الأصلين، وهما داءُ الأولين والآخرين (١):
أحدهما: الاستمتاعُ بالخَلاق، وهو النصيبُ من الدُّنيا، والاستمتاعُ به متضمِّنٌ لنيل الشهوات المانعة من متابعة الأمر، بخلاف المؤمن فإنه وإن نال من الدُّنيا وشهواتها فإنه لا يستمتعُ بنصيبه كلِّه، ولا يُذْهِبُ طيِّباته في حياته الدُّنيا، بل ينالُ منها ما ينالُ ليتقوَّى به على التزوُّد لمعاده.
والثاني: الخوض بالشبهات الباطلة، وهو قولُه: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، وهذا شأنُ النفوس الباطلة التي لم تُخْلَقْ للآخرة، لا تزالُ ساعيةً في نيل شهواتها، فإذا نالتها فإنما هي في خوضٍ بالباطل (٢) الذي لا يُجْدِي عليها إلا الضررَ العاجل والآجل.
ومِنْ تمام حكمة الله تعالى أنه يبتلي هذه النفوسَ بالشقاء والتعب في تحصيل مراداتها وشهواتها، فلا تتفرغُ للخوض بالباطل إلا قليلًا، ولو تفرَّغت هذه النفوسُ الباطوليَّة (٣) لكانت أئمَّةً تدعو إلى النار، وهذا حالُ من
стр. 212
تفرَّغ منها كما هو مشاهدٌ بالعيان.
وسواءٌ كان المعنى: «وخضتم كالحزب الذي خاضوا»، أو: «كالفريق الذي خاضوا»؛ فإنَّ «الذي» يكونُ للواحد والجمع، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤]، لكن لا يجري على جمع تصحيح، فلا يجيء: «المسلمون الذي جاؤوا»، وإنما يجيءُ غالبًا في اسم الجمع، كالحزب، والفريق، أو حيثُ لا يُذْكَرُ الموصوفُ وإن كان جمعًا، كقول الشاعر (١):
وإنَّ الذي حانت بفَلْجٍ (٢) دماؤهم ... همُ القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالد
أو حيثُ يرادُ الجنسُ دون الواحد والعدد، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، ونظيره الآية التي نحن فيها، وهي قولُه: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾.
= أو كان المعنى على القول الآخر: «وخضتم خوضًا كالخوض الذي
стр. 213
خاضُوا»؛ فيكونُ صفةً لمصدرٍ محذوف، كقولك: اضرب كالذي ضَرَبَ، وأحسِنْ كالذي أحسَن، ونظائره. وعلى هذا فيكونُ العائدُ منصوبًا محذوفًا، وحذفُه في مثل ذلك قياسٌ مطَّرد (١).
وعلى القولين، فقد ذمَّهم سبحانه على الخوض بالباطل واتباع الشهوات، وأخبر أنَّ من كانت هذه حالتُه فقد حَبِط عملُه في الدُّنيا والآخرة، وهو من الخاسرين.
ونظيرُ هذا قولُ أهل النار لأهل الجنة، وقد سألوهم: كيف دخلوها: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٦]، فذكروا الأصلين: الخوض بالباطل وما يتبعه من التكذيب بيوم الدِّين، وإيثار الشهوات وما يستلزمُه (٢) من ترك الصَّلوات وإطعام ذوي الحاجات.
فهذا الأصلان هما ما هما. والله وليُّ التوفيق.
فصل
والقلبُ السليمُ الذي لا ينجو من عذاب الله إلا من أتى اللهَ به (٣) هو القلبُ الذي قد سَلِمَ من هذا وهذا؛ فهو القلبُ الذي قد سلَّم لربِّه، وسلَّم لأمره، ولم تبق فيه منازعةٌ لأمره، ولا معارضةٌ لخبره، فهو سليمٌ مما سوى
стр. 214
الله وأمرِه، لا يريدُ إلا الله، ولا يفعلُ إلا ما أمره الله، فالله وحده غايتُه، وأمرُه وشرعُه وسيلتُه وطريقتُه، لا تعترضه شبهةٌ (١) تحولُ بينه وبين تصديق خبره، لكنْ (٢) لا تمرُّ عليه إلا وهي مُجْتازة، تعلمُ أنه لا قرار لها فيه، ولا شهوة تحولُ بينه وبين متابعة رضاه.
ومتى كان القلبُ كذلك فهو سليمٌ من الشرك، وسليمٌ من البدع، وسليمٌ من الغيِّ، وسليمٌ من الباطل، وكلُّ الأقوال التي قيلت في تفسيره فذلك ينتظمُها (٣).
وحقيقتُه أنه القلبُ الذي قد سَلَّمَ لعبودية ربِّه حبًّا وخوفًا ورجاءً؛ ففَنِيَ بحبِّه (٤) عن حبِّ ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وسلَّم لأمره ولرسوله تصديقًا وطاعة، كما تقدَّم، واستسلَم لقضائه وقدره فلم يتَّهِمْه ولم يُنازِعْه ولم يتسخَّط لأقداره.
فأسلمَ لربِّه انقيادًا وخضوعًا، وذُلًا وعبودية، وسلَّم جميعَ أحكامه (٥)
стр. 215
وأقواله وأعماله وأذواقه ومَواجِيده ظاهرًا وباطنًا مِنْ (١) مشكاة رسوله، وعَرَض ما جاء من سواها عليها، فما وافقها قَبِلَه، وما خالفها ردَّه، وما لم يتبيَّن له فيه موافقةٌ ولا مخالفةٌ وقَفَ أمرَه وأرجأه إلى أن يتبيَّن له، وسالَم أولياءه وحزبه المفلحين الذَّابِّين عن دينه وسنة نبيه، القائمين بها، وعادى أعداءه المخالفين لكتابه وسنة نبيه، الخارجين عنهما، الدَّاعين إلى خلافهما (٢).
فصل
وهذه المتابعةُ هي التلاوةُ التي أثنى الله على أهلها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩]، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، والمعنى: يتبعون كتاب الله حقَّ اتباعه، وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢].
فحقيقةُ التِّلاوة في هذه المواضع هي التِّلاوة المطلقة التامة، وهي تلاوةُ اللفظ والمعنى؛ فتلاوةُ اللفظ جزءُ مسمَّى التِّلاوة المطلقة، وحقيقةُ اللفظ إنما هي الاتِّباع، يقال: اتلُ أثر فلان، وتلوتُ أثره وقفوتُه وقصصتُه بمعنى تبعتُه خلفَه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ١ - ٢]، أي: تَبِعَها في الطلوع بعد غيبتها، ويقال: جاء القومُ يتلو بعضُهم بعضًا، أي: يَتْبع.
стр. 216
ويسمَّى تالي الكلام: تاليًا؛ لأنه يُتْبِعُ بعضَ الحروف بعضًا، لا يُخْرِجُها جملةً واحدة، بل يُتْبِعُ بعضَها بعضًا مرتَّبة، كلما انقضى حرفٌ أو كلمةٌ أتبعه بحرفٍ آخر وكلمةٍ أخرى.
وهذه التِّلاوة وسيلةٌ وطريق، والمقصودُ التِّلاوةُ الحقيقية، وهي تلاوةُ المعنى واتِّباعُه (١)؛ تصديقًا بخبره، وائتمارًا بأمره، وانتهاءً عن نهيه، وائتمامًا به، حيثُ ما قادك انقَدتَ معه.
فتلاوةُ القرآن تتناولُ تلاوةَ لفظه ومعناه، وتلاوةُ المعنى أشرفُ من مجرَّد تلاوة اللفظ، وأهلُها هم أهلُ القرآن الذين لهم الثناءُ في الدنيا والآخرة، فإنهم أهلُ متابعةٍ وتلاوةٍ حقًّا.
فصل
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٢).
لمَّا أخبر سبحانه عن حال من اتبعَ هداه في معاشه ومعاده أخبَر عن حال من أعرَض عنه ولم يَتَّبِعْه، فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أي: عن الذِّكر الذي أنزلتُه (٣).
فالذكرُ هنا مصدرٌ مضافٌ إلى الفاعل، كـ «قيامي» و «قراءتي»، لا إلى
стр. 217
المفعول (١). وليس المعنى: «ومن أعرض عن أن يذكرني»، بل هذا لازمُ المعنى ومقتضاه من وجهٍ آخر سنذكره.
وأحسنُ من هذا الوجه أن يقال: الذِّكرُ هنا مضافٌ إضافة الأسماء، لا إضافةَ المصادر إلى معمولاتها، والمعنى: «ومن أعرض عن كتابي ولم يتَّبعْه»؛ فإنَّ القرآن يسمَّى ذكرًا، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ [يس: ١١].
وعلى هذا، فإضافتُه كإضافة الأسماء الجوامد التي لا يُقْصَدُ بها إضافةُ العامل إلى معموله. ونظيرُه في إضافة اسم الفاعل: «غافر الذَّنب، وقابل التَّوب، شديد العقاب»، فإنَّ هذه الإضافات لم يُقْصَد بها قصدُ الفعل المتجدِّد، وإنما قُصِدَ بها قصدُ الوصف الثابت اللازم؛ ولذلك جرت أوصافًا على أعرف المعارف، وهو اسمُ الله تعالى، في قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٢ - ٣].
стр. 218
فصل
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فسَّرها غيرُ واحدٍ من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآيةَ أحدَ الأدلَّة الدَّالَّة على عذاب القبر (١).
ولهذا قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، أي: تُتْرَكُ في العذاب، كما تركتَ العملَ بآياتنا. فذكرَ عذابَ البرزخ، وعذابَ دار البوار.
ونظيرُه قولُه تعالى في حقِّ آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، فهذا في البرزخ، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، فهذا في القيامة الكبرى.
ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، فقولُ الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ المرادُ به عذابُ البرزخ، الذي أوَّلُه يومُ القبض والموت.
ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]، فهذه الإذاقةُ هي في البرزخ، وأوَّلُها حين الوفاة؛ فإنه معطوفٌ على قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
стр. 219
وَأَدْبَارَهُمْ﴾، وهو من المَقُول المحذوف قولُه (١) لدلالة الكلام عليه، كنظائره، وكلاهما واقعٌ وقت الوفاة.
وفي «الصحيح» (٢) عن البراء بن عازبٍ ﵁ في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: «نزلت في عذاب القبر» (٣).
والأحاديثُ في عذاب القبر تكادُ تبلغُ حدَّ التواتر (٤).
والمقصودُ أنَّ الله سبحانه أخبر أنَّ من أعرض عن ذكره، وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضلُّ ولا يشقى، فإنَّ له معيشةً ضنكًا، وتكفَّل لمن حفظ عهدَه أن يُحْيِيَه حياةً طيِّبةً ويجزيه أجره في الآخرة، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
فأخبرَ سبحانه عن فلاح من تمسَّك بعهده علمًا وعملًا، في العاجلة بالحياة الطيِّبة، وفي الآخرة بأحسن الجزاء، وهذا بعكس من له المعيشةُ الضَّنكُ في الدُّنيا والبرزخ، ونسيانُه في العذاب بالآخرة.
стр. 220
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]، فأخبر سبحانه أنَّ ابتلاءه بقرينه (١) من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعَشْوِه عن ذكره الذي أنزله على رسوله، فكان عقوبةُ هذا الإعراض أنْ قيَّض له شيطانًا يقارنُه، فيصدُّه عن سبيل ربِّه وطريق فلاحه، وهو يحسبُ أنه مهتدٍ، حتى إذا وافى ربَّه يوم القيامة مع قرينه، وعاينَ هلاكَه وإفلاسَه، قال: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨].
وكلُّ من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكرُ الله، فلا بدَّ أن يقول هذا يوم القيامة.
فإن قيل: فهل لهذا عذرٌ في ضلاله إذا كان يحسبُ أنه على هدى، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؟
قيل: لا عذرَ لهذا وأمثاله من الضُّلَّال الذين منشأ ضلالهم الإعراضُ عن الوحي الذي جاء به الرسولُ ﷺ ، ولو ظنَّ أنه مهتدٍ، فإنه مفرِّطٌ بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضلَّ فإنما أُتِيَ من تفريطه وإعراضه. وهذا بخلاف من كان ضلالُه (٢) لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكمٌ آخر، والوعيدُ في القرآن إنما يتناولُ الأول، وأما الثاني فإنَّ الله لا يعذِّبُ أحدًا إلا بعد إقامة الحجَّة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا
стр. 221
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٩].
وهذا كثيرٌ في القرآن (١).
فصل
وقولُه تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ اختُلِف فيه: هل هو مِن عمى البصيرة أو مِن عمى البصر؟ (٢).
والذين قالوا: هو مِن عمى البصيرة، إنما حملهم على ذلك قولُه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]، وقولُه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى
стр. 222
يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]، وقولُه: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٧]. ونظائرُ هذا مما يُثبِتُ لهم الرؤيةَ في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].
والذين رجَّحوا أنه من عمى البصر، قالوا: السِّياقُ لا يدلُّ إلا عليه؛ لقوله (١): ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾، وهو لم يكن بصيرًا في كفره قطُّ، بل قد تبيَّن له حينئذٍ أنه كان في الدُّنيا في عمًى عن الحقِّ، فكيف يقول: وقد كنتُ بصيرًا؟! وكيف يجابُ بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾؟!
بل هذا الجوابُ فيه تنبيهٌ على أنه من عمى البصر، وأنه جُوزِيَ من جنس عمله؛ فإنه لما أعرض عن الذِّكر الذي بعثَ اللهُ به رسوله، وعَمِيَت عنه بصيرتُه، أعمى الله بصرَه يوم القيامة، وتركَه في العذاب، كما ترك الذِّكر في الدُّنيا، فجازاه على عمى بصيرته عمى بصره في الآخرة، وعلى تركِه ذكرَه تركَه في العذاب.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وقد
стр. 223
قيل في هذه الآية أيضًا: إنهم عميٌ وبكمٌ وصمٌّ عن الهدى، كما قيل في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، قالوا: لأنهم يتكلَّمون يومئذٍ، ويسمعون، ويبصرون.
ومن نصر أنه العمى والبَكَم والصَّمم المضادُّ للبصر والسمع والنُّطق، قال بعضهم: هو عمًى وصممٌ وبكمٌ مقيَّدٌ لا مطلق، فهم عُميٌ عن رؤية ما يسرُّهم وسماعِه. وهذا قد رُوي عن ابن عباسٍ ﵄، قال: «لا يرونَ شيئًا يسرُّهم» (١).
وقال آخرون: هذا الحشرُ حين تتوفَّاهم الملائكة، يخرجونَ من الدُّنيا كذلك، وإذا قاموا من قبورهم إلى الموقف قاموا كذلك، ثم إنهم يسمعون ويبصرون فيما بعد. وهذا مرويٌّ عن الحسن.
وقال آخرون: هذا إنما يكونُ إذا دخلوا النارَ واستقرُّوا فيها، سُلِبوا الأسماعَ والأبصارَ والنطق، حين يقولُ لهم الربُّ ﵎: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]؛ فحينئذٍ ينقطعُ الرجاء، وتَبْكَمُ (٢) عقولُهم، فيصيرونَ بأجمعهم عُميًا بكمًا صُمًّا؛ لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون، ولا يُسْمَعُ منهم بعدها إلا الزفيرُ والشهيق. وهذا منقولٌ عن مقاتل (٣).
والذين قالوا: المرادُ به العمى عن الحجة، إنما مرادهم أنهم لا حجة
стр. 224
لهم، ولم يريدوا أنَّ لهم حجةً هم عُميٌ عنها، بل هم عُميٌ عن الهدى كما كانوا في الدُّنيا؛ فإنَّ العبدَ يموتُ على ما عاش عليه، ويُبْعَثُ على ما مات عليه.
وبهذا يظهرُ أنَّ الصوابَ هو القولُ الآخر، وأنه عمى البصر؛ فإنَّ الكافر يعلمُ الحقَّ يوم القيامة عِيانًا، ويُقِرُّ بما كان يجحدُه في الدُّنيا، فليس هو أعمى عن الحقِّ يومئذ (١).
وفصلُ الخطاب: أنَّ الحشرَ هو الضمُّ والجمع.
ويرادُ به تارةً الحشرُ إلى موقف القيامة؛ كقول (٢) النبي ﷺ : «إنكم محشورون إلى الله حفاةً عراةً غُرلًا» (٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. ويرادُ به الضمُّ والجمعُ إلى دار المستقَرِّ؛ فحشرُ المتقين: جمعُهم وضمُّهم إلى الجنة، وحشرُ الكافرين: جمعُهم وضمُّهم إلى النار.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]، فهذا الحشرُ هو بعد حشرهم إلى
стр. 225
الموقف، وهو حشرُهم وضمُّهم إلى النار؛ لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢٠ - ٢١]، ثم قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، وهذا (١) الحشرُ الثاني.
وعلى هذا فهم ما بين الحشر الأول ــ من القبور إلى الموقف ــ والحشر الثاني: يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلَّمون (٢)، وعند الحشر الثاني: يُحْشَرون على وجوههم عُميًا وبُكمًا وصُمًّا (٣).
فلكلِّ موقفٍ حالٌ يليقُ به ويقتضيه عدلُ الربِّ ﵎ وحكمتُه، فالقرآن يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
فصل
والمقصودُ أنَّ الله لما اقتضت حكمتُه ورحمتُه إخراجَ آدم وذريته من الجنة أعاضهم أفضلَ منها، وهو ما أعطاهم من عَهْده الذي جعله سببًا مُوصِلًا لهم إليه، وطريقًا واضحًا بيِّن الدلالة عليه، من تمسَّكَ به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه شَقِيَ وغوى.
ولما كان هذا العهدُ الكريم، والصِّراط المستقيم، والنبأ العظيم، لا
стр. 226
يوصلُ إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة؛ فالإرادةُ بابُ الوصول إليه، والعلمُ مفتاحُ ذلك الباب المتوقِّف فتحُه عليه، وكمالُ كلِّ إنسانٍ إنما يتمُّ بهذين النوعين: هِمَّةٌ ترقِّيه، وعلمٌ يبصِّره (١) ويهديه= فإنَّ مراتبَ السعادةِ والفلاح إنما تفوتُ العبدَ من هاتين الجهتين، أو من إحداهما:
* إمَّا أن لا يكون له علمٌ بها، فلا يتحركُ في طلبها.
* أو يكون عالمًا بها ولا تنهضُ همَّتُه إليها.
فلا يزالُ في حضيض طبعه محبوسًا، وقلبُه عن كماله الذي خُلِقَ له مصدودًا منكوسًا، قد أسامَ نفسَه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَل، واستطابَ لُقَيْمات الراحة والبَطالة، واسْتَلانَ فراشَ العجز والكسل، لا كمن رُفِعَ له (٢) عَلَمٌ فشمَّر إليه، وبُورِكَ له في تفرُّده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه، قد أبَتْ غَلَباتُ شوقِه (٣) إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقَتَت نفسُه الرفقاءَ إلا ابنَ سبيلٍ يرافقُه في سبيله.
ولما كان كمالُ الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرفُ العلم تابعٌ لشرف معلومه، كانت نهايةُ سعادة العبد التي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها أن تكون إرادتُه متعلقةً بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعَزَماتُ همَّته مسافرةً إلى حضرة الحيِّ الذي لا يموت. ولا سبيل له إلى هذا المطلب
стр. 227
الأسنى والحظِّ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه، الذي بعثه لذلك داعيًا، وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطةً بينه وبين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السَّلام، وأبى سبحانه أن يفتحَ لأحدٍ منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدئًا منه ومنتهيًا إليه، فالطرقُ كلُّها إلا طريقَه ﷺ مسدودة، والقلوبُ بأسرها إلا قلوبَ أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسةٌ مصدودة.
فحقٌّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا عن الله واعيًا، أن يجعل على هذين الأصلين مدارَ أقواله وأعماله، وأن يُصَيِّرهما آخِيَّتَه (١) التي إليها مفزعُه في حياته ومآله.
فلا جَرَمَ كان وضعُ هذا الكتاب مؤسَّسًا على هاتين القاعدتين، ومقصودُه التعريف بشرف هذين الأصلين، وسمَّيتُه: «مفتاح دار السَّعادة ومنشور (٢) ولاية العلم (٣) والإرادة»؛ إذ كان هذا من بعض النُّزُلِ (٤) والتُّحَف التي فتح الله بها عليَّ حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرُّضي لنفحاته في بيته وحوله بكرةً وأصيلًا، فما خابَ من أنزل به حوائجَه، وعلَّق به آمالَه، وأصبح ببابه مقيمًا وبحِمَاه نزيلًا.
стр. 228
ولما كان العلمُ إمام الإرادة، ومقدَّمًا عليها، ومفصِّلًا لها، ومرشدًا إليها، قدَّمنا الكلام عليه على الكلام على المحبة.
ثم نُتْبِعُه ــ إن شاء الله ــ بعد الفراغ منه كتابًا في الكلام على المحبة، وأقسامها، وأحكامها، وفوائدها، وثمراتها، وأسبابها، وموانعها، وما يقوِّيها، وما يُضْعِفُها، والاستدلال بسائر طرق الأدلَّة من النقل والعقل والفطرة والقياس والاعتبار والذَّوق والوَجْد على تعلُّقها بالإله الحقِّ الذي لا إله غيره، بل لا ينبغي أن تكونَ إلا له، ومِنْ أجله، والردِّ على من أنكر ذلك، وتبيين فساد قوله عقلًا ونقلًا، وفطرةً وقياسًا، وذوقًا ووَجْدًا (١).
فهذا مضمونُ هذه التحفة، وهذه عرائسُ معانيها الآن تُجْلى عليك، وخُودُ أبكارها البديعة الجمال تَرْفُلُ في حُلَلِها وهي تُزَفُّ إليك، فإما «شمسٌ منازلُها بسَعْد الأسعد» (٢)، وإما «خَوْدٌ تُزَفُّ إلى ضريرٍ مُقْعَد» (٣)، فاختر لنفسك إحدى الخُطَّتين، وأنزِلها فيما شئتَ من المنزلتين، ولا بدَّ لكلِّ
стр. 229
نعمةٍ من حاسد، ولكلِّ حقٍّ من جاحدٍ ومعاند.
هذا، وإنَّ ما أُودِعَ من المعاني والنفائس رهنٌ عند متأمِّله ومُطالِعه، له غُنْمُه وعلى مؤلِّفه غُرْمُه، وله ثمرتُه ومنفعتُه ولصاحبه كَدُّه (١) ومشقَّتُه، مع تعرُّضه لمطاعن الطاعنين، ولاعتراض المنافسين (٢)، وعَرْضِه بضاعتَه المزجاة وعقلَه المَكْدُود على عقول العالمين (٣)، وإلقائه نفسَه وعِرْضه بين مخالب الحاسدين، وأنياب البغاة المعتدين.
فلك أيها القاراء صَفْوُه ولمؤلِّفه كدرُه، وهو الذي تجشَّم غِراسَه وتعبَه ولك ثمرُه، وها هو قد استَهْدَف لسهام الرَّاشقين، واستَعْذَر إلى الله من الزلل والخطأ، ثم (٤) إلى عباده المؤمنين.
اللهمَّ، فعياذًا بك ممَّن قَصُرَ في العلم والدِّين باعُه، وطالت في الجهل وأذى عبادك ذراعُه، فهو لجهله يرى الإحسانَ إساءةً والسنةَ بدعةً والعُرْفَ نُكرًا، ولظلمه يجزي بالحسنة سيئةً كاملةً وبالسيئة الواحدة عشرًا.
قد اتَّخذ بَطَر الحقِّ وغَمْط (٥) الناس سُلَّمًا إلى ما يحبُّه من الباطل ويرضاه، ولا يعرفُ من المعروف ولا ينكرُ من المنكر إلا ما وافقَ إرادتَه أو خالفَ هواه (٦).
стр. 230
يستطيلُ على أولياء الرسول وحزبه بأصغرَيْه (١)، ويجالسُ أهلَ الغيِّ والجهالة ويزاحمُهم بركبتَيْه.
قد ارتوى من ماءٍ آجنٍ وتضلَّع، واستشرفَ إلى مراتب ورثة الأنبياء وتطلَّع، يركضُ في ميدان جهله مع الجاهلين، ويبرزُ عليهم في الجهالة فيظنُّ أنه من السابقين، وهو عند الله ورسوله والمؤمنين عن تلك الوراثة النبوية بمعزِل، وإذا نزل الورثةُ منازلهم منها فمنزلتُه منها أقصى وأبعدُ منزِل.
نَزَلوا بمكَّةَ في قبائل هاشمٍ ... ونزلت بالبيداءِ أبعدَ منزلِ (٢)
وعياذًا بك ممَّن جعلَ الملامةَ بضاعتَه، والعَذْلَ نصيحتَه، فهو دائمًا يُبدي في الملامةِ ويُعِيد، ويكرِّرُ على العَذْل فلا يفيد ولا يستفيد.
بل عياذًا بك من عدوٍّ في صورة ناصح، ووليٍّ في مِسْلاخ بعيدٍ كاشِح، يجعلُ عداوتَه وأذاه حذرًا (٣) وإشفاقًا، وتنفيرَه وتخذيلَه إسعافًا وإرفاقًا!
وإذا كانت العينُ لا تكادُ إلا على هؤلاء تفتَح، والميزانُ بهم يخفُّ ولا يَرْجَح، فما أحرى اللبيبَ بأن لا يُعِيرَهم من قلبه (٤) جزءًا من الالتفات، ويسافر في طريق مقصده بينهم سفرَه إلى الأحياء بين الأموات.
стр. 231
وما أحسنَ ما قال القائل (١):
وفي الجهلِ قبل الموتِ موتٌ لأهله ... وأجسامُهم قبلَ القبورِ قبورُ
وأرواحُهم في وحشةٍ من جُسومِهم ... وليس لهم حتى النُّشورِ نُشورُ
اللهمَّ فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
فلنشرع الآن في المقصود بحول الله وقوته، فنقول:
стр. 232
الأصلُ الأول
في العلم وفضله وشرفه، وبيان عُموم الحاجة إليه، وتوقُّف كمال العبد ونجاته في معاشه ومعاده عليه
قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
استشهَد سبحانه بأولي العلم على أجلِّ مشهودٍ عليه، وهو توحيدُه، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾.
وهذا يدلُّ على فضل العلم وأهله من وجوه:
أحدها: استشهادُهم دون غيرهم من البشر.
والثاني: اقترانُ شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته.
والرابع: أنَّ في ضمن هذا تزكيتَهم وتعديلَهم؛ فإنَّ الله لا يستشهِدُ من خلقه إلا العُدول، ومنه الأثرُ المعروفُ (١) عن النبيِّ ﷺ : «يحملُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عُدولُه؛ ينفونَ عنه تحريفَ الغالين، وانتحال المُبْطِلين، وتأويلَ الجاهلين» (٢).
وقال محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة: رأيتُ رجلًا قدَّم رجلًا إلى
стр. 233
إسماعيل بن إسحاق القاضي، فادَّعى عليه دعوى، فسأل المدَّعى عليه، فأنكر، فقال للمدَّعي: ألك بيِّنة؟ قال: نعم، فلانٌ وفلان. قال: أمَّا فلانٌ فمِن شهودي (١)، وأمَّا فلانٌ فليس من شهودي. قال: فيعرفُه القاضي؟ قال: نعم. قال: بماذا؟ قال: أعرفه بكَتْب (٢) الحديث. قال: فكيف تعرفُه في كَتْبه الحديث؟ قال: ما علمتُ إلا خيرًا. قال: فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يحملُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عدوله»؛ فمن عدَّله رسولُ الله ﷺ أولى ممَّن عدَّلتَه أنت. فقال: فقُم فهاتِه، فقد قبلتُ شهادتَه (٣).
وسيأتي ــ إن شاء الله ــ الكلامُ على هذا الحديث في موضعه.
الخامس: أنه وصَفهم بكونهم أولي العلم، وهذا يدلُّ على اختصاصهم به، وأنهم أهلُه وأصحابُه، ليس بمستعارٍ لهم.
السادس: أنه سبحانه استشهَد بنفسه ــ وهو أجلُّ شاهد ــ، ثمَّ بخيار خلقه ــ وهم ملائكتُه والعلماءُ من عباده ــ، ويكفي بهذا فضلًا وشرفًا.
السابع: أنه استشهَد بهم على أجلِّ مشهودٍ به وأعظمِه وأكبره، وهو شهادةُ أن لا إله إلا هو. والعظيمُ القَدْر إنما يستشهِدُ على الأمر العظيم أكابرَ الخلق وساداتهم.
стр. 234
الثامن: أنه سبحانه جعَل شهادتَهم حجَّةً على المنكرين (١)، فهم بمنزلة أدلَّته وآياته وبراهينه الدَّالَّة على توحيده.
التاسع: أنه سبحانه أفردَ الفعلَ المتضمِّنَ لهذه الشهادة الصَّادرة منه ومن ملائكته ومنهم، ولم يعطف شهادتهم بفعلٍ آخر غير شهادته (٢)؛ وهذا يدلُّ على شدَّة ارتباط شهادتهم بشهادته، فكأنه سبحانه شهدَ لنفسه بالتوحيد على ألسنتهم، وأنطقَهم بهذه الشهادة، فكان هو الشاهدَ بها لنفسه إقامةً وإنطاقًا وتعليمًا، وهم الشاهدون بها له إقرارًا واعترافًا وتصديقًا وإيمانًا.
العاشر: أنه سبحانه جعَلهم مؤدِّين لحقِّه عند عباده بهذه الشهادة، فإذا أدَّوها فقد أدَّوا الحقَّ المشهودَ به؛ فثبت الحقُّ المشهودُ به؛ فوجب على الخلق الإقرارُ به، وكان في ذلك غايةُ سعادتهم في معاشهم ومعادهم. وكلُّ من ناله هدًى بشهادتهم، وأقرَّ بهذا الحقِّ بسبب شهادتهم، فلهم مثلُ أجره. وهذا فضلٌ عظيمٌ لا يُدْرِكُ قدرَه إلا الله. وكذلك كلُّ من شهدَ بها عن شهادتهم فلهم من الأجر مثلُ أجره أيضًا.
فهذه عشرةُ أوجهٍ في هذه الآية.
الوجه الحادي عشر في تفضيل العلم وأهله: أنه سبحانه نفى التسوية بين أهله وبين غيرهم، كما نفى التسويةَ بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وهذا يدلُّ على غاية فضلهم وشرفهم.
стр. 235
الوجه الثاني عشر: أنه سبحانه جعلَ أهلَ الجهل بمنزلة العُميان الذين لا يبصرون ، فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]، فما ثَمَّ إلا عالمٌ أو أعمى، وقد وصفَ سبحانه أهلَ الجهل بأنهم صمٌّ بُكمٌ عُميٌ في غير موضعٍ من كتابه (١).
الوجه الثالث عشر: أنه سبحانه أخبرَ عن أولي العلم بأنهم يرونَ ما أُنزِل إليه من ربِّه حقًّا، وجعَل هذا ثناءً عليهم واستشهادًا بهم، فقال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦].
الوجه الرابع عشر: أنه سبحانه أمرَ بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم ، وجَعَل ذلك كالشهادة منهم، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأهلُ الذِّكر هم أهلُ العلم بما أُنزِل على الأنبياء.
الوجه الخامس عشر: أنه شهدَ لأهل العلم شهادةً في ضمنها الاستشهادُ بهم على صحَّة ما أنزل على رسوله، فقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤]. الوجه السادس عشر: أنه سبحانه سلَّى نبيَّه بإيمان أهل العلم به، وأمَره أن لا يعبأ بالجاهلين شيئًا، فقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ
стр. 236
لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٨]، وهذا شرفٌ عظيمٌ لأهل العلم، وتحته (١) أنَّ أهلَه العالِمون (٢) قد عرفوه وآمنوا به وصدَّقوا، فسواءٌ آمنَ به غيرُهم أو لا.
الوجه السابع عشر: أنه سبحانه مدحَ أهلَ العلم، وأثنى عليهم، وشرَّفهم بأن جَعَل كتابَه آياتٍ بيناتٍ في صدورهم، وهذه خاصَّةٌ ومنقبةٌ لهم دون غيرهم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧ - ٤٩].
وسواءٌ كان المعنى: أنَّ القرآنَ مستقرٌّ في صدور الذين أوتوا العلم، ثابتٌ فيها، محفوظٌ فيها، وهو في نفسه آياتٌ بينات، فيكونُ قد أخبر عنه بخبرين:
أحدهما: أنه آياتٌ بينات.
الثاني: أنه محفوظٌ مستقرٌّ ثابتٌ في صدور الذين أوتوا العلم.
أو كان المعنى: أنه آياتٌ بيناتٌ في صدورهم، أي: كونُه آياتٍ بيناتٍ معلومٌ لهم، ثابتٌ في صدورهم.
والقولان متلازمان، ليسا بمختلفين. وعلى التقديرين فهو مدحٌ لهم
стр. 237
وثناءٌ عليهم في ضمنه الاستشهادُ بهم. فتأمَّله.
الوجه الثامن عشر: أنه سبحانه أمرَ نبيَّه أن يسأله مزيدَ العلم ، فقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وكفى بهذا شرفًا للعلم أنْ أمرَ نبيَّه أن يسأله المزيدَ منه.
الوجه التاسع عشر: أنه سبحانه أخبرَ عن رِفْعة درجات أهل العلم والإيمان خاصَّة ، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
وقد أخبر سبحانه في كتابه برفعة الدَّرجات (١) في أربعة مواضع (٢):
أحدها: هذا.
والثاني: قولُه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والثالث: قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].
стр. 238
والرابع: قولُه تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
فهذه أربعةُ مواضع، في ثلاثةٍ منها: الرِّفعةُ بالدَّرجات لأهل الإيمان الذي هو العلمُ النافعُ والعملُ الصَّالح، والرابعُ: الرِّفعةُ بالجهاد؛ فعادت رفعةُ الدَّرجات كلُّها إلى العلم والجهاد اللذَين بهما قِوامُ الدِّين.
الوجه العشرون: أنه سبحانه استشهَد بأهل العلم والإيمان يومَ القيامة على بطلان قول الكفار ، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥ - ٥٦].
الوجه الحادي والعشرون (١): أنه سبحانه أخبر أنهم أهلُ خشيته، بل خصَّهم من بين الناس بذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وهذا حصرٌ لخشيته في أولي العلم.
وقال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقد أخبر أنَّ أهل خشيته هم العلماء؛ فدلَّ على أنَّ هذا الجزاء المذكور للعلماء بمجموع النَّصَّين (٢).
стр. 239
وقال ابن مسعود ﵁: «كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا» (١).
الوجه الثاني والعشرون: أنه سبحانه أخبر عن أمثاله التي يضربها لعباده ــ يدلُّهم على صحة ما أخبر به ــ أنَّ أهلَ العلم هم المنتفعون بها، المختصُّون بعلمها، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وفي القرآن بضعةٌ وأربعون مثلًا (٢).
وكان بعضُ السلف إذا مرَّ بمثلٍ لا يفهمُه (٣) يبكي ويقول: لستُ من العالِمين (٤).
الوجه الثالث والعشرون: أنه سبحانه ذكر مناظرةَ إبراهيم لأبيه وقومه،
стр. 240
وغَلَبتَه لهم بالحُجَّة، وأخبر عن تفضيله بذلك، ورفعِه درجتَه بعلم الحُجَّة، فقال تعالى عقيب مناظرته لأبيه وقومه في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.
قال زيدُ بن أسلم ﵁: «نرفعُ درجاتٍ من نشاء بعلم الحُجَّة» (١).
الوجه الرابع والعشرون: أنه سبحانه أخبر أنه خلقَ الخلق، ووضعَ بيتَه الحرام، والشهرَ الحرام، والهَدْي، والقلائد (٢)؛ ليعلمَ عبادُه أنه بكلِّ شيءٍ عليم، وعلى كلِّ شيءٍ قدير، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فدلَّ على أنَّ علمَ العباد بربِّهم وصفاته وعبادتَه وحده هو الغايةُ المطلوبةُ من الخلق والأمر.
الوجه الخامس والعشرون: أنَّ الله سبحانه أمر أهلَ العلم بالفرح بما آتاهم، وأخبر أنه خيرٌ مما يجمعُ الناس، فقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، وفُسِّرَ فضلُ الله بالإيمان،
стр. 241
ورحمتُه بالقرآن، والإيمانُ والقرآنُ هما العلمُ النافعُ والعملُ الصالح، وهما الهدى ودينُ الحقِّ، وهما أفضلُ علمٍ وأفضلُ عمل.
الوجه السادس والعشرون: أنه سبحانه شهدَ لمن آتاه العلمَ بأنه قد آتاه خيرًا كثيرًا، فقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قال ابنُ قتيبة والجمهور: الحكمةُ إصابةُ الحقِّ والعملُ به (١). وهي العلمُ النافعُ والعملُ الصالح.
الوجه السابع والعشرون: أنه سبحانه عَدَّدَ نِعَمه وفضلَه على رسوله، وجعَل من أجلِّها أنْ آتاه الكتابَ والحكمة، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
الوجه الثامن والعشرون: أنه سبحانه ذكَّر عبادَه المؤمنين بهذه النِّعمة، وأمرهم بشُكْرها، وأن يذكُروه على إسدائها إليهم، فقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢].
стр. 242
الوجه التاسع والعشرون: أنه سبحانه لما أخبر ملائكتَه بأنه يريدُ أن يجعلَ في الأرض خليفة، قالوا له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، إلى آخر قصة آدم وأمرِ الملائكة بالسجود له، وإباءِ (١) إبليس، ولَعْنِه، وإخراجه (٢) من السماء.
وبيانُ فضل العلم من هذه القصة من وجوه:
أحدها: أنه سبحانه ردَّ على الملائكة لما سألوه: كيف يجعلُ في الأرض من هم أطوعُ له منه؟ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فأجاب سؤالهم بأنه يعلمُ من بواطن الأمور وحقائقها ما لا يعلمونه، وهو العليمُ الحكيم، فظهرَ من هذا الخليفة مِنْ خيار خلقه، ورسله، وأنبيائه، وصالحي عباده، والشهداء، والصِّدِّيقين، والعلماء، وطبقات أهل الإيمان= من هو خيرٌ من الملائكة، وظهرَ مِنْ إبليس من هو شرُّ العالمين.
فأخرَج سبحانه هذا وهذا، والملائكةُ لم يكن لها علمٌ لا بهذا ولا بهذا، ولا بما في خلق آدم وإسكانه الأرضَ من الحِكَم الباهرة.
الثاني: أنه سبحانه لما أراد إظهارَ تفضيل آدم وتمييزه فضَّله (٣) وميَّزه
стр. 243
عليهم بالعلم، فعلَّمه الأسماءَ كلَّها، ثمَّ عرضهم على الملائكة، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
جاء في التفسير أنهم قالوا: لن يخلقَ ربُّنا خلقًا هو أكرمُ عليه منَّا (١)، فظنُّوا أنهم خيرٌ وأفضلُ من الخليفة الذي يجعلُه الله في الأرض، فلمَّا امتحنهم بعلم ما علَّمه لهذا الخليفة أقرُّوا بالعجز وجَهْل ما لم يعلموه، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، فحينئذٍ أظهرَ لهم فضلَ آدم بما خصَّه به من العلم، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، فلمَّا أنبأهم بأسمائهم أقرُّوا له بالفضل.
الثالث: أنه سبحانه لما عرَّفهم (٢) فضلَ آدم بالعلم، وعَجْزَهم عن معرفة ما علَّمه، قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فعرَّفهم سبحانه نفسَه بالعلم، وأنه أحاط علمًا بظاهرهم وباطنهم، وبغيب السموات والأرض، فتعرَّف إليهم بصفة العلم، وعرَّفهم فضلَ نبيِّه وكليمه بالعلم، وعجزهم عمَّا آتاه آدم من العلم، وكفى بهذا شرفًا للعلم.
الرابع: أنه سبحانه جعلَ في آدم من صفات الكمال ما كان به أفضلَ من غيره من المخلوقات، وأراد سبحانه [أن] يُظْهِرَ لملائكته فضلَه وشرفَه، فأظهرَ لهم أحسنَ ما فيه، وهو علمُه، فدلَّ على أنَّ العلمَ أشرفُ ما في الإنسان، وأنَّ فضلَه وشرفَه إنما هو بالعلم.
стр. 244
ونظيرُ هذا ما فعله بنبيِّه يوسف ﵇، لمَّا أراد إظهارَ فضله وشرفِه على أهل زمانه كلِّهم، أظهرَ للمَلِك وأهل مصر من علمه بتأويل رؤياه ما عجزَ عنه علماءُ التعبير، فحينئذٍ قدَّمه ومكَّنه وسلَّم إليه خزائنَ الأرض، وكان قبل ذلك قد حبَسه، على ما رآه من حُسْن وجهه وجمال صورته، ولمَّا ظهر له حُسْنُ صورة علمه، وجمالُ معرفته، أطلَقه من الحبس، ومكَّنه (١) في الأرض؛ فدلَّ على أنَّ صورةَ العلم عند بني آدم أبهى وأحسنُ من الصورة الحِسِّيَّة (٢)، ولو كانت أجملَ صورة.
وهذا وجهٌ مستقلٌّ في تفضيل العلم، مضافٌ إلى ما تقدَّم، فتمَّ به ثلاثون وجهًا.
الوجه الحادي والثلاثون: أنه سبحانه ذمَّ أهلَ الجهل في مواضع كثيرةٍ من كتابه:
فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، فلم يقتصر سبحانه على تشبيه الجُهَّال بالأنعام، حتى جعلهم أضلَّ سبيلًا منهم.
стр. 245
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، أخبرَ أنَّ الجُهَّالَ شرُّ الدَّوابِّ عنده، على اختلاف أصنافها، من الحمير، والسِّباع، والكلاب، والحشرات، وسائر الدَّوابِّ؛ فالجُهَّالُ شرٌّ منهم. وليس على دين الرسل أضرُّ من الجُهَّال، بل هم أعداؤهم على الحقيقة.
وقال تعالى لنبيِّه ــ وقد أعاذَه ــ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥].
وقال كليمُه موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].
وقال لأول رسله نوح: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
فهذه حالُ الجاهلين عنده، والأولُ حالُ أهل العلم عنده.
وأخبرَ سبحانه عن عقوبته لأعدائه أنه منَعهم علمَ كتابه ومعرفتَه وفِقْهَه؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦].
وأمرَ سبحانه نبيَّه بالإعراض عنهم، فقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وأثنى على عباده بالإعراض عنهم ومُتارَكَتِهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وكلُّ هذا يدلُّ على قُبح الجهل عنده، وبُغْضِه للجهل وأهله، وكذلك هو عند الناس، فإنَّ كلَّ أحدٍ يتبرَّأ منه وإن كان فيه.
стр. 246
الوجه الثاني والثلاثون: أنَّ العلمَ حياةٌ ونور، والجهلَ موتٌ وظُلمَة ، والشرُّ كلُّه سببه عدمُ الحياة والنور، والخيرُ كلُّه سببه النورُ والحياة؛ فإنَّ النورَ يكشفُ عن حقائق الأشياء، ويبيِّنُ مراتبها، والحياةُ هي المصحِّحةُ لصفات الكمال، المُوجِبةُ لتسديد الأقوال والأعمال.
وكلُّ ما تصرَّف من الحياة فهو خيرٌ كلُّه؛ كالحياء الذي سببه كمالُ حياة القلب، وتصوُّرُه حقيقةَ القبح ونفرتُه منه، وضدُّه الوقاحةُ والفُحش، وسببه موتُ القلب وعدمُ نفرته من القبيح. وكالحَيَا الذي هو المطرُ الذي به حياةُ كلِّ شيء.
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، كان ميتًا بالجهل (١) فأحياه بالعلم، وجعل له من الإيمان نورًا يمشي به في الناس.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
«مثلُ نوره في قلب عبده المؤمن» (١)،
وهو نورُ القرآن والإيمان الذي أعطاه إياه، كما قال في آخر الآية: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني: نورَ الإيمان على نور القرآن، كما قال بعضُ السلف: «يكادُ المؤمنُ ينطقُ بالحكمة وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمعَ فيها بالأثر كان نورًا على نور» (٢).
وقد جمعَ اللهُ سبحانه بين ذكر هذين النُّورَين ــ وهما: الكتابُ، والإيمان ــ في غير موضعٍ من كتابه، كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، ففضلُ الله: الإيمان، ورحمتُه: القرآن.
وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقد تقدَّمت هذه الآيات.
وقال في آية النور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، وهو نورُ القرآن على نور الإيمان (٣).
وفي حديث النوَّاس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ : «إنَّ الله
стр. 249
ضرب مثلًا، صراطًا مستقيمًا، وعلى كَنَفَي الصِّراط (١) سُوران لهما أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب سُتور، وداعٍ يدعو على الصِّراط، وداعٍ يدعو فوقه، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، والأبوابُ التي على كَنَفَي الصِّراط حدودُ الله، فلا يقعُ أحدٌ في حدود الله حتى يكشفَ السِّتر، والذي يدعو من فوقه واعظُ ربِّه».
رواه الترمذيُّ ــ وهذا لفظُه ــ، والإمامُ أحمد ولفظُه: « ... والدَّاعي على رأس الصِّراط كتابُ الله، والداعي فوق الصِّراط واعظُ الله في قلب كلِّ مؤمن» (٢).
فذكرَ الأصلين؛ وهما: داعي القرآن، وداعي الإيمان.
وقال حذيفة: «حدثنا رسولُ الله ﷺ أنَّ الأمانة نزلت في جَذْرِ قلوب الرِّجال، ثمَّ نزل القرآن، فعَلِمُوا من الإيمان، ثمَّ عَلِمُوا من القرآن» (٣).
وفي «الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن
стр. 250
النبي ﷺ : «مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآنَ كمثل الأُترُجَّة، طعمُها طيِّبٌ وريحُها طيِّب، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآنَ كمثل التمرة، طعمُها طيِّب ولا ريحَ لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحُها طيِّبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومثلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمُها مرٌّ ولا ريحَ لها» (١).
فجعل الناسَ أربعةَ أقسام:
الأول: أهلُ الإيمان والقرآن؛ وهم خيارُ الناس.
والثاني: أهلُ الإيمان الذين لا يقرؤونَ القرآن؛ وهم دونهم.
فهؤلاء هم السعداء.
والأشقياء قسمان:
أحدهما: من أوتي قرآنًا بلا إيمان، فهو منافق.
والثاني: من لا أوتي قرآنًا ولا إيمانًا.
والمقصود: أنَّ القرآنَ والإيمانَ هما نورٌ يجعلُه الله في قلب من يشاءُ من عباده، وأنهما أصلُ كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة، وعلمُهما أجلُّ العلوم (٢) وأفضلُها، بل لا علمَ في الحقيقة ينفعُ صاحبه إلا علمُهما، والله يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم.
الوجه الثالث والثلاثون: أنَّ الله سبحانه جعَل صيدَ الكلب الجاهل ميتةً يحرمُ أكلُها، وأباحَ صيدَ الكلب المعلَّم.