← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

فصل وأمَّا قولُه ﷺ : «الشُّؤم في ثلاث» الحديث؛ فهو حديثٌ صحيحٌ من رواية ابن عمر، وسهل بن سعد، ومعاوية بن حكيم ﵃ (١). وقد رُوِيَ أنَّ أم سلمة كانت تزيد: «السَّيف»، يعني في حديث الزهري عن حمزة وسالم عن أبيهما في الشُّؤم (٢). وقد اختلفَ الناسُ في هذا الحديث، وكانت عائشةُ أم المؤمنين ﵂ تُنكِرُ أن يكون كلام النبيِّ ﷺ ، وتقول: إنما حكاه رسولُ الله ﷺ عن أهل الجاهلية وأقوالهم. فذكر أبو عمر بن عبد البر (٣) من حديث هشام بن عمَّار: حدثنا

стр. 1647

الوليد بن مسلم، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي حسَّان: أنَّ رجلين دخلا على عائشة وقالا: إنَّ أبا هريرة يحدِّثُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنما الطِّيَرة في المرأة والدار والدَّابة»، فطارت شِقَّةٌ (١) منها في السماء، وشِقَّةٌ في الأرض، ثمَّ قالت: كذَب ــ والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم ــ من حدَّث عنه بهذا، ولكنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «كان أهلُ الجاهلية يقولون: إنَّ الطِّيَرة في المرأة والدَّابة»، ثمَّ قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. قال أبو عمر: وكانت عائشةُ تنفي الطِّيَرة، ولا تعتقدُ شيئًا منها، حتى قالت لنسوةٍ كنَّ يكرهن البناءَ بأزواجهنَّ في شوَّال: ما تزوَّجني رسولُ الله ﷺ إلا في شوَّال، وما دخل بي إلا في شوَّال، فمن كان أحظى منِّي عنده؟! وكانت تستحبُّ أن يدخلنَ على أزواجهنَّ في شوَّال (٢). قال أبو عمر: وقولها في أبي هريرة: «كَذَبَ» فإنَّ العرب تقول: كذبتَ، بمعنى غلطتَ فيما قدَّرتَ، وأوهَمْتَ فيما قلتَ، ولم تظُنَّ حقًّا (٣)، ونحو هذا، وذلك معروفٌ من كلامهم (٤)، موجودٌ في أشعارهم كثيرًا، قال

стр. 1648

أبو طالب (١): كذبتم وبيتِ الله نَتْرُكُ مكَّةً ... ونَظْعَنُ، إلا أمرُكم في بَلابلِ كذبتم وبيتِ الله نُبْزَى محمدًا (٢) ... ولمَّا نُطاعِنْ دونه ونُناضِلِ ونُسْلِمُه حتَّى نُصَرَّع حولَه ... ونُذْهَلَ عن أبنائنا والحلائل وقال شاعرٌ من هَمْدان (٣): كذبتم ــ وبيتِ الله ــ لا تأخذُونها ... مُراغَمةً ما دام للسَّيفِ قائمُ وقال زُفَرُ بن الحارث العبسي (٤): أفي الحقِّ أمَّا بَحْدَلٌ وابنُ بَحْدَلٍ ... فيحيا وأمَّا ابنُ الزُّبير فيُقْتَلُ كذبتم ــ وبيتِ الله ــ لا تقتلونه ... ولمَّا يكن أمرٌ أغرُّ محجَّلُ قال: ألا ترى أنَّ هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضدُّ الصِّدق، وإنما هو من باب الغلط وظنِّ ما ليس بصحيح، وذلك أنَّ قريشًا زعموا أنهم يُخْرِجون بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جِوارَ محمَّدٍ ﷺ ، فقال لهم

стр. 1649

أبو طالب: «كذبتم» أي: غلطتم فيما قلتم وظننتم. وكذلك معنى قول الهَمْدانيِّ والعبسي. وهذا مشهورٌ من كلام العرب. قلت: ومن هذا قولُ سعيد بن جبير: «كذبَ جابرُ بن زيد» يعني في قوله: «الطلاقُ بيد السيِّد» (١)، أي: أخطأ. ومن هذا قولُ عبادة بن الصامت: «كذبَ أبو محمَّد» لمَّا قال: «الوترُ واجب» (٢) أي: أخطأ. وفي «الصحيح» (٣) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كذَبَ أبو السَّنابل»، لمَّا أفتى أنَّ الحاملَ المتوفَّى عنها زوجُها لا تتزوَّج حتى تتمَّ لها أربعة أشهر وعشرًا، ولو وضعَت. وهذا كثير. والمقصود: أنَّ عائشة ﵂ ردَّت هذا الحديث، وأنكرَته، وخطَّأت قائلَه (٤).

стр. 1650

ولكنَّ قولَ عائشة هذا مرجوح (١)، ولها ﵂ اجتهادٌ في ردِّ بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرُها من الصحابة (٢). وهي ﵂ لما ظنَّت أنَّ هذا الحديث يقتضي إثباتَ الطِّيَرة التي هي من الشرك لم يَسَعْها غيرُ تكذيبه وردِّه، ولكنَّ الذين رووه ممَّن لا يمكنُ ردُّ روايتهم، ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده، ولو انفرد به فهو حافظُ الأمَّة على الإطلاق، وكلُّ ما رواه عن النبيِّ ﷺ فهو صحيح، بل قد رواه عن النبيِّ ﷺ عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسهل بن سعد الساعدي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، ﵃، وأحاديثهم في «الصحيح» (٣). فالواجبُ بيانُ معنى الحديث، ومباينته للطِّيَرة الشِّركيَّة. فنقولُ وبالله التوفيق: هذا الحديثُ قد رُوِي على وجهين: أحدهما: بالجزم. والثاني: بالشرط. فأمَّا الأول؛ فرواه مالك، عن ابن شهاب، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشُّؤم في الدار والمرأة والفرس»، متفقٌ عليه.

стр. 1651

وفي لفظٍ في «الصحيحين» عنه: «لا عدوى، ولا صفر، ولا طِيَرة، وإنما الشُّؤم في ثلاثة: المرأة، والفَرس، والدار». وأمَّا الثاني؛ ففي «الصحيحين» أيضًا عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنْ كان؛ ففي المرأة، والفَرس، والمسكن»، يعني: الشُّؤم. وقال البخاري: «إن كان في شيء». وفي «صحيح مسلم» عن جابر مرفوعًا: «إن كان في شيءٍ؛ ففي الرَّبْع، والخادم، والفَرس» (١). وفي «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر مرفوعًا: «إن يكن من الشُّؤم شيءٌ حقًّا؛ ففي الفَرس، والمسكن، والمرأة». وروى زهير بن معاوية، عن عُتبة بن حميد، قال: حدثني عبيد الله بن أبي بكر، أنه سمع أنسًا يقول: قال رسولُ الله ﷺ : «لا طِيَرة، والطِّيَرة على من تطيَّر، وإن يكن في شيءٍ ففي المرأة، والدَّار، والفَرس». ذكره أبو عمر (٣). وقالت طائفةٌ أخرى: لم يجزم النبيُّ ﷺ بالشُّؤم في هذه الثلاثة، بل علَّقه على الشَّرط، فقال: «إن يكن الشُّؤم في شيءٍ»، ولا يلزمُ من صِدق الشَّرطيَّة

стр. 1652

صدقُ كلِّ واحدٍ من مفردَيها، فقد يصدقُ التلازمُ بين المستحيلَين (١). قالوا: ولعلَّ الوهمَ وقع من ذلك، وهو أنَّ الراوي غَلِط، وقال: الشُّؤم في ثلاثة، وإنما الحديث: «إن كان الشُّؤم في شيءٍ ففي ثلاثة». قالوا: وقد اختُلف على ابن عمر، والروايتان صحيحتان عنه. قالوا: وبهذا يزولُ الإشكال، ويتبيَّن وجهُ الصواب. وقالت طائفةٌ أخرى (٢): إضافةُ رسول الله ﷺ الشُّؤم إلى هذه الثلاثة مجازٌ واتِّساع، أي: قد يحصلُ الشُّؤم مقارنًا لها وعندها، لا أنها هي في أنفسها مما يوجبُ الشُّؤم. قالوا: وقد تكونُ الدارُ قد قضى الله عليها أن يميتَ فيها خلقًا من عباده، كما يقدِّرُ ذلك في البلد الذي ينزلُ الطاعونُ به، وفي المكان الذي يكثرُ الوباءُ فيه، فيضافُ ذلك إلى المكان مجازًا، والله خلقه عنده، وقدَّره فيه، كما يخلقُ الموتَ عند قتل القاتل، والشِّبعَ والرِّيَّ عند أكل الآكل وشُرب الشارب. فالدارُ التي يهلكُ بها أكثرُ ساكنيها توصَفُ بالشُّؤم، لأنَّ الله قد خصَّها بكثرة من قبض فيها، فمن كتبَ اللهُ عليه الموتَ في تلك الدار حَسَّنَ إليه سُكناها، وحرَّكه إليها، حتى يقبض روحَه في المكان الذي كتبَ له، كما ساقَ الرجلَ من بلدٍ إلى بلدٍ للأثر (٣) والبقعة التي قضى أنه يكونُ مدفنُه بها.

стр. 1653

قالوا: وكذلك ما يوصفُ من طول أعمار بعض أهل البلدان، ليس ذلك من أجل صحَّة هواءٍ، ولا طِيب تُربة، ولا طبعٍ يزدادُ (١) به الأجل، وينقصُ لفواته، ولكنَّ الله سبحانه قد خلقَ ذلك المكان وقضى أن يسكنَه أطولُ خلقه أعمارًا، فيسوقُهم إليه، ويجمعهُم فيه، ويحبِّبه إليهم. قالوا: وإذا كان هذا على ما وصفنا في الدُّور والبقاع جاز مثلُه في النِّساء والخَيل؛ فتكون المرأة قد قدَّر الله عليها أن تتزوَّج عددًا من الرجال، ويموتون معها، فلا بدَّ من إنفاذ قضائه وقدره، حتى إنَّ الرجلَ ليُقْدِمُ عليها من بعد علمه بكثرة من مات معها (٢) لوجهٍ من الطَّمع يقودُه إليها، حتى يتمَّ قضاؤه وقدرُه، فتوصفُ المرأة بالشُّؤم لذلك، وكذلك الفَرس، وإن لم يكن لشيءٍ من ذلك فعلٌ ولا تأثير. وقال ابن القاسم: سئل مالكٌ عن الشُّؤم في الفرس والدار، فقال: إنَّ ذلك كذلك (٣) فيما نرى، كم من دارٍ قد سكنها ناسٌ فهلكوا، ثم سكنها آخرون فهلكوا. قال: فهذا تفسيره فيما نرى، والله أعلم (٤). وقالت طائفةٌ أخرى: شؤمُ الدار مجاورة جار السُّوء لها (٥)، وشؤمُ

стр. 1654

الفَرس أن لا يُغزى عليها في سبيل الله، وشؤمُ المرأة أن لا تلد وتكونَ سيِّئةَ الخُلق (١). وقال طائفةٌ أخرى، منهم الخطابي: هذا مستثنى من الطِّيَرة، أي: الطِّيَرة منهيٌّ عنها إلا أن يكون له دارٌ يكره سُكناها، أو امرأةٌ يكره صحبتَها، أو فرسٌ أو خادم، فليفارق الجميعَ بالبيع والطَّلاق ونحوه، ولا يقيمُ على الكراهة والتأذِّي به، فإنه شؤم (٢). وقد سلك هذا المسلكَ أبو محمد بن قتيبة في كتاب «مشكل الحديث» له (٣)، لمَّا ذكر أنَّ بعض الملاحدة اعترض بحديث هذه الثلاثة. وقال طائفةٌ أخرى: الشُّؤم في هذه الثلاثة إنما يلحقُ من تشاءم بها وتطيَّر بها، فيكونُ شؤمها عليه، ومن توكَّل على الله ولم يتشاءم ولم يتطيَّر لم تكن مشؤومةً عليه. قالوا: ويدلُّ عليه حديثُ أنس: «الطِّيَرة على من تطيَّر» (٤)، وقد يجعلُ الله سبحانه تطيُّر العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه به، كما يجعلُ الثِّقةَ به والتوكُّل عليه وإفرادَه بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفعُ بها الشرَّ المتطيَّر به. وسرُّ هذا: أنَّ الطِّيَرة إنما تتضمَّنُ (٥) الشركَ بالله تعالى، والخوفَ من

стр. 1655

غيره، وعدم التوكُّل عليه والثِّقة به، كان صاحبُها غرضًا لسهام الشرِّ والبلاء، فيسرعُ نفوذُها فيه، لأنه لم يتدرَّع من التوحيد والتوكُّل بجُنَّةٍ واقية، وكلُّ من خاف شيئًا غيرَ الله سُلِّطَ عليه، كما أنَّ من أحبَّ مع الله غيرَه عُذِّبَ به، ومن رجا مع الله غيرَه خُذِلَ من جهته. وهذه أمورٌ تجربتُها تكفي (١) عن أدلَّتها. والنَّفسُ لابدَّ أن تتطيَّر، ولكنَّ المؤمنَ القويَّ الإيمان يدفعُ مُوجَبَ تطيُّره بالتوكُّل على الله، فإنَّ من توكَّل على الله وحده كفاه مِنْ غيره، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠]. ولهذا قال ابن مسعود: «وما منَّا إلا» يعني: من يُقارِبُ التطيُّر، «ولكنَّ الله يُذْهِبه بالتوكُّل» (٢). ومن هذا قولُ زبَّان بن سيَّار: أطارَ الطيرَ إذ سِرْنا زيادٌ ... لِتُخْبِرَنا وما فيها خبيرُ أقام كأنَّ لقمان بن عادٍ ... أشار له بحكمته مشيرُ تَعَلَّمْ أنه لا طيرَ إلا ... على مُتَطيِّرٍ وهو الثُّبورُ قالوا: فالشُّؤم الذي في الدار والمرأة والفَرس قد يكونُ مخصوصًا بمن تشاءم بها وتطيَّر، وأمَّا من توكَّل على الله وخافَه وحده ولم يتطيَّر ولم يتشاءم فإنَّ الفَرس والمرأة والدار لا تكون شؤمًا في حقِّه.

стр. 1656

وقالت طائفةٌ أخرى: معنى الحديث: إخبارُه ﷺ عن الأسباب المثيرة للطِّيَرة الكامنة في الغرائز، يعني: أنَّ المثيرَ للطِّيَرة في غرائز الناس هي هذه الثلاثة، فأخبَرنا بها لنأخُذ الحذرَ منها، فقال: «الشُّؤم في الدار والمرأة والفرس»، أي: أنَّ الحوادثَ التي تكثرُ مع هذه الأشياء (١)، والمصائبَ التي تتوالى عندها، تقودُ الناسَ إلى التشاؤم بها، فقال: «الشُّؤم فيها»، أي: أنَّ الله قد يقدِّره فيها على قومٍ دون قوم. فخاطَبهم ﷺ بذلك لِمَا استقرَّ عندهم منه ﷺ من إبطال الطِّيَرة وإنكار العدوى، ولذلك لم يستفهموه في ذلك عن معنى ما أراده ﷺ ، كما تقدَّم لهم في قوله: «لا يوردُ المُمْرِضُ على المُصِحِّ» (٢)، فقالوا عنده: وما ذاك يا رسول الله؟ فأخبرهم أنه خافَ في ذلك الأذى الذي يُدْخِلُه المُمْرِضُ على المُصِحِّ، لا العدوى؛ لأنه ﷺ أمر بالتَّوادُد، وإدخال السُّرور بين المؤمنين، وحُسْن التجاوز، ونهى عن التقاطُع والتباغُض والأذى. فمن اعتقدَ أنَّ رسول الله ﷺ نسبَ الطِّيَرةَ والشُّؤم إلى شيءٍ من الأشياء على سبيل أنه مؤثِّرٌ لذلك دون الله، فقد أعظمَ الفرية على الله وعلى رسوله وضلَّ ضلالًا بعيدًا. والنبيُّ ﷺ ابتدأهم بنفي الطِّيَرة والعدوى، ثمَّ قال: «الشُّؤم في ثلاث»، قطعًا لتوهُّم الطِّيَرة المنفيَّة في الثلاثة التي أخبرَ أنَّ الشُّؤم يكونُ فيها، فقال: «لا عدوى، ولا طيَرة، والشُّؤم في ثلاثة»، فابتدأهم بالمؤخَّر من الخبر تعجيلًا لهم بالإخبار بفساد العدوى والطِّيَرة المتوهَّمة من قوله: «الشُّؤم في ثلاثة».

стр. 1657

وبالجملة؛ فإخباره ﷺ بالشُّؤم أنه يكونُ في هذه الثلاثة ليس فيه إثباتُ الطِّيَرة التي نفاها، وإنما غايتُه أنَّ الله سبحانه قد يخلقُ منها أعيانًا مشؤومةً على مَنْ قارَبها وسكَنها، وأعيانًا مباركةً لا يلحقُ مَنْ قارَبها منها شؤمٌ ولا شرٌّ. وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا يرَيان الخيرَ على وجهه، ويعطي غيرَهما ولدًا مشؤومًا نذلًا يرَيان الشرَّ على وجهه، وكذلك ما يُعْطَاهُ العبدُ من ولايةٍ أو غيرها، فكذلك الدارُ والمرأةُ والفَرس. واللهُ سبحانه خالقُ الخير والشرِّ والسُّعود والنُّحوس، فيخلقُ بعضَ هذه الأعيان سُعودًا مباركة، ويقضي بسعادة مَنْ قارَبها (١)، وحصول اليُمْن له والبركة، ويخلقُ بعضَ ذلك نحوسًا ينتحسُ بها مَنْ قارَبها. وكلُّ ذلك بقضائه وقدره، كما خلقَ سائرَ الأسباب وربَطها بمسبَّباتها المتضادَّة والمختلفة، فكما (٢) خلقَ المِسْكَ وغيرَه من حامل الأرواح الطِّيبة (٣)، ولذَّذَ بها مَنْ قارَبها من الناس، وخلقَ ضدَّها وجعلها سببًا لألم مَنْ قارَبها من الناس. والفرقُ بين هذين النوعين يُدْرَكُ بالحِسِّ، فكذلك في الدِّيار والنِّساء والخيل، فهذا لونٌ والطِّيَرة الشركيَّةُ لون. فصل وأمَّا الأثرُ الذي ذكره مالكٌ عن يحيى بن سعيد: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، دارٌ سكنَّاها والعددُ كثيرٌ والمالُ وافر، فقلَّ العدد، وذهبَ المال، فقال النبيُّ ﷺ : «دعوها، ذميمة».

стр. 1658

وقد ذكر هذا الحديثَ غيرُ مالكٍ من رواية أنس، أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّا نزلنا دارًا فكَثُرَ فيها عددُنا، وكثُرت فيها أموالُنا، ثمَّ تحوَّلنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالُنا، وقلَّ فيها عددُنا، فقال رسول الله ﷺ : «تحوَّلوا عنها» (١). فليس هذا من الطِّيَرة المنهيِّ عنها، وإنما أمرهم ﷺ بالتحوُّل عنها عندما وقعَ في قلوبهم منها، لمصلحتين ومنفعتين: إحداهما: مفارقتُهم لمكانٍ هم له مستثقلون، ومنه مستوحشون، لِمَا لحقهم فيه ونالهم عنده، ليتعجَّلوا الرَّاحةَ مما داخَلَهم من الجزع في ذلك المكان والحُزن والهلع؛ لأنَّ الله قد جعل في غرائز الناس وتركيبهم استثقالَ ما نالهم الشرُّ فيه وإن كان لا سببَ له في ذلك، وحُبَّ من جرى لهم على يديه الخيرُ وإن لم يُرِدْهم به. فأمرهم بالتحوُّل مما كرهوه؛ لأنَّ الله بعثه رحمةً ولم يبعثه عذابًا، وأرسله ميسِّرًا ولم يرسله معسِّرًا، فكيف يأمرُهم بالمقام في مكانٍ قد أحزنهم المقامُ به، واستوحشوا عنده، لكثرة من فقدوه فيه، لغير منفعةٍ ولا طاعةٍ ولا مزيد تقوى وهدى؟! لاسيَّما (٢) وطولُ مقامهم فيها ــ بعدما وصل إلى قلوبهم منها ما وصل ــ قد يبعثُهم ويقودُهم إلى التشاؤم والتطيُّر، فيوقعُهم ذلك في أمرين عظيمين:

стр. 1659

أحدهما: مقارفةُ (١) الشرك. والثاني: حلولُ مكروهٍ آخرَ بهم (٢)؛ بسبب الطِّيَرة التي إنما تلحقُ المتطيِّر. فحماهم ﷺ ــ بكمال رأفته ورحمته ــ من هذين المكروهَيْن بمفارقة تلك الدار، والاستبدال بها، من غير ضررٍ يلحقُهم بذلك في دنيا، ولا نقصٍ في دين. وهو ﷺ حين فَهِمَ عنهم في سؤالهم ما أرادوه من التعرُّف عن حال رحلتهم عنها (٣)، هل ذلك لهم ضارٌّ مؤدٍّ إلى الطِّيَرة؟ قال: «دعوها، ذميمة». وهذا بمنزلة الخارج من أرضٍ بها الطَّاعونُ غير فارٍّ منه. ولو مُنِعَ الناسُ الرحلةَ من الدار التي تتوالى عليهم المصائبُ فيها والمحنُ وتعذُّرُ الأرزاق، مع سلامة التوحيد في الرحلة، للَزِمَ ذلك كلَّ من ضاق عليه رزقٌ في بلدٍ أن لا ينتقلَ عنه إلى بلدٍ آخر، ومَنْ قلَّت فائدةُ صناعته أن لا ينتقلَ عنها إلى غيرها. فصل وأمَّا قولُ النبيِّ ﷺ للذي سلَّ سيفه يومَ أحد: «شِمْ سيفك، فإني أرى السيوفَ سَتُسَلُّ اليوم» (٤)؛ فهذه القصةُ لم يكن الرجلُ قد سَلَّ فيها السَّيف،

стр. 1660

ولكنَّ الفَرسَ لوَّح بذنبه، فسَلَّ السيف، ولم يُرِد صاحبُه سَلَّه، هكذا في القصة. ولا ريب أنَّ الحربَ تقومُ بالخيل والسيوف، ولما لوَّحَ الفَرسُ بذنبه فاستلَّ السيف، قال النبيُّ ﷺ : «إنِّي أرى السيوف سَتُسَلُّ اليوم». فهذا له محملٌ من ثلاثة محامل: أحدها: أنَّ النبيَّ ﷺ أخبر عن ظنٍّ ظنَّه في ذلك، ولم يجعَل هذا دليلًا عامًّا في كلِّ واقعةٍ تشبهُ هذه، وإذا كان عمرُ بن الخطاب ﵁ ــ وهو أحدُ أتباع رسول الله ﷺ ورجلٌ من أمَّته ــ كان إذا قال: أظنُّ كذا، أو: أرى كذا، خرجَ الأمرُ كما ظنَّه وحَسِبَه، فكيف يُظَنُّ برسول الله (١) ﷺ ؟! الثاني: أنَّ النبيَّ ﷺ كان قد عَلِمَ قبل مخرجه أنَّ السيوفَ سَتُسَلُّ ويقعُ القتال، ولهذا أخبرهم أنه رأى في منامه بقرًا تُنْحَرُ (٢)، وعَلِمَ أنَّ ذلك شهادةُ من قتلَ من أصحابه. الثالث: أنَّ الوحيَ الذي كان يَعْرِفُ به رسولُ الله ﷺ الحوادثَ والنوازلَ كان مُغْنِيًا له عن الإشارات والعلامات والأمارات وما في معناها مما يحتاجُ إليه غيرُه، وأمَّا من يأتيه خبرُ السماء صباحًا ومساءً فإخباره بقوله: «أرى السيوفَ سَتُسَلُّ» لم يكن عن تلك الأمارة، وإنما وقع الإخبارُ به عَقِيبها، والشيءُ بالشيء يُذْكَر.

стр. 1661

فصل وأمَّا ما احتجَّ به (١) ونسَبه إلى قوله ﷺ : «وقَدَت الحرب»، لمَّا رمى (٢) واقدُ بن عبد الله الحضرميَّ، «والحضرميُّ حضرت الحرب»؛ فكذبٌ عليه ﷺ ، وإنما قال ذلك أعداؤه من اليهود، فتطيَّروا بذلك وتفاءلوا به (٣)، فكانت الطِّيَرة عليهم، ووقَدَت الحربُ عليهم. فصل وأمَّا استقبالُه ﷺ الجبلين في طريقه، وهما: مُسْلِح ومُخْرِاء، وتركُ المرور بينهما، وعدلُ ذات اليمين (٤)؛ فليس هذا أيضًا من الطِّيَرة، وإنما هو من العدول عمَّا يؤذي النفوسَ ويُشَوِّشُ القلوبَ إلى ما هو بخلافه، كالعدول عن الاسم القبيح وتغييره بأحسنَ منه (٥)، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك بما فيه كفاية. وأيضًا؛ فإنَّ الأماكنَ فيها الميمونُ المبارك والمشؤومُ المذموم، فاطَّلعَ رسولُ الله ﷺ على شؤم ذلك المكان، وأنه مكانُ سوء، فجاوزَه إلى غيره، كما جاوزَ الوادي الذي ناموا فيه عن الصُّبح إلى غيره، وقال: «هذا مكانٌ حَضَرَنا فيه الشيطان» (٦)، والشيطانُ يحبُّ الأمكنةَ المذمومة وينتابُها.

стр. 1662

وأيضًا؛ فَلِمَا كان المرورُ بين ذينِكَ الجبلين قد يُشَوِّشُ (١) القلب. على أنَّا نقولُ في ذلك قولًا كلِّيًّا نبيِّنُ به سرَّ هذا الباب، بحول الله وعونه وتوفيقه: اعلَم أنَّ بين الأسماء ومسمَّياتها ارتباطًا قدَّره العزيزُ العليم، وألهَمَه نفوسَ العباد، وجعَله في قلوبهم بحيث لا تنصرفُ عنه، وليس هذا الارتباطُ هو ارتباطَ العلَّة بمعلولها، ولا ارتباطَ المقتضي الوجوبَ لمقتضاه وموجَبه، بل ارتباط تناسُبٍ وتشاكُلٍ اقتضته حكمةُ الحكيم. فقَلَّ أن ترى اسمًا قبيحًا إلا وبين مسمَّاه وبينه رابطٌ من القُبح، وكذلك إذا تأمَّلتَ الاسم الثقيلَ الذي تنفرُ عنه الأسماع، وتنبو عنه الطِّباع، فإنك تجدُ مسمَّاه يُقارِبُ أو يُلِمُّ أن يُطابِق. ولهذا من المشهور على ألسنة الناس: أنَّ الألقابَ تنزلُ من السماء (٢). فلا تكادُ تجدُ الاسمَ الشنيعَ القبيحَ إلا على مسمًّى يناسبُه. وفي ذلك قولُ القائل: وقَلَّ أنْ أبصَرَتْ عيناكَ ذا لَقَبٍ ... إلا ومعناهُ إن فكَّرتَ في لَقَبِهْ (٣)

стр. 1663

وهذا كثيرًا ما يوجدُ أيضًا (١) في أسماء الأجناس. والواضعُ (٢) له عنايةٌ بمطابقة الألفاظ للمعاني، ومناسبتها لها، فيجعلُ الحروفَ الهوائيَّة الخفيفةَ للمسمَّى المُشاكِل لها، كالهواء، والحروفَ الشَّديدة للمسمَّى المناسب لها، كالصَّخر والحَجَر، وإذا تتابعَت حركةُ المسمَّى تابَعوا بين حركة اللفظ، كالدَّوَران والغَلَيان والنَّزَوان، وإذا تكرَّرت الحركةُ كرَّروا اللفظ، كقَلْقَلَ وزَلْزَلَ ودَكْدَكَ وصَرْصَرَ، وإذا اكتَنزَ المسمَّى وتجمَّعت أجزاؤه جعَلوا في اسمه من الضَّمِّ الدالِّ على الجمع والاكتناز ما يناسبُ المسمَّى، كالبُحْتُر للقصير المجتمع الخَلْق، وإذا طالَ جعلوا في اسمه (٣) من الفتح الدالِّ على الامتداد نظيرَ ما في المعنى، كالعَشَنَّق للطَّويل. ونظائرُ ذلك أكثرُ من أن تُسْتَوعَب، وإنما أشرنا إليها أدنى إشارة (٤). وهذا هو الذي أراده من قال: بين الاسم والمسمَّى مناسبة (٥)، فلم يفهم عنه بعضُ المتأخِّرين مرادَه، فأخذ يشنِّعُ عليه بأنه لا تناسُبَ طبعِيًّا (٦) بينهما، واستدلَّ على إنكار ذلك بما لا طائل تحته (٧)؛ فإنَّ عاقلًا لا يقول: إنَّ

стр. 1664

التناسُبَ الذي بين الاسم والمسمَّى كالتناسُب الذي بين العلَّة والمعلول، وإنما هو ترجيحٌ وأولويَّةٌ تقتضي اختصاصَ الاسم بمسمَّاه، وقد يتخلَّف عنه اقتضاؤها كثيرًا. والمقصود أنَّ هذه المناسبة تنضمُّ إلى ما جعل الله في طبائع الناس وغرائزهم من النُّفرة من الاسم (١) القبيح المكروه، وكراهته، وتطيُّر أكثرهم به، وذلك يوجبُ عدمَ ملابسته ومجاوزته إلى غيره، فهذا أصلُ هذا الباب. فصل وأمَّا كراهيةُ السلف أن يُتْبَعَ الميِّتُ بشيءٍ من النار، أو أن يُدْخَلَ القبرَ شيءٌ مَسَّته النار، وقولُ عائشة ﵂: «لا يكونُ آخرُ زاده أن تَتْبعوه بالنار» (٢)؛ فيجوزُ أن يكون كراهتُهم لذلك مخافةَ الإحداث لما لم يكن في عصر الرسول ﷺ ؛ فكيف وذلك مما يُنْتِجُ (٣) الطِّيَرة به والظُّنونَ الرديَّة بالميت؟! وقد قال غيرُ واحدٍ من السلف، منهم عبد الملك بن حبيب وغيره: إنما كرهوا ذلك تفاؤلًا بالنار في هذا المقام أن تَتْبعه (٤). وذكر ابنُ حبيب وغيره أنَّ النبيَّ ﷺ أراد أن يصلي على جنازة، فجاءت امرأةٌ ومعها مِجْمَر، فما زال يصيحُ بها حتى توارت بآجام المدينة (٥).

стр. 1665

قال بعضُ أهل العلم: وليس خوفُهم من ذلك على الميِّت، لكنْ على الأحياء المجبولين على الطِّيَرة، لئلَّا تحدِّثهم أنفسُهم بالميِّت أنه من أهل النار، لِمَا رأوا من النار التي تَتْبَعُه في أول أيَّامه من الآخرة، ولا سيَّما في مكانٍ يرادُ منهم فيه كثرةُ الاجتهاد للميِّت بالدعاء، فإذا لم يبقَ له زادٌ غيرُه فيظنُّون أنَّ تلك النار من بقايا زاده إلى الآخرة، فتسوءُ ظنونُهم به، وتنفرُ عن رحمته قلوبُهم في مكانٍ هم فيه شهداءُ الله؛ كما جاء في الحديث الصحيح لما مُرَّ على النبي ﷺ بجنازةٍ فأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجبَت»، فقالوا: ما وجبَت؟ قال: «وجبَت له الجنة، أنتم شهداءُ الله في الأرض، من أثنيتم عليه خيرًا وجبَت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبَت له النار» (١). وفي أثرٍ آخر: «إذا أردتم أن تعلموا ما للميت عند الله فانظروا ما يتبعُه من حسن الثناء» (٢). فقالت عائشة ﵂: لا يكونُ آخرُ زاده من الثَّناء والدعاء أن

стр. 1666

تَتْبعوه بالنار، فتهيِّجوا بها خواطرَ الناس، وتبعثوا ظنونَهم بالتطيُّر بالنار والعذاب. والله أعلم. فصل وأمَّا تلك الوقائعُ التي ذكروها مما يدلُّ على وقوع ما تطيَّر به مَنْ تطيَّر؛ فنعم، وهاهنا أضعافُها وأضعافُ أضعافها. ولسنا ننكرُ موافقةَ القضاء والقدر لهذه الأسباب وغيرها كثيرًا، وموافقةُ حَزْر الحازرين وظنون الظَّانِّين وزَجْر الزاجرين للقَدَر أحيانًا مما لا ينكرُه أحد. ومن الأسباب التي توجبُ وقوعَ المكروه: الطِّيَرة، كما تقدَّم، وأنَّ الطِّيَرة على من تطيَّر، ولكنْ نصَبَ اللهُ سبحانه لها أسبابًا يُدْفَعُ بها مُوجَبُها وضررُها، من التوكُّل عليه، وحسن الظَّنِّ به، وإعراض قلبه عن الطِّيَرة، وعدم التفاته إليها وخوفه منها، وثقته بالله . ولسنا ننكرُ أنَّ هذه الأمور ظنونٌ وتخمينٌ وحَدْسٌ وخَرْص، وما كان هذا سبيلُه فيصيبُ تارةً ويخطاءُ تارات. وليس كلُّ ما تطيَّر به المتطيِّرون وتشاءموا به وقعَ جميعه وصَدَق، بل أكثرُه كاذب، وصادقُه نادر، والناسُ في هذا المقام إنما يعوِّلون (١) وينقلون ما صحَّ ووقَع ويعتنونَ به، فيُرى كثيرًا، والكاذبُ منه أكثرُ من أن يُنْقَل. قال ابن قتيبة: مِنْ شأن [الناس] (٢) حفظُ الصَّواب للعجَب به والشَّغف

стр. 1667

والاستغراب، وتناسي الخطأ. قال: ومن ذا الذي يتحدَّثُ أنه سأل منجِّمًا فأخطأ؟! وإنما الذي يُتَحَدَّثُ به ويُنقَلُ أنه سأله فأصاب. قال: والصوابُ في المسألة إذا كان بين أمرين، قد يقعُ للمعتوه والطِّفل، فضلًا عن أولي العقل (١). وقد تقدَّم من بطلان الطِّيَرة وكذبها ما فيه كفاية. وقد كانت عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله تستحبُّ أن تتزوَّج المرأةُ أو يُبنى بها في شوَّال، وتقول: ما تزوجني رسولُ الله ﷺ إلا في شوَّال، فأيُّ نسائه كان أحظى عنده منِّي؟! (٢)، مع تطيُّر الناس بالنكاح في شوَّال. وهذا فعلُ أولي العزم والقوَّة من المؤمنين، الذين صحَّ توكُّلهم على الله، واطمأنت قلوبُهم إلى ربِّهم، ووثقوا به، وعلموا أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتبَ الله لهم، وأنهم ما أصابهم من مصيبةٍ إلا وهي في كتابٍ (٣) من قبل أن يخلُقهم ويُوجِدَهم، وعلموا أنه لا بدَّ أن يصيروا إلى ما كتبه وقدَّره، ولا بدَّ أن يجري عليهم، وأنَّ تطيُّرهم لا يردُّ قضاءَه وقدرَه عنهم، بل قد يكونُ تطيُّرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاءُ والقدر، فيُعِينونَ على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاءُ والقدر بأنَّ نفوسَهم هي سببُ إصابة المكروه لهم، فطائرُهم معهم.

стр. 1668

وأمَّا المتوكِّلون على الله، المفوِّضون إليه، العالمون به وبأمره، فنفوسُهم أشرفُ من ذلك، وهممُهم أعلى، وثقتُهم بالله وحسنُ ظنِّهم به عُدَّةٌ لهم وقوَّةٌ وجُنَّة مما يتطيَّر به المتطيِّرون، ويتشاءمُ به المتشائمون، عالمون أنه لا طيرَ إلا طيرُه، ولا خيرَ إلا خيرُه، ولا إلهَ غيرُه، ألا له الخلقُ والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين. فصل ومما كان الجاهليةُ يتطيَّرون به ويتشاءمون منه: العُطاس (١)، كما يتشاءمون بالبَوارِح والسَّوانِح. قال رؤبة بن العجَّاج يصف فلاةً: * قطعتُها ولا أهابُ العُطاسا * (٢) وقال امرؤ القيس (٣): وقد أغتدي قبل العُطاسِ بهيكلٍ ... شديدِ مَشَكِّ الجَنْبِ فَعْمِ المُنَطَّق أراد (٤) أنه كان ينتبهُ للصَّيد قبل أن ينتبه الناسُ من نومهم؛ لئلَّا يسمَع

стр. 1669

عطاسًا فيتشاءم به. وكانوا إذا عَطس من يحبُّونه قالوا له: عُمْرًا وشبابًا، وإذا عَطس من يبغضونه قالوا له: وَرْيًا وقُحَابًا (١). والوَرْي ــ كالرَّمْي ــ: داءٌ يصيبُ الكبد فيفسدُها، والقُحَاب كالسُّعال، وزنًا ومعنى. وكان الرجلُ إذا سَمِع عطاسًا يتشاءمُ به، يقول: بكَ لا بي، أي: أسألُ الله أن يجعل شؤمَ عطاسك بكَ لا بي. وكان تشاؤمهم بالعَطْسة الشَّديدة أشدَّ، كما يحكى عن بعض الملوك أنَّ مسامرًا له عطسَ عطسةً شديدةً راعَتْه، فغضبَ الملك، فقال سميرُه: والله ما تعمَّدتُ ذلك، ولكنَّ هذا عُطاسي، فقال: والله لئن لم تأتني بمن يشهدُ لك بذلك لأقتلنَّك، فقال: أخرِجني إلى الناس لعلِّي أجدُ من يشهدُ لي، فأخرجَه، وقد وكَّل به الأعوان، فوجدَ رجلًا، فقال: يا سيِّدي نشدتُك بالله، إن كنتَ سمعتَ عُطاسي يومًا تشهدُ لي به عند الملك، فقال: نعم، أنا أشهدُ لك، فنهَض معه، وقال: أيها الملك، أنا أشهدُ أنَّ هذا الرجل عطسَ يومًا فطار ضرسٌ من أضراسه! فقال له الملك: عُد إلى حديثك ومجلسك (٢). فلمَّا جاء الله سبحانه بالإسلام، وأبطَل رسوله ﷺ ما كان عليه الجاهليةُ من الضلال؛ نهى أمَّته عن التشاؤم والتطيُّر، وشرَع لهم أن يجعلوا مكانَ الدعاء على العاطس بالمكروه دعاءً له بالرحمة، كما أمر العائن أن يدعو بالتبريك للمَعِين.

стр. 1670

ولما كان الدعاءُ على العاطس نوعًا من الظُّلم والبغي جُعِلَ الدعاءُ له بلفظ الرحمة المنافي للظُّلم، وأُمِرَ العاطسُ أن يدعو لسامعه ويُشَمِّته بالمغفرة والهداية وإصلاح البال، فيقول: «يغفرُ الله لنا ولكم» (١)، أو: «يهديكم الله ويصلح بالكم» (٢). فأما الدعاء بالهداية، فلِمَا أنه اهتدى إلى طاعة الرسول ﷺ ، ورَغِبَ عمَّا كان عليه أهلُ الجاهلية، فدعا له أن يثبِّته الله عليها، ويهديه إليها. وكذلك الدعاء بإصلاح البال، وهي حكمةٌ جامعةٌ لصلاح شأنه كلِّه، وهي من باب الجزاء على دعائه لأخيه بالرحمة، فناسبَ بأن يجازيه بالدعاء له بإصلاح البال. وأمَّا الدعاء بالمغفرة، فجاء بلفظٍ يشملُ العاطسَ والمشمِّت، كقوله: «يغفرُ الله لنا ولكم»، ليتحصَّل من مجموع دعوتَي العاطس والمشمِّت لهما المغفرةُ والرحمةُ معًا. فصلواتُ الله وسلامه على المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة. ولأجل هذا ــ والله أعلم ــ لم يُؤمَر بتشميت من لم يحمد الله (٣)؛ فإن

стр. 1671

الدعاء له بالرحمة نعمةٌ، فلا يستحقُّها من لم يحمد الله ويشكرَه على هذه النعمة، ويتأسَّى بأبيه آدم؛ فإنه لما نُفِخَت فيه الروحُ وبلغَت إلى خياشيمه عَطَسَ، فألهمه ربُّه ﵎ أنْ نَطَقَ بحمده، فقال: الحمدُ لله، فقال الله سبحانه: يرحمُك الله يا آدم (١). فصارت تلك سُنَّة العاطس (٢)، فمن لم يحمد الله لم يستحقَّ هذه الدعوة. ولمَّا سبقت هذه الكلمةُ لآدم قبل أن يصيبه ما أصابه كان مآلُه إلى الرحمة، وكان ما جرى عارضًا وزالَ، فإنَّ الرحمة سبقت العقوبة وغلَبت الغضب. وأيضًا؛ فإنما أُمِرَ العاطسُ بالتحميد عند العطاس لأنَّ الجاهلية كانوا يعتقدون فيه أنه داء، ويكرهُ أحدُهم أن يعطس، ويودُّ أنه لم يصدُر منه، لِمَا في ذلك من الشُّؤم، وكان العاطسُ يحبسُ نفسَه عن العطاس، ويمتنعُ من ذلك جهدَه، من اعتقاد جُهَّالهم فيه. ولذلك ــ والله أعلم ــ بنَوا لفظَه على بناء الأدواء، كالزُّكام والسُّعال والدُّوار والسُّهام (٣) وغيرها، فأُعْلِمُوا أنه ليس بداء، ولكنه أمرٌ يحبُّه الله، وهو

стр. 1672

نعمةٌ منه يستوجبُ عليها من عبده أن يحمدَه عليها. وفي الحديث المرفوع: «إنَّ الله يحبُّ العطاسَ ويكرهُ التثاؤب» (١). والعطاس ريحٌ مختنقةٌ (٢) تخرُج وتفتحُ السَّدَدَ من الكبد، وهو دليلُ خيرٍ للمريض (٣)، مُؤْذِنٌ بانفراج بعض علَّته، وفي بعض الأمراض يُسْتَعْمَلُ ما يُعَطِّسُ العليل، ويُجْعَلُ نوعًا من العلاج ومُعِينًا عليه (٤). وهذا (٥) قدرٌ زائدٌ على ما أحبَّه الشارعُ من ذلك، وأمرَ بحمد الله عليه، وبالدعاء لمن صدرَ منه وحَمِدَ اللهَ عليه. ولهذا ــ والله أعلم ــ يقال: شمَّته، إذا قال له: يرحمك الله، وسمَّته، بالمعجمة وبالمهملة، وبهما رُوِي الحديث. فأمَّا التسميت ــ بالمهملة ــ، فهو تفعيلٌ من السَّمْت الذي يُرادُ به حسنُ الهيئة والوقار، فيقال: لفلانٍ سَمْتٌ حسن. فمعنى «سمَّتَّ العاطس»: وقَّرتَه وأكرمتَه وتأدَّبتَ معه بأدب الله ورسوله في الدعاء له، لا بأخلاق أهل الجاهلية من الدعاء عليه والتطيُّر به والتشاؤم منه. وقيل: «سمَّته»: دعا له أن يعيدَه الله إلى سَمْته قبل العُطاس من السُّكون والوقار وطمأنينة الأعضاء؛ فإنَّ في العُطاس من انزعاج الأعضاء واضطرابها

стр. 1673

ما يُخْرِجُ العاطسَ عن سَمْته، فإذا قال له السامع: «يرحمك الله»، فقد دعا له أن يعيدَه إلى سَمْته وهيئته (١). وأمَّا التشميت ــ بالمعجمة ــ، فقالت طائفةٌ منهم ابنُ السِّكِّيت وغيره: إنه بمعنى التسميت، وإنهما لغتان. ذكر ذلك في كتاب «القلب والإبدال» (٢)، ولم يذكر أيهما الأصل، ولا أيهما البدل. وقال أبوعلي الفارسي: المهملة هي الأصلُ في الكلمة، والمعجمة بدلٌ منها. واحتجَّ بأن العاطسَ إذا عطس انتفَش وتغيَّر شكلُ وجهه، فإذا دعا له فكأنه أعاده إلى سَمْته وهيئته (٣). وقال تلميذُه ابن جنِّي (٤): لو جعَل جاعلٌ الشِّينَ المعجمة أصلًا، وأخذَه من الشَّوامت ــ وهي القوائم ــ لكان وجهًا صحيحًا، وذلك أنَّ القوائمَ هي التي تحملُ الفَرسَ ونحوه، وبها عِصمتُه، وهي قِوامُه، فكأنه إذا دعا له فقد أنهضَه وثبَّت أمرَه وأحكمَ دعائمَه. وأنشَد للنابغة (٥): * طَوْعَ الشَّوامِتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ * (٦)

стр. 1674

وقالت طائفة منهم ابنُ الأعرابي: هو من قولهم: اشْتَمَتَتْ (١) الإبلُ، إذا حَسُنَت وسَمِنت. وقالت فرقةٌ أخرى: معنى «شمَّتَّ العاطس»: أزلتَ عنه الشَّماتة (٢). يقال: مرَّضت العليل، أي: قُمت عليه ليزول مرضُه. ومثلُه: قذَّيت عينه، أزلت قذاها. فكأنه لما دعا له بالرحمة قد قصَد إزالةَ الشَّماتة عنه. ويُنْشَدُ في ذلك: ما كان ضرَّ المُمْرِضِي بجفونه ... لو كان مرَّضَ مُنْعِمًا مَن أَمْرَضا (٣) وإلى هذا ذهب ثعلب (٤). والمقصود: أنَّ التطيُّر من العُطاس (٥) مِن فعل الجاهلية الذي أبطلَه الإسلام (٦)، وأخبر النبيُّ ﷺ أنَّ الله يحبُّ العطاس، كما في «صحيح

стр. 1675

البخاري» (١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله يحبُّ العطاسَ ويكرهُ التثاؤب، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليستره ما استطاع، فإنه إذا فتحَ فاهُ فقال: آه آه، ضَحِك منه الشيطان». فصل وأمَّا قوله ﷺ : «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ»، فالمُمْرِضُ الذي إبلُه مِرَاض، والمُصِحُّ الذي إبلُه صِحَاح. وقد ظنَّ بعضُ الناس أن هذا معارضٌ لقوله: «لا عدوى ولا طِيَرة»، وقال: لعلَّ أحد الحديثين نسَخ الآخر، وأورد الحارثُ بن أبي ذُباب ــ وهو ابنُ عمِّ أبي هريرة ﵁ ــ عليه جمعَه بين الرِّوايتين، وظنَّهما أنهما (٢) متعارضتان. فروى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان أبو هريرة يحدِّثنا عن رسول الله ﷺ : «لا عدوى»، ثمَّ حدَّثنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ»، قال: فقال الحارثُ بن أبي ذُباب ــ وهو ابن عمِّ أبي هريرة ــ: قد كنتُ أسمعُك يا أبا هريرة تحدِّثنا حديثًا آخر قد سكتَّ عنه، كنتَ تقول: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى»، فأبى أبو هريرة أن يحدِّث بذلك، وقال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِح»، فماراه الحارثُ في ذلك حتى غضبَ أبو هريرة ورَطَنَ بالحبشيَّة، ثمَّ قال للحارث: أتدري ما قلتُ؟ قال: لا، قال: إني أقول: أبَيتُ أبَيتُ. فلا أدري (٣) أنسي أبو هريرة أو نسَخ أحدُ

стр. 1676

القولين الآخر؟ (١). قلت: قد اتفق مع أبي هريرة: سعدُ بن أبي وقاص (٢)، وجابر بن عبد الله (٣)، وعبدُ الله بن عباس (٤)، وأنسُ بن مالك (٥)، وعمير بن سلمة (٦)، ﵃، على روايتهم عن النبي ﷺ قولَه: «لا عدوى» (٧). وحديثُ أبي هريرة محفوظٌ عنه بلا شكٍّ من رواية أوثق أصحابه وأحفظهم: أبي سلمة بن عبد الرحمن (٨)، ومحمد بن سيرين (٩)، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة (١٠)، والحارث بن أبي ذُباب (١١).

стр. 1677

ولم يتفرَّد أبو هريرة بروايته عن النبيِّ ﷺ ، بل رواه معه من الصحابة من ذكرناه. وقوله: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» صحيحٌ أيضًا، ثابتٌ عنه ﷺ . فالحديثان صحيحان، ولا نسخَ ولا تعارضَ بينهما بحمد الله، بل كلٌّ منهما له وجه. وقد طعَن أعداءُ السنَّة في أهل الحديث، وقالوا: يروُونَ الأحاديثَ التي ينقضُ بعضُها بعضًا ثمَّ يصحِّحونها، والأحاديث التي تخالفُ العقل. فانتدبَ أنصارُ السنة للردِّ عليهم، ونفي التعارض عن الأحاديث الصحيحة، وبيان موافقتها للعقل. قال أبو محمد بن قتيبة في كتاب «مختلف الحديث» (١) له: «قالوا: حديثان متناقضان. قالوا: رويتم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا عدوى ولا طِيَرة»، وأنه قيل له: إنَّ النُّقْبةَ تقعُ بمِشْفَر البعير (٢)، فتَجْرَبُ لذلك الإبل، فقال: «فما أعدى الأول؟» (٣) هذا أو معناه.

стр. 1678

ثمَّ رويتم في خلاف ذلك: «لا يُورِد ذو عاهةٍ على مُصِحٍّ» (١)، و «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد» (٢)، وأتاه رجلٌ مجذومٌ ليبايعَه بيعةَ الإسلام، فأرسلَ إليه البيعة (٣)، وأمره بالانصراف (٤)، ولم يأذن له (٥)، وقال: «الشُّؤم في المرأة والدَّار والدابَّة» (٦). قالوا: وهذا كلُّه مختلفٌ لا يُشْبِهُ بعضُه بعضًا. قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه ليس في هذا اختلاف، ولكلِّ واحدٍ معنى في وقتٍ (٧) وموضع، فإذا وُضِعَ موضعَه زال الاختلاف. والعدوى جنسان: أحدهما: عدوى الجُذام؛ فإنَّ المجذوم (٨) تشتدُّ رائحتُه حتى يُسْقِمَ من أطال مجالستَه ومؤاكلتَه، وكذا المرأة تكونُ تحت المجذوم فتضاجعُه في شعارٍ واحد، فيوصِلُ إليها الأذى، وربَّما جُذِمَت، وكذلك ولدُه ينزِعون في

стр. 1679

الكِبَر إليه، وكذلك من به سِلٌّ ودِقٌّ ونُقْب (١). والأطباءُ تأمرُ أن لا يجالَس المجذومُ ولا المَسْلول، ولا يريدونَ بذلك معنى العدوى، وإنما يريدون به معنى تغيُّر الرائحة، وأنها قد تُسْقِمُ من أطال اشتمامَها، والأطباءُ أبعدُ الناس من الإيمان بيُمْنٍ وشؤم (٢). وكذلك النُّقْبةُ تكونُ بالبعير ــ وهو جَرَبٌ رطب ــ، فإذا خالطَ الإبلَ أو حاكَّها وأوى في مَبارِكها أوصَل إليها بالماء الذي يسيلُ منه والنَّطْف (٣) نحوًا ممَّا به. فهذا هو المعنى الذي قال رسولُ الله ﷺ : «لا يُورِد ذو عاهةٍ على مُصِحٍّ»، كَرِه أن يخالِط المَعْيُوهُ (٤) الصحيحَ فيناله من نَطْفِه وحِكَّته نحوٌ ممَّا به. قال: وقد ذهب قومٌ إلى أنه أراد بذلك أن لا يظُنَّ أنَّ الذي نال إبلَه من ذوات العاهة، فيأثَم. وليس لهذا عندي وجهٌ إلا الذي خبَّرتُك به عِيانًا (٥).

стр. 1680

وأمَّا الجنسُ الآخرُ من العدوى، فهو الطاعون ينزلُ ببلد، فيخرجُ منه خوفَ العدوى. حدثني سهل بن محمد، قال: حدثني الأصمعي، عن بعض البصريِّين: أنه هرَب من الطاعون، فركب حمارًا، ومضى بأهله نحو سَفَوان (١)، فسمع حاديًا يحدُو خلفَه وهو يقول: لنْ يُسْبَقَ اللهُ على حمارِ ... ولا على ذي مَيْعَةٍ مُطَارِ (٢) أو يأتيَ الحتفُ على مقدارِ ... قد يُصْبِحُ اللهُ أمامَ السَّاري (٣) وقد قال رسولُ الله ﷺ : «إذا كان بالبلد الذي أنتم فيه فلا تخرُجوا منه»، وقال: «إن كان ببلدٍ فلا تدخلوه» (٤)، يريد بقوله: «لا تخرُجوا من البلد إذا كان فيه» كأنكم تظنُّون أنَّ الفرارَ من قَدَر الله ينجيكم من الله، ويريد [بقوله]: «إن كان ببلدٍ فلا تدخلوه» أنَّ مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكنُ لأنفسكم، وأطيبُ لمعيشتكم. ومن ذلك: المرأةُ تُعْرَفُ بالشُّؤم، أو الدار، فينالُ الرجلَ مكروهٌ أو جائحة، فيقول: أعْدَتْني بشؤمها. فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ : «لا عدوى».

стр. 1681

فأمَّا الحديثُ الذي رواه أبو هريرة ﵁ [عن النبي ﷺ ] أنه قال: «الشُّؤم في المرأة والدَّار والدَّابة»، فإنَّ هذا الحديثَ يُتَوهَّمُ فيه الغلطُ على أبي هريرة، وأنه سمع فيه شيئًا من رسول الله ﷺ فلم يَعِه. حدثني محمد بن يحيى القُطَعي: حدَّثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي حسَّان الأعرج: أنَّ رجلين دخلا على عائشة، فقالا: إنَّ أبا هريرة ﵁ يحدِّثُ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما الطِّيَرة في المرأة والدار والدابَّة»، فطارت شِقَقًا (١)، ثمَّ قالت: كذَبَ ــ والذي أنزل الفرقَان على أبي القاسم ــ من حدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ، إنما قال رسولُ الله ﷺ : «كان أهلُ الجاهلية يقولون: إنَّ الطِّيَرة في الدَّابَّة والمرأة والدار»، ثمَّ قرأَت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. حدثني أبي (٢)، قال: حدَّثني أحمد بن الخليل، حدَّثنا موسى بن مسعود النَّهدي، عن عكرمة بن عمَّار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّا نزلنا دارًا فكَثُرَ فيها عَدَدنا، وكثرت فيها أموالُنا، ثمَّ تحوَّلنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالُنا، وقلَّ فيها عَدَدنا، فقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 1682

«ذَرُوها (١)، وهي ذميمة» (٢). قال أبو محمد: وهذا ليس ينقضُ الحديثَ الأول، ولا الحديثُ الأولُ ينقضُ هذا، وإنما أمَرهم بالتحوُّل منها لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقالٍ لظلِّها، واستيحاشٍ لِمَا نالهم فيها، فأمرهم بالتحوُّل، وقد جعَل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقالَ ما نالهم السوءُ فيه وإن كان لا سببَ له في ذلك، وحُبَّ من جرى على يده الخيرُ لهم وإن لم يُرِدْهم به، وبغضَ من جرى على يده الشرُّ لهم وإن لم يُرِدْهم به، وكيف يتطيَّر ﷺ والطِّيَرة من الجِبْت؟! وكان كثيرٌ من الجاهليَّة لا يرونها شيئًا، ويمدحونَ من كذَّب بها». ثمَّ أنشَد ما ذكرنا من الأبيات سالفًا (٣). ثمَّ قال: حدثنا إسحاق بن راهويه: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أبي أمية، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يَسْلَمُ منهنَّ أحد: الطِّيَرة والظنُّ والحسد»، قيل: فما المخرجُ منهن؟ قال: «إذا تطيَّرتَ فلا ترجِع، وإذا ظننتَ فلا تحقِّق، وإذا حسدتَ فلا تَبْغِ» (٤). هذه الألفاظ أو نحوها. حدثني أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعي، عن سعيد بن سَلْم (٥)، عن

стр. 1683

أبيه، أنه كان يَعْجَبُ ممَّن يصدِّقُ بالطِّيَرة، ويعيبُها أشدَّ العيب، وقال: فَرَقَت لنا ناقةٌ وأنا بالطَّفِّ (١)، فركبتُ في إثرها، فلقيني هاناء بن عبيد من بني وائل وهو مسرع، وهو يقول: * والشرُّ يُلْقَى مطالعَ الأكَم * (٢) ثمَّ لقيني آخرُ من الحيِّ، وهو يقول: ولئن بَغَيْتُ (٣) لهم بُغا ... ةً ما البُغاةُ بواجِدينا (٤) ثمَّ دفَعنا إلى غلامٍ قد وقعَ في صغره في نار، فأحرقَته، فقبُح وجهُه (٥) وفَسَد، فقلتُ له: هل ذكرتَ من ناقةٍ فارِق؟ قال: هاهنا أهلُ بيتٍ من الأعراب، فانظُر، فنظرتُ فإذا هي عندهم وقد أنتجَت، فأخذناها وولدَها. قال أبو محمد: الفارِق: التي حَمَلَت ففارقَت صواحبَها.

стр. 1684

وقال عكرمة: كنَّا جلوسًا عند ابن عباس، فمرَّ طائرٌ يصيح، فقال رجل: خَيْر خَيْر، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر (١). وكان رسول الله ﷺ يستحبُّ الاسمَ الحسن، والفألَ الصالح. حدثني الرِّياشي: حدثنا الأصمعي، قال: سألتُ ابن عون عن الفأل؟ فقال: هو أن يكونَ مريضًا فيسمع: يا سالم، أو يكون باغيًا (٢) فيسمع: يا وَاجِد (٣). وهذا أيضًا مما جُعِل في غرائز الناس وتركيبهم استحبابُه (٤) والأنسُ به، وكما جُعِل على الألسنة من التحيَّة بالسَّلام، والمَدِّ في الأمنية، والتبشير بالخير، وكما يقال: انعَم، واسْلَم، وأَنعِمْ صباحًا، وكما تقول الفُرس: عِشْ ألفَ نَوْرُوز (٥). والسامعُ لهذا يعلمُ أنه لا يقدِّمُ ولا يؤخِّر، ولا يزيدُ ولا ينقص، ولكن جُعِل في الطِّباع محبةُ الخير، والارتياحُ للبشرى والمنظر الأنيق والوجه الحسن والاسم الخفيف (٦). وقد يمرُّ الرجلُ بالروضة المنوِّرة فتسرُّه وهي لا تنفعه، وبالماء الصافي فيُعْجَبُ به وهو لا يشربُه ولا يَرِدُه.

стр. 1685

وفي بعض الحديث أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعْجَبُ بالأترجِّ، ويعجبه الحَمَامُ الأحمر (١)، وتعجبه الفاغِيةُ (٢)، وهو نَوْرُ الحنَّاء. وهذا مثلُ إعجابه بالاسم الحسن والفأل الحسن. وعلى حسب هذا كانت كراهتُه الاسمَ القبيح، كبني النار، وبني حُرَاق (٣)، وأشباه هذا. انتهى كلامه (٤). وقد سلك أبو عمر ابن عبد البرِّ في هذا الحديث نحوًا من مسلك أبي محمد بن قتيبة، فقال: أمَّا قوله ﷺ : «لا عدوى»، فهو نهيٌ أن يقول أحد: إنَّ شيئًا يُعْدِي شيئًا، وإخبارٌ أنَّ شيئًا لا يُعْدِي شيئًا، فكأنه قال: لا يُعْدِي شيءٌ شيئًا. يقول: لا يصيبُ أحدٌ من أحدٍ شيئًا من خُلُقٍ أو فعلٍ أو داءٍ أو مرض. وكانت العربُ تقول في جاهليَّتها في مثل هذا: إنه إذا اتصل شيءٌ من ذلك بشيءٍ أعداه، فأخبرهم رسولُ الله ﷺ أنَّ قولهم واعتقادَهم في ذلك ليس كذلك، ونهى عن ذلك القول؛ إعلامًا منه بأنَّ ما اعتَقَد من ذلك من
следующие страницы →