← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

رزقنا الله من فضله، ولا حَرَمنا بسوء أعمالنا، إنه غفورٌ رحيم. الوجه التسعون: أنَّ كلَّ صفةٍ مدحَ الله بها العبدَ في القرآن فهي ثمرةُ العلم ونتيجتُه ، وكلَّ ذمٍّ ذمَّه فهو ثمرةُ الجهل ونتيجتُه. فمدَحه بالإيمان وهو رأسُ العلم ولُبُّه، ومدَحه بالعمل الصالح الذي هو ثمرةُ العلم النافع، ومدَحه بالشكر، والصبر، والمسارعة في الخيرات، والحبِّ له، والخوف منه، والرجاء، والإنابة، والحِلْم، والوقار، واللُّبِّ، والعقل، والعفَّة، والكرم، والإيثار على النفس، والنصيحة لعباده، والرحمة بهم، والرأفة، وخفض الجناح، والعفو عن مسيئهم، والصَّفح عن جانِيهم (١)، وبذل الإحسان لكافَّتهم، ودفع السيئة بالحسنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر في مواطن الصبر، والرضا بالقضاء، واللِّين للأولياء، والشِّدَّة على الأعداء، والصدق في الوعد، والوفاء بالعهد، والإعراض عن الجاهلين، والقبول من الناصحين، واليقين، والتوكُّل، والطمأنينة، والسَّكينة، والتواصل، والتعاطف، والعدل في الأقوال والأفعال والأخلاق، والقوَّة في أمره، والبصيرة في دينه، والقيام بأداء حقِّه، واستخراجه من المانعين له، والدعوة إليه وإلى مرضاته وجنَّته، والتحذير عن سُبل (٢) أهل الضلال، وتبيين طرق الغيِّ وحال سالكيها، والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، والحضِّ على طعام المسكين، وبرِّ الوالدين، وصِلَة الأرحام، وبَذْل السلام لكافَّة المؤمنين، إلى سائر الأخلاق المحمودة، والأفعال المَرْضِيَّة، التي أقسمَ اللهُ سبحانه على عِظَمِها، فقال

стр. 422

تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤]. وقالت عائشة ﵂، وقد سئلت عن خُلق الرسول ﷺ ، فقالت: «كان خُلقُه القرآن»، فاكتفى بذلك السائل، وقال: «فهممتُ أن أقومَ ولا أسأل عن شيءٍ بعدها» (١). فهذه الأخلاقُ ونحوها هي ثمرةُ شجرة العلم. أمَّا شجرةُ الجهل، فتثمرُ كلَّ ثمرةٍ قبيحة، من الكفر، والفساد، والشرك، والظُّلم، والبغي، والعدوان، والجَزَع، والهَلَع، والكُنود، والعجلة، والطَّيْش، والحِدَّة، والفُحْش، والبَذاء، والشُّحِّ، والبخل. ولهذا قيل في حدِّ البخل: «جهلٌ مقرونٌ بسوء الظَّنِّ» (٢). ومن ثمرته: الغشُّ للخلق، والكِبْرُ عليهم، والفخر، والخيلاء، والعُجْب، والرياء، والسُّمعةُ، والنفاق، والكذب، وإخلاف الوعد، والغِلْظة على الناس، والانتقام، ومقابلةُ الحسنة بالسيئة، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وترك القبول من الناصحين، وحبُّ غير الله ورجاؤه والتوكُّل عليه وإيثار رضاه على رضا الله وتقديم أمره على أمر الله، والتماوتُ عند حقِّ الله، والوثوبُ عند حقِّ نفسه والغضبُ لها والانتصارُ لها؛ فإذا انتُهِكَت حقوقُ نفسه لم يقُم لغضبه شيءٌ حتى ينتقمَ بأكثر من حقِّه، وإذا انتُهِكَت محارمُ الله

стр. 423

لم يَنْبِض له عِرْقٌ غضبًا لله، فلا قوَّة في أمره ولا بصيرة في دينه. ومن ثمرتها: الدعوةُ إلى سبيل الشيطان، وإلى سلوك طريق الغيِّ (١) واتباع الهوى، وإيثار الشهوات على الطاعات، وقيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ووأدِ البنات، وعقوق الأمهات، وقطيعة الأرحام، وإساءة الجِوار، وركوب مراكب الخزي والعار. وبالجملة؛ فالخيرُ بمجموعه ثمارٌ تُجْتَنى من شجرة العلم، والشرُّ بمجموعه شوكٌ يُجْتَنى من شجرة الجهل، فلو ظهرت صورةُ العلم للأبصار لزاد حُسْنُها على صورة الشمس والقمر، ولو ظهرت صورةُ الجهل للأبصار لكان منظرُها أقبحَ منظر. بل كلُّ خيرٍ في العالم فهو من آثار العلم الذي جاءت به الرسلُ ومسبَّبٌ عنه، وكذلك كلُّ خيرٍ يكونُ إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة، وكلُّ شرٍّ وفسادٍ حصل في العالم ويحصلُ إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة فسببُه مخالفةُ ما جاءت به الرسلُ في العلم والعمل. ولو لم يكن للعلم أبٌ ومُرَبٍّ وسائسٌ ووزيرٌ إلا العقل الذي به عمارةُ الدَّارين، وهو الذي أرشدَ إلى طاعة الرسل، وسلَّمَ القلبَ والجوارحَ ونفسَه إليهم، وانقاد لحكمهم، وعَزَل نفسَه، وسلَّمَ الأمرَ إلى أهله= لكفى به شرفًا وفضلًا. وقد مدحَ الله سبحانه العقلَ وأهلَه في كتابه في مواضع كثيرةٍ منه، وذمَّ من لا عقلَ له، وأخبر أنهم أهلُ النار الذين لا سمع لهم ولا عقل، فهو آلةُ كلِّ علم وميزانُه الذي يُعْرَفُ به صحيحُه من سقيمه وراجحُه من مرجوحه،

стр. 424

والمرآةُ التي يُعْرَفُ بها الحسنُ من القبيح. وقد قيل: «العقلُ مَلِك، والبدنُ روحُه، وحواسُّه وأفعاله (١) وحركاتُه كلُّها رعيَّةٌ له؛ فإذا ضَعُفَ عن القيام عليها وتعهُّدها وصلَ الخللُ إليها كلِّها» (٢). ولهذا قيل: «من لم يكن عقلُه أغلبَ خصال الخير عليه كان حَتْفُه في أغلب خصال الشرِّ عليه» (٣). ورُوِي أنه لمَّا هبطَ آدمُ من الجنة أتاه جبريل، فقال: إنَّ الله أحْضَرَكَ العقلَ والدِّين والحياء لتختارَ واحدًا منها؛ فقال: أخذتُ العقل (٤)، فقال الدِّينُ والحياء: أُمِرنا أن لا نفارق العقلَ حيثُ كان. فانحازا إليه (٥). والعقلُ عقلان: * عقلٌ غريزيٌّ (٦)؛ وهو أبُ العلم ومربِّيه ومُثْمِرُه.

стр. 425

* وعقلٌ مُكتَسبٌ مستفاد؛ وهو ولدُ العلم وثمرتُه ونتيجتُه. فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، واستقامَ له أمرُه، وأقبلت عليه جيوشُ السعادة من كلِّ جانب، وإذا فقدهما فالحيوانُ البهيمُ أحسنُ حالًا منه، وإذا انفردا نقصَ الرجلُ بنقصان أحدهما. ومن الناس من يرجِّحُ صاحبَ العقل الغريزيِّ، ومنهم من يرجِّحُ صاحبَ العقل المكتَسب. والتحقيقُ أنَّ صاحبَ العقل الغريزيِّ الذي لا علم ولا تجربة عنده آفتُه التي يؤتى منها الإحجامُ وترك انتهاز الفرصة؛ لأنَّ عقلَه يَعْقِلُه عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها، وصاحبُ العقل المكتَسب المستفاد يؤتى من الإقدام؛ فإنَّ علمَه بالفُرص وطرقها يلقيه على المبادرة إليها، وعقلُه الغريزيُّ لا يطيقُ ردَّه عنها؛ فهو غالبًا يؤتى من إقدامه؛ والأولُ من إحجامه. فإذا رُزِقَ العقلُ الغريزيُّ عقلًا إيمانيًّا مستفادًا من مشكاة النبوَّة (١)، لا عقلًا معيشيًّا نِفاقيًّا يظنُّ أربابُه أنهم على شيء، ألا إنهم هم الكاذبون، فإنهم يرون العقلَ أنْ يُرْضُوا الناسَ على طبقاتهم، ويسالِمُوهم، ويستجلبون (٢) مودَّتهم ومحبَّتهم. وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثارٌ للراحة والدَّعة على مُؤْنة (٣) الأذى في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه، وهو وإن كان أسلمَ في العاجلة فهو

стр. 426

الهُلْكُ في الآجلة، فإنه ما ذاق طعمَ الإيمان من لم يوالِ في الله ويعادِ فيه؛ فالعقلُ كلُّ العقل ما أوصلَ إلى رضا الله ورسوله. والله الموفِّقُ المعِين. وفي حديثٍ مرفوعٍ ذكره ابن عبد البرِّ وغيرُه: «أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل: قل لفلانٍ العابد: أمَّا زهدُك في الدنيا فقد تعجَّلتَ به الراحة، وأمَّا انقطاعُك إليَّ فقد اكتسبتَ به العزَّ، فما عملتَ فيما لي عليك؟ قال: وما لك علي؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا أو عاديتَ فيَّ عدوًّا؟» (١). وذُكِر أيضًا: «أنه أوحى الله إلى جبريل: أن اخسِف بقرية كذا وكذا، قال: يا ربِّ إنَّ فيهم فلانًا العابد. قال: به فابدأ، إنه لم يتمعَّر وجهُه فيَّ يومًا قطُّ» (٢).

стр. 427

الوجه الحادي والتسعون: حديث ابن عمر عن النبيِّ ﷺ : «إذا مررتُم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: يا رسول الله، وما رياضُ الجنة؟ قال: «حِلَقُ الذِّكر؛ فإنَّ لله سيَّاراتٍ من الملائكة يطلبونَ حِلَقَ الذِّكر، فإذا أتوا عليهم حَفُّوا بهم» (١). قال عطاء: «مجالسُ الذِّكر: مجالسُ الحلال والحرام؛ كيف تشتري (٢) وتبيع وتصومُ وتصلِّي وتتصدَّق وتنكح وتطلِّق وتحجُّ». ذكره الخطيبُ في كتاب «الفقيه والمتفقِّه» (٣)، وقد تقدَّم بيانُه. الوجه الثاني والتسعون: ما رواه أيضًا عن ابن عمر يرفعُه: «مجلسُ فقهٍ خيرٌ من عبادة ستِّين سنة» (٤). وفي رفعه نظر.

стр. 428

الوجه الثالث والتسعون: ما رواه أيضًا من حديث عبد الرحمن بن عوفٍ يرفعُه: «يسيرُ الفقه خيرٌ من كثير العبادة (١)» (٢). ولا يثبت رفعُه. الوجه الرابع والتسعون: ما رواه أيضًا من حديث أنسٍ يرفعُه: «فقيهٌ أفضلُ عند الله من ألف عابد» (٣). وهو في الترمذي من حديث رَوْح بن جناح، عن مجاهد، عن ابن عباسٍ مرفوعًا (٤). وفي ثبوتهما مرفوعين نظر، والظاهرُ أنَّ هذا وما أشبهه (٥) من كلام الصَّحابة فمن دونهم. الوجه الخامس والتسعون: ما رواه أيضًا عن ابن عمر يرفعُه: «أفضلُ العبادة الفقه» (٦).

стр. 429

الوجه السادس والتسعون: ما رواه أيضًا من حديث نافعٍ عن ابن عمر يرفعُه: «ما عبد اللهُ بشيءٍ أفضل من فقهٍ في دين» (١). الوجه السابع والتسعون: ما رواه عن عليٍّ أنه قال: «العالمُ أعظمُ أجرًا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله» (٢). الوجه الثامن والتسعون: ما رواه المُخَلِّصُ، عن ابن صاعد: حدثنا القاسمُ بن الفضل بن بزيع: حدثنا حجَّاج بن نصير: حدثنا هلال بن عبد الرحمن الحنفي، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة وأبي ذرِّ أنهما قالا: «بابٌ من العلم نتعلَّمه أحبُّ إلينا من ألف ركعة تطوُّعًا، وبابٌ من العلم نعلِّمه ــ عُمِلَ به أو لم يُعْمَلْ به ــ أحبُّ إلينا من مئة ركعةٍ تطوُّعًا». وقالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إذا جاء الموتُ طالبَ العلم وهو على هذه الحال مات شهيدًا» (٣).

стр. 430

ورواه ابن أبي داود، عن شاذان، عن حجَّاج به. قلت: شاهدُه ما مرَّ (١) من حديث الترمذي عن أنسٍ يرفعُه: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يَرجِع». الوجه التاسع والتسعون: ما رواه الخطيبُ أيضًا عن أبي هريرة قال: «لأنْ أَعْلَمَ بابًا من العلم في أمرٍ أو نهيٍ أحبُّ إليَّ من سبعين غزوةً في سبيل الله» (٢). وهذا إن صحَّ فمعناه: أحبُّ إليَّ من سبعين غزوةً بلا علم؛ لأنَّ العملَ بلا علم فسادُه أكثرُ من صلاحه. أو يريد: علمًا يتعلَّمه ويعلِّمه؛ فيكونُ له أجرُ من عمل به إلى يوم القيامة، وهذا لا يحصلُ في الغزو المجرَّد. الوجه المئة: ما رواه الخطيبُ أيضًا عن أبي الدرداء أنه قال: «مذاكرةُ العلم ساعةً خيرٌ من قيام ليلة» (٣). الوجه الحادي والمئة: ما رواه عن الحسن، قال: «لأن أتعلَّم بابًا من العلم فأعلِّمه مسلمًا أحبُّ إليَّ من أن تكون لي الدنيا كلُّها فأنفقها في سبيل الله» (٤).

стр. 431

الوجه الثاني والمئة: قال مكحول: «ما عُبِدَ اللهُ بأفضل من الفقه» (١). الوجه الثالث والمئة: قال سعيدُ بن المسيِّب: «ليست عبادةُ الله بالصوم والصلاة، ولكن بالفقه في دينه» (٢). وهذا الكلامُ يرادُ به أمران: أحدهما: أنها ليست بالصوم والصلاة الخاليَيْن عن العلم، ولكن بالفقه في الدين الذي يُعْلَمُ به كيف الصومُ والصلاة. والثاني: أنها ليست الصومَ والصلاةَ فقط، بل الفقهُ في دينه من أعظم عباداته. الوجه الرابع والمئة: قال إسحاقُ بن عبد الله بن أبي فروة: «أقربُ الناس من درجة النبوَّة العلماءُ وأهلُ الجهاد؛ والعلماءُ دَلُّوا الناسَ على ما جاءت به الرسل، وأهلُ الجهاد جاهدوا على ما جاءت به الرسل» (٣). وقد تقدَّم الكلامُ في تفضيل العالم على الشَّهيد وعكسه. الوجه الخامس والمئة: قال سفيانُ بن عيينة: «أرفعُ الناس عند الله منزلةً من كان بين الله وبين عباده، وهم الرسلُ والعلماء» (٤).

стр. 432

الوجه السادس والمئة: قال محمدُ بن شهاب الزُّهري: «ما عُبِدَ اللهُ بمثل الفقه» (١). وهذا الكلامُ ونحوه يرادُ به: أنه ما يُعْبَدُ اللهُ بمثل أن يُتَعَبَّدَ بالفقه في الدين، فيكونُ نفسُ التفقُّه عبادة؛ كما قال معاذُ بن جبل: «عليكم بالعلم؛ فإنَّ طلبَه لله عبادة». وسيأتي إن شاء الله ذكرُ كلامه بتمامه (٢). وقد يرادُ به: أنه ما عُبِدَ اللهُ بعبادةٍ أفضلَ من عبادةٍ يصحبُها الفقهُ في الدين؛ لعلم الفقيه في دينه بمراتب العبادات، ومفسداتها، وواجباتها، وسُننها، وما يكمِّلها، وما يُنْقِصُها. وكلا المعنيين صحيح. الوجه السابع والمئة: قال سهلُ بن عبد الله التُّسْتَري: «من أراد النظرَ إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء» (٣). وهذا لأنَّ العلماءَ خلفاءُ الرسل في أممهم، ووارثوهم في علمهم، فمجالسُهم مجالسُ خلافة النبوَّة. الوجه الثامن والمئة: أنَّ كثيرًا من الأئمة صرَّحوا بأنَّ أفضلَ الأعمال بعد الفرائض طلبُ العلم .

стр. 433

فقال الشافعي: «ليس شيءٌ بعد الفرائض أفضلَ من طلب العلم» (١). وهذا الذي ذكره أصحابُه عنه أنه مذهبُه. وكذلك قال سفيانُ الثوري (٢). وحكاهُ الحنفيةُ عن أبي حنيفة (٣). وأمَّا الإمامُ أحمدُ فحُكِي عنه ثلاثُ روايات: إحداهن: أنه العلم (٤). فإنه قيل له: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؛ أجلسُ بالليل أنسخُ أو أصلِّي تطوُّعًا؟ قال: «نسخُك تعلمُ به أمرَ دينك فهو أحبُّ إلي» (٥). وذكر الخلَّال عنه في كتاب «العلم» نصوصًا كثيرةً في تفضيل العلم. ومن كلامه فيه: «الناسُ إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعام والشراب». وقد تقدم (٦).

стр. 434

والرواية الثانية: أنَّ أفضلَ الأعمال بعد الفرائض صلاةُ التطوع (١). واحتُجَّ لهذه الرواية بقوله ﷺ : «واعلموا أنَّ خيرَ أعمالكم الصلاة» (٢)، وبقوله في حديث أبي ذرٍّ وقد سأله عن الصلاة، فقال: «خيرٌ موضوع» (٣)، وبأنه أوصى من سأله مرافقتَه في الجنة بكثرة السُّجود (٤)، وهو الصلاة، وكذلك قولُه في الحديث الآخر: «عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجدُ لله سجدةً إلا رفعك اللهُ بها درجة، وحَطَّ عنك بها خطيئةً» (٥)، وبالأحاديث الدالَّة على تفضيل الصلاة. والرواية الثالثة: أنه الجهاد (٦). فإنَّه (٧) قال: «لا أَعْدِلُ بالجهاد شيئًا، ومن ذا يطيقُه؟!».

стр. 435

ولا ريب أنَّ أكثر الأحاديث في الصلاة والجهاد. وأمَّا مالك؛ فقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: «إنَّ أقوامًا ابتغوا العبادةَ وأضاعوا العلم، فخرجوا على أمَّة محمدٍ ﷺ بأسيافهم، ولو ابتغوا (١) العلمَ لحَجَزهم عن ذلك» (٢). قال مالك: «وكتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب أنه قد قرأ القرآن عندنا عددُ كذا وكذا، فكتب إليه عمر: أن افرِض لهم من بيت المال، فلمَّا كان في العام الثاني كتب إليه أنه قد قرأ القرآنَ عندنا عددٌ كثير، لِأكثرَ من ذلك؛ فكتب إليه عمر: أن امحُهم من الدِّيوان؛ فإني أخافُ إنْ يُسْرِع الناسُ في القرآن أن يتفقَّهوا في الدِّين فيتأوَّلوه على غير تأويله» (٣). وقال ابن وهب: «كنتُ بين يدي مالك بن أنس، فوضعتُ ألواحي وقمتُ إلى الصلاة، فقال: ما الذي قمتَ إليه بأفضل من الذي تركتَه» (٤).

стр. 436

قال شيخنا: وهذه الأمورُ الثلاثةُ التي فضَّل كلُّ واحدٍ من الأئمة بعضَها ــ وهي الصلاةُ والعلمُ والجهاد ــ هي التي قال فيها عمر بن الخطاب ﵁: «لولا ثلاثٌ في الدنيا لما أحببتُ البقاءَ فيها؛ لولا أن أحمِل أو أجهِّز جيشًا في سبيل الله، ولولا مكابدةُ هذا الليل، ولولا مجالسةُ أقوامٍ ينتقونَ أطايبَ الكلام كما يُنتقى أطايبُ الثمر= لما أحببتُ البقاء» (١)، فالأولُ: الجهاد، والثاني: قيام الليل، والثالث: مذاكرة العلم (٢). فاجتمعت في الصحابة لكمالهم (٣)، وتفرَّقت فيمن بعدهم. الوجه التاسع والمئة: ما ذكره أبو نعيم وغيره عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: «فضلُ العلم خيرٌ من [فضل] العمل، وخيرُ دينكم الوَرَع» (٤).

стр. 437

وقد رُوِي هذا مرفوعًا من حديث عائشة ﵂ (١)؛ وفي رفعه نظر. وهذا الكلامُ هو فصلُ الخطاب في هذه المسألة: فإنه إذا كان كلٌّ من العلم والعمل فرضًا، فلا بدَّ منهما، كالصوم والصلاة. فإذا كانا فَضلَين ــ وهما النَّفْلان المُتَطَوَّعُ بهما ــ، ففضلُ العلم ونفلُه خيرٌ من فضل العبادة ونفلها؛ لأنَّ العلم يعمُّ نفعُه صاحبَه والناسَ معه، والعبادةُ يختصُّ نفعُها بصاحبها؛ ولأنَّ العلم تبقى فائدتُه وثمرتُه بعد موته، والعبادةُ تنقطعُ عنه؛ ولما مرَّ من الوجوه السابقة. الوجه العاشر بعد المئة: ما رواه الخطيبُ وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبلٍ ﵁ قال: «تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلُّمه لله خشية (٢)، وطلبَه عبادة، ومدارستَه تسبيح، والبحثَ عنه جهاد، وتعليمَه لمن لا يُحْسِنُه صدقة، وبذلَه لأهله قُربة، به يُعْرَفُ اللهُ ويُعْبَد، وبه يُوَحَّد، وبه يُعْرَفُ الحلالُ

стр. 438

من الحرام، وتُوصَلُ الأرحام، وهو الأنيسُ في الوحدة، والصاحبُ في الخلوة، والدليلُ على السَّرَّاء، والمُعِينُ على الضرَّاء، والوزيرُ عند الأخلَّاء، والقريبُ عند الغرباء، ومنارُ سبيل الجنة، يرفعُ اللهُ به أقوامًا فيجعلُهم في الخير قادةً وسادةً يقتدى بهم، أدلَّةً في الخير تُقْتَصُّ آثارهم، وتُرْمَقُ أفعالُهم، وترغبُ الملائكةُ في خُلَّتهم، وبأجنحتها تمسحُهم، يستغفرُ لهم كلُّ رطبٍ ويابس، حتى حيتانُ البحر وهوامُّه، وسباعُ البرِّ وأنعامُه، والسماءُ ونجومُها، والعلمُ حياةُ القلوب من العمى، ونورٌ للأبصار من الظُّلَم، وقوةٌ للأبدان من الضعف، يبلغُ به العبدُ منازلَ الأبرار والدرجات العلى، التفكُّرُ فيه يُعْدَلُ بالصيام، ومدارستُه بالقيام، وهو إمامٌ للعمل، والعملُ تابعُه، يُلْهَمُه السعداء، ويُحْرَمُه الأشقياء» (١). هذا الأثرُ معروفٌ عن معاذ. ورواه أبو نعيم في «المعجم» (٢) من حديث معاذٍ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ (٣)، ولا يثبُت، وحسبه أن يَصِلَ إلى

стр. 439

معاذ (١). الوجه الحادي عشر بعد المئة: ما رواه يونس بن عبد الأعلى، عن ابن أبي فُدَيْك: حدثني عمرو بن كثير، عن أبي العلاء، عن الحسن، عن رسول الله ﷺ قال: «من جاءه الموتُ وهو يطلبُ العلم ليحيي به الإسلامَ فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجةُ النبوَّة» (٢). وقد رُوِي من حديث عليِّ بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ (٣). وهذا وإن كان لا يثبتُ إسناده فلا يبعدُ معناه من الصحة؛ فإنَّ أفضلَ الدرجات: النبوَّة، وبعدها الصِّدِّيقيَّة، وبعدها الشهادة، وبعدها الصَّلاح، وهذه الدرجاتُ الأربع التي ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. فمن طلبَ العلمَ ليحيي به الإسلامَ فهو من الصِّدِّيقين، ودرجتُه بعد

стр. 440

درجة النبوَّة. الوجه الثاني عشر بعد المئة: قال الحسنُ في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: «هي العلمُ والعبادة»، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: «هي الجنة» (١). وهذا من أحسن التفسير؛ فإنَّ أجلَّ حسنات الدنيا العلمُ النافعُ والعملُ الصالح. الوجه الثالث عشر بعد المئة: قال ابن مسعود: «عليكم بالعلم قبل أن يُرْفَع، ورفعُه هلاكُ العلماء، فوالذي نفسي بيده ليودَّنَّ رجالٌ قُتِلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم اللهُ علماء؛ لما يرون من كرامتهم، وإنَّ أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلمُ بالتعلُّم» (٢). الوجه الرابع عشر بعد المئة: قال ابن عباس، وأبو هريرة، وبعدهما أحمد بن حنبل: «تذاكُر العلم بعض ليلةٍ أحبُّ إلينا من إحيائها» (٣).

стр. 441

الوجه الخامس عشر بعد المئة: قال عمر ﵁: «أيها الناس عليكم بالعلم؛ فإنَّ لله سبحانه رداءً يحبُّه، فمن طلب بابًا من العلم رَدَّاهُ اللهُ بردائه، فإن أذنبَ ذنبًا استعتَبه؛ لئلَّا يَسْلُبه رداءه ذلك حتى يموت به» (١). قلت: ومعنى استعتاب الله عبدَه أن يطلبَ منه أن يُعْتِبَه؛ أي: يزيل عَتْبَه عليه بالتوبة والاستغفار والإنابة، فإذا أناب إليه رفع عنه عَتْبَه؛ فيكونُ قد أَعْتَبَ ربَّه، أي: أزال عَتْبَه عليه، والربُّ تعالى قد استعتبَه؛ أي: طلبَ منه أن يُعْتِبَه. ومن هذا قولُ ابن مسعود ــ وقد وقعت زلزلةٌ بالكوفة ــ: «إنَّ ربكم يستعتبُكم فأَعْتِبُوه» (٢). وهذا هو الاستعتابُ الذي نفاه سبحانه في الآخرة في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]، أي: لا يُطْلَبُ منهم إزالة عَتْبِنا عليهم؛ فإنَّ إزالته إنما تكونُ بالتوبة، وهي لا تنفعُ في الآخرة.

стр. 442

وهذا غير استعتاب العبد ربَّه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، فهذا معناه أن يطلبوا إزالةَ عتْبِنا عليهم والعفو، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: ما هم ممن يُزالُ العَتْبُ عليه، وهذا الاستعتابُ ينفعُ في الدنيا دون الآخرة (١). الوجه السادس عشر بعد المئة: قال عمر ﵁: «موتُ ألف عابدٍ أهونُ من موت عالمٍ بصيرٍ بحلال الله وحرامه» (٢). ووجهُ قول عمر: أنَّ هذا العالِم يَهْدِمُ على إبليس كلَّ ما يبنيه، بعلمه وإرشاده، وأما العابدُ فنفعُه مقصورٌ على نفسه. الوجه السابع عشر بعد المئة: قولُ بعض السلف: «إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزدادُ فيه علمًا يقرِّبني إلى الله تعالى، فلا بُورِكَ لي في طلوع شمس ذلك اليوم» (٣). وقد رُفِعَ هذا إلى رسول الله ﷺ (٤)، ورفعُه إليه باطل، وحسبه أن يَصِلَ

стр. 443

إلى واحدٍ من الصحابة أو التابعين. وفي مثله قال القائل (١): إذا مرَّ بي يومٌ ولم أسْتَفِدْ هدًى ... ولم أكتَسِبْ علمًا فما ذاك من عُمْري الوجه الثامن عشر بعد المئة: قال بعض السلف: «الإيمانُ عُرْيان، ولباسُه التقوى، وزينتُه الحياء، وثمرتُه العلم» (٢). وقد رُفِعَ هذا أيضًا (٣)، ورفعُه باطل. الوجه التاسع عشر بعد المئة: أنه في بعض الآثار: «بين العالم والعابد

стр. 444

مئة درجة، بين كلِّ درجتين حُضْرُ الجواد المُضَمَّر سبعين سنة» (١). وقد رُفِعَ هذا أيضًا (٢)، وفي رفعه نظر. الوجه العشرون بعد المئة: ما رواه حربٌ في «مسائله» (٣) مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ : «يجمعُ اللهُ تعالى العلماءَ يوم القيامة، ثم يقول: يا معشر العلماء، إني لم أضَعْ علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضَعْ علمي فيكم لأعذِّبكم، اذهبوا فقد غفرتُ لكم». وهذا وإن كان غريبًا فله شواهدُ حِسَان.

стр. 445

الوجهُ الحادي والعشرون بعد المئة: قولُ ابن المبارك، وقد سئل: مَن الناس؟ قال: العلماء، قيل: فمَن الملوك؟ قال: الزُّهَّاد، قيل: فمَن السِّفْلة (١)؟ قال: الذي يأكلُ بدينه (٢). الوجه الثاني والعشرون بعد المئة: أنَّ من أدرك العلمَ لم يضرَّه ما فاته بعد إدراكه؛ إذ هو أفضلُ الحظوظ والعطايا، ومن فاته العلمُ لم ينفعه ما حصل له من الحظوظ، بل يكونُ وبالًا عليه وسببًا لهلاكه. وفي هذا قال بعض السلف: «أيَّ شيءٍ أدركَ من فاته العلمُ؟! وأيَّ شيءٍ فات من أدركَ العلمَ؟!» (٣). الوجه الثالث والعشرون بعد المئة: قال بعضُ العارفين (٤): «أليس المريضُ إذا مُنِعَ الطعامَ والشرابَ والدواء يموت؟ قالوا: بلى، قال: فكذلك القلبُ إذا مُنِعَ عنه العلمُ والحكمةُ ثلاثة أيام يموت». وصَدَق؛ فإنَّ العلمَ طعامُ القلب وشرابُه ودواؤه، وحياتُه موقوفةٌ على ذلك، فإذا فقد القلبُ العلمَ فهو ميت، ولكن لا يشعُر بموته، كما أنَّ السَّكران الذي قد زال عقلُه، والخائفَ الذي قد انتهى خوفُه إلى غايته، والمُحِبَّ

стр. 446

والمفكِّر، قد يَبْطُلُ إحساسُهم بألم الجِراحات في تلك الحال، فإذا صَحَوا وعادوا إلى حال الاعتدال أدركوا آلامَها. هكذا العبدُ إذا حَطَّ عنه الموتُ أحمالَ الدنيا وشواغلَها أحسَّ بهلاكه وخسرانه. فحَتَّامَ لا تصحو وقد قَرُبَ المَدى ... وحَتَّامَ لا يَنجابُ عن قلبك السُّكْرُ بلى سوف تصحو حين ينكشِفُ الغِطَا ... وتَذْكُرُ قولي حين لا ينفعُ الذِّكْرُ (١) فإذا كُشِفَ الغِطَاء، وبَرِحَ الخفاء، وبُلِيَت السرائر، وبَدَت الضمائر، وبُعْثِرَ ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور؛ فحينئذٍ يكونُ الجهلُ ظلمةً على الجاهلين، والعلمُ حسرةً على البطَّالين. الوجه الرابع والعشرون بعد المئة: قال أبو الدرداء: «من رأى أنَّ الغُدُوَّ إلى العلم ليس بجهادٍ فقد نقصَ في رأيه وعقله» (٢). وشاهدُ هذا قولُ معاذ، وقد تقدَّم. الوجه الخامس والعشرون بعد المئة: قولُ أبي الدرداء ــ أيضًا ــ: «لأَنْ أتعلَّم مسألةً أحبُّ إليَّ من قيام ليلة» (٣). الوجه السادس والعشرون بعد المئة: قولُه أيضًا: «العالمُ والمتعلِّمُ

стр. 447

شريكان في الأجر، وسائرُ الناس هَمَجٌ لا خير فيهم» (١). الوجه السابع والعشرون بعد المئة: ما رواه أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» (٢) من حديث أبي هريرة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من دخلَ مسجدنا هذا ليتعلَّمَ خيرًا أو ليعلِّمَه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخلَه لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له». الوجه الثامن والعشرون بعد المئة: ما رواه أيضًا في «صحيحه» (٣) من حديث الثلاثة الذين انتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو جالسٌ في حَلْقة، فأعرضَ أحدُهم، واستحى الآخرُ فجلسَ خلفهم، وجلسَ الثالثُ في فُرْجَةٍ في الحَلْقة؛ فقال النبيُّ ﷺ : «أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأمَّا الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرضَ فأعرضَ الله عنه». فلو لم يكن لطالب العلم إلا أنَّ الله يؤويه إليه، ولا يُعْرِضُ عنه، لكفى به فضلًا.

стр. 448

الوجه التاسع والعشرون بعد المئة: ما رواه كُمَيْلُ بن زياد النخعي، قال: «أخذَ عليُّ بن أبي طالب ﵁ بيدي، فأخرجني ناحيةَ الجَبَّانة (١)، فلما أصْحَرَ جعلَ يتنفَّس، ثمَّ قال: يا كميل بن زياد، القلوبُ أوعية، فخيرُها أوعاها للخير، احفظْ عنِّي ما أقول: الناسُ ثلاثة؛ فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعق، يميلون مع كلِّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق. العلمُ خيرٌ من المال، العلمُ يحرسُك وأنت تحرسُ المال، العلمُ يزكو على الإنفاق ــ وفي رواية: على العمل ــ والمالُ تَنْقُصُه النفقة، العلمُ حاكم والمالُ محكومٌ عليه، ومحبةُ العلم (٢) دينٌ يُدانُ بها، العلمُ يُكْسِبُ العالِمَ الطاعةَ في حياته، وجميلَ الأُحدوثة بعد وفاته، وصنيعةُ المال تزولُ بزواله، مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدَّهر، أعيانُهم مفقودة، وأمثالُهم في القلوب موجودة. هاه .. هاه .. إنَّ ههانا علمًا ــ وأشار بيده إلى صدره ــ لو أصبتُ له حَمَلة! بلى (٣) .. أصبتُ لَقِنًا (٤) غير مأمونٍ عليه، يستعملُ آلةَ الدين للدنيا، يستظهرُ بحُجَج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقادًا لأهل الحقِّ، لا بصيرةَ له في أحنائه (٥)، ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأول عارضٍ من شبهة، [ألا] لا ذا ولا

стр. 449

ذاك، أو منهومًا للَّذَّات، سَلِسَ القياد للشهوات، أو مُغرًى بجمع الأموال والادِّخار، ليسا من دعاة الدِّين، أقربُ شَبهًا بهم الأنعامُ السَّائمة. كذلك (١) يموتُ العلمُ بموت حامليه، اللهمَّ بلى .. لن تخلو الأرضُ من قائمٍ لله بحجَّته، لكيلا تَبْطُل حججُ الله وبيِّناتُه، أولئك الأقلُّون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، بهم يدفعُ اللهُ عن حُجَجه، حتى يؤدُّوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعرَ منه المترفون، وأَنِسوا بما استوحشَ منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها (٢) معلَّقةٌ بالملأ الأعلى، أولئك خلفاءُ الله في أرضه (٣)، ودعاتُه إلى دينه، هاه .. هاه .. شوقًا إلى رؤيتهم، وأستغفرُ الله لي ولك، إذا شئتَ فَقُم». ذكره أبو نعيم في «الحلية» (٤) وغيره.

стр. 450

قال أبو بكر الخطيب: «هذا حديثٌ حسن، من أحسن الأحاديث معنًى، وأشرفها لفظًا، وتقسيمُ أمير المؤمنين الناسَ في أوَّله تقسيمٌ في غاية الصِّحَّة ونهاية السَّداد؛ لأنَّ الإنسانَ لا يخلو من أحد الأقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العِلَل؛ إمَّا أن يكون عالمًا، أو متعلِّمًا، أو مُغْفِلًا للعلم وطلبه ليس بعالمٍ ولا طالبٍ له. فالعالمُ الربانيُّ هو الذي لا زيادةَ على فضله لفاضل، ولا منزلةَ فوق منزلته لمجتهد، وقد دخلَ في الوصف له بأنه ربَّانيٌّ وصفُه بالصِّفات التي يقتضيها العلمُ لأهله، ويمنعُ وصفَه بما خالفها. ومعنى الرَّبَّاني في اللغة: الرفيعُ الدرجة في العلم العالي المنزلة فيه،

стр. 451

وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣]، وقوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. قال [سعيد بن جبير] (١): «حكماء فقهاء». وقال أبو رَزِين (٢): «فقهاء علماء» (٣). وقال أبو عمر الزاهد: سألتُ ثعلبًا عن هذا الحرف ــ وهو الرَّبَّاني ــ فقال: سألتُ ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجلُ عالمًا عاملًا معلِّمًا قيل له: هذا ربَّاني، فإنْ خَرَمَ (٤) عن خصلةٍ منها لم يُقَل له: ربَّاني. وقال ابنُ الأنباري عن النحويِّين: إنَّ الرَّبَّانيِّين منسوبون إلى الربِّ، وإنَّ الألف والنون زيدتا للمبالغة في النَّسب، كما تقول: لِحْياني وجُمَّاني إذا كان عظيمَ اللِّحية والجُمَّة (٥). وأمَّا المتعلِّمُ على سبيل النجاة فهو الطالب بتعلُّمه والقاصدُ به نجاتَه من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه، والرغبةَ بنفسه عن إهمالها واطِّراحها، والأنفةَ من مجانسة البهائم» (٦).

стр. 452

ثمَّ قال: «وقد نفى بعض المتقدِّمين عن الناس من لم يكن من أهل العلم. وأمَّا القسمُ الثالث: فهم المُهْمِلون لأنفسهم، الراضُونَ بالمنزلة الدنيَّة والحال الخسيسة، التي هي في الحضيض الأَوْهَدِ والهبوط الأسفل، التي لا منزلة بعدها في الجهل ولا دونها في السقوط. وما أحسن ما شبَّههم بالهَمَج الرَّعاع! وبه يُشَبَّه دُناةُ الناس وأراذلهم. والرَّعاع: المُتَبدِّدُ المتفرِّق، والنَّاعق: الصَّائح، وهو في هذا الموضع الراعي، يقال: نَعَقَ الراعي بالغنم يَنْعِق، إذا صاحَ بها، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]» (١). ونحن نشيرُ إلى بعض ما في هذا الحديث من الفوائد: * فقولُه ﵁: «القلوبُ أوعية»؛ القلبُ يُشَبَّهُ بالوعاء والإناء والوادي؛ لأنه وعاءٌ للخير والشرِّ. وفي بعض الآثار: «إنَّ لله في أرضه آنية، وهي القلوب، فخيرُها أرقُّها وأصلبُها وأصفاها» (٢).

стр. 453

فهي أواني مملوءةٌ من الخير، وأواني مملوءةٌ من الشرِّ؛ كما قال بعضُ السَّلف: «قلوبُ الأبرار تغلي بالبِرِّ، وقلوبُ الفجَّار تغلي بالفجور» (١). وفي مثل هذا قيل في المثل: «وكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَح» (٢). وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]؛ شبَّه العلمَ بالماء النازل من السماء، والقلوبَ في سَعَتها وضِيقها بالأودية؛ فقلبٌ كبير واسعٌ يسعُ علمًا كثيرًا كوادٍ كبيرٍ واسعٍ يسعُ ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٌ ضيِّقٌ يسعُ علمًا قليلًا كوادٍ صغيرٍ ضيِّقٍ يسعُ ماءً قليلًا (٣). ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «لا تسمُّوا العنبَ: الكَرْم؛ فإنَّ الكَرْمَ قلبُ المؤمن» (٤)، فإنهم كانوا يسمُّون شجرَ العنب: «الكَرْم»؛ لكثرة منافعه وخيره، والكَرْمُ كثرةُ الخير والمنافع (٥)، فأخبرهم أنَّ قلبَ المؤمن أولى بهذه التسمية؛ لكثرة ما فيه من الخير والبرِّ والمنافع (٦). * وقولُه: «فخيرُها أوعاها»؛ يرادُ به أسرعُها وعيًا، وأكثرها وعيًا، وأثبتُها وعيًا، ويرادُ به أيضًا أحسنُها وعيًا. فيكونُ حُسْنُ الوعي ــ الذي هو إيعاءٌ (٧)

стр. 454

لما يقال له في قلبه ــ هو سرعتُه وكثرتُه وثباتُه. والوعاءُ من مادَّة الوعي؛ فإنه آلةُ ما يُوعى فيه، كالغطاء والفراش والبساط ونحوها، ويوصفُ بذلك القلبُ والأذن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢]، قال قتادة: «أذنٌ سَمِعَت وعَقَلَت عن الله ما سَمِعَت» (١)، وقال الفراء: «لتحفظَها كلُّ أذن، فتكونَ عظةً لمن يأتي بعدُ» (٢). فالوعيُ توصفُ به الأذنُ كما يوصفُ به القلب، يقال: «قلبٌ واعٍ، وأذنٌ واعية»؛ لما بين الأذن والقلب من الارتباط، فالعلمُ يدخلُ من الأذن إلى القلب، فهي بابُه والرسولُ المُوصِلُ إليه العلمَ، كما أنَّ اللسانَ رسولُه المؤدِّي عنه (٣). ومن عرفَ ارتباط الجوارح بالقلب علمَ أنَّ الأذنَ أحقُّها بأن توصفَ بالوعي؛ فإنها (٤) إذا وَعَت وَعَى القلبُ. وفي حديث جابرٍ في المثَل الذي ضربته الملائكةُ للنبيِّ ﷺ ولأمته، وقول الملَك له: «اسمَعْ سَمِعَت أذنُك، واعقِلْ عَقَلَ قلبُك» (٥).

стр. 455

فلمَّا كان القلبُ وعاءً، والأذنُ مدخلَ ذلك الوعاء وبابَه، كان حصولُ العلم موقوفًا على حسن الاستماع وعَقْلِ القلب. والعقل: هو ضبطُ ما وصلَ إلى القلب وإمساكُه حتى لا يتفلَّت منه. ومنه: عَقْلُ البعير والدابَّة، والعِقالُ لما يُعْقَلُ به، وعقلُ الإنسان سُمِّي عقلًا لأنه يَعْقِلُه عن اتباع الغَيِّ والهلاك، ولهذا يسمَّى: حِجْرًا، لأنه يمنعُ صاحبَه كما يمنعُ الحِجْرُ ما حواه. فعقلُ الشيء أخصُّ من علمه ومعرفته؛ لأنَّ صاحبَه يعقلُ ما عَلِمَه فلا يَدعُه يذهب، كما يَعْقِلُ الدابَّةَ التي يخافُ شُرودَها. وللإدراك مراتبُ بعضها أقوى من بعض؛ فأوَّلها: الشُّعور، ثمَّ الفهم، ثمَّ المعرفة، ثمَّ العلم، ثمَّ العقل، ومرادُنا هنا بالعقل: المصدرُ، لا القوَّةُ الغريزيَّةُ التي ركَّبها الله في الإنسان. فخيرُ القلوب ما كان واعيًا للخير ضابطًا له، وليس كالقلب القاسي الذي لا يقبلُه، فهذا قلبٌ حَجَريٌّ، ولا كالمائع الأخرق الذي يقبلُ ولكن لا يحفظُ ولا يضبط. فتفهيمُ الأول كالرَّسم في الحَجَر، وتفهيمُ الثاني كالرَّسم على الماء. بل خيرُ القلوب ما كان ليِّنًا صلبًا؛ يقبلُ بلِينه ما ينطبعُ فيه، ويحفظُ صورتَه بصلابته، فهذا تفهيمُه كالرَّسم في الشَّمْع وشبهه.

стр. 456

* وقولُه: «الناس ثلاثة: فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ على سبيل النجاة، وهَمَجٌ رعاع»؛ هذا تقسيمٌ حاصرٌ للناس (١)، وهو الواقع؛ فإنَّ العبدَ إمَّا أن يكون قد حَصَّل كمالَه من العلم والعمل أوْ لا؛ فالأول: العالمُ الرَّبَّاني، والثاني: إمَّا أن تكون نفسُه متحرِّكةً في طلب ذلك الكمال ساعيةً في إدراكه أوْ لا، والثاني: هو المتعلِّمُ على سبيل النجاة، والثالث: هو الهَمَجُ الرعاع. فالأول: هو الواصل، والثاني: هو الطالب، والثالث: هو المحروم. والعالمُ الرَّبَّاني، قال ابن عباس ﵄: «هو المعلِّم» (٢)، أخذَه من التربية؛ أي: يَرُبُّ الناسَ بالعلم (٣)، ويربِّيهم به كما يربِّي الطِّفلَ أبوه. وقال سعيد بن جبير: «هو الفقيه العليم الحكيم» (٤). قال سيبويه: «زادوا ألفًا ونونًا في الرَّبَّاني إذا أرادوا تخصيصًا بعلم الربِّ ﵎، كما قالوا: شَعْراني ولِحْياني» (٥). معنى قول سيبويه ــ ﵀ ــ: أنَّ هذا العالِمَ لمَّا نُسِبَ إلى علم الربِّ تعالى الذي بعثَ به رسولَه، وتَخصَّصَ به، نُسِبَ إليه دون سائر من عَلِمَ علمًا ما.

стр. 457

قال الواحدي (١): «فالرَّبَّاني ــ على قوله ــ منسوبٌ إلى الربِّ، على معنى التخصيص بعلم الربِّ، أي: بعلم الشريعة وصفات الربِّ ﵎. قال المبرِّد: الرَّبَّاني الذي يَرُبُّ العلمَ ويَرُبُّ الناسَ به، أي: يعلِّمهم ويُصْلِحُهم. وعلى قوله، فالرَّبَّاني مِنْ: رَبَّ يَرُبُّ رَبًّا، أي: تربيةً، فهو منسوبٌ إلى التربية»، يربِّي علمَه ليكمُلَ ويَتِمَّ بقيامه عليه وتعاهُده إياه، كما يربِّي صاحبُ المال مالَه، ويربِّي الناسَ به كما يربِّي الأطفالَ أولياؤهم. وليس من هذا قولُه (٢): ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، فالرِّبِّيُّون هنا: الجماعات، بإجماع المفسِّرين (٣)، قيل: إنه من الرِّبَّة ــ بكسر الراء ــ، وهي الجماعة. قال الجوهري: «الرِّبِّيُّ واحدُ الرِّبِّيِّين؛ وهم الألوفُ من الناس، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ (٤). ولا يوصفُ العالِمُ بكونه ربَّانيًّا حتى يكون عاملًا بعلمه معلِّمًا له. فهذا قِسْم.

стр. 458

والقسمُ الثاني: متعلِّمٌ على سبيل نجاة؛ أي: قاصدًا بعلمه النجاة، وهو المخلصُ في تعلُّمه، المتعلِّمُ ما ينفعُه، العاملُ بما عَلِمَه، فلا يكون المتعلِّمُ على سبيل نجاةٍ إلا بهذه الأمور الثلاثة؛ فإنه إن تعلَّمَ ما يضرُّه ولا ينفعُه لم يكن على سبيل نجاة، وإن تعلَّم ما ينتفعُ به لا للنجاة فكذلك، وإن تعلَّمه ولم يعمل به لم يحصُل له النجاة، ولهذا وصَفَه بكونه على السبيل، أي: على الطريق التي تنجيه. وليس حرفُ «على» وما عَمِلَ فيه متعلِّقًا بـ «متعلِّم» إلا على وجه التضمين، أي: مفتِّش متطلِّع على سبيل نجاته ليسلكه؛ فتعلُّمه تفتيشٌ على سبيل نجاته. فهذا في الدرجة الثانية، وليس ممَّن تعلَّمه ليماري به السُّفهاء، أو يجاري به العلماء، أو يصرفَ وجوهَ الناس إليه، فإنَّ هذا من أهل النار، كما جاء في الحديث (١)، وثبَّته أبو نعيم وأبو عمرو بن الصلاح وغيرهما. قال ابنُ الصلاح: وثبَّت أبو نعيم ــ أيضًا ــ قولَه ﷺ : «من تعلَّمَ علمًا مما يبتغى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يَجِدْ رائحةَ الجنة» (٢).

стр. 459

قال: وثبَّت ــ أيضًا ــ قولَه ﷺ : «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه اللهُ بعلمه» (١). فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل نجاة، بل على سبيل الهَلَكة، نعوذُ بالله من الخذلان. القسمُ الثالث: المحرومُ المُعْرِض؛ فلا عالمٌ ولا متعلِّم، بل همجٌ رَعاع. والهَمَجُ من الناس: حَمْقاهُم وجَهَلَتهم، وأصله من الهَمَج، جمع هَمَجَة، وهو ذبابٌ صغيرٌ كالبعوض يسقطُ على وجوه الغنم والدوابِّ وأعينها؛ فشبَّه هَمَجَ الناس به. والهَمَجُ أيضًا مصدر؛ قال الراجز (٢):

стр. 460

قد هَلَكَت جارتُنا من الهَمَجْ ... وإنْ تَجُعْ تَأكُلْ عَتُودًا أو بَذَجْ والهَمَجُ هنا مصدر، ومعناه: سوء التدبير في أمر المعيشة. وقولهم: «هَمَجٌ هامِج» مثل: «ليلٌ لايِل» (١). والرَّعاعُ من الناس: الحمقى الذين لا يُعْتَدُّ بهم. * وقولُه: «أتباع كلِّ ناعق»؛ أي: مَنْ صاحَ بهم ودعاهم تبعوه، سواءٌ دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يُدْعَونَ إليه أحقٌّ هو أم باطل، فهم مستجيبون لدعوته. وهؤلاء مِنْ أضرِّ الخلق (٢) على الأديان؛ فإنهم الأكثرون عَدَدًا، الأقلُّون عند الله قَدْرًا، وهم حطبُ كلِّ فتنة، بهم تُوقَدُ ويُشَبُّ ضِرَامُها؛ فإنها يعتزلُها أولو الدين، ويتولَّاها الهَمَجُ الرَّعاع. وسُمِّي داعيهم: ناعقًا؛ تشبيهًا لهم بالأنعام التي يَنْعِقُ بها الراعي فتذهبُ معه أين ذهب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. وهذا الذي وصفهم به أميرُ المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم، فليس لهم نورٌ ولا بصيرةٌ يفرِّقون بها بين الحقِّ الباطل، بل الكلُّ عندهم سواء. * وقولُه: «يميلون مع كلِّ ريح»، وفي لفظ: «مع كلِّ صائح»؛ شبَّه
следующие страницы →