← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فالأقسام أربعة: * ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهذا لا يذكره سبحانه إلا في معرض المدح. * و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ لا يكونُ قطُّ إلا في معرض الذَّمِّ. * و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أعمُّ منه، فإنه قد يتناولُهما، ولكن لا يُفْرَدُ به الممدوحون قطُّ (١). * و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يَعُمُّ الجنسَ كلَّه، ويتناولُ الممدوحَ منه والمذموم، كقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]، وقال في الذَّمِّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١]. وهذا الفصلُ يُنْتَفَعُ به جدًّا في أكثر (٢) مسائل أصول الإسلام، وهي مسألةُ الإيمان واختلاف أهل القبلة فيه، وقد ذكرنا فيه نُكَتًا حِسَانًا يتضحُ بها الحقُّ في المسألة، والله أعلم. الوجه الثاني والثمانون: أنَّ الله فاوتَ بين النوع الإنسانيِّ أعظمَ تفاوتٍ يكونُ بين المخلوقين، فلا يُعْرَفُ اثنان من نوعٍ واحدٍ بينهما من التفاوت ما بين خير البشر وشرِّهم.

стр. 387

والله سبحانه خَلَق الملائكةَ عقولًا بلا شهوات، وخَلَق الحيوانات ذوات شهواتٍ بلا عقول، وخَلَق الإنسانَ مركَّبًا من عقلٍ وشهوة؛ فمن غَلَب عقلُه شهوتَه كان خيرًا من الملائكة، ومن غَلَبَت شهوتُه عقلَه كان شرًّا من الحيوانات (١). وفاوتَ سبحانه بينهم في العلم؛ فجعلَ عالِمَهم معلِّمَ الملائكة، كما قال تعالى: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، وتلك مرتبةٌ لا مرتبةَ فوقها، وجعلَ جاهلَهم بحيثُ لا يرضى الشيطانُ به ولا يَصْلُح له، كما قال الشيطانُ لجاهلهم الذي أطاعه في الكفر: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، وقال لجَهَلَتِهم الذين عصوا رسولَه: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. فلِلَّه ما أشدَّ هذا التفاوت بين شخصين، أحدهما: تسجدُ له الملائكةُ ويعلِّمها مما علَّمه الله، والآخر: لا يرضى الشيطانُ به وليًّا! وهذا التفاوتُ العظيمُ إنما حصلَ بالعلم وثمرته، ولو لم يكن في العلم إلا القُربُ من ربِّ العالمين، والالتحاقُ بعالَم الملائكة، وصحبةُ الملأ الأعلى؛ لكفى به فضلًا وشرفًا، فكيف وعزُّ الدُّنيا والآخرة منوطٌ به ومشروطٌ بحصوله؟! الوجه الثالث والثمانون: أنَّ أشرفَ ما في الإنسان محلُّ العلم منه، وهو قلبُه وسمعُه وبصرُه .

стр. 388

ولمَّا كان القلبُ هو محلَّ العلم، والسمعُ رسولُه الذي يأتيه به، والعينُ طليعتُه؛ كان مَلِكًا على سائر الأعضاء، يأمرُها فتأتمرُ لأمره، ويصرفُها فتنقادُ له طائعة، بما خُصَّ به من العلم دونها، فلذلك كان مَلِكَها والمطاع فيها. وهكذا العالِمُ في الناس كالقلب في الأعضاء. ولمَّا كان صلاحُ الأعضاء بصلاح مَلِكِها ومطاعها، وفسادُها بفساده؛ كانت هذه حال الناس مع علمائهم وملوكهم، كما قال بعض السلف: «صنفان إذا صلحا صلحَ الناس (١)، وإذا فسدا فسدَ الناس: العلماءُ والأمراء» (٢). قال عبد الله بن المبارك: وهل أفسدَ الدِّينَ إلا المُلوكُ ... وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها (٣) ولمَّا كان للسمع والبصر من الإدراك ما ليس لغيرهما من الأعضاء كانا في أشرف جزءٍ من الإنسان وهو وجهُه، وكانا من أفضل ما في الإنسان من الأجزاء والأعضاء والمنافع.

стр. 389

واختلفَ الناسُ في الأفضل منهما (١): * فقالت طائفة، منهم أبو المعالي (٢) وغيرُه: السمعُ أفضل. قالوا: لأنَّ به تنالُ سعادةُ الدنيا والآخرة، فإنها إنما تحصلُ بمتابعة الرسل، وقبول رسالاتهم، وبالسمع عُرِفَ ذلك؛ فإنَّ من لا سَمْعَ له لا يعلمُ ما جاءوا به. وأيضًا؛ فإنَّ السمعَ يُدْرَكُ به أجلُّ شيءٍ وأفضلُه، وهو كلامُ الله تعالى الذي فضلُه على الكلام كفضل الله على خلقه. وأيضًا؛ فإنَّ العلومَ إنما تنالُ بالتفاهم والتخاطب، ولا يحصلُ ذلك إلا بالسمع. وأيضًا؛ فإنَّ مُدْرَكه أعمُّ من مُدْرَكِ البصر؛ فإنَّه يدركُ الكلِّيَّات والجزئيَّات والشاهدَ والغائب والموجودَ والمعدوم، والبصرُ لا يدركُ إلا بعض المشاهَدات، والسمعُ يسمعُ كلَّ علم؛ فأين أحدُهما من الآخر؟!

стр. 390

ولو فرضنا شخصين: أحدهما يسمعُ كلام الرسول ولا يرى شخصَه، والآخر بصيرٌ يراه ولا يسمعُ كلامَه لصممه، هل كانا سواءً؟! وأيضًا؛ ففاقدُ البصر إنما يفقدُ إدراكَ بعض الأمور الجزئية المشاهَدة، ويمكنُه معرفتُها بالصِّفة ولو تقريبًا، وأمَّا فاقدُ السمع فالذي فاته من العلم لا يمكنُ حصولُه بحاسَّة البصر ولا قريبًا. وأيضًا؛ فإنَّ ذمَّ الله تعالى للكفار بعدم السمع في القرآن أكثرُ من ذمِّه لهم بعدم البصر، بل إنما يذمُّهم بعدم البصر تبعًا لعدم العقل والسمع. وأيضًا؛ فإنَّ الذي يُورِدُه السمعُ على القلب من العلوم لا يلحقُه فيه كلالٌ ولا سآمةٌ ولا تعبٌ مع كثرته (١) وعِظَمِه، والذي يُورِدُه البصرُ عليه يلحقُه فيه الكَلالُ والضعفُ والنقص، وربَّما خشي صاحبُه على ذهابه مع قلَّته ونزارته بالنسبة إلى السمع. * وقالت طائفة، منهم ابن قتيبة: بل البصرُ أفضل (٢)؛ فإنَّ أعلى النعيم وأفضلَه وأعظمَه لذَّةً هو النظرُ إلى الله في الدار الآخرة، وهذا إنما ينالُ بالبصر، وهذه وحدها كافيةٌ في تفضيله. قالوا: وهو مقدِّمةُ القلب وطليعتُه ورائدُه، فمنزلتُه منه أقربُ من منزلة السمع؛ ولهذا كثيرًا ما يُقْرَنُ بينهما في الذِّكر؛ كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي

стр. 391

الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]؛ فالاعتبارُ بالقلب والبصرُ بالعين. وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ولم يقل: وأسماعَهم، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. وقال في حقِّ رسوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ثمَّ قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، وهذا يدلُّ على شدَّة الوُصْلَة والارتباط بين القلب والبصر، ولهذا يقرأ الإنسانُ ما في قلب الآخر مِنْ عَيْنِه، وهذا كثيرٌ في كلام الناس نَظْمِه ونثره، وهو أكثرُ من أن نذكره هنا (١). ولمَّا كان القلبُ أشرفَ الأعضاء كان أشدُّها ارتباطًا به أشرفَ (٢) من غيره. قالوا: ولهذا يأتمنُه القلبُ ما لا يأتمنُ السمعَ عليه، بل إذا ارتاب من جهته (٣) عَرَض ما يأتيه به على البصر ليزكِّيه أم يردَّه، فالبصرُ حاكمٌ عليه

стр. 392

مؤتمَنٌ عليه. قالوا: ومن هذا: الحديثُ الذي رواه أحمد في «مسنده» مرفوعًا: «ليس المُخْبَرُ كالمُعايِن» (١). قالوا: ولهذا أخبر اللهُ سبحانه موسى أنَّ قومَه افتَتَنوا من بعده، وعَبَدوا العجل، فلم يلحقه في ذلك ما لحقه عند رؤية ذلك ومعاينته من إلقاء الألواح وكَسْرِها؛ لقوَّة المعاينة (٢) على الخبر. قالوا: وهذا إبراهيمُ خليلُ الله يسألُ ربَّه أن يُرِيَه كيف يحيي الموتى، وقد عَلِم ذلك بخبر الله له ولكنْ طَلَبَ أفضلَ المنازل وهي طمأنينةُ القلب. قالوا: ولليقين ثلاثُ مراتب: * أولها: للسمع. * وثانيها: للعين (٣). وهي المسمَّاة بعين اليقين، وهي أفضلُ من المرتبة الأولى وأكمل (٤).

стр. 393

قالوا: وأيضًا؛ فالبصرُ يؤدِّي إلى القلب، ويؤدِّي عنه؛ فإنَّ العينَ مرآةُ القلب، يظهرُ فيها ما يُجِنُّه من المحبة والبغض، والموالاة والمعاداة، والسُّرور والحزن، وغيرها. وأمَّا الأذنُ، فلا تؤدِّي عن القلب شيئًا البتَّة، وإنما مرتبتُها الإيصالُ إليه حَسْب؛ فالعينُ أشدُّ تعلُّقًا به. * والصوابُ (١) أنَّ كلًّا منهما له خاصِّيَّةٌ فُضِّل بها على الآخر؛ فالمُدْرَكُ بالسمع أعمُّ وأشمل، والمُدْرَكُ بالبصر أتمُّ وأكمل؛ فالسمعُ له العمومُ والشمول، والبصرُ له الظهورُ والتمامُ وكمالُ الإدراك. وأمَّا نعيمُ أهل الجنة فشيئان: أحدهما: النظرُ إلى الله. والثاني: سماعُ خطابه وكلامه؛ كما رواه عبد الله بن أحمد في «السُّنَّة» (٢) وغيره: «كأنَّ الناسَ يوم القيامة لم يسمعوا القرآنَ إذا سمعوه من

стр. 394

الرحمن ». ومعلومٌ أنَّ سلامَه عليهم وخطابَه لهم ومحاضرتَه إياهم ــ كما في الترمذي (١) وغيره ــ لا يُشْبِهها شيءٌ قطُّ، ولا يكونُ أطيب عندهم منها، ولهذا يذكرُ سبحانه في وعيد أعدائه أنه لا يكلِّمهم، كما يذكرُ احتجابَه عنهم وأنهم لا يرونه، فكلامُه ورؤيتُه أعلى نعيم أهل الجنة، والله أعلم. الوجه الرابع والثمانون: أنَّ الله سبحانه في القرآن يعدِّدُ على عباده من نعمه عليهم أنْ أعطاهم آلات العلم، فيذكرُ الفؤادَ والسمعَ والأبصار، ومرةً يذكرُ اللسانَ الذي يُتَرْجِمُ عن القلب. فقال تعالى في سورة النِّعم ــ وهي سورة النحل ــ التي ذكر فيها أصولَ النِّعم وفروعَها ومتمِّماتها ومكمِّلاتها، فعدَّدَ نعمَه فيها على عباده، وتعرَّف بها إليهم، واقتضاهم شكرَها (٢)، وأخبر أنه يتمُّها عليهم ليعرفوها ويذكروها ويشكروها، فأوَّلها في أصول النِّعم، وآخرُها في مكمِّلاتها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]؛ فذكر سبحانه نعمته عليهم بأنْ أخرجَهم لا علمَ لهم، ثمَّ أعطاهم الأسماعَ والأبصارَ والأفئدةَ التي نالوا بها من العلم ما نالوه، وأنه فَعَل بهم ذلك ليشكروه.

стр. 395

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]، فذكر هنا العينين اللَّتين (١) يُبْصِرُ بهما فيعلَم المشاهَدات، وذكر هدايةَ النجدَين، وهما طريقا الخير والشرِّ، وفي ذلك حديثٌ مرفوعٌ مرسل (٢)، وهو قولُ أكثر المفسِّرين، ويدلُّ عليه الآيةُ الأخرى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. والهدايةُ تكونُ بالقلب والسمع؛ فقد دخلَ السمعُ في ذلك لزومًا، وذكر اللسانَ والشفتَيْن اللَّتين هما آلةُ التعليم، فذكر آلات العلم والتعليم، وجعلها من آياته الدالَّة عليه وعلى قدرته ووحدانيته ونِعَمه التي تعرَّف بها إلى عباده. ولمَّا كانت هذه الأعضاءُ الثلاثةُ هي أشرفَ الأعضاء وملوكَها والمتصرِّفةَ فيها والحاكمةَ عليها، خصَّها بالذِّكر في السؤال عنها؛ فقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فسعادةُ

стр. 396

الإنسان بصحة هذه الأعضاء الثلاثة، وشقاوتُه بفسادها. قال ابن عباس: «يسألُ اللهُ العبادَ فيما استعملوا هذه الثلاثة: السمع والبصر والفؤاد» (١). والله تعالى أعطى العبدَ السمعَ ليسمعَ به أوامرَ ربِّه ونواهيه وعُهودَه، والقلبَ ليعقلها ويَفْقَهها، والبصرَ ليرى آياته فيستدلَّ بها على وحدانيته وربوبيته؛ فالمقصودُ بإعطائه هذه الآلات العلمُ وثمرتُه ومقتضاه. الوجه الخامس والثمانون: أنَّ أنواع السعادات التي تُؤْثِرُها النفوسُ ثلاثة: * سعادةٌ خارجيةٌ عن ذات الإنسان، بل هي مستعارةٌ له من غيره، تزولُ باسترداد العاريَّة، وهي سعادةُ المال والجاه وتوابعهما، فبينا المرءُ بها سعيدٌ ملحوظٌ بالعناية مرموقٌ بالأبصار، إذ أصبح في اليوم الواحد أذلَّ مِنْ وَتِدٍ بقاعٍ يُشَجِّجُ رأسَه بالفِهْر واجي (٢).

стр. 397

فالسعادةُ والفرحُ بهذه كفرح الأقرع بجُمَّة ابن عمِّه، والجمالُ بها كجمال المرء بثيابه وبِزَّته، فإذا جاوز بصرُك كسوتَه فليس وراء عَبَّادان قرية (١). ويحكى عن بعض العلماء أنه ركبَ مع تجَّارٍ في مركب، فانكسرت بهم السفينة، فأصبحوا بعد عزِّ الغنى في ذلِّ الفقر، ووصلَ العالِمُ إلى البلد، فأُكرِمَ وقُصِدَ بأنواع التُّحف والكرامات، فلمَّا أرادوا الرجوع إلى بلادهم قالوا له: هل لك إلى قومك كتابٌ أو حاجة؟ فقال: نعم، تقولون لهم: إذا اتخذتم مالًا فاتخذوا مالًا لا يغرقُ إذا انكسرت السفينة (٢). واجتمعَ رجلٌ ذو هيئةٍ حسنةٍ ولباسٍ جميلٍ ورُوَاءٍ (٣) برجلٍ عالِم،

стр. 398

فجَسَّ المَخاضَةَ (١) فلم ير شيئًا، فقالوا: كيف رأيته؟ فقال: رأيتُ دارًا حسنةً مزخرفةً ولكنْ ليس بها ساكن! * السعادة الثانية: سعادةٌ في جسمه وبدنه؛ كصحته واعتدال مِزاجه، وتناسُب أعضائه، وحُسْن تركيبه، وصفاء لونه، وقوَّة أعصابه (٢). فهذه ألصقُ به من الأولى، ولكن هي في الحقيقة خارجةٌ عن ذاته وحقيقته؛ فإنَّ الإنسانَ إنسانٌ بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه، كما قيل: يا خادمَ الجسم كم تشقى بخدمته ... فأنت بالرُّوح لا بالجِسْم إنسانُ (٣) فنسبةُ هذه إلى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه إلى بدنه؛ فإنَّ البدنَ أيضًا عاريةٌ للرُّوح وآلةٌ لها ومركبٌ من مراكبها، فسعادتُها بصحَّته، وجمالُه وحُسْنُه سعادةٌ خارجةٌ عن ذاتها وحقيقتها. * السعادة الثالثة: هي السعادةُ الحقيقية، وهي سعادةٌ نفسانيةٌ روحيةٌ قلبية، وهي سعادةُ العلم النافع وثمرتُه؛ فإنها هي الباقيةُ على تقلُّب الأحوال،

стр. 399

والمُصاحِبةُ للعبد في جميع أسفاره، وفي دُوره الثلاثة ــ أعني دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار ــ، وبها يترقَّى في معارج الفضل ودرجات الكمال. أمَّا الأولى، فإنما (١) تصحبُه في البقعة التي فيها مالُه وجاهُه. والثانية، فعُرضةٌ للزوال والتبدُّل بِنَكْس الخَلْق والردِّ إلى الضَّعف. فلا سعادةَ في الحقيقة إلا هذه الثالثة، التي كلَّما طال عليها الأمدُ ازدادت قوةً وعلوًّا، وإذا عُدِمَ المالُ والجاهُ فهي مالُ العبد وجاهُه، وتظهرُ قوتُها وأثرُها بعد مفارقة البدن (٢) إذا انقطعت السعادتان الأوَّلتان (٣). وهذه السعادةُ لا يعرفُ قَدْرَها ويبعثُ على طلبها إلا العلمُ بها؛ فعادت السعادةُ كلُّها إلى العلم وما يقتضيه، والله يوفِّقُ من يشاء، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وإنما رَغِبَ أكثرُ الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها، ومرارة مَباديها، وتعب تحصيلها، وأنها لا تنالُ إلا على جسرٍ من التعب (٤)؛ فإنها لا تُحَصَّلُ إلا بالجدِّ المحض، بخلاف الأوَّلتَين (٥)، فإنهما حظٌّ قد يَحُوزُه

стр. 400

غيرُ طالبه، وبَخْتٌ قد يحرزُه (١) غيرُ جالبِه من ميراثٍ أو هبةٍ أو غير ذلك، وأمَّا سعادةُ العلم فلا يورثُك إياها إلا بذلُ الوسع، وصدقُ الطَّلب، وصحةُ النية. وقد أحسنَ القائلُ في ذلك (٢): فقُلْ لِمُرجِّي معالي الأمور ... بغيرِ اجتهادٍ رَجَوْتَ المُحالا وقال الآخر (٣): لولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كلُّهم ... الجُودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قتَّالُ ومن طمَحَت همَّته إلى الأمور العَلِيَّة، فواجبٌ عليه أن يَسُدَّ على همَّته الطُّرقَ الدنيَّة. وهذه السعادةُ وإن كانت في ابتدائها لا تنفكُّ عن ضربٍ من المشقَّة والكَرْه والتأذِّي، فإنها متى أُكرِهَت النفسُ عليها، وسِيقَت طائعةً وكارهةً إليها، وصبرَت على لأوائها وشدَّتها، أفضتْ منها إلى رياضٍ مُونِقَة، ومقاعدِ صدقٍ ومقامٍ كريم، تجدُ كلَّ لذَّةٍ دونها كلذَّة لعب الصَّبيِّ بالعصفور بالنسبة إلى لذَّة الملوك؛ فحينئذٍ حالُ صاحبها كما قيل: وكنتُ أرى أنْ قد تناهى بيَ الهوى ... إلى غايةٍ ما بعدَها ليَ مذهبُ

стр. 401

فلمَّا تلاقينا وعايَنْتُ حُسْنَها ... تيقَّنتُ أني إنما كنتُ ألعبُ (١) فالمكارمُ مَنُوطةٌ بالمكاره، والسعادةُ لا يُعْبَرُ إليها إلا على جسر المشقَّة، ولا تُقْطَعُ مسافتُها إلا في سفينة الجدِّ والاجتهاد. قال مسلمٌ في «صحيحه» (٢): «قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنالُ العلمُ براحة الجسم». وقد قيل: «من طلبَ الراحةَ تركَ الراحة» (٣). فيا وَصْلَ الحبيب أمَا إليه ... بغيرِ مشقَّةٍ أبدًا طريقُ (٤) ولولا جهلُ الأكثرين بحلاوة هذه اللذَّة وعِظَم قدرها لتَجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حُفَّت بحجابٍ من المكاره، وحُجِبوا عنها بحجابٍ من الجهل؛ ليختصَّ اللهُ بها من يشاء من عباده، والله ذوالفضل العظيم. الوجه السادس والثمانون: أنَّ اللهَ سبحانه خلقَ الموجودات، وجَعَل

стр. 402

لكلِّ شيءٍ منها كمالًا يختصُّ به هو غايةُ شرفه، فإذا عَدِمَ كمالَه انتقل إلى الرتبة التي دونه واستُعمِلَ فيها، فكان استعمالُه فيها كمالَ أمثاله، فإذا عَدِمَ تلك أيضًا نُقِلَ إلى ما دونها، ولا يُعَطَّلُ (١)، وهكذا أبدًا، حتى إذا عَدِمَ كلَّ فضيلةٍ صار كالشَّوك وكالحطب الذي لا يصلحُ إلا للوقود. فالفَرسُ إذا كانت فيه فروسيَّتُه التامَّةُ أُعِدَّ لمراكب الملوك، وأُكرِمَ إكرامَ مثله، فإذا نزل عنها قليلًا أُعِدَّ لمن دون المَلِك، فإن ازداد تقصيرُه فيها أُعِدَّ لآحاد الأجناد، فإن تقاصر عنها جملةً استُعمِلَ استعمالَ الحمار، إمَّا حولَ المَدار، وإمَّا لنقل الزِّبْل ونحوه، فإن عَدِمَ ذلك استُعمِلَ استعمالَ الأغنام للذبح والإعدام. كما يقال في المثل (٢): إن فرسَيْن التقيا؛ أحدُهما تحت مَلِكٍ والآخرُ تحت الرَّوايا (٣)، فقال فرسُ الملك: أمَا أنت صاحبي وكنتُ أنا وأنت في مكانٍ واحد، فما الذي نزَل بك إلى هذه المرتبة؟! فقال: ما ذاك إلا أنك هَمْلَجْتَ قليلًا وتَكسَّعتُ (٤) أنا! وهكذا السيفُ إذا نبا عمَّا هُيِّاء له ولم يصلُح له، ضُرِبَ منه فأسٌ أو

стр. 403

منشارٌ أو نحوه (١)، وهكذا الدُّورُ العِظامُ الحِسانُ إذا خَرِبَت وتهدَّمت اتُّخِذَت حظائرَ للغنم أو الإبل وغيرها. وهكذا الآدميُّ إذا كان صالحًا لاصطفاء الله له برسالته ونبوَّته اتخذه رسولًا ونبيًّا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فإذا كان جوهرُه قاصرًا عن هذه الدرجة صالحًا لخلافة النبوَّة وميراثها رشَّحه لذلك وبلَّغه إياه، فإذا كان قاصرًا عن ذلك قابلًا لدرجة الوَلاية رُشِّحَ لها، وإن كان ممَّن يصلحُ للعمل والعبادة دونَ المعرفة والعلم جُعِلَ من أهله، حتى ينتهي إلى درجة عموم المؤمنين، فإن نقصَ عن هذه الدرجة ولم تكن نفسُه قابلةً لشيءٍ من الخير أصلًا استُعْمِلَ حطبًا ووقودًا للنار. وفي أثرٍ إسرائيلي: أنَّ موسى سأل ربَّه عن شأن من يعذِّبهم من خلقه؛ فقال: يا موسى، ازرع زرعًا، فزَرَعه، فأوحى الله إليه أن احصُده، ثمَّ أوحى إليه أن انسِفْه واذْرُه (٢)، ففعل، وخَلَصَ الحبُّ وحده والتِّبنُ والعيدانُ والعَصْفُ وحده، فأوحى الله إليه: إني لا أجعلُ في النار من العباد إلا من لا خير فيه، بمنزلة العيدان والشَّوك التي لا تصلحُ إلا للنار (٣). وهكذا الإنسانُ يترقَّى في درجات الكمال درجةً بعد درجة، حتى يَبْلُغَ

стр. 404

نهايةَ ما ينالُه أمثالُه منها، فكم بين حاله في أول كونه نطفةً وبين حاله والربُّ يُسَلِّمُ عليه في داره، وينظرُ إلى وجهه بكرةً وعشيًّا؟! والنبيُّ ﷺ في أول أمره لمَّا جاءه الملَك فقال له: اقرأ، فقال: «ما أنا بقاراء» (١)، وفي آخر أمره يقولُ الله له (٢): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، ويقولُ له خاصَّة: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ويحكى أنَّ جماعةً من النصارى تحدَّثوا بينهم، فقال قائلٌ منهم: ما أقلَّ عقولَ المسلمين! يزعمونَ أنَّ نبيَّهم كان راعي الغنم، فكيف يصلُح راعي الغنم للنبوَّة؟! فقال له آخرُ من بينهم: أمَّا هم فوالله أعقلُ منَّا؛ فإنَّ الله بحكمته يسترعي النبيَّ الحيوانَ البهيم، فإذا أحسنَ رعايتَه والقيامَ عليه نقله منه إلى رعاية الحيوان الناطق؛ حكمةً من الله وتدريجًا لعبده (٣)، ولكن نحن جئنا إلى مولودٍ خرج من امرأة، يأكلُ ويشربُ ويبولُ ويبكي، فقلنا: هذا إلهنا الذي خلقَ السموات والأرض! فأمسكَ القومُ عنه. فكيف يَحْسُنُ بذي همَّةٍ قد أزاحَ اللهُ عنه عِلَلَه، وعرَّفَه السعادةَ والشقاوة، أن يرضى بأن يكون حيوانًا وقد أمكنه أن يصير إنسانًا، وبأن يكون إنسانًا وقد أمكنه أن يصير مَلَكًا (٤) في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، فتقومُ

стр. 405

الملائكةُ بخدمته، وتدخلُ عليهم من كلِّ باب، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾؟! (١). وهذا الكمالُ إنما ينالُ بالعلم ورعايته، والقيام بمُوجَبه؛ فعادَ الأمرُ إلى العلم وثمرته، والله الموفِّق. وأعظمُ النقص وأشدُّ الحسرة: نقصُ القادر على التمام، وحسرتُه على تفويته، كما قال بعض السلف: «إذا كَثُرَت طرقُ الخير كان الخارجُ منها (٢) أشدَّ حسرة» (٣). وصدق القائل (٤): ولم أرَ في عيوب الناسِ عيبًا ... كنقصِ القادرينَ على التمام فثبت أنه لا شيء أقبحُ بالإنسان من أن يكون غافلًا عن الفضائل الدينية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهَمَج الرَّعاع الذين يُكدِّرون الماءَ ويُغْلُون الأسعار، إنْ عاشَ عاشَ غيرَ حَمِيد، وإن مات مات غيرَ فَقِيد، ففقدُهم راحةٌ للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحشُ لهم الغبراء. الوجه السابع والثمانون: أنَّ القلبَ يعترضُه مرضان يتواردان عليه، إذا

стр. 406

استحكما فيه كان هلاكُه وموتُه، وهما: مرض الشهوات، ومرض الشبهات؛ وهذان أصلُ داء الخلق إلا من عافاه الله. وقد ذكرَ اللهُ تعالى هذين المرضَيْن في كتابه: * أمَّا مرض الشبهات، وهو أصعبُهما وأقتلُهما للقلب، ففي قوله تعالى في حقِّ المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدَّثر: ٣١]، وقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣]. فهذه ثلاثةُ مواضع، المرادُ بمرض القلب فيها مرضُ الجهل والشُّبهة. * وأمَّا مرض الشهوة، ففي قوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، أي: لا تَلِنَّ بالكلام فيطمعَ الذي في قلبه فجورٌ وزنا. قالوا: والمرأةُ ينبغي لها إذا خاطبت الأجانبَ أن تُغْلِظَ كلامَها وتقوِّيه ولا تُليِّنه وتكسِّره؛ فإنَّ ذلك أبعدُ من الرِّيبة والطمع فيها. وللقلب أمراضٌ أُخر من: الرِّياء، والكِبْر، والعُجْب، والحسد، والفخر، والخُيلاء، وحبِّ الرِّياسة والعلوِّ في الأرض. وهذا المرض (١) مركَّبٌ من مرض الشبهة والشهوة؛ فإنه لا بدَّ فيه من تخيُّلٍ فاسد، وإرادةٍ باطلة، كالعُجْب والفخر والخيلاء والكِبْر المركَّب من

стр. 407

تخيُّل عظمته وفضله وإرادة تعظيم الخلق له ومَحْمَدَتِهم (١). فلا يخرجُ مرضه عن شهوةٍ، أو شبهةٍ، أو مركَّبٍ منهما. وهذه الأمراضُ كلُّها متولِّدةٌ عن الجهل، ودواؤها العلم، كما قال النبيُّ ﷺ في حديث صاحب الشَّجَّة الذي أفتوه بالغسل، فمات: «قتَلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟! إنما شفاءُ العِيِّ السؤال» (٢)؛ فجعلَ العِيَّ ــ وهو عِيُّ القلب عن العلم، واللسان عن النطق به ــ مرضًا، وشفاؤه سؤالُ العلماء. فأمراضُ القلوب أصعبُ من أمراض الأبدان؛ لأنَّ غايةَ مرض البدن أن يُفْضِي بصاحبه إلى الموت، وأمَّا مرضُ القلب فيُفْضِي بصاحبه إلى الشقاء الأبديِّ، ولا شفاءَ لهذا المرض إلا بالعلم. ولهذا سمَّى اللهُ تعالى كتابَه شفاءً لأمراض الصدور، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. ولهذا السبب نسبةُ العلماء إلى القلوب كنسبة الأطبَّاء إلى الأبدان، وما

стр. 408

يقالُ للعلماء: «أطبَّاءُ القلوب» (١) فهو لقَدْرٍ ما جامعٍ بينهما، وإلا فالأمرُ أعظمُ من ذلك؛ فإنَّ كثيرًا من الأمم يستغنون عن الأطبَّاء، ولا يوجدُ الأطبَّاء إلا في اليسير من البلاد، وقد يعيشُ الرجلُ عمره أو برهةً منه لا يحتاجُ إلى طبيب، وأما العلماءُ بالله وأمره فهم حياةُ الوجود وروحُه، ولا يستغنى عنهم طرفةَ عين. فحاجةُ القلب إلى العلم ليست كالحاجة إلى التنفُّس في الهواء، بل أعظَم. وبالجملة؛ فالعلمُ للقلب مثلُ الماء للسَّمك، إذا فقده مات، فنسبةُ العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين إليها، وكنسبة سمع الأذن إليها، وكنسبة كلام اللِّسان إليه؛ فإذا عَدِمَه كان كالعين العمياء، والأذن الصَّمَّاء، واللِّسان الأخرس. ولهذا يصفُ سبحانه أهلَ الجهل بالعمى والصَّمَم والبَكَم، وذلك صفةُ قلوبهم، فَقَدَت العلمَ النافعَ فبَقِيَت على عماها وصَمَمها وبَكَمِها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، والمراد: عمى القلب في الدنيا، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧]؛ لأنهم هكذا كانوا في الدنيا، والعبدُ يُبْعَثُ على ما مات عليه. واختُلِفَ في هذا العمى في الآخرة (٢).

стр. 409

فقيل: هو عمى البصيرة؛ بدليل إخباره تعالى عن رؤية الكفار ما في القيامة ورؤية الملائكة ورؤية النار. وقيل: هو عمى البصر؛ ورُجِّحَ هذا بأنَّ الإطلاقَ ينصرفُ إليه، وبقوله ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥]، وهذا عمى العين؛ فإنَّ الكافرَ لم يكن بصيرًا بحجَّته. وأجاب هؤلاء عن رؤية الكفَّار في القيامة بأنَّ الله يخرجهم من قبورهم إلى موقف القيامة بُصَرَاء، ويُحْشَرون من الموقف إلى النار عُمْيًا. قاله الفرَّاءُ وغيره (١). الوجه الثامن والثمانون: أنَّ الله سبحانه بحكمته سَلَّط على العبد عدوًّا عالمًا بطرق هلاكه وأسباب الشرِّ الذي يلقيه فيه، متفنِّنًا فيها، خبيرًا بها، حريصًا عليها، لا يَفْتُرُ عنه يقظةً ولا منامًا، ولا بدَّ له من واحدةٍ من ستٍّ ينالها منه (٢): * أحدُها (٣) ــ وهي غايةُ مراده منه ــ: أن يحُول بينه وبين العلم والإيمان، فيلقيه في الكفر. فإذا ظفر بذلك فرغ منه واستراح. * فإن فاتته هذه وهُدِيَ للإسلام حرصَ على تِلْو الكفر، وهي البدعة، وهي أحبُّ إليه من المعصية؛ فإنَّ المعصية يُتابُ منها والبدعةُ لا يُتابُ منها؛ لأنَّ صاحبها يرى أنه على هدى.

стр. 410

وفي بعض الآثار: «يقولُ إبليس: أهلكتُ بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلمَّا رأيتُ ذلك بثثتُ فيهم الأهواء فهم يُذْنِبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا» (١). فإذا ظفر منه بهذه صَيَّره من دعاته وأمرائه. * فإن أعجزَته ألقاه في الثالثة، وهي الكبائر. * فإن أعجزَته ألقاه في اللَّمَم، وهي الرابعة، وهي الصغائر. * فإن أعجزَته شَغَله بالعمل المفضول عما هو أفضلُ منه، ليَرْبَح عليه الفضلَ الذي بينهما؛ وهي الخامسة. * فإن أعجزه ذلك صار إلى السادسة، وهي تسليطُ حزبه عليه يؤذونه ويشتمونه ويَبْهَتونه ويرمونه بالعظائم؛ ليَحْزُنَه ويشغلَ قلبه عن العلم والإرادة وسائر أعماله. فكيف يمكنُ أن يحترز منه من لا علم له بهذه الأمور، ولا بعدوِّه، ولا بما يحصِّنُه منه؟! فإنه لا ينجو من عدوِّه إلا من عرفه وعرفَ طرقَه التي يأتيه منها وجيشَه الذي يستعينُ به عليه، وعرفَ مداخلَه ومخارجَه، وكيفيَّةَ محاربته، وبأيِّ شيءٍ يحاربه، وبماذا يداوي جِراحتَه (٢)، وبأيِّ شيءٍ يستمدُّ

стр. 411

القوةَ لقتاله ودفعه. وهذا كلُّه لا يحصلُ إلا بالعلم. فالجاهلُ في غفلةٍ وعمًى عن هذا الأمر العظيم والخَطب الجسيم. ولهذا جاء ذكرُ هذا العدوِّ وشأنه وجنوده ومكايده في القرآن كثيرًا جدًّا؛ لحاجة النفوس إلى معرفة عدوِّها، وطرق محاربته ومجاهدته، فلولا العلمُ يكشفُ عن هذا لما نجا من نجا منه؛ فالعلمُ وثمرتُه (١) هو الذي تحصلُ به النجاة منه. الوجه التاسع والثمانون: أنَّ أعظمَ الأسباب التي يُحْرَمُ بها العبدُ خيرَ الدنيا والآخرة ولذَّة النعيم في الدَّارين، ويدخلُ عليه عدوُّه منها، هو: * الغفلةُ المضادَّة للعلم. * والكسلُ المضادُّ للإرادة والعزيمة. هذان أصلُ بلاء العبد وحِرْمانه منازلَ السُّعداء، وهما من عدم العلم. * أمَّا الغفلة، فمضادَّةٌ للعلم منافيةٌ له. وقد ذمَّ سبحانه أهلها، ونهى عن الكَوْن منهم (٢)، وعن طاعتهم والقبول منهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].

стр. 412

وقال النبيُّ ﷺ في وصيَّته لنساء المؤمنين: «ولا تَغْفُلْنَ فتَنْسَيْنَ الرَّحمة» (١). وسئل بعضُ العلماء عن عشق الصُّوَر، فقال: «قلوبٌ غَفَلت عن ذكر الله، فابتلاها بعبوديَّة غيره» (٢). فالقلبُ الغافلُ مأوى الشيطان؛ فإنه وسواسٌ خنَّاس، قد التقمَ قلبَ الغافل (٣) يقرأ عليه أنواعَ الوساوس والخيالات الباطلة، فإذا تذكَّر وذكر اللهَ انجَمَع (٤) وانضمَّ وخَنَسَ وتضاءلَ لذكر الله، فهو دائمًا بين الوسوسة والخَنْس. وقال عروةُ بن رُوَيْم: «إنَّ المسيحَ ﵇ سأل ربَّه أن يُرِيَه موضعَ الشيطان من ابن آدم، فجلَّى له، فإذا رأسُه رأسُ الحَيَّة، واضعٌ رأسَه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبدُ ربَّه خَنَس، وإذا لم يذكر وَضَع رأسَه على ثمرة قلبه فمَنَّاه وحَدَّثه» (٥).

стр. 413

وقد روي في هذا المعنى حديثٌ مرفوع (١). فهو دائمًا يترقَّبُ غفلةَ العبد، فيبذُر في قلبه بذرَ الأماني والشهوات والخيالات الباطلة، فيثمرُ كلَّ حنظلةٍ وكلَّ شوكٍ وكلَّ بلاء، ولا يزالُ يمدُّه بسَقْيِه حتى يغطِّي القلبَ ويُعْمِيه. * وأمَّا الكسل، فيتولَّد عنه الإضاعةُ والتفريطُ والحرمانُ وأشدُّ الندامة وهو منافٍ للإرادة والعزيمة التي هي ثمرةُ العلم؛ فإنَّ من علمَ أنَّ كمالَه ونعيمَه في شيءٍ طلبه بجهده وعزم عليه بقلبه كلِّه، فإنَّ كلَّ أحدٍ يسعى في تكميل نفسه ولذَّته، ولكنَّ أكثرهم أخطأ الطَّريق لعدم علمه بما ينبغي أن يطلبه. فالإرادةُ مسبوقةٌ بالعلم والتصوُّر، فتخلُّفها في الغالب إنما يكونُ لتخلُّف العلم والإدراك، وإلا فمع العلم التامِّ بأنَّ سعادة العبد في هذا المَطْلب ونجاتَه وفوزَه كيف يلحقُه كسلٌ في النهوض إليه؟! ولهذا استعاذ النبيُّ ﷺ من الكسل؛ ففي «الصحيح» (٢) عنه أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحَزَن، والعجز والكسل، والجُبْن والبخل، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال».

стр. 414

فاستعاذ من ثمانية أشياء (١)، كلُّ شيئين منها قرينان: * فالهمُّ والحزنُ قرينان. والفرقُ بينهما: أنَّ المكروه الوارد على القلب إمَّا أن يكون على ما مضى أو لما يُسْتَقْبَل؛ فالأول هو الحزن، والثاني الهمُّ. وإن شئتَ قلتَ: الحزنُ على المكروه الذي فات ولا يُتَوقَّعُ دفعُه، والهمُّ على المكروه المنتَظَر الذي يُتَوقَّعُ دفعُه. فتأمَّلْه. * والعجزُ والكسلُ قرينان. فإنَّ تخلُّف مصلحة العبد وكماله ولذَّته وسروره عنه، إمَّا أن يكون مصدرُه عدمَ القدرة، فهو العجز، أو يكون قادرًا عليه لكن تخلَّف لعدم إرادته، فهو الكسل، وصاحبُه يلامُ عليه ما لا يلامُ على العجز. وقد يكونُ العجزُ ثمرةَ الكسل، فيلامُ عليه أيضًا؛ فكثيرًا ما يكسلُ المرءُ عن الشيء الذي هو قادرٌ عليه، وتَضْعُفُ عنه إرادتُه؛ فيفضي به إلى العجز عنه. وهذا هو العجزُ الذي يلومُ اللهُ عليه في قول النبيِّ ﷺ : «إنَّ الله يلومُ على العجز» (٢)، وإلا فالعجزُ الذي لم تُخْلَق له قدرةٌ على دفعه ولا يدخلُ

стр. 415

مَعْجُوزُه تحت القدرة لا يلامُ عليه. قال بعض الحكماء في وصيَّته: «إياك والكسلَ والضَّجر؛ فإنَّ الكسلَ لا ينهض لمَكْرُمَة، والضجرُ إذا نهض إليها لا يصبرُ عليها» (١). والضَّجرُ متولِّدٌ عن الكسل والعجز، فلم يُفْرِده في الحديث بلفظ. * ثمَّ ذكر الجُبْنَ والبخل. فإنَّ الإحسانَ المتوقَّعَ من العبد إمَّا بماله وإمَّا ببدنه، فالبخيلُ مانعٌ لنفع ماله، والجبانُ مانعٌ لنفع بدنه. والمشهورُ عند الناس أنَّ البخلَ يستلزم الجُبْنَ، من غير عكس؛ لأنَّ من بَخِلَ بماله فهو بنفسه أبخَل، والشجاعةُ تستلزمُ الكرم، من غير عكس؛ لأنَّ من جاد بنفسه فهو بماله أسمَحُ وأجوَد. وهذا الذي قالوه ليس بلازمٍ وإن كان أكثريًّا؛ فإنَّ الشجاعةَ والكرمَ وأضدادها أخلاقٌ وغرائزُ قد تجتمعُ في الرجل، وقد يعطى بعضَها دون بعض (٢). وقد شاهدَ الناسُ من أهل الإقدام والشجاعة والبأس من هو أبخلُ الناس، وهذا كثيرًا ما يوجدُ في أمَّة التُّرك؛ يكونُ أشجعَ من لَيْثٍ وأبخلَ من كلب (٣). فالرجلُ قد يسمحُ بنفسه ويَضِنُّ بماله، ولهذا يقاتِلُ عليه حتى يُقْتَل،

стр. 416

فيبذُل نفسَه (١) دونه. فمن الناس من يسمحُ بنفسه وماله، ومنهم من يبخلُ بنفسه وماله، ومنهم من يسمحُ بماله ويبخلُ بنفسه، وعكسُه. والأقسامُ الأربعةُ موجودةٌ في الناس. * ثمَّ ذكر ضِلَعَ الدَّين وغلبةَ الرجال. فإنَّ القهرَ الذي ينالُ العبدَ نوعان: أحدهما: قهرٌ بحقٍّ؛ وهو ضِلَعُ الدَّين. والثاني: قهرٌ بباطل؛ وهو غلبةُ الرجال. فصلواتُ الله وسلامُه على من أوتيَ جوامعَ الكلم، واقتُبِسَت كنوزُ العلم والحكمة من ألفاظه. والمقصودُ أنَّ الغفلةَ والكسلَ ــ اللذَين هما أصلُ الحرمان ــ سببهما عدمُ العلم؛ فعاد النقصُ كلُّه إلى عدم العلم والعزيمة، والكمالُ كلُّه إلى العلم والعزيمة. والناسُ في هذا على أربعةِ أضرُب: الضربُ الأول: من رُزِقَ علمًا، وأُعِينَ مع ذلك (٢) بقوَّة العزيمة على العمل به؛ وهذا الضربُ هم خلاصةُ الخلق، وهم الموصوفون في القرآن بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، وبقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي

стр. 417

النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ فبالحياة نالَ العزيمة، وبالنُّور نالَ العلم. وأئمةُ هذا الضرب هم أولو العزم من الرسل. الضربُ الثاني: من حُرِمَ هذا وهذا؛ وهم الموصوفون بقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، وبقوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وبقوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم: ٥٢]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. وهذا الضربُ شرُّ البريَّة، يضيِّقون الدِّيار، ويُغْلُون الأسعار. وعند أنفسهم أنهم يعلمون، ولكنْ ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. ويتعلَّمون، ولكنْ ما يضرُّهم ولا ينفعهم. وينطقون، ولكنْ عن الهوى ينطقون. ويتكلَّمون، ولكنْ بالجهل يتكلَّمون. ويؤمنون، ولكنْ بالجِبْت والطاغوت يؤمنون. ويعبدون، ولكنْ يعبدون من دون الله ما لا يضرُّهم ولا ينفعهم. ويجادِلون، ولكنْ بالباطل ليدحضوا به الحقَّ. ويتفكرون ويبيِّتون (١)، ولكنْ ما لا يرضى من القول يبيِّتون.

стр. 418

ويَدْعُون، ولكن مع الله إلهًا آخر يَدْعُون. ويَذْكُرون، ولكن إذا ذُكِّروا لا يَذْكُرون. ويصلُّون، ولكنهم من المصلِّين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون، ويمنعون الماعون. ويَحْكمون، ولكن حُكْمَ الجاهلية يبغون. ويكتبون، ولكن يكتبونَ الكتابَ بأيديهم، ثمَّ يقولون: هذا من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون. ويقولون: إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس، قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء؟! ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون! (١). فهذا الضربُ ناسٌ بالصُّورة وشياطينُ بالحقيقة (٢). وجُلُّهمُ إذا فَكَّرْتَ فيهم ... حميرٌ أو كلابٌ أو ذئابُ (٣) وصدق البحتريُّ في قوله (٤): لم يبقَ من جُلِّ هذا الناس باقيةٌ ... ينالُها الوَهْمُ إلا هذه الصُّوَرُ

стр. 419

وقال آخر (١): لا تَخْدَعنْكَ اللِّحى ولا الصُّوَرُ ... تِسْعةُ أعشارِ من ترى بَقَرُ في شجَرِ السَّرْوِ منهمُ مَثَلٌ ... لها رُواءٌ وما لها ثَمَرُ وأحسنُ من هذا كلِّه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]. عالِمُهم كما قيل فيه: زَوامِلُ للأسْفارِ (٢) لا علمَ عندهم ... بجيِّدها إلا كعِلْمِ الأباعرِ لعَمرُك ما يدري البعيرُ إذا غدا ... بأوْسَاقِه أو راحَ ما في الغَرائرِ (٣) وأحسنُ من هذا وأبلغُ وأوجزُ وأفصحُ قولُه تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].

стр. 420

الضربُ الثالث: من فُتِحَ له بابُ العلم وأُغلِقَ عنه بابُ العزم والعمل؛ فهذا في رتبة الجاهل أو شرٌّ منه. وفي الحديث المرفوع: «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه اللهُ بعلمه» (١)، ثبَّته أبو نعيمٍ وغيرُه. فهذا جهلُه كان خيرًا له وأخفَّ لعذابه من علمه، فما زاده العلمُ إلا وبالًا وعذابًا، ومع هذا (٢) لا مطمعَ في صلاحه، فإنَّ التائه عن الطريق يُرجى له العَوْدُ إليها إذا أبصرها، فإذا عرفها وحاد عنها عمدًا فمتى تُرجى هدايته؟! قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]. الضربُ الرابع: من رُزِقَ حظًّا من العزيمة والإرادة، ولكن قلَّ نصيبُه من العلم والمعرفة؛ فهذا إذا وُفِّق له الاقتداءُ بداعٍ من دعاة الله ورسوله كان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].

стр. 421

رزقنا الله من فضله، ولا حَرَمنا بسوء أعمالنا، إنه غفورٌ رحيم. الوجه التسعون: أنَّ كلَّ صفةٍ مدحَ الله بها العبدَ في القرآن فهي ثمرةُ العلم ونتيجتُه ، وكلَّ ذمٍّ ذمَّه فهو ثمرةُ الجهل ونتيجتُه. فمدَحه بالإيمان وهو رأسُ العلم ولُبُّه، ومدَحه بالعمل الصالح الذي هو ثمرةُ العلم النافع، ومدَحه بالشكر، والصبر، والمسارعة في الخيرات، والحبِّ له، والخوف منه، والرجاء، والإنابة، والحِلْم، والوقار، واللُّبِّ، والعقل، والعفَّة، والكرم، والإيثار على النفس، والنصيحة لعباده، والرحمة بهم، والرأفة، وخفض الجناح، والعفو عن مسيئهم، والصَّفح عن جانِيهم (١)، وبذل الإحسان لكافَّتهم، ودفع السيئة بالحسنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر في مواطن الصبر، والرضا بالقضاء، واللِّين للأولياء، والشِّدَّة على الأعداء، والصدق في الوعد، والوفاء بالعهد، والإعراض عن الجاهلين، والقبول من الناصحين، واليقين، والتوكُّل، والطمأنينة، والسَّكينة، والتواصل، والتعاطف، والعدل في الأقوال والأفعال والأخلاق، والقوَّة في أمره، والبصيرة في دينه، والقيام بأداء حقِّه، واستخراجه من المانعين له، والدعوة إليه وإلى مرضاته وجنَّته، والتحذير عن سُبل (٢) أهل الضلال، وتبيين طرق الغيِّ وحال سالكيها، والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، والحضِّ على طعام المسكين، وبرِّ الوالدين، وصِلَة الأرحام، وبَذْل السلام لكافَّة المؤمنين، إلى سائر الأخلاق المحمودة، والأفعال المَرْضِيَّة، التي أقسمَ اللهُ سبحانه على عِظَمِها، فقال

стр. 422

تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤]. وقالت عائشة ﵂، وقد سئلت عن خُلق الرسول ﷺ ، فقالت: «كان خُلقُه القرآن»، فاكتفى بذلك السائل، وقال: «فهممتُ أن أقومَ ولا أسأل عن شيءٍ بعدها» (١). فهذه الأخلاقُ ونحوها هي ثمرةُ شجرة العلم. أمَّا شجرةُ الجهل، فتثمرُ كلَّ ثمرةٍ قبيحة، من الكفر، والفساد، والشرك، والظُّلم، والبغي، والعدوان، والجَزَع، والهَلَع، والكُنود، والعجلة، والطَّيْش، والحِدَّة، والفُحْش، والبَذاء، والشُّحِّ، والبخل. ولهذا قيل في حدِّ البخل: «جهلٌ مقرونٌ بسوء الظَّنِّ» (٢). ومن ثمرته: الغشُّ للخلق، والكِبْرُ عليهم، والفخر، والخيلاء، والعُجْب، والرياء، والسُّمعةُ، والنفاق، والكذب، وإخلاف الوعد، والغِلْظة على الناس، والانتقام، ومقابلةُ الحسنة بالسيئة، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وترك القبول من الناصحين، وحبُّ غير الله ورجاؤه والتوكُّل عليه وإيثار رضاه على رضا الله وتقديم أمره على أمر الله، والتماوتُ عند حقِّ الله، والوثوبُ عند حقِّ نفسه والغضبُ لها والانتصارُ لها؛ فإذا انتُهِكَت حقوقُ نفسه لم يقُم لغضبه شيءٌ حتى ينتقمَ بأكثر من حقِّه، وإذا انتُهِكَت محارمُ الله

стр. 423

لم يَنْبِض له عِرْقٌ غضبًا لله، فلا قوَّة في أمره ولا بصيرة في دينه. ومن ثمرتها: الدعوةُ إلى سبيل الشيطان، وإلى سلوك طريق الغيِّ (١) واتباع الهوى، وإيثار الشهوات على الطاعات، وقيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ووأدِ البنات، وعقوق الأمهات، وقطيعة الأرحام، وإساءة الجِوار، وركوب مراكب الخزي والعار. وبالجملة؛ فالخيرُ بمجموعه ثمارٌ تُجْتَنى من شجرة العلم، والشرُّ بمجموعه شوكٌ يُجْتَنى من شجرة الجهل، فلو ظهرت صورةُ العلم للأبصار لزاد حُسْنُها على صورة الشمس والقمر، ولو ظهرت صورةُ الجهل للأبصار لكان منظرُها أقبحَ منظر. بل كلُّ خيرٍ في العالم فهو من آثار العلم الذي جاءت به الرسلُ ومسبَّبٌ عنه، وكذلك كلُّ خيرٍ يكونُ إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة، وكلُّ شرٍّ وفسادٍ حصل في العالم ويحصلُ إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة فسببُه مخالفةُ ما جاءت به الرسلُ في العلم والعمل. ولو لم يكن للعلم أبٌ ومُرَبٍّ وسائسٌ ووزيرٌ إلا العقل الذي به عمارةُ الدَّارين، وهو الذي أرشدَ إلى طاعة الرسل، وسلَّمَ القلبَ والجوارحَ ونفسَه إليهم، وانقاد لحكمهم، وعَزَل نفسَه، وسلَّمَ الأمرَ إلى أهله= لكفى به شرفًا وفضلًا. وقد مدحَ الله سبحانه العقلَ وأهلَه في كتابه في مواضع كثيرةٍ منه، وذمَّ من لا عقلَ له، وأخبر أنهم أهلُ النار الذين لا سمع لهم ولا عقل، فهو آلةُ كلِّ علم وميزانُه الذي يُعْرَفُ به صحيحُه من سقيمه وراجحُه من مرجوحه،

стр. 424

والمرآةُ التي يُعْرَفُ بها الحسنُ من القبيح. وقد قيل: «العقلُ مَلِك، والبدنُ روحُه، وحواسُّه وأفعاله (١) وحركاتُه كلُّها رعيَّةٌ له؛ فإذا ضَعُفَ عن القيام عليها وتعهُّدها وصلَ الخللُ إليها كلِّها» (٢). ولهذا قيل: «من لم يكن عقلُه أغلبَ خصال الخير عليه كان حَتْفُه في أغلب خصال الشرِّ عليه» (٣). ورُوِي أنه لمَّا هبطَ آدمُ من الجنة أتاه جبريل، فقال: إنَّ الله أحْضَرَكَ العقلَ والدِّين والحياء لتختارَ واحدًا منها؛ فقال: أخذتُ العقل (٤)، فقال الدِّينُ والحياء: أُمِرنا أن لا نفارق العقلَ حيثُ كان. فانحازا إليه (٥). والعقلُ عقلان: * عقلٌ غريزيٌّ (٦)؛ وهو أبُ العلم ومربِّيه ومُثْمِرُه.

стр. 425

* وعقلٌ مُكتَسبٌ مستفاد؛ وهو ولدُ العلم وثمرتُه ونتيجتُه. فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، واستقامَ له أمرُه، وأقبلت عليه جيوشُ السعادة من كلِّ جانب، وإذا فقدهما فالحيوانُ البهيمُ أحسنُ حالًا منه، وإذا انفردا نقصَ الرجلُ بنقصان أحدهما. ومن الناس من يرجِّحُ صاحبَ العقل الغريزيِّ، ومنهم من يرجِّحُ صاحبَ العقل المكتَسب. والتحقيقُ أنَّ صاحبَ العقل الغريزيِّ الذي لا علم ولا تجربة عنده آفتُه التي يؤتى منها الإحجامُ وترك انتهاز الفرصة؛ لأنَّ عقلَه يَعْقِلُه عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها، وصاحبُ العقل المكتَسب المستفاد يؤتى من الإقدام؛ فإنَّ علمَه بالفُرص وطرقها يلقيه على المبادرة إليها، وعقلُه الغريزيُّ لا يطيقُ ردَّه عنها؛ فهو غالبًا يؤتى من إقدامه؛ والأولُ من إحجامه. فإذا رُزِقَ العقلُ الغريزيُّ عقلًا إيمانيًّا مستفادًا من مشكاة النبوَّة (١)، لا عقلًا معيشيًّا نِفاقيًّا يظنُّ أربابُه أنهم على شيء، ألا إنهم هم الكاذبون، فإنهم يرون العقلَ أنْ يُرْضُوا الناسَ على طبقاتهم، ويسالِمُوهم، ويستجلبون (٢) مودَّتهم ومحبَّتهم. وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثارٌ للراحة والدَّعة على مُؤْنة (٣) الأذى في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه، وهو وإن كان أسلمَ في العاجلة فهو
следующие страницы →