ــ أصلُ فساد العبد وشقائه في معاشه ومعاده (٢)، كما أنَّ الأصلين الأوَّلين ــ وهما: تصديقُ الخبر، وطاعةُ الأمر ــ أصلُ سعادته وفلاحه في معاشه ومعاده.
وذلك أنَّ العبدَ له قوَّتان:
* قوةُ الإدراك والنظر، وما يتبعُها من العلم والمعرفة والكلام.
* وقوةُ الإرادة والحبِّ وما يتبعُها من النِّية والعزم (٣) والعمل. فالشبهةُ
стр. 210
تؤثِّر (١) فسادًا في القوة العلمية النظرية ما لم يُداوِها بدفعها، والشهوةُ تؤثِّر فسادًا في القوة الإرادية العملية ما لم يُداوِها بإخراجها.
قال الله تعالى في حقِّ نبيِّه يذكرُ ما مَنَّ به عليه مِن نزاهته وطهارته مما يلحقُ غيرَه من ذلك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]؛ فـ ﴿مَا ضَلَّ﴾ دليلٌ على كمال علمه ومعرفته، وأنه على الحقِّ المبين، ﴿وَمَا غَوَى﴾ دليلٌ على كمال رشده وأنه أبرُّ العالمين؛ فهو الكاملُ في علمه وفي عمله.
وقد وصفَ ﷺ بذلك خلفاءه من بعده وأمر باتِّباعهم على سنَّتهم (٢)، فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي» رواه الترمذيُّ وغيره (٣)؛ فالراشدُ ضدُّ الغاوي، والمهديُّ ضدُّ الضالِّ.
وقد قال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩]، فذكر تعالى
стр. 211
الأصلين، وهما داءُ الأولين والآخرين (١):
أحدهما: الاستمتاعُ بالخَلاق، وهو النصيبُ من الدُّنيا، والاستمتاعُ به متضمِّنٌ لنيل الشهوات المانعة من متابعة الأمر، بخلاف المؤمن فإنه وإن نال من الدُّنيا وشهواتها فإنه لا يستمتعُ بنصيبه كلِّه، ولا يُذْهِبُ طيِّباته في حياته الدُّنيا، بل ينالُ منها ما ينالُ ليتقوَّى به على التزوُّد لمعاده.
والثاني: الخوض بالشبهات الباطلة، وهو قولُه: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، وهذا شأنُ النفوس الباطلة التي لم تُخْلَقْ للآخرة، لا تزالُ ساعيةً في نيل شهواتها، فإذا نالتها فإنما هي في خوضٍ بالباطل (٢) الذي لا يُجْدِي عليها إلا الضررَ العاجل والآجل.
ومِنْ تمام حكمة الله تعالى أنه يبتلي هذه النفوسَ بالشقاء والتعب في تحصيل مراداتها وشهواتها، فلا تتفرغُ للخوض بالباطل إلا قليلًا، ولو تفرَّغت هذه النفوسُ الباطوليَّة (٣) لكانت أئمَّةً تدعو إلى النار، وهذا حالُ من
стр. 212
تفرَّغ منها كما هو مشاهدٌ بالعيان.
وسواءٌ كان المعنى: «وخضتم كالحزب الذي خاضوا»، أو: «كالفريق الذي خاضوا»؛ فإنَّ «الذي» يكونُ للواحد والجمع، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤]، لكن لا يجري على جمع تصحيح، فلا يجيء: «المسلمون الذي جاؤوا»، وإنما يجيءُ غالبًا في اسم الجمع، كالحزب، والفريق، أو حيثُ لا يُذْكَرُ الموصوفُ وإن كان جمعًا، كقول الشاعر (١):
وإنَّ الذي حانت بفَلْجٍ (٢) دماؤهم ... همُ القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالد
أو حيثُ يرادُ الجنسُ دون الواحد والعدد، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، ونظيره الآية التي نحن فيها، وهي قولُه: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾.
= أو كان المعنى على القول الآخر: «وخضتم خوضًا كالخوض الذي
стр. 213
خاضُوا»؛ فيكونُ صفةً لمصدرٍ محذوف، كقولك: اضرب كالذي ضَرَبَ، وأحسِنْ كالذي أحسَن، ونظائره. وعلى هذا فيكونُ العائدُ منصوبًا محذوفًا، وحذفُه في مثل ذلك قياسٌ مطَّرد (١).
وعلى القولين، فقد ذمَّهم سبحانه على الخوض بالباطل واتباع الشهوات، وأخبر أنَّ من كانت هذه حالتُه فقد حَبِط عملُه في الدُّنيا والآخرة، وهو من الخاسرين.
ونظيرُ هذا قولُ أهل النار لأهل الجنة، وقد سألوهم: كيف دخلوها: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٦]، فذكروا الأصلين: الخوض بالباطل وما يتبعه من التكذيب بيوم الدِّين، وإيثار الشهوات وما يستلزمُه (٢) من ترك الصَّلوات وإطعام ذوي الحاجات.
فهذا الأصلان هما ما هما. والله وليُّ التوفيق.
فصل
والقلبُ السليمُ الذي لا ينجو من عذاب الله إلا من أتى اللهَ به (٣) هو القلبُ الذي قد سَلِمَ من هذا وهذا؛ فهو القلبُ الذي قد سلَّم لربِّه، وسلَّم لأمره، ولم تبق فيه منازعةٌ لأمره، ولا معارضةٌ لخبره، فهو سليمٌ مما سوى
стр. 214
الله وأمرِه، لا يريدُ إلا الله، ولا يفعلُ إلا ما أمره الله، فالله وحده غايتُه، وأمرُه وشرعُه وسيلتُه وطريقتُه، لا تعترضه شبهةٌ (١) تحولُ بينه وبين تصديق خبره، لكنْ (٢) لا تمرُّ عليه إلا وهي مُجْتازة، تعلمُ أنه لا قرار لها فيه، ولا شهوة تحولُ بينه وبين متابعة رضاه.
ومتى كان القلبُ كذلك فهو سليمٌ من الشرك، وسليمٌ من البدع، وسليمٌ من الغيِّ، وسليمٌ من الباطل، وكلُّ الأقوال التي قيلت في تفسيره فذلك ينتظمُها (٣).
وحقيقتُه أنه القلبُ الذي قد سَلَّمَ لعبودية ربِّه حبًّا وخوفًا ورجاءً؛ ففَنِيَ بحبِّه (٤) عن حبِّ ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وسلَّم لأمره ولرسوله تصديقًا وطاعة، كما تقدَّم، واستسلَم لقضائه وقدره فلم يتَّهِمْه ولم يُنازِعْه ولم يتسخَّط لأقداره.
فأسلمَ لربِّه انقيادًا وخضوعًا، وذُلًا وعبودية، وسلَّم جميعَ أحكامه (٥)
стр. 215
وأقواله وأعماله وأذواقه ومَواجِيده ظاهرًا وباطنًا مِنْ (١) مشكاة رسوله، وعَرَض ما جاء من سواها عليها، فما وافقها قَبِلَه، وما خالفها ردَّه، وما لم يتبيَّن له فيه موافقةٌ ولا مخالفةٌ وقَفَ أمرَه وأرجأه إلى أن يتبيَّن له، وسالَم أولياءه وحزبه المفلحين الذَّابِّين عن دينه وسنة نبيه، القائمين بها، وعادى أعداءه المخالفين لكتابه وسنة نبيه، الخارجين عنهما، الدَّاعين إلى خلافهما (٢).
فصل
وهذه المتابعةُ هي التلاوةُ التي أثنى الله على أهلها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩]، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، والمعنى: يتبعون كتاب الله حقَّ اتباعه، وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢].
فحقيقةُ التِّلاوة في هذه المواضع هي التِّلاوة المطلقة التامة، وهي تلاوةُ اللفظ والمعنى؛ فتلاوةُ اللفظ جزءُ مسمَّى التِّلاوة المطلقة، وحقيقةُ اللفظ إنما هي الاتِّباع، يقال: اتلُ أثر فلان، وتلوتُ أثره وقفوتُه وقصصتُه بمعنى تبعتُه خلفَه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ١ - ٢]، أي: تَبِعَها في الطلوع بعد غيبتها، ويقال: جاء القومُ يتلو بعضُهم بعضًا، أي: يَتْبع.