← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وفيه تنبيهٌ للعلماء على سلوك هدي الأنبياء وطريقتهم في التبليغ؛ من الصَّبر، والاحتمال، ومقابلة إساءة الناس إليهم بالإحسان، والرِّفق بهم، واستجلابهم إلى الله بأحسن الطُّرق، وبذل ما يمكنُ من النصيحة لهم؛ فإنه بذلك يحصلُ لهم نصيبُهم من هذا الميراث العظيم قدرُه، الجليل خَطَرُه. وفيه ــ أيضًا ــ تنبيهٌ لأهل العلم على تربية الأمَّة كما يربِّي الوالدُ وَلَدَه؛ فيربُّونهم بالتدريج والترقِّي من صغار العلم إلى كباره، وتحميلهم منه ما يطيقون، كما يفعلُ الأبُ بولده الطفل في إيصال (١) الغذاءَ إليه؛ فإنَّ أرواحَ البشر بالنسبة إلى الأنبياء والرسل كالأطفال بالنسبة إلى آبائهم، بل دون هذه النسبة بكثير، ولهذا كلُّ روحٍ لم يربِّها الرسولُ (٢) لم تُفْلِح ولم تَصْلُح لصالحة؛ كما قيل: ومن لا يُرَبِّيه الرسولُ ويَسْقِهِ ... لِبانَ هُدًى (٣) قد دَرَّ مِنْ ثَدْيِ قُدْسِهِ فذاكَ لَقِيطٌ ما له نِسْبةُ الوَلَا ... ولا يتعدَّى طَوْرَ أبناءِ جِنْسِه وقولُه: «إنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم»، هذا من كمال الأنبياء وعِظَم نصحهم للأمم، وتمام نعمة الله عليهم وعلى أممهم؛ أنْ أزاحَ جميعَ العلل، وحسَم جميعَ الموادِّ التي تُوهِمُ بعض النفوس أنَّ الأنبياء من جنس الملوك الذين يريدون الدنيا ومُلْكَها؛ فحماهم من ذلك أتمَّ الحماية.

стр. 282

ثمَّ لما كان الغالبُ على الناس أنَّ أحدهم يريد الدنيا لولده من بعده، ويسعى ويتعبُ ويَحْرِمُ نفسَه لولده= سدَّ هذه الذَّريعة عن أنبيائه ورسله، وقطعَ هذا الوهمَ الذي عساه أن يخالط كثيرًا من النفوس التي تقول: فلعله إن لم (١) يطلب الدنيا [لنفسه] فهو يحصِّلها (٢) لولده= فقال ﷺ : «نحن معاشرَ الأنبياء لا نُورَث، ما تركنا فهو صدقة» (٣). فلم تُورِّث الأنبياءُ دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم. وأما قولُه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ فهو ميراثُ العلم والنبوَّة، لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسِّرين وغيرهم (٤)، وهذا لأنَّ داود ﵇ كان له أولادٌ كثيرٌ سوى سليمان، فلو كان الموروثُ هو المال لم يكن سليمان يختصُّ به (٥). وأيضًا؛ فإنَّ كلامَ الله يصانُ عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: «مات فلانٌ وورثه ابنُه»، ومن المعلوم أنَّ كلَّ أحدٍ يرثُه ابنُه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة. وأيضًا؛ فإنَّ ما قبل الآية وما بعدها يبيِّنُ أنَّ المرادَ بهذه الوِراثة وراثةُ العلم والنبوَّة، لا وراثةُ مال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا

стр. 283

وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٥ - ١٦]، وإنما سِيقَ هذا لبيان (١) فضل سليمان وما خصَّه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوَّة، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]. وكذلك قولُ زكريا ﷺ : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَاءِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦]، فهذا ميراثُ العلم والنبوَّة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يُظَنُّ بنبيٍّ كريمٍ أنه يخافُ عصبتَه أن يرثوه مالَه، فيسألُ الله العظيمَ ولدًا يمنعهم ميراثه (٢)، ويكونُ أحقَّ به منهم. وقد نزَّه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله. فبُعْدًا لمن حرَّف كتاب الله وردَّ على رسوله كلامَه، ونسبَ الأنبياءَ إلى ما هم أبرياءُ منزَّهون عنه، والحمدُ لله على توفيقه وهدايته. ويُذْكرُ عن أبي هريرة ﵁ أنه مرَّ بالسوق، فوجدهم في تجاراتهم وبِيَاعاتهم (٣)، فقال: أنتم هاهنا فيما أنتم فيه وميراثُ رسول الله ﷺ يقسَّمُ في مسجده! فقاموا سِراعًا إلى المسجد، فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذِّكر ومجالس العلم، فقالوا: أين ما قلتَ يا أبا هريرة؟ فقال: هذا ميراثُ محمَّد ﷺ يقسَّمُ بين ورثته، وليس بمواريثكم ودنياكم (٤). أو كما قال.

стр. 284

وقولُه: «فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر»، أعظمُ الحظوظ وأجداها ما نفَع العبدَ ودام نفعُه له، وليس هذا إلا حظَّه من العلم والدِّين؛ فهو الحظُّ الدائمُ النافعُ الذي إذا انقطعت الحظوظُ لأربابها فهو موصولٌ له أبد الآبدين؛ وذلك لأنه موصولٌ بالحيِّ الذي لا يموت، فلذلك لا ينقطعُ ولا يفوت، وسائرُ الحظوظ تُعْدَم وتتلاشى بتلاشي متعلَّقاتها، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]؛ فإنَّ الغايةَ لما كانت منقطعةً زائلةً تبعتها أعمالهم، فانقطعت عنهم أحوجَ ما يكونُ العاملُ إلى عمله. وهذه هي المصيبةُ التي لا تُجْبَر، عياذًا بالله، واستعانةً به، وافتقارًا إليه، وتوكُّلًا عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقولُه: «موتُ العالم مصيبةٌ لا تُجْبَر، وثُلْمةٌ لا تُسَدُّ، ونجمٌ طُمِس، وموتُ قبيلةٍ أيسرُ من موت عالم»، لمَّا كان صلاحُ الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناسُ كالبهائم، بل أسوأ حالًا؛ كان موتُ العالم مصيبةً لا يَجْبُرها إلا خلفُ غيره له. وأيضًا؛ فإنَّ العلماءَ هم الذين يَسُوسونَ العبادَ والبلادَ والممالك، فموتُهم فسادٌ لنظام العالم؛ ولهذا لا يزالُ الله يغرسُ في هذا الدِّين منهم خالفًا عن سالف، يحفظُ بهم دينَه وكتابَه وعبادَه. وتأمَّل: إذا كان في الوجود رجلٌ قد فاقَ العالَم في الغنى والكرم، وحاجتُهم إلى ما عنده شديدة، وهو محسنٌ إليهم بكلِّ ممكن، ثمَّ مات وانقطعت عنهم تلك المادَّة؛ فموتُ العالم أعظمُ مصيبةً من موت مثل هذا بكثير، ومثلُ هذا يموتُ بموته أممٌ وخلائق، كما قيل:

стр. 285

تَعَلَّمْ ما الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مالٍ ... ولا شاةٌ تموتُ ولا بعيرُ ولكنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ حُرٍّ ... يموتُ بموته بشرٌ كثيرُ (١) وقال آخر: فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَّه بنيانُ قومٍ تَهَدَّما (٢) الوجه الثامن والأربعون: ما روى الترمذيُّ من حديث الوليد بن مسلم حدثنا رَوْحُ بن جناح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «فقيهٌ (٣) أشدُّ على الشيطان من ألف عابد» (٤).

стр. 286

قال الترمذي: «غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوليد بن مسلم». قلت: قد رواه أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي اليقطيني: حدثنا عمر بن سعيد بن سنان: حدثنا هشام بن عمار: حدثنا الوليدُ بن مسلم: حدثنا رَوْحُ بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (١). قال الخطيب (٢): «والأولُ هو المحفوظ عن رَوْح، عن مجاهد، عن ابن عباس، وما أرى الوهمَ وقع في هذا الحديث إلا من أبي جعفر؛ لأنَّ عمر بن سنان عنده: عن هشام بن عمار، عن الوليد، عن رَوْح، عن الزهري، عن سعيد: حديثُ: «في السماء بيتٌ يقالُ له: البيتُ المعمورُ حِيال الكعبة» (٣)، وحديثُ ابن عباس، [فيُشْبِهُ أن يكونا] (٤) كانا في كتاب ابن

стр. 287

سنانٍ عن هشام يتلو أحدَهما الآخر؛ فكتبَ أبو جعفر إسنادَ حديث أبي هريرة ﵁، ثمَّ عارضه سهوٌ أو زاغ نظرُه، فنزل إلى متن حديث ابن عباس، فركَّبَ متنَ هذا على إسناد هذا، وكلُّ واحدٍ منهما ثقةٌ مأمون، بريءٌ من تعمُّد الغلط». وقد رواه أبو أحمد بن عدي عن محمد بن سعيد بن مهران: حدثنا شيبان: حدثنا أبو الربيع السَّمَّان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلِّ شيءٍ دِعامة، ودِعامةُ الإسلام الفقهُ في الدِّين، والفقيهُ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد» (١). ولهذا الحديث علَّة؛ وهو أنه رُوِي من كلام أبي هريرة، وهو أشبه: رواه هاناء بن يحيى: حدثنا يزيدُ به عياض: حدثنا صفوانُ بن سليم، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عبد اللهُ بشيءٍ أفضلَ من فقهٍ في الدِّين». قال: وقال أبو هريرة: «لأَنْ أَفْقَهَ ساعةً أحبُّ إليَّ من أن أُحْيِيَ ليلةً أصلِّيها حتى أُصْبِح، والفقيهُ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد، ولكلِّ شيءٍ دِعامة، ودِعامةُ الدِّين الفقه» (٢).

стр. 288

وقد رُوِي بإسنادٍ فيه من لا يحتجُّ به من حديث عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرِّ بن حُبيش، عن عمر بن الخطاب يرفعُه: «إنَّ الفقيهَ أشدُّ على الشيطان من ألف وَرِع، وألف مجتهد، وألف متعبِّد» (١). وقال المزني: «رُوِي عن ابن عباس أنه قال: إنَّ الشياطين قالوا لإبليس: يا سيِّدنا، ما لنا نراكَ تفرحُ بموت العالِم ما لا تفرحُ بموت العابد والعالِمُ لا نُصِيبُ منه والعابدُ نُصِيبُ منه؟! (٢)، قال: انطلقوا. فانطلقوا إلى عابد، فأتوه في عبادته فقالوا: إنَّا نريدُ أن نسألك. فانصرَف. فقال إبليس: هل يقدرُ ربُّك أن يجعلَ الدنيا في جوف بيضة؟ فقال: لا أدري. فقال: أترونه كَفَر في ساعة؟! ثمَّ جاؤوا إلى عالِمٍ في حَلْقته يُضاحِكُ أصحابَه ويحدِّثهم، فقالوا: إنَّا نريدُ أن نسألك. فقال: سَلُوا. فقالوا: هل يقدرُ ربُّك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟ قال: نعم. قالوا: كيف؟ قال: يقول: كُن فيكون؛ فقال: أترونَ ذلك لا يَعْدُو نفسَه، وهذا يُفسِدُ عليَّ عالَمًا كثيرًا؟!» (٣).

стр. 289

وقد رُوِيَت هذه الحكايةُ على وجهٍ آخر، وأنهم سألوا العابد فقالوا: هل يقدرُ ربُّك أن يخلقَ مثل نفسه؟ فقال: لا أدري. فقال: أترونه لم تنفعه عبادتُه مع جهله؟! وسألوا العالِمَ عن ذلك، فقال: هذه المسألةُ مُحال؛ لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقًا، فكونُه مخلوقًا وهو مثلُ نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقًا لم يكن مثلَه، بل كان عبدًا من عبيده، وخلقًا من خلقه. فقال: أترونَ هذا يهدمُ في ساعةٍ ما أبنيه في سنين؟! أو كما قال. ورُوِي عن عبد الله بن عمر (١): «فضلُ العالم على العابد سبعين درجة، بين كلِّ درجتين حُضْرُ الفَرَس (٢) سبعين عامًا؛ وذلك أنَّ الشيطان يضعُ البدعة، فيبصرُها العالِمُ فينهى عنها، والعابدُ مقبلٌ على عبادة ربِّه لا يتوجَّهُ لها ولا يعرفُها» (٣).

стр. 290

وهذا معناه صحيح؛ فإنَّ العالِمَ يُفْسِدُ على الشيطان ما يسعى فيه، ويهدمُ ما يبنيه، فكلما أراد إحياءَ بدعةٍ وإماتةَ سُنَّةٍ حالَ العالِمُ بينه وبين ذلك، فلا شيء أشدُّ عليه من بقاء العالِم بين ظهراني الأمَّة، ولا شيء أحبُّ إليه من زواله من بين أظهرهم؛ ليتمكَّن من إفساد الدِّين وإغواء الأمَّة، وأما العابدُ فغايته أن يجاهدَه ليسلَم منه في خاصَّة نفسه، وهيهات له ذلك. الوجه التاسع والأربعون: ما روى الترمذيُّ من حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكرُ الله وما والاه وعالمٌ ومتعلِّم» (١). قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن» (٢). ولمَّا كانت الدنيا حقيرةً عند الله لا تساوي لديه جناح بعوضة، كانت ــ وما فيها ــ في غاية البعد منه، وهذا هو حقيقةُ اللَّعنة.

стр. 291

وهو سبحانه إنما خلقها مزرعةً للآخرة ومَعْبَرًا إليها يتزوَّدُ منها عبادُه إليه، فلم يكن يُقَرِّبُ منها إلا ما كان متضمِّنًا لإقامة ذكره ومُفْضِيًا إلى محابِّه، وهو العلمُ الذي به يُعْرَفُ اللهُ ويُعْبَد، ويُذْكَرُ ويُثنى عليه به ويُمَجَّدُ. ولهذا خلقها وخلق أهلها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، فتضمَّنت هاتان الآيتان أنه سبحانه إنما خلق السموات والأرض وما بينهما ليُعْرَفَ بأسمائه وصفاته، وليُعْبَد. فهذا المطلوبُ (١) وما كان طريقًا إليه من العلم والتعليم فهو المستثنى من اللَّعنة، واللَّعنةُ واقعةٌ على ما عداه؛ إذ هو بعيدٌ عن الله وعن محابِّه وعن دينه، وهذا هو متعلَّق العقاب في الآخرة؛ فإنه كما كان متعلَّقَ اللَّعنة التي تتضمَّن الذَّمَّ والبغضَ فهو متعلَّقُ العقاب، والله سبحانه إنما يحبُّ من عباده ذكرَه وعبادتَه، ومعرفتَه ومحبَّته، ولوازمَ ذلك وما أفضى إليه، وما عداه فهو مبغوضٌ له، مذمومٌ عنده. الوجه الخمسون: ما رواه الترمذي من حديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (٢). قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب،

стр. 292

رواه بعضُهم فلم يرفعه». وإنما جُعِلَ طلبُ العلم من سبيل الله لأنَّ به قِوامَ الإسلام، كما أنَّ قِوامَه بالجهاد، فقِوامُ الدِّين بالعلم والجهاد. ولهذا كان الجهادُ نوعين: * جهادٌ باليد والسِّنان، وهذا المشاركُ فيه كثير. * وجهادٌ بالحجَّة والبيان، وهذا جهادُ الخاصَّة من أتباع الرسل، وهو جهادُ الأئمَّة، وهو أفضلُ الجهادَين؛ لعظم منفعته، وشدَّة مؤنته، وكثرة أعدائه. قال تعالى في سورة الفرقان ــ وهي مكيَّة ــ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، فهذا جهادٌ لهم بالقرآن، وهو أكبرُ الجهادَين (١)، وهو جهادُ المنافقين أيضًا؛ فإنَّ المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظَّاهر، وربَّما كانوا يقاتلون عدوَّهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]، ومعلومٌ أن جهادَ المنافقين بالحجَّة والقرآن. والمقصودُ أنَّ سبيلَ الله هي الجهادُ وطلبُ العلم ودعوةُ الخلق به إلى الله، ولهذا قال معاذٌ ﵁: «عليكم بطلب العلم؛ فإنَّ تعلُّمَه لله خشية،

стр. 293

ومدارستَه عبادة، ومذاكرتَه تسبيح، والبحثَ عنه جهاد» (١). ولهذا يَقْرِنُ سبحانه بين الكتاب المنزَّل والحديد النَّاصر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، فذكرَ الكتابَ والحديد إذ بهما قِوامُ الدِّين (٢)، كما قيل: فما هو إلا الوحيُ أو حَدُّ مُرْهَفٍ ... تُمِيلُ ظُباهُ أخْدَعَيْ كلِّ مائلِ فهذا شفاءُ الدَّاء من كلِّ عاقلٍ ... وهذا دواءُ الدَّاء من كلِّ جاهلِ (٣) ولمَّا كان كلٌّ من الجهاد بالسيف والحجَّة يسمَّى: «سبيل الله»، فَسَّرَ الصحابةُ ﵃ قولَه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] بالأمراء والعلماء (٤)؛ فإنهم المجاهدون في سبيل الله، هؤلاء بأيديهم وهؤلاء بألسنتهم.

стр. 294

فطلبُ العلم وتعليمُه من أعظم سبيل الله . قال كعبُ الأحبار: «طالبُ العلم كالغادِي (١) الرَّائح في سبيل الله » (٢). وجاء عن بعض الصحابة ﵃: «إذا جاء الموتُ طالبَ العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد» (٣). وقال سفيان بن عيينة: «من طلب العلمَ فقد بايعَ اللهَ » (٤). وقال أبو الدرداء: «من رأى الغُدُوَّ والرَّواحَ إلى العلم ليس بجهادٍ فقد نقصَ عقلُه (٥) ورأيه».

стр. 295

الوجه الحادي والخمسون: ما رواه الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنة». قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن» (١). قال بعضهم: «ولم يقل في هذا الحديث: صحيح؛ لأنه يقال: دلَّسَ الأعمشُ في هذا الحديث؛ لأنه رواه بعضهم، فقال: حُدِّثتُ عن أبي صالح» (٢). والحديثُ رواه مسلم في «صحيحه» (٣) من أوجهٍ عن الأعمش عن أبي صالح. قال الحاكم في «المستدرك»: «هو صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم، رواه عن الأعمش جماعة، منهم: زائدة، وأبو معاوية، وابن نمير» (٤).

стр. 296

وقد تقدَّم حديثُ أبي الدرداء في ذلك؛ فالحديث محفوظٌ وله أصل. وقد تظاهرَ الشرعُ والقدرُ على أنَّ الجزاء من جنس العمل؛ فكما سلكَ طريقًا يطلبُ فيه حياةَ قلبه ونجاته من الهلاك، سلكَ اللهُ به طريقًا يحصِّلُ له ذلك. وقد رُوِي من حديث عائشة ﵂، رواه ابن عدي من حديث محمد بن عبد الملك الأنصاري، عن الزهري، عن عروة، عنها مرفوعًا، ولفظُه: «أوحى اللهُ إليَّ: إنه من سلك مسلكًا يطلبُ العلمَ سهَّلتُ له طريقًا إلى الجنة» (١). الوجه الثاني والخمسون: أنَّ النبيَّ ﷺ دعا لمن سمع كلامَه ووعاه وبلَّغه بالنَّضرة ، وهي البهجةُ ونضارةُ الوجه وتحسينُه، ففي الترمذي وغيره من حديث ابن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ قال: «نَضَّرَ اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، وحَفِظَها، وبلَّغها، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ أئمَّة المسلمين، ولزومُ جماعتهم؛ فإنَّ دعوتهم تحيطُ مِنْ ورائهم» (٢).

стр. 297

وروى هذا الأصلَ عن النبيِّ ﷺ : ابنُ مسعود، ومعاذُ بن جبل، وأبو الدرداء، وجبيرُ بن مُطْعِم، وأنسُ بن مالك، وزيدُ بن ثابت، والنعمانُ بن بشير (١). قال الترمذي: «حديثُ ابن مسعودٍ حديثٌ حسنٌ، وحديثُ زيد بن ثابتٍ حديثٌ حسن» (٢). وأخرج الحاكمُ في «صحيحه» حديثَ جبير بن مطعم والنعمان بن بشير، وقال في حديث جبير: «على شرط البخاري ومسلم» (٣). ولو لم يكن في فضل العلم إلا هذا وحدَه لكفى به شرفًا؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ دعا لمن سمعَ كلامَه، ووعاه، وحَفِظه، وبلَّغه. وهذه هي مراتبُ العلم: * أوَّلها: سماعُه. * فإذا سمعه وعاهُ بقلبه (٤)؛ أي: عَقَلَه واستقرَّ في قلبه، كما يستقرُّ الشيءُ الذي يُوعى في وعائه ولا يخرجُ منه، وكذلك عَقْلُه هو بمنزلة عَقْلِ البعير والدابَّة ونحوها حتى لا تَشْرُدَ وتَذْهَب، ولهذا كان الوعيُ والعقلُ قدرًا زائدًا على مجرَّد إدراك المعلوم.

стр. 298

* المرتبة الثالثة: تعاهدُه وحفظُه، حتى لا ينساه فيَذْهَب. * المرتبة الرابعة: تبليغُه وبثُّه في الأمَّة؛ ليحصلَ به ثمرتُه ومقصودُه؛ فما لم يُبَلَّغْ ويُبَثَّ في الأمَّة فهو بمنزلة الكنز المدفون في الأرض الذي لا يُنْفَقُ منه، وهو مُعَرَّضٌ لذهابه، فإنَّ العلمَ ما لم يُنْفَقْ منه ويُعَلَّمْ فإنه يوشكُ أن يذهب، فإذا أُنفِقَ منه نما وزكا على الإنفاق. فمن قام بهذه المراتب الأربع دخلَ تحت هذه الدعوة النبويَّة المتضمِّنة لجمال الظاهر والباطن، فإنَّ النَّضرةَ هي البهجةُ والحُسْنُ الذي يُكساهُ الوجهُ من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره والتذاذه به، فتظهرُ هذه البهجةُ والسرورُ والفرحةُ نضارةً على الوجه. ولهذا يجمعُ سبحانه بين السُّرور والنَّضرة، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]؛ فالنَّضرةُ في وجوههم، والسرورُ في قلوبهم. فالنعيمُ وطِيبُ القلب يظهرُ نضارةً في الوجه، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطفِّفين: ٢٤]. والمقصودُ أنَّ هذه النَّضرةَ في وجه من سمع سُنَّة رسول الله ﷺ ، ووعاها، وحَفِظها، وبلَّغها، هي أثرُ تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه. وقولُه ﷺ : «رُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه» تنبيهٌ على فائدة التبليغ، وأنَّ المبلَّغَ قد يكونُ أفهَمَ من المبلِّغ؛ فيحصُل له في تلك المقالة ما لم يحصُل للمبلِّغ.

стр. 299

أو يكونُ المعنى: أنَّ المبلَّغ قد يكونُ أفقهَ من المبلِّغ، فإذا سمع تلك المقالةَ حملها على أحسن وجوهها، واستنبطَ فقهَها، وعَلِمَ المرادَ منها. وقولُه ﷺ : «ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم ... » إلى آخره؛ أي: لا يحملُ الغِلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغِلَّ والغِشَّ، وهو فسادُ القلب (١) وسخائمُه. فالمخلصُ لله إخلاصُه يمنعُ غِلَّ قلبه، ويخرجُه ويزيلُه جملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربِّه، فلم يبقَ فيه موضعٌ للغِلِّ والغش؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلِصين (٢)﴾ [يوسف: ٢٤]، فلمَّا أخلصَ لربِّه صرفَ عنه دواعي السوء والفحشاء؛ فانصرف عنه السوءُ والفحشاء. ولهذا لمَّا علمَ إبليسُ أنه لا سبيلَ له على أهل الإخلاص استثناهُم من شُرْطتِه (٣) التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصين﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصين﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ

стр. 300

سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]. فالإخلاصُ هو سبيلُ الخَلاص، والإسلامُ مركبُ السلامة، والإيمانُ خاتمُ الأمان. وقولُه: «ومناصحةُ أئمَّة المسلمين» هذا أيضًا مُنافٍ للغِلِّ والغِشِّ؛ فإنَّ النصيحةَ لا تجامِعُ الغِلَّ، إذ هي ضدُّه، فمن نصَح الأئمَّة والأمَّة فقد براء من الغِلِّ. وقولُه: «ولزوم جماعتهم» هذا أيضًا مما يطهِّر القلبَ من الغِلِّ والغِشِّ؛ فإنَّ صاحبَه للزومه جماعةَ المسلمين يحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكرهُ لهم ما يكرهُ لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسرُّه ما يسرُّهم. وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطَّعن عليهم، والعَيْب والذَّمِّ لهم؛ كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم؛ فإنَّ قلوبهم ممتلئةٌ غِلًا وغِشًّا، ولهذا تجدُ الرافضة أبعدَ الناس من الإخلاص، وأغشَّهم للأئمَّة والأمَّة، وأشدَّهم بعدًا عن جماعة المسلمين؛ فهؤلاء أشدُّ الناس غِلًا وغِشًّا بشهادة الرسول والأمَّة عليهم، وشهادتِهم على أنفسهم بذلك، فإنهم لا يكونونَ قطُّ إلا أعوانًا وظَهْرًا على أهل الإسلام، فأيُّ عدوٍّ قام للمسلمين كانوا أعوانَ ذلك العدوِّ وبطانتَه، وهذا أمرٌ قد شاهدَته الأمَّةُ منهم، ومن لم يشاهده فقد سمعَ منه ما يُصِمُّ الآذانَ ويُشْجِي القلوب (١).

стр. 301

وقولُه: «فإنَّ دعوتهم تحيطُ من ورائهم» هذا من أحسن الكلام وأوجزه وأفخمه معنى؛ شبَّه دعوةَ المسلمين بالسُّور والسِّياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوةُ ــ التي هي دعوةُ الإسلام، وهم داخلوها ــ لمَّا كانت سُورًا وسياجًا عليهم أخبر أنَّ من لَزِمَ جماعةَ المسلمين أحاطت به تلك الدعوة ــ التي هي دعوةُ الإسلام ــ كما أحاطت بهم، فالدعوةُ تجمعُ شملَ الأمَّة، وتَلُمُّ شَعَثَها، وتحيطُ بها، فمن دخلَ في جماعتها أحاطت به وشَمِلَته. الوجه الثالث والخمسون: أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بتبليغ العلم عنه ؛ ففي «الصحيح» من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : «بلِّغوا عنِّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار» (١). وقال: «ليبلِّغ الشاهدُ منكم الغائب». روى ذلك: أبو بكرة، ووابصةُ بن معبد، وعمارُ بن ياسر، وعبدُ الله بن عمر، وعبدُ الله بن عباس، وأسماءُ بنت يزيد بن السَّكن، وحُجَير (٢)، وأبو قُريع (٣)، وسَرَّاءُ بنت نبهان، ومعاويةُ بن حيدة القشيري، وعَمُّ أبي حُرَّة (٤)،

стр. 302

وغيرهم (١). فأمرَ ﷺ بالتبليغ عنه؛ لما في ذلك من حصول الهدى بالتبليغ، وله ﷺ أجرُ من بَلَّغَ عنه وأجرُ من قَبِلَ ذلك البلاغ، وكلما كَثُرَ التبليغُ عنه تضاعفَ له الثواب، فله من الأجر بعدد كلِّ مبلَّغٍ وكلِّ مُهْتَدٍ بذلك البلاغ، سوى ما له من أجر عمله المختصِّ به، فكلُّ من هُدِيَ واهتدى بتبليغه فله أجرُه؛ لأنه هو الداعي إليه. ولو لم يكن في تبليغ العلم عنه إلا حصولُ ما يحبُّه ﷺ لكفى به فضلًا، وعلامةُ المحبِّ الصادق أن يسعى في حصول محبوب محبوبه، ويبذلَ جهدَه وطاقته فيها، ومعلومٌ أنه لا شيء أحبُّ إلى رسول الله ﷺ من إيصاله الهدى إلى جميع الأمَّة، فالمبلِّغُ عنه ساعٍ في حصول محابِّه، فهو أقربُ الناس منه وأحبُّهم إليه، وهو نائبُه وخليفتُه في أمَّته، وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للعلم وأهله. الوجه الرابع والخمسون: أنَّ النبيَّ ﷺ قدَّم بالفضائل العِلْميَّة في أعلى الولايات الدينيَّة وأشرفها، وقدَّم بالعلم بالأفضل (٢) على غيره. فروى مسلمٌ في «صحيحه» (٣) حديثَ أبي مسعود البدريِّ عن النبيِّ ﷺ قال: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهم

стр. 303

بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواءً فأقدمهم سِلْمًا أو سنًّا ... » وذكرَ الحديث. فقدَّم في الإمامة بفضيلة العلم (١) على تقدُّم الإسلام والهجرة، ولما كان العلمُ بالقرآن أفضل من العلم بالسُّنَّة ــ لشرف معلومه على معلوم السُّنَّة ــ قدَّمَ العلمَ به، ثمَّ قدَّمَ العلمَ بالسُّنَّة على تقدُّم الهجرة، وفيه من زيادة العمل ما هو متميِّزٌ به، لكن إنما راعى التقديمَ بالعلم ثمَّ بالعمل، وراعى التقديمَ بالعلم بالأفضل على غيره، وهذا يدلُّ على شرف العلم وفضله، وأنَّ أهلَه هم أهلُ التقدُّم (٢) إلى المراتب الدينيَّة. الوجه الخامس والخمسون: ما ثبتَ في «صحيح البخاري» (٣) من حديث عثمان بن عفان ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه». وتعلُّمُ القرآن وتعليمُه يتناولُ تعلُّم حروفه وتعليمَها، وتعلُّمَ معانيه وتعليمَها، وهو أشرفُ قِسْمَي تعلُّمه وتعليمه؛ فإنَّ المعنى هو المقصود، واللفظُ وسيلةٌ إليه، فتعلُّم المعنى وتعليمُه تعلُّمُ الغاية وتعليمُها، وتعلُّمُ اللفظ المجرَّد وتعليمُه تعلُّمُ الوسائل وتعليمُها، وبينهما كما بين الغايات والوسائل. الوجه السادس والخمسون: ما رواه الترمذي وغيرُه في نسخة عمرو ابن الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ قال: «لن يشبعَ المؤمنُ من خيرٍ يسمعُه حتى يكونَ منتهاه الجنة» (٤).

стр. 304

قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب». وهذه نسخةٌ معروفةٌ رواها الناس (١). وساق أحمدُ في «المسند» (٢) أكثرها أو كثيرًا منها. ولهذا الحديث شواهد. فجعلَ النبيُّ ﷺ النَّهمةَ في العلم وعدمَ الشِّبع منه من لوازم الإيمان وأوصاف المؤمنين، وأخبرَ أنَّ هذا لا يزالُ دأبَ المؤمن حتى دخوله الجنة. ولهذا كان أئمَّةُ الإسلام إذا قيل لأحدهم: إلى متى تطلب العلم؟ فيقول: إلى الممات. قال نعيمُ بن حماد: سمعتُ عبد الله بن المبارك ﵁ يقول، وقد عابه قومٌ في كثرة طلبه للحديث؛ فقالوا له: إلى متى تسمَع؟!، قال: إلى الممات (٣).

стр. 305

وقال الحسنُ بن منصور الجصَّاص: قلت لأحمد بن حنبل ﵁: إلى متى يكتبُ الرجلُ الحديث؟ قال: إلى الموت (١). وقال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أحمد بن حنبل ﵁ يقول: أنا أطلبُ العلمَ إلى أن أدخل القبر (٢). وقال محمد بن إسماعيل الصَّائغ: كنت أصُوغُ مع أبي ببغداد، فمرَّ بنا أحمدُ بن حنبل وهو يعدو، ونعلاه في يده، فأخَذ أبي بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي؟! إلى متى تعدو مع هؤلاء؟! قال: إلى الموت (٣). وقال عبد الله بن بشر الطَّالْقاني: أرجو أن يأتيني أمرُ ربِّي والمحبرةُ بين يَدَيَّ، ولم يفارقني القلمُ والمحبرة (٤). وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري (٥): جاء ابنُ بسطام الحافظُ يسألني عن الحديث، فقلت له: ما أشدَّ حرصك على الحديث! فقال: أو ما أحبُّ أن أكون في قطار آل رسول الله ﷺ ؟! (٦).

стр. 306

وقيل لبعض العلماء: إلى متى يَحْسُنُ بالمرء أن يتعلَّم؟ قال: ما حَسُنَتْ به الحياة (١). وسئل الحسن عن الرجل له ثمانون سنة: أيحسُنُ أن يطلب العلم؟ قال: إن كان يَحْسُنُ به أن يعيش (٢). الوجه السابع والخمسون: ما رواه الترمذي أيضًا من حديث إبراهيم بن الفضل، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «الكلمةُ الحكمةُ (٣) ضالَّةُ المؤمن، فحيثُ وجدها فهو أحقُّ بها» (٤). قال الترمذي: «هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المديني المخزومي يُضعَّفُ في الحديث من قِبَل حفظه».

стр. 307

وهذا أيضًا شاهدٌ لما تقدَّم، وله شواهد (١). والحكمةُ هي العلم؛ فإذا فَقَدَه المؤمنُ فهو بمنزلة من فقدَ ضالَّةً نفيسةً من نفائسه، فإذا وجدها قرَّ قلبُه وفَرِحَت نفسُه بوِجْدانها، كذلك المؤمنُ إذا وجدَ ضالَّةَ قلبه وروحه التي هو دائمًا في طلبها ونِشْدانها والتفتيش عليها. وهذا من أحسن الأمثلة؛ فإنَّ قلبَ المؤمن يطلبُ العلمَ حيث وجده أعظمَ من طلب صاحب الضَّالَّة لها. الوجه الثامن والخمسون: قال الترمذي: حدثنا أبو كريب: حدثنا خلف بن أيوب، عن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «خصلتان لا يجتمعان (٢) في منافق: حُسْنُ سَمْتٍ، وفقهٌ في الدين» (٣).

стр. 308

قال الترمذي: «هذا حديثٌ غريب، ولا يُعرفُ هذا الحديثُ من حديث عوفٍ إلا من حديث هذا الشيخ خلف بن أيوب العامري، ولم أر أحدًا يروي عنه غير أبي كُرَيب محمد بن العلاء، ولا أدري كيف هو». وهذه شهادةٌ بأنَّ من اجتمع فيه حُسْنُ السَّمت والفقهُ في الدين فهو مؤمن، وأحرى بهذا الحديث أن يكون حقًّا، وإن كان إسناده فيه جهالة؛ فإنَّ حُسْنَ السَّمت والفقهَ في الدين من أخصِّ علامات الإيمان، ولن يجمعهما الله في منافق؛ فإنَّ النفاق ينافيهما وينافيانه. الوجه التاسع والخمسون: قال الترمذي: حدثنا مسلمُ بن حاتم الأنصاري أبو حاتم البصري (١): حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، قال: قال أنس بن مالك ﵁: قال رسولُ الله ﷺ : «يا بنيَّ، إن قَدرتَ أن تصبحَ وتمسي وليس في قلبك غِشٌّ لأحدٍ فافعَل». ثمَّ قال: «يا بنيَّ، وذلك من سنَّتي، ومن أحيا سنَّتي فقد أحبَّني، ومن أحبَّني كان معي في الجنة» (٢)، وفي الحديث قصَّةٌ طويلة.

стр. 309

قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، ومحمد بن عبد الله الأنصاري صدوق، وأبوه ثقة، وعلي بن زيدٍ صدوقٌ إلا أنه ربما يرفعُ الشيء الذي يُوقِفُه غيره، سمعت محمد بن بشار يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا عليُّ بن زيدٍ وكان رفَّاعًا». قال الترمذي: «ولا يُعْرَفُ لسعيد بن المسيِّب عن أنس روايةٌ إلا هذا الحديثُ بطوله، وقد روى عبَّادُ المِنْقَري هذا الحديثَ عن عليِّ بن زيدٍ عن أنسٍ ولم يذكر فيه: عن سعيد بن المسيِّب، وذاكرتُ به محمد بن إسماعيل فلم يعرِفه، ولم يعرِف لسعيد بن المسيِّب عن أنسٍ هذا الحديثَ ولا غيره. ومات أنسٌ سنة ثلاثٍ وتسعين، وسعيدُ بن المسيِّب سنةَ خمسٍ وتسعين بعده بسنتين». قلت: ولهذا الحديث شواهد. منها: ما رواه الدارميُّ عبد الله: حدثنا محمد بن عيينة، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لبلال بن الحارث: «اعلم»، قال: ما أعلمُ يا رسول الله؟ قال: «اعلم، يا بلال»، قال: ما أعلمُ يا رسول الله؟ قال: «إنه من أحيا سُنَّةً من سنَّتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثلُ من عملَ بها من غير أن ينقصَ من أجورهم شيء، ومن ابتدعَ بدعةَ ضلالةٍ لا يرضاها الله ورسولُه كان عليه من الإثم مثلُ آثام من عملَ بها لا ينقصُ ذلك من أوزار الناس شيئًا» (١).

стр. 310

رواه الترمذي عنه، وقال: «حديثٌ حسن». قال: «ومحمد بن عيينة مِصِّيصيٌّ شامي، وكثيرُ بن عبد الله هو كثير بن عمرو بن عوف المزني». وفي حديثه (١) ثلاثة أقوالٍ لأهل الحديث (٢): منهم من يصحِّحه، ومنهم من يحسِّنه، وهما للترمذي، ومنهم من يضعِّفه ولا يراه حجَّة، كالإمام أحمد وغيره. ولكنَّ هذا الأصل ثابتٌ من وجوه: كحديث: «من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثلُ أجور من اتبعه» (٣)، وهو صحيحٌ من وجوه. وحديث: «من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعله» (٤)، وهو حديثٌ حسنٌ رواه الترمذي وغيره. فهذا الأصلُ (٥) محفوظٌ عن النبي ﷺ ، فالحديثُ الضعيفُ فيه بمنزلة الشواهد والمتابعات، فلا يضرُّ ذِكْرُه. الوجه الستون: أنَّ النبيَّ ﷺ أوصى بطلبة العلم خيرًا، وما ذاك إلا لفضل مطلوبهم وشرفه.

стр. 311

قال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع: حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن أبي هارون، قال: كنَّا نأتي أبا سعيد فيقول: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ، إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الناس لكم تَبَع، وإنَّ رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقَّهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا». حدثنا قتيبة: حدثنا رَوْح بن قيس، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ ﷺ قال: «يأتيكم رجالٌ من قِبَل المشرق يتعلَّمون، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرًا». فكان أبو سعيدٍ إذا رآنا قال: «مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ » (١). قال الترمذي: «هذا حديثٌ لا نعرفُه إلا من حديث أبي هارون العَبْدي، عن أبي سعيد. قال أبو بكر العطَّار (٢): قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: كان شعبةُ يضعِّف أبا هارون العَبْدي. قال يحيى: وما زال ابنُ عونٍ يروي عن أبي هارون حتى مات. وأبو هارون: اسمه عِمارةُ بن جُوَين».

стр. 312

الوجه الحادي والستون: ما رواه الترمذي من حديث أبي داود، عن عبد الله بن سَخْبَرة، عن سَخْبَرة، عن النبي ﷺ قال: «من طلب العلمَ كان كفَّارةً لما مضى» (١). هذا الأصلُ لم أجد فيه إلا هذا الحديث، وليس بشيء؛ فإنَّ أبا داود هو نُفَيع الأعمى غيرُ ثقة، ولكن قد تقدَّم أنَّ العالِمَ يستغفرُ له من في السموات ومن في الأرض. وقد رُوِيَت آثارٌ عديدةٌ عن جماعةٍ من الصحابة في هذا المعنى: منها: ما رواه الثوري، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس: «أنَّ مَلَكًا موكَّلًا بطالب العلم حتى يردَّه من حيث أبداه مغفورًا له» (٢). ومنها: ما رواه فِطْرُ بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي: «ما انتعَل عبد قطُّ ولا تخفَّف ولا لبسَ ثوبًا ليغدو في طلب العلم إلا غُفِرَت ذنوبُه حيث يخطو عند باب بيته» (٣).

стр. 313

وقد رواه ابن عدي مرفوعًا (١)، وقال: «ليس يرويه عن فِطْرٍ غير إسماعيل بن يحيى التيمي». قلت: وقد رواه إسماعيل بن يحيى هذا عن الثوري: حدثنا محمد بن أيوب الجُوزْجاني، عن مجالد، عن الشعبي، عن الأسود، عن عائشة مرفوعًا: «من انتعَل (٢) ليتعلَّم خيرًا غُفِرَ له قبل أن يخطو» (٣). وقد رواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن فِطْر، عن أبي الطفيل، عن علي (٤). وهذه الأسانيدُ وإن لم تكن بمفردها حجَّةً فطلبُ العلم من أفضل الحسنات، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السيئات، فجديرٌ أن يكون طلبُ العلم ابتغاء وجه الله يكفِّر ما مضى من السيِّئات، فقد دلَّت النصوصُ أنَّ إتباعَ السيِّئة

стр. 314

الحسنةَ تمحوها، فكيف بما هو من أفضل الحسنات وأجلِّ الطَّاعات؟! فالعمدةُ على ذلك لا على حديث أبي داود (١)، والله أعلم. وقد رُوِي عن عمر بن الخطاب ﵁: «إنَّ الرجل ليخرجُ من منزله وعليه من الذنوب مثلُ جبل تهامة، فإذا سمعَ العلمَ خاف ورجعَ وتاب؛ فانصرفَ إلى منزله وليس عليه ذنب، فلا تفارقوا مجالسَ العلماء» (٢). الوجه الثاني والستون: ما رواه ابن ماجه في «سننه» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج رسولُ الله ﷺ فإذا في المسجد مجلسان: مجلسٌ يتفقَّهون، ومجلسٌ يَدْعُون الله تعالى ويسألونه؛ فقال: «كلا المجلسين إلى خير؛ أمَّا هؤلاء فيَدْعُون الله، وأمَّا هؤلاء فيتعلَّمون ويفقِّهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعليم أُرْسِلْتُ»، ثمَّ قعدَ معهم (٣). الوجه الثالث والستون: أنَّ الله ﵎ يباهي ملائكتَه بالقوم الذين يتذاكرون العلم، ويذكرون اللهَ ويحمدُونه على ما منَّ عليهم به منه. قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطَّار: حدثنا أبو نَعامة، عن أبي عثمان، عن أبي سعيد، قال: خرج معاويةُ

стр. 315

إلى المسجد فقال: ما يُجْلِسُكم؟ قالوا: جلسنا نذكرُ الله ، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: أمَا إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلَّ حديثًا عنه منِّي؛ إنَّ رسول الله ﷺ خرج على حلقةٍ من أصحابه، قال: «ما يُجْلِسُكم؟» قالوا: جلسنا نذكرُ الله ونحمدُه لِمَا هدانا للإسلام ومنَّ علينا بك. قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟» قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: «أمَا إني لم أستحلفكم تهمةً لكم؛ إنه أتاني جبريل فأخبرني أنَّ الله تعالى يباهي بكم الملائكة» (١). قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو نَعامة السَّعدي اسمه عمرو بن عيسى، وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مُلّ». فهؤلاء كانوا قد جلسوا يحمدونَ الله بذكر أوصافه وآلائه، ويُثْنونَ عليه بذلك، ويذكرونَ حُسْنَ الإسلام، ويعترفونَ لله بالفضل العظيم إذ هداهم له ومنَّ عليهم برسوله. وهذا أشرفُ علمٍ على الإطلاق، ولا يُعنى به إلا الراسخون في العلم؛ فإنه يتضمَّنُ معرفة الله وصفاته وأفعاله ودينه ورسوله، ومحبَّة ذلك وتعظيمَه والفرحَ به، وأحرى بأصحاب (٢) هذا العلم أن يباهي اللهُ بهم الملائكة. وقد بشَّر النبيُّ ﷺ الرجلَ الذي كان يحبُّ سورةَ الإخلاص، وقال:

стр. 316

أحبُّها لأنها صفةُ الرحمن ؛ فقال: «حبُّك إيَّاها أدخلك الجنة» (١). وفي لفظٍ آخر: «أخبِروه أنَّ الله يحبُّه» (٢)؛ فدلَّ على أنَّ من أحبَّ صفات الله أحبَّه الله وأدخله الجنة. والجهميةُ أشدُّ الناس نفرةً وتنفيرًا عن صفاته ونعوت كماله، يُعاقِبونَ ويذمُّون من يذكرها ويقرؤها ويجمعُها ويعتني بها، ولهذا لهم المَقْتُ والذَّمُّ عند الأمَّة، وعلى لسان كلِّ عالمٍ من علماء الإسلام، والله تعالى أشدُّ بغضًا ومقتًا لهم، جزاءً وفاقًا. الوجه الرابع والستون: أنَّ أفضلَ منازل الخلق عند الله منزلةُ الرسالة والنبوَّة؛ فاللهُ يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس. وكيف لا يكونُ أفضلَ الخلق عند الله من جعلَهم وسائطَ بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته، وتعريف أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، ومَراضِيه ومَساخِطه، وثوابه وعقابه، وخصَّهم بوحيه، واختصَّهم بتفضيله، وارتضاهم لرسالته إلى عباده، وجعلَهم أزكى العالمين نفوسًا، وأشرفَهم أخلاقًا، وأكملَهم علومًا وأعمالًا، وأحسنَهم (٣) خِلْقَة، وأعظمَهم محبَّةً وقبولًا في قلوب الناس، وبرَّأهم من كلِّ وَصْمٍ وكلِّ عيبٍ وكلِّ خُلُقٍ دنيء؟!

стр. 317

وجعَل أشرفَ مراتب الناس بعدهم مرتبةَ خلافتهم ونيابتهم في أممهم؛ فإنهم يخلُفونهم على منهاجهم وطريقتهم: مِنْ نصيحتهم الأمَّة، وإرشادهم الضالَّ، وتعليمهم الجاهل، ونَصْرِهم المظلوم، وأخْذِهم على يد الظَّالم، وأمرِهم بالمعروف وفعلِه، ونَهْيِهم عن المنكر وتركِه، والدَّعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين، والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسنُ للمعاندين المعارضين. فهذه حالُ أتباع المرسلين وورثة النبيِّين؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وسواءٌ كان المعنى: أنا ومن اتبعني على بصيرةٍ وأنا أدعو إلى الله، أو المعنى: أدعو إلى الله على بصيرة (١)؛ فالقولان (٢) متلازمان؛ فإنه لا يكون من أتباعه حقًّا إلا من دعا إلى الله على بصيرة، كما كان متبوعُه ﷺ يفعل (٣). فهؤلاء خلفاءُ الرسل حقًّا، وورثتُهم دون الناس، وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء به: علمًا وعملًا، وهدايةً وإرشادًا، وصبرًا وجهادًا، وهؤلاء هم الصدِّيقون، وهم أفضلُ أتباع الأنبياء، ورأسُهم وإمامُهم الصِّدِّيق الأكبر أبو بكرٍ ﵁.

стр. 318

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]، فذكر مراتبَ السُّعداء، وهي أربعة، وبدأ بأعلاهم مرتبة، ثمَّ الذين يلونهم، إلى آخر المراتب. وهؤلاء الأربعةُ هم أهلُ الجنة الذين هم أهلُها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. الوجه الخامس والستون: أنَّ الإنسانَ إنما يُمَيَّزُ على غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان ، وإلا فغيرُه من الدَّوابِّ والسِّباع أكثرُ أكلًا منه، وأقوى بطشًا، وأكثرُ جِماعًا وأولادًا، وأطولُ عُمرًا، وإنما مُيِّزَ على الدَّوابِّ والحيوانات بعلمه وبيانه، فإذا عَدِمَ العلمَ بقي معه القدرُ المشتركُ بينه وبين سائر الدَّوابِّ، وهي الحيوانيَّة المحضة، فلا يبقى فيه فضلًا (١) عليهم، بل قد يبقى شرًّا منهم. كما قال تعالى في هذا الصِّنف من الناس: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، فهؤلاء هم الجُهَّال، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي: ليس عندهم محلٌّ قابلٌ للخير، ولو كان محلُّهم قابلًا للخير ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهَمَهم. فالسمعُ هاهنا سَمْعُ فهم، وإلا فسمعُ الصَّوت حاصلٌ لهم، وبه قامت حجَّةُ الله عليهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].

стр. 319

وسواءٌ كان المعنى: ومثَلُ داعي الذين كفروا كمثَل الذي يَنْعِقُ بما لا يَسمعُ من الدوابِّ إلا أصواتًا مجرَّدة، أو كان المعنى: ومثلُ الذين كفروا حين يُنادَوْنَ كمثل دوابِّ الذي يَنْعِقُ بها فلا تسمعُ (١) إلا صوتَ الدعاء والنداء؛ فالقولان متلازمان، بل هما واحد، وإن كان التقديرُ الثاني أقربَ إلى اللفظ وأبلغَ في المعنى (٢). فعلى التقديرين، لم يحصُل لهم من الدعوة إلا الصوتُ الحاصل للأنعام؛ فهؤلاء لم يحصُل لهم حقيقةُ الإنسانيَّة التي يُمَيَّزُ (٣) بها صاحبُها عن سائر الحيوان. والسمعُ يرادُ به: إدراكُ الصوت، ويرادُ به: فهمُ المعنى، ويرادُ به: القبولُ والإجابة. والثلاثةُ في القرآن (٤). فمن الأول: قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، وهذا أصرحُ ما يكونُ في إثبات صفة السمع لله؛ ذكَر الماضي والمضارعَ واسمَ الفاعل: ﴿سَمِعَ﴾، و ﴿يَسْمَعُ﴾، وهو ﴿سَمِيعٌ﴾، وله السمع؛ كما قالت عائشةُ ﵂: «الحمدُ لله الذي وَسِعَ سمعُه الأصوات، لقد جاءت المُجادِلة تشكو إلى

стр. 320

رسول الله ﷺ وأنا في جانب البيت، وإنه ليخفى عليَّ بعضُ كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١). والثاني: سمعُ الفهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي: لأفهَمَهم، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، لِمَا في قلوبهم من الكِبْر والإعراض عن قبول الحقِّ. ففيهم آفتان: إحداهما: أنهم لا يفهمونَ الحقَّ لِجَهْلهم، ولو فهموه لتولَّوا عنه لكِبْرِهم (٢)، وهذا غايةُ النقص والعيب. والثالث: سمعُ القبول والإجابة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، أي: قابلون (٣) لهم، مستجيبون. ومنه قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: قابلون له، مستجيبون لأهله. ومنه قول المُصَلي: «سمع الله لمن حمده»؛ أي: أجاب اللهُ حمدَ من حَمِدَه، ودعاءَ من دعاه، وقولُ النبي ﷺ : «إذا قال الإمام: سمعَ الله لمن
следующие страницы →