أحبُّها لأنها صفةُ الرحمن ؛ فقال: «حبُّك إيَّاها أدخلك الجنة» (١).
وفي لفظٍ آخر: «أخبِروه أنَّ الله يحبُّه» (٢)؛ فدلَّ على أنَّ من أحبَّ صفات الله أحبَّه الله وأدخله الجنة.
والجهميةُ أشدُّ الناس نفرةً وتنفيرًا عن صفاته ونعوت كماله، يُعاقِبونَ ويذمُّون من يذكرها ويقرؤها ويجمعُها ويعتني بها، ولهذا لهم المَقْتُ والذَّمُّ عند الأمَّة، وعلى لسان كلِّ عالمٍ من علماء الإسلام، والله تعالى أشدُّ بغضًا ومقتًا لهم، جزاءً وفاقًا.
الوجه الرابع والستون: أنَّ أفضلَ منازل الخلق عند الله منزلةُ الرسالة والنبوَّة؛ فاللهُ يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس.
وكيف لا يكونُ أفضلَ الخلق عند الله من جعلَهم وسائطَ بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته، وتعريف أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، ومَراضِيه ومَساخِطه، وثوابه وعقابه، وخصَّهم بوحيه، واختصَّهم بتفضيله، وارتضاهم لرسالته إلى عباده، وجعلَهم أزكى العالمين نفوسًا، وأشرفَهم أخلاقًا، وأكملَهم علومًا وأعمالًا، وأحسنَهم (٣) خِلْقَة، وأعظمَهم محبَّةً وقبولًا في قلوب الناس، وبرَّأهم من كلِّ وَصْمٍ وكلِّ عيبٍ وكلِّ خُلُقٍ دنيء؟!
стр. 317
وجعَل أشرفَ مراتب الناس بعدهم مرتبةَ خلافتهم ونيابتهم في أممهم؛ فإنهم يخلُفونهم على منهاجهم وطريقتهم: مِنْ نصيحتهم الأمَّة، وإرشادهم الضالَّ، وتعليمهم الجاهل، ونَصْرِهم المظلوم، وأخْذِهم على يد الظَّالم، وأمرِهم بالمعروف وفعلِه، ونَهْيِهم عن المنكر وتركِه، والدَّعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين، والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسنُ للمعاندين المعارضين.
فهذه حالُ أتباع المرسلين وورثة النبيِّين؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
وسواءٌ كان المعنى: أنا ومن اتبعني على بصيرةٍ وأنا أدعو إلى الله، أو المعنى: أدعو إلى الله على بصيرة (١)؛ فالقولان (٢) متلازمان؛ فإنه لا يكون من أتباعه حقًّا إلا من دعا إلى الله على بصيرة، كما كان متبوعُه ﷺ يفعل (٣).
فهؤلاء خلفاءُ الرسل حقًّا، وورثتُهم دون الناس، وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء به: علمًا وعملًا، وهدايةً وإرشادًا، وصبرًا وجهادًا، وهؤلاء هم الصدِّيقون، وهم أفضلُ أتباع الأنبياء، ورأسُهم وإمامُهم الصِّدِّيق الأكبر أبو بكرٍ ﵁.
стр. 318
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]، فذكر مراتبَ السُّعداء، وهي أربعة، وبدأ بأعلاهم مرتبة، ثمَّ الذين يلونهم، إلى آخر المراتب. وهؤلاء الأربعةُ هم أهلُ الجنة الذين هم أهلُها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
الوجه الخامس والستون: أنَّ الإنسانَ إنما يُمَيَّزُ على غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان ، وإلا فغيرُه من الدَّوابِّ والسِّباع أكثرُ أكلًا منه، وأقوى بطشًا، وأكثرُ جِماعًا وأولادًا، وأطولُ عُمرًا، وإنما مُيِّزَ على الدَّوابِّ والحيوانات بعلمه وبيانه، فإذا عَدِمَ العلمَ بقي معه القدرُ المشتركُ بينه وبين سائر الدَّوابِّ، وهي الحيوانيَّة المحضة، فلا يبقى فيه فضلًا (١) عليهم، بل قد يبقى شرًّا منهم.
كما قال تعالى في هذا الصِّنف من الناس: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، فهؤلاء هم الجُهَّال، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي: ليس عندهم محلٌّ قابلٌ للخير، ولو كان محلُّهم قابلًا للخير ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهَمَهم. فالسمعُ هاهنا سَمْعُ فهم، وإلا فسمعُ الصَّوت حاصلٌ لهم، وبه قامت حجَّةُ الله عليهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
стр. 319
وسواءٌ كان المعنى: ومثَلُ داعي الذين كفروا كمثَل الذي يَنْعِقُ بما لا يَسمعُ من الدوابِّ إلا أصواتًا مجرَّدة، أو كان المعنى: ومثلُ الذين كفروا حين يُنادَوْنَ كمثل دوابِّ الذي يَنْعِقُ بها فلا تسمعُ (١) إلا صوتَ الدعاء والنداء؛ فالقولان متلازمان، بل هما واحد، وإن كان التقديرُ الثاني أقربَ إلى اللفظ وأبلغَ في المعنى (٢).
فعلى التقديرين، لم يحصُل لهم من الدعوة إلا الصوتُ الحاصل للأنعام؛ فهؤلاء لم يحصُل لهم حقيقةُ الإنسانيَّة التي يُمَيَّزُ (٣) بها صاحبُها عن سائر الحيوان.
والسمعُ يرادُ به: إدراكُ الصوت، ويرادُ به: فهمُ المعنى، ويرادُ به: القبولُ والإجابة. والثلاثةُ في القرآن (٤).
فمن الأول: قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، وهذا أصرحُ ما يكونُ في إثبات صفة السمع لله؛ ذكَر الماضي والمضارعَ واسمَ الفاعل: ﴿سَمِعَ﴾، و ﴿يَسْمَعُ﴾، وهو ﴿سَمِيعٌ﴾، وله السمع؛ كما قالت عائشةُ ﵂: «الحمدُ لله الذي وَسِعَ سمعُه الأصوات، لقد جاءت المُجادِلة تشكو إلى
стр. 320
رسول الله ﷺ وأنا في جانب البيت، وإنه ليخفى عليَّ بعضُ كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١).
والثاني: سمعُ الفهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي: لأفهَمَهم، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، لِمَا في قلوبهم من الكِبْر والإعراض عن قبول الحقِّ.
ففيهم آفتان: إحداهما: أنهم لا يفهمونَ الحقَّ لِجَهْلهم، ولو فهموه لتولَّوا عنه لكِبْرِهم (٢)، وهذا غايةُ النقص والعيب.
والثالث: سمعُ القبول والإجابة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، أي: قابلون (٣) لهم، مستجيبون.
ومنه قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: قابلون له، مستجيبون لأهله.
ومنه قول المُصَلي: «سمع الله لمن حمده»؛ أي: أجاب اللهُ حمدَ من حَمِدَه، ودعاءَ من دعاه، وقولُ النبي ﷺ : «إذا قال الإمام: سمعَ الله لمن
стр. 321
حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم» (١)، أي: يجيبكم.
والمقصودُ أنَّ الإنسانَ إذا لم يكن له علمٌ بما يُصْلِحُه في معاشه ومعاده كان الحيوانُ البهيمُ خيرًا منه؛ لسلامته في المعاد مما يُهْلِكُه، دون الإنسان الجاهل.
الوجه السادس والستون: أنَّ العلمَ حاكمٌ على ما سواه، ولا يَحْكُم عليه شيء ، فكلُّ شيءٍ اختُلِفَ في وجوده وعدمه، وصحَّته وفساده، ومنفعته ومضرَّته، ورجحانه ونقصانه، وكماله ونقصه، ومدحه وذمِّه، ومرتبته في الخير، وجودته ورداءته، وقُرْبه وبُعْده، وإفضائه إلى مطلوب كذا وعدم إفضائه، وحصول المقصود به وعدم حصوله، إلى سائر جهات المعلومات= فإنَّ العلمَ حاكمٌ على ذلك كلِّه، فإذا حكمَ العلمُ انقطعَ النِّزاعُ ووجبَ الاتِّباع.
وهو الحاكمُ على الممالك والسِّياسات، والأموال والأقلام، فمُلكٌ لا يتأيَّدُ بعلمٍ لا يقوم، وسيفٌ بلا علمٍ مِخْراقُ لاعِب (٢)، وقلمٌ بلا علمٍ حركةُ عابث، والعلمُ مسلَّطٌ حاكمٌ على ذلك كلِّه، ولا يحكُم شيءٌ من ذلك على العلم.
وقد اختُلِفَ في تفضيل مداد العلماء على دم الشهداء وعكسه، وذُكِرَ لكلِّ قولٍ وجوهٌ من التراجيح والأدلَّة (٣)، ونفسُ هذا النزاع دليلٌ على تفضيل
стр. 322
العلم ومرتبته؛ فإنَّ الحاكمَ في هذه المسألة هو العلم، فبه (١) وإليه وعنده يقعُ التحاكم والتخاصم، والمُفَضَّلُ منهما من حَكَمَ له بالفضل.
فإن قيل: فكيف يُقْبَلُ حكمُه لنفسه؟!
قيل: وهذا أيضًا دليلٌ على تفضيله وعلوِّ مرتبته وشرفه؛ فإنَّ الحاكمَ إنما لم يَسُغْ أن يحكمَ لنفسه لأجل مَظِنَّة التُّهمة، والعلمُ لا تلحقُه تهمةٌ في حكمه لنفسه؛ فإنه إذا حكمَ حكمَ بما تشهدُ العقولُ والفِطر (٢) بصحَّته، وتتلقَّاه بالقبول.
ويستحيلُ حكمُه لتهمة؛ فإنه إذا حَكمَ بها انعزل عن مرتبته، وانحطَّ عن درجته، فهو الشاهدُ المُزكَّى المُعَدَّل، والحاكمُ الذي لا يجورُ ولا يُعْزَل.
فإن قيل: فماذا حكمُه في هذه المسألة التي ذكرتموها؟
قيل: هذه المسألةُ كثُر فيها الجدال، واتسع المجال، وأدلى كلٌّ منهما بحجَّته، واستعلى بمرتبته، والذي يفصلُ النزاع، ويعيدُ المسألة إلى مواقع الإجماع: الكلامُ في أنواع مراتب الكمال، وذِكْرُ الأفضل منها، والنظرُ في أيِّ هذين الأمرين أولى به وأقرب إليه؛ فهذه الأصولُ الثلاثةُ تبيِّن الصواب، ويقعُ بها فصلُ الخطاب.
стр. 323
فأمَّا مراتبُ الكمال فأربع: النبوَّة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية، وقد ذكرها الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وذَكَر تعالى هؤلاء الأربع في سورة الحديد؛ فذكر تعالى الإيمانَ به وبرسوله، ثمَّ نَدَبَ المؤمنين إلى أن تخشعَ قلوبُهم لكتابه ووحيه، ثمَّ ذكر مراتبَ الخلائق شقيِّهم وسعيدهم؛ فقال: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٨ - ١٩]، وذَكَر المنافقين قبل ذلك؛ فاستوعبت هذه الآيةُ أقسامَ العباد شقيِّهم وسعيدهم، والمقصودُ أنه ذَكَر فيها المراتبَ الأربعة: الرسالة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية.
فأعلى هذه المراتب: النبوَّةُ والرسالة.
ويليها: الصِّدِّيقيَّة؛ فالصِّدِّيقون هم أئمَّة أتباع الرسل، ودرجتُهم أعلى الدرجات بعد النبوَّة (١).
فإن جرى قلمُ العالِم بالصدِّيقيَّة وسال مدادُه بها كان أفضلَ من دم الشَّهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصِّدِّيقيَّة، وإن سال دمُ الشَّهيد بالصِّدِّيقيَّة وقَطَرَ عليها كان أفضلَ من مداد العالِم الذي قصَّرَ عنها، فأفضلُهما
стр. 324
صِدِّيقُهما، فإن استويا في الصِّدِّيقيَّة استويا في المرتبة، والله أعلم.
والصِّدِّيقيَّة: هي كمالُ الإيمان بما جاء به الرسول، علمًا وتصديقًا وقيامًا به (١)؛ فهي راجعةٌ إلى نفس العلم، فكلُّ من كان أعلمَ بما جاء به الرسولُ وأكملَ تصديقًا له كان أتمَّ صدِّيقيَّة؛ فالصِّدِّيقيَّةُ شجرةٌ أصولها العلم، وفروعُها التصديق، وثمرتها العمل.
فهذه كلماتٌ جامعةٌ في مسألة العالم والشهيد، وأيهما أفضل (٢).
الوجه السابع والستون: أنَّ النصوصَ النبويَّة قد تواترت بأنَّ أفضلَ الأعمال إيمانٌ بالله (٣)، فهو رأسُ الأمر، والأعمالُ بعده على مراتبها ومنازلها.
والإيمان له ركنان:
أحدُهما: معرفةُ ما جاء به الرسول، والعلمُ به.
والثاني: تصديقُه بالقول والعمل.
والتصديقُ بدون العلم والمعرفة مُحَال؛ فإنه فرعُ العلم بالشيء
стр. 325
المُصَدَّق به، فإذًا العلمُ من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، ولا تقومُ شجرةُ الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة، فالعلمُ إذًا أجلُّ المطالب وأسنى المواهب.
الوجه الثامن والستون: أنَّ صفات الكمال كلَّها ترجعُ إلى العلم والقدرة والإرادة، والإرادةُ فرعُ العلم ؛ فإنها تستلزمُ الشعور بالمراد، فهي مفتقرةٌ إلى العلم في ذاتها وحقيقتها، والقدرةُ لا تؤثِّرُ إلا بواسطة الإرادة، والعلمُ لا يفتقر في تعلُّقه بالمعلوم إلى واحدةٍ منهما، وأما القدرة والإرادةُ فكلٌّ منهما يفتقرُ في تعلُّقه بالمراد والمقدور إلى العلم، وذلك يدلُّ على فضيلته وشرف منزلته.
الوجه التاسع والستون: أنَّ العلمَ أعمُّ الصِّفات تعلُّقًا بمتعلَّقه وأوسعُها؛ فإنه يتعلَّقُ بالواجب والممكن، والمستحيل والجائز، والموجود والمعدوم، فذاتُ الربِّ سبحانه وصفاته وأسماؤه معلومةٌ له، ويعلمُ العبادُ من ذلك ما علَّمهم العليمُ الخبير.
وأما القدرةُ والإرادةُ، فكلٌّ منهما خاصٌّ في التعلُّق (١)؛ أما القدرةُ فإنما تتعلَّقُ بالممكن خاصَّة، لا بالمستحيل ولا بالواجب، فهي أخصُّ من العلم من هذا الوجه، وأعمُّ من الإرادة، فإنَّ الإرادة لا تتعلَّقُ إلا ببعض الممكنات، وهو ما أريدَ وجودُه.
فالعلمُ أوسعُ وأعمُّ وأشملُ في ذاته ومتعلَّقه.
الوجه السبعون: أنَّ الله سبحانه أخبر عن أهل العلم بأنه جعلَهم أئمَّةً
стр. 326
يَهْدُون بأمره، ويأتمُّ بهم من بعدهم، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً (١) يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
وقال في موضعٍ آخر: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، أي: أئمَّةً يقتدي بنا من بعدنا.
فأخبر سبحانه أنَّ بالصَّبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين (٢)، وهي أرفعُ مراتب الصِّدِّيقين. واليقينُ هو كمالُ العلم وغايتُه، فبتكميل مرتبة العلم تحصلُ إمامةُ الدين، وهي وَلايةٌ آلتُها العلم، يختصُّ الله بها من يشاء من عباده.
الوجه الحادي والسبعون: أنَّ حاجةَ العباد إلى العلم ضروريَّةٌ فوق حاجة الجسم إلى الغذاء ؛ لأنَّ الجسمَ يحتاجُ إلى الغذاء في اليوم مرةً أو مرتين، وحاجةُ الإنسان إلى العلم بعدد الأنفاس؛ لأنَّ كلَّ نَفَسٍ من أنفاسه فهو محتاجٌ فيه إلى أن يكون مصاحبًا للإيمان أو حُكْمِه (٣)، فإن فارقه
стр. 327
الإيمانُ أو حُكْمُه في نَفَسٍ من أنفاسه فقد عَطِبَ وقَرُبَ هلاكُه، وليس إلى حصول ذلك سبيلٌ إلا بالعلم؛ فالحاجةُ إليه فوق الحاجة إلى الطَّعام والشراب.
وقد ذكر الإمامُ أحمد هذا المعنى بعينه، فقال: «الناسُ أحوجُ إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ يُحتاجُ إليه في اليوم مرةً أو مرتين، والعلمُ يُحتاجُ إليه في كلِّ وقت» (١).
الوجه الثاني والسبعون: أنَّ صاحبَ العلم أقلُّ تعبًا وعملًا، وأكثرُ أجرًا .
واعتبِرْ هذا بالشاهد؛ فإنَّ الصُّنَّاعَ والأُجَراء يُعانونَ الأعمالَ الشاقَّةَ بأنفسهم، والأستاذُ المعلِّمُ يجلسُ يأمرُهم وينهاهُم ويُرِيهم كيفيَّة العمل، ويأخذُ أضعافَ ما يأخذونه.
وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى حيث قال: «أفضلُ الأعمال إيمانٌ بالله، ثمَّ الجهاد» (٢).
فالجهادُ فيه بذلُ النفس وغايةُ المشقَّة، والإيمانُ علمُ القلب وعملُه وتصديقُه، وهو أفضلُ الأعمال، مع أنَّ مشقَّةَ الجهاد فوق مشقَّته بأضعافٍ مضاعفة، وهذا لأنَّ العلمَ يُعَرِّفُ مقاديرَ الأعمال ومراتبها، وفاضلَها من مفضولها، وراجحَها من مرجوحها، فصاحبُه لا يختارُ لنفسه إلا أفضلَ الأعمال، والعاملُ بلا علمٍ يظنُّ أنَّ الفضيلةَ في كثرة المشقة، فهو يتحمَّلُ المشاقَّ وإن كان ما يعانيه مفضولًا، ورُبَّ عملٍ فاضلٍ والمفضولُ أكثرُ مشقةً منه.
стр. 328
واعتبِرْ هذا بحال الصِّدِّيق ﵁؛ فإنه أفضلُ الأمَّة، ومعلومٌ أنَّ فيهم من هو أكثرُ عملًا وحجًّا وصومًا وصلاةً وقراءةً منه، قال أبو بكر بن عياش: «ما سَبقهم أبو بكرٍ بكثرة صومٍ ولا صلاة، ولكن بشيءٍ وَقَرَ في قلبه» (١).
وهذا موضعُ المثل المشهور (٢):
مَنْ لي بمثل سَيْرِكَ المُدَلَّلِ ... تمشي رُوَيْدًا (٣) وتجي في الأول
الوجه الثالث والسبعون: أنَّ العلمَ إمامُ العمل وقائدٌ له، والعملُ تابعٌ له ومؤتمٌّ به ، فكلُّ عملٍ لا يكونُ خَلْفَ العلم مقتديًا به فهو غيرُ نافعٍ لصاحبه، بل مضرَّةٌ عليه، كما قال بعضُ السَّلف: «من عبد الله بغير علمٍ كان ما يُفْسِدُ
стр. 329
أكثرَ مما يُصْلِح» (١).
والأعمالُ إنما تتفاوتُ في القبول والردِّ بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له، فالعملُ الموافقُ للعلم هو المقبول، والمخالفُ له هو المردود؛ فالعلمُ هو الميزانُ وهو المِحَكُّ.
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]؛ قال الفضيل بن عياض: «هو أخلصُ العمل وأصوبُه»، قالوا: يا أبا عليٍّ، ما أخلصُه وأصوبُه؟ قال: «إنَّ العملَ إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالصُ أن يكون لله، والصَّوابُ أن يكون على السُّنَّة» (٢).
وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
فهذا هو العملُ المقبولُ الذي لا يقبلُ الله من الأعمال سواه؛ وهو أن يكون موافقًا لسنَّة رسول الله ﷺ ، مرادًا به وجهُ الله.
ولا يتمكَّن العاملُ من الإتيان بعملٍ يجمعُ هذين الوصفين إلا بالعلم؛
стр. 330
فإنه إن لم يعلم ما جاء به الرسولُ لم يمكنه قصدُه، وإن لم يعرف معبودَه لم يمكنه إرادتُه وحده، فلولا العلمُ لما كان عملُه مقبولًا؛ فالعلمُ هو الدليلُ على الإخلاص، وهو الدليلُ على المتابعة.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وأحسنُ ما قيل في تفسير الآية: أنه إنما يتقبلُ عملَ من اتَّقاه في ذلك العمل، وتقواه فيه أن يكون لوجهه، على موافقة أمره (١). وهذا إنما يحصلُ بالعلم.
وإذا كان هذا منزلَ العلم (٢) وموقعَه عُلِمَ أنه أشرفُ شيءٍ وأجلُّه وأفضلُه، والله أعلم.
الوجه الرابع والسبعون: أنَّ العاملَ بلا علمٍ كالسائر بلا دليل ، ومعلومٌ أنَّ عَطَبَ مثل هذا أقربُ من سلامته، وإن قُدِّرَ سلامتُه اتفاقًا نادرًا فهو غير محمود، بل مذمومٌ عند العقلاء.
وكان شيخُ الإسلام ابن تيمية يقول: «من فارق الدليلَ ضلَّ السبيل، ولا دليلَ إلا ما جاء به الرسول» (٣).
قال الحسن: «العاملُ على غير علمٍ كالسالك على غير طريق، والعاملُ على غير علمٍ يُفْسِدُ أكثرَ مما يُصْلِح، فاطلبوا العلمَ طلبًا لا تُضِرُّوا بالعبادة،
стр. 331
واطلبوا العبادةَ طلبًا لا تُضِرُّوا بالعلم؛ فإنَّ قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمَّة محمَّد ﷺ ، ولو طلبوا العلمَ لم يدلَّهم على ما فعلوا» (١).
والفرقُ بين هذا الوجه وبين ما قبله: أنَّ العلمَ مرتبتُه في الوجه الأول مرتبةُ المطاع المتبوع المقتدى به المتَّبع حكمُه المطاع أمرُه، ومرتبتُه في هذا الوجه مرتبةُ الدليل المرشد إلى المطلوب الموصل إلى الغاية.
الوجه الخامس والسبعون: أنَّ النبيَّ ﷺ ثبت في «الصحيح» عنه أنه كان يقول: «اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشَّهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم» (٢).
وفي بعض «السنن» أنه كان يكبِّر تكبيرةَ الإحرام في صلاة الليل، ثمَّ يدعو بهذا الدعاء (٣).
والهدايةُ هي العلمُ بالحقِّ مع قصده وإيثاره على غيره، فالمهتدي هو العالِمُ بالحقِّ المريدُ له، وهي أعظمُ نعمةٍ لله على العبد، ولهذا أمرنا سبحانه أن نسأله هدايةَ الصِّراط المستقيم كلَّ يومٍ وليلةٍ في صلواتنا الخمس؛ فإنَّ
стр. 332
العبدَ محتاجٌ إلى معرفة الحقِّ الذي يرضي اللهَ في كلِّ حركةٍ ظاهرةٍ وباطنة، فإذا عرفها فهو محتاجٌ إلى من يُلْهِمُه قصدَ الحقِّ فيجعلُ إرادتَه في قلبه، ثمَّ إلى من يُقْدِرُه على فعله.
ومعلومٌ أنَّ ما يجهلُه العبدُ أضعافُ أضعاف ما يعلمُه، وأنَّ كلَّ ما يعلمُه أنه حقٌّ لا تطاوعُه نفسُه على إرادته، ولو أراده (١) لعجز عن كثيرٍ منه؛ فهو مضطرٌّ كلَّ وقتٍ إلى هدايةٍ تتعلَّقُ بالماضي وبالحال وبالمستقبل.
أما الماضي، فهو محتاجٌ إلى محاسبة نفسه عليه، وهل وقع على السَّداد فيشكر الله عليه ويستديمُه، أم خرج فيه عن الحقِّ فيتوبَ إلى الله تعالى منه ويستغفره، ويعزمَ على أن لا يعود؟
وأما الهدايةُ في الحال، فهي مطلوبةٌ منه (٢)؛ فإنه ابنُ وقته، فيحتاجُ أن يعلمَ حكمَ ما هو متلبِّسٌ به من الأفعال، هل هو صوابٌ أم خطأ؟
وأما المستقبل، فحاجتُه فيه إلى الهداية أظهر؛ ليكونَ سيرُه على الطريق.
وإذا كان هذا شأن الهداية عُلِمَ أنَّ العبدَ أشدُّ شيءٍ اضطرارًا إليها، وأنَّ ما يوردُه بعض الناس من السؤال الفاسد، وهو أنَّا إذا كنَّا مهتدين فأيُّ حاجةٍ بنا أن نسأل الله أن يهدينا؟! وهل هذا إلا تحصيلُ الحاصل؟! = أفسدُ سؤالٍ وأبعدُه عن الصواب، وهو دليلٌ على أنَّ صاحبه لم يحصِّل معنى الهداية، ولا أحاط علمًا بحقيقتها ومسمَّاها؛ فلذلك تكلَّفَ من تكلَّفَ الجوابَ عنه بأنَّ
стр. 333
المعنى: ثَبِّتنا على الهداية وأدِمْها لنا (١).
ومن أحاط علمًا بحقيقة الهداية، وحاجة العبد إليها، عَلِمَ أنَّ الذي لم يحصُل له منها أضعافُ ما حصَل له، وأنه كلَّ وقتٍ محتاجٌ إلى هداية متجدِّدة، لا سيَّما والله تعالى خالقُ أفعال القلوب والجوارح، فهو كلَّ وقتٍ محتاجٌ إلى أن يخلقَ الله له هدايةً خاصَّة، ثمَّ إن لم تُصْرَف عنه الموانعُ والصوارفُ التي تمنعُ مُوجَبَ الهداية وتَصْرِفُها لم ينتفع بالهداية، ولم يتمَّ مقصودُها له؛ فإنَّ الحكمَ لا يكفي فيه وجودُ مقتضيه، بل لا بد مع ذلك من عدم مانعه ومُنافيه.
ومعلومٌ أنَّ وساوس العبد وخواطرَه وشهوات الغيِّ في قلبه كلٌّ منها مانعٌ من وصول أثر الهداية إليه، فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدًى تامًّا؛ فحاجتُه إلى هداية الله له مقرونةٌ بأنفاسه، وهي أعظمُ حاجةٍ للعبد.
وذكَر النبيُّ ﷺ في هذا الدعاء العظيم القَدْر من أوصاف الله وربوبيَّته ما
стр. 334
يناسبُ المطلوب:
* فإنَّ فَطْرَ السموات والأرض توسُّلٌ إلى الله بهذا الوصف في الهداية (١) للفطرة التي ابتدأ الخلقَ عليها؛ فذَكَر كونَه فاطرَ السموات والأرض.
* والمطلوبُ تعليمُ الحقِّ والتوفيقُ له؛ فذَكَر علمَه سبحانه بالغيب والشهادة، وأنَّ من هو بكلِّ شيءٍ عليمٌ جديرٌ أن يطلبَ منه عبدُه أن يعلِّمه ويرشده ويهديه، وهو بمنزلة التوسُّل إلى الغنيِّ بغِناه وسعة كرمه أن يعطيَ عبدَه شيئًا من ماله، والتوسُّل إلى الغفور بسعة مغفرته أن يغفر لعبده، وبعفوه أن يعفو عنه، وبرحمته أن يرحمَه، ونظائرُ ذلك.
* وذَكَر ربوبيَّته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل، وهذا ــ والله أعلم ــ لأنَّ المطلوب هدًى يحيا به القلب، وهؤلاء الثلاثةُ الأملاكُ قد جعلَ الله تعالى على أيديهم أسبابَ حياة العباد:
أمَّا جبريل، فهو صاحبُ الوحي الذي يوحيه الله إلى الأنبياء، وهو سببُ حياة الدنيا والآخرة.
وأمَّا ميكائيل، فهو الموكَّل بالقَطْر الذي به سببُ حياة كلِّ شيء.
وأمَّا إسرافيل، فهو الذي ينفخُ في الصُّور فيحيي الله الموتى بنفخته، فإذا هم قيامٌ لربِّ العالمين (٢).
стр. 335
والهدايةُ لها أربعُ مراتب، وهي مذكورةٌ في القرآن (١):
المرتبة الأولى: الهداية العامَّة؛ وهي هدايةُ كلِّ مخلوقٍ من الحيوان والآدميِّ لمصالحه التي بها قيامُ أمره.
قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]؛ فذكر أمورًا أربعة: الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية، فسوَّى ما خلقه وأتقنه وأحكمه، ثمَّ قدَّر له أسبابَ مصالحه في معاشه وتقلُّباته وتصرُّفاته، وهداه إليها، والهدايةُ تعليمٌ؛ فذَكَر أنه الذي خلقَ وعلَّم، كما ذَكَر نظيرَ ذلك في أول سورةٍ أنزلها على رسوله، وقد تقدَّم ذلك (٢).
وقال تعالى حكايةً عن عدوِّه فرعون أنه قال لموسى: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠].
وهذه المرتبةُ أسبقُ مراتب الهداية وأعمُّها.
المرتبة الثانية: هدايةُ البيان والدَّلالة التي أقامَ بها حجَّتَه على عباده. وهذه لا تستلزمُ الاهتداءَ التام.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، يعني: بيَّنَّا لهم ودلَلْناهم وعرَّفناهم، فآثروا الضلالةَ والعمى.
стр. 336
وقال الله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
وهذه المرتبةُ أخصُّ من الأولى، وأعمُّ من الثالثة، وهي هدى التوفيق والإلهام؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، فعَمَّ بالدعوة خلقَه، وخَصَّ بالهداية من شاء منهم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، مع قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فأثبتَ هدايةَ الدعوة والبيان، ونفى هدايةَ التوفيق والإلهام. وقال النبيُّ ﷺ في تشهُّد الحاجة: «من يهد اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له» (١).
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، أي: من يضلُّه اللهُ لا يهتدي أبدًا.
وهذه الهدايةُ الثالثةُ هي الهدايةُ الموجبةُ المستلزمةُ للاهتداء، وأما الثانية فشرطٌ لا مُوجِب، فلا يستحيلُ تخلُّفُ الهدى عنها، بخلاف الثالثة فإنَّ تخلُّفَ الهدى عنها مستحيل.
المرتبة الرابعة: الهدايةُ في الآخرة إلى طريق الجنة والنار.
قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 337
فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].
وأمَّا قولُ أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، فيحتملُ أن يكونوا أرادوا الهدايةَ إلى طريق الجنة، وأن يكونوا أرادوا الهدايةَ في الدنيا التي أوصلتهم إلى دار النعيم. ولو قيل: إنَّ كلا الأمرين مرادٌ لهم، وأنهم حمدوا اللهَ على هدايته لهم في الدنيا، وهدايتهم إلى طريق الجنة؛ كان أحسنَ وأبلغ.
وقد ضربَ الله تعالى لمن لم يحصُل له العلمُ بالحقِّ واتباعه مثَلًا مطابقًا لحاله؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].
الوجه السادس والسبعون: أنَّ فضيلةَ الشيء وشرفه يظهرُ تارةً من عموم منفعته، وتارةً من شدَّة الحاجة إليه وعدم الاستغناء عنه، وتارةً من ظهور النقص والشرِّ بفَقْدِه، وتارةً من حصول اللذَّة والسرور والبهجة بوجوده ــ لكونه محبوبًا ملائمًا، فإدراكُه يُعْقِبُ غايةَ اللذَّة ــ، وتارةً من كمال الثمرة المترتِّبة عليه، وشرف علَّته الغائيَّة (١)، وإفضائه إلى أجلِّ المطالب.
وهذه الوجوه ونحوها تنشأ وتظهرُ من متعلَّقه؛ فإذا كان في نفسه كمالًا وشرفًا ــ بقطع النظر عن متعلَّقاته ــ جمعَ جهات الشرف والفضل في نفسه ومتعلَّقه.
стр. 338
ومعلومٌ أنَّ هذه الجهات بأسرها حاصلةٌ للعلم؛ فإنه أعمُّ شيءٍ نفعًا، وأكثره وأدومُه، والحاجةُ إليه فوق الحاجة إلى الغذاء، بل فوق الحاجة إلى التنفُّس؛ إذ غايةُ ما يُتَصوَّرُ من فقدهما فقدُ حياة الجسم، وأما فقدُ العلم ففيه فقدُ حياة القلب والروح؛ فلا غَناءَ للعبد عنه طرفةَ عين، ولهذا إذا فُقِدَ من الشخص كان شرًّا من الحمير، بل كان شرَّ الدوابِّ (١) عند الله، ولا شيء أنقصُ منه حينئذ.
وأما حصولُ اللذَّة والبهجة بوجوده؛ فلأنه كمالٌ في نفسه، وهو ملائمٌ غايةَ الملاءمة للنفوس؛ فإنَّ الجهلَ مرضٌ ونقص، وهو في غاية الإيذاء والإيلام للنفس، ومن لم يشعر بهذه الملاءمة والمنافرة فهو لفَقْدِ حسِّه وموت نفسه، و «ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ» (٢).
فحصولُه للنفس إدراكٌ منها لغاية محبوبها، واتصالٌ به، وذلك في غاية لذَّتها وفرحتها، وهذا بحسب المعلوم في نفسه ومحبة النفس له ولذَّتها بقربه، والعلومُ والمعلوماتُ متفاوتةٌ في ذلك أعظمَ التفاوت وأبينَه، فليس علمُ النفوس بفاطرها وباريها ومبدعها ومحبَّته والتقرُّب إليه كعلمها بالطبيعة وأحوالها وعوارضها وصحَّتها وفسادها وحركاتها.
وهذا يتبيَّن بالوجه السابع والسبعين: وهو أنَّ شرفَ العلم تابعٌ لشرف معلومه، ولوثوق النفس بأدلَّة وجوده وبراهينه، ولشدَّة الحاجة إلى معرفته، وعِظَم النفع بها.
стр. 339
ولا ريب أنَّ أجلَّ معلومٍ وأعظمَه وأكبَره فهو الله الذي لا إله إلا هو، ربُّ العالمين، وقيومُ السموات والأرضين، الملكُ الحقُّ المبين، الموصوفُ بالكمال كلِّه، المنزَّه عن كلِّ عيبٍ ونقص، وعن كلِّ تمثيلٍ وتشبيهٍ في كماله.
ولا ريب أنَّ العلمَ به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجلُّ العلوم وأفضلُها، ونسبتُه إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أجلُّ العلوم وأشرفُها فهو أصلُها كلِّها، كما أنَّ كلَّ موجودٍ فهو مستندٌ في وجوده إلى الملك الحقِّ المبين ومفتقرٌ إليه في تحقُّق ذاته وإنِّيَّته (١)، وكلُّ علمٍ فهو تابعٌ للعلم به مفتقرٌ في تحقيق ذاته إليه؛ فالعلمُ به أصلُ كلِّ علم، كما أنه سبحانه ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه ومُوجِدُه.
ولا ريب أنَّ كمال العلم بالسبب التامِّ وكونَه سببًا يستلزمُ العلمَ بمسبِّبه كما أنَّ العلمَ بالعلة التامَّة ومعرفةَ كونها علَّةً يستلزمُ العلم بالمعلول (٢)، وكلُّ موجودٍ سوى الله فهو مستندٌ في وجوده إليه استنادَ المصنوع إلى صانعه، والمفعول إلى فاعله؛ فالعلمُ بذاته سبحانه وصفاته وأفعاله يستلزمُ العلمَ بما سواه، فهو في ذاته ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، والعلمُ به أصلُ كلِّ علم ومنشؤه؛ فمن عرفَ اللهَ عرفَ ما سواه، ومن جهلَ ربَّه فهو لما سواهُ أجهل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، فتأمَّل هذه الآية تجد تحتها معنًى شريفًا عظيمًا: أنَّ من نسيَ ربَّه أنساه ذاتَه
стр. 340
ونفسَه، فلم يعرف حقيقتَه ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومعاده، فصار معطَّلًا مهملًا بمنزلة الأنعام السائمة، بل ربما كانت الأنعامُ أخبَر بمصالحها منه؛ لبقائها على هداها التامِّ الذي أعطاها إياه خالقُها، وأمَّا هذا فخرج عن فطرته التي خُلِقَ عليها، فنسي ربَّه، فأنساه نفسَه وصفاتها، وما تكمُل به وتزكو به وتسعدُ به في معاشها ومعادها.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، فغفَل عن ذكر ربِّه، فانفرط عليه أمرُه وقلبُه، فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسُه وقلبُه، بل هو مشتَّتُ القلب مُضيَّعُه، منفرطُ الأمر حيرانُ لا يهتدي سبيلًا (١).
والمقصودُ أنَّ العلمَ بالله أصلُ كلِّ علم، وهو أصلُ علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهلُ به مستلزمٌ للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلحُ به، فالعلمُ به سعادةُ العبد، والجهلُ به أصلُ شقاوته.
ويزيده إيضاحًا:
الوجه الثامنُ والسبعون: أنه لا شيء أطيبُ للعبد ولا ألذُّ ولا أهنأُ ولا أنعمُ لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه، ودوام ذكره، والسعي في مرضاته.
وهذا هو الكمالُ الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خُلِقَ الخلق، ولأجله أُنزِل الوحي، وأُرسِلَت الرسل، وقامت السمواتُ والأرض، ووُجِدَت الجنةُ والنار، ولأجله شُرِعَت الشرائع، ووُضِعَ البيتُ الحرام، ووجبَ حجُّه على
стр. 341
الناس؛ إقامةً لذكره الذي هو من توابع محبته والرضا به وعنه، ولأجل هذا أُمِرَ بالجهاد وضَرْب أعناق من أباه وآثرَ غيرَه عليه، وجُعِل له في الآخرة دارُ الهوان خالدًا مخلَّدًا، وعلى هذا الأمر العظيم أُسِّسَت الملَّة، ونُصِبَت القبلة، وهو قطبُ رحى الخلق والأمر الذي مدارُهما عليه.
ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم؛ فإنَّ محبةَ الشيء فرعٌ على الشُّعور به، وأعرفُ الخلق بالله أشدُّهم حبًّا له، فكلُّ من عرفَ اللهَ أحبَّه، ومن عرفَ الدنيا وأهلها زَهِدَ فيهم.
فالعلمُ يفتحُ هذا البابَ العظيم الذي هو سرُّ الخلق والأمر، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الوجه التاسع والسبعون: أنَّ اللذَّة بالمحبوب تَضْعُفُ وتقوى بحسب قوَّة الحبِّ وضعفه ، فكلما كان الحبُّ أقوى كانت اللذَّةُ أعظم، ولهذا تَعْظُمُ لذَّةُ الظمآن بشرب الماء البارد بحسب شدَّة طلبه للماء، وكذلك الجائع، وكذلك من أحبَّ شيئًا كانت لذَّتُه على قدر حبِّه إياه، والحبُّ تابعٌ للعلم بالمحبوب ومعرفة جماله الظاهر والباطن، فلذةُ النظر إلى الله بعد لقائه بحسب قوَّة حبِّه وإرادته، وذلك بحسب العلم به وبصفات كماله.
فإذًا العلمُ هو أقربُ الطرق إلى أعظم اللذَّات. وسيأتي تقريرُ هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الوجه الثمانون: أنَّ كلَّ ما سوى الله مفتقرٌ إلى العلم لا قِوامَ له بدونه؛ فإنَّ الوجودَ وجودان: وجودُ الخلق، ووجودُ الأمر.
والخلقُ والأمرُ مصدرُهما علمُ الربِّ وحكمتُه، فكلُّ ما ضمَّه الوجودُ من خلقه وأمره صادرٌ عن علمه وحكمته، فما قامت السمواتُ والأرضُ وما
стр. 342
بينهما إلا بالعلم، ولا بُعِثَت الرسلُ وأُنزِلت الكتبُ إلا بالعلم، ولا عبد اللهُ وَوُحِّدَ (١) وحُمِدَ وأُثنِيَ عليه ومُجِّدَ إلا بالعلم، ولا عُرِفَ الحلالُ من الحرام إلا بالعلم، ولا عُرِفَ فضلُ الإسلام على غيره إلا بالعلم.
واختُلِفَ هنا في مسألة؛ وهي أنَّ العلمَ صفةٌ فعليةٌ أو انفعالية؟ (٢)
فقالت طائفة: هو صفةٌ فعلية؛ لأنه شرطٌ أو جزءُ سببٍ في وجود المفعول؛ فإنَّ الفعلَ الاختياريَّ يستدعي حياةَ الفاعل وعلمه وقدرته وإرادته، ولا يُتَصَوَّرُ وجودُه بدون هذه الصِّفات.
وقالت طائفة: هو انفعالي؛ فإنه تابعٌ للمعلوم، متعلِّقٌ به على ما هو عليه؛ فإنَّ العالِمَ يدركُ المعلومَ على ما هو به، فإدراكُه تابعٌ له، فكيف يكونُ (٣) متقدِّمًا عليه؟!
والصوابُ أنَّ العلمَ قسمان:
* علمٌ فعليٌّ، وهو علمُ الفاعل المختار بما يريدُ أن يفعلَه، فإنه موقوفٌ على إرادته الموقوفة على تصوُّره المرادَ وعلمه به. فهذا علمٌ قبل الفعل، متقدِّمٌ عليه، مؤثِّرٌ فيه.
* وعلمٌ انفعاليٌّ، وهو العلمُ التابعُ للمعلوم، الذي لا تأثيرَ له فيه؛ كعلمنا بوجود الأنبياء والأمم والملوك وسائر الموجودات؛ فإنَّ هذا العلمَ لا
стр. 343
يؤثِّرُ في المعلوم، ولا هو شرطٌ فيه.
فكلٌّ من الطائفتين نظرَت جزئيًّا وحكمَت كليًّا، وهذا موضعٌ يغلطُ فيه كثيرٌ من الناس، وكلا القسمين من العلم صفةُ كمال، وعدمُه من أعظم النقص.
يوضحُه:
الوجه الحادي والثمانون: أنَّ فضيلةَ الشيء تُعْرَفُ بضدِّه .
* فالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَه الضِّدُّ * (١)
* وبضدِّها تتبيَّنُ الأشياءُ * (٢)
ولا ريب أنَّ الجهلَ أصلُ كلِّ فساد، وكلُّ ضررٍ يلحقُ العبدَ في دنياه وأخراه فهو نتيجةُ الجهل، وإلا فمع العلم التامِّ بأنَّ هذا الطعام ــ مثلًا ــ مسمومٌ مَنْ أكلَه قطَّعَ أمعاءه في وقتٍ معيَّن، لا يُقْدِمُ على أكله، وإن قُدِّرَ أنه أقدمَ عليه لغلبة جوعٍ أو استعجال وفاةٍ فهو لعلمه بموافقة أكله لمقصوده
стр. 344
الذي هو أحبُّ إليه من العذاب بالجوع أو بغيره.
وهنا اختُلِفَ في مسألةٍ عظيمة؛ وهي أنَّ العلمَ هل يستلزمُ الاهتداء، ولا يتخلَّف عنه الهدى إلا لعدم العلم أو نقصه، وإلا فمع المعرفة الجازمة لا يُتَصَوَّر الضلال؟ أو أنه لا يستلزمُ الهدى، فقد يكونُ الرجلُ عالمًا وهو ضالٌّ على عَمْد؟
هذا مما اختلف فيه المتكلِّمون وأربابُ السلوك وغيرهم.
* فقالت فرقة: من عرفَ الحقَّ معرفةً لا يشُكُّ فيها استحالَ أن لا يهتدي، وحيث ضلَّ فلنقصان علمه.
واحتجُّوا من النصوص بقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ١٦٢]، فشهدَ تعالى لكلِّ راسخٍ في العلم بالإيمان، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وبقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وبقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، قسمَ الناس قسمين:
أحدهما: العلماءُ بأن ما أُنزِلَ إليه من ربِّه هو الحق.
الثَّاني: العُمْي.
فدلَّ على أنه لا واسطةَ بينهما.
стр. 345
وبقوله تعالى في وصف الكفار: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، وبقوله: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣]، وبقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. وهذه مداركُ العلم الثلاثُ قد سُدَّت عليهم (١).
وكذلك قولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
وقولُه تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قال سعيد بن جبير: «على عِلْمِه تعالى فيه» (٢). قال الزجاج (٣): «أي: على ما سبقَ في علمه تعالى أنه ضالٌّ قبل أن يخلقه». ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ أي: طبعَ عليه فلم يسمع الهدى، وعلى قلبه فلم يعقل الهدى، و ﴿عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ فهو لا يبصرُ أسبابَ الهدى.
وهذا في القرآن كثير، مما يبيَّنُ فيه منافاةُ الضلال للعلم، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦]، فلو كانوا علموا ما قال الرسولُ ﷺ لم يسألوا أهلَ العلم ماذا قال، ولما كان مطبوعًا
стр. 346
على قلوبهم.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]؛ فهذه شهادةٌ من الله تعالى لأولي العلم بالإيمان به وبكلامه.
وقال الله تعالى عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]؛ فدلَّ على أنَّ أهل الضلال (١) لا سمعَ لهم ولا عقل.
وقال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]؛ أخبر تعالى أنه لا يَعْقِلُ أمثالَه إلا العالِمون، والكفارُ لا يدخلون في مسمَّى العالِمين؛ فهم لا يعقلونها.
وقال الله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمر: ٩]، ولو كان الضلالُ يُجامِعُ العلمَ لكان الذين لا يعلمون أحسنَ حالًا من بعض الذين يعلمون، والنصُّ بخلافه.
والقرآنُ مملوءٌ بسلب العلم والمعرفة عن الكفار؛ فتارةً يصفهم بأنهم لا يعلمون، وتارةً بأنهم لا يعقلون، وتارةً بأنهم لا يشعرون، وتارةً بأنهم لا يفقهون، وتارةً بأنهم لا يسمعون، ــ والمرادُ بالسمع المنفيِّ: سمعُ الفهم،
стр. 347
وهو سمعُ القلب، لا إدراكُ الصوت ــ، وتارةً بأنهم لا يبصرون؛ فدلَّ ذلك كلُّه على أنَّ الكفر مستلزمٌ للجهل، منافٍ للعلم لا يُجامِعه.
ولهذا يصفُ اللهُ سبحانه الكفارَ بأنهم جاهلون؛ كقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال النبيُّ ﷺ لمَّا بلغ قومُه من أذاه ذلك المبلغ: «اللهمَّ اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» (١).
وفي «الصحيحين» عنه: «من يُرِد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين» (٢)؛ فدلَّ على أنَّ الفقهَ مستلزمٌ لإرادة الله الخيرَ في العبد، ولا يقال: الحديثُ دلَّ على أنَّ من أراد الله به خيرًا فقَّهه في الدين، ولا يدلُّ على أنَّ كلَّ من فقَّهه في الدين فقد أراد به خيرًا، وبينهما فرق، ودليلُكم إنما يتمُّ بالتقدير الثاني، والحديثُ لا يقتضيه= لأنَّا نقول: النبيُّ ﷺ جعل الفقهَ في الدين دليلًا وعلامةً على إرادة الله بصاحبه خيرًا، والدليلُ يستلزمُ المدلول ولا يتخلَّفُ
стр. 348
عنه؛ فإنَّ المدلولَ لازمُه، ووجودُ الملزوم بدون لازمه محال (١).
وفي الترمذي وغيره عنه ﷺ : «خصلتان لا يجتمعان في منافق: حُسْنُ سَمْت، وفقهٌ في الدين» (٢)؛ فجعلَ الفقه في الدين منافيًا للنفاق.
بل لم يكن السَّلفُ يطلقون اسمَ الفقه إلا على العلم الذي يصحبُه العمل؛ كما سئل سعدُ بن إبراهيم عن أفقه أهل المدينة فقال: أتقاهم (٣).
وسأل فرقدُ السَّبَخي الحسنَ البصريَّ عن شيءٍ، فأجابه، فقال: إنَّ الفقهاءَ يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمُّك فُرَيْقِد!، وهل رأيتَ بعينيك فقيهًا؟! إنما الفقيهُ الزاهدُ الراغبُ في الآخرة، البصيرُ بدينه، المداومُ على عبادة ربِّه، الذي لا يهمِزُ مَنْ فوقه، ولا يسخرُ ممَّن دونه، ولا يبتغي على علمٍ علَّمه الله تعالى أجرًا (٤).
стр. 349
وقال بعضُ السَّلف: «إنَّ الفقيهَ من لم يُقْنِط الناسَ من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يَدَع القرآن رغبةً عنه إلى ما سواه» (١).
وقال ابن مسعود ﵁: «كفى بخشية الله علمًا، وبالاغترار بالله جهلًا» (٢).
قالوا: فهذا القرآنُ والسنَّة وإطلاقُ السلف من الصحابة والتابعين يدلُّ على أنَّ العلمَ والمعرفةَ مستلزمٌ للهداية، وأنَّ عدمَ الهداية دليلٌ على الجهل وعدم العلم.
قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ الإنسانَ ما دام عقلُه معه لا يُؤْثِرُ هلاكَ نفسه على نجاتها، وعذابها العظيمَ الدائمَ على نعيمها المقيم، والحسُّ شاهدٌ بذلك.
ولهذا وصف اللهُ سبحانه أهل معصيته بالجهل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧].
стр. 350
قال سفيانُ الثوري: «كلُّ من عمل ذنبًا من خلق الله فهو جاهل، سواءٌ كان جاهلًا أو عالمًا؛ إن كان عالمًا فمَنْ أجهلُ منه؟! وإن كان لا يعلم فمثلُ ذلك» (١).
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قال: قبل الموت (٢).
وقال ابن عباس ﵄: «ذنبُ المؤمن جهلٌ منه» (٣).
قال قتادة: «أجمع أصحابُ رسول الله ﷺ أنَّ كلَّ شيءٍ عُصِيَ اللهُ به فهو جهالةٌ» (٤).
وقال السُّدِّي: «كلُّ من عصى اللهَ فهو جاهل» (٥).
قالوا: ويدلُّ على صحة هذا أنَّ مع كمال العلم لا تصدرُ المعصيةُ من العبد؛ فإنه لو رأى صبيًّا يتطلَّعُ عليه من كُوَّةٍ لم تتحرَّك جوارحُه لمواقعة الفاحشة، فكيف تقعُ منه حالَ كمال علمه بنظر الله إليه، ورؤيته له، وعقابه على الذنب، وتحريمه له، وسوء عاقبته؟! فلا بد من غفلة القلب عن هذا العلم، وغيبته عنه، فحينئذٍ يكونُ وقوعُه في المعصية صادرًا عن جهلٍ وغفلةٍ ونسيانٍ مضادٍّ للعلم.
стр. 351
والذنبُ محفوفٌ بجهلين: جهلٍ بحقيقة الأسباب الصَّارفة عنه، وجهلٍ بحقيقة المفسدة المترتِّبة عليه. وكلُّ واحدٍ من الجهلين تحته جهالاتٌ كثيرة. فما عُصِيَ اللهُ إلا بالجهل، وما أُطِيعَ إلا بالعلم.
فهذا بعضُ ما احتجَّت به هذه الطائفة.
* وقالت الطائفة الأخرى: العلمُ لا يستلزمُ الهداية، وكثيرًا ما يكونُ الضلالُ عن عمدٍ وعلمٍ لا يشُكُّ صاحبُه فيه، بل يُؤثِرُ الضلالَ والكفرَ وهو عالمٌ بقبحه ومفسدته.
قالوا: وهذا شيخُ الضلال، وداعي الكفر، وإمامُ الفجرة، إبليسُ عدوُّ الله، قد علمَ أمرَ الله له بالسجود لآدم ولم يشكَّ فيه، فخالفه وعاندَ الأمرَ وباء بلعنة الله وعذابه الدائم، مع علمه بذلك ومعرفته به، وأقسمَ له بعزَّته أنه يغوي خلقَه أجمعين إلا عبادَه منهم المخلصين؛ فكان غير شاكٍّ في الله وفي وحدانيَّته، وفي البعث الآخر، وفي الجنة والنار، ومع ذلك اختارَ الخلودَ في النار واحتمالَ لعنة الله وغضبه وطرده من سمائه وجنَّته عن علمٍ بذلك ومعرفةٍ لم تحصل لكثيرٍ من الناس، ولهذا قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]، وهذا اعترافٌ منه بالبعث وإقرارٌ به، وقد عَلِمَ قَسَمَ ربِّه ليملأنَّ جهنَّم منه ومن أتباعه؛ فكان كفرُه كفرَ عنادٍ محضٍ لا كفرَ جهل.
وقال الله تعالى إخبارًا عن قوم صالح (١): ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، يعني: بيَّنَّا لهم وعرَّفناهم، فعرفوا الحقَّ وتيقَّنوه، وآثروا العمى عليه. أفكان كفرُ هؤلاء عن جهل؟!
стр. 352
وقال تعالى حاكيًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي: هالكًا، على قراءة فَتْح التاء، وهي قراءةُ الجمهور. وضمَّها الكسائيُّ وحده (١).
وقراءةُ الجمهور أحسنُ وأوضح وأفخمُ معنى، وبها تقومُ الدلالة، ويتمُّ الإلزام، ويتحقَّقُ كفرُ فرعون وعنادُه، ويشهدُ لها قولُه تعالى إخبارًا عنه وعن قومه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ - ١٤]؛ فأخبر سبحانه أنَّ تكذيبَهم وكفرهم كان عن يقينٍ ــ وهو أقوى العلم ــ ظلمًا منهم وعلوًّا، لا جهلًا.
وقال تعالى لرسوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، يعني: أنهم قد عرفوا صدقَك، وأنك غيرُ كاذبٍ فيما تقول، ولكن عاندوا وجحدوا بالمعرفة. قاله ابن عباس ﵄ والمفسِّرون (٢).
قال قتادة: «يعلمون أنك رسولُ الله ولكن يجحدون» (٣)، كقوله (٤) : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
стр. 353
وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١] يعني: تكفرون بالقرآن وبمن جاء به، وأنتم تشهدون بصحَّته وأنه الحقُّ، فكفرُكم كفرُ عنادٍ وجحودٍ عن علمٍ وشهود، لا عن جهلٍ وخفاء.
وقال تعالى عن السحرة من اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: علموا أنَّ من أخذَ السحرَ وقَبِلَه لا نصيبَ له في الآخرة، ومع هذا العلم والمعرفة فهم يشترونه ويقبلونه ويتعلَّمونه.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ذَكَر هذه المعرفةَ عن أهل الكتاب في القبلة، كما في سورة البقرة، وفي التوحيد، كقوله في الأنعام: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾، وفي الكتاب أنه منزَّلٌ من عند الله، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦].
قال ابن عباس ﵄: «هم قريظةُ والنضيرُ ومن دانَ بدينهم، كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا قبل مبعثه مؤمنين به وشهدوا له بالنبوَّة، وإنما كفروا بغيًا وحسدًا» (١).
стр. 354
قال الزجاج: «أعلَمَ اللهُ أنه لا جهةَ لهدايتهم؛ لأنهم قد استحقُّوا أن يَضِلُّوا بكفرهم؛ لأنهم كفروا بعد البينات» (١).
ومعنى (كيف يهديهم) (٢) أي: أنه لا يهديهم؛ لأنَّ القومَ عرفوا الحقَّ، وشهدوا به وتيقَّنوه، وكفروا عمدًا، فمن أين تأتيهم الهداية؟! فإنَّ الذي ترتجى هدايتُه من كان ضالًّا ولا يدري أنه ضالٌّ، بل يظنُّ أنه على هدى، فإذا عرفَ الهدى اهتدى، وأما من عرفَ الحقَّ وتيقَّنه وشهدَ به قلبُه ثمَّ اختار الكفرَ والضلال عليه، فكيف يهدي اللهُ مثل هذا؟!
وقال تعالى عن اليهود: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ثمَّ قال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]، قال ابن عباس ﵄: «لم يكن كفرُهم شكًّا ولا اشتباهًا، ولكن بغيًا منهم، حيث صارت النبوَّةُ في ولد إسماعيل» (٣).
ثمَّ قال بعد ذلك: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ
стр. 355
نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]، فلما شبَّههم في فعلهم هذا بمن لا يعلمُ دلَّ على أنهم نبذوه عن علمٍ كفعلِ من لا يعلم، تقولُ إذا خاطبتَ من عصاك عمدًا: كأنك لم تعلم ما فعلتَ، أو: كأنك لم تعلم بنهيي إيَّاك.
ومنه ــ على أحد القولين ــ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٢ - ٨٣]، قال السُّدِّي: «يعني محمدًا ﷺ » (١). واختاره الزجاج، فقال: «يعرفون أنَّ أمرَ محمد ﷺ حقٌّ ثمَّ ينكرون ذلك» (٢). وأولُ الآية يشهدُ لهذا القول.
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
قالوا: فهل بعد هذه الآية بيان؟! فإنَّ هذا آتاه اللهُ آياته، فانسلخَ منها وآثرَ الضَّلالَ والغيَّ، وقصَّتُه معروفة (٣)، حتى قيل: إنه كان أوتي الاسمَ الأعظم. ومع هذا فلم ينفعه علمُه وكان من الغاوين، فلو استلزمَ العلمُ والمعرفةُ الهدايةَ لاستلزمه في حقِّ هذا.