Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية
العلم والإرادة
تأليف
الإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
عبد الرحمن بن حسن بن قائد
стр. 2
- أ -
مقدمة الطبعة الثانية
أما بعد حمد الله أهل الثناء والمجد على سابغ فضله، فهذه أيدك الله بتوفيقه تقدمةٌ للطبعة الثانية من مفتاح دار السعادة، ذكرتُ فيها ما تيسَّر من الاستدراكات على عملي في الكتاب؛ ليضيفها من شاء إلى نسخته من الطبعة الأولى [*]، قيدتها مما مرَّ بي في مطالعاتي عفوًا دون تتبع, وأنت عليمٌ بأن سبيل الزيادة في التعليق على النصوص لو قصد إليه المرء لم ينته إلى غاية، ونسأل الله سداد الرأي وخير المنقلب.
• (ص: ٤٦ من مقدمة التحقيق) يضاف للسطر الأول: ومن كتابه في أقسام اللذات في مواضع كثيرة (ص: ٣٦٩ - ٣٨٣)، بتصرفٍ واختصارٍ حينًا، وبألفاظه وسياقه حينًا، وصرَّح باسمه في موضع واحد (ص: ٤١٠)، ويقابلها في كتاب الرازي (ص: ٢١٤ - ٢٥١ نشرة ليدن).
• (ص: ٤٧ من مقدمة التحقيق) يضاف للحاشية (١): وقد وصل إليه عن طريق الشيخ أحمد بن عيسى رحمهما الله, وهو أول كتاب يصله منه, فتفاءل باسمه. انظر: الرسائل المتبادلة بينهما (٧٨, ٨٠, ٨٦, ٨٩, ٩٢).
• (ص: ٥٣ من مقدمة التحقيق) السطر الأخير: ثلاث. تصحَّح إلى: ثلاثًا.
• (ص: ٧٥ من مقدمة التحقيق) يضاف: ومن نسخ المفتاح التي لم تصلنا: نسخة أوقفها يوسف بن عبد الهادي فيما أوقف من كتبه. انظر: فهرست كتبه الموقوفة (ق ٨/و).
• (ص: ٧٨ من مقدمة التحقيق) يضاف: استخرج نصَّ رسالة أبي القاسم عيسى بن علي في الرد على المنجمين التي أوردها ابن القيم د. سحبان
_________
[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وقد استدركناها جميعا (في هذه النسخة الإلكترونية) في مواضعها [بين معكوفين]، إذ لم ترد في النسخة الورقية لهذه الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
стр. 3
- ب -
خليفات، ونشرها في مجلة مجمع اللغة الأردني, السنة ١١, العدد ٣٢، سنة ١٤٠٧, واعتمد فيها على مطبوعة مكتبة الأزهر.
• (ص: ٥٣) يضاف للحاشية (١): وكذلك في كتاب "الأصول والفروع" (١١١ - ١١٢).
• (ص: ٢٩٠) يضاف للحاشية (١): و"الأنس والعرس" للآبي (١٧٥).
• (ص: ٢٩٣) تصحَّح الحاشية (١) من: "والحنائي في الفوائد" إلى: والنخشبي في تخريج فوائد الحنائي.
• (ص: ٤١٠) تغيَّر الحاشية (٣) إلى: (ص: ٢٦٣) باختلاف يسير, وكذا نقله شيخ الإسلام في مواضع، ولعله نقلٌ بالمعنى أو من نسخة أخرى.
• (ص: ٤٤٤) يضاف للحاشية (٣): و"المجموع" (١/ ٢٦).
• (ص: ٤٤٨) تصحَّح الحاشية (١) إلى: "الرد على المنطقيين"، وكتاب مختصر لم يصلنا. انظر: مقدمتي لـ "الانتصار لأهل الأثر" (٥، ١٤ - ٢٥).
• (ص: ٤٤٩) تضاف حاشية: الأبيات على ظهر النسخة الخطية الفريدة لكتاب "الرد على المنطقيين" باختلافٍ يسير.
• (ص: ٤٩١) يضاف للحاشية (٢): ونقله ابن عرفة في تفسيره (٣/ ٥٦) عن كتاب "الاقتصاد" للغزالي، ولم أجده فيه.
• (ص: ١٢٣٥) يضاف للحاشية (٣): وكتابه "تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن" (٢٩٠).
• (ص: ١٢٣٦) يضاف للحاشية (٢): والبيتان في ديوانه (٥٩ - تحقيق
стр. 4
- جـ -
عبد الله الهوني).
• (ص: ١٢٣٦) يضاف للحاشية (٤): ولابن الزرقالة رسالة "الشكازية" في الفلك، طبعت بأسبانيا. مجلة دراسات أندلسية (العدد ٧، ص: ٤٩).
• (ص: ١٢٣٨) تضاف حاشية: لأبي الصقر عبد العزيز بن عثمان القبيصي نقضٌ على هذه الرسالة. انظر: "تتمة صوان الحكمة" للبيهقي (٩٢).
• (ص: ١٤١٢) تضاف حاشية: انظر ذكر هاتين الطائفتين في: "المنقذ من الضلال" للغزالي (٧٩ - ٨١).
• (ص: ١٥٢١) يضاف للحاشية (٢): و"الصاحبي" لابن فارس (٦٢).
• (ص: ١٥٦٢) يضاف للحاشية (٤): و"مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٤١٨).
وكتب/ عبد الرحمن بن حسن قائد
الرياض ٥/ ٦ / ١٤٣٦
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
باسمك اللهم نقدِّم كتاب "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"، ونسألك تبارك اسمُك أن تفتح القلوب للانتفاع به.
وهذه فصولٌ قصارٌ بين يدي الكتاب تمهِّد لقارئه الطريق إليه، وتلقي بمفاتحه بين يديه، وهذا برنامجها:
- توثيق نسبة الكتاب
- تحرير عنوان الكتاب
- تاريخ تأليف الكتاب
- موضوع الكتاب وتقسيمه
- موارد الكتاب
- الثناء على الكتاب
- وصف الأصول الخطية
- طبعات الكتاب ومختصراته
- منهج التحقيق
- نماذج من صور الأصول الخطية المعتمدة
стр. 6
توثيق نسبة الكتاب
هذا هو كتاب "مفتاح دار السعادة" للإمام ابن القيم، نسبةٌ لا يخامرها ريب، ولا يزحزحها توهُّم، بل تتناصر حججُها وتتداعى شواهدُها، وهي بمجموعها قاطعةُ الدلالة، شافيةٌ كافيةٌ لذي نُهْية، وهاهي تجتاز بين يديك:
فأولها: ثبوت اسم الكتاب ونسبته إلى الإمام ابن القيم على صفحات عناوين النسخ الأصلية العِتاق المدونة في عصر المصنف، وبعضها مقابلٌ على نسخته التي بخطه، وأجلُّها بخط أحد الأئمة الحفاظ المتحرِّين، وهو إسماعيل بن محمد بن بَرْدِس المتوفى سنة ٧٨٤، وستأتيك صورها.
وثانيها: إحالة المصنف في تواليفه الكبار المشهورة على كتابنا هذا، وذِكره إياه باسمه، وما أحال إليه من المسائل موجودٌ فيه.
- قال في "الصواعق المرسلة" (١٤٥٠): "وعلى هذا الأصل تنشأ مسألة التحسين والتقبيح، وقد ذكرناها مستوفاةً في كتاب المفتاح، وذكرنا على صحتها فوق الخمسين دليلًا". وقد استوفى بحث هذه المسألة في كتابنا وحرَّرها تحريرًا بالغًا بما لا يوجد في سائر كتبه.
- وذكر مسألة التحسين والتقبيح في "مدارج السالكين" (١/ ٩١)، ثم قال: "ولهذا الأصل لوازم وفروعٌ كثيرةٌ فاسدة، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة، وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجهًا، وهو كتابٌ بديعٌ في معناه".
- وذكرها مرةً أخرى في المدارج (٣/ ٤٩٠)، وقال: "وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاةً في كتاب مفتاح دار السعادة، وذكرنا هناك نحوًا من ستين
стр. 7
وجهًا تبطل قول من نفى القبح العقلي ... ".
- وذكرها في "إغاثة اللهفان" (٢/ ١٣٥)، وقال: "ومن قال: إن ذلك لا يعلم بالعقل ولا بالفطرة وإنما عرف بمجرد السمع فقوله باطلٌ قد بينا بطلانه في كتاب المفتاح من ستين وجهًا، وبينا هناك دلالة القرآن والسنة والعقول والفطر على فساد هذا القول".
- وذكر في "شفاء العليل" (٣٨٢) قول الأشاعرة بنفي التحسين والتقبيح العقليين، ثم قال: "ولعمر الله إنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة للعقل والشرع ولفطرة الله التي فطر عليها خلقه، وقد بينا بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا في كتاب المفتاح". وردُّه عليهم ومناقشته لأدلتهم مبسوطٌ في الكتاب.
- وبحث في "زاد المعاد" (٤/ ١٥٤) الأحاديث الواردة في العدوى، ثم قال: "وقد أشبعنا الكلام فى هذه المسألة فى كتاب المفتاح بأطولَ من هذا". والكلام في العدوى مشبعٌ في آخر الكتاب.
- وقال في "إغاثة اللهفان" (٢/ ١٢٥): "وأما المكذبون للرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم، وقد أشبعنا الردَّ على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح". وهو كما قال، وردُّه على المنجمين مشبعٌ مستفيض في الكتاب.
وثالثها: إحالة ابن القيم فيه على بعض مصنفاته الأخرى.
- فمن ذلك قوله (ص: ١١٠٢) في مسألة استيفاء القصاص: "وقد ذكرنا أدلة المسألة من الطرفين، وترجيح القول الراجح بالنص والأثر والمعقول في كتاب تهذيب السنن". والمسألة هناك كما قال.
стр. 8
- وقوله في سبب الإذكار والإيناث (ص: ١٢٥٩): "وقد أشبعنا الكلام فيها في كتاب الروح والنفس وأحوالها وشقاوتها وسعادتها ومقرها بعد الموت". وهو كتابه الكبير في الروح، غير كتاب "الروح" المطبوع، وانظر تعليقي على هذا في موضعه.
- وقوله في مبحث مشاهد العبد في المعصية (ص: ٨٠٨): "وقد ذكرنا في الفتوحات القدسية مشاهد الخلق في مواقعة الذنب". وهو من أوائل كتبه، ويحيل عليه في مصنفاته، ويقع في وهمي أنه مجموعٌ كبير ضمَّنه أبحاثًا متفرقة كتبها أيام مقامه بمكة ثم عاد فنثرها في كتبه.
- وقوله عن صنعة الكيمياء (ص: ٦٣٣): "وقد ذكرنا بطلانها وبينا فسادها من أربعين وجهًا في رسالة مفردة"، وذكرها له تلميذه ابن رجب في ترجمته من "ذيل طبقات الحنابلة" (٥/ ١٧٦).
- وقوله (ص: ١٥٥) عند ذكر الحكمين الداوودي والسليماني: "وقد ذكرت الحكمين الداوودي والسليماني ووجههما، ومن صار من الأئمة إلى هذا ومن صار إلى هذا، وترجيح الحكم السليماني من عدة وجوه وموافقته للقياس وقواعد الشرع في كتاب الاجتهاد والتقليد". وأشار إليه كذلك في "تهذيب السنن" (٦/ ٣٤١)، فهو على هذا من أوائل مؤلفاته.
- ومن ذلك وعده بتصنيف كتابٍ كبيرٍ في المحبة (ص: ١٢٧) بقوله: "ثم نتبعه إن شاء الله بعد الفراغ منه كتابًا في الكلام على المحبة وأقسامها وأحكامها وفوائدها وثمراتها وأسبابها وموانعها وما يقويها وما يضعفها، والاستدلال بسائر طرق الأدلة من النقل والعقل والفطرة والقياس والاعتبار والذوق والوجد على تعلقها بالإله الحق ... ". وانظر تعليقي على هذا
стр. 9
الموضع هناك.
- ومن هذا تمنيه (ص: ١٠٦٨) إفراد محاسن الشريعة بكتاب، وكذلك تمنى في "بدائع الفوائد" (٦٧٠).
ورابعها: ذكره لبعض أحواله التي ذكرها في كتبه الأخرى.
- فمن ذلك: حديثُه عن مجاورته بمكة، وذكر أن هذا الكتاب مما فُتِح به عليه هناك، قال (ص: ١٢٦): "إذ كان هذا من بعض النُّزُل والتحف التي فتح الله بها عليَّ حين انقطاعي إليه عند بيته".
وقصَّ (ص: ١٥٢٢) حادثة ضياع ابنه منه يوم التروية، ثم وجدانه. وحكى (ص: ٦٥٧) خبر مجلسٍ حضره بمكة، وجرت فيه مسألة التفضيل بين النخل والعنب.
- ومن ذلك: إخباره (ص: ٧١٣) عن مرضه أيام مقامه بمكة، واستشفائه بزمزم؛ لعزة الأدوية والأطباء هناك في ذلك العهد، وقد أخبر بذلك في مواطن عدة من كتبه، كما بينته هناك.
وانظر لتلك المجاورة كتاب "ابن قيم الجوزية" (٥٧ - ٥٩) للشيخ بكر أبو زيد.
وخامسها: نقله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية مواقف شاهدها بنفسه.
فمن ذلك: قوله (ص: ٧١٢): "وسمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية ﵀ يقول، وقد عرض له بعض الألم، فقال له الطبيب: أضرُّ ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه والتوجه والذكر! فقال: ألستم تزعمون أن
стр. 10
النفس إذا قويت وفرحت أوجب فرحها لها قوةً تعين بها الطبيعة على دفع العارض، فإنه عدوُّها، فإذا قويت عليه قهرته؟! فقال له الطبيب: بلى، فقال: إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر والكلام في العلم، وظفرت بما يشكل عليها منه، فرحت به وقويت، فأوجب ذلك دفع العارض. هذا أو نحوه من الكلام" (١).
وذكر (ص: ٨٤٤) الاستغفار للمسلمين والمسلمات بلفظٍ أورده، ثم قال: "وسمعت شيخنا يذكره، وذكر فيه فضلًا عظيمًا لا أحفظه، وربما كان من جملة أوراده التي لا يخلُّ بها، وسمعته يقول: إنْ جعَله بين السجدتين جاز".
ونقل عنه في مواضع أخرى (ص: ٣٣٥, ٣٩٥, ٦٨٧, ٩٠٣, ٩٤٠, ١٤٨٣).
وسادسها: ذِكر مترجميه للكتاب ضمن سياق تصانيفه.
فأولهم تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" (٥/ ١٧٥) ووصفه بأنه مجلدٌ ضخم، والصفدي في "الوافي" (٢/ ٢٧١)، وابن حجر في "الدرر الكامنة" (٤/ ٢٢)، وغيرهم (٢).
وسابعها: نقل العلماء عنه، واستفادتهم منه، وعزوهم إليهم.
وهاك ما وقفتُ عليه من ذلك، مرتَّبين بحسب وفياتهم:
١ - برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت: ٨٠٣) في "مصائب الإنسان من مكايد الشيطان" (٣٨) (٣).
_________
(١) وذكر هذا الموقف كذلك في "روضة المحبين"، كما بينت هناك.
(٢) انظر: "ابن قيم الجوزية" للشيخ بكر أبو زيد (٣٠١).
(٣) أفادنيه الشيخ الدكتور سليمان العمير وفقه الله.
стр. 11
٢ - الدَّميري (ت: ٨٠٨) في "حياة الحيوان" (٣/ ٣٦).
٣ - الدَّلجي (ت: ٨٣٨) في "الفلاكة والمفلوكون"، ونصَّ على النقل وسمى الكتاب في (٢٩)، ونقل دون عزو في (٢٣ - ٢٨).
٤ - الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢) في "فتح الباري" (١١/ ٢٩٦).
٥ - الإزنيقي (١) (ت: ٨٨٥) في "مدينة العلوم" (٢).
_________
(١) محمد بن قطب الدين، كان تلميذًا لقاضي زاده المتوفى نحو سنة ٨٤٠، كما في "أبجد العلوم" (١/ ٥، ٢/ ٦). وترجمته في "شذرات الذهب" (٩/ ٥١٣)، و"الفوائد البهية" (١٨٥).
وإزنيق أو أزنيك، أو يزنيك كما ينطقها الترك، هي: نيقية nicaea، بلدةٌ قديمة من أعمال القسطنطينية، كان بها مجمع النصارى الشهير، تقع على بحيرةٍ تسمَّى باسمها شرقيَّ بحر مرمرة. انظر: "رحلة ابن بطوطة" (٢/ ١٩٨)، و"معجم البلدان" (١/ ١٦٩)، و"بلدان الخلافة الشرقية" (١٩٠)، و"الأعلام" (٧/ ٥٠) , ودائرة المعارف الإسلامية (٢/ ٥١).
(٢) انظر: "أبجد العلوم" (٢/ ٣٦٨).
وهذا الكتاب هو أصل "مفتاح السعادة" لطاش كبري زاده، وعلى هذين و"كشف الظنون" بنى صديق حسن خان كتابه "أبجد العلوم". وذكره الكتاني في "التراتيب الإدارية" (٢/ ١٨٩)، وتحرفت نسبته في مطبوعته، وذكر - على التوهم - أن مصنِّفه كان في المئة العاشرة. وتحرفت نسبته كذلك في مطبوعة كتابه "تاريخ المكتبات الإسلامية" (١٥٣) , فترجم محققاه لرجل غيره.
وله نسخٌ خطية في خدا بخش والخزانة الملكية الحسنية وغيرها، وبعضها تنسبه لطاش كبري زاده. والغريب أن حاجي خليفة لم يذكره في "كشف الظنون"، على قرب الدار وعلاقته بموضوع كتابه، فأخشى أن يكون الكتابان ــ "مفتاح السعادة" و"مدينة العلوم" ــ إصدارتين لكتاب طاش كبري زاده، ويكون اسم الثاني ونسبته للإزنيقي خطأ قديمًا من أحد النساخ اغترَّ به صديق حسن خان.
стр. 12
٦ - الجلال السيوطي (ت: ٩١١) في "زهر الربى " (٣/ ١٤١).
٧ - الصالحي الشامي (ت: ٩٤٢) في "سبل الهدى والرشاد" (٩/ ٣٥٦).
٨ - طاش كبري زاده (ت: ٩٦٨) في "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" (١/ ٣١٤، ٣٣٩). وزعم أن ابن القيم أفرط في الطعن في علم أحكام النجوم.
٩ - الملا علي القاري (ت: ١٠١٤) في "الأسرار المرفوعة" (٢٨٢) , نقل عن ابن القيم نصًّا من "المفتاح" دون أن يسمي الكتاب.
١٠ - حاجي خليفة (ت: ١٠٦٧) في "كشف الظنون" (١٢١٦).
١١ - السفاريني (ت: ١١٨٨) في "غذاء الألباب" (١/ ٤١، ٤٢، ٧٦، ٧٩، ٢٤٧، ٢٥١، ٤٤٢، ٤٤٥، ٢/ ١٠، ٦٠، ١٢١، ١٢٢، ٤٤٤، ٥٩٥)، و"لوامع الأنوار البهية" (١/ ٦٢، ٢٨٦، ٣٣١، ٣٣٣، ٣٥٧، ٢/ ٢٥٦)، وغيرها.
١٢ - مرتضى الزبيدي (ت: ١٢٠٥) في "إتحاف السادة المتقين"، وقد أكثر من النقل عن الكتاب، تارةً بالتصريح باسم الكتاب وابن القيم كما في (١/ ١٢٩، ٢٠٤)، وتاراتٍ بالتصريح بابن القيم فحسب كما في (١/ ١٠٠، ١٠٥، ١٣٥، ١٣٨، ... )، وتاراتٍ أخرى بدون تصريح كما في (١/ ١٣٧، ١٥٧، ١٥٨، ... ).
١٣ - سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٣٣) في "تيسير العزيز الحميد" (٦٦٠).
стр. 13
١٤ - أبو الثناء الآلوسي (ت: ١٢٧٠)، ونقل عنه كثيرًا في "روح المعاني"، تارة بالتصريح كما في (١٧/ ١٠٥، ٢٣/ ٢٢٣، ٣٠/ ١٣١)، ومن مبحث الرد على المنجمين في مواضع كثيرة بلا تصريح.
١٥ - عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٩٣) في "عيون الرسائل والأجوبة على المسائل" (٢/ ٩٥٣).
١٦ - صديق حسن خان (ت: ١٣٠٧) في "أبجد العلوم" (١/ ٩٧).
١٧ - نعمان الآلوسي (ت: ١٣١٧) في "جلاء العينين" (٢٩٤).
١٨ - جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢) في "محاسن التأويل" (٣٣٧٨، ٤٢١٧، ٦١٧١، ٦٢٠٨، ٦٢٥٠).
١٩ - محمود شكري الآلوسي (ت: ١٣٤٢). في "صب العذاب" (٢٤٢)، و"بلوغ الأرب" (٣/ ٣٠٨ - ٣١٢)، وغيرهما.
ثم كثر النقل واستفاض.
وثامنها: توافق كثير من مباحث الكتاب مع ما بحثه في كتبه الأخرى، واتحاد أسلوبه وقلمه.
فمن المباحث المتفقة: مسألة التحسين والتقبيح، وقد رأيتَ إحالاته في كتبه على بحثها هنا، وتعليل أفعال الله تعالى، وحكمة إخراج آدم من الجنة، والخلاف في الجنة التي أُسْكِنها، ومشاهد العبد في المعصية، وعجائب خلق الإنسان وغيره، والمراد بالنجوم المقسَم بها في القرآن، ومبحث العدوى والطيرة، وتفضيل العسل على السكر، والمفاضلة بين العنب
стр. 14
والتمر، إلى آخر ذلك، وقد وصلتُها بكتب المصنف الأخرى في الحواشي.
ومن ذلك: ما يستشهدُ به من الشعر، فكثيرٌ من الأبيات يكثر إنشادها في مصنفاته، وطائفةٌ منها يشبه أن تكون له.
أما أسلوبه ونظم كلامه، فهو هو المعهودُ المعروفُ منه في عامة كتبه، وقد ألفناه واستأنسنا به في قراءة نصِّ الكتاب.
* * *
стр. 15
تحرير عنوان الكتاب
سمَّى المصنف كتابه في مقدمته ــ على شريعته المعهودة بالاحتفال بعناوين مصنفاته والتنوُّق فيها ــ اسمًا مسجوعًا، متخيَّر الألفاظ، دالًّا على المراد دلالةً مجازية، فقال (ص: ١٢٦): "وسمَّيتُه: مفتاح دار السَّعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة".
وانفردت النسخة (ت) كعادة ناسخها في الإغراب، فوقع فيها: "ومنتهى " بدل "ومنشور"، وهو تصحيفٌ بيِّنٌ لا يبلغ المعنى الذي رامه المصنف، وما وقع في سائر الأصول محض الصواب.
وانفردت النسخة (ق)، فزادت: "أهل" قبل "العلم"، وأظنه من سبق قلم الناسخ، وقد كتبه على الجادة في صفحة العنوان.
والمنشور: ما يكتبه السلطانُ لأحدهم بالإقطاع أو الولاية أو الحماية أو ما يجري مجراها، ولا يحتاجُ لشرفه إلى ختم (١).
فأراد المصنف أن كتابه كذلك في بلوغه بمن قرأه وتحقَّق به ولاية العلم والإرادة، وجلوسه على سرير الإمارة.
فالولاية على هذا بكسر الواو، لا بفتحها كما ذهب إليه العلامة الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (٢)، ولمذهبه وجهٌ بعيد.
_________
(١) ويسمى: الفَرمان. انظر: "التكملة" و"التاج" (نشر)، و"تكملة المعاجم" لدوزي (٨/ ٦١، ١٠/ ٢٢٢). وأطال القلقشندي (ت: ٨٢١) في "صبح الأعشى " (١٣/ ١٦٢ - ٢٠٠) القول في الآيين المتصل به لعهده.
(٢) "ابن قيم الجوزية" (٣٠٠).
стр. 16
أما ما نُقِل عن الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع من أن الصواب: "ألوية" (١)، فلا دليل عليه، وليس هو من الصواب في شيء (٢).
و "المنشور" بهذا المعنى المجازي من الألفاظ التي يكثر دورانها واستعمالها في كتب المصنف (٣).
ووقعت تسمية الكتاب في "مدارج السالكين" (١/ ٩١): "مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة". هكذا في مطبوعته، وينبغي أن يُسْتَظهر بأصوله الخطية العتاق. فإن كان كذلك فهي تسميةٌ أخرى، أو وهمٌ ونسيان، والأمران محتملان كثيرا الوقوع، والأول أشبه. وما سماه به المصنف في مقدمة كتابه أولى بالاعتبار بلا ريب.
فالاسم العَلَمي إذن هو: "مفتاح دار السَّعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"، وكذا كتب على لوحة العنوان في النسخ (ق، ح، ن). ووقع في (ت، د، ي): "مفتاح دار السعادة" بالاقتصار على شطره الأول.
ويُختصَر عند الإحالة على الكتاب بما يكفي للدلالة عليه في سياقه، فتارةً يكتفى بصدره معرَّفًا بـ "أل": "المفتاح" (٤).
_________
(١) المصدر السابق (٣٠٢).
(٢) وسماه كذلك يوسف سركيس (ت: ١٣٥١) في "معجم المطبوعات العربية" (٢٢٥)، فلعله هو مصدر الشيخ ابن مانع.
(٣) انظر: "بدائع الفوائد" (١١٧٨)، و"عدة الصابرين" (١٠٩)، و"مدارج السالكين" (١/ ٤١، ١٨٥، ٢/ ٤٢٣، ٥١٢، ٣/ ٧٣)، و"الوابل الصيب" (١٥٥)، و"الفوائد" (٨٧، ١١٠)، و"حادي الأرواح" (١٤١، ١٤٥)، و"الكافية الشافية" (٩٢٦).
(٤) انظر: "الصواعق المرسلة" (١٤٥٠)، و"زاد المعاد" (٤/ ١٥٤)، و"إغاثة اللهفان" (٢/ ١٢٥، ١٣٥)، و"شفاء العليل" (٣٨٢)، و"سبل الهدى والرشاد" (٩/ ٣٥٦).
стр. 17
وتارةً يُقتصَر على شطره الأول: "مفتاح دار السعادة"، وهو المشهور عند مترجميه في سياقهم لمصنفاته، وغيرهم.
أما اختصاره بإسقاط كلمة "دار" (١)، ففيه إخلال، ويشتبه باسم كتاب ابن عربي: "مفتاح السعادة في معرفة المدخل إلى علم الإرادة"، و"مفتاح السعادة ومصباح السيادة" لطاش كبري زاده، و"مفتاح السعادة بشرح الزيادة" للمناوي، و"مفتاح السعادة في فضيلة الوضوء والعبادة" لابن الحبال الدمشقي، وغيرها.
ودار السعادة هي الجنة، كما هو ظاهر، ويورده المصنف كثيرًا في كتبه. وكتب ناسخ (ق) فوق العنوان: "يعني: دار الآخرة". وليس كما قال.
_________
(١) انظر: "أبجد العلوم" (٢/ ٣٩٥).
стр. 18
تاريخ تأليف الكتاب
ليس في الأصول الخطية التي اعتمدنا عليها ما يشير إلى تاريخ تأليف الكتاب، لكن النظر فيما وصلنا من مصنفات ابن القيم ﵀ يدل على أنه لم يتوفَّر على التصنيف إلا بعد وفاة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية وخروجه من سجن القلعة ثالث عشري ذي الحجة سنة ٧٢٨ (١).
ويشبه أن يكون توجَّه بعد ذلك إلى مكة وجاور بها، وفيها صنَّف "الفتوحات القدسية"، و"التحفة المكية"، وأظنهما مجموعين كما قدمتُ الإشارة لذلك، وأحال في "مفتاح دار السعادة" على الكتاب الأول، ثم "تهذيب السنن" سنة ٧٣٢، وأحال في "المفتاح" عليه، ثم "المفتاح"، فإنه صرَّح في مقدمته (ص: ١٢٦) بأنه من بعض النُّزُل والتحف التي فتح الله بها عليه حين انقطاعه إليه عند بيته، ثم ابتدأ "زاد المعاد" وأحال فيه على "المفتاح".
ويشبه كذلك أن يكون تصنيف "المفتاح" قبل "طريق الهجرتين"، ويدل لذلك إحالته في "طريق الهجرتين" (١٢٤) على كتابه الكبير في المحبة، وقد وعد في مقدمة "المفتاح" بتأليفه.
وحين حكى في "طريق الهجرتين" (٨٠٨) الخلاف في المفاضلة بين النخيل والعنب قال: " ... وذكرت كلُّ طائفة حججًا لقولها قد ذكرناها في غير هذا الموضع". وهي مذكورةٌ في "المفتاح" (ص: ٦٥٦).
_________
(١) "أعيان العصر" (٤/ ٣٦٨).
стр. 19
واستظهر شيخنا الجليل محمد أجمل الإصلاحي في مقدمة تحقيقه لـ "طريق الهجرتين" (٢٠) أنه مؤلف قبل سنة ٧٣٢، فعلى هذا يكون "المفتاح" مما كُتِب قبل ذلك، لكن يشكل عليه أنه أحال في "المفتاح" على "تهذيب السنن"، فهو متأخرٌ عنه (١).
والحاصل أن كتاب "مفتاح دار السعادة" مما صنفه ابن القيم بمكة، وفيها صنف كتبه الأولى، وقد أحال عليه في كتبه الكبار: "زاد المعاد"، و"إغاثة اللهفان"، و"مدارج السالكين"، و"الصواعق المرسلة"، وغيرها.
والقول في ترتيب تآليفه زمنيًّا يحتاج إلى استقراءٍ تامٍّ لها، واستخراج الإشارات الهادية، والإحالات الكاشفة، ومقارنة مباحثها وطريقته في معالجتها، وهو جديرٌ بالعناية، فعسى أن يوفق لتحريره من شاء الله من عباده.
* * *
_________
(١) يلاحظ أيضًا أن هذه الإحالات ليست قاطعة في مسألة التقدم والتأخر؛ لأنه قد يحيل عليه في إخراج جديد للكتاب أو في لحقٍ يضيفه بعد ذلك. (علي العمران). وهو كما قال، وإنما هي قرائن وحسب.
стр. 20
موضوع الكتاب وتقسيمه
* افتتح المصنف الكتاب بمقدمةٍ عن الحِكَم والأسرار في إخراج أبينا آدم من الجنة وإسكانه دار الامتحان والابتلاء، وهو بحثٌ عالجه في غير موضع من كتبه، ولما كان ذلك لا يتمُّ إلا على القول بأن تلك الجنة هي جنة الخلد التي وُعِد المتقون، ذكر الخلاف في الجنة التي أُسْكِنها آدم، وأطال في سياق حجج الفريقين من غير انتصابٍ لنصرة أحد القولين؛ لأن المقصود حاصلٌ على كل تقدير, كما قال.
* ثم كتب فصولًا في التعليق على العهد الذي عَهِدَه الله إلى آدم وبنيه حين أهبطه بقوله سبحانه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وقوله: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
* ثم لما كان ذاك العهد لا يوصَلُ إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة بابُ الوصول إليه، والعلم مفتاحُ ذلك الباب المتوقف فتحُه عليه، وكمال كلِّ إنسان إنما يتمُّ بهذين الأمرين= وضَعَ الكتابَ مؤسَّسًا على هاتين القاعدتين؛ للتعريف بشرف هذين الأصلين.
وبناءً على هاتين القاعدتين قسَم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول: للعلم، والقسم الثاني: للإرادة.
стр. 21
والإرادة مصطلحٌ صوفي يتضمن معنى المحبة الباعثة على العمل، وهي بدء طريق السالكين وأول منازل القاصدين إلى الله تعالى (١)، وهي مركبُ العبودية وأساس بنائها الذي لا تقومُ إلا عليه، فأكمل الخلق عبوديةً ومحبةً أتمُّهم إرادة (٢)، واشتقوا منها اسم: "المريد" للواحد، وأهلها هم أهل الإرادة، واستعماله شائعٌ كثير الوقوع في كتب ابن القيم وشيخه.
ولما كان العلمُ إمام الإرادة ومقدَّمًا عليها ومرشدًا لها قدَّم الكلام عليه على الكلام عنها.
ونبَّه القارئ على هذا التقسيم وذكَّره به في مواضع من الكتاب.
- فقال (ص: ٦٠٨): "وأحسنُ ما أنفقت فيه الأنفاسُ التفكر في آيات الله وعجائب صنعه, والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته؛ فلذلك عقدنا هذا الكتاب على هذين الأصلين".
- وقال (ص: ٥٨٤) في حديثه عن حِكَم المخلوقات: "ونحن نذكر هنا فصولًا منثورةً من هذا الباب مختصرةً وإن تضمنت بعض التكرار وترك الترتيب في هذا المقام الذي هو من أهم فصول الكتاب, بل هو لبُّ هذا القسم الأول".
- وقال (ص: ٨٥٥): "وقد ذكرنا فصلًا مختصرًا في دلالة خلقه على وحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله وأسمائه الحسنى، وأردنا أن نختم به
_________
(١) "الرسالة القشيرية" (٣٥٠، ٣٥١)، وقال: "فأما حقيقتها فهي نهوض القلب في طلب الحق سبحانه".
(٢) "طريق الهجرتين" (٤٨٠).
стр. 22
القسم الأول من الكتاب، ثم رأينا أن نتبعه فصلًا في دلالة دينه وشرعه على وحدانيته وعلمه وحكمته ... ".
- وذكر (ص: ٨١٩) من أوجه حِكَم وقوع العبد في الذنب: "أنه سبحانه يستجلب من عبده بذلك ما هو من أعظم أسباب السعادة له من استعاذته واستعانته به ... ، ومن أنواع الدعاء والتضرع والابتهال والإنابة والفاقة ... ، فيحصل للروح بذلك قربٌ خاص لم يكن يحصل بدون هذه الأسباب ... "، ثم قال: "وأسرار هذا الوجه يضيقُ عنها القلب واللسان وعسى أن يجيئك في القسم الثاني من الكتاب ما تقرُّ به عينك إن شاء الله تعالى ".
- وذكر (ص: ١٠٨٥) ظنَّ المتكلمين أن الطاعة تصدر عن خوفٍ غير مقرونٍ بمحبة، بناءً على أصلهم الباطل أن الله لا تتعلق المحبة بذاته وإنما بمخلوقاته مما في الجنة من النعيم، ثم قال: "وسنذكر في القسم الثاني إن شاء الله في هذا الكتاب بطلان هذا المذهب من أكثر من مئة وجه، ... وسيرد عليك بسط الكلام في هذا عن قريب إن شاء الله".
- وذكر (ص: ١١٥٩) أن كمال العبد بمعرفة أسماء الله وصفاته وما ينبغي له، ومعرفة دينه وأمره، ثم قال: "وهذا هو الذي خلق له، بل وأريد منه، بل ولأجله خلقت السماوات والأرض، واتخذت الجنة والنار، كما سيأتي تقريره من أكثر من مئة وجه إن شاء الله".
- وذكر (ص: ٨١٣) خبر فرح الواجد راحلته بعد أن أيس منها، ثم قال: "وليس في أنواع الفرح أكمل ولا أعظم من هذا الفرح، كما سنوضح ذلك ونزيده تقريرًا عن قريب إن شاء الله".
- وقال (ص: ١٩): "وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث وذكر
стр. 23
سرِّ هذا الفرح بتوبة العبد".
- وقال (ص: ١١٦١): "وسنبين إن شاء الله عن قريب بالبراهين الشافية أن النفس ليس لها نجاةٌ ولا سعادةٌ ولا كمالٌ إلا بأن يكون الله وحده محبوبها ومعبودها ... ".
- وقال (ص: ١١٦٤): "وسنذكر إن شاء الله عن قريب معنى تعلق الإرادة به تعالى وكونه مرادًا والعبد مريدٌ له".
- وقال (ص: ١١٦٦): "وكل حيٍّ شاعر لا صلاح له إلا بأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده وغاية مراده، وسيمرُّ بك إن شاء الله بسطُ القول في ذلك، وإقامة البراهين على هذا المطلوب الأعظم الذي هو غاية سعادة النفوس وأشرف مطالبها".
فهل تمَّ بناء الكتاب على تينك القاعدتين؟ وهل أتى الكلام على القسم الثاني المتعلِّق بالإرادة وما ورد في تلك الإحالات؟
أما القسم الأول، وهو ما يتعلق بالعلم، فإنه افتتح القول فيه بعد المقدمة، فساق أكثر من مئة وخمسين وجهًا في بيان فضله وشرفه، ووجوه ذلك، وآثاره، ودلائله، فأمتع وأطرب، وأتى بكل بديع.
ثم ما زال يستطرد من موضوع إلى موضوع حتى طال عليه الأمر، وصار الكتاب مجلدًا ضخمًا (١)، ولمَّا يبدأ بعد في القسم الثاني الذي ذكره في
_________
(١) قال ابن رجب في سياق ذكر مصنفات ابن القيم: "ومفتاح دار السعادة مجلد ضخم". "ذيل طبقات الحنابلة" (٥/ ١٧٥). وقال الصفدي في "أعيان العصر" (٤/ ٣٦٩): "مجلد كبير".
стр. 24
المقدمة وأحال عليه في تلك المواضع، فكفَّ قلمه بعد أن أرخى له الطِّوَل، واختار أن يجعل الكتاب خالصًا للقسم الأول، وهو العلم وما يتصلُ به، فختم الكتاب بقوله: "وليكن هذا آخر الكتاب ... "!
وكأنه رأى أن يدع موضوع القسم الثاني لكتابٍ آخر قائم برأسه، فعاد إلى مقدمة الكتاب فألحق بها ــ عند موضع ذكر بناء الكتاب على تينك القاعدتين ــ قوله: "ثم نتبعه إن شاء الله بعد الفراغ منه كتابًا في الكلام على المحبة وأقسامها وأحكامها وفوائدها وثمراتها وأسبابها وموانعها وما يقويها وما يضعفها، والاستدلال بسائر طرق الأدلة من النقل والعقل والفطرة والقياس والاعتبار والذوق والوجد على تعلُّقها بالإله الحق الذي لا إله غيره، بل لا ينبغي أن تكون إلا له ومن أجله، والرد على من أنكر ذلك وتبيين فساد قوله عقلًا ونقلًا وفطرةً وقياسًا وذوقًا ووجدًا".
ولعل ذلك الكتاب هو "المورد الصافي والظلُّ الضافي"، أو "قرة عيون المحبين وروضة العارفين"، كما بينتُ في تعليقي هناك.
فانظر الآن كيف وقع له ذاك الاستطراد الطويل الغريب!
* افتتح القسم الأول المتعلق بالعلم وشرفه بذكر الوجوه الدالة على ذلك، وحين انتهى إلى الوجه الثالث والخمسين بعد المئة، وهو ما ثبت عن بعض السَّلف أنه قال: "تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة ستِّين سنة"، استطرد إلى الكلام في التفكر ومتعلَّقه ومجاريه، ثم استرسل في فصولٍ كثيرة في بيان عجيب خلق الله وباهر صنعه وتدبيره في خلقه!
فهذا موضوعٌ مستقلٌّ كان الأليقُ إفراده بتصنيفٍ خاص، ولابن القيم به عنايةٌ واحتفالٌ في كتبه، خاصة "شفاء العليل"، و"أيمان القرآن"، فلو جمعت
стр. 25
مادتُه من هذه الكتب الثلاثة وغيرها ورتِّبت لجاءت كتابًا لطيفًا.
ومما يتصل بذلك: الكلام في حكمة الله في أمره ونهيه والمحاسن المودعة في شريعته, وخواصُّ العباد يشهدون ذلك أعظم من شهودهم حكمة الخلق, وقد استطرد ببيان الكثير منها, وتمنى إفرادها بالتصنيف, وقال (ص: ١٠٦٨): "لعل الله أن يساعد بمصنَّف في ذلك".
* ولم يزل يتكلم في بدائع الخلق حتى وصل إلى الحكمة في ستر الآجال عن العباد، فاستطرد بذكر خلاف الناس في الحكمة وتعليل أفعال الرب تعالى، وما تشهده كلُّ فرقةٍ في المعصية، وكتب فصولًا بديعةً في مشاهد الخلق في مواقعة الذنب.
وهو بابٌ جليل أحسن ابن القيم ﵀ استفتاحه في كتبه، كما بينتُ في التعليق هناك (ص: ٨٠٨)، ولو أفرد بالتصنيف لكان أهل ذلك وأحقَّ به.
فهذا هو الموضوع الثاني.
* ثم عاد إلى القول في حكمة الله تعالى، فكتب فصلًا في حكمته سبحانه في ابتلاء عباده وصفوته، ثم فصلًا في الحكمة من دينه وشريعته، واستطرد بالاستدلال والاحتجاج على حاجة الناس للشريعة وموافقتها للفطر والعقول، فساق فصولًا في بعض الحِكَم لمباني الدين وشرائعه، ولما كان ذلك يفتقر لإثبات أن في ذوات تلك الأحكام صفاتٍ وجوديةً أوجبت حُسْن المأمور به وقُبْح المنهيِّ عنه، وإلا لزم منه لوازم باطلة= استطرد في بحث مسألة التحسين والتقبيح العقليين وذيولها، وأفاض فيها بذكر أقوال الفِرَق واستدلال أصحابها ومسالكهم وما أورد على أدلة كل فريق من الاعتراضات، ثم جلس مجلس الحكومة ليقضي بالحق بينهم، فقرر مذهب
стр. 26
أهل السنة في هذا الباب أحسن تقرير.
فهذا الموضوع الثالث من موضوعات الاستطراد، وهو أشملُ موضعٍ بحث فيه ابن القيم مسألة الحسن والقبح العقليين، وما زال يحيل عليه في كتبه كلما ورد ذكر المسألة كما مرَّ بك في فصل نسبة الكتاب.
* ثم لمَّا كان من قول بعض فرق الصابئة المنكري النبوَّات في التحسين والتقبيح العقليين: "إنه لمَّا كانت الموجوداتُ في العالم السفلي مركبةً على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي مدبرات الكواكب، وكان في اتصالاتها نظرُ سعدٍ ونحسٍ= وجب أن يكون في آثارها حسنٌ وقبحٌ في الأخلاق والخلق والأفعال، والعقول الإنسانية متساوية في النوع، فوجب أن يدركها كل عقل سليم، ... فنحن لا نحتاج إلى من يعرِّفنا حُسْن الأشياء وقبحها وخيرها وشرها ونفعها وضرها"= استطرد ابن القيم بالردِّ والإبطال لعلم أحكام النجوم الذي يدعي تأثير الكواكب وتدبيرها لأحوال العالم، وأطال في ذلك، وأتى على بنيانهم من القواعد (١).
وهذا الموضوع الرابع لا نظير له في كتب ابن القيم ﵀، وهو مبحثٌ عظيمُ الفائدة جليل النفع. وحقه أن يستقلَّ بمصنَّفٍ يُعَنْوَن بإبطال التنجيم، على غرار رسالته "إبطال الكيمياء".
* ثم لما تصدى لمناقشة احتجاجات الرازي لعلم أحكام النجوم، وكان منها الاحتجاج ببعض حكايات إصابة المنجمين في أحكامهم، أجاب بأنها
_________
(١) وقال (ص: ١٣٩٠): "وهذا هو السبب الذي سُقنا الكلام لأجله معهم لمَّا حكينا قولهم: إنه لمَّا كانت الموجوداتُ في العالم السُّفليِّ ... ".
стр. 27
ليست بأكثر من الحكايات المنقولة عن أصحاب زجر الطير والعيافة ونحوها من علوم الجاهلية، واستطرد في الكلام عليها وعلى العدوى والشؤم، وما حكي عن العرب فيها من قصصٍ وأشعار، وتفسير ما ورد في الكتاب والسنة بشأنها، ومذاهب الأئمة والسلف في الباب.
وهذا خامس الموضوعات، وهو بحثٌ طريفٌ فيه فقهٌ وتاريخٌ وأدب، وهو كما ترى مستقلٌّ بنفسه.
وبعد أن فرغ منه ابن القيم ختم الكتاب بقوله: "وليكن هذا آخر الكتاب ... ".
فهذه مواقعُ أقدام ذلك الاستطراد الطويل، وتلك هي موضوعاته، وقد كان الأليقُ بصناعة التأليف إفرادها بتصانيفَ مستقلةٍ خاصة، والإحالة عليها إن كانت ناجزة، كما فعل حين جرى ذكر صنعة "الكيمياء" في سياق حديثه عن حكمة خلق الذهب والفضة وعزَّتهما (ص: ٦٣٣)، فإنه بيَّن بطلانها بكلام موجز، ثم قال: "وقد ذكرنا بطلانها وبينَّا فسادها من أربعين وجهًا في رسالةٍ مفردة"، ألا تراه لو استطرد فذكر تلك الوجوه كما استطرد في المواضع الأخرى، لزادت الموضوعاتُ الخمسة موضوعًا سادسًا؟!
أو العزم على إفرادها بالتصنيف، كما صنع (ص: ٥٨٨) حين مرَّ به دليل التمانع في آيتي الأنبياء والمؤمنون، فإنه أشار إليه بإيجاز، ثم قال: "وسنفرد إن شاء الله كتابًا مستقلًّا لأدلة التوحيد".
وكما صنع (ص: ٧١١) حين فاضل بين العسل والسكَّر، ثم قال: "وسنفرد إن شاء الله مقالةً نبين فيها فضل العسل على السكَّر، من طرقٍ عديدةٍ لا تُمْنَع وبراهين كثيرةٍ لا تُدْفَع".
стр. 28
فلو صنع بباقي الموضوعات صنيعه هذا لأمكنه أن يأتي على القسم الثاني، وهو الكلام في إرادة الله ومحبته، دون أن يطغى طول الكتاب فيصرفه عن إكماله، وكان سيتمُّ بذلك مستوفيًا لغرضه، محققًا لعنوانه.
وقد حمل هذا الاستطرادُ المصنفَ على أن يختم كتابه بطريقةٍ غير مألوفةٍ في كتبه، إذ جعلها أشبه بالفهرست لمضامينه، فقال: "وليكن هذا آخرَ الكتاب، وقد جُلِبَت إليك فيه نفائس في مثلها يتنافسُ المتنافسون، وجُلِيَت عليك فيه عرائس إلى مثلهنَّ بادَر الخاطبون.
فإن شئتَ ?قتبستَ منه معرفةَ العلم وفضله، وشدَّة الحاجة إليه، وشرفَه وشرفَ أهله، وعِظَم موقعه في الدارين.
وإن شئتَ ?قتبستَ منه معرفةَ إثبات الصانع بطُرقٍ واضحاتٍ جليَّات تَلِجُ القلوبَ بغير ?ستئذان، ومعرفةَ حكمته في خلقه وأمره.
وإن شئتَ ?قتبستَ منه معرفةَ قَدْر الشريعة، وشدَّةَ الحاجة إليها، ومعرفةَ جلالتها وحكمتها.
وإن شئتَ ?قتبستَ منه معرفة النبوَّة وشدَّةَ الحاجة إليها، بل ضرورة الوجود إليها، وأنه يستحيلُ من أحكم الحاكمين أن يُخْلِيَ العالم عنها.
وإن شئتَ ?قتبستَ منه معرفةَ ما فَطر اللهُ عليه العقولَ من تحسين الحسن وتقبيح القبيح، وأنَّ ذلك أمرٌ عقليٌّ فطري، بالأدلة والبراهين التي ?شتَمل عليها هذا الكتاب ولا توجدُ في غيره.
وإن شئتَ ?قتبستَ منه معرفة الردِّ على المنجِّمين القائلين بالأحكام بأبلغ طرق الردِّ عليهم من نفس صناعتهم وعلمهم، وإلزامهم بالإلزامات المُفْحِمة التي لا جوابَ لهم عنها، وإبداء تناقضهم في صناعتهم،
стр. 29
وفضائحهم وكذبهم على الخلق والأمر.
وإن شئتَ ?قتبستَ منه معرفةَ الطِّيَرة والفأل والزَّجْر، والفرقَ بين صحيح ذلك وباطله، ومعرفةَ مراتب هذه في الشريعة والقَدَر.
وإن شئتَ ?قتبستَ منه أصولًا نافعةً جامعةً مما تَكْمُلُ به النفسُ البشرية وتنالُ بها سعادتَها في معاشها ومعادها.
إلى غير ذلك من الفوائد التي ما كان منها صوابًا فمن الله وحده هو المانُّ به، وما كان منها خطأً فمن مؤلِّفه ومن الشيطان، والله بريءٌ منه ورسوله ... ".
كما حمل ذلك الحاج خليفة على أن يقول عن الكتاب: "وهو كتابٌ كبير الحجم، وليس بمرتَّب، بل فيه فوائدُ مرسلة يقتَبس من مجموعها: معرفة العلم وفضله، ومعرفة إثبات الصانع، ومعرفة قدر الشريعة, ومعرفة النبوة, وشدة الحاجة إلى هذه المذكورات، ومعرفة الرد على المنجمين، ومعرفة الطيرة والفأل والزجر، ومعرفة أصول نافعة جامعة فيما تكمل به النفس البشرية ... إلى غير ذلك من الفوائد" (١).
ولعله لذلك أيضًا وصفه نعمان الآلوسي (ت: ١٣١٧) بقوله: "وكتاب مفتاح دار السعادة مجلدٌ ضخمٌ غريب الأسلوب" (٢).
* * *
_________
(١) "كشف الظنون" (١٧٦١).
(٢) "جلاء العينين" (٢٩٤).
стр. 30
موارد الكتاب
لابن القيم ﵀ شغفٌ عظيمٌ بالكتب وولوع، يقول صاحبه ابن كثير، وتلميذه ابن رجب: "اقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيلُ عُشره من كتب السلف والخلف" (١).
وقال الصفدي: "ما جمع أحدٌ من الكتب ما جمع؛ لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك، ... وكان عنده من كل شيءٍ في غير ما فنٍّ ولا مذهبٍ بكلِّ كتابٍ نسخٌ عديدة ... " (٢).
وأثر تلك المكتبة الواسعة في تواليفه واضحٌ مبين.
ومن شواهد عنايته بتحصيل الأصول المتقنة العزيزة، في كتابنا:
- نقل بعضهم نصًّا عن كتاب "الحيوان" لأرسطو، فقال ابن القيم: "وأما ما حكوه عن أرسطو فنقلٌ محرَّف، ونحن نذكر نصَّه في الكتاب المذكور، فإن لنا به نسخةً مصححة قد اعتني بها ... " ثم ذكره (٣).
- ونقل مقابسةً طويلة من كتاب "المقابسات" لأبي حيان التوحيدي، من نسخةٍ "بخطِّ رزق الله المنجم، وكان من زعمائهم" (٤) أي: زعماء المنجمين.
_________
(١) "البداية والنهاية" (١٨/ ٥٢٤). وانظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (٥/ ١٧٤).
(٢) "أعيان العصر" (٤/ ٣٦٨).
(٣) (ص: ١٢٥٦).
(٤) (ص: ١٣١٤).
стр. 31
وانظر سعة اطلاعه حين يقول في معرض رده على احتجاج الرازي لصناعة التنجيم: "ومن العجب قوله [أي: الرازي]: لو كان هذا العلم فاسدًا لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى آخره عليه! وليس في الفرية أبلغ من هذا ولا في البهتان، أترى هذا الرجل ما وقف على تأليفٍ لأحدٍ من أهل المشرق والمغرب في إبطال هذا العلم والردِّ على أهله؟! فقد رأينا نحن وغيرنا ما يزيد على مئة مصنفٍ في الردِّ على أهله وإبطال أقوالهم، وهذه كتبهم بأيدي الناس، وكثيرٌ منها للفلاسفة الذين يعظِّمهم هؤلاء ويرون أنهم خلاصة العالم، كالفارابي وابن سينا وأبي البركات الأوحد وغيرهم، وقد حكينا كلامهم، وأما الردود في ضمن الكتب حين يُرَدُّ على أهل المقالات فأكثر من أن تذكر، ولعلها أن تزيد على عدَّة الألف، تجد في كل كتابٍ منها الردَّ على هؤلاء وإبطال مذهبهم ... " (١).
ومن شواهد سعة اطلاعه: أنه قرَّر شبهةً وردت في "المختصر" لابن الحاجب, ثم قال: "هذا وجه تقرير هذه الشبهة, وإن كان كثيرٌ من شرَّاح المختصر لم يفهموا تقريرها على هذا الوجه ... " (٢).
وموارده في هذا الكتاب على أقسام أربعة:
القسم الأول: ما صرَّح فيه باسم الكتاب ومصنفه .
وهاهي مرتبةً على حروف المعجم:
- "آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم, صرَّح باسم الكتاب في
_________
(١) (ص: ١٤٦٣).
(٢) (ص: ٩٥٩). وللمختصر ما ينيف على السبعين شرحًا.
стр. 32
(ص: ١٤٥٢) , ونقل منه في موضع آخر مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي, صرَّح به في (ص: ٤٠٩) , ونقل عنه في مواضع أخرى بدون تصريح, كما سيأتي.
- "الأربعة" (المقالات الأربع) لبطليموس (ص: ١٣١١).
- "أسرار النجوم" المعروف بـ (المذاكرات) لأبي سعيد شاذان المنجم (ص: ١٢٢٥).
- "أسرار النجوم" لأبي معشر المنجم (ص: ١٢٢١).
- "أقسام اللذات" للرازي (ص: ٤١٠).
- "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي (ص: ١٢٠٦).
- "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (ص: ٤٧٠).
- "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (ص: ١٥٥٣, ١٥٧٦).
- "ترتيب العلم" لثابت بن قرة (ص: ١٣١٣).
- تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (ص: ٥٤, ٥٦).
- تفسير الراغب الأصبهاني (ص: ٥٤). ونقل عنه في موضع آخر دون تصريح, كما سيأتي.
- تفسير الرماني (ص: ٥٣).
- تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز) (ص: ٥٢).
- تفسير الماوردي (النكت والعيون) (ص: ٥٥, ٨٣, ١٣٦١).
стр. 33
- تفسير أبي مسلم الأصبهاني (ص: ٥٢).
- تفسير ابن المنذر (ص: ١٣٧٥).
- تفسير المنذر بن سعيد البلوطي (ص: ٢٨, ٥٢).
- "تفسير الموطأ" لابن مزين (ص: ٨٢, ٣٨٩).
- "التفهيم إلى صناعة التنجيم" للبيروني (ص: ١٢٣٤, ١٢٣٥).
- "التمهيد" لابن عبد البر, صرَّح باسم الكتاب في (ص: ١٥١٨) , ونقل منه في مواضع أخرى مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "الجامع" للترمذي صرَّح باسم الكتاب في (ص: ٦٩, ٧٣, ٦٢٠) , ونقل منه في مواضع أخرى مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "الجامع" لابن وهب, صرَّح باسم الكتاب في (ص: ١٤٩١, ١٥٢٧) , ونقل منه في مواضع أخرى مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "الجليس والأنيس" للمعافى بن زكريا الجريري (ص: ٤٧٢).
- "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهاني (ص: ٣٤٨).
- "الحيوان" لأرسطو (ص: ١٢٥٦, ١٢٦٠).
- "الرد على المنطقيين" لابن تيمية (ص: ٤٤٨).
- رسالة أبي القاسم علي بن عيسى في إبطال التنجيم (ص: ١٢٣٦).
- رسالة لابن الهيثم في أقسام الخلل الواقع في آلات الرصد (ص: ١١٨٨).
- "السماع الطبيعي" لأرسطاطاليس (ص: ١٣٠١, ١٣١٢).
- "السنن" لابن ماجه (ص: ٢١٣, ١٤١٩, ١٤٨٤).
стр. 34
- "السنن" لأبي داود, صرَّح باسم الكتاب في (ص: ١٥٤٤) , ونقل منه في مواضع أخرى مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد (ص: ٢٩٢).
- "الشفاء" لابن سينا (ص: ١١٨٢, ١٣١٣).
- صحيح البخاري (ص: ٤٦, ٤٨, ٢٠٢, ٤٠٢, ٧٣٦, ١٣٨١, ١٤٩٢, ١٤٩٣, ١٥٠٩, ١٥٣٤, ١٥٤٠, ١٥٤١, ١٥٧٤).
- صحيح ابن حبان (ص: ٣٤٦, ٤٥١) , وسمَّاه (ص: ٤٠٤): "صحيح أبي حاتم".
- صحيح مسلم (ص: ٣٨, ٤٧, ١٦٦, ١٩٤, ٢٠١, ٣٠٠, ٣٦٣, ٣٩٩, ٤٢٨, ٥٠٠, ٧٣٤, ٨٩٦, ١٠٧٩, ١٤٨٥, ١٥٠٨, ١٥٠٩, ١٥١١, ١٥٣٣, ١٥٣٥, ١٥٤٠, ١٥٦٠).
- "العلل" لعبد الله بن الإمام أحمد (ص: ٤٨٣).
- "العلل" للخلال (ص: ٤٦٥).
- "العلم" للخلال (ص: ٣٣٢).
- "غريب الحديث" لأبي عبيد, صرَّح باسم الكتاب في (ص: ١٤٨٦) , ونقل منه في موضع آخر مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٨٣).
- "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي, صرَّح باسم الكتاب في (ص: ٣٢٦) , ونقل منه في مواضع أخرى مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
стр. 35
- "الفوائد" لتمام, صرَّح باسم الكتاب في (ص: ٤٦٦) , ونقل منه في موضع آخر مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "القلب والإبدال" لابن السكيت (ص: ١٥٧٢).
- "الكامل" للمبرد (ص: ١٢٠١).
- كتاب في معرفة الثوابت (صور الكواكب الثمانية والأربعين) لعبد الرحمن بن عمر الصوفي (ص: ١٢٢٩).
- "المجالسة" للدينوري (ص: ١٧٢).
- "المجمل" لكوشيار بن باشهري الديلمي (ص: ١٢٣١).
- "محاسن الشريعة" للقفال, ذكره (ص: ٩٦٤) , ونقل منه في مواضع أخرى دون تصريح, كما سيأتي.
- مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (ص: ٥١٠).
- مسائل حرب (ص: ٣٤٣, ٥٠٣).
- "المستدرك" للحاكم (ص: ١٩٤) , وسمَّاه (ص: ١٩٦): "صحيح الحاكم".
- مسند الإمام أحمد (ص: ٧٣, ٢٠٣, ٢٩١, ٥٢١, ٥٨١, ١٥٢٦, ١٥٤٤).
- مسند أبي يعلى الموصلي (ص: ٤٤١).
- مصنف لأبي سعيد السيرافي في الرد على المنطق (ص: ٤٤٦).
- مصنف للمنذر بن سعيد البلوطي في مسألة الجنة التي أسكنها آدم (ص: ٥٢).
стр. 36
- "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٥١).
- "المعتبر" لأبي البركات بن ملكا (ص: ١٢٨٩).
- "المعجم" لأبي نعيم, (لعله معجم شيوخه) (ص: ٣٣٧).
- "المفاضلة بين الزرع والنخل" للجاحظ (ص: ٦٥٦).
- "المقابسات" لأبي حيان التوحيدي (ص: ١٣١٤).
- "مناقب الشافعي" للحاكم (ص: ١٤٤٠).
- "مناقب الشافعي" للرازي (ص: ١٤٤٠).
- "الملل والنحل" (الفِصَل) لابن حزم (ص: ٥٣).
- "الموطأ" لمالك, صرَّح باسمه في (ص: ١٥١٠, ١٥٨٨) , ونقل منه في موضع آخر مكتفيًا باسم المصنف, كما سيأتي.
- "النجاة" لابن سينا (ص: ١١٨٢).
القسم الثاني: ما صرَّح فيه باسم المصنِّف دون تسمية كتابه .
وسأوردها مرتبةً على المصنِّفين, مع تسمية كتبهم:
- الترمذي. (ص: ١٦٨, ١٨٤, ١٩٠, ١٩٤, ١٩٦, ٢٠٢, ٢٠٥, ٢٠٦, ٢٠٧, ٢٠٨, ٢١٠, ٢١١, ٢١٣, ٢٩٣, ٤٠٣, ٤٢١, ٥٦٦, ٥٧٥, ٦٦١, ٧٨٩). من كتابه "الجامع".
- تمَّام. (ص: ٤٢٢). من كتابه "الفوائد".
- ابن أبي حاتم. (ص: ١٤٤٦). من كتابه "آداب الشافعي ومناقبه".
стр. 37
- ابن جرير الطبري. (ص: ٤٥٧, ١٣٩٦) من تفسيره "جامع البيان", وفي (ص: ١٤٨٧) من كتابه "تهذيب الآثار".
- ابن جني. (ص: ١٥٧٢). من كتابه "التنبيه على شرح مشكلات الحماسة".
- ابن الجوزي. (ص: ١٣٦٧, ١٣٦٨, ١٣٦٩, ١٣٧١). من تفسيره "زاد المسير".
- الجوهري. (ص: ١٤٨٧). من كتابه "الصحاح".
- الجويني. (ص: ٢٨٨). من كتابه "البرهان".
- الخطابي. (ص: ١٥٥٣). من "معالم السنن" أو "أعلام الحديث".
- الخطيب البغدادي. (ص: ١٨٥, ٣٤٩) من كتابه "الفقيه والمتفقه", وفي (ص: ٤٦٣, ٤٦٤) من كتابه "شرف أصحاب الحديث".
- أبو داود. (ص: ١٧٠, ٩٠٦, ١٥٣١). من كتابه "السنن".
- الزجاج. (ص: ٢٤٤, ٢٥٣, ٢٥٤, ٤٨٦). من كتابه "معاني القرآن".
- الزمخشري. (ص: ٤٠). من كتابه "الكشاف".
- ابن الصلاح. (ص: ٣٥٧). ولم يتبين لي موضع النقل من كتبه.
- ابن عبد البر. (ص: ٤٨٣, ٥٠٢, ٥٠٨, ٥٠٩, ٥١٠) من "جامع بيان العلم وفضله", وفي (ص: ١٥٢٤, ١٥٢٦, ١٥٤٥, ١٥٤٦, ١٥٦٠, ١٥٨٤, ١٥٨٨) من "التمهيد".
- ابن عبد الحكم. (ص: ١٤٨٩). من كتابه "سيرة عمر بن عبد العزيز".
стр. 38
- عبد الملك بن حبيب. (ص: ١٥٦٣). من كتابه "تفسير غريب الموطأ".
- أبو عبيد. (ص: ١٥٨٥). من كتابه "غريب الحديث".
- أبو عبيدة. (ص: ١٤٧٨). من كتابه "مجاز القرآن", ويحتمل أن يكون منقولًا بواسطة.
- ابن عدي. (ص: ١٨٦, ١٩٥, ٢١٢, ٤٦٣, ٤٦٦). من كتابه "الكامل".
- ابن عطية. (ص: ٤٨٥, ٥٨١, ١٣٦٧, ١٣٦٨, ١٣٦٩, ١٣٧٠). من تفسيره "المحرر الوجيز".
- الغزالي. (ص: ١٤٢١). من كتابه "تهافت الفلاسفة".
- الفارابي. (ص: ١١٩٥, ١٤٣١). من رسالته "ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم".
- الفراء. (ص: ٣٠٨, ١٤٧٨). من كتابه "معاني القرآن", ويحتمل أن يكون منقولًا بواسطة.
- أبو القاسم الزجاجي. (ص: ١٤٧٥). والنص في كتابه "تفسير رسالة أدب الكتاب".
- ابن قتيبة. (ص: ٤٧٨) من كتابه "عيون الأخبار" , وفي (ص: ١٥٠٧, ١٥٦٥) من كتاب آخر أحسبه "فضل العرب والتنبيه على علومها", وقد طبع عن نسخة فيها طمسٌ كثير.
- مالك بن أنس. (ص: ١٤٩٢). من كتابه "الموطأ".
стр. 39
- محمد بن عبد الواحد المقدسي الضياء. (ص: ٧٢٥) , ولعل المقصود كتابه "النهي عن سب الأصحاب وما ورد فيه من الذم والعقاب".
- المدائني. (ص: ١٤٦٩, ١٥٠١, ١٥٠٣, ١٥٠٧, ١٥٤٢) , ويشبه أن يكون النقل من كتابه "القيافة والفأل والزجر", ولم يعثر عليه بعد.
- مسدد بن مسرهد. (ص: ١٥١١). والنقل من كتابه "المسند".
- النسائي. (ص: ٩١٧). من كتابه "السنن".
- الواحدي. (ص: ٣٥٦). من تفسيره "الوسيط" أو "البسيط".
- ابن وهب. (ص: ١٥١٠, ١٥١٨, ١٥٣٤). من كتابه "الجامع".
القسم الثالث: ما صرَّح فيه باسم الكتاب دون تسمية مصنِّفه .
وسأوردها مرتبةً على حروف المعجم مع تسمية مصنِّفيها:
- "شرح مقالات بطليموس الأربع" (ص: ١٣١٢). وقد شرح كتابه غير واحد كما بينتُ هناك.
- "الصحاح" (للجوهري) (ص: ٤٣٨).
- الصحيحان (للبخاري ومسلم) (ص: ٤٥, ٤٦, ١٤٨, ١٦١, ١٦٢, ١٦٦, ١٦٧, ٢٤٦, ٧٣٦, ٧٣٧, ١٤٨٢, ١٤٨٣, ١٤٩٠, ١٥٠٨, ١٥٠٩, ١٥١١, ١٥١٦, ١٥٣٤, ١٥٤٠, ١٥٤١, ١٥٦٠).
- "الكشاف" (للزمخشري) (ص: ٤٨٧).
- "المختصر" (لابن الحاجب) (ص: ٩٥٩).
- "المسند" (لأحمد) (ص: ٥٢١, ١٥٤٢).
стр. 40
- "الموطأ" (لمالك) (ص: ٤٨, ٤٧٨, ٦٣٨, ١٤٩٣).
ويلحق بهذا:
- السنن (ص: ٤٦, ٢٣٠).
- الصحيح (ص: ٢٠٠, ٢٣٠, ٤٢٨, ٤٦٨, ٥٧٦, ٦٩٢, ١١٧٠, ١٤٩٣, ١٥٤٣, ١٥٤٨).
- كتب الحيوان (ص: ٧١٦, ١٤٣٦).
- كتب الطب (ص: ٦٦٤).
القسم الرابع: ما لم يصرِّح فيه باسم الكتاب أو مصنِّفه .
وسأسوق ما وقفتُ عليه من ذلك مرتبًا حسب وفيات مصنفيها:
* عمرو بن بحر الجاحظ (ت: ٢٥٥):
ونقل من كتاب "الدلائل والاعتبار" المنسوب إليه (١) , وكاد أن
_________
(١) وهو كتابٌ متنازع النسبة. ولا ريب أن للجاحظ كتابًا في هذا الباب, ذكره في جريدة مصنفاته النديم في "الفهرست" (٢١١) , وياقوت في "إرشاد الأريب" (٢١١٩) , وسمياه: "التفكر والاعتبار", لكن بعض المعاصرين ذهب إلى أن ما بين أيدينا اليوم ليس به, وأنه منحولٌ على أبي عثمان لا يشبه أسلوبه, ومن أولئك: حسن السندوبي في "أدب الجاحظ" (٤٤, ١٥٣) , ومحمود أبو رية في رسائل الرافعي إليه (١٤٧, ٢٠٨). والمثبتون له المصححون لنسبته أجلُّ, فأولهم: الإمام المحقق المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير (ت: ٨٤٠) , فقد وقف عليه وأطراه وسماه: "العبر والاعتبار", في "العواصم والقواصم" (٤/ ٣٣, ٣٧) , و"إيثار الحق على الخلق" (١٦٩). وثانيهم: العلامة الشوكاني (ت: ١٢٥٠) في "فتح القدير" (٥/ ٥٦٧) , وأثنى عليه كذلك, ومن الكتاب نسخٌ خطية في مكتبات اليمن, وللزيدية هناك عنايةٌ بتراث المعتزلة وتهمُّم, وكثيرٌ منه طبع عن أصول احتفظت بها خزائنهم. وثالثهم: إمام الأدب لعصره مصطفى صادق الرافعي, وحسبك به خبرةً بطرائق الكلام وأنسًا ببيان الجاحظ, فقد كتب لأبي ريه حين طبع الكتاب بحلب سنة ١٩٢٨ يوصيه به: "طبع للجاحظ كتابٌ جديد اسمه كتاب الدلائل والاعتبار, فلا يفتك هذا الكتاب, وهو من أهم كتب الجاحظ, بل لعله أهمها في الرأي والفكر؛ لأنه أغار فيه على آراء الفلاسفة القدماء في حكمة المخلوقات وجاء بها في عبارة سَرِيَّة, رحم الله هذا الرجل وزمنه وأهل زمنه". "الرسائل" (١٤٧). ولم يقنع بذلك صاحبه, فكتب إليه سنة ١٩٣١ يسأله رأيه في نسبة الكتاب, فأجابه الرافعي: "لا يمكن إثباتُ كتاب لمؤلف كالجاحظ زوَّر على غيره وزوَّر غيرُه عليه إلا مقابلة الكتاب بأسلوبه في دقائقه وتفاصيله, والراجح أن كتاب دلائل الاعتبار له لولا بعض عبارات ضعيفة تعترض في أثنائه". "الرسائل" (٢٠٨).
طبع الكتاب بمصر قديمًا سنة ١٩١٤ بالمطبعة الأميرية ملحقًا بكتاب التاج المنسوب للجاحظ, ولم يشتهر, ثم نشره الشيخ محمد راغب الطباخ في مطبعته العلمية بحلب سنة ١٩٢٨ بعنوان: "الدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير", فاشتهر وذاع, وسقطت مقدمته من النسخة التي اعتمد عليها, ووقف المستشرق الألماني كرنكو على نسخة متأخرة للكتاب في المتحف البريطاني فنشر مقدمتها في "مجلة المجمع العلمي العربي" بدمشق (٩/ ٥٥٨ - ٥٦١).
وتناهبه النسَّاخ والمؤلفون, ونُسِبَ نِسَبًا شتى:
* فنُسِبَ إلى جعفر الصادق ﵁, وأنه أملاه على المفضَّل بن عمر الجعفي, وانفرد الشيعة بهذه النسبة, وأقدم من نسب الكتاب منهم: النجاشي (ت: ٤٥٠) في رجاله (١١١٢) , وسماه: كتاب الفكر والحث على الاعتبار, ثم ابن طاووس علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني أبو القاسم (ت: ٦٦٤) في كتابيه: "كشف المحجة" (ص: ٩) و "الأمان من أخطار الأسفار والأزمان" (ص: ٩١) , وسماه في الأول: كتاب المفضل بن عمر الذي أملاه مولانا الصادق ﵇ فيما خلق الله ﷻ من الآثار, وسماه في الثاني: معرفة وجوه الحكمة في إنشاء العالم السفلي وإظهار أسراره. وأثنى عليه كثيرًا.
ومن البيِّن أنه لم يكن له اسمٌ علَمي عندهم, ولذا اختلفت عباراتهم عند ذكره. وانظر: "الذريعة" (٤/ ٤٨٢, ٦/ ٤٩, ١٣/ ١٥٤, ١٦/ ٣٠٠, ١٨/ ١٥٢).
وأدرجه المجلسي (ت: ١١١١) بتمامه في "بحار الأنوار" (٣/ ٥٧ - ١٥١) , وفرَّقه في مواضع كثيرة من كتابه وعلَّق عليه وشرح ألفاظه, وشرحه غير واحد منهم.
واشتهر عند متأخريهم باسم "توحيد المفضَّل", وبه طبع قديمًا في إيران والهند, وحديثًا في مؤسسة الوفاء ببيروت (الطبعة الثانية: ١٤٠٦) وهي التي اعتمدت, ونسخه الخطية في الأزهرية وبرنستون ومشهد وغيرها. انظر: "تاريخ الأدب العربي" (١/ ٢٦٠, ٢٦١) , و "تاريخ التراث العربي" (١/ ٢٧٠, ٢٧٩).
والمفضَّل غالٍ مضطرب الرواية فاسد المذهب عند متقدمي مؤرخي الشيعة, مقبولٌ عند متأخريهم, كما قال المامقاني في "تنقيح المقال" (٣/ ٢٤٠): إن ما كان يعدُّ غلوًّا عند قدماء الشيعة تعدُّه الشيعةُ الآن من ضروريات مذهب التشيع!!. وقد وُضِعَ عليه وزيد شيءٌ كثير باعتراف محققيهم. وانظر لمصادر ترجمته: "الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق" (٣/ ٢٩١). وأهمها وأقدمها: "اختيار معرفة الرجال" للطوسي (٢/ ٦١٢) , و "رجال النجاشي" (١١١٢).
ودلائل الوضع على هذه النسبة لائحةٌ ظاهرة, وما هو من طريقة جعفر الصادق وأهل عصره بسبيل, وتحامق القوم فجعلوا في أوله قصة ركيكة لسبب إملائه, وألحقوا بآخره مادة رافضية تباين الكتاب روحًا وأسلوبًا, وبنى معاصروهم عليه علالي وقصورًا.
وقد عُرِض الكتاب على الشيخ محمد بن إبراهيم سنة ١٣٧٧, فأجاب بأن في نسبته إلى جعفر الصادق شكًّا, وأن في آخره غلوًّا في أهل البيت, وما فيه من الحق فكتبُ المحققين من الأئمة المقتدى بهم كابن القيم وغيره تغني عنه. "الفتاوى والرسائل" (١٣/ ١٢٤).
* ونسب إلى أبي حامد الغزالي, مع إضافات قليلة, وطبع طبعات عديدة بعنوانات مختلفة, منها: "الحكمة في مخلوقات الله", و "أسرار الحكمة في المخلوقات", وأورده الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه "مؤلفات الغزالي" (٢٥٧) في القسم المشكوك في نسبته, ولم يبين سبب الشك. وقد ذكر السبكي في "الطبقات" (٦/ ٢٢٧) , والزبيدي في "الإتحاف" (١/ ٤٢) وغيرهما من تصانيف أبي حامد: "عجائب صنع الله", فهل أرادوا هذا؟ وهل يحتمل أن تصح نسبته إليه ويكون قد أغار فيه على كتاب الجاحظ؟
* ونسب إلى جبريل بن نوح الأنباري, وهي نسبةٌ مشكلة, ففي مقدمة النُّسخ المنسوبة للجاحظ: "وقد ألَّف مثل كتابنا هذا جماعةٌ من الحكماء المتقدمين, فما أوضحوا معانيه, ولا بينوا المشكل منه, فمنهم: جبريل بن نوح الأنباري؛ لأنه صدَّر كتابه بغير خطبة ولا مقدمة, ورتبه ترتيب الفلاسفة, وصدَّره بكلام منغلق, ونظمه نظمًا غير متسق ... ". ولا ريب أن النسخة التي وقف عليها ابن القيم كانت منسوبة إليه, فقد قال (ص: ٦٣٢): "قرأت بخط الفاضل جبريل بن نوح الأنباري ... ", ثم نقل نصًّا منه. ولم أجد لجبريل هذا ترجمة. وفي خزانة أيا صوفيا (٤٨٣٦) نسخة من الكتاب منسوبة إليه, وفيها أنه صنفه أيام المتوكل, انظر: "تاريخ الأدب العربي" (٣/ ١٢٨). فهل هي بخط جبريل؟ وهل هو صاحب الكتاب الأصلي والجاحظ أو غيره ناقلون عنه؟
* وللحارث المحاسبي (ت: ٢٤٣) كتاب في هذا الباب بعنوان: "التفكر والاعتبار", ذكره النديم في "الفهرست" (٢٣٦) , وأبدى السندوبي في "أدب الجاحظ" (١٥٣) احتمال أن يكون هو أصل كتابنا هذا. ولم يعثر عليه بعد.
وأيًّا ما كان, فليس من غرضنا ههنا تحرير نسبة الكتاب, وحسبنا أنه مصدرٌ متقدمٌ معروفٌ قبل زمن ابن القيم اعتمد عليه وأفاد منه.
следующие страницы →