← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1681–1704 · переход к 1686.

стр. 1681

فأمَّا الحديثُ الذي رواه أبو هريرة ﵁ [عن النبي ﷺ ] أنه قال: «الشُّؤم في المرأة والدَّار والدَّابة»، فإنَّ هذا الحديثَ يُتَوهَّمُ فيه الغلطُ على أبي هريرة، وأنه سمع فيه شيئًا من رسول الله ﷺ فلم يَعِه. حدثني محمد بن يحيى القُطَعي: حدَّثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي حسَّان الأعرج: أنَّ رجلين دخلا على عائشة، فقالا: إنَّ أبا هريرة ﵁ يحدِّثُ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما الطِّيَرة في المرأة والدار والدابَّة»، فطارت شِقَقًا (١)، ثمَّ قالت: كذَبَ ــ والذي أنزل الفرقَان على أبي القاسم ــ من حدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ، إنما قال رسولُ الله ﷺ : «كان أهلُ الجاهلية يقولون: إنَّ الطِّيَرة في الدَّابَّة والمرأة والدار»، ثمَّ قرأَت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. حدثني أبي (٢)، قال: حدَّثني أحمد بن الخليل، حدَّثنا موسى بن مسعود النَّهدي، عن عكرمة بن عمَّار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّا نزلنا دارًا فكَثُرَ فيها عَدَدنا، وكثرت فيها أموالُنا، ثمَّ تحوَّلنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالُنا، وقلَّ فيها عَدَدنا، فقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 1682

«ذَرُوها (١)، وهي ذميمة» (٢). قال أبو محمد: وهذا ليس ينقضُ الحديثَ الأول، ولا الحديثُ الأولُ ينقضُ هذا، وإنما أمَرهم بالتحوُّل منها لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقالٍ لظلِّها، واستيحاشٍ لِمَا نالهم فيها، فأمرهم بالتحوُّل، وقد جعَل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقالَ ما نالهم السوءُ فيه وإن كان لا سببَ له في ذلك، وحُبَّ من جرى على يده الخيرُ لهم وإن لم يُرِدْهم به، وبغضَ من جرى على يده الشرُّ لهم وإن لم يُرِدْهم به، وكيف يتطيَّر ﷺ والطِّيَرة من الجِبْت؟! وكان كثيرٌ من الجاهليَّة لا يرونها شيئًا، ويمدحونَ من كذَّب بها». ثمَّ أنشَد ما ذكرنا من الأبيات سالفًا (٣). ثمَّ قال: حدثنا إسحاق بن راهويه: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أبي أمية، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يَسْلَمُ منهنَّ أحد: الطِّيَرة والظنُّ والحسد»، قيل: فما المخرجُ منهن؟ قال: «إذا تطيَّرتَ فلا ترجِع، وإذا ظننتَ فلا تحقِّق، وإذا حسدتَ فلا تَبْغِ» (٤). هذه الألفاظ أو نحوها. حدثني أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعي، عن سعيد بن سَلْم (٥)، عن

стр. 1683

أبيه، أنه كان يَعْجَبُ ممَّن يصدِّقُ بالطِّيَرة، ويعيبُها أشدَّ العيب، وقال: فَرَقَت لنا ناقةٌ وأنا بالطَّفِّ (١)، فركبتُ في إثرها، فلقيني هاناء بن عبيد من بني وائل وهو مسرع، وهو يقول: * والشرُّ يُلْقَى مطالعَ الأكَم * (٢) ثمَّ لقيني آخرُ من الحيِّ، وهو يقول: ولئن بَغَيْتُ (٣) لهم بُغا ... ةً ما البُغاةُ بواجِدينا (٤) ثمَّ دفَعنا إلى غلامٍ قد وقعَ في صغره في نار، فأحرقَته، فقبُح وجهُه (٥) وفَسَد، فقلتُ له: هل ذكرتَ من ناقةٍ فارِق؟ قال: هاهنا أهلُ بيتٍ من الأعراب، فانظُر، فنظرتُ فإذا هي عندهم وقد أنتجَت، فأخذناها وولدَها. قال أبو محمد: الفارِق: التي حَمَلَت ففارقَت صواحبَها.

стр. 1684

وقال عكرمة: كنَّا جلوسًا عند ابن عباس، فمرَّ طائرٌ يصيح، فقال رجل: خَيْر خَيْر، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر (١). وكان رسول الله ﷺ يستحبُّ الاسمَ الحسن، والفألَ الصالح. حدثني الرِّياشي: حدثنا الأصمعي، قال: سألتُ ابن عون عن الفأل؟ فقال: هو أن يكونَ مريضًا فيسمع: يا سالم، أو يكون باغيًا (٢) فيسمع: يا وَاجِد (٣). وهذا أيضًا مما جُعِل في غرائز الناس وتركيبهم استحبابُه (٤) والأنسُ به، وكما جُعِل على الألسنة من التحيَّة بالسَّلام، والمَدِّ في الأمنية، والتبشير بالخير، وكما يقال: انعَم، واسْلَم، وأَنعِمْ صباحًا، وكما تقول الفُرس: عِشْ ألفَ نَوْرُوز (٥). والسامعُ لهذا يعلمُ أنه لا يقدِّمُ ولا يؤخِّر، ولا يزيدُ ولا ينقص، ولكن جُعِل في الطِّباع محبةُ الخير، والارتياحُ للبشرى والمنظر الأنيق والوجه الحسن والاسم الخفيف (٦). وقد يمرُّ الرجلُ بالروضة المنوِّرة فتسرُّه وهي لا تنفعه، وبالماء الصافي فيُعْجَبُ به وهو لا يشربُه ولا يَرِدُه.

стр. 1685

وفي بعض الحديث أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعْجَبُ بالأترجِّ، ويعجبه الحَمَامُ الأحمر (١)، وتعجبه الفاغِيةُ (٢)، وهو نَوْرُ الحنَّاء. وهذا مثلُ إعجابه بالاسم الحسن والفأل الحسن. وعلى حسب هذا كانت كراهتُه الاسمَ القبيح، كبني النار، وبني حُرَاق (٣)، وأشباه هذا. انتهى كلامه (٤). وقد سلك أبو عمر ابن عبد البرِّ في هذا الحديث نحوًا من مسلك أبي محمد بن قتيبة، فقال: أمَّا قوله ﷺ : «لا عدوى»، فهو نهيٌ أن يقول أحد: إنَّ شيئًا يُعْدِي شيئًا، وإخبارٌ أنَّ شيئًا لا يُعْدِي شيئًا، فكأنه قال: لا يُعْدِي شيءٌ شيئًا. يقول: لا يصيبُ أحدٌ من أحدٍ شيئًا من خُلُقٍ أو فعلٍ أو داءٍ أو مرض. وكانت العربُ تقول في جاهليَّتها في مثل هذا: إنه إذا اتصل شيءٌ من ذلك بشيءٍ أعداه، فأخبرهم رسولُ الله ﷺ أنَّ قولهم واعتقادَهم في ذلك ليس كذلك، ونهى عن ذلك القول؛ إعلامًا منه بأنَّ ما اعتَقَد من ذلك من

стр. 1686

اعتَقَد منهم كان باطلًا (١). قال: وأمَّا المُمْرِضُ: فالذي إبلهُ مِراض، والمُصِحُّ: الذي إبلهُ صِحاح. وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: يُكرَه (٢) أن يدخُل المريضُ على الصَّحيح منها (٣). وليس به إلا قولُ الناس (٤). فأشار إلى أن المنع من ذلك سدًّا لذريعة قول الناس (٥)، وحمايةً للقلب مما يستبقُ إليه من الأفهام ويقعُ فيه من التطيُّر والتشاؤم بذلك. وقد قال أبو عبيد قولًا قريبًا من ذلك، فقال: قوله في هذا الحديث: «إنه أذى» أي: إيرادَ المُمْرِض على المُصِحِّ. فقال: معنى الأذى عندي المأثم (٦). يعني أنَّ المُورِدَ يأثم بأذاه من أورَد عليه، وتعريضِه للتشاؤم والتطيُّر. وقد سلك بعضُهم مسلكًا آخر، فقال: ما يُخْبِرُ به النبيُّ ﷺ نوعان: أحدُهما: يخبِرُ به عن الوحي، فهذا خبرٌ مُطابِقٌ لمخبَره من جميع الوجوه، ذهنًا وخارجًا، وهو الخبرُ المعصوم. والثاني: ما يخبِرُ به عن ظنِّه من أمور الدنيا التي هم أعلمُ بها منه، فهذا ليس في رتبة النوع الأول، ولا تثبتُ له أحكامُه.

стр. 1687

وقد أخبر ﷺ عن نفسه الكريمة بذلك تفريقًا بين النوعين، فإنه لما سمع أصواتَهم في النَّخل وهم يؤبِّرونها ــ وهو التلقيح ــ قال: «ما هذا؟» فأخبروه بأنهم يلقِّحونها، فقال: «ما أرى لو تركتموه يضرُّ شيئًا»، فتركوه، فجاءَ شِيصًا، فقال: «إنما أخبرتكم عن ظنِّي، وأنتم أعلمُ بأمور دنياكم، ولكنْ ما أخبرتكم عن الله» (١). والحديثُ صحيحٌ مشهور، وهو من أدلَّة نبوَّته وأعلامها؛ فإنَّ من خفي عليه مثلُ هذا من أمر الدنيا وما أجرى اللهُ به عادته فيها، ثمَّ جاء من العلوم التي لا يمكنُ للبشر أن تطَّلع عليها (٢) البتَّة إلا بوحيٍ من الله، فأخبرَ عمَّا كان، وما يكون، وما هو كائنٌ من لَدُن خَلْقِ العالم إلى أن استقرَّ أهلُ الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وعن غيب السموات والأرض، وعن كلِّ سببٍ دقيقٍ أو جليلٍ تُنالُ به سعادةُ الدارين، وكلِّ سببٍ دقيقٍ أو جليلٍ تُنالُ به شقاوةُ الدارين، وعن مصالح الدنيا والآخرة وأسبابهما، ومفاسد الدنيا والآخرة وأسبابهما. مع كون معرفتهم بالدنيا وأمورها وأسباب حصولها ووجوه تمامها أكثرَ من معرفته، كما أنهم أعرفُ بالحساب والهندسة والصِّناعات والفِلاحة وعمارة الأرض والكتابة. فلو كان ما جاء به مما ينالُ بالتعلُّم والتفكُّر والنظر (٣) والطُّرق التي يسلُكها الناسُ لكانوا أولى به منه، وأسبقَ إليه؛ لأنَّ أسبابَ ما ينالُ بالفكرة

стр. 1688

والكتابة والحساب والنظر والصِّناعات بأيديهم. فهذا من أقوى براهين نبوَّته وآيات صدقه، وأنَّ هذا الذي جاء به لا صُنْعَ للبشر فيه البتَّة، ولا هو مما ينالُ بسعيٍ وكسبٍ وفكرٍ ونظر، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنزلَه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. قالوا: فهكذا إخباره عن عدم العدوى إخبارٌ عن ظنِّه، كإخباره عن عدم تأثير التلقيح، لا سيَّما وأحدُ البابين قريبٌ من الآخر، بل هو في النوع (١)، فإنَّ اتصال الذَّكر بالأنثى وتأثُّره به كاتِّصال المُعْدى بالمُعْدي وتأثُّره به، ولا ريب أنَّ كليهما من أمور الدنيا لا مما يتعلَّق به حكمٌ من أحكام الشرع، فليس الإخبارُ به كالإخبار عن الله سبحانه وصفاته وأسمائه وأحكامه. قالوا: فلمَّا تبيَّن له ﷺ من أمر الدنيا الذي أجرى الله سبحانه عادتَه به ارتباطَ هذه الأسباب بعضها ببعض، وتأثيرَ التلقيح في صلاح الثمار، وتأثيرَ إيراد المُمْرِض على المُصِحِّ= أقرَّهم على تأبير النخل، ونهاهم أن يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ. قالوا: وإن سمِّي هذا نسخًا بهذا الاعتبار فلا مشاحَّة في التسمية إذا ظهر المعنى، ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسَخ أحدُ القولين الآخر؟ يعني تحديثَه (٢) بالحديثين؛ فجوَّز أبو سلمة النسخَ في ذلك مع أنه خبر، وهو بما ذكرنا من الاعتبار.

стр. 1689

وهذا المسلكُ حسن، لولا أنه قد اجتمع الفصلان (١) في حديثٍ واحد، كما في «موطأ مالك» أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن ابن عطية أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا هامَ ولا صفَر، ولا يَحْلُل المُمْرِضُ على المُصِحِّ، وليَحْلُل المُصِحُّ حيث شاء»، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «إنه أذى» (٢). وقد يجابُ عن هذا بجوابين: أحدُهما: أنَّ الحديثَ لا يثبت؛ لوجهين: أحدهما: إرسالُه. والثاني: أنَّ ابنَ عطية هذا ــ ويقال: أبو عطية ــ مجهولٌ لا يُعْرَفُ إلا في هذا الحديث. الجواب الثاني: قولُه فيه: «لا عدوى» نهيٌ لا نفي، أي: لا يُعْدِ (٣) المُمْرِضُ المُصِحَّ (٤) بحلوله عليه. ويدلُّ على ذلك ما رواه أبو عمر النمري (٥): حدَّثنا خلف بن القاسم: حدثنا محمد بن عبد الله: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد: حدثنا أبو هشام

стр. 1690

الرفاعي: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: قال مالك: إنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن أبي عطية أو ابن عطية ــ شكَّ بِشْر ــ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا طِيَرة ولا هامَ، ولا يُعْدِ سقيمٌ صحيحًا، وليحلَّ المُصِحُّ حيث شاء». ففي هذا النهيِ (١) كالإثبات للعدوى والنهي عن أسبابها، ولعل بعضَ الرواة رواه بالمعنى، فقال: لا عدوى ولا طيَرة ولا هامَ، وإنما مخرجُ الحديث النهيُ عن العدوى، لا نفيُها. وهذا أيضًا حسنٌ لولا حديثُ ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : «فمن أعدى الأول؟» (٢). فهذا الحديثُ قد فهمَ منه السامعُ النفي، وأقرَّه عليه ﷺ ، ولهذا استشكَل نفيَه، وأوردَ ما أورده، فأجابه ﷺ بما يتضمنُ إبطالَ الدعوى، وهو قولُه: «فمن أعدى الأول؟». وهذا أصحُّ من حديث أبي عطية المتقدِّم. وحينئذٍ، فيُرجَعُ (٣) إلى مسلك التلقيح المذكور آنفًا، أو ما قبله (٤) من المسالك.

стр. 1691

وعندي في الحديثين مسلكٌ آخر يتضمَّن إثباتَ الأسباب والحِكَم، ونفيَ ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل، ووقوعَ النفي والإثبات على وجهه، فإنَّ القوم (١) كانوا يثبتونَ العدوى على مذهبهم من الشرك الباطل، كما يقوله المنجِّمون من تأثير الكواكب في هذا العالم وسُعودها ونحوسها، كما تقدَّم الكلامُ عليهم. ولو قالوا: إنها أسبابٌ أو أجزاءُ أسبابٍ إذا شاء الله صرَف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته، وإنها مسخَّرةٌ بأمره لِمَا خُلِقَت له، وإنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب التي ربَط بها مسبَّباتها، وجعَل لها أسبابًا أخرَ تعارضها وتمانعها، وتمنعُ اقتضاءها لِمَا جُعِلَت أسبابًا له. وإنها لا تقتضي مسبَّباتها إلا بإذنه ومشيئته وإرادته، ليس لها من ذاتها ضرٌّ ولا نفعٌ ولا تأثيرٌ البتَّة، إنْ هي إلا خلقٌ مسخَّرٌ مصرَّفٌ مربوب، لا تتحركُ إلا بإذن خالقها ومشيئته، وغايتُها أنها جزءُ سببٍ، ليست سببًا تامًّا، فسببيَّتها من جنس سببيَّة وطء الوالد في حصول الولد، فإنه جزءٌ واحدٌ من أجزاء كثيرةٍ من الأسباب التي خلقَ الله بها الجنين، وكسببيَّة شَقِّ الأرض وإلقاء البَذْر، فإنه جزءٌ يسيرٌ من جملة الأسباب التي يكوِّنُ الله بها النبات، وهكذا جملةُ أسباب العالَم من الغذاء والدواء والعافية والسَّقم وغير ذلك. وإنَّ الله سبحانه يجعلُ من ذلك سببًا ما يشاء ويبطلُ السببيَّةَ عمَّا يشاء، ويخلقُ من الأسباب المعارضة له ما يحولُ بينه وبين مقتضاه. فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه (٢) لما أُنكِرَ عليهم.

стр. 1692

كما أنَّ ذلك ثابتٌ في الداء والدواء، وقد تداوى النبيُّ ﷺ ، وأمر بالتَّداوي (١)، وأخبر أنَّ ما أنزَل اللهُ داءً إلا أنزَل له دواءً، إلا الهَرَم (٢)، فأعلمَنا أنه خالقُ أسباب الداء وأسباب الدواء المعارِضة المقاوِمة لها، وأمرَنا بدفع تلك الأسباب المكروهة بهذه الأسباب. وعلى هذا قيامُ مصالح الدارين، بل الخلقُ والأمرُ مبنيٌّ على هذه القاعدة، فإنَّ تعطيلَ الأسباب وإخراجَها عن أن تكون أسبابًا تعطيلٌ للشرع ومصالح الدنيا، والاعتمادَ عليها والركونَ إليها واعتقادَ أنَّ المسبَّبات بها وحدها وأنها أسبابٌ تامةٌ= شركٌ بالخالق وجهلٌ به وخروجٌ عن حقيقة التوحيد، وإثباتُ سببيَّتها على الوجه الذي خلقها اللهُ عليه وجعلها له إثباتٌ للخلق والأمر، للشرع والقدر، للسبب والمشيئة، للتوحيد والحكمة (٣). فالشارعُ يثبتُ هذا ولا ينفيه، وينفي ما عليه المشركون من اعتقادهم في ذلك. ويُشْبِهُ هذا نفيُه الشفاعةَ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ

стр. 1693

عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وإثباتُها في قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]. فإنه سبحانه نفى الشفاعةَ الشِّركيَّة التي كانوا يعتقدونها وأمثالُهم من المشركين، وهي شفاعةُ الوسائط لهم عند الله في جلب ما ينفعُهم ودفع ما يضرُّهم بذواتها وأنفسها بدون توقُّف ذلك على إذن الله ومرضاته لمن شاء أن يَشْفَعَ فيه الشافع، فهذه الشفاعةُ التي أبطلَها اللهُ سبحانه ونفاها، وهي أصلُ الشرك كلِّه، وقاعدتُه التي عليها بناؤه، وآخيَّتُه (١) التي يَرجِعُ إليها. وأثبتَ سبحانه الشفاعةَ التي لا تكونُ إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع قولِه وعملِه، وهي الشفاعةُ التي تُنال بتجريد التوحيد، كما قال ﷺ : «أسعدُ الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه» (٢). والشفاعةُ الأولى هي الشفاعةُ التي ظنَّها المشركون، وجعلوا الشرك وسيلةً إليها. فالمقامات ثلاثة: أحدها: تجريدُ التوحيد، وإثباتُ الأسباب، وهذا هو الذي جاءت به الشرائع، وهو مطابقٌ للواقع في نفس الأمر.

стр. 1694

الثاني: الشرك في الأسباب بالمعبود (١)، كما هو حالُ المشركين على اختلاف أصنافهم. الثالث: إنكارُ الأسباب بالكلِّية محافظةً من مُنكِرها على التوحيد. فالمنحرفون طرفان مذمومان؛ إمَّا قادحٌ في التوحيد بالأسباب، وإمَّا منكِرٌ للأسباب بالتوحيد، والحقُّ غيرُ ذلك، وهو إثباتُ التوحيد والأسباب، وربطُ أحدهما بالآخر، فالأسبابُ محلُّ حكمه الدِّينيِّ والكوني، والحُكمان عليها يجريان، بل عليها يترتَّب الأمرُ والنهي، والثوابُ والعقاب، ورضا الربِّ وسخطه، ولعنته وكرامته. والتوحيدُ تجريدُ الربوبية والإلهية عن كلِّ شرك. فإنكارُ الأسباب إنكارٌ لحكمته، والشركُ بها قدحٌ في توحيده، وإثباتُها والتعلُّقُ بالمسبِّب (٢) والتوكُّلُ عليه والثقةُ به والخوفُ منه والرجاءُ له وحده هو محضُ التوحيد والمعرفة. ففرقٌ (٣) بين ما أثبته الرسولُ وبين ما نفاه، وبين ما أبطله وبين ما اعتبره، فهذا لونٌ وهذا لون، والله الموفِّق للصواب. فصل ويُشْبِهُ هذا ما رُوِي عنه ﷺ من نهيه عن وطء الغَيْل، وهو وطء المرأة إذا

стр. 1695

كانت تُرضِع، وأنه يشبهُ قتلَ الولد سرًّا، وأنه يُدْرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُه (١). وقوله في حديثٍ آخر: «لقد هممتُ أن أنهى عنه، ثمَّ رأيتُ فارسَ والروم يفعلونه ولا يضرُّ ذلك أولادَهم شيئًا» (٢). وقد قيل: إنَّ أحدَ الحديثين منسوخٌ بالآخر، وإن لم نعلَم عَيْنَ الناسخ منهما من المنسوخ، لعدم علمنا بالتاريخ. وقيل ــ وهو أحسن ــ: إنَّ النفيَ والإثباتَ لم يتواردا على محلٍّ واحد، فإنه ﷺ أخبَر في أحد الجانبين أنه يفعَل في الولد مثلَ ما يفعَل من يصرعُ الفارسَ عن فرسه، كأنه يُدَعْثِرُه ويصرعُه، وذلك يوجبُ نوعَ وَهْن (٣)، ولكنه ليس بقتلٍ للولد وإهلاكٍ له، وإن كان قد يترتبُ عليه نوعُ أذًى للطفل؛ فأرشدَهم إلى تركه، ولم ينهَ عنه، بل قال: «علامَ يفعلُ أحدُكم ذلك؟» (٤)، ولم يقل: لا تفعلوه، فلم يجئ عنه ﷺ لفظٌ واحدٌ بالنهي عنه. ثمَّ عزَمَ على النهي سدًّا لذريعة الأذى الذي ينالُ الرضيع، فرأى أنَّ سدَّ هذه الذريعة لا يقاوم المفسدةَ التي تترتبُ على الإمساك عن وطء النساء مدَّة الرضاع، ولاسيَّما من الشَّباب وأرباب الشَّهوة التي لا يَكْسِرُها إلا مواقعةُ نسائهم.

стр. 1696

فرأى أنَّ هذه المصلحةَ أرجحُ من مفسدة سدِّ الذريعة بوطئهنَّ (١)، ورأى الأمَّتين اللتين هما من أكثر الأمم وأشدِّها بأسًا يفعلونه ولا يتَّقونه، مع قوَّتهم وشدَّتهم، فأمسَك عن النهي عنه. فلا تعارضَ إذًا بين الحديثين، ولا ناسخَ منهما ولا منسوخ، والله أعلم بمراد رسوله (٢). فصل ويُشْبِهُ هذا قولُه ﷺ (٣) للذي قال له: إنَّ لي أمَةً، وأنا أكرهُ أن تحبَل، وإني أعزِلُ عنها، فقال: «سيأتيها ما قُدِّرَ لها» (٤). فليس بين هذه الأحاديث تعارض، فإنه ﷺ لم يقل: إنَّ الولدَ يُخْلَقُ من غير ماء الواطاء، بل أخبر أنه سيأتيها ما قُدِّر لها ولو عَزَل، فإنه إذا قُدِّرَ خلقُ الولد قُدِّرَ سبقُ الماء والواطاءُ لا يشعر، بل يخرجُ منه ماءٌ يمازجُ ماءَ المرأة لا يشعُر به يكونُ سببًا في خلق الولد. ولهذا قال: «ليس من كلِّ الماء يكونُ الولد» (٥)، فلو خرج منه نطفةٌ لا

стр. 1697

يُحِسُّ بها لجعلها اللهُ مادةً للولد (١). قلت: مادةُ الولد [غير] مقصورةٍ على وقوع الماء بجملته في الرَّحم، بل إذا قدَّر الله خَلْقَ الولد من الماء فلو وُضِعَ على صخرةٍ لخُلِقَ منه الولد. كيف، والذي يعزِلُ في الغالب إنما يلقي ماءه قريبًا من الفرج، وذلك إنما يكونُ غالبًا عندما يحسُّ بالإنزال، وكثيرًا ما ينزلُ بعضُ الماء ولا يشعُر به، فينزلُه خارجَ الفرج ولا شعورَ له بما ينزلُ في الفرج، ولا بما خالطَ ماءَ المرأة منه. وبالجملة؛ فليس سببُ خلقِ الولد مقصورًا على الإنزال التَّامِّ في الفرج. ولقد حدَّثني غيرُ واحدٍ ممَّن أثقُ به أنَّ امرأته حَمَلَت مع عزله عنها لرضاعٍ وغيره، ورأيتُ بعض أولادهم ضعيفًا ضئيلًا. فصلواتُ الله وسلامه على من يصدِّقُ كلامُه بعضُه بعضًا، ويشهدُ بعضُه لبعض، فالاختلافُ والإشكالُ والاشتباهُ إنما هو في الأفهام، لا فيما خرجَ من بين شفتيه من الكلام. والواجبُ على كلِّ مؤمنٍ (٢) أن يَكِلَ ما أشكَل عليه إلى أصدق قائل، ويعلمَ أنَّ فوق كلِّ ذي علمٍ عليم (٣)، وأنه لو اعترَض على ذي صناعةٍ أو علمٍ من العلوم التي استنبطتها معاولُ الأفكار ولم يُحِط علمًا بتلك الصِّناعة والعلم، لأزرى على نفسه، وأضحَك صاحبَ تلك الصِّناعة والعلم على عقله.

стр. 1698

والنبيُّ ﷺ يذكرُ المقتضي في موضعٍ والمانعَ في موضعٍ آخر، ويُثْبِتُ الشيءَ في موضعٍ وينفي مثلَه في الصُّورة وعكسَه في الحقيقة، ولا يحيطُ أكثرُ الناس بمجموع نصوصه علمًا، ويسمعُ النصَّ ولا يسمعُ شرطَه ولا موانع مقتضاه ولا تخصيصَه، ولا ينتبهُ للفرق بين ما أثبته ونفاه، فينشأ من ذلك في حقِّه من الإشكالات ما ينشأ. وينضافُ هذا إلى عدم معرفة الخاصِّ بخطابه ومجاري كلامه. وينضافُ إلى ذلك تنزيلُ كلامه على الاصطلاحات التي أحدثَها أربابُ العلوم من (١) الأصوليِّين والفقهاء وعلم أحوال القلوب وغيرهم، فإنَّ لكلٍّ من هؤلاء اصطلاحاتٍ حادثةً في مخاطباتهم وتصانيفهم، فيجيءُ من قد أَلِفَ تلك الاصطلاحات الحادثة وسبقَت معانيها إلى قلبه فلم يعرِف سواها، فيسمعُ كلامَ الشارع فيحملُه على ما ألِفَه من الاصطلاح، فيقعُ بسبب ذلك في الفهم عن الشارع ما لم يُرِده بكلامه، ويقعُ من الخلل في نظره ومناظرته ما يقع (٢). وهذا من أعظم أسباب الغلط عليه (٣)، مع قلَّة البضاعة من معرفة نصوصه.

стр. 1699

فإذا اجتمعت هذه الأمورُ مع نوع فسادٍ في التصوُّر، أو القصد، أوهَما ما شئتَ من خَبْطٍ وغلطٍ وإشكالاتٍ واحتمالاتٍ وضرب كلامه بعضه ببعض، وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته، والله المستعان. فصل وأمَّا قضيةُ المجذوم؛ فلا ريب أنه رُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد» (١)، وأرسل إلى ذلك المجذوم: «إنَّا قد بايعناك فارجِع» (٢)، وأخَذ بيد مجذومٍ فوضعها في القصعة، وقال: «كُلْ، ثقةً بالله وتوكُّلًا عليه» (٣). ولا تنافي بين هذه الآثار، ومن أحاطَ علمًا بما قدَّمناه تبيَّن له وجهُها، وأنَّ غايةَ ذلك أنَّ مخالطةَ المجذوم من أسباب العدوى، وهذا السببُ يعارضُه أسبابٌ أخرُ تمنعُ اقتضاءه. فمِنْ أقواها: التَّوكُّلُ على الله والثقةُ به، فإنه يمنعُ تأثيرَ ذلك السبب المكروه، ولكن لا يقدرُ كلُّ واحدٍ من الأمَّة على هذا، فأرشدَهم إلى مجانبة

стр. 1700

السبب المكروه والفرار والبعد منه. ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة، تشريعًا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه وأن يتعرَّض العبدُ لأسباب البلاء. ثمَّ وضعُ يده معه في القصعة، فإنما هو بسبب التوكُّل على الله والثقة به الذي هو من أعظم الأسباب التي يُدْفَعُ بها المكروه والمحذور؛ تعليمًا منه للأمَّة دفعَ الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها، وإعلامًا بأنَّ الضرَّ والنفعَ بيد الله ، فإن شاء أن يضرَّ عبدَه ضرَّه، وإن شاء أن ينفعه نفعه، وإن شاء أن يصرفَ عنه الضرَّ صرَفه، بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر، ويضرَّه بما هو من أسباب النفع فعَل. ليتبيَّن العبادُ أنه وحده الضارُّ النافع، وأنَّ أسبابَ الضرِّ والنفع بيده، وهو الذي جعلها أسبابًا، وإن شاء خلعَ منها سببيَّتها، وإن شاء جعَل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها، ليُعْلَم أنه الفاعلُ المختار، وأنه لا يضرُّ شيءٌ ولا ينفعُ إلا بإذنه، وأنَّ التوكُّل عليه والثقةَ به تحيلُ الأسبابَ المكروهةَ إلى خلاف موجَباتها، وتبيِّن مرتبتَها، وأنها مَحَالُّ لمجاري مشيئة الله وحكمته، وأنه سبحانه هو الذي يضرُّ بها وينفع، ليس إليها ولا لها من الأمر شيء، وأنَّ الأمر كلَّه لله، وأنها إنما ينالُ ضررُها من علَّق قلبه بها، ووقفَ عندها، وتطيَّر بما يُتَطيَّر منها، فذلك الذي يصيبه (١) مكروهُ الطِّيَرة. والطِّيَرة سببٌ للمكروه (٢) على المتطيِّر، فإذا توكَّل على الله ووثقَ به

стр. 1701

واستعان به لم يصدَّه التطيُّر (١) عن حاجته، وقال: اللهم لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا إلهَ غيرُك، اللهمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهبُ بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوَّة إلا بك، فإنه لا يضرُّه ما تطيَّر منه شيئًا. قال ابنُ مسعود: «ما منَّا إلا» يعني: من يتطيَّر، «ولكنَّ الله يُذْهِبه بالتوكُّل» (٢). وقد رُوِي مرفوعًا، والصوابُ عن ابن مسعودٍ قولَه. فالطِّيَرة إنما تصيبُ المتطيِّر لشركه، والخوفُ دائمًا مع الشرك، والأمنُ دائمًا مع التوحيد؛ قال تعالى حكايةً عن خليله إبراهيم أنه قال في محاجَّته لقومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]، فحَكَم الله بين الفريقين بحكمه، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ تفسيرُ الظُّلم فيها بالشرك، وقال: «ألم تسمعوا قولَ العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٣). فالتوحيدُ من أقوى أسباب الأمن من المَخاوِف، والشركُ من أعظم أسباب حصول المَخاوِف.

стр. 1702

ولذلك (١) من خافَ شيئًا غيرَ الله سُلِّط عليه، وكان خوفُه منه هو سببَ تسليطه عليه، ولو خاف اللهَ دونه ولم يَخَفْهُ لكان عدمُ خوفه منه وتوكُّلُه على الله من أعظم أسباب نجاته منه. وكذلك من رجا شيئًا غيرَ الله حُرِمَ ما رجاه منه، وكان رجاؤه غيرَ الله من أقوى أسباب حرمانه، فإذا رجا اللهَ وحده كان توحيدُ رجائه أقوى (٢) أسباب الفوز بما رجاه، أو بنظيره، أو بما هو أنفعُ له منه، والله الموفق للصواب. وليكن هذا آخرَ الكتاب، وقد جُلِبَت (٣) إليك فيه نفائس في مثلها يتنافسُ المتنافسون، وجُلِيَت عليك فيه عرائس إلى مثلهنَّ بادَر الخاطبون. فإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ العلم وفضله، وشدَّة الحاجة إليه، وشرفَه وشرفَ أهله، وعِظَم موقعه في الدارين. وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ إثبات الصانع بطُرقٍ واضحاتٍ جليَّات تَلِجُ القلوبَ بغير استئذان، ومعرفةَ حكمته في خلقه وأمره. وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ قَدْر الشريعة، وشدَّةَ الحاجة إليها، ومعرفةَ جلالتها وحكمتها. وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفة النبوَّة وشدَّةَ الحاجة إليها بل ضرورة (٤) الوجود إليها، وأنه يستحيلُ من أحكم الحاكمين أن يُخْلِيَ العالم عنها.

стр. 1703

وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ ما فَطر اللهُ عليه العقولَ (١) من تحسين الحسن وتقبيح القبيح، وأنَّ ذلك أمرٌ عقليٌّ فطري، بالأدلة والبراهين التي اشتَمل عليها هذا الكتاب ولا توجدُ في غيره. وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفة الردِّ على المنجِّمين القائلين بالأحكام بأبلغ طرق الردِّ عليهم من نفس صناعتهم وعلمهم، وإلزامهم بالإلزامات المُفْحِمة التي لا جوابَ لهم عنها، وإبداء تناقضهم في صناعتهم، وفضائحهم وكذبهم على الخلق والأمر. وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ الطِّيَرة والفأل والزَّجْر، والفرقَ بين صحيح ذلك وباطله، ومعرفةَ مراتب هذه في الشريعة والقَدَر. وإن شئتَ اقتبستَ منه أصولًا نافعةً جامعةً مما تَكْمُلُ به النفسُ البشرية وتنالُ بها سعادتَها في معاشها ومعادها. إلى غير ذلك من الفوائد التي ما كان منها صوابًا فمن الله وحده هو المانُّ به (٢)، وما كان منها خطأً (٣) فمن مؤلِّفه ومن الشيطان، والله بريءٌ منه ورسوله. والله سبحانه المسؤولُ والمرغوبُ إليه المأمولُ أن يجعلَه خالصًا لوجهه، وأن يعيذَنا من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، وأن يوفِّقنا لما يحبُّه ويرضاه، إنه قريبٌ مجيب.

стр. 1704

والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. * * * *